ميراث الأمة الإسلامية
بعد أن بعث الله سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام برسالة الإسلام وجعل معجزته الخالدة القران الكريم خاتمة الرسالات وكان بذلك خاتم الأنبياء والمرسلين , اختار الله الأمة الإسلامية من بين جميع الأمم وكلفها بحمل رسالة الإسلام لتبليغه للناس كافة بعد انتقال الرسول للرفيق الأعلى قال تعالى
﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
﴾
﴾
فقوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ ) هو تكليف لهذه الأمة , وقوله تعالى (الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا ) هو تشريف لهذه الأمة , وقوله تعالى في نهاية الآية (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) هو أن هذا التكليف وهذا التشريف تفضل من الله على الأمة الإسلامية لذلك كانت خير امة بقوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) إذا ما التزمت بهذا التكليف وقامت به خير قيام حتى تنال رضا الله والشرف والمكانة التي أعدها الله لها .
فبعد هذا التكليف والتشريف لا يحق لمسلم أن يبقى مكتوف اليدين مغلق العينين أصم الأذنين عما يجري للمسلمين من قبيل أمريكا وحلفاءها شياطين الإنس الذين يسعون في الأرض فسادا ولا يحرك ساكنا من اجل نصرة الإسلام والمسلمين خاصة من كان قادرا على العمل والدفاع عن الإسلام والمسلمين مثل العلماء والمفكرين والدعاة , كذلك أصحاب المنعة والقوة من الضباط والجنود، وكذلك عامة الناس الذين يدركون واقع الأمة الإسلامية وما وصلت إليه.
هؤلاء هم الأمة وهم المطالبون بحمل الدعوة والعمل للإسلام من اجل إعادة مجد الأمة وعزتها , وهؤلاء المذكورون في الآية على ثلاثة أقسام:
القسم الأول وهم الذين قال الله فيهم (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ) وللأسف هم القسم الأكبر من الأمة على جميع المستويات خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا .
أما المستوى الأول وهم العلماء ومنهم الفقهاء فهم ورثة الأنبياء واعلم الناس بالحق ومنهم يُطلب الحق وبهم يظهر، وعلى عاتقهم يقع واجب محاسبة الحكام العملاء الذين ينفذون رغبات أسيادهم الغربيين في حرف الأمة عن الإسلام ونهب ثرواتها بل وإخضاعها عسكريا تحت إمرتها .كما على العلماء إرشاد الأمة وإيقاظها على ما يجري لها لتسير في طريق الحق من اجل إعادة استئناف الحياة الإسلامية والمشاركة في عملية التغيير لإعادة العزة والمجد إلى الأمة الإسلامية . فالعلماء هم إحساس الأمة لأنهم الأخشى لله قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) هذا وصف لحال العلماء الأتقياء المخلصين الذين يقومون بواجبهم ورحم الله الإمام احمد بن حنبل كيف كان مثلا للعلماء عندما تعرض للفتنة على يد المأمون ولم يخضع لرأي ذلك الخليفة في مسالة خلق القران وأصر على رأيه بعدم خلق القران برغم كل ما تعرض له من سجن وتعذيب وقال كلمته المشهورة ( إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق ) هؤلاء هم العلماء حقا ورثة الأنبياء, روي أن رجلا قال للشعبي : افتني أيها العالم فقال الشعبي : العالم من خشي الله عز وجل . فأين علماء اليوم ؟ علماء السلاطين الذين أضاعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، الذين يفتون الناس على رأي حكامهم خلطوا عملا صالحا بآخر سيئا بل لا يكاد يرى لهم عمل صالح .
وصنف آخر من العلماء هم المفكرون والدعاة فعليهم نشر مفاهيم الإسلام واضحة نقية غير متأثرة براسمالية ديمقراطية أو شيوعية اشتراكية وان لا يدعوا بدعوى الجاهلية من وطنية وقومية وان تكون غايتهم توحيد الأمة الإسلامية فكريا وسياسيا بهدم النظم الموجودة وكياناتها الهزيلة التي صنعها الكافر المستعمر , وبيان زيف كل ما يحاول أن يروج له من أفكار ومفاهيم كفر والعمل بقوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فإلى العمل ندعوكم ولا تهابوا الظالمين مهما فعلوا بكم أو لوحوا لكم وقولوا كما قال الله تعالى في كتابه على لسان يوسف عليه السلام (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) وكونوا من أولي العزم ولا تخلطوا عملا صالحا بآخر سيئا وأنصحكم بما نصح لقمان عليه السلام ابنه . قال تعالى (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور).
أما على المستوى الثاني من الأمة وهم أصحاب القوة والمنعة من الضباط والجنود وأصحاب الرتب الرفيعة، فهم إن بقوا على حالهم متفرجين فقد هلكوا واهلكوا الناس وإن تحركوا لنصرة أهل الحق والعاملين للإسلام عزوا واعزوا الناس، وان غدوة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها فكيف لا يتحركون بعد كل ما جرى ويجري للمسلمين؟ هل هم جنود أم حرس قصور وحدود؟يحرسون قصور الظالمين من المخلصين ويحمون حدود المسلمين من المسلمين أما من الكافرين فهي مستباحة لهم بل يكونون عونا لهم .فينطبق عليهم قول الله تعالى (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ).مع أن الجندية تعني الفداء والتضحية والالتزام ،الفداء والتضحية بالنفس والمال من اجل رفعة الإسلام والمسلمين والالتزام بأمر الله من اجل نوال رضوانه وجناته التي وعد بها المتقون .فهبوا إلى العمل ونفضوا عن أنفسكم وأسلحتكم غبار السنين الغابرة وخذوا على يد الظالم حتى تعودوا جنود الأمة جنود الإسلام والله لن يتركم أعمالكم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصر والتمكين).
المستوى الثالث وهم عامة المسلمين الذين يكتوون بظلم حكامهم وأسياد حكامهم الكفار فهم أحوج الناس إلى العمل والمشاركة بكل ما أوتوا من طاقة لرفع الظلم عن أنفسهم وإنارة الطريق لأبنائهم من اجل نيل رضا الله أولا والعيش بكرامة وعزة في الدنيا ثانيا .فلا تلقوا بالا لأبواق الحكام واعتبروا بهذه الأحداث الجسام التي تمر بها الأمة في مشارق الأرض ومغاربها ،فعدوكم أعلن لكم عدائه فما تنتظرون ؟وجاءكم بجيوشه فماذا انتم فاعلون ؟ فاتقوا الله أيها المسلمون في الأمانة التي حملتموها والمكانة التي شرفكم الله بها وعودوا خير امة أخرجت للناس .
أما القسم الثاني من الأمة الذين ذكرتهم الآية فهم (وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ) وهم الذين يلتزمون بالحكم الشرعي في معظم أعمالهم ولكنهم يقتصدون في أعمال الخير والبر والعبادات من نوافل ومندوبات وفي فروض الكفاية خاصة التي بها يبرز العمل للإسلام وبها تتضح معالم الحياة الإسلامية وتترسخ مفاهيم الإسلام وتتوحد أفكارهم ومشاعرهم ويظهر بذلك توحد المجتمع الإسلامي وتكافله وتبرز الإخوة الإسلامية وارتباطهم جميعا بعقيدة لا اله إلا الله محمد رسول الله .لذلك على هؤلاء أن ينموا في أنفسهم أعمال الخير وكل ما فيه قربى إلى الله وان يشاركوا في فروض الكفاية حتى لا يحصل تقصير ويزيدوا في العبادات والنوافل ليرتفعوا ويسموا في مشاعرهم مما يجعلهم شخصيات متميزة وخاصة حملة الدعوة الذين يسعون إلى استئناف الحياة الإسلامية بالعمل لإيجاد الدولة الإسلامية التي تطبق الإسلام في الداخل وتحمله رسالة إلى العالم عن طريق الجهاد. عليهم أن تكون أعمالهم بمستوى غايتهم حتى يستحقوا نصر الله قال تعالى
﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
.فدوام الالتزام بطاعة الله والمسارعة في الأعمال والتقرب إلى الله هو المخرج لنا مما نعيش ونعاني قال تعالى ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾
أما القسم الثالث وهم الذين ذكروا بقوله تعالى (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) وهم الأنبياء والرسل عليهم السلام والصحابة الكرام الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة والإيمان وهم الذين لا يقصرون في فروض ولا مندوبات ويدفعون عن بعض المباحات ولا يفعلون حراما ولا مكروها ويبتعدون عن الشبهات ويتصفون بأفضل الصفات الخُلقية.
وهناك أناس من المسلمين ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بدا الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء) وهؤلاء الغرباء تميزوا بصفات معينة ذكرت في أحاديث كثيرة ومن أهم هذه الصفات أنهم تركوا أهلهم وعشيرتهم وتجمعوا على رابطة مبدأ الإسلام وتحابوا في الله وأنهم قليلون وأنهم يصلحون ما افسد الناس من سنته عليه الصلاة والسلام وأنهم من أخلاط الناس وقد نالوا مرتبة عالية عند الله يغبطونهم عليها الأنبياء والشهداء مع أنهم ليسوا بأفضل منهم . عن ا بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الشهداء والنبيون يوم القيامة لقربهم من الله تعالى ومجلسهم منه , فجثا أعرابي على ركبتيه فقال يا رسول الله صفهم لنا وحلهم لنا قال:قوم من أفناء الناس من نزاع القبائل , تصادقوا في الله وتحابوا فيه , يضع الله عز وجل لهم يوم القيامة منابر من نور ,يخاف الناس ولا يخافون , هم أولياء الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وبعد معرفة هؤلاء وصفاتهم ومنزلتهم عند الله كان حريا بكل مسلم وخاصة حملة الدعوة أن يسارعوا إلى حجز منبر لهم قدام الرحمن تعالى .عسى أن يكونوا مع السابقين بالخيرات.
بقلم: الأستاذ أبو خالد الأنصاري