المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
أثر فساد الاقتصاد الغربي في البشرية
منتدى العقاب > ديوان الخلافة > قسم أنظمة المجتمع > النظام الإقتصادي
أبو دجانة
ورد في مجلة الوعي بحث كامل تقريبا تحت هذا العنوان في عدة أعداد منها أضعه إن شاء الله بين أيديكم للتذكير والإنتفاع به فلعل الذين توصلوا إلى هذه الحقيقة وهي فساد الإقتصاد الغربي من حيث المبدأ وأثره الفاسد في حياة البشرية يتذكروا هذه الحقيقة ويغذوا السير لتخليص أنفسهم وبلادهم
والبشرية جمعاء من هذا الإقتصاد الفاسد وتعبيد الناس كل الناس لرب الناس حتى في اقتصادهم وتحريرهم من عبودية الإقتصاديين الغربيين وما أفرزته عقولهم النتنة من اقتصاد ..... ولعل الذين ما زالوا مبهورين ومضبوعين بالحضارة الغربية وبثقافتها واقتصادها يدركوا معنا هذه الحقيقة المأساة فيكفروا بها ويتنكروا لها ويغذوا السير مع العاملين المخلصين لهدمها ونسفها وتحرير أنفسهم من عبودية البشر بعبودية رب البشر وتخليص أنفسهم أيضا والبشرية من هذه الحضارة وما انبثق عنها من أحكام وأنظمة ومنها وعلى رأسها النظام الإقتصادي وما بني عليها من أفكار
فاسدة باطلة ما انزل الله بها من سلطان .

راجيا من الله مرة أخرى ودائما أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا
أبو دجانة
لقد قامت السماوات والأرض بالحق والعدل، وانتظمت ضمن منظومة إلهية فريدة، أحسن الخالق المبدع تنظيمها تماما كما أحسن خلقها من قبل، قال تعالى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاواتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ، إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَالعنكبوت44. وقال: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍالسجدة7. وقال ﴿: هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ في ضَلالٍ مُّبِينٍلقمان11.


والإنسان في هذا الكون هو خلق مميز من مخلوقاته تعالى، حباه الله بالكرامة والرفعة والسمو، والشرف الرفيع، فأحسن خلقه وخلقته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍالتين4. ووهبه نعمة العقل والتفكير، قال تعالى﴿: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصَارَ والأفْئِدَةَ قَليلاً مَّا تَشْكُرُونالسجدة9، وقال: ﴿إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألْبَابالزمر9 .

أما في جانب حياته وعلاقاته ومصيره، فإنه أيضا رفعه وكرمه، فجعل له نظاما راقيا ساميا، يتناسب مع رقي الخلقة والتكريم، راقيا ينظم شؤون حياته على أحسن وجه وبأفضل طريقة، شاملا كاملا لم يترك أمراً صغيرا كان أم كبيرا إلا وجعل له حكماً. وسامياً يسمو به فوق الطين والتراب، ويصله بخالقه صلة روحية سامية، ويجعله في المستقر الرفيع السامي في درجات عُلا في جنات الخلد التي وعد الحق تبارك وتعالى عباده المتقين.


لقد أنزل الحق تبارك وتعالى لهذا الإنسان العاجز الضعيف المحتاج نظاماً فريداً ينظم علاقته بنفسه، وعلاقته بغيره، وعلاقته بخالقه تعالى الذي أنعم عليه بهذه النعم الجزيلة. وأخبر هذا الإنسان أنه إن استقام على هذا النظام استقامت حياته كلها، في جميع شؤونها، في السياسة، والاجتماع، والحكم والاقتصاد... وغيرها. قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَع هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَىطه123، وقال: ﴿وألَّوِ استَقَامُوا عَلَى الطَرِيقةِ لأسْقَيْناهُم مَّاءً غَدَقَاالجن16، وقال﴿: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِن ربِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم، مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ المائدة66.



لقد طبق هذا النظام الإلهي السامي في المعمورة عبر سنوات طويلة، من عهد المصطفى عليه السلام بعد قيام دولة الإسلام في المدينة المنورة، وحتى آخر عهد هذه الدولة بنهاية حكم بني عثمان سنة ألف وتسع مئة وأربع وعشرين، وقد طبق النظام الاقتصادي في هذه الدولة، ولم يعرف المسلمون غير نظام الإسلام ولا أحكاماً غير أحكامه، وكان المسلمون خلال هذه الحقبة من الزمن في ظل نظام اقتصادي إسلامي ـ بغض النظر عن بعض الإساءات أو التقصيرات ـ ينعمون بالخير والرفاه، وبحبوحة العيش.


لقد جلب هذا النظام العدل والأمن والخير على المجتمع بأكمله، وليس أدل على ذلك من الآثار الماثلة للعيان حتى يومنا هذا، مثل مبرات الأيتام، أو دور رعاية ابن السبيل، أو محطات الاستراحة على الطرق الرئيسية، أو أماكن إطعام الفقراء، والموجودة في المدن الرئيسية مثل بغداد ودمشق واسلامبول، والخليل والقدس وغيرها، هذا عدا عن آلاف المجلدات من أمهات الكتب الفقهية التي تحدثت عن طبيعة حياة الناس وعن أحكام النظام الذي يحتكمون إليه.


إن حديثنا في هذا المقال ليس عن محاسن النظام الاقتصادي الإسلامي وطريقة معالجته بداية، وإنما عن أنظمة وضَعَهَا البشر من عقولهم، ثم بعد ذلك نتحدث عن طريقة الإسلام في المعالجة بعد أن نرى الظلم والاعوجاج والانحراف. ليكون هذا مدعاة للمسلمين عامة، ولحملة الدعوة خاصة كي يسارعوا لإعادة هذا النظام الصحيح في موضعه الذي أراده الله تعالى، في الحكم والسلطان، ولينبذوا هذه الأنظمة العفنة المهترئة من داخلها وخارجها.


وإنَّ لنا في هذا المقام والطريقة، أسوة حسنة برسول الله وذلك عندما كان يرسم الخط الصحيح بجانب الخطوط العوجاء، حتى تنظر العقول وتستبين الحق.


فقد أخذ عليه السلام بيده الشريفة عود أراك، وخط في الرمل خطوطا عوجاء وبجانبها خطا مستقيما وقال: «هذا صراط الله المستقيم، وهذه سبلٌ على رأس كل سبيل شيطان يدعو إليها»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَأنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوه، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلهِ، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَالأنعام153.


إن الفساد الموجود في الاقتصاد الغربي، وفي الحياة الاقتصادية عندهم مرده إلى الأساس الذي بني عليه هذا النظام، وأيضاً في الفروع التي بنيت على هذا الأساس السقيم.


فالأساس الذي بني عليه الاقتصاد الغربي أساس سقيم، نظر إلى المادة الاقتصادية وإلى طريقة تقييمها، وإلى طريقة معالجة توزيعها في المجتمع على الناس نظرة خاطئة. وهذا الخطأ مرده إلى:


أولاً: الخلط الذي حصل في إنتاج المادة الاقتصادية وطريقة توزيعها. حيث اعتبروا أن معالجة المشكلة الاقتصادية، والمشكلة الاقتصادية نفسها قبل طريقة معالجتها، يرجع إلى اعتبارات مادية من حيث الزيادة والنقص وليس إلى ناحية تتعلق بالنظام الذي يوزع هذه المادة في المجتمع. فالمشكلة الاقتصادية عند الغرب هي مشكلة الندرة النسبية، أي عدم كفاية السلع والخدمات لإشباع الحاجات المتجددة والمتعددة في كل يوم. فأخذوا يزيدون الإنتاج، وبالمقارنة، المشكلة تزداد ولا تنقص، الفقير يزداد فقراً والغني يزداد غنى. فبدل معالجة المشكلة زادوها تعقيداً.


ثانياً: نظرة الغربيين للمادة الاقتصادية. أي ما هو تعريف المادة الاقتصادية وما هو الشيء الذي له قيمة عندهم. وهنا أيضا وقعوا في الانحراف الذي قادهم في نهاية المطاف إلى ترقيعات بعيدة عن الأسس التي وضعوها. فكل مرغوب فيه يعتبر في نظرهم نافعا وهو مادة اقتصادية تشبع حاجة بغض النظر عن تأثير ذلك على المجتمع، فالخمور والحشيش وبعض الأعمال كالاتجار بالأعراض كلها مواد أو تحقق مادة اقتصادية، لأنها مرغوب فيها وتشبع في نظرهم حاجة.

وقد أحدثت هذه النظرة الخاطئة آثارا مدمرة على حياة الغربيين مما دعاهم للوقوف والتأمل والتفكير، ومن ثم الترقيع، وإيجاد القوانين الخارجة عن الأسس، مثل معاقبة الاتجار بالمخدرات أو منع بعض الطرق في التملك.

والخطر الثاني الذي تولد عن هذه النظرة أن الغربي أهمل القيم الروحية والخُلُقية التي تدفع للبذل والتضحية، فليس هناك ما يدعوه لذلك إذا كان لا يحقق له مادة اقتصادية أو بمعنى آخر منافع تشبع حاجات مادية عنده.


ثالثاً: نظرتهم الفاسدة للثمن، فالثمن في نظر الغربيين هو الأداة الوحيدة للإنتاج والتوزيع أو بمعنى آخر هو "الحاجز على الإنتاج والمنظم للتوزيع" فالذي ينتج ينتظر الجزاء المادي، ومن لا يملك لا يستطيع حيازة الحاجات أو الحصول على الخدمات، وهذه نظرة فاسدة لها خطر على الإنتاج وعلى التوزيع في آن واحد، فالذي ينتج لا يقوم بذلك إلا من منطلق نظرة مادية تحقق له جزاءً مادياً، والذي لا يملك الثمن ـ المستهلك ـ لا يستطيع حيازة أي حاجة لإشباع رغباته، فأهملوا القيم الخُلُقية التي تدفع الإنسان للإنتاج، وحكموا على بعض الناس ممن لا يملكون الثمن بالموت جوعاً، أو بالحرمان من الخدمات المادية. لذلك اصطدموا بهذا الخطر وبدأوا بنظام ترقيعات آخر يتمثل في إيجاد مؤسسات الضمان الاجتماعي، والشؤون الاجتماعية وجمعيات خيرية وغير ذلك.

وخطر آخر من جعل الثمن هو المنظم للتوزيع، وهو نشوء سياسة التحكمات في الأثمان عند الشركات داخل أسواق البلد وخارجها، ففي داخل الأسواق يبذل الرأسمالي كل الأساليب من احتكارات وتحكمات لجلب أكبر قدر من الثمنية لمنتجاته، وخارج الأسواق كذلك قادت هذه النظرة إلى سياسة استعمارية مدمرة على شعوب العالم الثالث ـ كما يسمونها ـ تمثلت في استعمار بلادهم من أجل المادة الخام، ومن أجل الإبقاء على أسواق للمنتجات تحقق أكبر قدر من الثمنية، ولا غرابة إذا قلنا أن فكرة الاستعمار قد نشأت من هنا فكان أساسها اقتصادي.


هذا باختصار بالنسبة للأسس التي قام عليها البناء الاقتصادي الغربي، ونظرته الفاسدة التي أثرت كما سنرى في البناء الاقتصادي فجعلته أكثر فساداً من الأساس الذي قام عليه .
[يتبع


الوعي العدد 153
أبو دجانة
تحدثنا في الحلقة الماضية عن فساد الأسس الاقتصادية في أنظمة الغرب والتي بني عليها بناؤهم الاقتصادي، الذي لا يقل فسادا عن أساسه، بل هو امتداد لهذا الفساد.


ولنا في هذا المقال عبرة بقوله تعالى وهو يربط ما بين الأساس والبناء في صلاح المجتمع وصلاح أعماله: ﴿أفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلَى تَقْوَى مِن اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهارَ بِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ واللهُ لا يَهْدي القَوْمَ الظَّالِمِينَالتوبة109. وقال﴿: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُم مِن القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأتاهُمُ العَذَابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَالنحل26.


إن البناء الاقتصادي الغربي يتمثل في ثلاثة ركائز أساسية، هي:
النظام المصرفي والبنوك
والشركات الرأسمالية
والنظام النقدي الورقي.

وفي موضوعنا هذا لن نتحدث عن أحكام هذه الركائز، فهذا يحتاج إلى أبحاث والحديث فيه يطول، ولكن سنتحدث باختصار عن الدمار الاقتصادي الذي جلبته هذه الركائز بما تفرع عنها من مؤسسات على مجتمعات الغرب بشكل خاص وعلى البشرية بشكل عام.

أولا: النظام المصرفي والبنوك:

المصارف والبنوك في أنظمة الغرب قائمة على أساس اقتصادي فاسد، هو تحقيق المنفعة المادية التي تشبع حاجة بغض النظر عن الدمار على الفرد والمجتمع بشكل عام.

وهي في نظرنا نحن المسلمين قائمة على أساس الربا الذي قال الحق تبارك وتعالى فيه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِن المَسِّ.البقرة 275

وعلى أساس الكنز الذي قال الحق تبارك وتعالى فيه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيل اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍالتوبة 34.

فالبنوك، والمؤسسات المصرفية في مجتمعات الغرب قائمة على هذا الأساس، فهي مؤسسات ضخمة تتشكل في غالبها عن طريق مؤسسات خاصة يملكها شخص أو مجموعة أشخاص من الأثرياء، أو تتشكل بنظام الشركات المساهمة، عن طريق ما يودعه الناس من أموال في هذه المؤسسات.

وطبيعة أعمالها في الغالب تقوم على منفعة الأموال "الربا" فتجمع المال من أيدي الناس متفرقاً بنسبة ربا قليلة، وتقرضه لآخرين بنسبة ربا مرتفعة، أو تقوم المؤسسات الصغيرة بالإيداع في مؤسسات أكبر تحقق فائدة ـ ربا ـ أكبر، في نفس الدولة أو في دولة أخرى.

وقد تقوم أيضا بأعمال ومشاريع هي بنفسها عن طريق إغلاق إيداعات قسم من الناس لمدد زمنية طويلة بزيادة نسبة الفائدة لهم.


أما خطر هذه المؤسسات وآثارها المدمرة في المجتمع فتتمثل:

أولاً: تجعل المال دُولة بين أيدي فئة معينة في المجتمع وتحرم بقية الناس من تداول هذا المال، فعن طريق الفائدة يسحب المال من أيدي الناس، وعن طريقها كذلك يمكن الرأسماليين الكبار القادرين على الاستثمار والسداد من أخذ كميات كبيرة من المال من هذه البنوك، وهذا بالتالي يزيد الفقراء فقراً والأغنياء غنى. فالأغنياء ينشئون المشاريع الضخمة التي تتحكم باقتصاد البلد، والفقراء يعيشون تحت رحمة هذه الطبقة، من حيث عرض السلع والخدمات وتحديد الأثمان لها، وتصبح إيداعات الطبقة الكادحة أو الفقيرة في البنوك هي أداة لجلب الشرور عليها بعكس ظنها أنها ستجلب لها الخير، وتصبح الفوائد التي تأخذها من البنوك الربوية شرياناً جديداً يصب في روافد الأغنياء بطريقة أو بأخرى.

ثانياً: بروز سياسة التحكمات في الإنتاج والاستهلاك، وذلك أن الرأسماليين الكبار أصحاب الشركات هم الذين يفرضون الثمن للسلعة المنتجة بسبب احتكارهم للمشاريع وعدم قدرة غيرهم على إنشاء مثل هذه الشركات الضخمة، والبنوك غالبا ما تساعد في هذه السياسة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فقد يقوم البنك هو نفسه بإنشاء مشاريع لسلع معينة، ويشترط على مستثمرين آخرين عدم منافستهم في ذلك، أو قد يساعد رأسماليين معينين على هذا التحكم بمنع آخرين من منافستهم، إما بإقناعهم أن هذه المشاريع غير مجدية اقتصاديا ولا تمكنهم من سداد الديون، وإما بالاشتراط مباشرة عليهم عدم تأسيس مثل هذه المشاريع وذلك بالاتفاق مع عملاء آخرين.

ثالثاً: تؤثر البنوك في غلاء الأسعار في المجتمع، وذلك بسبب احتكار المشاريع من قبل الرأسماليين والذين بدورهم يفرضون الأسعار التي يرونها، فيقومون برفع السعر أو بسحب البضاعة أو بطرحها متى شاءوا، وبسبب الفوائد البنكية المستحقة على أصحاب الشركات والتي تدفعهم لسداد هذه الفوائد في أقرب وقت ممكن عن طريق رفع الأسعار على المستهلكين.

وهذا الأمر أي مسألة تحكم الرأسماليين في الأسعار-يدفع الدولة أحيانا للتدخل بنظام ترقيعات يفرض أسعارا معينة لسلع معينة، أو لدعم سلع معينة من قبل الدولة لتمكين المواطن من استهلاكها أو باستيراد سلع معينة وطرحها في السوق لخفض الأسعار.

رابعاً: يساعد البنك في الأزمات التي تحصل في أسواق المال، إما بإقراض المتعاملين في سوق الأسهم مباشرة الأموال الضخمة التي تمكنهم من شراء أسهم كبيرة لمشاريع معينة وبالتالي رفع قيمة هذه الأسهم في البورصة وبالتالي إبقاء الناس في الوهم أن هذه الأسهم ارتفعت قيمتها فعلاً فيقدم الناس على شراء هذه الأسهم بشكل جنوني ما يزيد في ارتفاع سعرها مرة أخرى وبعد أن يتم شراء كميات كبيرة من هذه الأسهم من قبل الناس، تهبط هذه الأسهم هبوطا مفاجئاً وذلك بعد زوال الهدف الذي من أجله رفعت وهو إيقاع الناس في الوهم.

ومما يزيد الطين بِلة، الارتباك الذي يحصل بين الناس فيقبلون على بيع الأسهم بشكل جنوني، مما يزيد عملية الهبوط، وهذا الأمر يدمر كثيراً من الأشخاص، وقد يؤدي إلى كوارث اقتصادية، أو إلى زوال حكومات.

ويقوم البنك كذلك بتغطية خسائر المتعاملين في سوق الأسهم من الذين تعرضوا للخسارة، وذلك عن طريق إقراضهم الأموال التي تمكنهم من الاستمرارية في عمليات المضاربة، وهذا بالتالي يؤدي إلى حدوث كوارث اقتصادية لهؤلاء الناس بسبب ارتهانهم للبنوك وعدم قدرتهم على تسديد الأموال "القروض" أو فوائد هذه القروض.

خامساً: تهريب رؤوس الأموال في الدول النامية أو ما تسمى بالدول الفقيرة ـ دول العالم الثالث ـ وذلك عن طريق إنشاء بنوك أجنبية في هذه البلدان وبالتالي سحب الأموال من أيدي الناس مباشرة لصالح الدول الأجنبية، وإما عن طريق البنوك المحلية والتي تقوم بدورها بسحب الأموال من أيدي الناس متفرقة بنسبة فوائد قليلة تصل إلى سبعة أو ثمانية بالمائة، وإيداعها في بنوك الغرب بنسبة فائدة أعلى وهي مجمعة بملايين الدولارات.

وهذا الأمر فيه خطر كبير على هذه البلدان حيث يحرم البلد من رأس ماله الذي يمكنه من إنشاء المشاريع، ويضعه في أيدي دول أخرى تستغله في مشاريع عندها. وهناك بعض الدول تفرض رقابة معينة على خروج رؤوس الأموال، وهناك من الدول من يفتح الباب على مصراعيه للاستثمارات ولإنشاء البنوك وغير ذلك كما حدث في الكويت أخيراً.

سادساً: أهداف استعمارية: وهذا يتمثل بأعمال بعض الدول ذات الغطاء النقدي لعملات أخرى أو الدول الصناعية ذات النقد القوي العالمي.

فالولايات المتحدة مثلاً ترفع سعر الفائدة في بنوكها لتجذب الأموال إليها وبالتالي زيادة كميات المال في بلادها التي تمكنها من المشاريع. أو نتيجة تعرض عملتها لهزات أدت إلى خفض قيمتها بسبب قيامها بأعمال كبيرة إما اقتصادية أو عسكرية، فتلجأ إلى هذه الطريقة لدعم عملتها داخل بلادها.

وتلجأ أحياناً أخرى عن طريق البنك المركزي بإصدار كميات كبيرة من الدولار الأميركي، الغطاء النقدي للعملات الأخرى، وبالتالي تنخفض قيمة هذه العملة بسبب طرح كميات زائدة منها في السوق فتجبر الدول المرتبطة بالدولار إجباراً لشراء الكميات الزائدة في السوق لتحافظ على قيمة مدخراتها بالدولار، ولتحافظ أيضا على قيمة نقدها.

وقد تقوم الدول مثل الولايات المتحدة بخفض قيمة عملتها مباشرة عن طريق البنك المركزي لأسباب تجارية حيث تشجع التجار على شراء البضائع من بلادها بسبب انخفاض أسعارها مقارنة مع دول أخرى بسبب انخفاض العملة لذلك البلد، أي بسبب انخفاض الأسعار لهذه السلع نتيجة انخفاض الدولار الأميركي.

هذه بعض الآثار المدمرة التي تسببها البنوك في مجتمعات الغرب وفي مجتمعات أخرى. وهناك آثار أخرى كثيرة ليس هناك مجال في هذا المقال يذكرها، فمثل هذا الموضوع يحتاج إلى مجلد كامل يشرح فيه هذه الآثار المترتبة على هذه البنوك وعلى أنظمتها الفاسدة.


ثانياً: الشركات الرأسمالية وآثارها السيئة في المجتمعات:

الشركات الرأسمالية لا تختلف كثيرا عن البنوك بل هي من جنسها، فطريقة إنشائها وطريقة تحصيلها للمال، وطبيعة أعمالها لا تختلف كثيراً عن البنوك بل تشبهها إلى حد كبير، وقد تكون البنوك كما قلنا هي شركات رأسمالية.

فالشركات الرأسمالية تساعد في جعل المال دُولة بين أيدي فئة معينة في المجتمع، وتشجع فكرة كنز المال، وتنمي الاحتكارات الاقتصادية بأنواعها، في احتكار السلع والأسواق، والمواد الخام وتخلق طبقة من العبيد في المجتمع، طبقة مسلوبة الإرادة والقرار والحرية بسبب الأموال والإغراءات التي يقدمها الرأسماليون في سلب قراراتهم وحرياتهم، وتجعل الطبقة الحاكمة في المجتمع هي فقط طبقة الرأسماليين الكبار أصحاب الشركات الكبرى، وتحرم بقية الناس من هذه الميزة، حيث أن هذه الطبقة هي القادرة على شراء الأصوات دون غيرها، وكذلك تغذي فكرة الطبقية في المجتمع، فالمجتمع الرأسمالي ينمي إيجاد طبقتين طبقة الرأسماليين الكبار "الأسياد" وطبقة الفقراء الكادحين "العبيد".

والشركات الرأسمالية تسبب غلاء الأسعار بسبب سياسة التحكمات وإغلاق الأسواق.

وهناك قضية خطيرة تسببها الشركات الرأسمالية والبنوك في آن واحد وهي فكرة الاستثمار خارج البلاد وذلك من أجل تحصيل المال من أيدي الناس، وتحصيل المواد الخام بأبخس الأسعار وإيجاد أسواق للسلع والمنتجات، ولتحقيق أكبر قيمة للثمنية، ولا غرابة إذا قلنا أن فكرة الاستثمار الأول كانت اقتصادية بحتة، بسبب طموحات أصحاب الشركات الرأسمالية مثل شركات البترول وشركات الحديد والصلب


يتبع
أبو دجانة
ثالثاً: النظام النقدي:


النظام النقدي عند الغربيين هو من دعائم الاقتصاد وركائزه التي قام عليه البناء الاقتصادي بشكل عام، ونظامه يستند إلى قوة الدولة العسكرية والاقتصادية، ولا يستند إلى قوة في ذاته. وهذا النظام الذي عليه النقد الآن في بلاد الغرب قد مر في مراحل زمنية قبل أن يتشكل على صورته الحالية.


فقبل الحرب العالمية الأولى كان النظام النقدي الورقي مغطى بالذهب، أي يستند في قيمته، وفي إصداره وكميته في الأسواق إلى الغطاء الذهبي، وبعد الحرب العالمية الأولى، بعد بروز أجواء جديدة خلفتها الحرب، ظهرت المضاربات، والعراقيل والقيود على الذهب، وبعض الدول أوقفت قابلية تحويل عملاتها إلى ذهب مما دفع الدول الفاعلة إلى اتفاق جديد قبلوا فيه الدولار الأمريكي لتحديد قيمة العملات المختلفة ووضعوا له قانونا عرف بنظام «بريتين وودز»، وهكذا، وبعد بروز الولايات المتحدة قوة عسكرية واقتصادية ضخمة في بلاد الغرب أصبح الدولار الأمريكي هو الغطاء للعملات العالمية، على أن تربط قيمة الدولار بالذهب لكل خمسة وثلاثين دولار أونصة ذهبية واحدة، ووضعت لهذا النظام قيود معينة من حيث كمية الدولار المطروحة، وسعر الفائدة في البنوك، وسعر الدولار مقارنة بالذهب إلا أن هذا النظام لم يدم طويلا، حيث هدمت الولايات المتحدة هذا النظام وعوّمت الدولار وجعلته غير مرتبط بالذهب وذلك سنة واحد وسبعين في ولاية نكسون .


فأصبحت النقود الورقية منذ ذلك التاريخ على الصورة التي عليها الآن، ليس لها أية قيمة في ذاتها وليس لها غطاء ذهبي أو فضي، وإنما تستمد قوتها من القانون الذي تفرضه الدولة لهذا النقد ومن هنا جاءت التسمية "النظام الورقي الإلزامي".


والنظام النقدي الورقي على صورته الحالية له أثار سيئة وخطيرة في المجتمعات بشكل عام ومن أثاره السيئة:

أولاً: التذبذب والاضطراب المستمر في أسعار الصرف، لان الذي يحقق الاستقرار في سعر الصرف،هو ربطها ـ أي العملات ـ بأساس أو بغطاء ثابت، وهذا الأساس يجب أن تتوفر فيه صفات قادرة على إعطائه هذه الصفة، منها أن يكون هذا الغطاء قابلا للتحويل إلى سلع وخدمات أو نقود في أي وقت دون أي عائق، وأن يتصف بصفة الثبات المصرفي، أي أن يكون غير متذبذب، وأن يكون متوفر بشكل عالمي وليس خاصا بمنطقة دون أخرى، وتحتكره الدول بسبب ذلك. وأن تكون تكاليف إنتاجه الاقتصادية مقاربة لما يطبع منه من وحدات نقدية، بحيث لا تستطيع أي دولة طباعة ما تشاء منه، وبالتالي إغراق السوق متى شاءت، وهذه الميزات لا تتوفر إلا في نظام الذهب والفضة.

وقد أخذت أرقام لأسعار صرف عملات مقارنة بالذهب في فترات زمنية مختلفة فوجد أنها كانت متقاربة عندما كان الذهب غطاء لهذه العملات.

ومسألة التذبذب في سعر الصرف للعملات يلحق الأذى الكبير بأصحاب الأموال والمدخرات النقدية في البنوك وغيرها، ويلحق الأذى بالعمال وأصحاب الأجور الثابتة، ويتسبب في رفع الأسعار في الدولة.

ثانياً: التذبذب في سعر صرف الغطاء النقدي العالمي ـ الدولار ـ يلحق ذلك خسارات فادحة إما في اقتصاد الولايات المتحدة وإما في اقتصادها واقتصاد الدول المرتبطة بها.

فقد تقوم الولايات المتحدة بأعباء اقتصادية داخلية أو خارجية، أو بأعباء عسكرية يسبب ذلك تأثيراً في اقتصادها ويؤثر على عملتها فيسبب الانخفاض، وهذا بالتالي يؤثر على الاقتصاد الداخلي فترتفع الأسعار، وتنخفض الأجور.

ويؤثر كذلك على الدول المرتبطة بالدولار مثل الدول الأوروبية أو الدول النفطية. فعندما انخفضت قيمة الدولار الأمريكي سنة سبع وسبعين عشرة بالمائة مقابل الين والمارك والفرنك السويسري، ارتفعت قيمة هذه العملات مقابل الدولار، وبالتالي أثر ذلك على تجارتها الخارجية، حيث ارتفعت أسعار المنتجات الصناعية المعدة للتصدير مما سبب الإحجام عنها وبالتالي إلى كساد اقتصادي في هذه الدول، مما اضطرها إلى شراء الفائض من الدولار في الأسواق وتقديم الدعم الاقتصادي له.

وقدرت خسارات بعض الدول النفطية مثل الكويت في سنوات واحد وسبعين، واثنين وسبعين نتيجة تخفيض قيمة الدولار ثمانية عشر بالمائة "18%" بحوالي ستة وسبعين مليون دولار أمريكي، وقدرت خسارة دول النفط لمنظمة الأوبك سنة سبع وسبعين بحوالي خمسة عشر مليار دولار أمريكي نتيجة انخفاض برميل النفط من 12.7 دولار إلى 7 دولارات للبرميل الواحد.

ثالثاً: تستخدم مسألة الغطاء النقدي عند الولايات المتحدة كورقة ضغط سياسية واقتصادية على بعض الدول، أو للتأثير في اقتصادها إن كانت دولة منافسة. فعندما قامت ألمانيا مثلا سنة سبع وثمانين برفع قيمة الفائدة خلافاً لاتفاقية اللوفر قامت أميركا بالمقابل بخفض قيمة الدولار الأمريكي ـ الغطاء للمارك ـ مما أدى إلى خفض قيمة الأسهم اثنين وعشرين بالمائة في يوم واحد. وهذه العملية قامت بها الولايات المتحدة للضغط على ألمانيا للالتزام باتفاقية اللوفر المتعلقة بسعر الفائدة المصرفية.

رابعاً: التقلبات في أسعار صرف الأوراق الإلزامية تؤثر سلباً في الاستثمار الاقتصادي للمشاريع داخل الدول التي لا يوثق بعملتها أو الدول التي تعاني من تقلبات في سعر صرف عملتها، فلا يتشجع أصحاب رؤوس الأموال لاستثمار أموالهم خوفا عليها، وكذلك تؤدي هذه العملية ـ عملية التقلبات ـ في بعض الدول إلى أزمات سياسية مؤثرة قد تطيح بحكومات كما يجري في العالم الثالث عندما يقوم البنك الدولي بفرض قيود اقتصادية منها خفض قيمة العملة ورفع الأسعار، ويؤثر ذلك أيضا في تآكل أجور العمال واستمرار الاضطرابات العمالية، وارتفاع الأسعار باستمرار.

خامساً: عندما تزيد واردت الدولة عن صادراتها يحدث ذلك عجزاً في ميزان المدفوعات التجاري، فيسبب ذلك التضخم النقدي. أي تزيد كمية الأوراق المطبوعة وتقل قيمتها الشرائية، فترتفع الأسعار نتيجة هذا الخلل بين كمية النقود الموجودة وبين السلع والخدمات.

فقد بلغ العجز في ميزان المدفوعات التجاري عند أميركا سنة سبع وسبعين حوالي ثلاثين مليار دولار، وهو الفرق بين الصادرات والواردات، وأدى ذلك إلى التضخم في الولايات المتحدة، وقامت بمعالجة المشكلة عن طريق طباعة أوراق إلزامية وطرحها في الأسواق. أي قامت بتحميل الدول الأخرى جزءاً كبيراً من هذه المشكلة. هذا في الدول الصناعية، أما الدول الأخرى وخاصة النامية، فعند حصول مشكلة من هذا النوع فإنها تتحمل وحدها مشكلة التضخم، فترتمي في أحضان الدول الاستعمارية، أو ترتبط بسياسات صندوق النقد الدولي وتعيش تحت رحمة قروضه وشروطه الاستعمارية. وهذا كله يؤدي إلى التبعية والاستعمار الاقتصادي الذي هو الوجه الجديد للاستعمار الحديث.

هذه بعض المقتطفات لمساوئ النظام الاقتصادي الرأسمالي الغربي الذي قام على فكرة الحل الوسط وتأثير ذلك النظام على البشرية وعلى علاقتها ومعاملاتها.

أما الحلول التي تطرحها دول الغرب، أو تقوم بالفعل بمزاولتها لمعالجة هذه لمشاكل، سواء أكان ذلك في أسس النظام القائم عليها، مثل معالجة مشكلة عدم قدرة بعض الأفراد الحصول على الحاجات الأساسية للعيش عن طريق الثمن الذي جعلوه الأداة الوحيدة للتوزيع والإنتاج، حيث عالجوا هذه المشكلة عن طريق الضمان الاجتماعي. أو مثل التدخلات في سياسة الأسعار وتقييدها، واختراق فكرة "أن جهاز الثمن هو الذي يحدد العرض والطلب في الأسواق"، وأن العرض والطلب هو الذي يفرض الأسعار للسلع والخدمات. أو مثل التدخلات في فرض قوانين جديدة تلغي فقرات في أسس النظام مثل إلغاء أو منع التعامل بالمخدرات، وبالتالي إلغاء فكرة أن كل مرغوب فيه يعتبر مادة اقتصادية.

أو سواء أكان ذلك في البناء الاقتصادي مثل مشكلة التضخم الذي نتجت عن الأوراق الإلزامية، والتي يحاولون معالجتها بطرق ملتوية تنهب ثروات الناس ومدخراتهم أو تسلب دول أخرى مدخراتها النقدية، عن طريق طرح الأوراق في الأسواق دون أي غطاء. أو محاولة تحديد سعر الفائدة في البنوك عن طريق اتفاقات عالمية، أو وضع قانون للتعرفة الجمركية بين الدول. فكل هذه الحلول وغيرها ما هي إلا ضغث على إبالة، تزيد المشاكل العالمية تعقيداً، دون أن توجد حلا صحيحا شافياً.

أما الحل الصحيح وطريقة المعالجة المثالية فإنها تنبع من نظام صحيح نَظَر للإنسان ولحاجاته ولما يجب أن يكون عليه المجتمع نظرة صحيحة متكاملة. نظرة لم تهمل في الإنسان شيئا من حاجاته الروحية أو الأخلاقية أو المادية، تعتبر أن المادة في هذا الكون هي المسخرة للإنسان وليس الإنسان مسخر لها باللهث وراء الجمع ثم الجمع.

إن الحل الصحيح الذي يجب أن يطبق هو النظام الإلهي العادل، الشامل الكامل، والذي طبق بالفعل حقبة من الزمن كان فيها الخير والعدل والأمن، وكان الغني والفقير في بحبوحة من العيش لا طبقية بمفهومها السقيم، ولا سياسة تحكمات، ولا استغلال ولا استعباد، الكل يملك حريته التي وهبها الله له، يتصرف وفق أحكام إلهية عادلة تجعله عبداً لله لا للبشر. إن الحل الصحيح هو النظام الاقتصادي المبني على وجهة النظر الإسلامية.

أما كيف عالج الإسلام المشاكل الاقتصادية، وكيف نظم شؤون الإنسان المرتبطة بذلك فإننا سنتحدث عن ذلك في موضوع آخر بإذن الله تعالى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أبو دجانة
أثر فساد الاقتصاد الغربي في البشرية (4)
« العلاج الصحيح »


تحدثنا في الحلقات السابقة من هذا البحث، عن اعوجاج النظام الاقتصادي الغربي، عن أسس هذا النظام، وعن بعض الفروعيات التي بنيت عليها، وتحدثنا عن المساوئ القبيحة في هذا النظام، وعن المآسي التي يلحقها بالبشرية بسبب ذلك.

وفي هذه الحلقة نتحدث عن الخط المستقيم المرسوم بجانب هذا الخط الأعوج، نتحدث عن منهج ليس من صنع البشر، ولا من نتائج عقولهم العاجزة، عن منهج الله تعالى ـ منهج الإسلام ـ في معالجة أحكام الاقتصاد.

إن موضوع الحديث عن الاقتصاد في الإسلام واسع وطويل، وخاصة فروعيات هذا الموضوع المتعلقة بالمعالجات العملية، ونكتفي بعرض الأسس التي بني عليها هذا النظام، وبعض الفروعيات العملية التي بينت عليها، لنرى الاستقامة، والرفعة والسمو في هذا النظام العادل الصحيح.

وقبل البداية بالموضوع أود أن ألفت الأنظار، إلى مسألتين مهمتين تتعلقان بهذا البحث، وبجميع الأبحاث الشرعية بشكل عام وهماً، أولاً: الارتباط الوثيق بين عقيدة الإسلام، وبين الأحكام الشرعية التي انبثقت منها. فالناظر في الأحكام الشرعية العملية المتعلقة برعاية شؤون الناس، يرى أنها مرتبطة بهذه العقيدة، ارتباط البناء بأساسه، وذلك في كل جزئية من جزئياتها. فمثلاً عندما ذكرت العقيدة الإسلامية، أن ما كان حراماً يعتبر غير نافع في تقديرها، جاءت جميع الأحكام العملية المتعلقة بهذا الحرام، تمنعه وتحاربه؛ وعندما ذكرت أن ما كان مباحاً يعتبر نافعاً شرعاً، جاءت جميع الأحكام العملية المتعلقة بهذا المباح لتفتح الباب على مصراعيه للانتفاع به.

فالخمر مثلاً اعتبره الشارع حراماً، أي غير نافع، قال تعالى﴿: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون(المائدة 90)، والأحكام العملية التي تحدثت عن الخمر كلها تصب في هذا الاتجاه، فحرمت بيعه وشراءه، وشربه، وحتى حمله من مكان لمكان لإتلافه.

وبالإضافة إلى ارتباط هذه الأحكام بعقيدتها ارتباطا وثيقاً، بحيث أنها لم تخرج عن هذه لعقيدة في المعالجات، نراها أيضاً منبثقة منها لا من غيرها. فجميع الأحكام تراها مستندة إلى آية من كتاب الله تعالى، أو من أقوال النبي عليه السلام، أو مما دل عليه الكتاب والسنة، من إجماع صحابة، أو قياس صحيح. وهذه الميزة ـ ارتباط الأحكام بالعقيدة ـ انفردت بها الشريعة الإسلامية، دون سواها من شرائع البشر ونظمه، ومبادئه.

فالنظام الرأسمالي كما رأينا، جعل الأفيون والحشيش مواد نافعة، لأنه اعتبر النافع كل مرغوب فيه، ويشبع حاجة، ولكنه في المعالجات، في الأحكام العملية منعها، وعاقب من يتعامل بها بأي شكل من أشكال الانتفاع بالسجن.

وفي مسألة الحرية الشخصية المنبثقة من الحريات، أباح للشخص أن يقيم العلاقات الجنسية مع من يشاء من النساء، إذا كان ذلك عن رضا، وفي نفس الوقت نراه يمنع أناساً معينين ـ مثل الرؤساء ـ من ممارسة هذه العلاقة، ويعتبر ذلك فضائح جنسية يعاقب عليها القانون. وهذا كله تناقض بيّن، ما بين الأسس والأحكام التي بنيت عليها، وخروج كذلك عن هذه الأسس التي وضعت قواعد للأحكام العملية في الحياة.

ثانياً: إن هذا الدين ـ دين الإسلام ـ هو وحده الدين الصحيح على وجه الأرض، وما عداه من مبادئ وأديان كلها خاطئة عقلاً. فعقيدة هذا الدين بُنيت على العقل، فهي عقيدة تقنع العقل الإنساني بشكل عام، وذلك أن أسس هذه العقيدة قد ثبتت صحتها بالعقل. فمسألة أن وراء هذا الكون والإنسان والحياة، خالق خلقها من عدم، مسألة بنيت على العقل؛ ومسألة أن الرسول محمد نبي ورسول من الله كذلك بنيت على العقل، فهي تقنع العقل؛ ومسألة أن القرآن من عند الله تعالى، أوحى به إلى رسوله، أيضاً بنيت على العقل، وتقنع العقل البشري إذا خلى من هوى النفس.

وبالإضافة إلى إقناعها العقل الإنساني، فإنها موافقة للفطرة، أي تقر ما في هذا الإنسان من غريزة التدين، وتضع لذلك العلاج الصحيح في التقديس الذي هو مظهر هذه الغريزة. وكذلك تقر ما في هذا الإنسان من فطرة إنسانية، أي مما جبل وخلق عليه هذا الإنسان سواء أكان ذلك في الغرائز، أو الحاجات العضوية المتعددة.

وهذا أيضاً بعكس المبادئ الأخرى، فلو نظرت إلى العقيدة الرأسمالية، تراها بنيت على حل وسط بين فريقين متنازعين، أي أنها بنيت على فصل الدين عن الحياة، والذي كان ثمرة النـزاع بين رجال الدين من جهة، وبين المفكرين من جهة أخرى، ولم تبن إطلاقاً على العقل. فهي لا تقنع عقل بشر على الإطلاق، إذا فكر تفكيراً مستنيراً، ومن جهة ثانية فهي ليست من الله، وإنما هي من نتاج عقل، أو عقول بشرية، تتصف بالعجز والنقص والاحتياج. لذلك فإن الناظر في النظام الرأسمالي، يرى الترقيع المستمر على أنظمته، ويرى التغيير كذلك في أحكامه، ويرى الخروج في كثير من ذلك عن العقيدة، أو الأسس التي بنيت على هذه العقيدة الفاسدة.

فنظرية الالتزام مثلاً في القانون المدني للمحاكمات، يُرى لها أكثر من تفسير وتعريف. فالمذهب الشخصي، يرى أن الأمر الجوهري في الالتزام هو أنه رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين، ولا تدخل في هذا التعريف معاملات كثيرة من الأحكام العملية، والتي تنشأ من جانب واحد، لأن هذا التفسير اشترط وجود طرفين للالتزام. أما المذهب المادي بفهم نظرية الالتزام وتفسيرها، فجعل الأمر متعلقاً بمحل المعاملة وليس بمن قام بها من أشخاص، وبذلك أخرج من المعاملة أو العقد من قام به. والفهمان يختلف كل منهما عن الآخر اختلافاً كبيراً، والفهمان أيضاً سقيمان لا يفيان بالغرض المطلوب.

أما في الناحية العملية في الحياة، فنجد هذه النظرية قد قصرت عن معالجة كثير من المسائل الجديدة، مثل مسألة حماية العمال من الأضرار، وإعطائهم الحقوق، والنقابات العمالية، والاضطرابات، مما دعا أتباع هذه النظرية لتغييرها، وتطويرها أكثر من مرة، وذلك كلما ظهر عجزها عن معالجةٍ لأمرٍ مستجد. وفي هذا خروج عن الأسس، وعدم ارتباط ما بين الأسس والأحكام العملية في المعالجات.

إن هاتين الصفتين ـ صفة ارتباط العقيدة بالأحكام، وعدم الخروج عنها، وصحة هذا النظام دون سواه من نظم ـ قد جعلت العقيدة الإسلامية فريدة في الأرض، في كيفية معالجتها لشؤون البشر: اقتصادية، وسياسية، واجتماعية... وذلك بتحقيقها العدل، والأمن، والرفاه، والسعادة، والطمأنينة.

وسنرى هذا عملياً في مسألة الاقتصاد، كيف أن هذه العقيدة تحدثت عن مفاهيم عامة، وارتبطت بها أسس وخطوط عريضة، ارتباطاً وثيقاً، لم تخرج عنها، وانبثقت منها انبثاقاً، ولم تؤخذ من غيرها؛ وكيف أن المعالجات العملية في الحياة تحقق هذه الأسس في المجتمع. وسنبدأ أولاً بأفكار العقيدة الصحيحة، التي تحدثت عن مفاهيم كثيرة ارتبطت بحكام النظام الاقتصادي. من هذه المفاهيم:

أولاً: تسخير ما في الكون للإنسان. قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه أن الله بالناس لرؤوف رحيم(الحج 65)، وقال :﴿الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(الجاثية12ـ13).

فقد سخر الله جميع ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان المكرم، لتحقيق العبودية لله تعالى، ولم يستثن من هذا التسخير إنساناً دون آخر، بل إن الخطاب في هذه الآيات عام لجميع البشر على وجه الأرض. فالجميع مخاطب بالانتفاع من مادة هذا الكون، لتساعده في تحقيق العبودية لله، والتي خوطب جميع البشر بها دون استثناء بها.

قال تعالى:﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ،وقال: ﴿هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور.

وهذا المفهوم العقيدي، ارتبط بالأحكام العملية في الانتفاع، فكان أساساً لها، حيث جاءت الأحكام العملية تبين كيفية الانتفاع بهذه النعم المسخرة للإنسان، وفتحت الباب له ليقدم على ذلك دون خوف ولا وجل.

بينما نجد في العقائد الأخرى الحواجز والقيود، والأساطير، والخرافات التي تحول بين الإنسان وبين انتفاعه من مادة الكون. ففي الهندوسية مثلاً حرمت على أتباعها الانتفاع بالبقر لأنها اعتبرتها آلهة تعبد من دون الله؛ وفي بعض عقائد النصارى حرم الرهبان أنفسهم من إشباع غريزة النوع، عن طريق الزواج؛ وهناك من العقائد من منع ركوب البحر أو النهر أو غير ذلك من أعمال تستند إلى عقائد باطلة.

ثانياً: مفهوم السعادة في الحياة. إن مفهوم السعادة في الحياة عند المسلم نابع من عقيدته التي وضعت مفاهيم تحل العقدة الكبرى تجاه معرفة الكون والإنسان والحياة، وتصله بالخالق تعالى صلة روحية سامية. فالعقيدة الإسلامية تصور السعادة تصوراً روحياً، وليس تصوراً مادياً، نابعاً من الإشباع والفهم لأخذ أكبر قدر ممكن من المتع الجسدية. فالسعادة الحقيقية في نظر المسلم هي نيل مرضاة الله تعالى، وهي التي تحدث السعادة الحقيقية عنده. وهي أيضاً تحدث الطمأنينة في نفسه، فيطمئن على مصيره بعد الموت، وتحل عنده جميع التساؤلات عن نفسه وعن الكون والحياة، ويعرف الغاية التي من أجلها خلق معرفة يقينية.

فالمسلم بناءً على هذا التصور والمفهوم يكون سعيداً، حتى لو عاش في أصعب الظروف، في السجن أو القهر، أو التعذيب، وحتى لو لم يملك من الدنيا إلا كسره خبزٍ يقتات بها، وبردة يستر بها عورته. وهذه النظرة النابعة من العقيدة، لها تأثيرها العميق في الاقتصاد، وفي جميع الأحكام بشكل عام. وذلك أن المسلم الذي يملك هذه المفاهيم، ويحملها في عقله ونفسه، يضحّي بأغلى ما يملك لله تعالى، سواء أكان ذلك بالبذل المادي أو المعنوي. فيبذل للدولة، وللأمة، وللأفراد، ولعل قصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هي ثمرة من ثمار هذا المفهوم، قال تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون(9 الحشر). وينضبط في سلوكه أثناء جمعه للثروات والمنافع بحدود الإسلام، فلا يسرق، ولا يغش، ولا يحتكر، ولا...، لأن الهدف كما قلنا ليس الجمع لذاته، وإنما من أجل غاية كبيرة وراء ذلك، هي مرضاة الله عز وجل.

وهذه النظرة عند المسلم لمفهوم السعادة، هي بخلاف نظرة الغربيين لذلك، وهذا بالتالي انعكس في حياتهم الاقتصادية، فأصبحت حياتهم جحيماً لا يطاق، لا تربطهم إلا المنافع والمصالح، وترى الفرد منهم يتهرب من تقديم أي عمل لمصلحة عامة، ويتهرب من دفع المال حتى يؤخذ منه بقوة القانون.

وانعكس ذلك أيضاً على غيرهم من شعوب، بسبب السياسة الاستعمارية التي انطلقت من هذه المفاهيم السقيمة. فانتشر الظلم، والفساد في الأرض على أيدي الغرب، وأصبح مفهوم الصراع على الرغيف هو: (آكله أنا، أو تأكله أنت)، لا أن يتقاسمه الناس فيما بينهم (فآكله أنا وأنت)، كما هو الإسلام في تصوراته الصحيحة، المنبثقة من مفاهيم عقيدية سليمة.

ثالثاً: مفهوم الثواب والعقاب، والنظرة إلى الآخرة. لقد رأينا في النظام الغربي، أن الأعمال تضبطها المنافع والمصالح، وتحافظ الدولة على مصالح الناس، وتطبق القانون على الناس بقوة الجندي، وصرامة الأحكام، ولا وجود لشيء اسمه الوازع الداخلي، أو رقابة النفس، لأن المفاهيم الروحية ليس لها مكان في حياتهم، والعبادات عندهم ينتهي محلها في الكنيسة ولا تخرج خارجها، وهذا بالتالي ينعكس على الحياة الاقتصادية، وعلى الحياة بشكل عام.

أما في الإسلام فإن الدافع، والرقيب، في جميع التصرفات مرتبط بالآخرة، بمفهوم الثواب والعقاب، أي بالناحية الروحية السامية، وليس بالناحية المادية الهابطة الوضعية. فالمسلم يعطي الناس، ويجود بالعطاء بدافع تقوى الله والثواب الأخروي، ويؤدي زكاة ماله عن طيبةٍ من نفسه انطلاقاً من الأوامر الإلهّية،كقوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون(المؤمنون 4). ولا يسرق بدافع تقوى الله النابع من قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما(28 المائدة)، ولقوله عليه السلام: «لا يحل مال إمريء مسلم إلا عن طيبة من نفسه» رواه أحمد. ولا يغش لقوله عليه السلام: «من غش فليس منا» رواه الترمذي. ولا يحتكر لقوله عليه السلام: «المحتكر ملعون، والجالب مرزوق» رواه إبن ماجة.

وهذا كله ـ كما قلنا ـ محروم منه المجتمع الغربي، بسبب المفاهيم السقيمة المبينة على التصور المادي، والمرتبطة بجهاز الثمن، (الحافز على الإنتاج، المنظم الوحيد للتوزيع). فلا وجود لمشاريع الخير، ولا لمساعدة الفقراء، وأصحاب العوز، لأن ذلك ينقص المال ولا يزيده، حسب مفاهيمهم، وبالتالي يقلل من سعادتهم.

رابعاً: مفهوم الرزق. لقد أخبر الحق تعالى المسلم في عقيدته أن رزقه مقسوم قبل أن يولد، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولن يموت الإنسان قبل أن يستوفيه جميعه، قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين(6 هود)، وقال: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين(58 الذاريات). وقال عليه الصلاة والسلام: «نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب» (الطبراني في الكبير).

وإن هذا المفهوم العقيدي له ارتباط بمسألة الاقتصاد، فالحق تعالى أخبر الناس أنه قد خلق ما يمكنهم من استمرارية العيش، وإن ما خلق في الأرض من ثروات وأموال ليكفي لسد حاجات الناس الأساسية ويزيد. وفعلاً لو نظرنا في الواقع لرأينا أن الإنسان لم يستغل من مجموع ثروات الأرض إلا القليل القليل، وما خفي منها أعظم بكثير.

أما الذي يحصل من حالات موت جماعي في المجاعات في السودان والصومال وغيرها، فإن سببه هو الجشع الغربي، والتحكمات السياسية والاستعمار، وليس عدم كفاية الحاجات. ولو ترك الإنسان وشأنه لرزق كما ترزق الطيور والحيوانات ولما حصلت أي مجاعة على وجه الأرض.

وأما ما يقوله الغربيون في مسألة عدم كفاية الحاجات لرغبات الإنسان المتعددة والمتجددة، فإنه ضرب من الوهم والخيال، ولا واقع له. والذي دفعهم لهذا القول هو مفاهيمهم السقيمة، التي تصور لهم الحاجات عند الإنسان، وتجعلها بلا حدود، وخوفهم المبالغ فيه بسبب ما وجد عندهم من احتكارات، وجشع رأسمالي، ونظام الطبقات الفاحش 


يتبع
أبو دجانة
أثر فساد الاقتصاد الغربي في البشرية (5)
«العلاج الصحيح»


تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض مفاهيم العقيدة الإسلامية، وارتباط هذه المفاهيم بموضوع الاقتصاد. أما بالنسبة للأسس الاقتصادية التي انبثقت من هذه العقيدة الصحيحة، والمرتبطة برعاية شؤون المال، والتي جاءت الأحكام الفروعيّة العملية لتحقيقها في الدولة والمجتمع فهما أساسان :

الأول: نظرة الإسلام إلى الاقتصاد
والثاني: سياسة الاقتصاد في الإسلام.

أولاً: نظرة الإسلام إلى الاقتصاد: لقد رأينا كيف خلط الرأسماليون في نظرتهم للاقتصاد، دون تمييز بين علم اقتصاد، يبيّن طرق تنمية الثروة، وبين نظام الاقتصاد الذي يبيّن طرق توزيع هذه الثروة بين الناس، فجعلوا البحث واحداً دون فصل بين الأمرين، مما أوقعهم في متاهات كبيرة، وزادوا المشكلة تعقيداً بدل حلّها .

أما الإسلام، فنظرته للثروة، التي تحقّق المنافع لدى الإنسان، وهي المال وجهد الإنسان، نظرة إلى تمكين الناس من حيازة هذه الثروة، والانتفاع بها، عن طريق النظام الذي يحقّق ذلك بالعدل والاستقامة . ولم ينظر الإسلام في تكثير الثروة، إلا من زاوية واحدة وهي أنه دعا إلى ذلك وحث عليه، وذكر أن الكون بما فيه من ثروات مسخّر للإنسان لينتفع به. فلم يتدخل الإسلام في مسألة تكثير الثروة، بل تركها للناس ولإبداعهم الفكري. فنظرة الإسلام إلى الاقتصاد هي نظرة مبنية على أساسه الروحي، تضمن تمكين الناس من حيازة مادة الثروة والانتفاع بها في نظام اقتصادي فريد.

ثانياً: سياسة الاقتصاد في الإسلام: السياسة كما عرفنا معناها، هي الرعاية، (رعاية شؤون الناس داخلياً وخارجياً بالإسلام). وسياسة الاقتصاد في الإسلام لا تخرج عن هذا المعنى العام للسياسة، فسياسة الاقتصاد في الإسلام هي رعاية شؤون المال من قبل الدولة. فالدولة بوصفها الجهاز التنفيذي، الذي يتولى رعاية تطبيق الإسلام داخلياً وخارجياً، تقوم برعاية شؤون الأفراد المالية داخل هذه الدولة رعاية تحقق الأهداف التي قصدها الشارع من أحكام النظام الاقتصادي.

أما الأهداف التي قصدها الشارع الحكيم من نظام الاقتصاد، فترمي إلى ضمان إشباع حاجات الأفراد الأساسية، وهي (المأكل، والمسكن، والملبس)، إشباعاً كاملاً غير منقوص، وتمكينهم كذلك من إشباع حاجاتهم الكمالية، وهي (فوق الحاجات الأساسية)، بقدر ما يستطيع، وبقدر ما يتوفر من أموال في الدولة. وهذه النظرة للفرد، والحاجات، ولإشباعها، هي ضمن الإطار العام للمجتمع.

فالإسلام نظر إلى رعاية شؤون الأفراد فرداً فرداً، وفي نفس الوقت نظر لما يجب أن يكون عليه المجتمع من طراز خاص من العيش كمجتمع إسلامي، وليس أي مجتمع. فالنظرة الأولى في هذه السياسة كانت للناحية الإنسانية، أي بوصفه إنساناً، وذلك بمعرفة حاجاته الأساسية ما هي، وهي الحاجات التي تترتب عليها المشاكل في حال عدم إشباعها. ثم نظر إلى الإنسان بوصفه فرداً، أي نظر إلى إشباع حاجاته فرداً فرداً في المجتمع، وليس للمجتمع بشكل عام، كما هو في المجتمع الغربي عندما قالوا: بأن إشباع حاجات الأفراد يتم تلقائياً إذا أشبعت حاجات المجتمع من الثروات وذلك عن طريق جهاز الثمن، فاشبعوا حاجات المجتمع ولكن المشكلة لم تحل، إذ أن الأغنياء ازدادوا غنى من هذه الثروات، والفقراء ازدادوا فقراً على فقرهم.

ثم نظر الإسلام نظرة ثالثة في سياسته لشؤون المال، وهي ما يجب أن يكون عليه المجتمع، أي راعت هذه السياسة أثناء الإشباع وضمانه، أو التمكين منه، أن هذا المجتمع له طراز خاص من العيش، وفق علاقات معينة، وتضبطه أحكام شرعية. أي أن الإسلام حدّد للأفراد كيفية كسب المال لإشباع حاجاتهم، فمنع الربا، وحرم الخمر، وحرم الغش والاحتكار... أما بالنسبة للثروات وإنتاجها، وتكثيرها في المجتمع، فقد حث الإسلام على ذلك في سياسته لأمور المال، وجعل السعي لكسب النفقة فرضاً للفرد ولمن تلزمه نفقتهم، قال تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (الملك 15)، وقال عليه السلام: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» (البخاري). ومنع أن يعطى الفرد من مال الزكاة، وهو قادر على الكسب، ولا يعمل، قال عليه السلام: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» (أبو داود).

وهذا الحث على طلب الرزق الهدف منه، الكسب من الثروات كي ينفق على نفسه وعلى من تلزمه نفقتهم، وتكثير الثروة لدى الأفراد في المجتمع.

وبالإضافة إلى الحث على تكثير الثروة، كذلك حث الإسلام على التمتع بهذه الثروة وفق حدود ما أباحه الله في أحكامه، أي وفق طراز خاص من العيش لمجتمع إسلامي، قال تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (32 الأعراف).

وقد وضع الإسلام أسساً وقواعد وأحكاماً تضمن تحقّق هذه الأهداف لسياسة الاقتصاد في المجتمع، منها ما يتعلق بالبيان، ومنها ما يتعلق بالناحية العملية، أي بالدولة التي ترعى شؤون الناس. فالإسلام قد بين أولاً المصادر الرئيسية للثروة، وحصرها بأربعة مصادر، وهي الزراعة والصناعة، والتجارة، وجهد الإنسان. ثم بين الأحكام والقواعد التي تمكن الناس من حيازة الثروة من هذه المصادر، وتمكنهم التصرف والانتفاع من ذلك، وتضمن أيضاً توزيعها بينهم بشكل يحقق الأهداف العامة من سياسة الاقتصاد.

أما القواعد الاقتصادية والأسس التي تمكن الناس من الانتفاع بالثروة، وحيازتها، وتضمن توزيعها بين الناس فهي: الملكية، والتصرف في الملكية، وتوزيع الثروة بين الناس. وهذه ثلاثة خطوط عريضة، تندرج تحتها فروعيات كثيرة تؤدي إلى تحققها في واقع الحياة لدى الأفراد والدولة والمجتمع.

أما الناحية العملية للرعاية ـ أي ما يتعلق بالدولة ـ فإن الدولة كما قلنا هي الجهاز التنفيذي في الأمة التي تسوس الناس بأحكام الإسلام: في الاقتصاد، والحكم، والاجتماع، والسياسة. ولا تطبق أحكام الاقتصاد بشكل كامل إلا في ظل هذه الدولة. فالدولة هي التي تضمن إشباع الحاجات الأساسية للأفراد، فرداً فرداً ، لكل من يحمل التابعية لهذه الدولة، وهي التي تمكن الناس كذلك من إشباع حاجاتهم الكمالية لجميع الأفراد، حسب طاقاتها، وهي التي ترعى وتوفر حاجة الناس في التعلم، وفي الطب.

وقد رأينا عجز النظام الرأسمالي عن هذه الناحية، عندما ترك للأفراد رعاية شؤون أنفسهم عن طريق جهاز الثمن، باعتباره المنظم الوحيد للتوزيع، وكيف قامت المؤسسات الترقيعية على النظام لتسد الثغرات، فقامت مؤسسات الضمان الاجتماعي، والجمعيات الخيرية، وجمعيات مساعدة الفقراء...

أما نظرة الإسلام فهي نظرة شاملة، تحقق العدل، والاستقامة، نظرت إلى الإنسان بوصفه إنساناً فيه حاجات لا بد من إشباعها، وبوصفه فرداً لا بد من إشباع هذه الحاجات عنده، وبوصفه فرداً يعيش في مجتمع له طراز خاص من العيش. فالناس في أي مجتمع بشري يوجد فيهم من لا يستطيع تحقيق إشباع حاجاته بنفسه بسبب عدم قدرته على الكسب، وهناك أناس تلحق بهم جوائح كالحريق، والأعاصير، وهناك أناس يعملون ولا يستطيعون إيفاء حاجاتهم. وهؤلاء جميعا لا بد من وجود أحكام تعالج شؤونهم، لذلك كانت الرعاية من قبل الدولة في الإسلام لمثل هؤلاء الناس.

وقد وضع الإسلام نظاماً اقتصادياً فريداً يمكن الإنسان من ضمان إشباع حاجاته الأساسية يبدأ أولاً بالفرد نفسه، وينتهي بالدولة. وقد ذكرنا ما يتعلق بالفرد من حيث الحث على النفقة والكسب، وجعل ذلك فرضاً على الفرد لقوله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (الملك 15).

والدولة ترعى هذا الأمر، فتمنع من جلس عن الكسب وهو قادر عليه، وفي نفس الوقت غير مستوف لحاجاته الأساسية، وغير قائم بالنفقه على من تجب عليه نفقتهم. فالدولة تحث الفرد على ذلك، وتسهّل له الأمور، وتقّدم له ما يمكّنه من العمل، من عون ماليّ أو إرشادي، ولا تقبل من الفرد أن يكون عالةً على غيره من الناس، أو أن يكون عالةً على الدولة. فقد ورد عن رسول الله أنه قال: «خير كسب المرء من عمل يده»، وقال: «إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها الصوم،ولا الصلاة، قيل: فما يكفرها يا رسول الله، قال: الهموم في طلب الرزق» (رواه أبو يضيم في الحلية).

[وقد وبّخ الإمام عمر رضى الله عنه أناساً جلسوا عن طلب الرزق بحجة التوكل على الله، وعندما سأل من هؤلاء؟!، قالوا ـ أي الصحابة ـ: هؤلاء المتوكلون، قال: كلا هم المتأكّلون، يأكلون أموال الناس. ألا أنبئكم من المتوكلون. فقيل نعم فقال: هو الذي يلقي الحبّ في الأرض ويتوكل على الله]. والناظر في كلام عمر رضى الله عنه يرى فيه إنكاراً وتوبيخاً لهذا الصنف من الناس، ولم ينكر الصحابة رضوان الله عليهم عليه هذا الفعل. والإمام رضى الله عنه فعل ذلك بوصفه راعياً للشؤون.

والأحكام الشرعية بوصفها تسوس أمور الاقتصاد بشكل كامل متكامل، فقد طلبت من الفرد الإنفاق على أناس معيّنين، وأوجبت ذلك، ورتّبت عقوبةً من الله تعالى، ومن الدولة، بوصفها ترعى الشؤون، إن قصر الفرد عن فعل ذلك وهو قادر. فقد طلبت الأحكام الإنفاق على الولد، وعلى الأقارب ممن يرثون الأقرب فالأقرب، وأوجب ذلك على الأصل وإن علا، وعلى الفرع وإن نزل، وجعل لذلك سبباً وهو عجزهم أو عدم قدرتهم عن ذلك، وفي نفس الوقت قدرة من تجب عليه النفقة على الإنفاق. قال تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك (البقرة233). وقال: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم (6 الطلاق). وقال عليه السلام في نفقة القريب على قريبه: «إبدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا، وهكذا يقول فبين يديك وعن يمينك وشمالك» (رواه مسلم).

وهذا النظام الفريد لا يوجد إلا في أحكام هذا الدين العادلة، فهو غير موجود في النظام المادي الرأسمالي القائم على المصالح، والمنافع الدينوية، غير المرتبط بالناحية الروحية إطلاقاً. فلو مات القريب جوعاً، لا يلتفت إليه قريبه الغني ولا يعرفه، ولا يتعرف الوالد على ولده بعد البلوغ، ولا الولد على والده إلا في مناسبات معينة في العام، ولا يعرف إن جاع، أو احتاج، أو غير ذلك من جوائح الدنيا.

هذا بالنسبة لنفقه الفرد على نفسه، ونفقه الأقارب ممن تجب عليها النفقة، ورعاية ذلك بتقوى الله أولاً ومن قبل الدولة.

أما إن حصل القصور من الفرد، وممن تجب نفقتهم، وذلك بسبب العجز المادي عن ذلك فإن الدولة بوصفها راعيةً للشؤون تضمن إشباع الحاجات الأساسية للأفراد، وتسعى لتمكينهم من إشباع حاجاتهم الكمالية حسب طاقتها. فقد قال عليه السلام مبينا رعاية الدولة: «الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري)، وقال: «من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاً فإلينا» (رواه مسلم)، ومعنى كلاً، أي ضعيفاً غير قادر على الكسب، ومعنى إلينا، أي إلينا تسند إعالته وكفاية أمره. وكان عمر رضي الله عنه يقول: "أنا أبو العيال" وذلك بوصفه خليفة للمسلمين.

فالدولة تنفق على هؤلاء الناس، ممن عجزت حالهم عن الكسب، وممن عجز أقرباؤهم عن ذلك، تنفق عليهم من بيت مال المسلمين، فإذا لم يوجد في بيت المال ما يكفيهم، اقترضت الدولة أموالاً من أغنياء المسلمين، ثم تسدهم من بيت المال بعد ذلك، فإن تعذر عليها ذلك فرضت ضريبة في أموال الأغنياء بقدر الحاجة، لقول الرسول عليه السلام: «أيما أهل عرصةٍ بات فيهم امرئ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى» (رواه أحمد).

وهذا الأمر من الرعاية العامة في دولة الإسلام لا يوجد في أنظمة الكفر الفاسدة، فقد تجد من يعيش على أكياس القمامة في أرقى ضواحي لندن، أو باريس، أو نيويورك، وتجد بجانب هؤلاء أصحاب الشركات العملاقة، وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة، وحتى الدولة لا ترحمهم إذا استحق قسم منهم دفع الضريبة، وهو لا يملك، وقد تضعه داخل السجن بدل مساعدته، وسد عوزه. فالنظام الغربي هو نظام جباية، ومص لدماء الناس، وليس نظام رعاية كما هو الإسلام. لذلك حق لنا أن نقول، إن النظام الغربي نظام يولد الفقر، ودين الإسلام نظام يقضي على الفقر.

هذا بالنسبة لرعاية شؤون الناس في الحاجات الأساسية والكمالية، أما بالنسبة لتوفير حاجة الناس في العلم والطب، فإن الدولة تطبق أحكام الإسلام التي تحارب الجهل، وتحافظ على الصحة العامة للرعية. وترعى هذا الأمر لجميع الناس، لأن الإسلام جعل رعايتها لجميع الناس من قبل الدولة، فقد قال عليه السلام: «إن من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل» (رواه أحمد)، وفي هذا إشارة إلى حرب الجهل والأمر بالتعلم، وقال عليه السلام: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» البهيقي (شعب الإيمان). وقد وظف الإمام عمر رضي الله عنه المعلمين، يعلمون أبناء المسلمين، وكان يرزقهم كل واحد منهم خمسة عشر كل شهر ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.

أما بالنسبة للطب، فقد قال عليه السلام: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء غير داء واحد الهرم» (رواه الحاكم). وقد جعل النبي عليه السلام طبيباً أُهدي إليه من مصر، جعله عاماً بجميع المسلمين. وفي هذا اهتمام وتكريم من الحق تبارك وتعالى لهذا الإنسان المكرم.


يتبع
أبو دجانة
بقيت مسألة تتعلق بسياسة الاقتصاد وهي تحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع. فالإسلام في سياسته لأمور المال، يمكن الفرد من الانتفاع بالثروة، ومن حيازتها، ويضمن حاجاته في الدولة، كذلك يحقق التوازن الاقتصادي ويقضي على التفاوت الفاحش بين الناس.

أما الأحكام التي شرعت وتتولى الدولة تنفيذها لتحقيق هذه الغاية فهي:-

أولاً: جعل المال دُولة في أيدي الناس، وليس في يد فئة معينة. ومن أجل ذلك تعطي الدولة أفراداً معينين من أموال الغنائم، أو من الأملاك العامة للدولة، وقد أعطى رسول الله المهاجرين دون الأنصار من فيء بني النضير تطبيقاً لقوله تعالى﴿: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (الحشر 7). ومعنى قوله كي لا يكون دولة، أي حتى لا يكون المال محصوراً بفئة دون أخرى.

أما الحكم الثاني فهو منع الكنـز للمال وتحريمه. قال تعالى: ﴿والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34 التوبة). فوجود المال متداولاً بين أيدي الناس يعمل على اكتساب الثروة وزيادتها، وعلى رفع مستوى الدخل، وذلك أن المال هو أداة التبادل بين مال ومال، وبين مال وجهد، وبين مال وسلع أو خدمات، وإذا اختفت الأموال من أيدي الناس وكدست وخزنت لغير حاجة، فإن ذلك يسبب قلة المشاريع والأعمال، وبالتالي يؤثر على المكتسبات المالية لدى الأفراد. فبقدر ما يكون المال متداولاً بين الأيدي، وعاملاً في المشاريع، بقدر ما يزداد الإنتاج بشتى أنواعه في البلد، وزيادة الإنتاج يؤدي إلى انخفاض الأسعار، وإلى زيادة الأجور للعمال، وهذا يؤدي إلى تقليل التفاوت بين الناس في الثروات.

أما إذا حصل العكس، أي إذا خزن المال وأغلق عليه لغير حاجة، فإن التبادلات المالية تقل، والمشاريع تنقص، وبالتالي تقل الأيدي العاملة، وتنخفض الأجور لكثرة العمال وقلة المشاريع، وترتفع الأسعار، وهذا بالتالي يؤدي إلى انخفاض مكتسبات الناس المالية.

وكما حرص الإسلام كل الحرص على وجود المال متداولاً، ومنع كنـزه، كذلك فإن الإسلام منع جميع التصرفات، والمعاملات، والعلاقات المالية التي تؤدي إلى تكدس المال لدى فئة من الناس دون أخرى، وتؤدي إلى الطبقية الفاحشة فحرم الإسلام الربا، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278 البقرة)، وحرم الاحتكار، قال عليه السلام: «لا يحتكر إلا خاطئ» (رواه مسلم). وحرم وجود التحكمات الاقتصادية سواء أكان ذلك عن طريق الأفراد أو عن طريق الدولة. فلا وجود في الدولة لشركات ضخمة على حساب الامتيازات الخاصة من الدولة لأناس معينين دون آخرين، كما هو الحال في النظام الرأسمالي، لتقوم بعد ذلك بفرض الأسعار واحتكار السلع كما تشاء. فالإسلام يفتح الباب على مصراعيه للجميع دون تمييز، ودون تحكمات في قطاع الصناعة أو التجارة، أو الخدمات.

والحقيقة أن الناظر في الأحكام الفروعية في نظام الإسلام يرى أنها كلها تحقق الغاية التي أرادها الله عز وجل، أي تحقق تمكين الناس من المال بالحيازة والانتفاع، وتحقق التوازن الاقتصادي وحسن توزيع الثروة بين الناس، وذلك بما شرعت من أحكام عادلة مستقيمة. ويرى كذلك أن الدولة هي الرقيب والراعي لذلك كله بوصفها قوامه على الأمة، وعلى نظام الإسلام، تقوم برعايتها، لا بمص دمائها كما هو حال الدول في النظام الغربي. فالدولة تتدخل كلما اقتضى الأمر، وأوجب الشرع عليها ذلك، فتمنع الربا وتعاقب على ذلك، وتمنع الشركات المساهمة وتعمل على محو مفهومها من الأذهان، وتعمل على فتح الباب للجميع في الصناعة والتجارة والزراعة، دون أي تحكم أو امتياز، وتتدخل في مسألة غلاء الأسعار بجلب السلع إلى الأسواق، وتجلب السلع من منطقة إلى أخرى بسبب الجفاف أو المحل.

وأقول مرة ثانية بأن من أراد الاستزادة في رؤية عدالة الإسلام، وحسن تنظيمه لشؤون الإنسان وحسن سياسته لأمور المال فعليه الرجوع إلى الفروعيات الفقهية في أمهات كتب الفقه كأحكام الملكية، وأحكام الانتفاع بالملك، والأحكام المتعلقة بتوزيع الثروة بين الناس، وهي القواعد التي قام عليها البناء الاقتصادي بشكل عام

يتبع
أبو دجانة
أثر فساد الاقتصاد الغربي في البشرية (6)
«العلاج الصحيح»


بقيت مسألة واحدة مرتبطة بالنظام الاقتصادي الإسلامي، ويظهر فيها حسن المعالجة لأمور المال وهي مسألة النقود. وقبل البداية بعرض شيء من التفصيل في هذه المسألة نتحدث قليلاً عن أهميّه النقود، وأهمية توفرها في الدولة.

النظام الاقتصادي كما قلنا هو تدبير شؤون المال بتوزيعه بين الناس، والنقد بشكل عام هو الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمناً للسلع، وأجرة للجهود، والخدمات، والمنافع، سواء أكان معدناً، أم غير معدن، وبه تقاس جميع السلع وجميع الجهود والخدمات.

وتبرز أهمية النقود، وأهمية توفرها في الدولة خاصة إذا كانت هذه الدولة تحمل مبدأ تريد نشره للعالم، وتواجه تحديات كبيرة من قبل هذا العالم. فالدولة صاحبة المبدأ تحتاج إلى القوة، وإلى الإمكانات الضخمة لحمل هذا المبدأ، وتحدي العالم به.

فالنقود في هذا العصر هي إحدى دعائم الاقتصاد، إذ بها تستطيع شراء الأسلحة وبها تستطيع شراء ما ينقص من مواد للرعية ولأمور الصناعة والنمو وغيرها، فلا بد من وقفة تبين الأحكام الشرعية المتعلقة بالنقود ومقارنة ذلك مع الفساد النقدي عند الغرب.

أما النقد في نظام الإسلام، وفي أحكام المعالجات، فهو أداة تبادل السلع وبه تقدر أجره الجهود والخدمات، وقد أقر الرسول عليه السلام ما كان موجوداً من تعامل بالنقود لذلك، عن طاووس عن ابن عمر قال: قال رسول الله : «الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» رواه أبو داوود. وروى البلاذري عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير قال: [وكانت دنانير هرقل ترد على أهل مكة في الجاهلية، وترد عليهم دراهم الفرس البغلية فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر، وكان المثقال عندهم معروف الوزن، ووزنه اثنان وعشرون قيراطاً إلا كسراً، ووزن العشرة دارهم سبعة مثاقيل، فكان الرطل اثنتي عشرة أوقية، وكل أوقية أربعون درهماً، فأقر الرسول  ذلك، وأقره أبو بكر وعمر وعثمان] (الأموال في دولة الخلافة).

وقد ربط الشرع أحكاماً معينة بالدينار الذهبي والدرهم الفضي ـ وهي النقود في ذلك الوقت ـ فحرم كنـزها، قال تعالى: ﴿والذين يكنـزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم التوبة: 34، وجعل الدية مقدرة بهما، قال عليه السلام: «وإن في النفس المؤمنة مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار».

من هذا نرى أن الإسلام قد أقر جعل الذهب والفضة ـ النقود ـ أداة تبادل السلع والمنافع بين الناس.

وقد وضع الإسلام أحكاماً لهذا النقد تمنع الظلم، سواء أكان ذلك بتكدس المال بين فئة معينة من الناس، وجعله دُولة بينهم، أو بالتحكمات النقدية التي تقود إلى استعباد الشعوب واستعمارها ومص خيراتها، وإيقاعها في دوامة لا تنتهي، ولا تقف عند حد، كما هو حاصل الآن في النظام النقدي. أما الأحكام الشرعية فهي متعلقة بطبيعة النقد ومقداره، وبأحكام التعامل به بين الناس. فمن خلال النظر في الأحكام الشرعية العملية المتعلقة بمعاملات الناس المالية، نرى أن الإسلام قد فرض الذهب والفضة أساساً للنقود في الإسلام. وهذا الفرض جاء كحكم شرعي عملي استنبط من إقراره عليه السلام، ومن ربطه لبعض المعاملات به، وتحريم بعض المعاملات كذلك، ثم اتباع الصحابة رضوان الله عليهم والخلفاء الراشدين من بعد الرسول لهذه الطريقة الشرعية. فقد أقر الرسول عليه السلام ما كان موجوداً في أيدي الناس من نقود كأداة للتعامل فيما بينهم، وربط أحكاماً شرعية عملية بالذهب والفضة، وحرم أحكاماً في البيع والشراء أي في الصرف.

فطبيعة النقد الشرعي هو الذهب والفضة، فهو الأساس الذي يوضع للنقود إن كانت ورقية أو معدنية. أي يجب أن يكون غطاء لأية قطعة نقدية معدنية أو ورقية ـ تصدر في حدود الدولة، دون زيادة ولا نقصان. أما الوزن الشرعي لذلك فهو 4.25 غراماً للدينار الذهبي، و2.975غرام فضة للدرهم الفضي. وهذا النظام النقدي ـ الذهب والفضة ـ وحده القادر على تحقيق الاستقرار النقدي، ويقضي على المشاكل النقدية في العالم الآن.

فعندما تحدثنا عن المشاكل النقدية العالمية رأينا أن سببها هو اتخاذ الدولار الأميركي أساساً للنقد في العالم، وهذا الأساس كما رأينا اتخذته أميركا سلاحاً ضد الشعوب، وأداة لنهب خيراتها، ووسيلة لتربعها على رؤوسها، واستعمارها واستعبادها. ورأينا أنه السبب في مشاكل التضخم النقدي، وفي انهيارات الأسواق العالمية، وفي النكسات النقدية عند الدول والشعوب. كذلك كان سبباً في عدم الاستقرار النقدي الذي قاد إلى جميع هذه المشاكل. فلا بد من وجود نقد يقضي على كل هذه المشاكل النقدية بما يتصف من أوصاف تؤهله لذلك.

والناظر في الذهب والفضة يرى أن فيها أوصافاً تجعلها مؤهلة لأن تكون عملة عالمية تحقق العدالة، وتنشر الاستقرار النقدي، وتقضي على كل المشاكل النقدية. وهذه الميزات هي: أولاً: الذهب والفضة سلعة كبقية السلع، لها تكاليف إنتاج وصناعة، والطلب عليها هو كالطلب على أية سلعة ذات قيمة في ذاتها فلا تستطيع الدول أن تصنع ما تشاء وتزج في الأسواق كما هو في الأوراق الإلزامية التي ليست لها أية قيمة في ذاتها سوى القانون الذي فرضها على الناس قانوناً للتبادل.

ثانياً: عملية إغراق الأسواق بالذهب والفضة، عملية لها تكاليف، إما باستخراجه وإما بشرائه مقابل سلع ومنافع وخدمات تقدمها بدل ذلك. والدولة التي تطرح الذهب في السوق تطرح عملة عالمية تنتجها جميع الدول، لا دولة معينة، وكل دولة قادرة على شراء السلع والخدمات به من تلك الدولة التي طرحت الذهب في الأسواق، أو من أية دولة.

ثالثاً: النظام الورقي ليس فيه ميزة الميزان الذاتي مثل الذهب والفضة، فالدول التي تستهلك أكثر مما تنتج في النظام النقدي تستطيع أن تطبع ما تشاء من النقود وخاصة إذا كانت دولة قوية متحكمة في الاقتصاد العالمي مثل أميركا، ولا تستطيع ذلك دولة مثل الأردن إلا داخلياً، لأنه يؤدي إلى إفقاد الدولة قيمة نقودها عالمياً. أما النظام النقدي في الذهب والفضة فله ميزة الميزان الذاتي، أي أن الدول التي تستهلك أكثر مما تنتج تضطر لإخراج كميات من الذهب والفضة خارج بلادها وهذا بالتالي يؤدي إلى انخفاض سلعها الداخلية، وارتفاع في الأسعار المستوردة ما يجعل الدولة تقلل من الاستيراد، وتفكر كثيراً قبل إخراج رصيدها الذهبي لخارج حدودها.

رابعاً: إن كون الذهب سلعة عالمية يجعله في أية دولة بقدر حاجة السوق. والسلع والخدمات تأخذ سعرها بقدر وجودها، أي بقدر وجود النقد. فإن كانت النقود قليلة في السوق فإن أسعار السلع والخدمات تنخفض تلقائياً ويزيد في هذا الانخفاض زيادة الإنتاج، فكلما ازداد الإنتاج، انخفضت الأسعار كذلك. وهذا بعكس النقد الإلزامي الحالي في الدول، فإنه بزيادة الإنتاج نرى ارتفاعاً في الأسعار وازدياداً في التضخم، نتيجة طباعة نقود جديدة وطرحها في السوق لسد الخلل في ميزان المدفوعات. والسبب هو كون هذه النقود ليس لها غطاء ثابت، وتتخذ لتحقيق أغراض سياسية داخلياً وخارجياً، وارتباطها كذلك بغطاء نقدي عالمي غير ثابت، يتخذ أداة استعمارية.

خامساً: إن عالمية الذهب كسلعة ونقد، وتمتع هذه السلعة بسعر صرف عالمي ثابت، فإن هذا يجعل العالم منفتحاً تجارياً دون أية قيود، أو رقابة أو خوف من الدول على سلعها أو نقودها الداخلية. فما عند الدول من نقد هو بقدر السلع والخدمات، وما يخرج منها كذلك هو تحصيل لسلع وخدمات، والدول لا تقوم بالمضاربات المالية بالذهب والفضة بسبب ثبات سعر الصرف لهما، وثبات قيمتها العالمية في جميع الدول سواء بسواء. وهذا يؤدي إلى انتشار العدل في نظام نقدي عالمي، لا تستطيع أية دولة اتخاذه وسيلة نهب، أو استعمار، كذلك يؤدي إلى نشاط الأسواق التجارية، وانفتاحها، ما يسهل تبادل السلع والخدمات، ويؤدي إلى انخفاض الأسعار وتوفر السلع، ومرد ذلك كله، بحبوحة في العيش للشعوب عامة.

هذا ما يتعلق بطبيعة النقد وبمقداره ـ أي بأوزانه ـ أما ما يتعلق بالأحكام المتعلقة بالمعاملات العملية لهذا النقد، فكما قلنا فإن الإسلام جعل النقود ثمناً للسلع، وأجرة للجهود، والخدمات والمنافع بشكل عام، فهو أداة التبادل بين الناس لتحقق هذه المنافع. وقد وضع الشارع أحكاماً شرعية تتعلق بهذا النقد في التعاملات، تضمن تحقق الغاية من وجود هذا النقد، وتمنع الظلم والاحتكار والتسلط بسببه. فوضع أحكاماً لتبادل النقود بالسلع والخدمات من حيث التقابض وكيفيته، ومن حيث تغير قيمة السلع مقابل النقد، أو تغير قيمة النقد مقابل السلع. وأوجب في أصناف معينة التقابض في المجلس، وأجاز التراخي في أصناف أخرى. كما وضع أحكاماً تتعلق بالنقد نفسه من حيث التعامل، فوضع أحكاماً تتعلق بالصرف، أي تبادل الأموال مع بعضها، سواء أكان ذلك من نفس الجنس أو بجنس غيره، قال عليه السلام: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه مسلم. ووضع أحكاماً للأوراق النائبة عن الذهب والفضة، كيف تكون، وكيف يتم التعامل معها. وكذلك منع الإسلام معاملات معينة يتحقق فيها معنى الربا، أو تكون هي الربا نفسها.

والتفصيلات في هذا الموضوع يطول شرحها، ونتركها للقارئ. ولكن نقول بأن طبيعة هذه المعاملات تمنع الظلم وتحقق العدل والاستقرار النقدي، وتمنع كذلك الاستغلال والتحكمات النقدية، والانهيارات في أسعار النقد كما هو حاصل الآن. ولو دققنا فيما يجري في أسواق المال لرأينا أن الخلل يعود لأمرين:

الأول: طبيعة النقود الموجودة، وتحكم الدول بها.

وثانياً: طبيعة المعاملات المحرمة التي ترتكز على الربا وعلى الصرف الخاطئ، فتتيح للحيتان من رؤوس الأموال الفرصة، وتمهد لهم الطريق لابتلاع أموال الناس عن هذه الطرق وخاصة أولئك الذي يتعاملون بالأسهم والسندات في الأسواق المالية.

أما في نظام النقد الشرعي فلا مجال لوجود هذه الثغرات التي يتصيد منها الرأسماليون أموال الناس، وثرواتهم، ومقدراتهم المادية. فلا وجود لتذبذب أسعار الصرف، ولا وجود للأسهم والشركات الرأسمالية، ولا وجود للربا المصرفي، التي تدفع هؤلاء إلى الجشع والاستغلال، ومص دماء الشعوب الفقيرة خارج بلادهم، أو دماء الطبقة الكادحة داخل بلادهم.

من هنا نرى أن نظام الذهب والفضة قادر على تحقيق العدل في نظام نقدي عالمي، ولا تستطيع ذلك الأوراق الإلزامية الصادرة عن الدول المتعددة التي تتخذ من الدولار الأميركي أساساً لها. بل على العكس فإن تلك الأوراق تجلب الشقاء والظلم للبشرية.
أبو دجانة
وأخيراً وبعد استعراض النظام الإلهي في شؤون الاقتصاد، في رعاية شؤون الناس المالية، وبعد مشاهدتنا للاعوجاج في أنظمة البشر الوضعيّة الوضيعة، والاستقامة في النظام الإلهي السامي الفريد العادل، نقول: إنه لحريّ بالمسلمين أن يعملوا بكامل طاقاتهم وجهودهم ليجعلوا هذا النظام في سدة الحكم بدل هذه الأنظمة الفاسدة الظالمة. وإذا ما رأت البشرية السعادة بكل معانيها، وتذكروا ما هم فيها من ظلم واعوجاج فإنهم سرعان ما يخلعون عن ظهورهم هذه الأوزار الثقيلة ليتحلوا بالإسلام.


إن هذا الأمر ـ بروز النظام الإلهي بشكل واضح جلي للناس ـ لا يكون إلا برعاية وراعٍ. أي لا يكون إلا في دولة تطبق هذا النظام، في الدولة والمجتمع، وتحمله رسالة خير وهدى للناس. فعلى حملة الدعوة بخاصة والمسلمين بشكل عام أن لا يهدأ لهم بال، ولا يقر لهم قرار إلا بذلك.

﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون

﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون

﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم

صدق الله العظيم.


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

[انتهى]
سردار
الحمد لله تعالى على نعمة الاسلام ونساله تعالى ان ييسر امر قيام خلافتنا التى تطبق الاحكام التى ارادها الله تعالى للعالم اجمع

لنتخلص من استرقاق الرأسماليه العفنة اللهم امين

اللهم هيء لنا من امرنا رشدا واجعل معونتك العظمى لنا سندا
احمد123
اسمحوا لي برفع الموضوع
احمد
إقتباس(احمد123 @ Mar 29 2010, 03:49 PM) *
اسمحوا لي برفع الموضوع


نسمح لك؟؟؟؟؟؟؟؟
بل رحمك الله رحمة واسعة فقد كنت ابحث عن هذا الموضوع فوفرت علي عناء البحث
فجزاك الله خيرا

اظن نفس الموضوع، وان كان مجددا ، نشر في الوعي حديثا( قبل 6 اشهر تقريبا؟؟) فان كان لديك دلالة على الخير فلا تتاخر رحمك الله
والسلام
احمد123
مفهوم النمو الاقتصادي و مقوماته

من مجلة الوعي

لعلي أطمع منك بدعوة اضافية أخي أحمد

wink.gif

http://74.125.77.132/search?q=cache:srU78x...=clnk&gl=ps
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.