السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــه ،،
خالد مشعل في حوار شامل مع "السبيل" الأردنية
[ 21/07/2010 - 12:29 م ]
التفاوض مع العدو
التفاوض مع العدو، هل ترفضونه من حيث المبدأ؟ وإذا لم يكن التفاوض مع العدو، فهل يكون مع الصديق؟ هل المرفوض لدى حماس مبدأ التفاوض، أم شكله وإدارته ونتائجه؟
- لا شك أن هذا الموضوع من الموضوعات الشائكة والحسّاسة التي يـُؤثر كثيرون تجنّب الخوض فيها وتحديد موقف واضح إزاءها، خشية ردود فعل سلبية، أو تفسيرات غير سليمة؛ ويزيده حساسية وحرجا الظلالُ القاتمةُ التي التبست به جراء التجارب المريرة للتفاوض الفلسطيني الإسرائيلي، والعربي الإسرائيلي؛ والناس متأثرون بذلك، وباتت لديهم حساسية شديدة تجاه مصطلح «التفاوض»، خاصة لدى العقل الجمعي والمزاج الجمعي للأمة؛ صار هناك مقت ونفور من مفهوم التفاوض؛ وهذا أمر مستوعب ومتفهّم وطبيعي، لكنه لا يمنع من تناول الموضوع ووضع النقاط على حروفه، وفرز الأمور فرزا دقيقا يضع كل أمر في نصابه بإذن الله .
لا خلاف على أن التفاوض مع الأعداء غير مرفوض، لا شرعاً ولا عقلاً، وخاصة أن هناك بعض المحطات في الصراع بين الأعداء قد تتطلب وجود التفاوض. هذا في المنطق العقلي والشرعي؛ فالتفاوض كأداة ووسيلة قد يكون مقبولاً ومشروعاً في لحظة معينة، وقد يكون مرفوضاً وممنوعاً في لحظة أخرى، أي أنه ليس مرفوضا لذاته، ولا مرفوضاً على الدوام .
في التاريخ الإسلامي، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي العصور اللاحقة، وأيام صلاح الدين الأيوبي، كان هناك تفاوض مع الأعداء، لكن ضمن مفهوم واضح وفلسفة محددة، وضمن سياق ورؤية وقواعد وضوابط تحكم هذا التفاوض، مغايرة للصورة المريرة والبائسة التي يمارسها من باتوا يحترفون التفاوض ويعتبرونه منهج حياة، وخيارا استراتيجيا وحيدا يشطبون من أجله بقية الخيارات .
إذا كانت المقاومة، على قدرها وشرفها، وسيلة لا غاية، فهل يعقل أن نجعل التفاوض غاية وخيارا وحيدا ونهجا دائما، لا وسيلة وتكتيكا قد يتم اللجوء إليه عند الضرورة والحاجة وتوّفر الموجبات؟ !
لذلك المفهوم القرآني واضح؛ الله سبحانه وتعالى يقول: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله»؛ أي أن التفاوض يكون مقبولا ومعقولا ومنطقيا في مفهومنا كأصحاب قضية عادلة، عندما يضطر العدو إليه، عندها يأتينا للتفاوض وهو مستعد لدفع الثمن والاستجابة لمطالبنا؛ أما أن نسعى نحن إليه، ونلهث وراءه، ونعتبره خيارنا الوحيد، فعندها نحن من سيدفع الثمن؛ فالذي يضطر إلى التفاوض هو في العادة من يدفع الثمن. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة الأخرى: «ولا تهنوا وتدعو إلى السلم وأنتم الأعلون».
ونعود للآية الأولى «وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها» فقد سبقها قوله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم». ماذا يعني ذلك؟ يعني أن القوة وامتلاك أسبابها هي التي من شأنها دفع العدو اضطراراً إلى السلم، وأن جنوح العدو للسلام والتفاوض، هو ثمرة للجهاد والمقاومة وامتلاك القوة، ومن يفكر بالتفاوض بعيدا عن المقاومة، ودون أن يمتلك أوراق القوة، فإنه يذهب عملياً نحو الاستسلام .
في علم الاستراتيجية وإدارة الصراعات، التفاوض هو امتداد للحرب، ونوع من إدارة الحرب بطريقة أخرى، فما تأخذه بالتفاوض على الطاولة هو نتاج وضعك على الأرض، وحصيلة ميزان القوى في الميدان؛ فإذا كنت مهزوما في الميدان، ستهزم لا شك في التفاوض؛ وإذا كانت الحرب تحتاج إلى موازين قوى، فالتفاوض يحتاج هو الآخر إلى موازين قوى، والسلام يحتاج إلى موازين قوى؛ لأن السلام لا يصنع بين طرف ضعيف وآخر قوي، وإلا كان استسلاما. الولايات المتحدة لم تصنع سلاما مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، بل فرضت عليهم استسلاما واتفاقية إذعان وخضوع. باختصار السلام يصنعه الأقوياء وليس الضعفاء، والتفاوض يمكن أن يخدم الأقوياء وليس الضعفاء .
الحالة بالنسبة للصراع مع الاحتلال الإسرائيلي مختلفة، فهناك نبت غريب جاء إلى المنطقة وفرض نفسه على أرض وشعب، وشرّد الناس من أرضهم، وأحل مكانهم مهاجرين استجلبهم من شتات الأرض. بالتالي هي حالة معقدة، وينبغي التعامل معها تعاملا دقيقا وحسّاسا .
التفاوض حين تتوفر شروطه ومتطلباته الموضوعية، وعلى رأسها وضع يتوفر فيه قدر كافٍ من التوازن والتكافؤ النسبي، وحين تتأكد الحاجة إليه، مع التوقيت المناسب له، لا تعجلاً ولا إبطاءً، عندئذ يمكن أن يكون أحد الخيارات التي نلجأ إليها باعتباره آلية وأداة ووسيلة، وليس هدفاً ولا غاية، ولا حالة دائمة ولا خياراً استراتيجياً. التفاوض أداة تكتيكية؛ وكما أن الحرب ليست حالة دائمة، ولها متطلباتها وشروطها، كذلك التفاوض .
وبهذه الرؤية المحددة للتفاوض، وحين يـُمارس بحذر شديد، وقواعد صارمة، وفي التوقيت الصحيح، فإنه يكون مقبولاً ومفيداً في سياق إدارة الصراع، وبغير ذلك فلا يقود إلاّ إلى الاستسلام والخضوع لهيمنة العدو وشروطه، والتفريط بالحقوق، والخفض المتواصل لسقوف المطالب والمواقف السياسية .
وللأسف، فإن الحالة العربية والفلسطينية – في الأغلب - بالنسبة لهذا الموضوع، غاية في السوء؛ هي حالة مكشوفة، بلا أوراق تفاوض، وبلا سند، بلا مناورة، ولا هوامش إخفاء أو غموض. الصفّ الفلسطيني مكشوف بالكامل، بحيث يذهبون إلى السلام وهم يعلنون أنه الخيار الاستراتيجي الوحيد؛ وإذا كان عدوك يعلم أنك لا تملك إلا التفاوض، ولا تتحدث إلا عن السلام، ولا تملك خيارا آخر، فما الذي يضطره لتقديم التنازلات لك؟ !
المفاوض الفلسطيني يقول: التفاوض هو الخيار والنهج والبرنامج الوحيد؛ وهو ينسّق أمنيا مع العدو، ويطبّق خريطة الطريق ومتطلباتها الأمنية مجاناً، دون أن يقدّم الإسرائيلي أي مقابل. فما الذي يجبر أولمرت أو نتنياهو على إعطائه أي شيء !!
التفاوض في الحالة الفلسطينية خارج عن سياقاته الموضوعية؛ وبالمنطق السياسي المجرد هو يفتقر إلى المقاومة ولا يستند إلى أوراق القوة اللازمة. الفيتناميون – على سبيل المثال - فاوضوا الأمريكيين حينما كانوا يتقهقرون، فكان التفاوض حينئذ مفيداً لطي آخر صفحة من صفحات الاحتلال والعدوان الأمريكي. فأنت بقدر ما تملك من أوراق قوة على الأرض، وتحسن استثمارها، بقدر ما تنجح في التفاوض، وفي فرض شروطك على عدوك .
لذلك، وحتى لا يكون التفاوض عملية خطرة وعبئاً عليك، فإنك تحتاج أن تكون رسالتك لعدوك واضحة، أنك منفتح على كل الخيارات، ليس بالكلام فقط، بل بالفعل أيضا. فلا يمكن للمفاوض أن ينجح إذا لم يستند إلى قاعدة تعدد الخيارات، بمعنى أنك بمقدار استعدادك للتفاوض، فإنك مستعد وقادر على الذهاب إلى الحرب؛ وإذا وصل التفاوض إلى طريق مسدود، فينبغي أن تكون جاهزا للذهاب إلى الحرب أو الاستنزاف أو المقاومة؛ بدون ذلك لا قيمة للتفاوض. وعلينا أن نتذكر أن التفاوض في الحروب قديماً، كان كثيراً من الأحيان يجري في ساحة المعركة، فإما أن يصل المتفاوضون إلى حلّ، وإما أن يستأنفوا الحرب .
التفاوض، هو أداة وتكتيك في خدمة الاستراتيجية، وليس استراتيجية قائمة بذاتها، كما أنه ليس بديلاً عن المقاومة واستراتيجية المواجهة مع الاحتلال .
ولا بد أن يكون التفاوض مستندا إلى وحدة موقف وطني؛ فإذا ما رأى فريق جدوى خطوة ما باتجاه التفاوض، وانفرد بالقرار عن المجموع الوطني، فإنه يضع نفسه في وضع صعب، ويمنح عدوه فرصة سيستغلها ضده بالتأكيد؛ كما أن من شأن ذلك أن يدفع المفاوض إلى تقديم تنازلات كبيرة حتى لا يضطر إلى الاعتراف بفشل خياره التفاوضي، فيؤثر حينئذ تقديم مصلحته الذاتية على حساب المصلحة الوطنية، كيلا ينكشف أمام شعبه وأمام الآخرين .
والتفاوض له مساحاته ومجالاته المحددة وليس خياراً مطلقاً في كل الأمور، فهناك أمور لا يجوز التفاوض عليها، فالثوابت الحاسمة لا يجوز التفاوض عليها. التفاوض آلية وتكتيك ضمن هوامش ومساحات محددة، وليس هناك عاقل يتفاوض على كل شيء خاصة على الأصول. التفاوض في التجارة يكون في الغالب على الأرباح وليس على الأصول التجارية؛ لكن للأسف، فإن التجربة الحالية خاصة بالنسبة للمفاوضات الفلسطينية خرجت على كل هذه القواعد .
بكل أمانه وشجاعة أقول: التفاوض من حيث النظرة المطلقة، ليس حراماً ولا ممنوعاً، لا بالميزان الشرعي ولا السياسي، ولا بتجارب الأمة والإنسانية، ولا بممارسة حركات المقاومة والثورات عبر التاريخ؛ لكن ينبغي أن يخضع لمعادلات وضوابط وحسابات وظروف وتوقيتات وسياقات وطريقة إدارة صحيحة، وبدونها يصبح أداة معاكسة ومدمرة .
في الحالة الفلسطينية؛ نقول إن التفاوض اليوم مع «إسرائيل» خيار خاطئ. وقد عرض على حماس التفاوض مع «إسرائيل» مباشرة لكنها رفضت، وعرض على قياداتها أن تلتقي عددا من القيادات الإسرائيلية، بعضها في موقع السلطة كما حصل في عرض إيلي يشاي، وبعضها محسوب على معسكر السلام، ، لكن حركة حماس رفضت تلك العروض .
التفاوض اليوم – في ظل موازين القوى القائمة - يصبّ في خدمة العدو، ولا يخدم الطرف الفلسطيني؛ حيث لم يتطور واقع الصراع على الأرض إلى حالة تجبر العدو الصهيوني على اللجوء إلى التفاوض،بل ما زال إلى اليوم يرفض الانسحاب من الأرض، ولا يعترف بالحقوق الفلسطينية؛ والتفاوض في مثل هذه الحالة يصبح نوعا من العبث والمقامرة .
في ظل ضعفنا واختلال موازين القوى، «إسرائيل» تستخدم التفاوض أداة لتحسين علاقاتها وتلميع صورتها لدى المجتمع الدولي، وتستغله لكسب الوقت، ولإيجاد وقائع جديدة على الأرض، عبر بناء المستوطنات، وتهجير السكان، وتهويد القدس وهدم أحيائها وتفريغها من أهلها، كما تستفيد منه غطاء لتمرير جرائمها، ولخفض سقف المطالب الفلسطينية. «إسرائيل» تستغل التفاوض للتطبيع مع العالم العربي والإسلامي واختراقه، ولتشويه طبيعة الصراع، وهي المستفيد الوحيد من المفاوضات بصورتها القائمة .
التفاوض في ظل الخلل القائم في موازين القوى، هو إخضاع للطرف الفلسطيني لمتطلبات المحتل الإسرائيلي ولشروطه وإملاءاته؛ هو ليس عملية متكافئة، فكما لا يوجد حالياً تكافؤ في ميدان المواجهة، لا يوجد تكافؤ على طاولة المفاوضات .
تتمة الموضوع على الرابط ادناه
http://www.palestine-info.info/ar/default....3J4So%2btqGI%3d