الجمعة 20/7/1431 هـ
الموافق 2/7/2010 م
أميركا وعملاؤها وراء تفجيرات لاهور وأشباهها
(الخطبة الأولى) أيها الناس: عشرات القتلى ومئات الجرحى في مشهد طالما تكرر في بلاد المسلمين في العقود الأربعة الأخيرة لما شاع خطاب التكفير بين المسلمين. ولم يكن هذا الفكر إلا خطوة متقدمة من حرب الكفار على المسلمين، يضرب بعضهم رقاب بعض بسببها، الأمر الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض". وهو أنكى الجراح وأعظم الفتن، حيث ينشغل المسلمون ببعضهم بدل انشغالهم بعدوهم المتربص بهم.
أيها الناس: ليست هذه الحادثة الدموية شيئا جديدا على المسلمين في عصرنا الحاضر، وليست حادثة فردية منفصلة أو منقطعة عن أحوال المسلمين اليوم، بل هي حلقة في مسلسل طويل تخضبت فيه نحورنا بدمائنا، بدأت قصته فيما يسمى بالسعودية ودويلات الخليج مطلع السبعينيات من القرن الماضي، عندما أغرقت الأسواق بمواد تحريضية على المسلمين السذج من مريدي المشيخات الصوفية وأتباع الفرق الشيعية الذين يرون في شيوخهم ورؤساء فرقهم وطوائفهم أولياء لله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وكان الأميركيون وقتئذ يعدون العدة للانقضاض على نفط الخليج والعراق، وتبوأ المواقع العسكرية الهامة في وسط آسيا وجنوب شرقها بعد أن سيطر عليها الإنجليز قرونا طويلة. فوجدوا ضالتهم في إذكاء الفتنة الفكرية والطائفية والمذهبية بين أبناء المسلمين لإيجاد المبررات الكافية لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية. وهيأت حكومة السعودية وما جاورها من حكومات دويلات الضرار الخليجية الأجواء المناسبة لتحقيق هذا الغرض، وقامت بإصدار المطبوعات والأشرطة المسجلة، وسمحت بعقد الندوات والمحاضرات والدروس المكثفة والخطب التي تجاهلت أهم موضوع من موضوعات الساعة وهو الحكم بغير ما أنزل الله، وغياب الخلافة الإسلامية عن المسلمين، وركزت على البدع والمنكرات المفسقة أو المكفرة على حد سواء. وقام فرسان هذه الظاهرة بنبش قبور الفرق البائدة، وأحياء أفكارهم والشبهات التي أظهروها في عصورهم، وقدموها لمسلمي اليوم غضة طرية كأنها ولدت اليوم، وقد مضى على ولادتها ألف عام ونيف! وشحنوا الناس بهذه الأفكار الضيقة، وأقنعوهم بأن حكام السعودية والخليج وباقي حكام دويلات الضرار في العالم الإسلامي أولياء أمر، مع أن كلامهم يحمل نقضه في طياته، فولي الأمر عند المسلمين واحد في الزمان الواحد لا يتعدد، وإذا بويع لوليين للأمر فالواجب قتل الآخر.
أيها الناس: لقد كانت أميركا الماكرة في الوقت نفسه تغذي تيار الشيعة الإمامية والأقليات الشاذة في العراق وإيران، والذي قاده الخميني للإطاحة بالشاهنشاه البهلوي، بشكل متزامن مع تغذيتها للتيار الذي عرف بالسلفية في مناطق الخليج وطرف من بلاد الشام وشمال أفريقيا. وقطفت أميركا أول ثمار هذه التغذية المتناقضة في دحر الاتحاد السوفييتي عن أفغانستان، بعد أن أمدت المجاهدين بالمال والسلاح والرجال، وجنّد موفدوهم في ذلك الزمان نحو خمسة عشر ألف مجاهد من أتباع التيار الجديد من بلاد العرب وحدها دون بلاد العجم، والذين خرجوا دفاعا عن بلاد المسلمين المحتلة في الأفق البعيد وهي أفغانستان، تاركين بلادهم المحتلة في الأفق القريب وهي فلسطين، وقاتلوا من باكستان لإقامة الإسلام في أفغانستان وهو لم يطبق بعد في باكستان نفسها أو في بلادهم التي خرجوا منها! ثم قطفت الثمرة الثانية في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات عجافا، حصدت أرواح ما لا يقل عن ألف ألف إنسان من كلا البلدين الجارين المسلمين، ودمرت اقتصادهما. ثم قطفت الثمرة الثالثة يوم أن شنت حربا عالمية على نظام طالبان، فأصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم! ولا زالت حربها العالمية على الإسلام تحت شعار محافحة الإرهاب مستمرة حتى اليوم، وقد أزهقت أرواح مئات الألوف من المسلمين. ثم قطفت الثمرة الرابعة لما قادت حملة صليبية على العراق المسلم، فأطاحت بالحكومة البعثية وأذكت فتنة طائفية سوداء في العراق حصدت أرواح نحو ألفي ألف إنسان من المسلمين وشردت أضعاف هذا العدد داخل العراق وخارجه. وهي تقطف في كل يوم ثمرة جديدة من بساتين المسلمين الخالية من أي حراسة، وبتواطئ سافر من الحكام الثعالب، حيث كان آخرها قتل العشرات وجرح المئات في هجوم استهدف زوارا في مسجد ومزار الصوفي الفارسي سيد علي هاجويري في وسط مدينة لاهور يعرف باسم داتا دربار بخش أثناء اكتظاظه بالمصلين من أهل إقليم البنجاب، انظروا كيف تركوا جموع الجيوش المحتلة لبلاد المسلمين تصول وتجول واقتحموا جموع المصلين؟ يا لها من مفارقة!!
أيها الناس: رغم أن المشهد الدموي المستمر في بلاد المسلمين مزعج ومؤذ ومؤلم، ولكن الأمر الأكثر إزعاجا وإيذاءً وإيلاما هو غياب دولة الخلافة الإسلامية التي مضى على هدمها تسعة وثمانون عاما، إذ أن استمرار غيابها هو الذي أوصل المسلمين إلى هذا الوضع المزري، بل إن حالهم مرشح لمزيد من الدماء والفرقة إذا ظلت الخلافة غائبة. ولا عجب، فالخلافة هي التي تقيم الدين وتحرسه، والخلافة هي التي تطبق شرع الله في أرضه، وهي التي تحمي دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، والخلافة هي التي تجاهد عدوهم، وفوق ذلك فالخلافة هي التي تمحص أفكارهم، وتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد. فأمر الإمام نافذ ظاهرا وباطنا، وأمر الإمام يرفع الخلاف. فالخلافة هي التي تحدد البدع فتقمعها وتعالج أصحابها، وتصدر أحكام التكفير بحق من يستحقها وتستتيبهم، وتقتلهم إن أصروا ولم يتوبوا. ففي غياب الخلافة لم تسلم زاوية من زوايا بلاد المسلمين من شرور البدع والفتن والتحلل من الالتزامات الشرعية، فلم تسلم العقول ولا المقدسات، ولم يسلم الزرع ولا الضرع، ووصل الحال إلى أن يهيم الناس حبا في المنديال، ويرفعوا أعلام دول الفرق المشاركة على بيوتهم وسياراتهم، وساعة بدء المباريات تبدأ ساعات منع التجول غير المعلن. حتى المسجد الأقصى لم يسلم من هذه المساجلات الفكرية العنيفة بين أتباع المدارس الفكرية والطوائف الدينية، حيث رفعوا أصواتهم، وبطشوا بأيديهم، ومكر بعضهم ببعض، وهاجم بعضهم بعضا بالعصي والأسلحة البيضاء، وقد حذرتهم شخصيا قبل يومين أو ثلاثة من فتنة ذات عواقب وخيمة، يضرب بعضهم فيها رقاب بعض لا سمح الله. فاللهم جنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وجنبنا الفتن.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: طرحت أسئلة على عالم من علماء المسلمين المعاصرين في بلاد المغرب وهو الشيخ محمد الفزازي حول تكفير المجتمع وتكفير أعيان الناس وتكفير جماعاتهم، وذلك في سياق حوار أجراه معه موقع إسلام أون لاين قبل ثماني سنوات، أورد أجوبته بتصرف بسيط: إننا نكفر من كفره الله ورسوله، ونشهد بالإسلام لمن شهد له الله ورسوله. إننا نكفر غير المسلمين، ونكفر من قامت عليه الحجة من المسلمين، كمن يسب الله عز وجل، ويسب النبي صلى الله عليه وسلم، ويسب الدين، ونكفر من استحل محرما معلوما من الدين بالضرورة، أو جحد واجبا معلوما من الدين بالضرورة. ولنا في ذلك الضوابط العلمية التي تركها الأئمة ذخرا للأجيال إلى قيام الساعة. فنحن - والحمد لله - لا نكفر أحدا بذنب من أهل القبلة، إلا إذا توفرت فيه شروط التكفير وانتفت عنه موانعه. وأما من ينطق بالشهادتين فلا يجوز تكفيره ولا تبديعه ولا تفسيقه، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة. ولم يشر الشيخ – غفر الله لنا وله – إلى الجهة التي لها صلاحية التكفير، وتملك صلاحية تنفيذ الأحكام المترتبة عليه. إضافة إلى أنه لم يفرق بين كفر المجتمعات والأنظمة والحكام وبين كفر الأفراد، ولا بين دار الكفر ودار الإسلام. وكنت أود لو أنه أكمل جوابه بالقول إن دار الكفر هي الدار التي لا يطبق فيها الإسلام ولو كان جل أهلها من المسلمين، وإن لي الأمر هو الإمام المبايع على السمع والطاعة للحكم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو وحده صاحب الصلاحية في تحديد معالم التكفير والتبديع والتفسيق، وهو وحده الذي يملك حق التنفيذ لما يصدره القاضي المختص من أحكام بحق الكفار والمبتدعين والفاسقين بما له من سلطان شرعي على المسلمين، وأنه ليس واحدا من حكام المسلمين اليوم. فإلى العمل لإيجاد الخلافة ومبايعة الإمام أدعوكم أيها المسلمون.
www.al-aqsa.org