كأس العالم
الجمعة 20رجب 1431هـ الموافق 2/7/2010م
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، أما بعد:
أيها المسلمون: يقول رسول الله : (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحّة والفراغ) رواه البخاري. وقال : (كلّ لهوٍ باطل غيرَ تأديب الرجل فرسه وملاعبته أهله ورميه بسهمه). في هذه الأيام تنظم هيئة من هيئات الكفر منافسات رياضية وهي ما يعرف بكأس العالم لكرة القدم، والتي شغلت كثيراً من أبناء المسلمين وافتتن بها كثير منهم كما فتنوا من قبل بمنافسات رياضية دورية محلية وأخرى دولية وقارية. ولما فيها من مفاسد جمة أحببنا بيان بعض المفاسد الخطيرة المتعلقة بهذه اللعبة وغيرها مما هو على شاكلتها حتى نحذرها ونحذر أبناءنا منها وحتى نقوم بواجباتنا تجاه أبنائنا ومن ولانا الله أمرهم.
أيها المسلمون: الأصل في الألعاب الإباحة ما لم ينص الشرع على تحريم لعبة معينة، أو ما أوصل إلى فعل الحرام أو ترك الفرض، فعندئذٍ يُحرّم من هذا الباب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولعب الكرة إذا كان قصد صاحبه المنفعة للخيل والرجال بحيث يستعان بها على الكرّ والفر والدخول والخروج ونحوه في الجهاد، وغرضه الاستعانة على الجهاد الذي أمر الله به ورسوله فهو حسن، وإن كان في ذلك مضرة بالخيل والرجال فإنه ينهى عنه".
وقد تعلّقت قلوب وعقول المسلمين بلعبة كرة القدم، وأصبح هذا الهوس الكرويّ متسلطًا على عقول الأجيال في العصر الحاضر إلا من رحم الله. وحصل بسبب مباريات كرة القدم تطليق لزوجات وتقطيع لأواصر القربات، فما أن يعلن عن إقامة مباراة بين ناديين إلا وتستعد لها الرايات وتنبري لها الإذاعات وتهيئ لها الشاشات ويعدّ المشجعون لها الطبول والمزامير. وما أن تنتهي المباراة حتى تنتقل من ساحة الملعب ليكون ميدانها في البيوت والمدارس والدواوين ومكاتب الموظفين، ويستمر النقاش لساعات وأيام، فتعطل بسببها المصالح وتؤخر المعاملات وتترك الواجبات، وما أن تهدأ حدتها وتنجلي غمرتها حتى يعلن عن إقامة مباراة أخرى وهلم جرا. وإذا رفعت صوت المنطق لتناقش أعقل هؤلاء المصابين بالهوس الكروي لرد عليك بملء فمه: "إنني رياضي".
أيها المسلمون: أصبح من المسلّمات ومن المعلوم عند الجميع بل ومما ينشر علنًا أن اليهود هم وراء إلهاء الشعوب بشكل عام والشعوب الإسلامية بشكل خاص عن التفكير في قضاياهم المصيرية الكبرى.
فمن مفاسدها: وقوع حب الكافر ومودته وتعظيمه وتبجيله في قلب المسلم. فمن أخطر مفاسد هذه المنافسات كسرُ الحاجز الديني بين المسلمين والكفار، ألا وهو حاجز البراء الذي هو من أوثق عرى الإيمان. فترمي هذه المنافسات إلى أن لا يبقى في قلوب المسلمين بغضٌ للكفار من أجل الله تعالى، ولا كراهيةٌ لهم لأجل ما هم عليه من الكفر والدين الباطل ومحاربةِ الحق وأهله بشتى الطرق والوسائل، وأعظم من ذلك أن يقع في قلب المسلم حبُّ الكافر وتبجيله، وأن يجري على لسانه مدحه والثناء عليه، وأن ينظر إليه نظر التعظيم والإعجاب، فيحمل صورته في قميص على صدره وفي سيارته ويعلقها في بيته، ويغضب له إذا نيل منه وطُعن فيه، ويسعى جاهداً في الوصول إليه لمصافحته وأخذ قميصه أو توقيعه، وكثيراً ما يبلغ الأمر إلى أن يُحمَلَ هذا الكافر بالله من لاعبٍ أو مدرب أو مسؤول على أكتاف المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قدم عائذ بن عمرو  يومَ الفتح مع أبي سفيان بن حرب على النبي  فقال الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو، فقال رسول الله : (هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعزُّ من ذلك، الإسلام يعلو ولا يُعلَى) قال الحافظ ابن حجر: "وفي هذه القصة أن للمبدأ به في الذكر تأثيراً في الفضل لما يفيده من الاهتمام، فإذا كان هذا في مجرد التقديم في اللفظ فكيف بالمدح والثناء والتعظيم؟ ثم كيف بالرفع على الأكتاف والوقوف للأعلام؟
ومن مفاسدها: تضليل المسلمين عن قضايا أمتهم وشغلهم عن التفكير في الاستعداد لجهاد أعدائهم. لقد استطاع أعداء الإسلام أن يغرقوا المسلمين في هذه المنافسات، وأن ينسوهم قضايا الأمة الكبرى ومهمتها العظمى في تبليغ هذا الدين، وأن يميتوا فيهم الحس الإسلامي، فتجد كثيراً من المتابعين لهذه المنافسات لا يكترث ولا يأبه بما يحدث لإخوانه المسلمين المستضعفين في شتى بقاع العالم، من تشريد وتقتيل وتعذيب وتنكيل، وانتهاك للحرمات وتدنيس للمقدسات، بل شغلهم الشاغل تقصي أخبار المنافسات وتتبع نتائج المباريات والشغف بمعرفة وضعية اللاعبين المادية والاجتماعية.
ومن مفاسدها: صرف همم المسلمين عن الاشتغال بمقاصد الشرع ومعالي الأمور، وشغلُهم بالسفاسف والمهازل. إن هذه المنافسات هي في الحقيقة معول هدم في بناء الأمة الإسلامية؛ استخدمها أعداء الإسلام وشجعوا عليها للقضاء على معاني العزة والكرامة في الأمة وإماتتها وتحقيرها في نفوس المسلمين.
ومن مفاسدها: تضليل المفاهيم وقلب المعايير. فنجد التلاعبَ بالألفاظ على أشُدِّه، فهم يسمون اللاعب الذي يكفيه حِطةً ودناءة أنه يلعب ويلهو، يسمونه بطلاً ونجمًا وصانعَ تاريخ ومحققَ أمجاد، ويسمون غلبةَ أحد المتنافسين نصراً ونجاحاً وفوزاً وفلاحاً، وما كانت العرب تقول قبل الإسلام ولا بعده إلا: سابقه فسبقه، وصارعه فغلبه.
أيها المسلمون: ومن مفاسدها: تقديم القدوة السيئة الدنيئة للطفل والشاب المسلم. فمن أهداف هذه المنافسات غرس القدوة السيئة والأسوة الدنيئة في أذهان النشء، والحيلولة بينهم وبين القدوات الزكية التي ينبغي أن تُتَّخذ. ومن وسائلهم في تحقيق ذلك تكثيف اهتمام أجهزة الإعلام بأولئك الرياضيين، وتتبع أخبارهم وما يتعلق بهم من صغير أو كبير، ووصفهم بالأبطال والنجوم والأسود غير ذلك من الألفاظ النافخة، مما يجعل الطفل والشاب لا يهتم بعلم ولا عمل، وليس له في تحقيق العزة والتمكين همٌّ ولا أمل، بل همُّه الوحيد وأمله الفريد أن يصبح بطلاً من الأبطال ونجماً من النجوم الواهية! وقد بلغ الأمر بكثير من الشباب إلى حد تقليد أولئك الذين لا خلاق لهم والتشبه بهم، بل ربما اقتدوا بهم في عاداتهم وحركاتهم الخبيثة والكفرية.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، ءآلله خير أما يشركون؟ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده المرتجى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المجتبى، وبعد:
أيها المسلمون: ومن أضرار المشاهدةِ والتي لا ينكرها عاقل أنها أصبحت وسيلة لتفريق الأمة وإشاعة العداوة والبغضاء بين أفرادها، حيث أوجدت التعصب المقيت للفرق الرياضية المختلفة، بل إن أهل البيت الواحد ينقسمون على أنفسهم، فهذا يتبع فريقًا وذاك يتبع فريقًا آخر، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومن أضرارها أن كرة القدم اليوم فيها صد للمتفرجين عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا أمر معروف عن الناس خاصتهم وعامتهم، وباتفاق العلماء بأن كل ما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو حرام. فأي دين لشخص يدع الصلاة بسبب مشاهدة مباراة مع يسر عملها ووقتها؟ وأخبر النبي  أنّ من لم يحافظ على هذه الصلوات فليس له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة، ويحشر مع أئمة الكفر: فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف.
ومن أضرارها الغضب بسبب هفوة أو سقطة أو ضياع فرصة في المباراة، وهذا الغضب في غير محلّه، بل والتصرف أحيانا بعد الغضب بما يخالف الشرع، ومن أضرارها الخلاف والشقاق والشحناء بين المشاهدين المشجعين، فهذا ينتصر لهذا الفريق، وذاك ينتصر لذاك الفريق، فيحدث بينهم الفرقة والنزاع، فيجافي بعضهم بعضا. ومن أضرارها ضياع حقوق الوالدين بالبر والزوجة والأبناء بأداء واجب الأمانة فيهم خلال مشاهدة المباريات، بأن يكون حال المشاهد متعلقا بالمباراة، فلا يطيع والديه إذا طلباه في أمر ما، وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله. أما الأبناء والزوجة فحدث ولا حرج، هذه المسكينة تتعطّل كل متطلباتها البيتيّة ولوازم الأسرة لمجرد بداية صفارة الانطلاق التي يصفّر معها الشيطان، فينذر كل من حوله بعدم الحراك والكلام، والويل كل الويل لمن يعبر أمام الشاشة أو يشوّش، والويل لمن يطلب حاجة أو يسأل معروفا، وما أدراك ما ينتج عن ذلك من المشكلات العائلية والفتن الاجتماعية.
ومن أضراراها أن كرة القدم اليوم أصبحت وسيلة لقلب الموازين، حيث أن البطل في هذا الوقت هو لاعب الكرة، لا المجاهد المدافع عن كرامة الأمة وعزتها، ونسيت أو أُنسيت أجيال الأمة الناشئة اليوم أبطالها الحقيقيين، أمثال خالد وسعد والمثنى وشيخ الإسلام وغيرهم، وصار تعلقهم بفلان وفلان، وإذا أردت صدق مقالتي فتتبع قصات الشعر عند بعض الشباب، تجدها قصات لاعبي كرة القدم. ومن أضرارها دخول المراهنات وانتشارها على مباريات كرة القدم.
أما إذا أردت أن تعرف حجم عمر الأمة الضائع فطريقة حسابها أن تضرب عدد المشاهدين في مدة المباراة، فيظهر لك الساعات المهدرة من عمر الأمة، وهذه الساعات هي ساعات حياة المسلمين، وهي بالضبط ساعات تأخرهم وتقهقرهم، وساعات تأخر نصر الله عنهم.
أيها المسلمون: إننا أمّة جهاد، أمة علم، أمة عبادة، أمة دعوة، أمة أمر بمعروف ونهي عن منكر، بهذا مُيّزنا، وبهذا فضلنا الله على غيرنا، لسنا أمة لعب ولهو ورقص وغناء، لم يخلقنا الله لهذا ولم يوجدنا لهذا، بل أوجدنا الله لنكون شهداء على الناس. فعجبًا لجيل يأبى إلا السفول، ولا يريد إلا الدنو، والأمرّ من هذا أن أراضينا مغصوبة وكرامتنا مهانة وعزنا مفقود وعقيدتنا وتصوراتنا ينخرها الخلل والضعف والقصور، ومع ذلك ما زلنا نرقص ونغني ونتابع هذا الهوس الكروي، وكأن الأمر لا يعنينا، وكأننا قد أدّينا كل الحقوق والواجبات.
أيها المسلمون: مع مفهوم الفوز والخسارة، هذا المفهوم الشرعي الذي صار لا يفهمه كثير من الناس اليوم إلا من خلال فوز فريق وخسارة نادي، وغاب عن الذهن الفوز الحقيقي الذي علمنا ربنا في كتابه في قوله سبحانه: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}. وقال: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} هذا هو الفوز؛ أن تزحزح عن النار وأن تكون من أهل الجنة، وما عداه فقد تراه فوزًا، وهو في المقابل يزيدك إثمًا ومعصية وخسرانا. وأما الفرح المذموم فهو الفرح المطلق الذي يَخرج ويُخرج عن السيطرة، فتلتهب به المشاعر، وتنفعل معه الجوارح، قفز وهزّ وطرب ومجون ومطاردات بالسيارات وزغاريد وشماتات، فرح لمجرد فوز هذا أو خسارة ذاك، فرح بغرور الدنيا ولعبها وباطلها ولهوها وزينتها، ويفتخرون بذلك ويتباهون، ويلهو بذلك ويلعب الشيطان بعقله ويذهب كل مذهب بسبب هذا الإفراط في الفرح، وبهذه الطريقة يكون الفرح مذموما وباطلا ومنهيا عنه في شرع الله وسنة رسول الله . ويقابل ذلك الحزن الشديد والهمّ والغمّ لمجرد خسارة الفريق، فتجد الكآبة تعمّ البيت والصمت والوجوم والغم والحداد، فلا طعام، ولا شراب، ولا نوم، ولا أحباب، دموع ونحيب، وجوه خاشعة عاملة ناصبة.
اللهم عجل لنا بدولة الخلافة التي تشجع على الرياضة التي تدرب شباب المسلمين، وتعدهم وتهيؤهم للاستعداد ليكونوا مجاهدين في سبيل الله، لا لاهين ولا لاعبين بدون هدف. اللهمَّ عَجِّلْ لَنا بِالْفَرَجِ وَالنَّصْرِ وَالاسْتِخْلافِ وَالتَّمْكينِ، بِإِقامَةِ دَوْلَةِ الإِسلامِ، على رَأْسِها خَليفَةٌ أَميرُ المؤمنين، يَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً، وَاجْعَلْ ذلكَ قَريباً، وَاجْعَلْنا مِنْ شُهودِهِ، حَتى تَكونَ في أَعناقِنا بَيْعَةً، وَحَتّى لا نَموتَ مِيتَةً جاهِلِيَّة.

أبو خليل - الخليل