وقفات مع سيد قطب رحمه الله يستصرخ بها المنبطحون باسم
السياسه الشرعية






دور العقل في الشريعة الإسلامية:

" إن دور هذا العقل أن يتلقى عن الرسالة، ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول(...) وليس دور العقل أن يكون حاكماً على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان، والقبول أو الرفض، بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن الله، وبعد أن يفهم المقصود بها، أي المدلولات اللغوية والاصطلاحية للنص (...) فهذه الرسالة تخاطب العقل بمعنى أنها توقظه وتوجهه وتقيم له منهج النظر الصحيح... لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها وبقبولها أو رفضها. ومتى ثبت النص كان هو الحكم، وكان على العقل البشري أن يقبله ويطيعه وينفذه سواء كان مدلوله مألوفاً له أو غريباً عليه (...) فالمنهج الصحيح في التلقي عن الله هو ألا يواجه العقل مقررات الدين الصحيحة ـ بعد أن يدرك المقصود بها ـ بمقررات له سابقة عليها، كوَّنها لنفسه من مقولاته المنطقية أو من ملاحظاته المحدودة أو من تجاربه الناقصة… إنما المنهج الصحيح أن يتلقى النصوص الصحيحة، ويكون منها مقرراته هو، فهي أصح من مقرراته الذاتية ومنهجها أقوم من منهجه الذاتي، ومن ثم لا يحاكم العقل مقررات الدين ـ متى صح عنده أنها من الله ـ إلى أية مقررات أخرى من صنعه الخاص! فالعقل
ليس إلهاً ليحاكم بمقرراته الخاصة مقررات الله (...)…
فإذا قال الله سبحانه: " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ "المائدة :44 ، " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا " البقرة :278 ، " وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى " الأحزاب: 33" وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ " النور : 31َ
إلى آخر ما قال في شأن منهج الحياة البشرية فالحق هو ما قال سبحانه، وليس للعقل أن يقول ولكني أرى المصلحة في كذا وكذا. " ج2/806 ـ 808
" إنه لا بد من ضوابط للحياة… حياة المرء مع نفسه وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة… الناس من الأقربين والأبعدين، ومن الجماعة والأمة، ومن الأصدقاء والأعداء… والأحياء مما سخر للإنسان يسخر… والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض… ثم حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة. والإسلام يقيم هذه الضوابط في حياة الناس، يقيمها ويحدده بدقة ووضوح، ويربطها كلها بالله سبحانه فلا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات المتقلبة، ولا للمصالح العارضة التي يراها فرد أو تراها مجموعة أو تراها أمة أو يراها جيل من الناس فيحطمون في سبيلها تلك الضوابط؛ فهذه الضوابط التي أقامها الله وحددها هي «المصلحة» ما دام أن الله هو الذي أقامها للناس… هي المصلحة ولو رأى فرد أو رأت مجموعة أو رأت أمة من الناس أو جيل أن المصلحة غيرها! فالله يعلم والناس لا يعلمون! وما يقرره الله خير لهم مما يقررون! وأدنى مراتب الأدب مع الله سبحانه أن يتهم الإنسان تقديره الذاتي للمصلحة أمام تقدير الله. أما حقيقة الأدب فهي أن لا يكون له تقدير إلا ما قدر الله، وألا يكون له مع تقدير الله إلا الطاعة والقبول الاستسلام مع الرضى والثقة والاطمئنان. " ج2/835


مصلحة الدعوة:

" قد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات ـ بعد الرسل ـ والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها، تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلاً فيها، ومجاراتهم في بعض أمرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصموها! ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة ولا مع منهج الدعوة المستقيم، وذلك حرصاً على سرعة الدعوة وانتشارها، واجتهاداً في تحقيق " مصلحة الدعوة ".
ومصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير، أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله، فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج، إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله، ولن تكون إلا خيراً في نهاية المطاف (...).
إن كملة " مصلحة الدعوة" يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات، لأنها مزلة ومدخل للشيطان يأتيهم منه (...) إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطراً على الدعوة وأصحابها! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف كثيراً أو قليلاً. والله أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلفين، إنما هم مكلفون بأمر واحد: ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق. " ج4/ 2435 ـ 2436

أصحاب الرسالات يرفضون المشاركة :

" إن التجمع الجاهلي بطبيعة تركيبه العضوي، لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله، إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمع الجاهلي، ولتوطيد جاهليته! والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي والتميع في تشكيلاته وأجهزته هم ناسٌ لا يدركون الطبيعة العضوية للمجتمع هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع ولحساب منهجه وتصوره... لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها " . ج4/2092 " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ " إبراهيم : 13 . فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص، إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم ويندمجوا في تجمعهم ويذوبوا في هذا المجتمع أو أن يطردوهم بعيداً وينفوهم من أرضهم. ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي (...) ولم يقولوا ـ كما يقول ناسٌ ممن لا يدركون حقيقة الإسلام ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات -: " حسناً! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم " ج4/2101 . " لأن وجودهم على هذا النحو ـ مهما كثر عددهم ـ لا يمكن أن يؤدي إلى وجود فعلي للإسلام، لأن الأفراد " المسلمين نظرياً " الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرين حتماً للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية، سيتحركون ـ طوعاً أو كرهاً بوعي أو بغير وعي ـ لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا.. أي أن الأفراد المسلمين " نظرياً " سيظلون يقومون " فعلا " بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون نظريا لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوى، وذلك بدل أن تكون حركتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي " . ( معالم في الطريق: نشأة المجتمع وخصائصه)

الدين أساس التحرك وليس الواقع :

" الدين لا يواجه الواقع أياً كان ليقره ويبحث له عن سندٍ منه، وعن حكم شرعي يعلقه عليه كاللافتة المستعارة، إنما يواجه الواقع ليزنه بميزانه، فيقر منه ما يقر، ويلغي منه ما يلغي، وينشئ واقعاً غيره إن كان لا يرتضيه. " معالم في الطريق: (لا إله إلا الله) منهج حياة.
" إنه ليست هنالك مناهج متعددة للمؤمن أن يختار واحد منها، أو يخلط واحداً منها بواحد كلا! إنه من لا يدخل في السلم بكليته، ومن لا يسلم نفسه خالصة لقيادة الله وشريعته، ومن لا يتجرد من كل تصور آخر ومن كل منهج آخر ومن كل شرع آخر، إن هذا في سبيل الشيطان سائر على خطوات الشيطان. ليس هنالك حل وسط، لا منهج بين بين، ولا خطة نصفها من هنا ونصفها من هناك! إنما هناك حق وباطل، هدى ضلال، إسلام وجاهلية " ج1/211 . و " ليس هناك أنصاف حلول ولا التقاء في منتصف الطريق ولا إصلاح عيوب ولا ترقيع مناهج.. إنما هي الدعوة إلى الإسلام كالدعوة إليه أول ما كان، الدعوة بين الجاهلية، والتميز الكامل عن الجاهلية " لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ "الكافرون : 6.. وبغير هذه المفاصلة سيبقى الغبش وتبقى المداهنة ويبقى اللبس ويبقى الترقيع، والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة، إنها لا تقوم إلى على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح، وهذا هو طريق الدعوة الأول " لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ " . "ج6/3993

لسنا مسؤولين عن النتائج:

" ليس للدعاة في أنفسهم شيء، وليس لهم من أمرهم شيء، إنما هم وما ملكت أيديهم لله، يصرفهم كيف يشاء، ويختار لهم ما يريد، وإن هم إلا بعض هذا الوجود الذي يسير وفق الناموس العام. وخالق هذا الوجود ومدبره يحركهم مع حركة الوجود العام، ويقسم لهم دورهم في رواية الوجود الكبيرة ويقرر حركاتهم على مسرح الوجود العظيم. وليس لهم أن يختاروا الدول الذين يقومون به، لأنهم لا يعرفون الرواية كاملة وليس لهم أن يختاروا الحركة التي يحبونها لأن ما يحبونه قد لا يستقيم مع الدور الذي خصص لهم! وهم ليسوا أصحاب الرواية ولا المسرح، وإن هم إلا أجراء، لهم أجرهم على العمل، وليس لهم ولا عليهم في النتيجة " ج5/2866 . " إن عليهم أن يؤدوا واجبهم ثم يذهبوا، وواجبهم أن يختاروا الله، وأن يؤثروا العقيدة على الحياة، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة، وأن يصدقوا الله بالعمل والنية، ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء، وينتهي بهم إلى نهاية من تلك النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان أو إلى غيرها مما يعلمه هو يراه. إنهم أجراء عند الله، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا وقبضوا الأجر المعلوم، وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير. وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب، ورفعة في الشعور، وجمالاً في التصور، وانطلاقاً من الإرهاق والجواذب، وتحرراً من الخوف والقلق، في كل حال من الأحوال. وهم يقبضون الدفعة الثانية ثناء في الملأ الأعلى وذكراً وكرامة، وهم بعد في هذه الأرض الصغيرة. ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حساباً يسيراً ونعيماً كبيراً. ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعاً: رضوان الله. " (معالم في الطريق: هذا هو الطريق )


دعاة الترقيع يطعنون الدين :

" إن بعض هؤلاء المتحمسين لهذا الدين ليشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون , أو هذا الإجراء , أو هذا القول , منطبقاً على شريعة الله أو غير منطبق . . وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك . . كأن الإسلام كله قائم , فلا ينقص وجوده وقيامه وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات ! ! هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين , يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون . بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة . . . إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية . شهادة بأن هذا الدين قائم فيها , لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات . بينما الدين كله متوقف عن "الوجود" أصلاً , ما دام لا يتمثل في نظام وأوضاع , الحاكمية فيها لله وحده من دون العباد .
إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله . فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين . . وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم , لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله , وتغتصب سلطانه , وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد . . وهي هي المشكلة التي كان يواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات , ويربطها بقضية الألوهية والعبودية , ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر , وميزان الجاهلية أو الإسلام . "ج3/1216-1217

المشكلة الأساسية هي في وجود أنظمة الكفر:

" أحسب - والله أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير ; فعدلوا إلى طرائق أخبث , وإلى حبائل أمكر . . لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام ; وتتمسح في العقيدة ; ولا تنكر الدين جملة . . ثم هي تحت هذا الستار الخادع , تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون , ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل !
إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام - أو على الأقل تعلن احترامها للدين - بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله ; وتقصي شريعة الله عن الحياة ; وتحل ما حرم الله ; وتنشر تصورات وقيما مادية عن الحياة والأخلاق تدمر التصورات والقيم الإسلامية ; وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية , وسحق التصورات والاتجاهات الدينية ; وتنفذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين , من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع , وجعلها فتنة للمجتمع , باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج ; بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف ! وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعا بالعمل والتوجيه . . كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة ! والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع "إسلامي" (....) , أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون ? أما أن تكون الحاكمية لله وحده أو تكون للأرباب المتفرقة , فهذا ما قد خدعتهم عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة (...) وإمعانا في الخداع والتضليل ; وإمعانا من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي , فإنها تثير حروبا مصطنعة - باردة أو ساخنة - وعداوات مصطنعة في شتى الصور , بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية , وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية , وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة !
تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة , لتزيد من عمق الخدعة ; ولتبعد الشبهة عن العملاء , الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد ، من تدمير القيم "الإسلامية " ; وسحق العقائد والتصورات ; وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول . . وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم (...) فإذا بقيت بقية في هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة ; ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف ; وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه (...). إذا بقيت بقية كهذه سلطت عليها الحرب الساحقة الماحقة ; وصبت عليها التهم الكاذبة الفاجرة وسحقت سحقا , بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء !!!
ذلك بينما الطيبون السذج من المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية , أو طائفية , لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين ; ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء - من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق - بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة , وإلى منكرات صغيرة , ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملا بهذه الصيحات الخافتة . . بينما الدين كله يسحق سحقا , ويدمر من أساسه ; وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون , وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلا ! " ج2/1033-1034

يجب البدء من الخلافة وتغيير المجتمع والانتهاء بالفرد وليس العكس :

إن الجهد الأصيل , والتضحيات النبيلة يجب أن تتجه أولا إلى إقامة المجتمع الخير . . والمجتمع الخير هو الذي يقوم على منهج الله . . قبل أن ينصرف الجهد والبذل والتضحية إلى إصلاحات جزئية , شخصية وفردية ; عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
إنه لا جدوى من المحاولات الجزئية حين يفسد المجتمع كله ; وحين تطغى الجاهلية , وحين يقوم المجتمع على غير منهج الله ; وحين يتخذ له شريعة غير شريعة الله . فينبغي عندئذ أن تبدأ المحاولة من الأساس , وأن تنبت من الجذور ; وأن يكون الجهد والجهاد لتقرير سلطان الله في الأرض . . وحين يستقر هذا السلطان يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئا يرتكن إلى أساس .
وهذا يحتاج إلى إيمان . وإلى إدراك لحقيقة هذا الإيمان ومجاله في نظام الحياة . فالإيمان على هذا المستوى هو الذي يجعل الاعتماد كله على الله ; والثقة كلها بنصرته للخير - مهما طال الطريق - واحتساب الأجر عنده , فلا ينتظر من ينهض لهذه المهمة جزاء في هذه الأرض , ولا تقديرا من المجتمع الضال , ولا نصرة من أهل الجاهلية في أي مكان !
إن كل النصوص القرآنية والنبوية التي ورد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تتحدث عن واجب المسلم في مجتمع مسلم . مجتمع يعترف ابتداء بسلطان الله , ويتحاكم إلى شريعته (...) فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة الله , فالمنكر الأكبر فيها والأهم , فهو المنكر الذي تنبع منه كل المنكرات . . هو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة . . وهذا المنكر الكبير الأساسي الجذري هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار , قبل الدخول في المنكرات الجزئية , التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر , وفرع عنه , وعرض له . .
إنه لا جدوى من ضياع الجهد . . جهد الخيرين الصالحين من الناس . . في مقاومة المنكرات الجزئية , الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول : منكر الجرأة على الله وادعاء خصائص الألوهية , ورفض ألوهية الله , برفض شريعته للحياة . . لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك المنكر الأول وثمراته النكدة بلا جدال .
على أنه إلام نحاكم الناس في أمر ما يرتكبونه من منكرات ? بأي ميزان نزن أعمالهم لنقول لهم:إن هذا منكر فاجتنبوه ? أنت تقول:إن هذا منكر ; فيطلع عليك عشرة من هنا ومن هناك يقولون لك:كلا ! ليس هذا منكرا . لقد كان منكرا في الزمان الخالي ! والدنيا "تتطور" , والمجتمع "يتقدم" وتختلف الاعتبارات ! (...)
إنه لا بد من الاتفاق مبدئيا على حكم , وعلى ميزان , وعلى سلطان , وعلى جهة يرجع إليها المختلفون في الآراء والأهواء . .
لا بد من الأمر بالمعروف الأكبر وهو الاعتراف بسلطان الله ومنهجه للحياة . والنهي عن المنكر الأكبر وهو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة . . وبعد إقامة الأساس يمكن أن يقام البنيان ! فلتوفر الجهود المبعثرة إذن , ولتحشد كلها في جبهة واحدة , لإقامة الأساس الذي عليه وحده يقام البنيان !
وإن الإنسان ليرثي أحيانا ويعجب لأناس طيبين , ينفقون جهدهم في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في الفروع ; بينما الأصل الذي تقوم عليه حياة المجتمع المسلم ; ويقوم عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , مقطوع !
فما غناء أن تنهي الناس عن أكل الحرام مثلا في مجتمع يقوم اقتصاده كله على الربا ; فيستحيل ماله كله حراما ; ولا يملك فرد فيه أن يأكل من حلال . . لأن نظامه الاجتماعي والاقتصادي كله لا يقوم على شريعة الله . لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة ?!
وما غناء أن تنهي الناس عن الفسق مثلا في مجتمع قانونه لا يعتبر الزنا جريمة - إلا في حالة الإكراه - ولا يعاقب حتى في حالة الإكراه بشريعة الله . . لأنه ابتداء يرفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة ?!
ما غناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الأحوال ? ما غناء النهي عن هذه الكبائر - فضلا عن أن يكون النهي عن الصغائر - والكبيرة الكبرى لا نهي عنها . . كبيرة الكفر بالله ; برفض منهجه للحياة ?!
إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق , مما ينفق فيه هؤلاء "الطيبون" جهدهم وطاقتهم واهتمامهم . . إنه - في هذه المرحلة - ليس أمر تتبع الفرعيات - مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هي حدود الله . فحدود الله تقوم ابتداء على الاعتراف بحاكمية الله دون سواه . فإذا لم يصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة ; تتمثل في اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع ; واعتبار ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة . . فكل جهد في الفروع ضائع ; وكل محاولة في الفروع عبث . . والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات . ."ج2/949-951