في ذكرى هدم الخلافة
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
الحمدُ للهِ القائل ِ: ( فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ {18} ) الزمر.
أيُّها الناس: إنُّ واقعَ الأمةِ مؤلمٌ، يتفتتُ لهُ قلبُ كلِّ مؤمن ٍ، وأكثرُ ما نشاهدهُ في حياةِ الأمةِ قد أخبرنا بهِ رسولنا صلى اللهُ عليهِ وسلمَ. ومِن صَورِ هذا الواقع :
أولاً: التفرقُ وغيابُ الجماعةِ على إمام ٍ. وقد أخبرنا بذلكَ نبيـُّنا رسولُ ربنـِّا صلى اللهُ عليهِ وسلمَ, في أكثرِ من حديثٍ منها: حديثُ حذيفة َالمتفق ِعليهِ ولفظـُهُ عندَ البخاري: ( عن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ. قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ.قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا.قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ).
أيُّها الناس: لا يختلفُ عاقلان ِبأنَّ الأمة َالإسلامية َلا زالت تنحدرُ نحوَ الهاويةِ منذ ُعشراتِ السنينَ, وقد فتـَكَ بها أعداؤُها فتكاً ذريعاً, وفرَّقـُوها وأذلوها حتى عادت قصعة ًبينَ الأمم, وصارت كغثاءِ السيل ِلا وزنَ لها في السياسةِ الدولية, بل, وحتى في سياسةِ أمورِها الخاصة, وهذا لا يحتاجُ إلى كثيرِ بيان ٍ, يُدرِكـُهُ العامِّيُّ, والعَالِمُ على السُّواء.
ولكنَّ الأمرَ الذي لا يُدرِكُهُ الكثيرُ من المسلمينَ هو العلاجُ لِمَا هم فيهِ,مِن فـُرقةٍ وغـُثائيةٍ وهوان ٍ.
فهم يتخبطونَ دونَ وعي ٍيقتضيهِ دينـُهُم, فتراهُم تارة ًيستجدُونَ حلَّ قضاياهُم مِن عدوهم, وتارة ًيَقتـُلُ بعضُهُم بعضاً لتنفيذِ خطـَّةِ كفرٍ, مَعَ أنَّ الأمرَ واضحٌ وضوحَ الشمس ِفي رابعةِ النهار, كيف لا! وقد أجمعَ عليهِ صحابة ُمحمدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ, إجماعاً يُمكنُ القولُ بأنهُ منقولٌ بالتواتر. وهو مرويُّ عن أبي بكرٍ, وعمرَ, وعثمانَ, وعليٍّ, وعمروِ بن ِالعاص, وابن ِعباس ٍ, وغيرِهِم, في كلام ٍتواترَ معناهُ, وهوَ أنَّ صلاحَ الأمةِ لا يكونُ إلاَّ بالجماعةِ على إمام ٍصالح ٍمستقيم ٍ, ومِن تـَتـَبُّع ِأقوال ِهؤلاءِالصحابةِ وغيرِهم منَ التابعينَ تـُوصَّلَ إلى هذا الدليل ِوالذي يُعتبرُ حُجَّة ٌبعدَ الكتابِ والسُّنة .
ونحنُ أيُّها الناسُ: ندعوا الأمة َإلى العمل ِبهذا الإجماع ِقبلَ أن ندعُوَها إلى العمل ِبما يقولـُهُ الجزبُ الفـُلاني, أو التنظيم ِالعلاَّني, أن كلَّ مَن يُعتبَرُ رأيُهُ مِن الأمةِ لا يَخرجُ عن هذا الإجماع { أعني إجماعَ الصحابة } وبناءً عليهِ فلا يوجدُ بينَ الأمةِ مُخالفٌ لهذا الإجماع ِالمعتبر.
فيا أيُّها المسلمونَ: إن كُنتم تحبونَ صحابة َرسول ِاللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ, وتـَرجُونَ أن تـُحشروا مَعَهم يومَ القيامةِ, وأحسبُكُم كذلك, فاتـَّخِذُوهُم قـُدوة ً, فإنهم كـَرِهُوا أن يَبقوْا بعضَ يوم ٍوليسوا في جماعة, كما أخبرَ سعيدُ بنُ زيدٍ رضي الله تعالى عنهُ عندما بايعوا أبا بكرٍ في اليوم ِالذي توفـِّيَ فيهِ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ, إذ أنهُ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ توفـِّيَ يومَ الإثنين ِ, وبويعَ أبو بكرٍ في نفس ِاليوم .
أمَّا أنتم أيُّها الناسُ: فإنكم تـَغـُطـُّونَ في نوم ٍعميق {إلاَّ مَن رحِمَ الله} دونَ جماعةٍ, ولا إمام ٍمنذ ُما يَقرُبُ من تسعةِ عقود, ولا حولَ ولا قوة َإلاَّ باللهِ العليٍّ العظيم.
فاللهَ اللهَ في دينِكم, اللهَ اللهَ في أنفسكُم, اللهَ اللهَ في خليفتِكُم.
فاعلموا أيُّها الناسُ واعملوا: لإيجادِ الجماعةِ على إمام ٍ, فبها وحدَها تعودونَ الجمرةَ, وتـُنصرُونَ بالرُّعبِ مسيرة َشهر.
اللهم اهدِ أمتي لما يرضيكَ عنها, وخذ بيدِهَا لتـَقتـَعِدَ مركزَ القيادةِ بينَ الأمم, فتـُخرِجَهَا من ظلماتِ الرأسماليةِ العفِنةِ, إلى نورِ الإسلام ِوعدلِه, وتـَجرُّ الناسَ إلى الجنة ِبالسلاسل.
اللهم استجب, وعجِّل بذلكَ اليوم ِ, إنكَ مولانا على ذلكَ قدير, وبالإجابةِ جدير, وقد وعدتًّ بها, ووعدُك حقُّ, وقولـُكَ صدق.
وفي الختام ِمسكُ الختام, قولـُهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ {24} وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {25} ) الأنفال.
