بسم الله الرّحمن الرّحيم
المعوّقات أمام إعلان الخلافة
﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
التوبة109جاءت هذه الاية الكريمة من سورة التوبة في سياق الحديث عن مسجد الضرار وبيان حكمه وحكم من بنوه. فركّزت على الأساس الذّي تمّ البناء عليه. وليس
الكلام عن الأساس الماديّ ، إنّما المعنى مجازيّ في المقصود من البناء والتأسيس . وهذا ينطبق على كلّ في أن يكون الهدف منه يتّفق مع تقوى الله وما
يرضيه سبحانه. وهذا واضح من الإجراءات التّي اتّخذت تجاه مسجد الضرار والقائمين عليه. فلم يكتف الرّسول صلى الله عليه وسلّم بمعاقبة المنافقين ، بل
أصرّ بوحي من الله على هدمه ومنع أيّ بناء أن يقام مكانه إلى يوم القيامة. كلّ ذلك لأنّ التاسيس كان اضرارا وتفريقا وارصادا بالمؤمنين، فكان بالتاّلي
لايتّفق مع تقوى الله ولارضوانه سبحانه. فكلّ بناء يتناقض في اساسه وأهدافه مع تقوى الله ورضوانه فهو باطل يجب هدمه بكلّ اركانه ويحرم إصلاحه
لأنّ الإصلاح يبقى على اساس الباطل .
وإذا كنّا نتحدّث عن بناء دولة الإسلام ،كان حريّا بنا أن نحرص على الأساس ولانبني دولة للإسلام على باطل، وأن يكون الأساس تقوى من الله ورضوانا
وذلك بجعل كلّ فكر أو حكم أو قانون مبنيّا على عقيدة الإسلام، مأخوذا من احكامه وأن يكون هذا واضحا للأمّة أيضا، وأنّ هذا الدّور: هدم دول الضرار
وإقامة دولة الإسلام، إنّما هو دور الإنقلاب الفكري والشعوريّ الذّي يمكّنهم بعد تغيير نظامهم من حمل رسالته دوليّا إلى العالم ، وأنّ على الحزب القيام
بهذا الدّور.
وإذا نظرنا للأمّة اليوم وجدنا أنّها بالرغم ما عمل بها من أكثر من مائة عام من صرف لها عن دينها وتسميم لأفكارها وإفساد لخلقها وذوقها، بالرغم من
كلّ ذلك ، لازالت متمسّكة بدينها بشكل حيّر الكفّار وأقضّ مضجعهم، ولولا اثر من الثقافة المضلّلة بدأ يمحى وضغط من الزّعامة المأجورة سيضمحلّ لكان
لكان العود للإسلام في مبدأه ونظامه وقيام دولته أقرب من ردّ الطرف.
وإذا نظرنا إلى الصعوبات والمعوّقات لقيام دولة الإسلام منذ بدء العمل لاقامتها حتّى الآن وما تمّ تذليله منها وما بقي، وجدنا أنّها كانت تتلخّص في
ثلاث عقبات:
أوّلها : الثقافة الأجنبيّة المضلّلة والمضبوعون بها.
ثانيها: الواقعيّة المظلمة والظلاميّون المتمسّكون بها.
ثالثها: الفئات الحاكمةوأركانها وأجهزتها.
أمّا الأولى ، فهي تتشكّل من عشّاق الأفكار الغربيّة والثقافة الأجنبيّة، وقد كانوا إلى زمن قريب يشكّلون قطاعا واسعا من الأمّة، بل ومن المؤثّرين فيها
ممّن يشكّلون النّخبة المثقّفة والوسط السياسي فيها. وهؤلاء لازال لهم بقيّة من الأثر ولكنّهم لم يعودوا يشكّلون عقبة في طريق الخلافة، بل صاروا يخجلون
ممّا يطرحون، علاوة على قلّة عددهم وأثرهم. فقد صارت النّخبة المثقّفة في غالبها مع الإسلام وتطبيقه وعزّة الأمّة وجهادها، والذبّ عن حرماتها، فهم
إن لم يكونوا في صفوف العاملين ، تجدهم في صفوف أنصارهم، ولذلك لم تعد هذه الطائفة من الأمّة تشكّل عقبة وإن كان لازال لها بقيّة.
أمّا الثانية، وهي الواقعيّة التّي تحرص على الواقع كما هو مع الدّعوة للتأقلم مع الواقع والتلوّن بلونه ، تلك الفئة التّي ارتبطت مصالحها بالواقع الفاسد
فصارت تحرص عليه حرصها على مصالحها، جهلا منهم في معرفة المصالح من المفاسد. فظنّوا أن ّ المصلحة في الباطل لا في الحقّ.هؤلاء الذّين حرصوا
على الضّلال ولم يطيقوا النور الباهر، كالذّي يمكث زمنا تحت الأرض في بئر سحيقة ولا يطيق نور الشمس الذّي يبهر بصره,هؤلاء أيضا، كانوا يشكّلون
عقبة كبيرة إلاّ أنّهم اليوم قد ضعف اثرهم وقلّ عددهم ، وتحوّل توجّه الكثير منهم خصوصا مع زيادة النّكبات والمصائب على الأمّة وضراوة الحرب المعلنة
عليها من قبل أعدائها، ماجعل الواقع لا يقبل من أحد ولا يتصوّر من أحد أن يحرص عليه. إلاّ أنّ في هذا الأمر ريبة وهو أنّه ليس كلّ مطالب بالتغيير
يريد حكم الإسلام، فهناك من يتصوّر الخلاص في نظام ديمقراطيّ أو إسلاميّ شكلا علمانيّا جوهرا. لذلك كان لابدّ من بذل جهد كبير في توضيح شكل
الحكم وقواعده وكيفيّة تطبيق الإسلام عمليّا ليكون تصوّور تطبيق الإسلام مشخّصا في الأذهان بأكبر مستوى ممكن.
ولو دقّقنا في كثير من المؤشّرات ومنها الإستطلاعات للرأي والتصويت على بعض الأفكار والآراء التّي أجرتها بعض المحطّات الفضائيّة ، لرأينا بوضوح
أنّ الكثرة الكاثرة في الإتجاه الصحيح أو قريبة منه.
أمّا الثالثة، فإنّها هي العقبة الباقية وهي الفئات الحاكمة وأجهزتها وأركانها. وإذا اردنا أن نحصر هذه الأجهزة والأركان نجد أنّها تتلخّص فيما يسمّى
بالسلطات الثلاث أو الأربع، أي التشريعيّة والتنفيديّة والقضائيّة والإعلاميّة. ومع إدراكنا أنّ الأنظمة في بلاد الإسلام ليست ديمقراطيّة بالمفهوم الغربيّ
مع أنّها تروّج لهذا المفهوم، فهي دكتاتوريّة قمعيّة . مع إدراكنا لذلك ، إلاّ أنّ هذه الأنظمة القمعيّة تعتمد هذه الأركان ولو صوريّا لتحفظ بقائها.
أي أنّها تعتمد بالدرجة الأولى على ما يسمّى بالسلطة التنفيديّة وأداتها في ذلك الأجهزة الأمنيّة ، ولكنّها تضع في الواجهة تلك السلطات فإذا أردنا
أن نحطّم أركان النّظام لابدّ لنا من التصدّي لهذه السلطات والتصدّي بكلّ قوّة ومنهجيّة مرتّبة منظّمة عن طريق المثقّفين والمؤثّرين والوفود والضغــط
الجماهريّ ، وبيان تفاصيل مخالفة ما يطبّق ويعتمد ويشرّع وينفّذ ويذاع ويعلّق، مناقضته للإسلام عقيدة وأحكاما وذلك عمل يحتاج إلى توزيع مهام
ورصد دقائق الأمور وجرأة في المواجهة الفكريّة وكذلك يحتاج إلى موعظة حسنة مذطّرة ومبيّنة تعظهم وتذكّرهم وتقول لهم في أنفسهم قولا بليغا
يصل إلى شغاف قلوبهم ويخرّ في عظامهم فيبلغ منهم مبلغا، ويروا راي العين أنهم بما هم عليه مغضوبون لله لأنهم أعوان للظلمة وهم أمام المفاصلة
عليهم أن يحدّدوا موقفهم ويختاروا مع من يحشرون ، فهم إمّا مع النّظام الذّي يشرّع الكفر ويقرّ قوانينه وينفّذ أحكامه ويبقى على فرقة الأمّة بهذا
الحدود والكيانات التّي لا تقوى عن الدّفاع عن نفسها ، وإمّا أن يكونوا مع أمّتهم ودينهم الذّي يرضي ربّهم ويعلي شأنهم ويعيد لهم عزّتهم ومكانتهم
خير أمّة أخرجت للنّاس تذّب عن حياضها وتحمل رسالة ربّها هدى ونورا وعدلا وحقّا للعالم من خلال نموذج حضاريّ مطبّق ودعوة تحملها بطريق الجهاد
ليكون الدّين كلّه لله
﴿ وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدّين لله ﴾
ولذلك وجدنا هذه الأنظمة التّي بدى عوارها وانكشفت سواءاتها وباتت تترنّح للسقوط تحاول الإبقاء على نفسها والإطالة في عمرها عن طريق الترقيع
والإصلاحات الجزئيّة التّي تبقى على اصل الفساد.
ختاما
نستطيع أن نقول أنّ المعوّقات أصبحت بحمد الله إمّا متلاشية لاتكاد ترى وإمّا تترنّح للسقوط، لكنّها بحاجة إلى هزّة عنيفة متكرّرة لتعجيل سقوطها
قبل تلميع صورتها ، ما يخدع الأمّة بها فترة أخرى من الزّمن.
وإنّ أمّة زكّاها ربّها واصطفاها وجعلها أمّة وسطا شاهدة على النّاس هي منهم كالقمّة من الجبل ، تتوسّطه وتعلوه وتحتلّ أشرف مكان فيه وأورثها
الكتاب وميراث النبوّة. أمّة لازالت مستمسكة بحبل الله القوي وعروته الوثقى ، تقبل على الطّاعات وتجتنب المحرّمات في سوادها الأعظم ، ولا سلطان
يزلمها، مستعدّة للتضحية بالنّفس والنّفيس في سبيل دينها والدّفاع عن حرماتها ، بالرّغم من كلّ ألوان الصدّ والتضليل وما تعرّضت له عبر عشرات
السّنين حتّى جهلت دينها وفسد ذوقها وهدمت ومزّقت بلادها وصارت شذر مذر، ثمّ هي تعود لدينها تلتفّ حوله من جديد ، عقود وهي تتعرّض للضربات
القاتلة ولازالت على قيد الحياة مع أنّ غيرها من الأمم بادت وانتهت تماما لمجرّد خسارة وبعضها دون معركة.
فأين هي فارس مثلا، وأين هو الإتحاد السوفياتي على سبيل المثيل. أمّة تعرّضت للرّدة في نفسها فما أهمّها وشدّت أزرها وتعرّضت لغزو التتار
بكلّ فضائعه، ثمّ للغزو الصليبيّ بكلّ ضراوته وبشاعته . ثمّ استفاقت وتوحّدت وفتحت بعدها الفتوح. أمّة هذا حالها تكاد تكون معجزة بين الأمم.
إنّها حقيقة فعلا بأن تهزّ أركان الباطل وتدوس الظلم دوسا، وأن تقفز وتزمجر فتشرّد ببعض عدّوها من خلفهم. إنّها أمّة تستحقّ الحياة والإكبار
والقيادة للنّاس. إنّها أمّة تقرأ قرآنها غضّا كما نزل وتهتدى بهدي رسولها العظيم ، فأنّى لها أن تندثر. فهي بالغة مرادها بإذن الله ، نائلةأوطارها
وكفى بربّها حسيبا ، وعده الحقّ وقوله الصدق ، ورسولها بشّرها ونعم البشير، وتاريخها عريق مشرق تتّخذه رصيدا ، تستلهم منه أعظم المواقف
وتستخلص من الكبوات العبر ، فمستقبلها مشرق بإذن الواحد الأحد.
نسأل الله أن يعجّل بالفرج ويتمّ النصر بالتمكين والأمن ، إنّه نعم المولى ونعم النّصير
والحمد لله ربّ العالمين
ّ
للإستماع