اليكم هذا المقال الرائع, وان كان باستطاعة احد الشباب مراسلة الكاتب
http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=to...mp;storytitlec=
أقر بأنني أمارس ضغطا قويا على الذات لأمتنع عن السقوط المخيف في أزمات يصطنعها بعض ممن يحسبون على الجزائر رجالا، سواء في حقل العلم أو السياسة، ليس خوفا وإنما ترفعا عن أوحال لوثتها القذارة الفكرية، تفرض عليك بطبيعتها أن تمسك أنفك إذا مرت بقربك، وتشيح بنظرك عنها تعففا فمنظرها غاية في القبح، ولا أجد مانعا من الإقرار كذلك بأنها كانت عاملا قويا في رسم صورة عن الشعب الجزائري غير مشرفة بالمرة لدى إخوتنا بالمشرق العربي؛ ولكن حين يسهم فيها من يتعمم بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويرتقي منبره الشريف ليخاطب الناس باسمه، أجدني مضطرا للكلام قهرا.
يقف الرجل كأنما قد دخل صلاة بعد تكبيرة الإحرام، قسمات الوجه تعبر عن خشوع متميز، لحظات ثم يتقدم خطوات إلى الأمام، بين يديه من يحمل باقة مستديرة من الزهور، يمشي الثلاثة بخطوات محسوبة صوب نصب ظاهر على الأرض، زينت سطحه وجنباته أجود أنواع الرخام، تنبعث منه نار موقدة، يعرف بقبر الشهيد أو الجندي المجهول، توضع باقة الورد على واجهته، يتراجع الرجل، من دون التفات، خطوات إلى الوراء ويقف ثانية في حالة وقار مهيب، يرفع يديه يأتم بحركته هذه جمع المسؤولين الذي يقفون خلفه، ماذا يفعلون؟ إنهم يقرأون فاتحة القرآن الكريم أمام هذا النصب، قبر الشهيد الذي تنبعث من بطنه النار يمنع إطفاءها؛ صورة واقعية كثير منكم شاهدها لا شك، لكنها أقرب للسريالية منها للواقع، أعلم جيدا أن كثيرا منهم سيسخر من عقل هذا الفلاح المتنطع والمتحجر في آن، وقطعا سيتهم بالسلفية والأصولية والتخلف وغيرها من النعوت، فالموضوع بالنسبة إليهم مقدس غير قابل للنقاش، والمسألة كلها رمزية، لا يفقهها إلا أصحاب العقول المتفتحة المتنورة.
ما كنت لأتطرق لهذا الموضوع، الذي طالما كان ينغص علي بتساؤلات حرت لها جوابا، لكن بعد أن أخذ بعدا وطنيا بداية هذا الأسبوع، اثر اعتراض خمسة أئمة عن الوقوف تحية للعلم الوطني، وإعلان وزير الشؤون الدينية (يحسب على الصوفية) الحرب عليهم، ثم توسع رد الفعل إلى علماء يحسبون كذلك على الطرقية، افتقدنا بياناتهم في كل المحن التي ألمت بالأمة عموما والجزائر خصوصا، واعتبارهم جميعا أن هذه الطقوس من صميم العقيدة، والتصريح بأن عدم القيام بها مدعاة للفتنة وغيرها من عظائم الأمور، حتى خشيت أن يبشروا معارضيها بجهنم وبئس المصير، هكذا حملت بياناتهم باسم الإسلام، وليس النصرانية أو اليهودية أو حتى البوذية، بل الإسلام لا غير نبرة التخوين والاتهام بالجهل بأصول الشريعة لكل من تباطأ أو تلكأ في القيام بهذه السنن المؤكدة.
لست فقيها ولا مفتيا، ولكني كمسلم عادي وبسيط للغاية، لا يستقيم أبدا في عقلي، بل ويعجز قطعا أن يتصور رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقف أمام قبر اصطناعي تنبعث منه ألسنة النار، ليرفع يديه بالدعاء وقراءة الفاتحة، وأذهب أبعد من ذلك بالقول أن كل من يتصور ذلك فإنما هو جاهل أعمى أو سفيه عقل قد رفعت عنه الأقلام، ومتى توهم أن صاحب الرسالة سيقف منتصبا أمام خرقة قماش، فلا شك لدي أنه رجل مجنون؛ ولكن دعوني أتجاوز هذا المنطق فالقوم متفتحون، أصحاب رسالة جديدة على ما يبدو، وبما أنهم كذلك في تصورهم، أسأل: أهم من ابتدع هذه الطقوس حتى يطالبون باحترامها وتقديسها؟ أم أنها صنيعة آبائهم؟ من أين جاءت تحديدا، إن كانوا لا يعلمون فهي مصيبة، وإن كانوا يعلمون فالمصيبة أعظم.
اختصارا، ليس من قبيل الصدف أن يقترح فرانسوا سيمون رئيس جمعية الذاكرة الفرنسية في 26/11/1916 تخليد ذكرى الجندي المجهول، ذلك أن مفاوضات سايكس- بيكو كانت قد انتهت إلى اتفاق انكشف أمره، لتقطيع أوصال العالم الإسلامي، ذات العام تكتب رئيسة التحرير تشارلز سكوت لصحيفة 'مانشستر جارديان' مقالا تدعي فيه أن القدر قد دار دورته، ليعود الوطن التاريخي لأصاحبه اليهود، لم ينقض عام آخر 02/11/1917 حتى يقدم بلفور وعده المشؤوم؛ ليقترح موريس مونيه نائب في البرلمان 12/07/1918 بإنشاء قبر الجندي المجهول تخليدا لذكرى من ضحوا من أجل تحطيم ثلاث إمبراطوريات (حرب 1914)، لكن الأهم هو انهيار الخلافة الإسلامية، واحتلال ما تبقى من أجزائها في المشرق، وأخطر أجزائها فلسطين، التي تضم أقدس مقدسات المسلمين أولى القبلتين وثالث الحرمين، وليس صدفة أن يتم بناء هذا القبر الرمز تحت قوس النصر في باريس، الذي يضم فعلا رفات جندي فرنسي مجهول الشخصية، ويتم التصديق على جزئيات التقاليد ومنها إضرام النار الذي اقترحه غابريال بواسيه 21/01/1921، وتقام المراسم لأول مرة 11/11/1923، أي تزامنا مع الانهيار الرسمي للخلافة الإسلامية تماما بعد أن أعلنت الجمعية الوطنية العامة التركية قيام الجمهورية في تركيا وانتخبت مصطفى كمال أتاتورك أول رئيس لها. والخلاصة أن العالم الغربي جعل لنصره على هذه الأمة المنكوبة، قبر الجندي المجهول وما يتبعه من مراسم، احتفالا بما تحقق له وتخليدا لذكرى رجال ضحوا بحياتهم من أجله. حين تحتفل فرنسا وبريطانيا فالأمر هنا مفهوم ومنطقي، لكن السؤال عن قومنا نحن لأي سبب يحتفلون؟ سيقولون فورا: بانتصارنا واسترداد حريتنا؛ وهل بالضرورة أن نتبع ذات المراسم، ما بين اقتراح 1916 إلى غاية إقراره في البرلمان الفرنسي 1921 خمس سنوات، هل المتفتحون عندنا فعلوا ذات الشيء، ولماذا يعجزون عن تقديم تصور آخر لشكليات احتفالاتهم هذا إن استقر الأمر على جوازها شرعا، أما عن العلم ومراسم تحيته فتعود كذلك لعام 1880 حيث أقرته فرنسا، ولا علاقة له بتاريخ هذه الأمة الإسلامية ولا بعقيدتها من قريب أو بعيد. بل جاء مباشرة بعد مؤتمر مدريد تموز/ يوليو من نفس العام، لتدعم انكلترا واسبانيا وألمانيا بل تساهم فرنسا في احتلال المغرب الأقصى، التي كانت قد احتلت الجزائر 1830.
هذه تقاليد أبتدعتها ورسمتها أمة غير أمتنا الإسلامية لا خلاف حول ذلك، استندت بطبيعة الحال لموروثها الحضاري وثقافتها، وربطتها بأحداث صبت في مصلحتها جملة وتفصيلا؛ وإن كان من الطبيعي أن تدرج في سياق الحراك الثقافي بين المجتمعات البشرية، وتقلب الأفكار والأعراف فيما بينها، فلا يعني ذلك أبدا أن تعد جزءا من الشريعة الإسلامية، وركنا من عقيدتها، والأساس في جمع كلمتها، وعليها يتوحد صفها، بل إذا صيغت كذلك كذبا على الله ورسوله تعد طعنة نجلاء في ظهر هذه الأمة، وإجبار الناس عليها هو الفتنة بعينها ومدعاة لتشتيت صفها. حري بهؤلاء الأئمة الذين رفعوا أصواتهم داعين الدولة للضرب بيد من حديد على كل من استنكف عن القيام لتحية العلم، بحجة أنه يحدث فتنة، أن يدعوا ذات المسؤولين ليوقفوا بناء الحانات ودور العبث والزنا، ويلغوا الضرائب التي تعد شرعا بإجماع العلماء ومن دون خلاف في مثل حالة الجزائر التي تفيض خزائنها بالمال نهبا وسرقة موصوفة محرمة، وليحددوا لهم دور الجمارك الشرعي وهو حرس الحدود، وما سوى ذلك من إجبار المواطنين على دفع رسوم إنما هو من عمل قطاع الطرق شرعا، وهو محرم ولا يقل عن أكل السحت جرما.. وغيرها من أعمال تصنف من الكبائر والموبقات لا خلاف حولها قد تبدأ بالربا ولا تنتهي عند الميسر واليانصيب؛ هذا ما أمر الله به ورسوله وأجمع عليه السلف الصالح من العلماء العاملين الصادحين بالحق الذين لا يخافون في الله لومه لائم، وأما ما جاء في دعواهم حول تحية العلم وقبر الجندي المجهول ليس أكثر من بيع آيات الله بثمن قليل...
' فلاح جزائري