فلسطين والعراق توأمان
(الخطبة الأولى)
أيها الناس: يقول أصحاب الاختصاص من الأطباء وعلماء الوراثة إن الحالة الطبيعية أن يطلق أحد المبيضين لدى المرأة بويضة واحدة في كل شهر، فإن أخصبت تكوِّن جنيناً واحداً، ثم يولد مولود واحد. أمَّا إذا انقسمت البويضة المخصبة وكونت جنينين، فعندها تتشكَّل التوائم المتطابقة. وهي حكمة بالغة من خالق الخلق وباسط الرزق تبارك وتعالى، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ}. وقد أكد هؤلاء العلماء بأن التوائم تتشابه بشكل كبير في الشكل والبصمة الوراثية، مع اختلاف بيّن في وظائف الأعضاء ونسبة الذكاء. أما علماء السلوك فقد اختلفوا بخصوص المشاعر المشتركة بين التوائم وتصرفاتهم، وحصول المرض والنوم والاستيقاظ والمزاج والذوق والرؤية المميزة للحياة وباقي الأحوال النفسية، والارتباط في العلاقات بصورة تختلف عن تلك التي تكون عادة بين الأشقاء الذين تفصل بينهم سنوات في العمر.
أيها الناس: لسنا بصدد بسط هذه المسألة اليوم، فلها صعيدها الخاص وميدانها وفرسانها، ولكن الذي أثار هذا الموضوع هو التقرير الذي نشرته صحيفة (واشنطن تايمز) الأمريكية مؤخرا جاء فيه أن “وزارة الخارجية الأمريكية طلبت من وزارة الدفاع (البنتاغون) تشكيل جيش صغير في العراق، وتزويده بأسلحة ثقيلة تشمل طائرات هليكوبتر بلاك هوك، وآليات مصفحة وآليات نقل وناقلات وقود وأجهزة مراقبة"، عقب انسحاب القوات الأمريكية في 2011م. وأشارت الصحيفة إلى أن “مسئولي الخارجية طلبوا من البنتاغون الاستعانة بالشركات الأمنية الخاصة كشركة كي بي آر"، وهي الشركة صاحبة الإرث العريق في خدمة مشاريع البنتاغون من حرب فيتنام إلى العراق وأفغانستان حيث تقوم بتنفيذ مشاريع أمنية بمئات ملايين الدولارات لصالح البنتاغون.
أيها الناس: هل لاحظتم التشابه الكبير بين هذا العمل الأميركي في العراق وبين مراحل تطور السلطة الفلسطينية في ظل الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل شاهدتم هذه التوأمة الدموية المقيتة؟ فبعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 67 حار الاحتلال في شكل العلاقة بينه وبين بقايا الشعب المحتل، بعد أن قتل منه من قتل وشرد من شرد. فتارة يطرح الكونفدرالية مع الجيران الشرقيين، وتارة أخرى يطرح حل الدولة الواحدة الإسراطينية، فتنشط روابط القرى والإدارات المدنية! ثم ينشط دعاة حل الدولتين من عقالهم، بعد أن يشموا رائحة الدولارات الأميركية، فيهيم الناس بحل الدولتين، ويسبحون بحمده بكرة وأصيلاً. ولتعطيل حل الدولتين، فإن أنهار اليورو الأوروبية تسيل على المؤسسات، فتقام المشاريع، ويعتري ذلكم حلَّ الدولتين بسوء، فيتعثر، وربما تدحرج وتتدعثر. وما بين كل طرح وطرح تسيل الدماء، وتتناثر الأشلاء، ويعاني الناس من آثار الحصار وآثار كسره على حد سواء. وتبقى القضية كضِلَعٍ على وَرِك، لا يستقر لها مدار، ولا يقر لها قرار. روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قعودا فذكر الفتن فأكثر ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال: هي فتنة هرب وحرب، ثم فتنة السراء دخلها أو دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني، إنما وليي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل انقطعت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسى كافرا، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، إذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد. وأما كورك على ضلع، فهو مثل، ومعناه الأمر الذي لا يثبت ولا يستقيم، وذلك أن الضلع لا يقوم بالورك، وبالجملة، يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك ولا مستقل به. وكان آخر ما استقر عليه الحال في فلسطين وبخاصة في الضفة الغربية، أن شكل الجنرال دايتون أجهزة عسكرية بسلاح خفيف لا يصلح لصيد الطيور، ولكنه فعال في البطش بالشعب وقمعه، لتكون هذه الأجهزة ذراعا أمنيا للمحتل، وشركة حراسة له تمنع المقاومة المسلحة وغير المسلحة ولو كانت كلمة تلقى في مسجد، أو محاضرة في قاعة، أو مؤتمرا في مكان مغلق أو مفتوح، إنهم ساء ما كانوا يعملون.
أيها الناس: إن التشابه بين الذي حصل في العراق، وما يحصل في فلسطين كبير لدرجة تفوق الوصف، فهما بحق توأمان، ولكن في المصائب، ومن حيوان منوي كافر واحد. فكما أن “إسرائيل” قد قامت على زعم باطل مفاده (شعب بلا أرض على أرض بلا شعب)، فاحتلت الأرض وهجّرت الشعب، ومحت آثاره وثقافته وقراه ومدنه، وغيرت كل شيء في حياته، فإن أميركا قد غزت العراق تحت شعار الحرب على الإرهاب، ومقاتلة محور الشر، فأطاحت بحكومة صدام، وسحقت حزب البعث واجتثته من جذوره، وقتلت الملايين وشردت أضعافهم، ودمرت البلاد وعاثت فيها فسادا، وهيأت لها طبقة سياسية ودينية عميلة، ونشرت الخراب والدمار، وأشعلت الصراعات الطائفية والعرقية، تمهيداً لتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات عرقية وطائفية متناحرة (كردية وشيعية وسنية)، مستعينة بعملائها في دول الجوار (تركيا وإيران وسوريا) لتثبيت الأوضاع السياسية والأمنية التي تضمن بقاء الاحتلال الأمريكي آمنا مستقراً. وهي اليوم تريد أن تضمن لها وجوداً عسكرياً واستخباراتياً ودبلوماسياً في العراق والمنطقة، هو الأضخم من نوعه في العالم. فاستخدمت الشركات الأمنية، كما يستخدم اليهود شركات أمنية للحراسة على المعابر وأماكن أخرى، في توأمة نادرة بين العملين، وما جيش لبنان الجنوبي اللحدي منا ببعيد.
أيها الناس: هلا وعى المسلمون حقيقة الكيد الأمريكي ضدهم وإصرار أمريكا على تكبيلهم بأغلال العبودية تحت مسميات الديمقراطية، وهلا وعوا كذلك حقيقة تواطؤ الأنظمة العميلة التي تسهر على خدمة الاستعمار الأمريكي المتوحش. وهلا آن الأوان للمخلصين من أبناء الأمة أن يضعوا أيديهم بأيدي حملة الدعوة المخلصين العاملين الجادين والهادفين لإقامة دولة الإسلام التي تحرر الأمة من أصفادها وتقودها لتحرير البشرية من هولاكو العصر؟ وهلا نفض المسلمون الساذجون أيديهم من وعود أوباما الكاذبة؟
(الخطبة الثانية)
أيها الناس: ها هم الأميركيون والبريطانيون والفرنسيون وغيرهم من الكفار قد أقاموا دولهم، وخاضوا غمرات الحرب والسياسة، ولما وصلوا إلى نقطة الاستقرار العسكري، اتخذوا شركات الحراسة وسيلة لتأمين مصالحهم، وكذلك فعلوا بالجيوش في بلاد المسلمين. وليس مهما كم يدفعون، فكل لحن بثمن! ولكن العار كل العار أن نكون نحن من يحرسهم، وكيف بالله عليكم نحرس من قتلنا وفتك بنا وبأرضنا وثرواتنا؟ وحرام على جيوشنا أن تكون شركات حراسة لهم، ومتاريس تقيهم الحر والقر، فيضعوا السلاح ويأمنوا، وكنا والله أحق بها وأهلها ولا زلنا. روى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين بعدما أوحى الله إليه خائفًا هو وأصحابه يدعون إلى الله سبحانه سرًّا وعلانية، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة وكانوا بها خائفين، يصبحون في السلاح ويمسون في السلاح فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لن تلبثوا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليست فيهم حديدة، وأنـزل الله تعالى: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًۭا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًۭٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ}، فأظهر الله تعالى نبيه على جزيرة العرب، فوضعوا السلاح وأمنوا ثم قبض الله تعالى نبيه فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم حتى وقعوا فيه وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف وغيروا، فغير الله تعالى ما بهم.
أيها الناس: ألا فليعلم الأميركيون وغيرهم من الكفار بأن الأمن لا يتحقق بشركات الحراسة ولا بالجيوش التي تعمل على غرار تلك الشركات، مكبلة لا جهاد فيها، بل إن الأمن كل الأمن في الإيمان والعمل الصالح، فهما أساس الاستخلاف والتمكين والأمن. وستقوم الخلافة قريبا بإذن الله ويأمن الناس، وستكون جيوشها في شغل الجهاد منهمكة، وعلى فتح البلاد وهداية العباد منكبة، وفي محراب الإيمان عاكفة. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
www.al-aqsa.org