التعصب الأعمى وثقافة الإقصاء


بقلم: منير عدوان

َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) سورة المائدة إن ما جرى عصر الثلاثاء 13/7/2010م من اعتداء جلاوزة سلطة غزة بالضرب على جموع من الشباب العزل الذين احتشدوا في المساجد وتقاطروا منطلقين منها ليشهدوا مهرجانا جماهيريا سلميا دعا إليه حزب التحرير من أجل إحياء ذكرى هدم الخلافة الإسلامية، وما تلا ذلك من إطلاق الرصاص في الهواء مما أدى إلى إصابة طفلة بريئة بإصابة خطيرة يكشف عن إفلاس هذه الحكومة التي تدعمها حركة حماس، وقد قادها هذا الإفلاس منذ أن تربعت على عرش إمبراطورية غزة إلى البطش يمنة ويسرة بكل من خالفها الفكر وعارضها الرأي دون أدنى اعتبار لحرمة الدم المسلم أو احترام للقيم الإنسانية. لقد أقدمت هذه الحكومة التي أسكرتها شهوة السلطة، وأعماها فكرها الإقصائي الضيق على فعلتها الشنيعة هذه بقلوب تطفح حقدا، مدفوعة في ذلك بجيش جرار لا يعقِل من الأتباع وظفتهم بشكل مباشر أو بغيره من أجل تبرير ما اقترفته أيديهم ولا تزال من أعمال تشمئز منها النفوس السوية والقلوب المؤمنة. وهنا مكثت ساعة أتفكر بعدما وقفت على تفصيلات الخبر وحيثياته وأتساءل: ألهذا الحد ضاقت حماس وحكومتها بحزب لطالما وصفوه بالقوال غير الفعال؟! ألهذه الدرجة يضيق حملة شعار الإسلام هو الحل بشعارات من يدعو للخلافة ويعمل لتذكير المسلمين بأيام عزتهم ومجدهم؟! لماذا تقوم حكومة تدعي الإسلام والحكم الرشيد بحظر مهرجان يعلم وزراؤها أن منظميه لا يؤمنون بالعمل المادي وسيلة لبناء القناعات والأفكار، بل إن العمل الفكري هو طريقتهم لبناء دولتهم؟ ما هو الخطر الذي يشكله عليكم حزب التحرير يا سلطة حماس؟! أم هل تعتقدون أن الحزب يطمع فيما بين أيديكم من فتات الفتات؟! لماذا ارتضيتم لأنفسكم أن تتفقوا مع سلطة الضفة في ضرب الحزب والتضييق عليه رغم أنكم تختلفون معها فيما سواه؟! هل هذه إشارة أولية لنجاح المصالحة بدأتموها بالحرب على حزب التحرير؟! كيف سيقتنع المواطن الفلسطيني فضلا عن العالم أجمع بأنكم تفترقون عن سلطة الضفة؟! إنكم إذا مثلهم وجهان لعملة واحدة. بل كيف ستقنعون الناس بأنكم تفترقون عن طاغية أوزباكستان وجلادي تركيا أو سفاحي ومجرمي الدول العربية في البطش بحزب التحرير واضطهاد دعاة الخلافة الإسلامية؟! وتحت عنوان (تصرف غير مبرر حتى الآن من حماس) أدعو القراء لمطالعته على شبكة فلسطين للحوار، عثرت فيه صدفة بينما كنت أتجول في شبكات الانترنت، وقد مكثت ساعة أطالع ما أعقبه من ردود ومداخلات على موضوع يتساءل صاحبه –منزعجا- عن سبب هذا القمع غير المعهود من قبل سلطة غزة لفعاليات حزب التحرير؟ ولكم أن تتصوروا ما وجدته في طيات تلك الردود والمداخلات من شتائم وسباب واتهامات وافتراءات وألفاظ لا تليق بمثقف فضلا عمن يدعي أنه يحمل فكرا ودعوة، و لا أرى مثل هذه الألفاظ إلا أنها تكشف عن حقد دفين، وتعصب أعمى، وخرق واضح بين، وغيره كثير إلا من رحم ربي و قليل ما هم، وكان الأجدر بأولئك أن يكونوا وقافين على أخطاء حركتهم لا مؤازرين داعمين. أقول هذا فضلا عن الانتقائية المقيتة في عرض الردود والمداخلات فما تراه في الظهيرة -أخي القارئ- يختفي عند المساء وما لا يعجب المشرفين على الموقع يقومون بحذفه وقصه وإبقاء ما يدل عليه من اقتباسات القراء، ولك أن تسألهم مثلا عن بيان الحزب المتعلق بأحداث غزة والذي كتبه والي آسيا أين ذهب ولماذا حذفوه وقصوه؟ لأنه يعري مداخلاتكم المفضوحة أليس كذلك؟ لقد قرأت في ثنايا تلك الردود أقوالا شتى وآراء مختلفة في شأن التعامل مع فعاليات حزب التحرير في قطاع غزة ويذكرني ما سوف أعرضه عليكم باجتماع قريش في دار الندوة وهي بالطبع ردود تكشف عن المزاج العام الذي يحمله أتباع حماس، فمن قائل بأن التحريريين هم تجار كلام وبياعين أوهام، ومن قائل بأن كلام حزب التحرير هو كلام فارغ لا يضر عدوا، ولا ينفع صديقا، ولا يسمن ولا يغني من جوع، ومن مفت بضرورة منع الحزب من القطاع وأن يوصد دونه الباب، كما منعت غيره من الأحزاب، قال: لأن القطاع مش وكالة من دون بواب، ما شاء الله هنيئا لكم إذن هنية، ومبروكة عليكم الإمبراطورية. ومنهم من أيد الفتوى بمنع الحزب وحظره كليا بترخيص أو بدون ترخيص وعدم السماح لحملة الفكر الضال –برأيه- بنشر فكرهم؟ ألهذه الدرجة يقتلكم الرعب من فكر حزب التحرير ، فلجأتم إلى السلاح ترضون به أعداءنا وأعداءكم، بل منهم من يرى نفي الحزب إلى المريخ، طيب ماشي على الأقل حتى يكون عندكم صواريخ، ومنهم من يرى أن الحزب جاء بالفتنة والفتنة أشد من القتل، فلذلك ينبغي منعه وحظره، وهناك من الآراء مثل ريماس من اختزل الأمة والحركات بحماس، واعتبرتها نموذجا لكل الناس، كأن من ينفث في روعهم هو الوسواس الخناس، حتى إن أمثلهم طريقة ممن طلب السماح للحزب بإجراء فعالياته قرن طلبه هذا بالتبرؤ من فكر حزب التحرير وقدحه حتى لا يتهم فيهاجم، أنا أدرى بالعقلية الحمساوية أعانكم الله عليها. كل هذه الأقوال والآراء، جمعتها لكم معاشر القراء، بعدما غربلتها ونقيتها من سوقي الكلام وحوشيه، وما زخرت به من الرذالة والنذالة، والغمز واللمز، والطعن واللعن، ألا قبح الله ما جئتمونا به، ثم مللت بعد أن قرفت من متابعة الردود والمداخلات فعزفت عنها وهي لا تزال سارية بإمكانكم متابعتها هناك. ورحت بعدها أفكر في الردود واسائل نفسي ما دام حزبنا حزب قوال غير فعال، وأننا بياعين كلام وتجار أوهام، وأن بضاعتنا لا تضر ولا تنفع، ولا تسمن ولا تغني، إذن فلماذا نحارب ونمنع وتحظر نشاطاتنا وفعالياتنا من المحيط إلى المحيط مع بعض الاستثناءات، ولماذا لا يخلى بيننا وبين ما يعتقدون انه الوهم، بل إنني أعجب من تناقض هؤلاء حينما يسفهون أفكار الحزب تارة وتارة أخرى يخوفون من خطر انتشارها لإضلال شباب القطاع كأنما هي أفكار جاءت من كوكب آخر. ولكن هل هذا ما يغيظ الحمساويين منا؟ أم أن ما يغيظهم هو كبت حزب التحرير على صدورهم لما علموا أنه قد وقف نفسه على فضح كل من تسول له نفسه بالتنازل أو التفريط أو بيع مقدسات الأمة، وجعل نفسه صمام أمان على فكر المجتمع وحسه وصيانة مقدساته، والذب عن حرماته، وعلموا أنه لن يسمح لحماس ولا لغيرها بتمرير أي تنازل أو قبول أي اتفاق من شأنه أن يفرط بثوابت الأمة، وأنه يطلب معنى لتصريحات قادة حماس التي تكررت مرارا بالقبول بدولة بحدود عام 1967م على السنة العديد من كبار قادتها؟ مع العلم ان الاحتلال لا يعطي شيئا قبل أن يقبض ثمنه مقدما؟ ونسأل حماس لماذا تخلت عن تحرير فلسطين من البحر إلى النهر؟ أم أنها أصبحت تردد ما رددته فتح بالأمس من الحلول المرحلية للتحرير؟ وتمر بنفس المرحلة التي مرت بها غريمتها في بداية عقد التسعينيات؟ ولأنه تصدى لعملية الدخول في الانتخابات وأصدر فيها كتبا ونشرات كل هذا دفع الكثير منهم إلى القول أن الحزب يكره حماس ويمقتها؛ لأنه لا يحب للمشاريع الإسلامية أن تنجح؛ ولأن في نجاحها سقوط لنظريته وفشل لمشروعه، وكأني بهؤلاء المأفونين لا يقدرون على التخلص من فكرة أن الحزب ليس فلسطينيا بل هو عالمي، وأن مهاجمته لفكرة ما تكون من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المستندة إلى الدليل الشرعي. ثم إن امبراطورية غزة لا تعنينا من قريب ولا بعيد، وليس مثلها ما نصبو إليه ونعمل له حتى نحسدكم على نجاحكم في مشروعكم الإسلامي. وقعدت بعدها أفكر فأعادتني الذكريات إلى زمن بعيد، لما كانت حماس لا تزال في اللفاع، أقصد في طور التشكل والتبلور والتأسيس، ولا أزال أذكر كيف كانوا -سامحهم الله وهداهم- ونحن صبية صغار صفحات بيضاء، لا نفقه معنى الحياة، ولا تعرف قلوبنا إلى الغل والحقد والضغينة سبيلا، يمررون بين أيدينا كتبا لفتحي يكن (ماذا يعني انتمائي للإسلام) وصاحب كتاب (العلم فريضة شرعية و ضرورة بشرية) لتتسلل أفكارها رويدا رويدا مفعمة بالكراهية وبغض ما يدعو إليه حزب التحرير حتى قبل أن نعرف ما هو حزب التحرير في إستراتيجية خبيثة لبرمجة عقولنا ونفسياتنا مسبقا دون أدنى بصر أو اطلاع على ما كان يدعو إليه الحزب آنذاك. ولا أزال أذكر كيف كانوا يرضعوننا ذلك الفكر الإقصائي الضيق المبني على كراهية الآخرين حتى ولو كانوا من أبناء المسلمين ما داموا يحملون فكرا مخالفا. فلما تذكرت تلك الحوادث وأخرى غيرها حدثت معي خاصة حمدت الله على نعمة التحرير من ربقة أفكار التعصب المقيت والحقد الأعمى، وقلت في نفسي إن ما رأيته من ردود ومداخلات وما رأيناه بالأمس ونراه اليوم من حكومة حماس وميليشياتها لا يعدو كونه نتاجا لتلك التربية الفاسدة الفاشلة التي ربت حماس عليها أتباعها.

http://www.ekhbaryat.net/internal.asp?page...20459&cat=4