تحديات الخندق الأخير
إن عين المراقب لسير الأحداث في عالمنا لا يمكن لها أن تخطئ ما يحدث من تغيير قادم يبشر بسقوط القوى الموجودة وبروز مارد الخلافة ، فهذا ما يستبشر به العاملون لدين الله، وهو عينه ما يؤرق أئمة الكفر، بعد أن فشلت سياساتهم في القضاء على امة الإسلام ومحو عقيدته من نفوسهم، وعودة الأمة بهذا الشكل القوي للثقة بمبدئها والعمل لإيجاده حيا في معترك الحياة.
وبرغم فشل الدول الكبرى في حربها على الإسلام على الصعيد الفكري بانهزام مبدئهم وتعريته أمام القاصي والداني وبروز مخازي هذا المبدأ بشكل لا يمكن تغطيتها من بعده، وبرغم تآكل نظرياته وضعفها عن مواجهة التحديات الداخلية في بلادهم، وبرغم الأزمات الاقتصادية التي أنهكتهم، وبرغم هزائمهم العسكرية المتتالية في بلاد الإسلام، إلا أننا نجدهم لا يزالون يصرون على محاربة هذا الدين والعمل على تأخير عودته إلى مسرح الحياة بكل ما أوتوا من قوة وما تتفتق عنه عقلياتهم من دهاء ومخادعة، وهم لن يكلوا عن الكيد لهذه الأمة ما دام فيهم رمق حياة، فهم يعلمون أنهم يقاتلون في الخندق الأخير دفاعا عن مبدئهم، ويبذلون من الطاقات ما يتوافق مع هذا التحدي، فتجدهم يؤججون مشاعر المجتمعات الداخلية عندهم بإشغالها بقضايا الإسلام فوبيا ليبقوها جاهزة للمعركة المستمرة وحتى لا تنهار عندهم الجبهة الداخلية، بينما تجدهم يبذلون جل طاقتهم في تمييع المواقف والأهداف في أوساط أمة الإسلام في محاولة منهم لثنيها عن العمل للخلافة، فتجدهم يجندون كل عملائهم من حكام ومفكرين وعلماء سوء في هذه المخططات، ولن يكون آخر ما تتفتق عنه عقول دهاقنة الغرب فكرة وضع الإسلام المعتدل كصخرة في وجه مد الخلافة، أو فكرة الخلافة الجديدة على طريقة الجامعة الإسلامية بقيادة تركيا، ولا فكرة العثمانيين الجدد الذين يلهبون مسامع المسلمين بالخطابات المشاعرية دون أن يكون لتلك الخطابات أي صدى على ارض الواقع، وبالتأكيد فان تلك العقول لن تتوقف عن الكيد لهذه الأمة بمثل بلك المشاريع حتى بعد قيام الخلافة.
ونحن هنا لسنا بصدد بحث تلك المشاريع التي يضعها الغرب في حربه ضدنا في محاولته لحرف الأمة عن هدفها وإشغالها بغيره من الغايات التافهة، وكل تلك المشاريع تأتي من باب ردة فعل الكافر على تقدم الأمة نحو مشروعها النهضوي، وهي في معظمها أمور متوقعة منه سلفا وكنا قد رسمنا الخط الذي يمكننا من تجاوز عقباتها، وبدل التعامل معها كصخور على الطريق عزمنا على أن تكون لبنات نستخدمها في البناء.
وأما ما نحن بصدد البحث فيه فهو حالة الجنود الذين يقفون على الجهة المقابلة من الخندق ومدى الجاهزية التي تؤهلهم لاختراق الخندق والوصول إلى الغاية التي يرضى عنها ساكن الأرض وساكن السماء بإذنه I " .... وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)"الروم. فان مشاريع الكفر وان أسهمت في تمييع أبناء الأمة في وقت من الأوقات، إلا أن واقع الأمة اليوم هو غير واقعها بالأمس، والقيادات التي كانت تقود الأمة بمفاهيم غامضة غير مبلورة وبأفكار عامة غير واضحة المعالم والتي كانت مائعة أصلا قبل أن يزيد الكافر وحربه في ميوعة شخصياتهم وما بنيت عليه من أفكار ومفاهيم، هم غير القادة الذين تثق الأمة بهم اليوم وتلتف حولهم وتعقد آمالها عليهم، فالقائد الفولاذي لن يميعه إلا حرارة بركان أو تفجير ننوي تفوق حرارته قوة تحمله، وهذا ما لا يملكه الغرب في مواجهة الأمة اليوم بعد أن خبت نار مبدئهم وحرارته، وضاع بريقه في عتمة جرائمهم التي عمت العالم، ولدلالة على هذا الأمر تكفي النظرة العابرة ولا أقول الفاحصة المتأنية إلى السرعة التي يغير فيها الكافر من أساليبه وتكتيكاته نتيجة تتالي نتائج الفشل والتعثر لتلك المشاريع، والتي باتت اضعف من أن تحرف تيار الأمة عن مجراه، مما يؤذن باقتراب ساعة الحسم، وقرب اجتياز الأمة للخندق الأخير واقتعادها لمكانتها الطبيعية التي كلفها بها رب العزة I "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .... (110) "آل عمران.
و في غمرة هذا التفاؤل لا ينبغي لنا التساهل أو التشاغل عن ضرورة تفحص الأفراد ولا أقول الجماعة التي تقف على الجهة المقابلة للخندق لأنفسهم، ورؤية مدى جاهزيتهم لعبور الخندق، ومدى تحملهم للأمانة والمسؤولية فيما يلقى على عاتقهم من أعمال، فبرغم أن الهوة السحيقة التي يتمترس خلفها العدو قد ردمت أو كادت، إلا أن القتال عند الخندق الأخير لا يخاض إلا بجنود قد عقدوا العزم على التخطي برغم الألم غير آبهين بفداحة التضحيات، معتمدين على صحة الإيمان والتوجه، وان العمل الذي لا يقضى إلا بفضل الله ومنه وكرمه لا بد أن يبذل فيه أقصى الطاقة في استجلاب رضاه U في علاه. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)محمد
لقد قيل قديما أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك روي عن الاوزاعي. وان تفقد حالة الأفراد وجاهزيتهم لعبور الخندق الأخير لا بد وان يكون على كافة مستويات العمل الحزبي، على مستوى الحلقات، والاتصال الحي بالأمة، والقيام بالتكاليف الحزبية الخاصة، وكذلك الأعمال الجماهيرية، وان يظهر على الجميع أثناء ذلك امتثالهم لقول الحبيب المصطفى e " الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ"، فلا يظنن ظان أن الخندق الأخير إنما يعبره أهل القوة بانقلابهم على الحكام الحاليين فقط، وإنما الخندق الأخير لا بد أن يعبره التكتل ليقود الأمة فعلا لتطبيق الإسلام في الداخل وحمله رسالة عالمية إلى الناس في الخارج، فالخندق إنما هو قائم بين الأمة ومبدئها، وهذا ما يراهن عليه الكافر المستعمر بان يخرب العلاقة ما بيننا وبين الأمة، وان يبقيها مقودة لعملائه، فما لم تلتحم الأمة بحملة الدعوة فان الخندق قائم ولن يردمه إلا أفراد التكتل الذين يعيشون بين صفوف الأمة من خلال الأعمال الملقاة على كواهلهم، وحسن قيامهم بالتكاليف، و مدى انضباطهم وتحملهم للمسؤولية تجاه ما يلقى على عاتقهم من أعمال، واهتمامهم بتحقيق النتائج بربط الأسباب بالمسببات، فمن أين سيتخرج رجال الدولة الأفذاذ الذين يقودون الأمة في ظل الخلافة إن لم يتخرجوا من حلقات الدعوة التي تعمل على مستوى هذا الهدف، وكيف ستلتحم الأمة بحملة الدعوة إن لم تقم العلاقة بينها وبينهم على الثقة برأيهم، وإكبار مواقفهم، وكيف ستسمع الأمة آرائنا وترى مواقفنا إن كنا بعيدين عنها وتركناها تتلقى وصفنا من أبواق الغرب وترى صورتنا من خلال الإعلام العميل.
ان قضيتنا هي قضية روحية، فإنما نحن قائمون على أمر الله، نذرنا أنفسنا نصرة لدينه I، نبتغيها خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة، ونرتجي من ذلك أن نكون ممن ينطبق عليهم قوله Y " وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) الواقعة وإن تفقد جاهزية الأفراد في المعارك الحاسمة، هو درس تعلمه صحابة رسولنا الكريم e، في مواقف كلفتهم ثمنا باهظا، فان الذي شهد منهم أُحدا علم أهمية تحمل المسؤولية، وكيف يكون الضرر الكارثي على المجموع حينما يتخلى أفراد عن المسؤولية الملقاة على عاتقهم، او يتهربوا منها أو يستخفوا بما أوكل لهم من عمل، ومن شهد منهم حنين، أدرك أن المعارك المصيرية لا تخاض إلا بجنود أتقياء يتحلون بالإخلاص الخالص، بعيدون كل البعد الكبر والعجب وأمراض الرياء والسمعة، فكانوا رضوان الله عليهم إذا ما أرادوا خوض معركة حاسمة ، تذكروا موقفه e في بدر وكيف تفحص جاهزية الحاضرين، حتى إذا ما اطمأن إلى صدقهم مع الله توكل عليه وخاض بهم أول معارك الإسلام الحاسمة، فتأسوا به وجمعوا أفراد الجند لتفقد حالهم وجاهزيتهم، فذكروهم بأنهم لا ينصرون بعدد ولا بعدة وإنما ينصرون بهذا الدين، أو بأنهم إنما ينصرون بتقواهم مقابل ذنوب أعدائهم وبأنهم إن استووا في المعصية فان الغلبة حينها هي لصاحب العدة العتاد والعدد، ولا يعجب بعدها من سؤال القادة منهم في المعارك الفاصلة عن تمسك أفراد الجند بالسنن كالسواك، وإعطاء الأمر بالغ الأهمية في تفقد حال الأفراد، ناهيك أن يكون التفقد هو لحال الواجبات.
كم هو حري بنا أن نعود لدروس تلك الفترة المباركة لنتعلم من أهلها يكف يكون تحمل المسؤولية وكيف يكون الإخلاص الخالص في العمل،فهذا علي كرم الله وجهه ينام في فراش رسول الله e يفتديه، ولا يبالي بنتيجة ما كلف به من عمل، وهذا أبو ذر الغفاري t يخرج إلى تبوك قاطعا المسافة المهولة على قدميه يمشي وحيدا، لا يجد في نفسه شيئا من رفضه e له حينما قال يا رسول الله أمرني فقال " إِنَّهَا أَمَانَةٌ وَخِزْيٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا"احمد، وهذا سعد بن ابي وقاص خال النبي ومن جمع له النبي اباه وامه حين قال ارم فداك ابي وامي يعزل عن الولاية لشكاية لا ترقى لمحل النظر حيث قيل انه لا يعرف يصلي فما كان منه الا السمع والطاعة، وهذا خالد بن الوليد سيف الله المسلول يعزل عن القيادة ثم يعزل بعدها عن الولاية فلا ياسف على شيء في دنياه غير انه لم يلق الشهادة في ساح الوغى، إن هذه المعركة لمن أراد النصر فيها واجتياز خندقها الأخير فإنها لا تخاض إلا بجنود كصاحب النقب، الذي حينما اقسم أميره على الجند أن يعرف عن نفسه، دخل عليه خيمته وقال أنا أدلك على صاحب النقب، لتبر بقسمك، إلا انه يشترط عليك ثلاثة شروط:- أن لا تسأله عن اسمه , وألا يكشف عن وجهه , وان لا تأمر له بعطاء ... فقال: له ما طلب... فقال الرجل : أنا صاحب النقب ثم انصرف، فبأمثال هذا تخاض المعارك المصيرية وتجتاز العقبة الكأداء، وتذلل كل الصعوبات، رجال لا يبتغون إلا رضوان الله تعالى عنهم، فيقدمون ما يوجب لهم مرضاته I عنهم.
ان هذا الحديث هو من باب لذكرى {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ }الذاريات55
{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }يونس10