بسم الله الرحمن الرحيم
من حكم ابتلاء المسلمين بغلبة عدوّهم عليهم
إلى من تكالبت عليه والأيّام وقلب له الدّهر ظهر المجنّ
إلى من ادلهمّت السماء فوقه تنذر بالخطوب وأغلقت في وجهه المسالك والدروب ، فإذا به صابرا محتسبا، مااهتزّ له قلب ومارفّ له جفن.
الحمد لله الذّي جعل الصبر جوادا لا يكبو ، وصارما لا ينبو، وحصنا حصينا لا يطلع والصلاة والسّلام علي خير الصابرين والشاكرين والحامدين
محمّد بن عبد الله وبعد:
في هذه الدّنيا سهام المصائب مشرعة ورماح البلاء معدّة محكمة ، فإنّنا في دار بلاء وامتحان ونكد وأحزان. وقد بلغ الضعف والوهن
ببعضنا إلى التجزّع والتسخّط من اقدار الله، فأضحى الصابرون الشاكرون الحامدون هم القلّة القليلة. وسنن الله في خلقه ثابتة لم تتغيّر
وقضائه على عباده سائر لم يتبدّل. فاحببت أن أقف وإيّاكم على مقتطفات من كلام الامام العلاّمة بن القيّم الجوزيّة رحمه الله في كتاب
إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان ، ففيه تعزية للمصاب وتسلية للمبتلى وإعانة على الصبر والاحتساب. جلعنا الله من الصابرين الشاكرين
ممّن ينادى عليه يوم القيامة
﴿ سلام عليكم بما صبرتم فنعمى عقبى الدّار ﴾
يقول بن القيّم:" إنّ إبتلاء المؤمنين بغلبة عدوّهم لهم وقهرهم وكسرهم لهم أحيانا فيه حكمة عظيمة لايعلمها على التفصيل إلاّ الله عزّ
وجلّ فمنها:
أوّلا: استخراج عبوديّتهم وذلّهم لله وانكسارهم له وإفتقارهم إليه وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائما منصورين قاهرين غالبين
لبطروا وأشروا. ولو كانوا دائما مغلوبين مقهورين منصورا عليهم عدوّهم لما قامت للدّين قائمة ولاكانت للحقّ دولة. فاقتضت حكمة أحكم
الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارة وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غلبوا تضرّعوا إلى ربّهم وأنابوا إليه، وخضعوا له وانكسروا له وتابوا
إليه وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وجاهدوا عدوّه ونصروا أولياءه.
ثانيا: أنّهم لو كانوا دائما منصورين غالبين قاهرين، لدخل معهم من ليس قصده الدّين ومتابعة الرّسول، فإنّه إنّما ينضاف إلى من له الغلبة
والعزّة، ولو كانوا مغلوبين مقهورين دائما لم يدخل معهم أحد ، فاقتضت الحكمة الإلهيّة أن كانت لهم الدّولة تارة وعليهم تارة فيتميّزوا
بذلك بين من يريد الله ورسوله ومن ليس له مراد إلاّ الدنيا والجاه.
ثالثا: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم، ويخلصهم، ويهذبهم كما قال تعالى فى حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد:
﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسسَكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ ندَاوِلهُاَ بَيْنَ النَّاسِ وَلِيعَلَمَ اللهُ
الّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمينَ وَلِيمُحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَق الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ
الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنْتُمْتَمَنَّونَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرونَ وَمَا مُحمَّد إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ منْ
قَبْلِهِ الرُّسُل أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئا وَسَيَجْزِى اللهُ الشّاكِرِينَ ﴾
الّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمينَ وَلِيمُحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَق الْكَافِرِينَ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ
الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ وَلَقَدْ كُنْتُمْتَمَنَّونَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرونَ وَمَا مُحمَّد إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ منْ
قَبْلِهِ الرُّسُل أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئا وَسَيَجْزِى اللهُ الشّاكِرِينَ ﴾
[آل عمران: 139 - 144].
فذكر سبحانه أنواعا من الحكم التى لأجلها أديل عليهم الكفار، بعد أن ثبتهم وقواهم وبشرهم بأنهم الأعلون بما أعطوه من الإيمان
وسلاهم بأنهم وإن مسهم القرح فى طاعته وطاعة رسوله فقد مس أعداءهم القرح فى عداوته وعداوة رسوله.ثم أخبرهم أنه سبحانه
بحكمته يجعل الأيام دولا بين الناس، فيصيب كلا منهم نصيبه منها، كالأرزاق والآجال.ثم أخبرهم أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم، وهو
سبحانه بكل شيء عليم قبل كونه وبعد كونه، ولكنه أراد أن يعلمهم موجودين مشاهدين، فيعلم إيمانهم واقعا.
ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالية عنده، ومنزلة رفيعة لا تنال إلا بالقتل فى سبيله، فلولا إدالة العدو لم
تحصل درجة الشهادة التى هى من أحب الأشياء إليه، وأنفعها للعبد.
ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين: أى تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التى أديل بها عليهم العدو
، وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم، وعدوانهم إذا انتصروا.
ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر. وأن حكمته تأبى ذلك فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائما
منصورين غالبين لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم فهذا بعض حِكَمِه فى نصر عدوهم عليهم، وإدالته فى
بعض الأحيان.( انتهى كلامه)
عباد الله
هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول :" لو كان الصبر والشكر بعيرين لم أبالي أيّهما ركبت " (كتاب أدب الدنيا والدين).
وقال الحسن بن عرفة رحمه الله:" لقد ضرب أحمد بن حنبل ثمانين سوطا لو ضربت على فيل لهدّته" ( السّير).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ديوانه :
لإن ساءني دهر سرّني دهر.........وإن مسّني عسر فقد مسّني يســر
لكّل من الأيّام عندي عــادة..........فإن ساءني صبر وإن سرني شكر
وتأمّل أخي المسلم في قول أبي سعيد :" العافية سترت البرّ والفاجر، فإذا جاءت البلوى يتبيّن عندهم الرّجال" (صفوة الصفوة).
وانظر إلى رحمة الله بالعباد وعظيم إحسانه، قال عمر بن عبد العزيز :" ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاظه مكانها الصبر
إلاّ كان ماعوّظه خيرا ممّا انتزعه" (عدّة الصابرين).
عباد الله
إنّ من أعظم ما يثبّط العزيمة ويضعف الهمّة أن يملأ اليأس قلب المؤمن فيقنط من رحمة الله جرّاء دعايات مضلّلة يبثّها الكفّار وأعوانهم
من حكّام ضعفاء وموظّفين أجراء، حين يعلنون ضعفهم مستسلمين بأنّه لاطاقة لنا اليوم بأعدائنا. تماما كما قال بنوا إسرائيل لموسى
عليه السّلام
﴿ لاطاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾
فحكّامانا وزبانيتهم يمثّلون بني إسرائيل حين يخشون من جالوت أمريكا ،وقد اتخذوا من بيته الأبيض قبلتهم، متذرّعين بضعفهم
ومتمسّكين بقرار مجلسه ومراسم هيئاته ونظم مبدأه. هؤلاء الأمراء والزعماء ومن شاكلهم قد عمدوا بسياستهم إلى تيئيس الأمّة وتلوين
شخصيّتها حتّى غدت من غير لون يميّزها أو فكر يهذّبها، حتّى أوصلوها ما آل عليه حالها من ضعف ويأس لتفقد حرارة العقيدة وثقتها
بنفسها، فقد روّعوها بيهود وهم أهون خلق الله على الله وأجبن خلق الله ممّن خلق. يوم اصطنعوا حروبا وهميّة تؤكّد ما ادّعوه من ضعف
لأنفسهم وليظهروا قوّة عدوّهم الزائفة التّي ماكانت لتكون لولا خياناتهم وتخاذلهم.
ثمّ قالوا :إن كان هذا حالنا مع إسرائيل ..فكيف به مع أمريكا ودول الغرب إذا اجتمعواعلينا؟
بشّر الليل بصبح صادق يطارده على رؤوس الجبال ومسارب الأودية
بشّر المهموم بفرج مفاجئ يصل بسرعة الضوء ولمح البصر
بشّر المنكوب بلطف خفيّ وكفّ حانية وادعة
إذا رأيت الصحراء تمتدّ فإعلم أنّ وراءها رياض خضراء وارفة الضلال، مع الدّمعة بسمة ومع الخوف أمنا ومع الفزع السّكينة.
فالنّار لم تحرق إبراهيم الخليل لأنّ الرّعاية الرّبانيّة فتحت نافذة بردا وسلاما.
والبحر لم يغرق كليم الرحمن لأنّ الصوت القويّ الصادق نطق ( إنّ معي ربّي سيهدين)
والمعصوم في الغار بشّر صاحبه بأنّ الله ثالثهم فنزل الأمن والفتح والسّكينة.
إذا ، لا تضق ذرعا فمن المحال دوام الحال، والأيّام دول والليّالي حبالى، والغيب مستور والحكيم كلّ يوم هو في شأن، ولعلّ الله يحدث
بعد ذلك أمرا وإنّ مع العسر يسرا.
فلن نيأس من روح الله وإنّنا على عهد الله ماضون وبهدي رسول الله صلى الله عليه وسلّم مقتدون، ولن يقعدنا عن ذلك بإذن الله
لامؤامرات الكفّار ولا كيدهم، ولا سجون العملاء ولا بطشهم ولا اشتداد الكرب وطول انتظار الفرج، ولاقساوة العيش وضيق المخرج .
ووالله سنمتطي صهوةة جواد الخلافة من جديد . فذلك وعد الله لنا ، لنعود كما كنّا . فالله نعاهد ان نغذّ السير بجدّ واجتهاد واخلاص لله
وصدق مع رسول الله ضارعين إليه سبحانه أن يكرمنا بإقامة الخلافة فهي ملئ البصر والفؤاد وهي الفضل من ربّ العباد ، نراها
رأي العين وإن ظنّوها قد ابتعدت، ونستبشر بقربها إذا ما الأزمة اشتدّت ، وعيوننا ترنو إلى هناك نصر من الله وفتح قريب ورضوان
من الله أكبر وبشّر المؤمنين. وحسبنا قول الله سبحانه
﴿ إنّا لننصر رسلنا والذّين آمنوا في الحياة الدّنيا ويوم يقوم الأشهاد ﴾
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
ابو عبد الله الترابي