المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
من الهداية إلى الشّهادة (قصّة شهيد)
منتدى العقاب > ديوان القضايا المصيرية > قضايا الأمة المصيرية
ابو ايوب
كتب أخي ّ ابن الزيتونة" في المنتدى الأزرق في قسم النفسيّة الإسلاميّة هذه القصّة لشهيد تحت عنوان:

من الهداية إلى الشهادة (قصة شهيد)

اللهم امتنا على ما ما توا عليه غير مبدلين ولا مفتونين


هذه قصة واقعية... قصة شهيد من أوزبكستان تُروى بلسان حاله... منذ الهداية إلى الإسلام، وعمله مع حزب التحرير، إلى
اعتقاله وإدخاله سجون الظالمين... سجون الطاغية كريموف حاكم أوزبكستان... ثم التعذيب المفضي إلى الاستشهاد... أسكنه الله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
و«الوعي» تنشر هذه القصة على صفحاتها مبيِّنة سيرة أولئك الرجال الرجال، الذين لا يخشون في الله لومة لائم، قلوبهم عامرة بالإيمان، ألسنتهم رطبة بذكر الله، تردد قول رسول الله : «إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند ذي سلطان جائر».
رحم الله رشيداً، ونصر إخوانه من بعده بإقامة الخـلافة الراشدة، وحينها سيعلم الطاغية كريموف، وكل الطغاة الظالمين أمثاله، أي منقلب ينقلبون.

وهذه هي القصة:


بسم الله الرحمن الرحيم


قبيل النهاية
وضعوا رشيداً المعذب بشدة ووحشية في غرفة ضيقة. كل أعضائه يتألم بشدة، لم يبق في بدنه مكان لا يُرى أثر للضرب فيه، وانكسرت يده اليمنى، ومع ذلك أحس بلذة، لذة غير عادية، وخطر بباله كلاماً كان قد سمعه منذ زمن قديم "يتوصل إلى اللذة الروحية بالأوجاع البدنية". وفي الوقت نفسه مست قلبه المخافة من عدم قبول عمله، فرقّ قلبه، وانحدرت دموعه إلى خديه، ودعا بخشوع، خشوع لم يشعر بمثله في حياته كلها: «ربي تقبل مني واعف عني». عندئذ وقعت حادثة عجيبة، وتصوّر وكأن الرب نفسه نظر إليه نظرة الرحمة، وقال : «قبلت». اشتدت لذة رشيد إلى درجة لا توصف، وبدا وكأن كيانه كله قد غرق في طمأنينة، لم يذق مثلها من قبل، وتذكّر قول سيد قطب، رحمه الله، "الحياة في ظلال القرآن نعمة، نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها". وقال في نفسه تقليداً له "الأذى في سبيل الله نعمة، نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها".
المرحلة الأولى
ولد رشيد من أسرة مثقفة، وتخرج كإخوته من كلية الجغرافيا، وترك تخصصه المحبوب، واشتغل بالتجارة بسبب عيشه في مجتمع لا يمكن العيش براتب فيه. كان يذهب إلى إيران للتجارة. وكانت تؤلمه الخيانات في المعاملات، والرشاوى في الجمارك، وأطماع شرطي السير الخبيثة، ولا يزول عن قلبه الهم الموهوم، رغم كونه سالماً غنياً في بيته وأهله، لا سيما بعد تلك الحادثة العجيبة عندما كان عمره اثنتي عشرة سنة، فبينما كان يركض، وكان كل همه موجهاً إلى نيل الكرة، ضربته سيارة،ولم يشعر بضربها له، إلا عندما أفاق، حيث سمع الناس يتكلمون في أنه رجع، بحفظ الله، من عتبة الموت. وكان ما بين الكلام الذي سمعه وبين الرؤيا التي رآها عندما كان مغشياً عليه تناسب ما. حيث رأى أن رجلاً في لباس أبيض أخذ بيده وتوجه به إلى جهة غير معلومة. وعندئذ واجه رشيد مفهوم الموت لأول مرة، واقشعر جلده، وأصبح أسيراً لتلك التساؤلات: من أنا؟ من أين جئت؟ إلى أين أذهب؟ وما هي الغاية من وجودي؟
عندما بلغ سن الشباب أخذ يبحث عن الجواب لأسئلته، فقرأ كتباً كثيرة ولم يقتنع بما كان فيها من الأفكار. فمفهوم عدم زوال أي شيء، وعدم المحاسبة على أي عمل، كان يشتعل تارة وينطفئ تارة أخرى في زاوية من زوايا قلبه وتفكيره وتصوره، وكان هذا أكثر ما يهمه.
وفي مثلٍ "لا قدر في ماء يجري أمامك" حكمة بالغة. فالإنسان يبحث أحياناً عن أهم شيء له من العالم كله، ولا ينظر تحت قدميه وهو موجود هناك. وحدث برشيد مثل هذا. فهو لم يلقَ في طريقه إلى غايته كتاباً إلا وقرأه، ولا فيلسوفاً إلا وتعرف بأفكاره. وأخذته الحيرة عندما وجد ما بحث عنه طوال حياته في نفسه. إنه كان يحتسب نفسه مسلماً من قبل، حيث كان يذهب إلى صلاة العيدين والجنازة والمراسم الدينية، ولكنه لم يفكر ولا مرة أين يُرجع أساس هذه الأمور. فهو قد عجب من ذلك، وتحيّر، ووبخ نفسه.
لقد حدثت له حادثة. هل يجوز أن يسمي هذه الحادثة صدفةً؟ فالحق، إنها ليست بصدفة، بل هي رحمة الله وهدايته. فإنه سبحانه يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت 69]. فرشيد قد جاهد في بحثه عن الحق.
ذات يوم، أراد رشيد أن يتخذ رفيقاً له في السفر عند رجوعه من سمرقند، كيلا يغلبه النوم في الطريق، وهو يقود سيارته منفرداً، ولكن بالتصادف، بل برحمة الله، لقي صاحبه محمداً. ومحمد هذا كان شاباً ليس فيه ما يجذب إليه، ولكن عندما تنظر إليه بدقة، ترى في عينيه جدية، وفي وجهه بشراً. وفي الطريق أوقفته شرطة السير من غير أن يخالف قواعد السير، فغضب رشيد من هذه الظلم الفاضح، وركب سيارته، فقال له محمد، عندما رآه غضبان:
- لعل كلب المجتمع المتعفن قد أزعجك، لا تبالِ، فإن مثل هذه الكلاب لا ينتظر منهم غير هذا.
تعجب رشيد من قول محمد وقال:
- لماذا تقول هذا الكلام؟
- هل في قولي شيء من الكذب فأرجع عن قولي؟ نقول إن أوزبكستان غنية بالمعادن الطبيعية، وفي هذه الدولة لا يكفي راتب موظف مثقف لربع حاجاته الضرورية، من استطاع أن يعول أهله فهو البطل. هذا العميل الذي استقر على الحكم بدعم من سيده أميركا يمتص خيرات البلاد، والأوزبكي المسلم الذي ساد أجداده العالم، وقع في يد خبيث لا يعرف أبوه بالضبط. إنه هو الذي أفسد الدولة مطلقاً. فلم يبق ولا جهة واحدة يصلح العمل فيها. لقد أصبح الجهلاء علماء، والعلماء تجاراً، ووسّد حماية الدولة إلى السفهاء، وعُزل كل من عنده شيء من الفتوة والرجولة، أو حبس، أو قتل، أو أخرج، فلم يبق إلا الجبناء. وهم سكتوا عندما لم يجيدوا الكذب، ولكن لم يقولوا الحق قط، وليس في مثل: "إذا أردت أن ترى الجنة فانظر إلى تلفزيون أوزبكستان، وإذا أردت أن ترى جهنم فعش فيها" أي مبالغة.
وجد رشيد في قول محمد التفاعل في نفسه، بين الاضطراب والتفكير العميق. كثيراً ما لا يستطيع التفكير العميق من يضطرب، وبالعكس لا يضطرب من يفكر عميقاً.
- ونحن مسلمون -استمر محمد في قوله- نتبع فكرة ضعيفة ليس بينها وبين الوساوس فرق كبير، ونترك فكرتنا التي تقنع العقل ويطمئن لها القلب!
- وما هي فكرتنا؟ سأل رشيد.
- فكرة الإسلام.
- فكرة الإسلام؟!
- نعم فكرة الإسلام. من الأسف الشديد أننا نحسب أنفسنا مسلمين ولا ندري ما هو الإسلام. ها أنت تعجب من قولي فكرة الإسلام، ألستَ بمسلم؟
- بلى، مسلم، والحمد لله.
- إذن قل لي، ما هو الإسلام؟
تردد رشيد في الجواب، أراد أن يقول قولاً ما، ولكنه سكت.. سكت لأنه ما كان يدري عن الإسلام إلا القشور. واضطر أن يعترف بهذه الحقيقة المرة، وتحيّر من أنه لم يفكر بعدُ في هذا.
- لا تدري يا صاحبي! لا تدري! وفي الحقيقة إنه كان أول أمر يجب عليك أن تتعلمه. يجب أن يتعلم هذا الأمر الرياضي قبل الرياضة، والفيزيائي قبل الفيزياء، والنجار قبل النجارة، والخباز قبل الخبازة، فكيف تعيش وأنت لا تعلم الغاية من الحياة؟ هل هذا من الممكنات والمعقولات؟
تأثر رشيد وأحس قلبه بشيء ما. وقع في حالة رجل بحث عن كنـز طوال حياته ثم ها هو يجد معالمه؛ لأن هذه التساؤلات كانت تهمه منذ زمن طويل، فما أشد ما كان عناؤه في مجال البحث هذه عن الحقيقة.
- فأنت مثلاً كما أظن ما ذهبت إلى سمرقند ورجعت منها بغير غاية. أليس كذلك؟
- بلى.
- وإلى الموت؟
- ما فهمت قولك.
- أعتذر منك إن كان سؤالي غليظاً. ولكن عمر الإنسان يؤدي إلى الموت، والحياة سفر من الولادة إلى الموت، إنه ليس بسفر فقط بل أعظمه وأهمه. إن كان سفر سمرقند بغير غاية فلا بأس به، أما إن كان سفر الحياة بغير غاية فمعاذ الله. وسؤالي لك هو بهذا المعنى: ما هي غايتك من سفر حياتك؟
- تردد رشيد أكثر، وأراد أن يقول إن غايتي تربية الأولاد، وبناء البيت، والتدقيق العلمي، إلى آخره، ولكن سكت. سكت لأنه لم يقتنع بعد من هذه الأمور. كان يرى أن الحياة لابد أن تكون أكمل وأشمل وأدق مما يتصوره.
-...
- لماذا تسكت؟ أثقلت عليك بسؤالي؟ كيف تعيش بغير غاية؟ أتمضي حياتك ولا يهمك شيء؟
- لا ليس كذلك، فأنا أيضاً كإنسان يهمني تربية الأولاد، وإعالة البيت، وكسب المال، إلى آخره.
- أعتذر منك، فأنا لا أحب الميوعة، أقول الحق في وجهك. مثل هذه الاهتمامات توجد حتى عند الحيوانات والطيور. نعم هناك الفرق في الشكل، وهل يكفي هذا للفرق عن الحيوان؟
كان رشيد قد تفكر في ذلك من قبل. ولكن لم يقنعه الفرق الشكلي بين الإنسان والحيوان أبداً. كان يرى أنه لابد أن يكون هناك أمر ما.
- وأنت ما ظنك في المسألة؟
- أنا إنسان عاقل، أظن أن الشكل لا يكفي لأن يفرق بيني وبين الحيوان. أنا مسلم أؤمن أن الله قد خلقني والكون، هو الذي خلق جدي الكبير وأدخله إلى الجنة، وكانت الملائكة قبل ذلك يعبدون الله إلزامياً، فأراد الله أن يخلق خلقاً يعبدونه اختيارياً. ولما كانت الطاعة الاختيارية أفضل من الطاعة الإلزامية، أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى، واستكبر، وأقسم أنه سيغوي بني آدم. ومن المعلوم أن الطاعة الاختيارية تظهر في الأمر والنهي، فابتلى الله آدم بالنهي عن أكل الشجرة، فأغوى الشيطان جدي، فأهبطه الله إلى الأرض، ومع ذلك فالرب تعالى لم يدع بني آدم بغير عناية، بل أرسل إليهم رسلاً يبشرون وينذرون، وخاتمهم قائدنا محمد رسول الله. إذن فالطريق أمامي واضح، أي إن الغاية من حياتي هي الرجوع إلى دار جدي الأول.
وكأن محمداً قد فتح لرشيد الباب الذي كان مغلقاً أمامه، فقال:
- ألا تعلمني طريقك؟
ففرح محمد من هذا كأنه وجد كنـزاً، وفهم رشيد سر هذا الفرح ولكن بعد زمن، عندما تدبر قول رسول الله : «لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها».
وفي الطريق، سأل رشيد محمداً أسئلة كانت تهمه، فكان جواب محمد أفضل مما انتظر منه. وكان الحوار بينهما حاراً حتى لم يشعر بدخولهما إلى طشقند. فهذان الصاحبان اللذان التقيا قبل ساعات قد افترقا كأنهما متصاحبان منذ مائة عام. وقد صعب الفراق عليهما.
- وبذلك اتصل رشيد ومحمد بصلة الود والصدق، ولم يصبرا الهجر يوماً واحداً. كان رشيد لا يشبع من كلام محمد، ويستمع إليه ساعات بلا ملل. وكان محمد يفرح من أنه قد علّم رشيداً في عدة أسابيع العلوم التي كان يعلمها غيره في عدة سنوات.
فوجود الخالق، ووحدانيته، وعظيم قدرته، وصدق رسوله، ونزول القرآن من الله، كل تلك المعلومات والمفاهيم أشبعت عقل رشيد، وأجابته عن كل ما كان يبحث عنه.
المرحلة الثانية
وجد رشيد حلاوة الإيمان. وأحس في سويداء قلبه أن متاع الدنيا برمته ليس بشيء إزاء هذه الحلاوة. أخذ يفكر في أن عمر الإنسان إزاء الأبدية والأزلية كرأس إبرة في صحراء مترامية الأطراف. وفي الوقت نفسه علم أن هذا العمر القصير ثمين بالنسبة للإنسان، بحيث لو صرف لإعادة ثانية منه كل أموال الدنيا لم يعد أبداً. إذن يجب أن تصرف هذه الثروة لغاية مناسبة لها. الاتصال بالأبدية والأزلية، أي راحة! أي طمأنينة! أي لذة! والانقطاع عن الأبدية والأزلية، أي مشقة! أي كلفة! أي اضطراب! الاتصال بالأبدية والأزلية يرفع الإنسان إلى العلى بقدر ما يهبطه الانقطاع عنهما إلى الحضيض.
خجل رشيد من ماضيه، عندما قرأ له محمد هذا القول لسيد قطب، بشوق وحرارة: «وعشت -في ظلال القرآن- أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة.. أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال... كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال.. وأعجب.. ما بال هؤلاء الناس؟! ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل. النداء الذي يرفع العمر، ويباركه، ويزكيه؟»
سأل رشيد يوماً صاحبه:
- من أين تعلمت هذه العلوم يا محمد؟
- سنتكلم في هذا كثيراً فيما بعد.
- كنت تعلم كل هذا وعلمتني، فكيف الناس في أطرافنا؟ كيف نعلمهم؟ كيف نريهم الحق؟
- ألم أقل لك سنتكلم في هذا كثيراً فيما بعد، فمن واجبي أن أخبرك بأمور مهمة.
- أخبرني الآن.
فتيقّن محمد بأنه قد جاءت الفرصة لإخبار رشيد بكل شيء. فبدأ قوله بالصراع بين الكفر والإسلام إلى يوم القيامة، وأتمه بأعمال حزب التحرير، ثم أخبره عن حزب التحرير بشكل واسع، وعرض عليه أن ينضم إليه.
- تأثر رشيد عند القسم لدخول حزب التحرير تأثراً شديداً، بحيث إنه ما حدث له مثل هذه الحالة من قبل. وعندما ضمه محمد إلى صدره ليباركه بعد القسم وجده يتصبب عرقاً .


www.al-waie.org 217


ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أخي ّابن الزيتونة" أنت على سفر بإذن الله تعالى

استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك

زوّدك الله التوقى وغفر ذنبك ويسّر لك الخير حيثما كنت

اللهم اطو له البعد وهوّن عليه السّفر
ابو ايوب
من الهداية إلى الشهادة (قصة شهيد) 2

هذه قصة واقعية... قصة شهيد من أوزبكستان تُروى بلسان حاله... منذ الهداية إلى الإسلام،
وعمله مع حزب التحرير، إلى اعتقاله وإدخاله سجون الظالمين... سجون الطاغية كريموف حاكم
أوزبكستان... ثم التعذيب المفضي إلى الاستشهاد... أسكنه الله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

و«الوعي» تنشر هذه القصة على صفحاتها مبيِّنة سيرة أولئك الرجال الرجال، الذين لا يخشون في الله لومة لائم، قلوبهم عامرة بالإيمان، ألسنتهم رطبة بذكر الله، تردد قول رسول الله : «إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند ذي سلطان جائر».

رحم الله رشيداً، ونصر إخوانه من بعده بإقامة الخلافة الراشدة، وحينها سيعلم الطاغية كريموف، وكل الطغاة الظالمين أمثاله، أي منقلب ينقلبون.

المرحلة الثالثة
كأن رشيداً قد ولد من أمه مرة أخرى. أخذ ينظر إلى العالم بنظرة أخرى. كأن حياته قد اكتسبت معنى جديداً. لقد وصل إلى ما كان يبحث عنه طوال حياته؛ ففرح، وفي الوقت نفسه أخذته المخافة في وقاية هذه النعمة الكبرى.

بدأت لرشيد حياة جديدة، وجه كل اهتماماته فيها إلى الدعوة، واجتهد كثيراً في بناء كيانه النفسي والروحي، وتأثر بقول الشيخ تقي الدين النبهاني، رحمه الله، «ولا يتأتى لحملة هذه الدعوة أن يضطلعوا بالمسؤولية، ويقوموا بالتبعات، إلا إذا غرسوا في نفوسهم التروع إلى الكمال، وكانوا ينقبون دائماً عن الحقيقة، ويقلبون دائماً في كل ما عرفوه، حتى ينقوا منه كل ما يعلق به من شيء غريب عنه، ويبعدوا عنه كل ما يكون من قربه منه احتمال أن يلصق به، حتى تظلّ الأفكار التي يحملونها نقية صافية، وصفاء الأفكار ونقاؤها هو الضمان الوحيد للنجاح، ولاستمرار النجاح". فسعى ليصبح مسلماً كاملاً، وداعياً حقيقياً في العلم والعمل. عندما كان يرى الذين يدعوهم قد تأثروا بقوله، واهتدوا بهديه، كان يحمد الله ويثني عليه، ويصلي صلاة الشكر. وإذا لم يهتدوا، فربما أرجع السبب إلى نفسه، فأكثر من الاستغفار والنوافل.

لم يشارك والدا رشيد وزوجته دِيْلاَرَاْم رشيداً في فرحه، حتى إنهم لم يبالوا بأمره ابتداء. ولكنهم طلبوا منه الرجوع عن طريقه بعد ما اشتد التضييق والتشديد عليه، وكثر القيل والقال ضد حزب التحرير، من قبل الكفار الظُلاّم، حتى قال أبوه له: «إن لم ترجع عن طريقك لن أرضى عنك». عند ذلك قال رشيد لأبيه:

- يا أبي أعلم أنك تحبني وتشفق علي، ولا تحب أن أؤذى، ولكن كيف لا تفهمني؟ أنا أرى أن أكبر ثروتي هو عمري، وأريد أن أصرفها في أهم أمر عندي، ولا أريد أن أبذرها في ما لا معنى له. وأقر أن طاعة الأبوين واجب، وأنت تعلم بالضبط أني أحبكما وأراعيكما أشد من الذين يقولون إن الحزبيين لا يراعون أبويهم. ولكن حبي لكما يزيد ثقتي بطريقي ولا ينقصها، فكيف لا أترك طريق الشيطان بعد أن وجدت طريق الرحمن؟ وهل يجوز أن أجمد كأن يديّ مغلولتان، وإبليس يهاجمني باستمرار؟ يا أبي ليتك تعرف كم أريد أن تفخر بأني قد سلكت هذا الصراط المستقيم بدل أن تطلب مني أن أتركه. أرجو منك أن تخليني في سبيلي ولو لم تؤيدني، فكيف لا تشتاق لقاء ربك كأب شهيد وأنت مسلم؟

ولم يستطع أن يضبط نفسه فبكى، ورأى الدموع في خدي أبيه أيضاً. فلم يقل أبوه شيئاً بعد ذلك، ولم يظهر تأييده ولا إنكاره. وأصبح يسأل عن صحة ابنه وأموره خفية عنه. وقال لزوجته لا تزعجي ابنك بطلبك ترك طريقه؛ فإنه أعلم منا. وما علم رشيد تغير موقف أبيه إلا بعد اعتقاله. وأدرك أيضاً سبب امتناع زوجته عن التهجم على حزب التحرير.

إن الطاعة الاختيارية تظهر في الابتلاء، وجاءت فرصة الابتلاء لرشيد؛ لينكشف هل هو ثابت في طريقه أم مضطرب. اعتقلوه بتهمة مخالفة القانون، والعمل على قلب الحكم الموجود في الدولة. وتيقن رشيد من أن الكفر أسوأ وأغلظ من الوحشية عندما رأى معاملة شرطة الكفر بعينيه، وسمع أقوالها بأذنيه. وعذبوه عذاباً لا يخطر ببال بشر. فالظلمة كانوا يضربونه بالعصا تحت القدم، ويخزون المخرز بين الجلد والظفر كأنهم يشتغلون بتخصصهم المحبوب. وأشد ما كان يغيظهم هو ضعفهم عن مواجهة حجته.

قال له شرطي:

- خطؤك الجسيم والمميت هو اختيارك هذا الطريق، وبهذا فقد ألقيت بيدك إلى التهلكة.

فأجابه رشيد:

- اعلم أن الناس على أربع طوائف. الطائفة الأولى يعلمون ويعلمون أنهم يعلمون، فهم الذين قد اهتدوا إلى الصراط المستقيم. والطائفة الثانية يعلمون ولكنهم لا يعلمون أنهم يعلمون، أولئك رقود يجب علينا أن نوقظهم. والطائفة الثالثة لا يعلمون ويعلمون أنهم لا يعلمون، أولئك يجب علينا أن نعلمهم. والطائفة الرابعة لا يعلمون ولا يعلمون أنهم لا يعلمون، أولئك هم الجهلاء السفهاء. قال تعالى فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ، لَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف]. فأنت من الطائفة الرابعة ولا أشك، وأنا من الطائفة الأولى. وأنت مغلوب في هذه الدنيا المحدودة التي هي دار الزوال، فضلاً عن الدار الآخرة التي لا تفنى ولا تزول، وأنا مستعد للتضحية بنفسي لربي الذي خلقني وأوجدني، وأنت تمص بظر إبليس محقراً لعرضك الإنساني.

فغضب الشرطي منه غضباً شديداً، وأخذ يضربه بالعصا ويركله. ودعا شركاءه لمساعدته في التعذيب عندما علم عدم استطاعته التأثير على رشيد، فأخذوا يضربونه بشدة ووحشية حتى غشي عليه، فأعادوه إلى غرفة السجن. ورأى في المنام رجلاً في لباس أبيض يباركه ويقول له صبراً يا بنيّ، الفرج قريب.

لقد وبّخ الشرطي نفسه لأنه سمح لرشيد أن يصفه بأنه من الطائفة الرابعة، فعزم على أن ينتقم منه، فدعا زميلاً له إلى المطعم، وشرب معه الخمر، وذكر له ما وقع بينه وبين رشيد، ثم قال:

- لن أطمئن حتى أعذبه عذاباً أليماً.

- لا تستطيع على ذلك.

- كيف لا أستطيع؟

- لأن الحق معه.

- لماذا؟

- لأننا من الطائفة الرابعة حقاً، ولا يؤثر عليه العذاب؛ لأنه قادر على أن يضحي بنفسه في سبيل الله، والله لا يخذل من يستعين به أبداً، ونحن نخدم الشيطان، والشيطان لا يعد إلا الفقر والفحشاء. فهو يُؤْثر العذاب ولو أدى به إلى الموت على الإخبار عن صاحبه. والخلاصة يا صديقي، إني لا أريد أن أشاركك فيما تنوي القيام به كي لا يؤثر ظلمي على أولادي.

- مهلاً، مهلاً، ماذا حدث لك؟ أأنت نائم؟

- ليتني كنت نائماً، وكان ظلمي كله رؤيا.

- لا أستطيع أن أفهمك!

- ولن تستطيع أبداً؛ لأنك من تلك الطائفة الرابعة. وإني قد سئمت من الحياة مع الطائفة الرابعة، أريد أن أعيش كإنسان.

- فكر قبل أن تقول هذا، فإنهم سيسجنونك لهذا الكلام.

- صدقت، يسجنونني، وأنت أول من يفعل.

- أبك مس من الجن؟

- ليس بي، بل بك أنت مس من الجن، فإن الأولى بك أن تفكر في إصلاح مشاكلك العائلية بدل أن تشرع بإيذاء رجل، كل ذنبه أنه آمن بالله، وتدعوني إلى هذا الأمر الخبيث. تفكر قليلاً، لقد ضربته، وعذبته، وآذيته، وتحسب بذلك أنك غالب، وفي الحقيقة أنك مغلوب، فأنت غير مسجون تعيش مع أهلك، وتستريح في المطاعم، ومع ذلك في قلبك انزعاج وقلق لا يطاق. وهو مسجون، مضروب، معذب، ومع ذلك فهو مطمئن حتى يمكن أن يكون فرحان.

- لأنه فدائي (متعصب).

- إذن لماذا تتأثر بقوله يا صديقي؟ ليس خطؤك في السماح لرشيد أن يتكلم، بل هو في عدم ملاحظتك أقواله. ويجب عليك أن تميز الخطأ من الصواب في كلامه.

لقد رفع أمر رشيد إلى المحكمة، وكان يعلم أن لجنة التحكيم سيحكمون بإدانته حتماً؛ ولذلك فقد استعد لتزيين جنته التي يُقبل إليها بكل اشتياق، كما أن الكفار يسارعون في جمع الحطب لجهنمهم.

ودافع رشيد عن نفسه أمام القاضي الأصم فقال:

- إني أعتقد أن الإسلام نور والكفر ظلمة، والإسلام معرفة والكفر جهالة، والإسلام عدل والكفر ظلم، والإسلام بر والكفر شر. وأعتقد أنه لابد من غلبة النور على الظلمة، والمعرفة على الجهالة، والعدل على الظلم، والبر على الشر. وما دامت الحال على ما هي عليه فلن أرجع عن الصراع أبداً.

كان خيال رشيد في السجن مشغولاً بزوجته ديلارام، ويخاف على أولاده، فإنهم يتربون في يد أم لا تفهم أفكار زوجها واهتماماته فهماً صحيحاً، وفي ليلة الوصال الأولى حكى رشيد لزوجته عن رجل قال لأولاده إني قد أحسنت إليكم قبل ولادتكم وبعدها، فقالوا: إحسانك إلينا بعد ولادتنا واضح وضوح الشمس، ولكن كيف أحسنت إلينا قبل ولادتنا؟ فقال: قد اخترت لكم أماً صالحة. فلما سمعت ديلارام هذه الحكاية قالت له: وأنا أسعى لكي أكون كما تقول. وكان يعجب رشيد أخلاق ديلارام، وتكلمها، وتبسمها، ومعاملاتها، وكل حركاتها. وكم كان يأخذه الأسف ويتألم عندما يتذكر قولها: «أئمة المساجد وأرباب الدين يقولون إن طريقك غير صحيحة، فهل أنت أعلم منهم في دين الإسلام؟». وانحدرت الدموع على خديه عندما تذكر أولاده، واشتد اضطرابه عندما قرأ مكتوب صديقه في السجن مؤمنجان، وقد كتبه إلى أمه.

وكان مؤمنجان لا يختلط بالإخوان رغم كونه من الدينيين (الذين سجنوا لدينهم) إذا نظرت إليه بدقة وجدت أن في قلبه هماً عظيماً، فأراد رشيد يوماً أن يفرج عن هذا الرجل فقدم إليه وقال:

- لا تضطرب كثيراً يا أخي، فإن الفرج قريب.

- ابتعد عني، فإني نمام، أتكلم بكل شيء بلا استثناء.

- ففهم رشيد معنى كلامه وقال له: سمعت أنك رجل عالم.

- لا أنا لست بعالم، بل طالب علم، لقد حصّلت القليل من العلوم الدينية.

- فعلمنا مما علمك الله، فهذا واجبك.

- نعم، ولكني جبان، لا أستطيع الامتناع عن التكلم عندهم.

- وحتى إذا كان سراً مخفياً بيني وبينك؟

- نعم.

- طيب، وهل ترضى أن نتحاور بالأقوال التي لا تضرني وإن أخبرتَهم عنها.

- أجل.

- لماذا لا تختلط بالإخوان؟

- قد قلت لك إني جبان، وأوقعت الضرر بكثير من المسلمين بلساني، وأخشى أن أكرر هذا الخطأ.

- إذن حاول أن لا تكرره.

- النصيحة سهل قولها ولكن صعب قبولها، فأنا لم أصبر على الأذى، وجبنت فأخبرتهم عن كل ما كان معلوماً لي، ورضيت أن أتعاون معهم في المستقبل.

- لماذا رضيت؟

- لقد قلت لك إني جبان.

- لا أنت لست بجبان.

- ...

- إذن لماذا تقول إنك نمام ولا تسكت.

- وإن أسكت فإخواني يفشون أسرارهم عندما يتكلمون أمامي، وأنا أخبرهم فأخسر آخرتي.

- تفكر يا أخي فأنت لا تخشى منهم، بل تخشى من الله، وتخاف على آخرتك، فحالك هذه طارئة،

وستحصل على شجاعة يغبطها الجريئون.

- حقق الله قولك.

- اسأل الله أن يحققه، وادعُ الله لي أيضاً.

فأخذ مؤمنجان يبكي كالطفل.

وبعدها أصبحا يتحاوران بين الحين والحين. وفي يوم من الأيام، قال له رشيد:

- لا أحب أئمة المساجد.

- كيف لا، إنهم إخوانك؟

- إخواني؟

- نعم إخوانك.

- فلماذا إذاً يتقولون علينا، ويقولون إن الحزبيين في الضلالة، بل هم الكفار؟ وبقولهم هذا يجعلون آباءنا وأمهاتنا وأزواجنا لا يرضون عنا.

- يبدوا أنهم يجدون أن اجتهادكم غير صحيح، وفي الماضي كان المجتهدون يختلفون في مسألة، فيقول أحدهم إن هذا الشيء مباح، ويقول الآخر في نفس الأمر بأنه حرام، وبالخلاصة فالاختلاف بين المجتهدين أمر طبيعي.

- إذن، هل قولهم بأن الحزبيين كفار طبيعي أيضاً؟

- لا، لا ليس هذا القول بطبيعي، بل هو خطأ، خطأ مميت.

- من كفّر مسلماً فهو كافر، أليس كذلك؟

- الحق معك، ولكنهم يؤمنون بالله ويصلون ويصومون. فمن هذه الجهة الأولى بنا أن نحتسب سعايتهم من الكبائر، وندعو الله أن يهديهم إلى صراطه المستقيم.

أعتذر منك، حتى إنهم لو وجدوا اجتهاد حزب التحرير غير صحيح فعليهم أن يبينوا أفكاره بين المسلمين فقط، فإني لن أرضى عن ندائهم في تلفزيون الكفار، ووسائل إعلام الكفار، ومنابر الكفار، ضدنا، لا سيما عندما يحصّلون الأمان، أو ينتصبون لمنصب معلوم بهذه الوسيلة. فأتقي الله أن أقول بأنهم كفار، ولكني لا أحبهم، قطعاً لا أحبهم لله.

وما أتم رشيد قوله حتى أعلن أنه قد حان موعد النوم، فاضطر أن يرجع إلى مضجعه، فخجل من نفسه لأنه حسب قوله لمؤمنجان خشناً، وقدم إليه صباحاً، فسلم عليه وقال:

- ألم أثقل عليك بقولي بالأمس؟

- لا، لا بالعكس. صدقت، فأنا لم أنم إلى نصف الليل، وفكرت في أقوالك، وانتهيت بأن الحق معك. نعم النداء من منابر الكفار إلى الأفكار التي لابد أن تعرض بين المسلمين فضيحة، ولكن هناك نقطة قد لفتُّ نظرك إليها، وهي أنهم لا يحسبون تلك المنابر منابر الكفار.

- هذا بعيد عن الحق، ألا ترى المنع من الصلاة والصوم والتحجب؟ وهل هناك قرينة للكفر أعظم منها؟ وليس إجازة بعض الأمور الدينية ثمرة البر بل ثمرة الأزمة السياسية وهذا واضح كل الوضوح.

- صدقت، فالكفر خطط للقضاء على المسلمين بيد المسلمين، ولم يألُ جهداً في زرع بذور العداوة بين الجماعات الإسلامية. وبعض التنازلات إن هي إلا جزءاً من هذا المشروع. ولما كان حسن الظن يجري في عروق المسلمين، فإن الكفر يحاول أن ينتفع به بقدر إمكانه، ولكن مكر الله خير من مكرهم، والعاقبة للمؤمنين. فعلينا أن نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا. ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا.

لقد أصبح رشيد ومؤمنجان متلازمين متقاربين، بحيث صار يقرأ كل واحد منهما للآخر ما يرده من رسائل. وفي يوم من الأيام أرسلت أم مؤمنجان لابنها رسالةً جاء فيها: «ابني قد أوذي الأنبياء والصالحون طوال التاريخ البشري. فأنت قد اتصلت بهم إن شاء الله».

وأثار رشيداً المعنى في الرسالة. وأخذ يتمنى لو أن أبويه وزوجته يفهمونه كما تفهم أم مؤمنجان ابنها. وفي يوم أعطى مؤمنجان إلى رشيد رسالته التي كتبها لأمه وزوجته، وكان فيها: «أمي، ربَّ أم وابنها يعيشان معاً، ولكن أفكارهما ومفاهيمهما مختلفة. حبيبتي، ربَّ زوجة وزوجها يعيشان معاً، ولكن آمالهما وغايتهما مختلفة. فهم يعيشون في هجر روحي، فإن كان الهجر الروحي جبلاً، فالهجر البدني ذرة من هذا الجبل. فالحمد لله الذي أعطانا سعادة مثل الجبل». فقد رشيد طمأنينته عندما قرأ هذه السطور، ودعا ربه من كل قلبه: ربي، إنك تقول إن دعاء المظلوم مستجاب، فأنا مظلوم، وتقول: إن دعاء المسافر مستجاب، فأنا مسافر، وتقول: إن دعاء طالب العلم مستجاب، فأنا طالب علم، فأعطني سعادة مثل الجبل التي تفيدها الرسالة...

فكأنما الله سبحانه قد استجاب دعاء رشيد من قبل أن يدعوه. فبعد يوم دعوه إلى غرفة الالتقاء، فتوجه نحوها بنصف من الحزن ونصف من الفرح، عندئذٍ قد وقعت حادثة كأنها معجزة، نظر رشيد إلى زوجته فإذا هي متحجبة، أوشك أن يغشى عيه من شدة الفرح، وبدا وكأن الصحراء قد أصبحت مرجاً، والمخربة معمرة، والمرثية مدحية، والقلب الذي يثيره الوصل البدني إثارة يعجز القلم عن وصفها كيف به إذا صادف الوصل الروحي، فإن هذا الوصل البدني شيء تافه لا يذكر أمام الوصل الروحي. وقدمت ديلارام إلى رشيد مثل قدوم مريد إلى سيده وقالت: سامحني فإني قد أخطأت خطأ مميتاً، ووجدت أن الحق معك. فهداني ربي الذي هداك من قبل، والحمد لله
ابو سلال
يا الله يا الله يا الله..

الله أكبر إقشعرّ بدني



يا رب المستضعفين إنك العليم بعبادك المخلصين أكثر مما نعلم ، وترى تضحياتهم في سبيلك أكثر مما نرى

فاللهمّ يا من أمره بين الكاف والنون امنُن علينا بالخلافة التي

1. تنتقم لنا من الكفار والظُلّام.
2.تنشر نور الأفكار والعقيدة بين المسلمين وغيرهم.


يا الله ندعوك من قلوبٍ انعقدت على التضحية في سبيلك وعلى حبّك وحبّ فردوسك وعلى الخشية من عذابك في جهنّم (مصير الهالكين لعنهم الله).
ابو ايوب
من الهداية إلى الشهادة قصة شهيد (3)



وكان ظلم الكفر على الإسلام يتزايد في السجن يوماً بعد يوم، وانقسم السجناء إلى قسمين: الدينيين وغيرهم. من سجن لدينه وإيمانه سمي دينيّ. وكل سجان كان له الحق بتعذيب الديني وتحقيره كيف يشاء. وانقسم الدينيون أيضاً إلى قسمين: المستميتين، وغير المستميتين. من قال بقلبه أو بلسانه إني رجعت عن طريقي، فهو غير مستميت. ومن قال لن أرجع عن طريقي حتى الشهادة فهو مستميت. ووقع التحاور بين مستميتين وبين غير مستميتين.
قال المستميتون: لن نرجع حتى الشهادة.
قال غير المستميتين: بل نتوب بلساننا لنيل الحرية من السجن، فنستمر بعملنا في الخارج.
قال المستميتون: لا، إن هذا إلا التنازل.
قال غير المستميتين: وجائز شرعاً.
قال المستميتون: لكن العدو يفشي البهت بأن الحزبيين قد رجعوا عن طريقهم من تلقاء أنفسهم انتفاعاً بذلك.
فتلا غير المستميتين: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران].
وبالخلاصة أجمعوا على أن من يستميت فيرجى له من الله الصبر، ومن يرجع لنيل الحرية من السجن، يستمر بدعوته في الخارج، فلا يلام، فإنه ليس للعبد أن يمنع ما أجازه الله.
فتزايد التعذيب والتحقير بالنسبة للمستميتين بقدر ما تناقصا بالنسبة لغير المستميتين، فكأنما نصيب غير المستميتين من التعذيب والتحقير قد ألحق بالمستميتين.
وكان رشيد من المستميتين. كان يضرب بالعصا للصلاة خمس مرات، وللصوم كذلك. تفكرْ في ضرب سفيه يملك قوة مثل قوة الخنـزير على ظهرك مع إليتك، فبعد هذا الضرب لا تستطيع أن تضبط ظهرك طوال أسبوع، والصلاة خمس مرات في كل يوم وليلة. لقد ضرب رشيد بالعصا ضرباً لا يحصى. وفوق ذلك هناك أقوال مؤلمة ومثيرة مثل: "أنتم ملعونون، وآباؤكم وأمهاتكم بريئون منكم" ومثل: "أنت تفقد حياتك، ويتزوج شرطي زوجتك، وأولادك لا يذكرونك إلا بسوء" ومثل: "تركت زوجتك وأولادك عالة على أبويك وتحسب نفسك رجلاً" وكانوا يلزمونه على تنظيف دورة المياه تحقيراً له.
ورشيد كان لا يبالي بهذه الأمور -التحقير والتعذيب والتشريد- لا سيما عندما رأى زوجته ديلارام مهتدية، فأصبح يحسب هذه الأمور المكدرة ذرة بإزاء تلك النعمة الكبرى التي هي أضخم من الجبل، ويقول لإخوانه عندما رآهم يشكون إليه عن أحوالهم: صبراً أخي، فإنهم نجس نتن، ولا تنتظر منهم رائحة طيبة، فكأنما كان لرشيد منبعان لكسبه. أحدهما روحي والآخر بدني. فمن المنبع الروحي كان يكسب مليون وألف مليون، ومن المنبع البدني كان يخسر عدة قروش فقط، فالذي يكسب مليونا من جهة، لا يبالي بالقروش التي خسرها من جهة أخرى، فكذلك رشيد فقد غرق في اللذة الروحية، ولم يخطر بباله أنه معذب ومحقر ومشرد.
وروي أنه في آخر الزمان يخرج الدجال، ويقول إن من يؤمن بي أدخله جنتي، ومن يؤمن بالله أدخله جهنمي، وكأن السجان نفس الدجال، فمن كان يؤمن بالله، ويلتزم بالإسلام، ويصلي، ويصوم، فهو يعذب عذاباً شديداً، ومن كان يخون، ويكذب، فهو في أمان. وكان التعذيب تدريجياً، الضرب بالعصا، ثم السجن في غرفة الجزاء لمدة قصيرة، ثم السجن فيها لمدة طويلة، ثم الدرجة الأخيرة وهي استئناف الحكم على المحبوس، ومن استؤنف الحكم عليه يعدّ جانياً فحاشاً ويحرم من كل امتيازات السجناء.
وكان السجان الدجال يبغض رشيداً جداً لأن إيمانه بالله كان قوياً، ولذلك كان يعذبه ويحقره باستمرار. وإذا لم يجد العصا سجنه في غرفة الجزاء. عندما دخل رشيد في غرفة باردة ضيقة بثياب رقيقة تذكر قول ابن تيمية: «ماذا يريدون أن يفعلوا بي، فإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن أخرجوني فخروجي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فإن في قلبي كتاب الله وسنة رسوله». وما كان في استطاعته النوم لبرودة في الغرفة، وما غلبه النوم إلا أيقظه دق أسنانه، فيقوم ويتحرك لإيجاد الدفء في بدنه، ثم ينام، وبعد قليل تدق أسنانه من جديد، وتتكرر هذه الحال إلى الصباح عدة مرات، لقد كان رابط الإيمان بالله عند رشيد قوياً، وما أحس رشيد لذة الخلوة مع الله مثلما أحسها هناك، فكأن قلبه يضرب قائلاً الله الله، ونَفَسه يدخل ويخرج قائلاً الله الله.
وسجنوا رشيداً في غرفة الجزاء لمدة طويلة بعد أن رأو أن السجن لمدة قصيرة لا يؤثر عليه، ثم استأنفوا الحكم ضده وأرسلوه إلى «جسليق»، وهو المكان الذي يجري فيه أشد أنواع التعذيب الجسدي للمعتقلين، ويوصف بأن «من دخله فلن يخرج منه» أو بعبارة أخرى هو أسفل جهنم الدجال.
وقد فكر رشيد يوماً في قتل أحد الظلمة، وذلك عندما بلغ تعذيبه درجة لا تطاق، غير أنه يعلم أن هذا الطريق غير صحيح، وأن عليه أن يصبر، وأن يقلع عن تفكيره هذا. وكان يكرر باستمرار هذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران].
إن ثمرة العمل الأخروية تواسي الرجل بقدر ما تواسيه الفائدة الدنيوية، أي إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وتذكر رشيد أن صاحبه محمداً قال له حديث رسول الله بمعنى أن الله سيقوي هذا الدين بيد ظالم. ووجد مصداق هذا الحديث في الواقع كثمرة لعمله في هذه الدنيا، وذلك أنه سجن وحقر لسبب واحد، ولا يوجد هناك سبب آخر، وهو اختياره تحكيم كتاب الله وسنة رسوله في حياته كلها، فلما رأى أبواه وزوجته وأقاربه هذا الظلم بأعينهم، علموا أن المجتمع الموجود المتعفن خبيث غير قابل للبقاء، فميزوا بين الإسلام والكفر، فاهتدوا إلى الصراط المستقيم؛ ولذلك لا يخاف رشيد على نفسه، بل يتطلع إلى الشهادة؛ لأن شهادته يمكن أن تكون سبباً لاهتداء كثير من أصحابه وأقاربه. وتذكر قول رسول الله :«ولئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها» وما ألذه من حديث، وما أسرّه! وتذكر رشيد سرور صاحبه محمد عندما قال له علمني طريقك. ودعا له بخير.
واهتز السجن كله من خبر أندجان الذي تظاهرت النساء فيه طلباً لتحرير أبنائهن، وأزواجهن، وإخوانهن، فعاملهن الشرطيون معاملة غير إنسانية، حتى إن أحدهم قد انتهك حرمة امرأة منهن. فقال أحد الحزبيين فور سماعه هذا الخبر:
- هذا فوق الطاقة، ولابد من قتل أحد هؤلاء الظلمة حتى تهدأ نفسي.
- فقال رشيد: بل يجب أن نصبر.
- الصبر؟ وماذا بعد الصبر؟
- نعم، الصبر حتى يأذن الله لنا، وتقوم الدولة الإسلامية.
- آه، لو كنت في الخارج لكنت بحثت عن هذا الخبيث الذي انتهك حرمة تلك المرأة المسلمة، ولكنت وجدته وقتلته. ألا يوجد رجل في الخارج يجده ويقتله؟
- أخي العزيز أراك على أحرّ من الجمر لعرض أختك في الدين، وأنا أيضاً ما بقيت عندي من طاقة، ولكننا ما دمنا نسير على طريق قائدنا محمد فعلينا الصبر على كل حال. انظر إلى سيرة رسول الله من جديد، هل اقتص من مشركي مكة، عندما عذبوا سيدنا محمداً وحقروه وألقوا عليه القذر؟
-...
- إن أوان القصاص قد اقترب بمشيئة الله، ولكن هذا لا يعني أن نغل أيدينا ونترك العمل. فإن السعادة لا تأتي إلينا بنفسها، بل نحن نأتيها. عندي اقتراح.
- أي اقتراح؟ (سأله عدد من الحزبيين كانوا قد أخذوا ينصتون إليه بكل اهتمام).
- أجابهم: قال رسول الله : «أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر» فلنسعَ إلى هذا الجهاد.
- فكيف؟
- نكتب إلى رئيس دائرة الأمن عنايتوف، ورئيس السجون قديروف، ندعوهما أن يحضرا إلى هنا، وبعد قدومهما نطلب منهما الامتناع عن التعدي على حرمة إخوتنا طلباً جازماً.
- قال أحدهم: وهل يثمر هذا العمل؟
- علينا السعي، وليس علينا النجاح، و النتيجة من الله.
- نعم، ولكن علينا أن ندرس هذا الأمر شرعاً وعقلاً. فمن المعلوم أن الجهاد لا يقوم إلا بالتضحية، ومن الطبيعي أن طلبنا هذا سيغضبهم، وسيحاولون أن ينتقموا منا، فهل يعدل هذا العمل الثمرة التي تنتج منه.
- فأجابه ذلك الحزبي المتحرق قلبه، والذي يريد أن ينتقم من ذلك الشرطي الخبيث الذي انتهك حرمة المرأة المسلمة: فليعتزلنا من يؤثر روحه على الجهاد، بل أفضل الجهاد.
- لا تستعجل علي، فإني أفدي روحي لهذه الغاية مثلك، إلا أني أريد أن أستيقن: هل هذا العمل مناسب لإفداء الروح أم لا؟
- إني أرى أن قول رسول الله : «من قتل دون عرضه فهو شهيد» مناسب جداً لهذا الواقع الذي حدث معنا.
- قال رشيد: وعندي مناسب أيضاً فإننا نطبق الحديث فقط، والمناسب فيه أن يكون القول الذي نريد قوله عند إمام جائر حقاً. وإذا أضيف إليه أنه يجري على العرض، فيصبح المناسب أنسب.
- قد اقتنعت من قولك وأعتذر منك لأني طرحت مسألة في غير محلها.
- كلا، لا تخجل، فإنه لا يذم من يطرح مسألة لاقتناع قلبه بها، بل يذم من يستبد برأيه.
لقد أخذ السهر رشيداً، فتذكر كيف أن أحد أصدقائه قبل اهتدائه لم يطلق زوجته، بعد أن تبين له أنها قد زنت بسائسه، خوفاً من العزل من منصبه، بينما الشباب هنا مستعدون لإفداء أرواحهم لحماية عرض أختهم التي لا يعرفونها، وتأكد له، من هذا الذي تذكره، أن صلة الدين خير من صلة النسل، ووقع في خاطره في أن الرجل يصبح بالدين غيوراً وبالجاهلية ديوثاً، وحمد الله على أنه قد أخرجه من عالم الديوثين وأدخله في عالم الغيورين، ثم دعا ربه لنفسه ولإخوانه، وسأله الصبر على هذه النعمة الكبرى.
كتب الحزبيون رسالةً طلبوا فيها حضور عنايتوف رئيس دائرة الأمن، وقديروف رئيس السجون، وأرسلوها بواسطة قلومبيتوف رئيس جسليق. وكان في الرسالة عدد من البنود، وأهمها مسألة الحرمة. وفي أحد البنود اشترطوا فيه حضورهما في الخامس عشر من تشرين الأول. فقبْلَ يوم من انتهاء مدة هذا الشرط، أي في الرابع عشر، حضر قديروف رئيس السجون إلى السجن، وأمر قلومبيتوف أن يستفسر من الشباب الذين طلبوا مقابلته عن مقصدهم، وقال له: من تجرأ علي بالقول، تمسكه وتسجنه في غرفة الجزاء. ولقد سمع هذا الكلام عدد من الدينيين بأنفسهم .
[يتبع]
ريحانة الجنة
بارك الله فيك اخي على النقل الطيب ،،
اللهم ثبت حملة الدعوة في كل مكان وانصرهم ،،

إقتباس
يا رب المستضعفين إنك العليم بعبادك المخلصين أكثر مما نعلم ، وترى تضحياتهم في سبيلك أكثر مما نرى
فاللهمّ يا من أمره بين الكاف والنون امنُن علينا بالخلافة التي
1. تنتقم لنا من الكفار والظُلّام.
2.تنشر نور الأفكار والعقيدة بين المسلمين وغيرهم.

يا الله ندعوك من قلوبٍ انعقدت على التضحية في سبيلك وعلى حبّك وحبّ فردوسك وعلى الخشية من عذابك في جهنّم (مصير الهالكين لعنهم الله).




صدق فيهم قوله تعالى ::
{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً }
ابو ايوب

بارك الله في أختنا الفاضلة ّريحانة الجنّة" ونسأل الله تبارك وتعالى أن يمنّ علينا برضوان منه تعالى وأن يرزقنا خاتمة يرضى عنها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من الهداية إلى الشهادة قصة شهيد(4)

(ذكرنا أن الشباب في السجن كانوا قد طلبوا مقابلة رئيس دائرة الأمن عنايتوف، ورئيس السجون قديروف، وطلبوا أن تكون المقابلة في الخامس عشر من تشرين الأول. وقد حضر قديروف قبل الموعد بيوم، وحضرت معه نفسه المليئة بالشر والحقد على المسلمين الدينيين)
حضر قديروف رئيس السجون إلى السجن، وأمر قلومبيتوف أن يسأل الشباب الذين طلبوا مقابلته عن مقصدهم، وقال له: من تجرأ علي بالقول تمسكه وتسجنه في غرفة الجزاء. ولقد سمع هذا القول عدد من الدينيين بأنفسهم.
ومن أساليب الكفر تعذيب الجريء بغير مبرر سوى كسر جرأته. وعندما جاؤوا برشيد إلى دائرة الأمن ضربوه بوحشية، وتقولوا عليه البهت، فكأنه قد اشترك في كل حركة إرهابية، صدرت في أنحاء العالم. وضرب قديروف بضعة نفر من الدينيين فور دخوله في غرفة النوم الأولى، وأمر بسجنهم في غرفة الجزاء، ثم دخل غرفة النوم الثانية، وسأل سجناء الوحدات عن مشكلاتهم على حدة (كان السجن ينقسم إلى عدة غرف نوم، وكل غرفة نوم إلى عدة وحدات) فقالوا نطلب منك أن تجمعنا كلنا في مكان واحد وتسمع قولنا؛ لأن مشكلتنا ليست فردية بل جماعية. فالذي يتملق إلى من فوقه يطلب التملق ممن تحته، وما يجدر ذكره هنا، أنه في نظام السجون هنا لابد أن يطيع المسجون أمير الوحدة، وهذا يطيع أمير غرفة النوم، وهذا يطيع سجان غرفة النوم، وهذا يطيع رئيس السجن. وكذلك هناك حلقات أخرى بين رئيس السجن ورئيس السجون أي قديروف. إذن في نظر قديروف أن السجين يكون في أسفل حلقة من السلسلة التي تتصل به؛ فلم يصبر على جرأة المحبوسين الذين هم في نظره أرقاء السجن، فأخذ يحقرهم ويسبهم ويضربهم ويأمر بسجنهم في غرفة الجزاء. وكان الديني الذي تعرض للعذاب قد أخذ يكبر الله رب العزة ويخزي الشيطان رب قديروف، فتبعه باقي الدينيين في التكبير، فاضطرب قديروف وصاح بصوت متألم: «صيحوا وصيحوا، وَلَو إلى الصباح، فلن يفيد صياحكم شيئاً، والآن أجيء بجيش خاص، فتمشون مكبين على وجوهكم ويؤذى سائر السجناء لعصيانكم». ومعنى المجيء بجيش خاص أنه يضرب ويعذب كل السجناء بلا استثناء. فيقتل من يقتل، ويجرح من يجرح، فيصبح معطوباً إلى آخر عمره. أما معنى يؤذي سائر السجناء لعصيانكم، فهذا أيضاً من أساليب الكفر، حيث كانوا يؤذون السجناء كلهم لعصيان أحدهم. والسجناء الجهلاء كانوا يعيبون شريكهم بدلاً من أن يعيبوا المنحرف الحقيقي ويقولون: «لو لم تفعل كذا ما حدث بنا هذا». وحاصر السجن في الحال جيش خاص في أيديهم العصي والتروس. فقال قديروف: «إن أقل لهم "فس" شدوا عليهم امتثلوا لأمري فوراً»، وهم ساكتون كأنهم يعترفون بأنهم كلاب. (فس كلمة تقال للكلب: أي شد عليه).
فأجابه الدينييون بقولهم:
- إنا مستعدون للشهادة في سبيل ديننا وعرضنا، فافعل ما شئت.
فأزعج الجواب قديروف، فهو قد سمع عن استماتة الحزبيين ولكنه لم يتوقع مثل هذا، واشتد غضبه عندما سمع قول نعمتوف صديق:
- نطلب منك أن تجمعنا كلنا وتسمع قولنا.
- خذوه واسجنوه في غرفة الجزاء -صرخ قديروف من الغيظ. فإنه كان يتنفس بهدوء بين المتملقين فقط، ويختنق بين الأحرار. وأكثر ما يزعجه أنه كان لا يستطيع أن يحوّل عالم الأحرار إلى عالم المتملقين. وكبّر صديق وهو يساق إلى العذاب الشديد، كأنه يقول العاقبة لي وليست لك، وتبعه الدينيون كلهم في التكبير كأنهم يؤثرون الأذى الشديد على خذل أخيهم. فلم يصبر قديروف على هذا، فإنه أوشك أن يموت من الاختناق بين الأحرار، فغير موقفه، وألغى تعذيب صديق، وقال:
- تكلم ما هي مشكلتك؟
- نطلب منك أن تجمعنا كلنا وتسمع قولنا.
- تباً لطلبكم، فأنتم لا تستحقون الطلب.
- لا تتكابر، فإنك ستسأل أمام الأمة، وأمام الله.
- فأنا أصرف لكم كل يوم ست دولارات والناس في الخارج لا ينالون الطعام اليسير.
- الله هو الذي يرزقنا.
- بل أنا.
- فقد كفرت بقولك هذا، وتدعي بأنك مسلم وعضوك الذي تحت إزارك لا تتركه من فمك.
- أعترف بأني اعتدت التكلم بالسب، أسب هؤلاء أيضاً، وأشار إلى أعيانه، وهم أشاروا إشارة التصديق، فأنا لا أعلم الكلمات الدينية (يريد الخلقية) ولكني مسلم أيضاً، سيكون الأمان، وتتحررون كلكم إلا حوالى خمسمائة نفر من مستميتيكم، فعند ذلك تنالون شهادتكم المقصودة.
فتلذذ بقوله وابتسم تكابراً، ثم أشار إلى صديق، وقال لرئيس "جسليق":
- أرسله إلى سجن "س - 9" في نوكوس (وهو مجزرة من مجازر يهود) فليسترح هناك قليلاً، ثم أرسله إلى سجن المستشفى.
وهذا أيضاً من أساليب الكفر، حيث يضربون السجين ويعذبونه أولاً، ثم يرسلونه إلى المستشفى تحقيراً له، ففي دائرة الأمن تتكرر هذه الحال في كل يوم، فكأنهم يحاولون مزج الألم الروحي بالوجع البدني، ولكن المسلم الذي يؤمن أن من وراء هذا العذاب العظيم أجراً عظيماً لا يتأثر به، فلا تتألم روحه بل يتلذذ، وإذا تأثر بالعذاب وفقد صبره وتجاوب مع سجّانيه، فعند ذلك يحس ألماً روحياً، أما قبل ذلك فلا، وخلاصة القول، إن المسلم لا يؤلمه إلا الخوف من ذنوبه، وعندما نظر رشيد إلى الدينيين وجدهم لا يخافون من العذاب، بل يخافون من الضعف عند التعذيب، فحمد الله على أنه أدخله في جماعة الذين لا يخافون من العذاب بل الضعف.
قال أحد الدينيين:
- أنتم لا تستطيعون أن تخوفونا. فإنا مستعدون للشهادة في سبيل ربنا، فانزعج قديروف كأنه لدغ وصرخ بأعلى صوته:
- أخرجوهم جميعاً واسجنوهم في غرفة الجزاء، فأخذ الكلاب السمان يسوقون الدينيين، فكبر الدينيون، وعندما عرف قديروف أن تهديده لا يجدي نفعاً ألغى أمره وقال:
- اجلسوا نتحاور عن مشكلتكم هنا.
- نطلب منك أن تجمعنا كلنا!
- تباً لطلبكم، فإني لم أجئ إجابة لطلبكم، بل لأمور أخرى، فأنا معاون الوزير، وأنتم السجناء لا تستحقون الطلب.
قام عبد الرحمنوف أدهم وقال:
- لماذا تغلظ لنا في القول بدل أن تسمع قولنا وأنت رئيس.
- تكلم وما هي مشكلتك؟
- ليس عندنا مشكلة شخصية، وما سجنا لمنفعتنا الشخصية، والذي نريد أن نقوله لك ليس مشكلة شخصية أيضاً، بل هي مشكلة الأمة.
- أتعرف من أنا؟ أنا معاون الوزير، فالناس ينتظرون أسبوعاً فأكثر للالتقاء بي، وأنا قد جئت إليكم، وقلت: ما هي مشكلتكم؟ فما تريدون فوق ذلك؟ أتريدون الخروج من السجن، أو أن أرسلكم إلى سجن قريب من بيوتكم؟ وما هي أحوالكم هنا؟ أفلا تتكلمون عن هذه الأمور؟
- لقد قلنا لك ليس عندنا مشكلة شخصية.
- وما هي مشكلتكم؟
- إن الشرطة وخدام دائرة الأمن قد انتهكوا حرمة أختنا.
- في أنديجان؟ نعم، سمعت أنه قد انتهكت حرمة امرأة، فقد بحث هذا الأمر وعوقب المجرمون، فأنتم أيضاً ستعاقبون لتكبيركم، سأكرر الحال الذي وقع سنة 1999م وسنة 2000م، أعزل هذا (أي رئيس جسليق) وأجيء بغيره، فيجعلكم تمشون مكبين على وجوهكم.
- حسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.
- لماذا لا تفهمون، سنسأل عنكم وعن طلبكم، أنا وهذا (يعني رئيس جسليق) فأنا رجل صغير أيضاً لا أستطيع أن أحل مشكلتكم...
أخذ رشيد يستجمع عقله، وراح يقارن الفرق بين وكيل الإسلام ووكيل الكفر، ففي الماضي قد تحير رستم قائد الفرس، عندما سمع من جندي إسلامي أنه يستطيع أن يوقف الحرب إلى ثلاثة أيام. وها هنا لا يستطيع معاون الوزير أن يحل مشكلة انتهاك حرمة امرأة من رعية الدولة. فهذا أمر مضحك من جهة، ومؤلم من جهة أخرى. أو ليس عليهم حماية الحرمات في الحقيقة؟ وقسّم رشيد الديوثة إلى مراحل: المرحلة السفلى أن يرى انتهاك الحرمة فيسكت، والمرحلة المتوسطة أن يرى من يسعى لمنع المرتكب عن الجرم فلم يعاونه، والمرحلة العليا أن يدعم المرتكب، ثم أخذ يدعو في سره:
اللهم ارحم أمة محمد وأنقذها من الرؤساء العملاء الديوثين. فما أمكن من النوم إلا في وسط الليل؛ لأنه قد احترق بنار البغض للظالمين ونار الخوف من المسؤولية عليه. ورأى في منامه قديروف فقدم إليه وقال:
- أتسمح لي أن أسألك سؤالاً؟
- اسأل -صعر قديروف خده-.
- كيف تنظر إلى هذه المسألة لو انتهكت حرمة زوجتك أو ابنتك؟
- فاحترق قديروف من الغيظ، وحاول أن يضربه، وامتنع لسبب مجهول.
- نحاسبك فيما بعد -حاول أن يلبس صوته بثوب الغضب والتهديد، ولكن ما أمكنه ذلك. فخرج صوته أنيناً فيه ضعف وعجز-. وعند ذلك ظهر صديقه محمد وقال:
- زه! يا صاحبي قد أصاب سهمك. فقد قديروف اتزانه ولم يستطع أن يضبط نفسه وصوته. ثم دعا كلابه فأمرهم بأمر مشيراً إلى رشيد، واستيقظ رشيد فرحاً.
ولم يصبر قديروف على الفشل، فأرسل للانتقام منهم عبد الكريم شادييف الذي يسمونه في سجون أوزبكستان «الكاسر» لغلظته ووحشيته. فجاء هذا الظالم في التاسع عشر من تشرين الأول في الساعة العاشرة فجعل دائرة من الجنود المخمورين، وأخذ يعذب الدينيين واحداً واحداً. وعندما كبّر الدينيون الذين وقعوا تحت سيل الضربات، أمر بتمزيق أفواهم فمزقت، وجرحوا بضعة أنفار منهم، فأصبحوا معطوبين إلى آخر عمرهم. وأخذوا بإبراهيم ومروا به من بين "جدار ذي روح" (يقف حوالي ثلاثين نفراً من الجنود في طرفي الطريق، وفي يد كل واحد منهم عصا، ويمر السجين من بينهم وهم يضربونه بالعصا ولايشفقون عليه مطلقاً) وكسروا يده اليمنى لتكلمه رافعاً بها عند قديروف. وهو قد غشي عليه. وفي السادس والعشرين من تشرين الأول أرسلوه إلى سجن "س - 9" في نوكوس مغلولاً. وهو لم يطعم شيئاً بعد. وطرح رشيد المغشي عليه في غرفة الجزاء.
النهاية
«الأذية في الله نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها». فرح رشيد من انبثاق هذا الكلام عن خاطره، وفي الوقت نفسه اطمأن باله بمعناه. فأراد أن يتوضأ ويصلي صلاة الشكر، غير أنه لم يقدر على الحركة من شدة الألم. كانت حاله بعد التعذيب، إذا جلس، أو قام، أو اضطجع لعدة دقائق فقط كانت حركته موجعة جداً. فقام رغم كونه غير مستطيع على القيام من الناحية الطبية. فإن اطمئنان القلب والفرح الروحي قد يجعلانه يقوم بمعجزة بدنية. فتوضأ وشرع في الصلاة، والخلوة مع الله! ما أشدها لذةً واطمئناناً وفرحاً! وأخذ يفكر: إذا كانت لذة الصلاة الدنيوية، وما أجملها لذة! لا تلبث أن تزول فكيف باللذة الأخروية التي لا تعدم ولا تفنى! يا رب، وهل تساوي الأذية المتواصلة طول الحياة في سبيلك مع لذة التحير من قدرتك في لحظة واحدة؟!
وفتح الباب ودخل غولان بشعان في صورة الإنسان، وجرّا رشيداً إلى مكان فيه غيلان أخرى مثلهما، قد توحشوا بشرب الخمر، فأخذوا يضربونه بشدة ووحشية، ورشيد كان في غاية الضعف بحيث لو تركوه وشأنه لمات في مدة قصيرة، وقال أحدهم:
- لسانك لاسعك، فسنضربك ضرباً حتى لا تعرفك أمك التي ولدتك. فذكر رشيد الشعر الذي قرأه محمد له:
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في شأن الإله وإن يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع
وغشي عليه. فتكرر المنظر نفسه أمام عينيه، إذ رأى رجالاً منورة وجوههم، فقال له أحدهم: «بارك الله فيك لقد نلت غايتك».
واستمرت الغيلان البشعة في ضرب جسدٍ قد فارقت روحه الحياة.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ، وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة].
«الوعي»: هذه قصة حقيقية، لم يحبكها قلم كاتب إسلامي، بل دم شهيد يذكرنا بدماء من سبقوه من الرعيل الأول من الصحابة والشهداء السابقين، ولا نملك، في ختام المسك هذا، إلا أن نردد قول الله الحق: ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب]

انتهى
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.