لقاء العلمانية والإسلام والشطب من قائمة الإرهاب

إن النظرة الجديدة من المجتمع الدولي لمفهوم الإرهاب بعد أن أطلقت الإدارة الأمريكية في عهد كلينتون نداء الحرب على الإرهاب تنصب في الأساس على تلك السلوكات الإنفعالية مترجمة بلغة السلاح ضد ممارسات الهيمنة الغربية على بلاد العالم الثالث عامة وعلى العالم الإسلامي خاصة ، والغريب أن هذه النظرة الأحادية التي تتجاهل وتستبعد الإرهاب الدولي ممثلا بممارسات عسكرية على الأرض منشأها أكاذيب وتبريرات من مثل "أسلحة الدمار الشامل في العراق" و"النووي الإيراني" و " الجماعات الإرهابية" –تجد لها مساغا وقبولا حتى في أوساط المفكرين والعلماء المسلمين . وهنا يتجلى فقدان المعيار المستقل وتبني معايير الآخر تأثرا بسطوته الإعلامية التابعة لسطوته السياسية والعسكرية.
وبهذا يمكن تمثيل هذا الواقع بأنه غيبوبة في الوعي جراء إصابة قوية (عسكرية) أو انبهار يشل العقل جراء تألق القوة المهيمنة ورونقها المادي مقارنة بحال العالم الإسلامي ، فهذا الواقع المتأرجح بين الغيبوبة والانبهار يولد مثل هذه التبعية التي تلبس لبوس التحرر والديمقراطية والإبداع الجريء وتتمخض عنها من ذلك مصطلحات من مثل "تجديد الفكر الإسلامي" و "الوسطية" و"المرونة" و"السماحة" و"الإسلامي الحضاري" وغير ذلك مما يسمع ويقرأ ويشاهد، ومع أن هذه المصطلحات غير منكرة إن جردت من تلك التبعية وإن تركت على جرائتها وصراحتها إلا أن مدلولاتها تقود إلى اختزال للمفاهيم الإسلامية الثابتة وإلغاء أو تأويل لأحكام إسلامية ربما تدخل في المفهوم الجديد للإرهاب والأصولية.
وعلى هذا يتم تحويل وتحوير الأحكام الإسلامية بغية إبعادها عن مفهوم الإرهاب .فيصبح الجهاد بمفهومه الواسع الشامل المقرر في كتب الفقه إلى مقاومة محتل أو نصرة مستضعف وبذلك يتم تاهيل حكم الجهاد في الإسلام ليصبح مفهوما حداثيا ويتحرر من وصمه بالإرهاب!!.. ونفس العملية تجرى على مفاهيم الإسلام السياسي مثل وحدة الأمة وسيادة الشرع لتصبح مفاهيم مهجنة منقحة تناسب الواقع السياسي القطري الديمقراطي العلماني وبهذا يتم إنقاذ الإسلام من وصمه بالأصولية والرجعية .. فنجد نداءات من داخل الحركة الإسلامية تنادي بدولة قطرية بمرجعية إسلامية وليس على أساس إسلامي وهذا التلفيق في المصطلحات يغري عواطف الأمة لتسير في ركب هذا التوجه الجديد .. وبين مصطلح " المرجعية" ومصطلح "الأساس" تهويش وتزييف فمصطلح المرجعية معناه إدخال الإسلام كمرجعية أخلاقية إنسانية ضمن مرجعيات أخرى بغية التخفيف من وطئة العلمانية المادية .. وهذا الطرح لا ينفي العلمانية وإنما يثبتها بطريقة جديدة تنقذ الإسلام السياسي من أن يوصم بالإرهاب والأصولية وهنا ضمان لقبول دولي .. وتوسل لكسب مشاعر الأمة "الإسلامية" وبالتالي يتحقق مفهوم الوسطية ويصبح النموذج الإسلامي نموذجا حضاريا قادرا على السير في ركب العصر الحديث دون أن يواجه ما تواجهه الدولة العلمانية في العالم الإسلامي من رفض وما تواجهه الجماعات الأصولية من عداء وحرب.
النموذج التركي كمثال:
من الأمثلة على هذا التوجه الجديد ما نراه من صعود الظاهرة التركية على الساحة السياسية في الشرق الأوسط . فالصورة الجديدة لتركيا لم تتجرد من العلمانية ولم تتخلى عنها وإنما بقيت العلمانية على حالها كما أرادها أتاتورك وما تغير هو إضافة مرجعية أخلاقية إنسانية أو لنقل محاولة إضافة.. فملامح النموذج التركي الجديد بدأت ترتسم ولما تكتمل بعد . لكن من ملاحظة هذه الملامح نستطيع أن نستشرف النموذج التركي المرجو.. نلاحظ أن تركيا تتجه إلى أن تكون دولة علمانية بمرجعية إسلامية.. وهذا يعني أن تصبغ العلمانية الأتاتوركية المتوحشة المعادية تماما لكل مظهر من مظاهر التدين وخصوصا التدين الإسلامي فتصبح علمانية مروضة نوعا ما تقبل هذه المظاهر على أن لا تخرج الدولة عن سمتها العلمانية .. فلا حرج من بناء المساجد ورفع الآذان بطريقة علنية ولا حرج من لبس الحجاب وصلاة الجمعة علنا. ولكن هذا ضمن قيود الحرية الفردية التي تسمح بها العلمانية . وفي المقابل لا وجود لعداء سافر مع إسرائيل يصل إلى حد إعلان النفير العام لنصرة المسلمين .. ولا وجود لمساعي توحيد بلاد المسلمين .. ولا وجود لثقافة دار الإسلام ودار الكفر ..ولا وجود لمفهوم الجهاد الأصلي كما هو في الفقه الإسلامي .. وبذلك نرى تركيا تتجه لتحقيق هذا النموذج الوسطي الذي يرضي المجتمع الدولي ولا يسخط المجتمع الإسلامي.
من هذا لا نستغرب بقاء العلاقة التركية الإسرائيلية بعد اعتدائها على قافلة الحرية وقتلها لتسعة مواطنين أتراك .. ولا نستغرب مساعي تركيا لإحلال سلام بين سوريا وإسرائيل .. ولا نستغرب تصريحات "السلام في الشرق الأوسط" تتناقلها وسائل الإعلام على ألسنة القيادة السياسية التركية بين حين وآخر ..
نماذج على الطريق:
ومن الأدلة على أن هذا النموذج لاقى قبولا ونجاحا باهرا على المستويين الدولي والإسلامي.. أن ترى الإسلاميين يشيدون بهذا النموذج بل ويطرحون تطبيقه إذا ما تم تمكينهم من الحكم .. فترى إسماعيل هنية يقترح على مبعوثين أمريكيين إلى غزة أن يطبق النموذج التركي!! .. وترى نداءات وصيحات علماء ومفكرين إسلاميين يصفون هذا النموذج بالعثمانيين الجدد.. وها أنت ترى الإخوان المسلمين في مصر يسيرون في ركب البرادعي ويطرحون نفس النموذج تحت مسمى التغيير .. والأمر على هذا ينسحب على الشرق الأوسط والعالم الإسلامي .
الحذف من قائمة الإرهاب:
نستطيع أن نقرر بعد كل ما سبق أن هذا التوجه بدأ يؤتي أكله ويحصد أهدافه .. فهاهو على طريقه ليعتبر مقبولا عالميا ويحذف من قائمة الإرهاب .. وهذا ما بدأنا نلمسه من دعوة دول أوروبية لشطب حركة حماس من قائمة الإرهاب .. وقد رأينا تركيا تسوّق لحركة حماس في المجتمع الدولي وتقول : "أعطوهم فرصة" ! ..ولا أدل على ذلك من وفود الدول الأوروبية المتتابعة على غزة مطالبة برفع الحصار .
من هنا يتحقق الاحتواء الغربي للإسلام بطريقة ناعمة لطيفة بعد أن فشل في محاولاته العسكرية القمعية .. وبذلك انتهى عهد مقولة "تلك حرب صليبية" على لسان بوش لتصبح في العهد الجديد مقولة "السلام عليكم" على لسان أوباما.


أبو يحيى
26/6/2010م