بســم الله الـرحمــن الرحيــم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
أحببت ان اشارككم بنقل هذا الموضوع الذي أعجبني مدخله وتنوّع أقواله.
قال الله عز وجل: وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ [الأعراف:31].
قال بعض العلماء: ( جمع الله بهذه الآية الطب كله ) [تذكرة السامع والمتكلم:121].
وقال النبي : { ما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه } [أخرجه أحمد:4132، وصححه الألباني في صحيح الجامع:5674].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( وقد ثبت عن النبي أنه قال: { إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم } [رواه البخاري]. ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب؛ ولهذا إذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشيطان، ولهذا قيل: ( فضيقوا مجاريه بالجوع ).
وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التي تفتح بها أبواب الجنة، وإلى ترك المنكرات التي تفتح بها أبواب النار، وصفدت الشياطين، فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم، فلم يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره.
ولم يقل: إنهم قُتلوا، ولا ماتوا، بل قال: ( صفدوا ).
والمصفّد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه؛ فمن كان صومه كاملاً دفع الشيطان دفعاً لا يدفعه الصوم الناقص؛ فهذه المناسبة ظاهرة على منع الصائم من الأكل والشرب، والحكم ثابت على وفقه ) [حقيقة الصيام:59،58].
قال لقمان عليه السلام لإبنه: ( يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة ).
وقال عمر رضي الله عنه: ( من كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة ).
وقال علي رضي الله عنه: ( إن كنت بطناً فعد نفسك زمناً ).
وقال بعض الحكماء: ( أقلل طعامك تحمد مناماً ).
وقال بعض الشعراء:
وكم لقمة منعت أخاها *** بلذة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يسعى لأمر *** وفيه هلاك لو كان يدري
وقال ابن القيم رحمه الله: ( وأما فضول الطعام فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشر؛ فإنه يحرك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات، وحسبك بهذين شراً. فكم من معصية جلبها الشبع، وفضول الطعام، وكم من طاعة حال دونها؛ فمن وقي شر بطنه فقد وقي شراً عظيماً. والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام ).
إلى أن قال رحمه الله: ( ولو لم يكن من الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز وجل. وإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة جثم عليه الشيطان، ووعده، ومنّاه، وشهّاه، وهام به في كل واد، فإن النفس إذا شبعت تحركت، وجالت وطافت على أبواب الشهوات. وإذا جاعت سكنت، وخشعت وذلت ) أهـ.
بل إن الذين يتوسعون في المآكل لا يجدون لها لذة كما يجدها المقتصدون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( فالذين يقتصدون في المآكل نعيمهم بها أكثر من المسرفين فيها؛ فإن أولئك إذا أدمنوها، وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة مع أنهم قد لا يصبرون عنها، وتكثر أمراضهم بسببها ) أهـ.
أيها الصائمون الكرام: إذا كان الأمر كذلك ما أحرانا أن نجعل من شهرنا الكريم فرصة لتوطين نفوسنا على الاعتدال في المآكل والمشارب، فالنفوس طلعة لا ترضى بالقليل من اللذات؛ فإذا جاهدناها انقطعت عن شهواتها، وكفت عن الاسترسال مع لذاتها ورغباتها، ومن أحكم ما قالته العرب قول أبو ذؤيب الهذلي:
والنفس راغبة إذا رغبتها *** وإذا ترد الى قليل تقنع
أما إذا استرسلنا معها، وأعطيناها كل ما تريد فإنها ستقودنا إلى الغواية، وتنزع بنا إلى شر غاية.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وموضوع آخر :
سُنّة الإعتكاف
ما أحوج العبد إلى أن يخلو بنفسه في بعض الأوقات ، ويركن إلى زاوية الفكر والذكر يتأمل حاله فيصلحه ، ويتأمل نعمة الله عليه فيحمده ويشكره ، في عالم ملأه الضجيج والاضطراب والفتن .
ما أحوجه إلى أن يخلد إلى محراب الإيمان ليعتكف فيه لا هربا من الحياة ومشكلاتها ، ولكن تجديداً لقوة النفس وثقتها وإيمانها بربها .
وما أجمل أن يكون هذا الاعتكاف في شهر مبارك امتلأ بمعاني الإيمان ، وفاحت منه أريج الطاعات ، فالناس بين ذاكر وقاريء ومصل ، في هذا الجو الإيماني الفريد يخلو العبد بربه ذاكراً شاكراً متفكراً في نعم الله عليه ، فيجلس الأيام والليالي وهو على هذه الحال ، ليشعر بلحظات من السعادة تغمر قلبه وتملأ جوانحه ، لحظاتٍ لم يشعرها في عالم الصخب والضجيج بكل ما فيه من زخارف الحياة المادية الجافة .
قدوته في ذلك نبيه - صلى الله عليه وسلم- الذي كان حريصاً على الاعتكاف وما تركه حتى قبض – كما قال الزهري رحمه الله - ، فكان - صلى الله عليه وسلم- يعتكف في مسجده في كل رمضان عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعكتف عشرين يوماً كما روى ذلك أبو داود ، وترك النبي - صلى الله عليه وسلم- الاعتكاف مرة فقضاه في شوال ، وكان في ابتداء أمره يعتكف في العشر الأول من رمضان ثم الوسطى ثم العشر الأخيرة يلتمس ليلة القدر ، فلما تبين له أنها فيها داوم على اعتكافه فيها حتى لحق بربه عز وجل ، وكان - صلى الله عليه وسلم- يتخذ لنفسه خباءً في المسجد ، لمزيد من التفرغ للعبادة والخلوة ، وتفريغ القلب من الصوارف والشواغل .
لهذا أصبح الاعتكاف سنة لسائر المسلمين يعيشون فيه حياة ملؤها الإيمان واليقين ، مما يعينهم على الاستمرار في عمل الصالحات ، والثبات في مسيرة الحياة ، ويصبح الاعتكاف للمسلم بمثابة بوصلة التصحيح التي تصوب له سيره تجاه هدفه ، فلا يغيب عنه ولا يضل .
وللاعتكاف فوائد كثيرة أهمها : زيادة الصلة الإيمانية بالله ، وإخلاص العمل له ، والتفرغ لعبادته وطاعته ، وتربية النفس وجهاد الهوى ، والبعد عن الصوارف والشواغل ، والإكثار من أنواع العبادات التي تزكي النفس ، وتجعل المرء أكثر قدرة على مواجهة فتن الحياة ، ولهذا كان مقصود الاعتكاف وروحه كما يقول ابن القيم رحمه الله : " عكوف القلب على الله تعالى ، وجمعيته عليه ، والخلوة به ، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه ، بحيث يصير ذكره وحبه ، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته ، فيستولي عليه بدلها ، ويصير الهم كله به ، والخطرات كلها بذكره ، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه ، فيصير أنسه بالله بدلاً عن أنسه بالخلق ، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ، ولا ما يُفرح به سواه ، فهذا هو مقصود الاعتكاف الأعظم " أهـ .
ولذا ينبغي للمعتكف أن يراعي في اعتكافه تحصيل هذه الغايات العظيمة ، وألا يخرج من معتكفه خالي الوفاض ، كحال من يجعل المساجد مهجعاً للنوم ، وعنوانا للتزاور وتجاذب أطراف الحديث والضحك وفضول الكلام !! .
كما ينبغي له أن يعتني بأمور منها : المحافظة على ذكر الله ، وخاصة المأثور منها كأذكار الصباح والمساء والنوم والاستيقاظ والأكل والشرب والدخول والخروج ، ومن أعظم الذكر قراءة القرآن ، فليحرص المعتكف على أن يتفرغ لقراءته بتدبر وخشوع وفهم ، في الصلاة وفي غيرها ، وأن يجعل له ورد لا يفرط فيه مع مضاعفة الجهد .
وعليه أن يتجنب فضول الأكل ، فإن قلة الطعام توجب رقة القلب وانكسار النفس ، كما أنها تطلق المرء من قيود الكسل والدعة والخمول ، قال عمر رضي الله عنه : "من كثر أكله لم يجد لذكر الله لذة " والاعتكاف فرصة للمرء ليُربي نفسه على التقلل والتزهد ، ويجاهدها على الاستغناء عن كثير مما اعتادته .
وعليه أن يحرص كذلك على تجنب فضول المخالطة ، فإن كثرة الخلطة تقصر همة العبد ، وتفقده لذة المناجاة ، وتفوت المقصود من الخلوة والاعتكاف ، و هي مظنة كثرة المزاح والتقليل من هيبة المكان والزمان ، وقد تجر إلى بعض الآثام كالغيبة والكذب وغير ذلك .
فاحرص أخي الصائم على إحياء هذه السنة العظيمة ، والاقتداء فيها بسيد الخلق - صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة الصالحين ، وتوجه بقلبك وجوارحك إلى الله عز وجل في ذل وخضوع وانكسار ، حتى تخرج منها وقد ازددت إيماناً وتقوى وقرباً من ربك جل وعلا لتلحق بركب المقبولين الفائزين ، قبل أن تطوى الصحف وتوضع الموازين .