الجمعة 27/7/1431 هـ
الموافق 9/7/2010 م
هل هوانا تبع لما جاء به نبينا؟
(الخطبة الأولى) أيها الناس: صح عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. قال النووي: هذا حديث حسن صحيح، وسبب تحسينه أنه في معنى قوله جل وعلا {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}, وهو مذهب كثير من المتقدمين من أهل العلم كابن جرير الطبري، وجماعة من حذاق الأئمة والمحدثين. وقوله هنا (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) يعني أن الإيمان الكامل لا يكون، حتى يكون هوى المرء ورغبته تبعا لما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويعني: أن يجعل مراد الرسول صلى الله عليه وسلم مقدما على مراده، وأن يكون شرع النبي صلى الله عليه وسلم مقدما على هواه، وهكذا. فإذا تعارضت رغبته وما جاءت به السنة، فإنه يقدم ما جاءت به السنة، وقد جاء بيانه في آيات كثيرة، وفي أحاديث كثيرة، كقول الله جل وعلا {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ…} الآية إلى أن قال {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}. فالواجب أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإذا كان كذلك فسيكون هوى المرء تبعا لما جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإلا نفي عنه كمال الإيمان الواجب.
أيها الناس: إننا نواجه اليوم تحديا كبيرا في إيماننا، وذلك بعد أن اخترق الكفار حصوننا، ودخلوا إلى أكثر مناطقنا حرمة، ولم يبق إلا أن يخرجونا من ملتنا، ويدخلونا في ملتهم، بعد أن أخرجونا من ديارنا، وقتلوا أبناءنا، ونزعوا حجاب نسائنا، ودمروا اقتصادنا، وأفسدوا أذواقنا، وفعلوا بنا كل ما يفعله العدو بعدوه عندما يظهر عليه. وصدق الله سبحانه وتعالى حيث يقول: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّۭا وَلَا ذِمَّةًۭ ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَ‌ٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ}، قال صاحب الظلال: "فهم لشدة ما يكنونه لكم من البغضاء يتجاوزون كل حد في التنكيل بكم, لو أنهم قدروا عليكم، مهما يكن بينكم وبينهم من عهود قائمة. فليس الذي يمنعهم من أي فعل شائن معكم أن تكون بينكم وبينهم عهود; إنما يمنعهم أنهم لا يقدرون عليكم ولا يغلبونكم! وإذا كانوا اليوم - وأنتم أقوياء - يرضونكم بأفواههم بالقول اللين والتظاهر بالوفاء بالعهد. فإن قلوبهم تنغل عليكم بالحقد; وتأبى أن تقيم على العهد; فما بهم من وفاء لكم ولا ود!
أيها الناس: لقد كشف لنا المونديال المشتعل في جنوب أفريقيا عن فساد كبير في أذواق المسلمين، كما كشفت لنا من قبل كامب ديفد الأولى والثانية، وأوسلوا ونيفاشا ووادي عربة ومشاكوس وغيرها من أعمال السياسة الخاطئة الكاذبة عن فساد أكبر في أذواقهم. فلقد رأيت الحزن باديا في وجوه بعض المسلمين بعد خسارة ألمانيا في المونديال وكأنهم وتروا أهلهم ومالهم، ولا أرى ذلك في وجوههم إذا فاتتهم صلاة العصر التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله»، أي كأنما أُصيب بفقد أهله وماله. أرأيتم الفرق بين الذي يكون هواه تبعا للمونديال وبين من كان هواه تبعا لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولو أردنا أن نستفيض في الأمثلة على فساد ذوق المسلمين اليوم لطال بنا المقام، ولذرفت عيوننا دما بدل الدموع حزَنا على أحوالنا، وفرَقا من العزيز الجبار المنتقم. فهل رأيتم أحدا من المسلمين يختال فرحا أنه أمر حاكما ظالما بالمعروف ونهاه عن المنكر؟ كالذي قال لجلاوزة السلطة: لو فصلتم رأسي عن جسدي لن تأخذوا مني توقيعاً؟ وهل أتاكم نبأ معمم برتبة وزير في شبه حكومة صادقت على بيع البلاد قبل العباد والمقدسات يثور غضبا في وجه عبد من عباد الله آتاه الله نعمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويقذفه بأبشع التهم ويسمعه الألفاظ البذيئة في بيت من بيوت الله؟ فمن كان يتقلب في نعمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن هواه تبع لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن كان يتقلب في نعمة السلطان الجائر ويأكل من مغرفته، فإن هواه تبع للشيطان والجبت والطاغوت. ونستطيع بهذا الميزان الدقيق الحساس أن نحكم على من كان هواه تبعا لما جاء به النبي عليه السلام، وبين الذي يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني، فإننا في أمس الحاجة اليوم لنعرف هل هوانا تبع لما جاء به نبينا أم لا؟
أيها الناس: إن قضية اتباع الهوى والبعد عما جاء به رسول الله عليه السلام ليست مسألة معصية عادية وحسب، بل هي مسألة في صلب العقيدة والدين والإيمان، وإذا أتى صاحبها شيئا منها، فإن كمال إيمانه معرض للخطر والعياذ بالله، فبأي وجه سيلقى الله بإيمان ناقص؟ وهل سيشفع له مدرب الفريق الألماني وهو يشاركه أحزانه بخسارة فريقه، أم ترى ستنفع سلطةُ دايتون شيخَها ووزيرَها المعمم يوم يقف بين يدي الله للحساب على تفوهاته الباطلة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟ وأي الفريقين أحق بالأمن: شبابنا العاملون لإعزاز الإسلام أم الشيخ المعمم وزير الإفك والطغيان ومحققو سلطته المضللون؟ وصدق الله عز وجل حيث يقول: {ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}. فاللهم اجعلنا منهم وثبتنا في صفهم.
(الخطبة الثانية) أيها الناس: إن لكل محبة دليلا، ودليل صدق المحبة موافقة المحبوب في مراده، وعدم إتيان ما يكرهه أو يبغضه، وإلا فهي دعاوى لا حقيقة لها، وقد قال العلماء: "كل من ادّعى محبة الله، ولم يوافق الله في أمره، فدعواه باطلة" .وإنكم لتقرأون في سير الصحابة الكرام ومن بعدهم، فتعتريكم الدهشة حين تجدون منهم الامتثال الفوري للدين، دون تأخير أو إبطاء، واستمع إلى أنس رضي الله عنه وهو يصف لنا مشهدا من غزوة خيبر فيقول: "أصبنا حمرا فطبخناها، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس، فأكفئت القدور بما فيها، وإنها لتفور باللحم"، وقريبٌ من ذلك ما ذكر في يوم تحريم الخمر، إذ امتلأت طرق المدينة بالخمور المراقة على الأرض، هذا مع شدة حبهم لها، وتعلقهم بها منذ الجاهلية، ولكنهم رضي الله عنهم قدموا رضا الله فوق كل شيء، ولم يتقاعسوا عن طاعته طرفة عين. ولما نزلت آية: {يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَ‌ٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ فهل أنتم منتهون قال عمر: انتهينا. وكفى بهذا الانقياد ثمرة أن يجد المرء في قلبه حلاوة الإيمان ولذته، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، وذكر منها – أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).
أيها الناس: إن مخالفة الهوى تتطلّب همّة عالية، وعزيمة صادقة، وإيمانا راسخا لا يتزعزع، وشوقا إلى الجنة وخوفا من النار وربها العزيز الجبار. واعلموا أن همم المسلمين التي فترت، وأذواقهم التي فسدت، وشبابهم التي غوت، ونساءهم التي طغت، مرهونة بعملكم المخلص لإقامة دولة خلافة المسلمين الثانية الراشدة على منهاج النبوة التي ستنقذهم وتصلح فساد أذاواقهم. فما فسدت تلك الأذواق إلا بأعمال المكر الذي قادته دول كبرى ودويلات صغرى تابعة له، ولا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يبطل كيد الدول إلا دولة مثلهم. فإلى العمل لإقامتها أدعوكم، وأهيب بكم أن تجعلوا هواكم لما جاء به رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه لا أن تكونوا أداة طيعة في أيدي الحكام وإعلامهم الذي يوجهه الكفار أسيادهم.

www.al-aqsa.org