بســم الله الـرحمــن الرحيــم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
ماذا قدمنا للخلافة ؟؟؟؟!!!
الجزء الأول
يا أيها الإنسان :
كنت عدما محضا ، قال تعالى : { أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا } (1) ، ثم خلقك الله من نطفة ، فجعلك سميعا بصيرا ، قال تعالى : { هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا }{ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } (2) ، ثم تدرجت من ضعف إلى قوة ، ومردك إلى ضعف ، قال تعالى : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ } (3) ، ثم النهاية التي لا شك فيها الموت .
وأنت في تلك المراحل تنتقل من ضعف إلى ضعف ، لا تستطيع أن تدفع عن نفسك الضر ، ولا تجلب لنفسك النفع إلا باستعانتك على ذلك بنعم الله عليك من الحول والقوة والقوت ، وأنت فقير محتاج من حيث الفطرة ، فكم هناك من شيء تحتاج إليه لاستبقاء حياتك ليس في متناول يدك ، وقد تناله مرة ، وتسلبه أخرى ، وكم هناك من أشياء تنفعك وتريد الحصول عليها ، وقد تفوز بها مرة ولا تظفر بها أخرى ، وكم من شيء يضرك ويخيب آمالك ، ويضيع جهودك ويجلب لك المحن والآفات ، وتريد دفعه عن نفسك ، فتدفعه مرة وتعجز أخرى . . ألم تستشعر فقرك وحاجتك إلى الله ؟ والله يقول : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } (1) .
يعترضك فيروس ضعيف لا تراه العين المجردة ، فيرديك صريع المرض ، فلا تستطيع دفعه ، وتذهب إلى إنسان ضعيف مثلك ليعالجك ، فمرة يصيب الدواء ، وتارة يعجز الطبيب ، فتعم الحيرة المريض والطبيب .
ألا ما أضعفك يا ابن آدم ، لو سلبك الذباب شيئا ما استطعت استعادته منه ، وصدق الله حيث يقول : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } (1) ، فإذا كنت لا تستطيع استنقاذ ما سلبك الذباب فماذا تملك من أمرك ؟ : " ناصيتك بيد الله ، ونفسك بيده ، وقلبك بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبه كيف يشاء ، وحياتك وموتك بيده ، وسعادتك وشقاوتك بيده ، وحركاتك وسكناتك وأقوالك بإذن الله ومشيئته ، فلا تتحرك إلا بإذنه ولا تفعل إلا بمشيئته ، إن وكلك إلى نفسك وكلك إلى عجز وضعف وتفريط وذنب وخطيئة ، وإن وكلك إلى غيرك ، وكلك إلى من لا يملك لك ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فلا غنى لك عنه طرفة عين ، بل أنت مضطر إليه على مدى الأنفاس ظاهرا وباطنا ، يسبغ عليك النعم ، وأنت تتبغض إليه بالمعاصي والكفر مع شدة الضرورة إليه من كل وجه ، قد اتخذته نسيا ومردك إليه ومرجعك وموقفك بين يديه " (2) .
تشرك به من تقصده بأعمالك نفاقاً وتزلفاً ،أو خوفاً ،أو رياءً وتسميعا .أوِ تجعل الله أهون الناظرين إليك ؟!!!
يا أيها الإنسان : نظرا لضعفك وعجزك عن تحمل تبعات ذنوبك : { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } (1) ، أرسل الله الرسل ، وأنزل الكتب ، وشرع الشرائع ، ونصب أمامك الطريق المستقيم ، وأقام البينات والحجج والشواهد والبراهين ، حتى جعل لك في كل شيء آية دالة على وحدانيته وربوبيته وألوهيته ، وأنت تدفع الحق بالباطل ، وتتخذ الشيطان وليا من دون الله ، وتجادل بالباطل : { وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا } (2) ، أنستك نعم الله التي تتقلب فيها بدايتك ونهايتك ! أولا تذكر أنك خلقت من نطفة ؟ ومردك إلى حفرة ، ومبعثك إلى جنة أو نار ، قال تعالى : { أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ }{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ }{ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } (3) ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ }{ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ }{ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } (4) .
يا أيها الإنسان لماذا تحرم نفسك لذة الوقوف بين يدي الله تناجيه ؟ ليغنيك من فقر ، ويشفيك من مرض ، ويفرج كربتك ، ويغفر ذنبك ، ويكشف ضرك ، وينصرك إن ظلمت ، ويدلك إن تحيرت وضللت ، ويعلمك ما جهلت ، ويؤمنك إذا خفت ، ويرحمك حال ضعفك ، ويرد عنك أعداءك ، ويجلب لك رزقك (1) .
يا أيها الإنسان إن أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان - بعد نعمة الدين - هي نعمة العقل ، ليميز به بين ما ينفعه وما يضره ، وليعقل عن الله أمره ونهيه ، وليعرف به أعظم غاية وهي عبودية الله وحده لا شريك له ، قال تعالى : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ }{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } (2) .
يا أيها الإنسان إن الإنسان العاقل يحب معالي الأمور ، ويكره سفاسفها ، ويود أن يقتدي بكل صالح وكريم من الأنبياء والصالحين ، وتتطلع نفسه إلى أن يلحق بهم وإن لم يدركهم ، والسبيل إلى ذلك هو ما أرشد إليه سبحانه بقوله : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } (1) ، وإذا امتثل ذلك ألحقه الله بالأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين ، قال تعالى : { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } (2) .
يا أيها الإنسان إنما أعظك بأن تخلو بنفسك ، ثم تتأمل ما جاءك من الحق ، فتنظر في أدلته ، وتتدبر براهينه ، فإن رأيته حقا فهلم إلى اتباعه ، ولا تكن أسير الإلف والعادة ، واعلم أن نفسك أعز عليك من أقرانك وأترابك وميراث أجدادك ، وقد وعظ الله الكفار بهذا وندبهم إليه فقال سبحانه : { إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } (1) .
يا أيها الإنسان إنك حينما تسلم لن تخسر شيئا ، قال تعالى : { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا } (1) ، قال ابن كثير رحمه الله : " وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطريق الحميدة ، وآمنوا بالله رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله ، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها ، وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة ، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم ، فيوفقه ويلهمه رشده ، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه ، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة " (2) ، إن إسلامك لن يحول بينك وبين أي شيء تريد عمله أو تناوله مما أحله الله لك ، بل إن الله يأجرك على كل عمل تعمله تبتغي به وجه الله ، وإن كان مما يصلح دنياك ويزيد في مالك أو جاهك أو شرفك ، بل حتى ما تتناوله من المباحات إذا احتسبت أن تكتفي بالحلال عن الحرام ، فلك فيه أجر ، قال صلى الله عليه وسلم : « وفي بضع أحدكم صدقة . قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر » (1) .
يا أيها الإنسان إن الرسل جاءوا بالحق ، وبلغوا مراد الله ، والإنسان محتاج إلى معرفة شرع الله ، ليسير في هذه الحياة على بصيرة ، وليكون في الآخرة من الفائزين ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } (2) ، وقال عز شأنه : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } (3) .
يا أيها الإنسان إن الله غني عن عباده ، فلا تضره معصية العاصين ، ولا تنفعه طاعة الطائعين ، فلن يعصى إلا بعلمه ، ولن يطاع إلا بإذنه ، وقد قال الله كما أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ؛ فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » .
والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .