المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
قوانين التفكير
منتدى العقاب > الديوان العام > قسم المواضيع المتميزة
1, 2
يوسف الساريسي
قوانين التفكير في ربط الدماغ المعلومات السابقة بالواقع:


على إثر النقاش الذي دار مع بعض الأخوة حول موضوع البدهيات وعلاقتها بالمعلومات السابقة الضرورية لعملية إنتاج العقل للأفكار، فقد ظهر لنا أنه من الضروري التعمق في عملية التفكير ذاتها وبالأخص ربط الدماغ المعلومات السابقة بالواقع التي هي جوهر عملية التفكير. ثم الانتقال في البحث بعد ذلك في مسألة البدهيات، ومحاولة الإجابة على السؤال: هل هي معلومات سابقة علمها الله لسيدنا آدم عليه السلام أم هي مفطورة في الدماغ؟

ومن خلال الرجوع إلى مرجعنا الرئيس وهو كتاب التفكير للشيخ تقي الدين رحمه الله ومحاولة بلورة ما يقوله بالنسبة [لخاصية الربط] فقد وجدنا أنه يقول أن العملية العقلية إنّما هي الحكم على الأشياء ما هي والحكم على الأشياء ما هي لا يتم إلاّ بعملية ربط. وربطٌ بمعلومات سابقة. ومن هنا كان لا بد من وجود معلومات سابقة لأية عملية ربط، فالمعلومات السابقة شرط أساسي ورئيسي للعملية العقلية، وخاصية الربط إنّما تربط المعلومات بالواقع. ودماغ الإنسان توجد فيه خاصية ربط المعلومات.

لكن الكيفية التي يربط الدماغ فيها بين المعلومات والواقع ليحكم على ماهيته لم يُتطرق إليها في كتاب التفكير. فكان لا بد من محاولة فهمها وإدراكها إدراكا واعيا، ولما كنا ندرك أن عملية التفكير هي علاقة بين سبب أي الطاقة الفكرية الفاعلة في الواقع المحسوس المنقول إلى الدماغ والربط بالمعلومات السابقة المتعلقة بهذا الواقع، وبين المسبَّب هو الحكم الصادر من العقل على الواقع (الفكر الناتج). فإن عملية الربط التي تحصل في الدماغ هي علاقة بين سبب ومسبَّب أي علاقة سببية.

وندرك كذلك أن العلاقة السببية بين السبب والمسبب تتحرك وفق قوانين معينة تؤدي إلى حصول النتيجة وهذه قاعدة عامة شاملة فيما يتعلق بالعلاقة السببية، فلإنتاج المسبب وهو هنا الفكر لا بد من قوانين حاكمة لعملية التفكير، فما هي قوانين التفكير تلك التي تحكم عملية الربط في الدماغ الإنساني؟

وإذا حددنا قوانين التفكير استطعنا الانطلاق للحكم على البدهيات. فهل البدهيات هي تلك القوانين الضرورية اللازمة لعملية الربط أم أنها تلك المعلومات السابقة الأساسية والأولية اللازمة في عميلة الربط؟

قوانين التفكير في كيفية ربط الدماغ المعلومات السابقة بالواقع:

وقوانين التفكير التي تم البحث عنها قد تكون كثيرة ولكن هدانا الله لبعضها مما يشكل الأساس الذي يمكننا البناء عليه لاحقا وهي كالتالي:

1. الهوِّية: يسمي الدماغ الأشياء بتحديد أجزاء معينة وربطها معا وإعطائها وصفا كيانيا أي هوية خاصة.
2. يعطي الدماغ لكل كيان معنى يتعلق به كالإنسان والقمر والفيل ويحدد صفات هذا الكيان مثل الشكل واللون والثقل والرطوبة والحرارة ويحدد لوازمه وارتباطاته بما حوله (شروط).
3. يخزن الدماغ صورة الكيان ومعناه وصفاته ولوازمه في الذاكرة.
4. يميز الدماغ بين الكيانات المختلفة من خلال تجريد معاني مشتركة ومختلفة بينها ويحاول تكوين نماذج الفكرية مجردة يختزنها في الذاكرة.
5. الأصل هو حالة الاستقرار لجميع أشياء الكون لوجود صفة الاحتياج والعجز والقصور الذاتي فيها، فيبقى كل كيان على ما هو عليه مطابقة لأصله السابق في الذهن وعدم تغيره.
6. يقوم الدماغ من خلال المطابقة أي مقارنة التشابه بين الصورة الذهنية السابقة والواقع المحسوس للكيان بالحكم على هوية هذا الكيان، فإذا تطابقا حكم الدماغ بالشبه وأعطاه الهوية الكيانية السابقة التي في الذاكرة ويميز الدماغ التشابه من خلال مفهوم التساوي.
7. يستخدم الدماغ التمايز بين الاستقرار والتغير في حالة الكيان عبر الزمان والمكان، ومعنى الاستقرار أن الأشياء تميل إلى الكسل والهدوء والسكون والثبات أما التغير فهو التحول في حالة الكيان واكتساب النشاط والطاقة والفعالية.
8. الوضع الطبيعي في الأشياء أنها تميل إلى الاستقرار وتقاوم التغير، فإذا حكم الدماغ بحصول التغير في حالة الكيان حكم بحصول التغيير جبرا عن هذا الكيان بتأثير خارجي (سبب) أكسبه طاقة منشطة فعالة أدت إلى الحركة عبر الزمان والمكان أي حصول التغير (السببية).
9. التغير يعني انتقال الكيان من حالة إلى أخرى ويميز الدماغ ذلك من خلال المقارنة بين الأضداد الزوجية أي حالة الشيء وضدها كأكبر وأصغر في الأبعاد والأحجام والأجسام وأكثر وأقل في الأعداد وأقرب وأبعد في المسافات وأثقل وأخف في الأوزان وأحر وأبرد وأجف وأرطب وأخشن وأملس وأبيض وأسود والساكن والمتحرك والنور والظلام وغير ذلك من مفاهيم الأضداد.
10. يدرك الدماغ مفهوم الزمن من خلال إدراكه لسير عمليات التغيير الذي تحصل لحالة الأشياء وحركتها فيستدعي الدماغ من الذاكرة الصور الذهنية لكيان معين أو مجموعة من الكيانات بشكل سلسلة متوالية ومرتبة لتمييز الأوضاع المختلفة للكيان فيعطي لكل وضع صفة التغير بالمقارنة مع ما قبله وما بعده، وهذا هو معنى الوقت، وذلك مثل صور تلفزيونية متتابعة، فيميز الدماغ مفهوم الوقت من خلال معاني التسلسل والترتيب والتوالي والتساوي. فرؤية القمر وتغير منازله والشمس وحركتها من الشروق إلى الغروب بشكل متكرر ومتساوي ومتسلسل تعطي مرجعية لإدراك مفهوم الوقت والزمن. فالتغير الذي يحصل للأشياء وارتباط التغير للشيء بغيره وكل عمليات التغيير التي تحصل عبر نفس المكان تعني التزامن أي اللحظة الزمنية ومتوالية اللحظات الزمانية تعني الوقت.
11. لا يحب الدماغ الجهل والغموض بل يميل دائما إلى الربط بين الكيان الذي يحس به مع نمط معروف له في الذاكرة تهربا من الغموض والجهل. لذلك يحاول الدماغ القيام بعملية التعميم لإنتاج نماذج معينة للمعاني التجريدية المشتركة بين الكيانات المختلفة.
12. يستخدم الدماغ عملية البناء والحذف للحكم على التشابه والاختلاف، فيقوم من خلال عملية البناء بملء الفراغات بين الأجزاء غير الموجودة أو غير الواضحة له فيكملها ويعطيها روابط معينة بناء على الصورة الذهنية السابقة التي يستدعيها من الذاكرة، ويقوم من خلال عملية الحذف والترشيح بإهمال بعض الأجزاء الموجودة ويلغيها للحصول على مطابقة مع الصورة الذهنية السابقة التي يستدعيها من الذاكرة
13. يستخدم الدماغ كذلك عملية التحريف بالانتقاء والإهمال للحكم على التشابه والاختلاف، فيقوم بانتقاء بعض الجوانب والتركيز عليها وإعطائها وزنا أكبر مما هي عليه في الواقع الخارجي الذي يحس به، ويقوم كذلك من خلال عملية التحريف بتقليص وتقليل وزن بعض الجوانب الأخرى وإهمالها.
14. إذا أنتجت المقارنة وجود صورة مقاربة لما لديه مع وجود اختلاف قليل بين الكيان الخارجي المحسوس عن الصورة الذهنية السابقة له في الذاكرة حكم بالتشابه وأعطى هذا الكيان المحسوس عين الهوية السابقة في الذاكرة.
15. إذا أنتجت المقارنة وجود صورة مغايرة بوجود اختلاف وتمايز بين الكيان الخارجي المحسوس عن الصورة الذهنية السابقة له في الذاكرة بحيث يخرجه عن حدود الهوية يقوم الدماغ بمحاولة إعطاء الكيان الجديد اسما وهوية جديدة مغايرة للأول
16. يربط الدماغ هوية الكيان الجديد بالنماذج الفكرية المجردة المختزنة في الذاكرة لينتج معنى يعرف به الكيان الجديد يعطيه هوية جديدة، ويحاول ربط معنى الكيان الجديد بصفات معينة ولوازم (شروط) متعلقة بهذا الكيان.


البدهيات:

البدهيات هي حقائق ضرورية لا تحتاج إلى برهان، أي أنها تفرض نفسها على الذهن بحيث لا يحتاج إلى برهان لإثباتها. ويجمع العقلاء على صحتها واعتمادها كأصول ضرورية لازمة، وهي تعتبر أسسا وقواعد أولية ومقاييس تبنى عليها باقي الأفكار، وبراهين لإثبات صدق غيرها من الأفكار.

ونحاول هنا أن نذكر أهم الأفكار البديهية وكيفية استنادها المباشر إلى قوانين التفكير المذكورة أعلاه، وإمكانية استنتاج بديهيات أخرى من خلال ربط قانونين أو أكثر من قوانين التفكير ببعضها. وأهم البدهيات المتعارف عليها:

1. التناقض: هو كون الشيء موجود في حالتي الضد في نفس الزمن وهذا يخالف مفهوم الهوية عن الشيء ومفهوم سير التغير عبر الزمن لذلك يرفضه العقل.
2. بطلان الرجحان بدون مرجح: يدرك الدماغ معنى ميل الأشياء إلى الاستقرار ومعنى التغير الذي يحصل في الأشياء جبرا عنها لعجزها الأصلي، ويدرك أن التغير يحدث بتأثير الغير وهذا الغير هو العامل المغير ويستنتج من الربط أن غياب المرجح (العامل المغير) يعني غياب التغيير (الرجحان). فيرفض العقل الرجحان بدون مرجح.
3. السببية: يدرك الدماغ معنى ميل الأشياء إلى الاستقرار ومعنى التغير الذي يحصل في الأشياء جبرا عن حالة عجزها الأصلي ويدرك أن التغير يحدث بتأثير الغير وهذا الغير هو العامل المغير أي السبب. وحالة الشيء بعد حدوث التغيير هي المسبَّب. والربط بين الشيء وحالته قبل التغير وبعده والعامل المغير هي علاقة السببية. فيستنتج الدماغ أن السبب ينتج المسبب حتما وأن المسبب لا ينتج إلا عن سببه.
4. الاحتياج: يدرك الدماغ معنى ميل الأشياء إلى الاستقرار ومعنى التغير الذي يحصل في الأشياء جبرا عن حالة عجزها الأصلي ويدرك أن التغير يحدث بتأثير الغير وهذا الغير هو العامل المغير ويستنتج أن الشيء يحتاج إلى غيره ليتغير فيثبت لجميع الأشياء وصف الاحتياج.
5. الجزء أصغر من الكل: يدرك الدماغ هوية الكيان من خلال الجمع بين أجزائه ويدرك صفات الأضداد أكبر وأصغر وإذا قارن بين الكيان وأجزائه حكم بأن الجزء أصغر من الكل ويدرك أنه من المحال أن يكون الجزء أكبر من الكل.
6. بطلان الدور: أي أن يتوقف وجود الشيء أو تكييفه على شيء آخر إلا أن هذا الشيء الآخر متوقف على الشيء الأول (الحلقة المفرغة). يدرك الدماغ معنى هوية الشيء وارتباطه بشروط معينة واحتياجه إلى الغير، ومفهوم التغير في الشيء، ويدرك معنى الترتيب والتوالي في سير حالة التغير في الشيء عبر الزمن وأن وجود العامل المغير يسبب حدوث التغيير في حالة الشيء ووجوب سبق السبب للمسبَّب من ناحية زمانية ويدرك معنى الأضداد باستحالة أن يكون الشيء سببا ومسببا في نفس الوقت لذلك يرفض أن يكون السبب المغير مسببا عن الشيء الذي يحتاج إلى التغيير وهذا يبطل الدور.
7. بطلان التسلسل: يدرك الدماغ مفهوم التسلسل من خلال مفهوم التغير في الشيء ومعنى الترتيب والتوالي في سير حالة التغير في الشيء عبر الزمن ومعنى العلاقة السببية بين الكيان والعامل المغير والحاجة إلى وجود السبب قبل المسبب، وهذا يستلزم أن تكون الحالة الأصلية للأشياء هي التغير وهذا يناقض المعنى المستقر في الدماغ أن الحالة الأصلية للأشياء هي الاستقرار، فيحكم ببطلان التسلسل لأن الأصل خلافه.

وهناك بديهيات أخرى يمكن استنباطها من قوانين التفكير كالقول بأن مجموع المحدوات محدود وأن الذوات تقسم إلى ممكن ومحال وواجب وغير ذلك.

أرجو من الإخوة الكرام التمعن فيما ذكرته ونقده والتعقيب والإضافة عليه لما له من الأهمية في فهم ماهية العقل والتفكير وعملية الربط ووضع الأفكار في نصابها تجنبا من الوقوع في زلل الفكر. بانتظار آرائكم.

وسبحان الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم

والسلام عليكم
يوسف الساريسي
السلام عليكم

عرضنا في المقالة الأصلية السابقة لموضوع قوانين التفكير وكان مما عرضناه مسألة إدراك الذهن لمسألة الزمن، وقد جرى حوار حول تعريف الزمن مع بعض الإخوة في قسم الثقافة العامة، ولما كان الموضوع متعلقا ببعض ما طرحناه هنا، فقد ارتأيت أن أذكر جزءا مما ورد هناك مما يلقي بالضوء على أحد القوانين الواردة هنا حول الإدراك الذهني في الدماغ لمسألة الزمن والوقت، لعل ذلك يثري الموضوع ويقوم بعض الإخوة بالتفاعل، وأدرك أن الموضوع جامد وصعب، ولكن يا حبذا لو قام بعض الشباب بمداخلات جزئية يمكن من خلالها تطوير الموضوع وتحسينه.

فيما يتعلق بمسألة الزمن لا بد أن نقرر الأمور التالية:

1. يتعلق الزمن بوجود الأشياء وبدونها لا وجود له.
2. لا يرتبط فهم الزمن بالأشياء الساكنة ابتداء ولكنه يرتبط بالتغير الذي يحدث في الأشياء.
3. هناك علاقة طردية بين التغير والوقت فمقدار التغير في الأشياء يرتبط ويحتاج لمقدار معين من الوقت.
4. التغير في الأشياء يعني انتقالها من حالة إلى أخرى بتأثير غيرها.
5. لا يحدث التغير في الأشياء إلا بأسباب معينة والسبب هو الشيء الذي يملك الطاقة السببية النشطة الفاعلة المؤثرة في الغير.
6. هناك اقتران بين السبب والنتيجة (المسبَّب) وهو ما يسمى بعلاقة السببية، وارتباط حدوث النتيجة بسببها يلزمه مقدار زمني معين من تأثير الطاقة السببية على الأشياء لتغيير حالتها التي هي فيها إلى حالة جديدة نسميها النتيجة. وعند بداية عملية الفعالية السببية من قبل السبب وبعد مضي فترة من الوقت تحصل النتيجة تاليا أي متأخرة في الترتيب.
7. مقدار الطاقة السببية الفاعلة والمؤثرة على الأشياء لفترة زمنية معينة ينتج مقدارا محددا من التغيير فيها.
8. هناك ارتباط بين الطاقة السببية الفاعلة والوقت، فالطاقة بحاجة إلى الوقت وبدون الوقت يكون تأثير الطاقة السببية لإحداث التغيير في الأشياء يساوي صفرا وكلما زاد الوقت زاد مقدار الطاقة السببية المؤثرة، فلا بد من امتزاجهما معا.
9. لا ندرك -نحن البشر- الوقت بذاته بل ندركه من خلال احتياج الطاقة السببية له لإحداث التغيير المطلوب في الأشياء، وبالتالي فماهية الوقت غير مدركة لنا مباشرة بل تدرك من خلال آثاره. فالوقت قيمة مقترنة بالطاقة السببية وقيمة الطاقة ترتبط بمقدار إحداث التغيير في الأشياء.
10. الوقت ليس قيمة مطلقة في الكون بل هو نسبي وقيمته ترجع إلى النظام السببي الذي يقاس فيه.وبتغير النظام السببي تتغير قيمة الوقت.
11. إن مقدار التغير في الأشياء يختلف من شيء إلى آخر ويؤخذ مقياس وحدة التغير في أحدها ليكون مقياس الوقت، ويقاس التغير في الأشياء الأخرى بالنسبة لوحدة القياس المعتمدة هذه كالساعة واليوم والسنة.
12. الوقت هو ما يحتاجه مقدار معين من الطاقة السببية الفاعلة ليكون كافيا في إحداث مقدار معين من التغيير في شيء ما. فالوقت شرط لازم يتحكم في كمية انتقال الطاقة السببية بين السبب والمسبب للوصول إلى النتيجة أي التغيير.

والخلاصة أن الزمن هو متوالية اللحظات الوقتية اللازمة لحصول حوادث التغيير السببية المتسلسلة، وماهيته غير مدركة لنا بالحواس مباشرة بل من خلال آثاره. لأن الوقت قيمة مقترنة بالطاقة السببية فلا فعالية سببية ولا تغيير بدون وقت ولا يدرك الوقت إلا بواسطة امتزاجه مع عملية التغيير السببي. والزمن ليس الحدث بل إن حصول الحدث التغييري يكون الزمن أحد لوازمه. وبالتالي فإننا لا نستطيع الحكم على الزمن بأنه مادة أو طاقة أو غير ذلك، لأنه ليس بالضرورة أن ما يحس أثره أن يكون مادة أو خاصية للمادة كما نحس بوجود الروح في الجسم الحي من خلال آثارها وهي وجود طاقة الحياة في الأحياء التي تدفعها إلى الحركة والنمو والتكاثر وإشباع الغرائز والحاجات العضوية، ووجود الله كذلك مدرك من آثاره في مخلوقاته ولكن ذاته غير مدركة.

بانتظار مشاركاتكم رفع الله درجاتكم
خليفة
نقول هنا أخي الكريم يوسف ما قلناه هناك، وبدل تكراره سأضع الرابط فقط:

http://www.alokab.com/forums/index.php?sho...467&#entry44467
عابد الرحمن
سلام عليكم يا شيخ يوسف والإخوة

القول < الحكم على واقع ما هو ؟> يحتاج لتفصيل

فما المقصود بـ ما هو؟ هل اسمه ، هل يشمل الحكم عليه أمحدود هو ؟

على قراءتي للموضوع - غير المتأنية لضيق الوقت- فإن كل ما طُرح يتحدث عن الحكم على الشيء هل هو شجرة أم جبل مثلاً ؟

أين تفصيل هل الكون محدود مثلاً ؟


وبارك الله فيك على ما قدمت .
يوسف الساريسي
أخي يا عابد الرحمن

ونعم عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا

لم أقصد أخي العزيز من طرح الموضوع إعطاء تفاصيل، ذلك أنه يتعلق بأسس أسميتها "قوانين التفكير"

أما سؤالك عن الحكم على الواقع ما هو، فالجواب عليه هو أن هذا هو تعريف العملية الفكرية كما أورده المرحوم الشيخ تقي الدين في كتابه العظيم التفكير.
والمقصود بــ (ما هو) أي الماهية أو الكنه أي حقيقة الشيء

وهذا يعني إصدار الحكم على الشيء في عدة نواح نذكر منها اسمه ومسماه وصفاته وشكله وخاصياته وما يتعلق به وما يلزمه من شروط واحتياجات وما يكتنفه من أحوال وكيف يتصرف وينتقل من حال إلى حال بتأثير الأسباب الفاعلة فيه والقوانين التي تكتنفه ومجالات الانتفاع به واستخدامه من قبل الإنسان ...الخ

أما قوانين التفكير فيمكن استخدامها للحكم على ماهية الأشياء من خلال استنباط أفكار معينة بربط هذه القوانين ببعضها كتحديد البديهيات من مثل "استحالة اجتماع النقيضين" ومن مثل "مجموع المحدودات محدود".

أما طلبك حول تفصيل هل الكون محدود، فأقول وبالله التوفيق:
إن الدماغ يربط قانون الهوية للشيء (الجرم) وشكله المجسم في ذاكرته وكذلك يفعل مع الجرم الثاني والثالث والرابع وهكذا ويربط مجموع هذه الأجرام كأنها كيان واحد جديد يعطيه هوية خاصة هي [الكون].

ويدرك أن لكل جرم منها جسم ومعنى الجسم هو وجود هيأة أو شكل محدد له، ومعنى ذلك أن الجسم يبدأ عند نقطة وينتهي عند نقطة أخرى، وأن الدماغ إذا أحس بجزء معين من الجسم أدرك أن الجسم له شكل محدد مكون من مجموعة أجزاء لها الوصف الكياني حتى لو لم ير آخره وهذا آت من مفهوم الهوية ومن معنى الوصف الكياني.

فإذا أحس الدماغ ببعض الأجرام التي هي أجزاء من الكون الفسيح أدرك أن الكون محدود لأنه مجموعة أجزاء هي الأجرام حتى لو لم يقع حسه عليها جميعها من أولها إلى آخرها فبمجرد أن يضع إصبعه على جزء منها فقد أثبت محدودية هذا الجزء المكون لها وأدرك أن ما يزيد هو عدد الأجزاء المحدودة ولكن الكيان المكون لمجموعها يجب أن يكون محدودا لأن ما يزيد هو محدود يضاف إلى محدود سبقه، فيثبت أن الكون محدود من فهمه هذا.

بالإضافة إلى إدراك الدماغ لبديهية أخرى هي بطلان التسلسل فيدرك أن الأجزاء مهما تعددت فإن لها نهاية تنتهي عندها ويكون مجموع ما له نهاية محدود، لأن الجزء المكون للمجموع هو جسم محدود ويكون المجموع الكلي محدود أيضا. فيثبت أن الكون محدود من خلال إدراكه لبديهية أن مجموع المحدودات محدود.

ويمكن للدماغ الحكم على محدودية الكون من خلال ربط محدودية الجزء (الجرم) في المكان (الجسم) مع مفهوم الزمن فيحكم بوجوب محدودية عمر الجرم لتلازم الصفتين من ناحية وصف المحدودية أي المكان والزمان، فيدرك أن الجرم قد بدأ وجوده عند لحظة معينة في الزمان حتى ولو لم يشهد تلك اللحظة ويعرف إنه سينتهي عند لحظة معينة أيضا، وبما أن الكون هو الكيان الذي يشمل مجموع هذه الأجرام وكل جرم له عمر محدود فيحكم بمحدودية عمر الكون.

وإذا أدرك الدماغ المحدودية في الكون ومفهوم وجود صفة العجز فيه بربط ذلك بمفهوم الاستقرار، أدرك وجوب وجود من وضع له تلك الحدود في الزمان والمكان وربط ذلك بمفهوم السببية أي العلاقة بين السبب والمسبب وعرف من ذلك وجوب وجود الصانع المبدع الذي فطر هذا الكون المحدود وخلقه بعد أن لم يكن وأدرك أن هذا الخالق يجب أن يكون غير محدود وغير عاجز.

أرجو أن يكون هذا التفصيل قد أجاب على سؤالك

ولله الحمد والمنة على ما علمنا

والسلام عليكم
خليفة
بوركت أخي الكريم يوسف الساريسي على إجابتك

وإن أحب أخونا الاستزادة فعليه بالمنتدى القديم على هذا الرابط:

http://www.alokab.com/old/index.php?showto...t=0&#entry17922
عابد الرحمن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

ما تتفضل به جميل يا شيخ يوسف، وما في الرابط الذي وضعه الشيخ خليفة جميل.

ولعل لي استفسارات قادمة تحتاج مني لوقفة في صميم الموضوع.


أما الآن فلدي استفسار لعلكم تجيبونني عليه إجابة محددة، فقد تم طرحه في الرابط الذي وضعه الشيخ خليفة ولكن الإجابة كانت مبعثرة بسبب طبيعة النقاش .

مجموع المحدودات محدود ===> بديهية.

والبديهية على ما أعلم هي ما لا تحتاج إلى إثبات ومقدمات وخلافه، ولكن ما نراه أننا نبذل جهدًا في إثبات ذلك عند نقاش هذه النقطة مع آخرين، فما الخطب إذن؟
يوسف الساريسي
أخي عابد الرحمن

الحقيقة البديهية هي تلك الفكرة الواضحة والتي تفرض نفسها على ذهن العاقل فيقبلها دون الحاجة إلى برهان لإثباتها، فإذا احتاج إلى براهين لإثباتها خرجت عن كونها بديهية.

مجموع المحدودات محدود هي من الحقائق البديهية التي استخدمها الشيخ تقي الدين رحمه الله في إثبات أن الكون مخلوق لخالق أزلي غير محدود ليس له أول ولا آخر. والمتكلمون استخدموا مصطلح قريب هو "بطلان التسلسل"، تماما كما استخدم رحمه الله حقيقة "الاحتياج" البديهية في حين لم يستخدمها المتكلمون وإنما استخدموا مصطلحا قريبا منها هو "بطلان الرجحان بدون مرجح". وبامكانك الرجوع إلى ما ذكرته أعلاه من البديهيات وكيفية استنباطها من قوانين التفكير.

ولكن كثير من المثقفين وعوام الناس لم يسمعوا بهذه الحقائق البديهية فيجدونها غريبة عليهم لأول وهلة، لأنها من مصطلحات علم الكلام والذي لا يعرف الناس عنه الكثير. ولكن المهم هو معناها ومضمونها وليس اسمها. والطريقة في تبيان الحقائق البديهية هي بشرحها وضرب الأمثلة عليها كما ترى في أسلوب الشيخ رحمه الله في كتاب نقض الاشتراكية الماركسية في شرحه للاحتياج، وإذا بدأت في إثباتها فقد وقعت في إشكالية أثبت فيها لخصمك أن ما طرحته هو ليس بديهي لأته احتاج إلى إثبات وهذا يبطل برهانك أمام من يناظرك فكن على حذر يرحمك الله!

كذلك لدينا مشكلة مع المتعلمين المثقفين الذين درسوا العلوم النظرية البحتة كالرياضيات والذين يخلطون البديهيات مع نظريات درسوها تتعلق باللانهائي في تخيلهم للرسم البياني فيبدأون يتخيلون اللانهاية أو اللامحدود ويخلطون المفاهيم النظرية الافتراضية في الرياضيات مع حقائق الحياة فنقع في إشكال معهم، وهذه كانت مشكلة كبيرة لنا حسب ما أذكر في نقاشنا مع الملحدين والشيوعيين في الجامعات، وبالتالي فإنا أستطيع أن ألمس بالضبط ما تقوله أخي عابد الرحمن.

من الأمثلة التي يمكن ضربها لتوضيح بديهية حقيقة كون "مجموع المحدودات محدود" ما يلي:

حقيقة محدودية الكرة الأرض نعرفها من خلال لمسنا لجزء منها كجبل وبحر وسهل ورمل وحجارة الخ ونرى أن كل جزء من أجزائها الذي نلمسه هو محدود وبالتالي فتكون الأرض محدودة لأنها مجموع هذه الأجزاء المحدودة حتى ولو لم نخرج إلى الفضاء العلوي لرؤية محدوديتها وكرويتها ولا أظن أن أحدا يمكن أن يجادل في كونها محدودة مع أنه لم يرها كمجموع (كيان متصل الأجزاء) بعيني رأسه.

نعرف أن رمال شاطئ البحر محدودة مع إقرارنا بعدم القدرة على عد أعداد حبات الرمل المكونة لها ونعرف ذلك من خلال لمسنا بحواسنا لحبة واحدة منها ونعرف أن الذي يزيد هو عدد حباتها المحدودة ولا يمكن لعاقل أن يتصور أو يقول أن مجموع حبات الرمل ليس بمحدود ولا يطلب البرهان على ذلك.

وهناك نكتة تنسب إلى جحا تعطي المعنى المقصود وهي أن جحا قال للناس مرة أن عدد نجوم السماء بلغ مئة وعشرة آلاف وخمس مئة وخمسة وخمسين نجما فقالوا له وكيف عرفت عددها فأجابهم إذا لم تصدقوا ما أقول فاذهبوا إليها وقوموا بعدها، فضحكوا. والمعنى المقصود هو أن الناس العوام لم يعترضوا على أن للنجوم عددا وأنها محدودة بل اعترضوا على حجا من ذكره للعدد الدقيق الذي ذكره وهذا يدل على إقرار الناس بمحدودية عدد النجوم ولو لم يعرفوا عددها لأن كل نجم منها محدود.

ومن الأمثلة كذلك إذا رأيت نقودا بيد أحد الناس فسألته كم عدد النقود التي معك؟ فرفض أن يجيب، ولكنه أبلغك أن معه من النقود ما يعادل ما يدخره جاره بعشرة أضعاف وأن الجار الآخر يدخر ما مقداره خمسة أضعاف مما لديه وأن الحي الذي يسكنون فيه يدخر الناس مبلغا يفوق ما في الحي المجاور بضعفين وأخبرك أن ما في الحي من نقود يبلغ وزنه ألف طن وهكذا، فتبدأ أنت تحاول بذهنك تصور مقدار ما يملك الرجل من نقود ومقدار ما يملك الحي ومقدار ما تملك المدينة والدولة. والشاهد أنه لا يمكنك ولا يمكن لغيرك الادعاء أن مجموع النقود التي في أيدي الناس غير محدودة، لأن الفرد الواحد مهما ملك من النقود فهو مبلغ محدود ومجموع ما في أيدي الناس حتى ولو لم تعده يجب قطعا أن يكون محدودا لأن الإنسان محدود وقطعة النقود (الجزء) محدود فما يزيد هو محدود في محدود والمجموع هذه المحدوات محدود و أيضا.
وهناك الكثير من الأمثلة الأخرى في الحياة لا يتسع المجال لذكرها

ويمكن إثبات المحدودية للمجموع من خلال خاصيات وصفات الأجزاء المكونة لهذا المجموع فإذا كان ثقل الشيء محدودا كان حجمه وعدد أجزائه محدودا، فالأرض وزنها محدود لأن مقدار جاذبيتها محدود لوجود علاقة بينهما، وبما أن جاذبيتها محدودة ووزنها محدود فإن حجمها محدود لوجود العلاقة بينها، وإذا رأيت سكة حديد ممتدة إلى الأفق لا ترى أولها ولا آخرها حكمت بمحدودية طولها لأنك ترى عرضها المحدود وتدرك العلاقة بين طول الشيء وعرضه وهكذا.

لحل الإشكال عند بعض المتعلمين والمثقفين من الأمثلة الواردة في الرياضيات، فإنهم يقسمون الجزء إلى أجزاء غير متناهية مثلا يعتبرون أننا نستطيع نظريا أن نقسم أجزاء السنتمتر الواحد إلى أجزاء وأجزاء غير متناهية في الصغر، ولكن واقعيا هذا الكلام باطل، فخذ ما شئت من الأشياء الملموسة وابحث فيها من مثل حجر أو برتقالة أو تفاحة، فإذا قسمنا التفاحة إلى نصفين ثم إلى أربعة أرباع ثم هكذا فإننا سنصل عند حد معين لا يمكننا تجاوزه في التقسيم وهو الذرة أو الأجزاء الصغيرة المكونة لها وبعدها نتوقف وهذه هي المحدودية فإذا كان الجزء المكون محدودا كان المجموع الكلي للأجزاء محدودا وهو التفاحة. وهكذا يمكن حل إشكال المثقفين ومتعلمي الرياضيات بضرب أمثلة مشابهة.

وكذلك فإن أشهر نظريات الفيزياء حاليا هي نظرية الانفجار العظيم والتي تقول بأن الكون بدأ من نقطة ثم انفجر وتوسع وما يزال في توسعه حتى الآن، ويعطون الكون عمرا زمنيا يبلغ حوالي 13 بليون سنة، ويحددون نصف قطره بمسافة تبلغ حوالي 13 مليون سنة ضوئية، وهذا يثبت محدودية الكون للمتعلمين من علومهم نفسها.

عسى أن يكون ما ذكرت يوضح القضية التي أشكلت عليك، والله تعالى أعلى وأعلم.
عابد الرحمن
ما فهمته من الموضوع

قوانين التفكير هي قوانين فطرية في الدماغ، وهي التي يكون على أساسها ربط الدماغ المعلومات السابقة بالواقع:


1- الهوية .
2.إعطاء الدماغ معنى وصفة وشروط لكل كيان.
3.تخزين المعنى والصفة والشروط في الذاكرة .
4. تمييز الدماغ بين الكيانات على أساس المعنى والصفة والشروط من خلال المقارنة.( ولم أفهم معنى تكوين نماذج فكرية مجردة)
5. الأصل بقاء كل كيان على حالته السابقة.
6. تقريبًا نفس النقطة الرابعة ، لكن بدون تكوين نماذج فكرية مجردة إنما فقط بالمقارنة الحسية.
7. يميز الدماغ بين الاستقرار والت.
8. إذا تغير الكيان ، فقد تغير بتأثير غيره، لأن الأصل فيه الثبات على حالته.
9. يعرف الدماغ التغير من خلال المقارنة بين حال وحال .
10. تغير حال الأشياء يعطي الدماغ مفهومًا للزمن والوقت.
11. يربط الدماغ دائما بين الكيان الذي يحس به مع نمط معروف له في الذاكرة.
12. تقريبا هي نفس المقارنة ولكن مع تفصيل نوع من أنواعها وهو البناء والحذف. ( ذكرتني بطريقة الكمبيوتر في التعامل مع الصور)
13. يستخدم الدماغ كذلك عملية التحريف بالانتقاء والإهمال .
14. حسب نتيجة المقارنة يكون الحكم.
15.كالسابق مع تفصيل نوع الحكم.
16. يربط الدماغ هوية الكيان الجديد بالنماذج الفكرية المجردة المختزنة في الذاكرة .( ما هي النماذج الفكرية)
عابد الرحمن
تستند البديهيات استنادًا مباشرًا إلى قوانين التفكير، وهي حقائق ضرورية لا تحتاج لإثبات.

1. التناقض.
2. بطلان الرجحان بدون مرجح.
3. السبب ينتج المسبب حتمًا.(ما الفرق بينها وبين النقطة رقم 2؟)
4. الاحتياج.
5. الجزء أصغر من الكل. ( لماذا هذه بديهية وليست من قوانين التفكير؟)
6. بطلان الدور .
7. بطلان التسلسل.

وهناك بديهيات أخرى ..


طيب عندما تم الخروج بهذه البديهيات من خلال الاستناد للقوانين السابقة، هل تم اعتبار القوانين السابقة معلومات سابقة؟

هل معنى ضرورية أنها غير مكتسبة؟
عابد الرحمن
بالنسبة لموضوع المحدودية، فبارك الله فيك .
وخطر ببالي وأنا أقرأ الأمثلة خاصتك، كيف أن الوجدان يحاول وبإلحاح أن يضفي على الخالق هيئة محدودة، لأنه لا يستطيع تصور شيء غير محدود.


ملاحظة: نقول المرحوم تقي الدين النبهاني، المرحوم فلان ، والأصل والله أعلم أن نقول المرحوم إن شاء الله فلان، وأما قولنا رحمه الله فهو دعاء له بالرحمه، كقولنا بارك الله فيك.

وبارك الله فيكم.
يوسف الساريسي
أخي عابد الرحمن

أشكرك على اجتهادك في تلخيص قوانين التفكير

قولك أن البديهيات تستند مباشرة إلى قوانين التفكير هو بالضبط ما حاولت إثباته وقد قمت بتبيان كيفية استنباط أية حقيقة بديهية بربط أكثر من قانون من هذه القوانين مع بعضها والخروج بنتيجة معينة تمثل بديهية متداولة. والفائدة المرجوة الآن أنه يمكن استنباط بديهيات أخرى من هذه القوانين وليس فقط الاعتماد على تلك المتعارف عليها وذلك كما فعل الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى في إيجاد بديهية الاحتياج و مجموع المحدودات محدود.

وأشكرك على تذكيرك لي بشأن الفرق بين استخدام لفظتي المرحوم ورحمه الله، ومقبول منك.

أما موضوع اعتبار البديهيات حقائق ضرورية فقد أعدت النظر فيه بعد النقاش مع بعض الأخوة قريبا، في موضوع كتاب التفكير في القسم الفكري في المنتدى، وقد تبين لي أن القول بأن البديهيات ضرورية ليس بصحيح وألخص ذلك كما يلي:

ندرك أن عميلة التفكير في العقل لاستنباط المعلومات الجديدة لا يمكن أن يتم إلا من خلال عملية ربط الإحساس بالواقع بمعلومات سابقة لها (الفكر والنظر). وإذا تسلسلنا في سلاسل المعلومات السابقة إلى التي أسبق منها ثم التي أسبق منها وهكذا، فسنصل إلى نتيجة -لقطع السلسلة- بلزوم وجود علم أولي يجب أن يوجد في ذهن أول إنسان مفكر (آدم عليه السلام) استخدمه ليستطيع التفكير ومن ثم قام باستخدام عملية التفكير والنظر من جديد ليستنبط معاني جديدة تشكل معلومات جديدة وهكذا، وهذا يجنبنا الوقوع في التسلسل الباطل.

والسؤال الذي يسأل من أين أتت المعلومات السابقة الأولية لأول مفكر وهو سيدنا آدم عليه السلام، ونجد هنالك أمامنا خيارين لفريقين:

1. أن في دماغ سيدنا آدم علما أوليا وجب أن يكون ضروريا ليستطيع منه آدم أن يكتسب ويستنبط منه علوما ومعارف جديدة.
2. أن الله علم سيدنا آدم هذا العلم الأولي وغيره.
ولكن أي الخيارين أصوب؟

من ناحية البحث العقلي الصرف لا بد من قطع التسلسل بالقول بوجود علم أولي ولكن إلى من سننسب هذا العلم أإلى الدماغ ذاته أم إلى غيره؟

أما الفريق الأول فإنه يقول بوجوب أن يكون هناك علم أولي بالضرورة في دماغ أول مفكر حتى يخرج ويقطع التسلسل في الأفكار المكتسبة، فوجب عليهم القول بضرورة وجود علم أولي في دماغ أول آدمي -سموه ضروريا- لتجنب الوقوع في إشكالية أخرى وهي الدور الباطل (حقيقة بديهية)، ذلك أن الدماغ لا يستطيع أن ينتج الأفكار من ذاته إلا بمعلومات سابقة ولكن أول معلومات من أين أتت؟ فقالوا بالضرورة ومن قال بذلك أولا كانوا من غير المسلمين من اليونان ولا نلومهم لأنهم كانوا وثنيين. وكذلك قال الشيوعيون في العصر الحديث عند بحثهم في أزلية المادة بضرورة تلازم وجودها مع قوانين ضرورية، فانظر يرحمك الله كيف تشابهت قلوبهم أي الوثنيين من اليونان والشيوعيين.

أما الفريق الثاني فيقول أننا إذا قلنا أنه الدماغ وقعنا في الدور وهذا باطل. وبالتالي وجب أن نقول بأنه تلقاها من معلم غيره سبقه بالعلم. ولكن من هو هذا المعلم؟ عقلا لا ندري ولا نستطيع الجزم بذلك. أما النقل فيرشدنا إلى دلائل تشير وتدل على كيفية تلقي آدم عليه السلام المعلومات الأولية وهو ما ورد في الآيات من سورة البقرة "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31)" وبالتالي لا حاجة بنا إلى أن نقسم هذا العلم إلى ضروري ومكتسب.

ولكن السؤال للفريق الأول: من أين تأتي المعلومات الضرورية؟ لأن القول بها هذا يتعارض مع قول الله تعالى في سورة النحل " وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(78)" فالسؤال ما زال باقيا من أين للإنسان الأول (آدم) هذا العلم المسمى ضروريا والذي هو ليس بحاجة إلى تفكر ونظر؟ والقول أن كل مولود يولد يكون في رأسه علم ضروري يوقع في الزلل لتعارض هذا التفسير من قِبَل المتكلمين مع قول الله تعالى "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا" وكان الأولى بالمتكلمين إعمال جميع النصوص الشرعية وعدم إهمال قوله تعالى "وعلم آدم الأسماء كلها" وهذا يخرجهم وينجيهم من إشكالية بطلان الدور الذي قد وقعوا فيه وينسجم مع قول الله جل في علاه فتطمئن النفس ويقتنع العقل.

وبالتالي فالنتيجة التي خلصت إليها أن القول بوجود الضروريات بدون تعليم الله لها لسيدنا آدم عليه السلام يتعارض مع نصوص القرآن وأقول الصحيح الذي يجب أن نتبناه أن كل العلوم هي مكتسبة بالتعلم ابتداء من قوانين التفكير والبديهيات والأسماء الأشياء ومسمياتها وتعليم الإنسان البيان وعلوم كثيرة أخرى هي من تعليم الله لنا قال الله تعالى في سورة العلق "عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)".

وبالتالي فلا يصح أن نسمي البديهيات بالضروريات لتعارض ذلك مع الأدلة النقلية، وكذلك لأننا رأينا أن البديهيات ليست هي العلم الأولي، لأنها مستنبطة من قوانين التفكير التي ذكرتها آنفا، فلا يمكن اعتبارها ضرورية لأن هناك علم أسبق منها استنبط منه.

وقد استطاع بني آدم أن يستنبطوا علوما أخرى كثيرة بالاستناد إلى تعليم الله لأبيهم آدم عليه السلام بالإضافة إلى الحواس التي خلقها الله لهم كما قال الله تعالى في سورة الإسراء "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا(36) " وبالإضافة إلى ما نزل به الوحي على الأنبياء من علم علومه للناس.

ولك أعطر التحيات، ومع الدعاء لعباد الرحمن جميعا

والسلام عليكم
أبو المقداد
أخي عابد الرحمن لعلك تدخل هنا http://www.alokab.com/forums/index.php?showtopic=772&st=160

و لعلي اساهم في النقاش معكم لاحقا هنا
عابد الرحمن
الكريم أبا المقداد

بارك الله فيك لدعوتكم، ولكن الموضوع قطعتم فيه شوطًا كبيرًا، على كل حال أتمنى أن تسمح لي أوقاتي بأن أتشرف بذلك.


الكريم : يوسف الساريسي

بوركت مشكورًا على ما قدمته، وأذكرك أنه خلال التلخيص كانت لي ملاحظات بين قوسين، أرجو أن تعطيني ردك عليها.



أخوكم عابد الرحمن
يوسف الساريسي
أخي يا عابد الرحمن

سلام الله عليك

بالنسبة لاستفسارك حول القانون الفكري المتعلق بالنماذج الفكرية وكيفية تكوينها في الدماغ إليك التالي:

قد ذكرت في القانون رقم (11) أن الدماغ يتهرب من الفهم الغامض للأشياء ولا يحب الجهل، فإذا رأى أو سمع شيئا لا يعرفه أخذ يبحث ويسأل عنه فإذا شرح له أو فهمه باجتهاده سكت واطمأن.

ومن القانون رقم (2) يعرف الدماغ أن لكل شيء صفات وخواص وطبائع وشروط معينة ملازمة لوجوده، وهذه تشكل مجموعة معاني مرتبطة بالشيء تعطيه هوية محددة.

ويوجد في الأشياء الأخرى المغايرة معاني مختلفة عن صفة محددة أو شرط من الشروط كما ورد في القانون رقم (9) حول الأضداد الزوجية، ولكن وجود الاختلاف في الصفات والشروط للأشياء لنفس المعنى المشترك تدفع الدماغ إلى تصنيفها وتبويبها تحت أقسام محددة كالألوان مثلا وطبائع الناس من كرم وبخل وجبن وشجاعة وذكاء وغباء وما بين الضدين منها من درجات.

وهذا التصنيف والتبويب هو ما يميل إليه الدماغ ومنه يكون النماذج الفكرية من خلال جمع عدة معاني عن صفات شيء ما وخواصه وشروط وجوده وما يحيط به (ما يلزم الشيء) وربطها معا بروابط سببية. ويحاول تكوين عدة نماذج أو أنماط منها فيقسم الأشياء إلى جمادات وأحياء ويقسم الأحياء إلى نباتات وحشرات وحيوانات ويقسم الحيوانات إلى زواحف وثدييات وطيور، والثدييات يقسمها إلى أليفة ومتوحشة وآكلة عشب وآكلة لحم.

فيكون نموذجا فكريا للدجاجة مثلا بقيامه بربط عدة معاني حولها فيما يتعلق بألوانها السائدة وكونها آكلة عشب وحبوب وأنها أليفة وتتكاثر بالبيض كباقي الطيور ولحمها يصلح للأكل وهو طري ولذيذ وتعيش في مجموعات وعمرها المتوسط كذا سنة وهكذا.

وبالنسبة للبشر يحاول الدماغ إيجاد نماذج فكرية عن مجموعات الناس على الأرض تشترك فيما بينها بروابط منسجمة من ناحية الشكل واللون واللغة والدين والعادات والتقاليد...الخ، فيشكل للشخصية اليهودية مثلا نمطا معينا من الصفات أنه تاجر وصاحب مال ولكنه ماكر ومخادع ومؤثر في البلاد التي يوجد فيها وأن شكله أوروبي أبيض ودينه اليهودي يسمح له بأكل مال الناس بالباطل والربا إلى غير ذلك. وهذا بغض النظر عن كون هذه النماذج صحيحة أو خاطئة، مفصلة أو مجملة، أو كون ربط مجموعة المعاني هذه ربط سببي منسجم في ذاته أم لا!

وبهذا يكوِّن العقل هذه النماذج الفكرية أو قل ملفات فكرية جاهزة وقد يعطيها أسماء محددة، فإذا ذكرت له لفظة دجاجة فيستدعي من الدماغ النموذج الفكري لها وتتداعى لديه المعاني عنها في حين إذا ذكرت له طيرا لا يعرفه كالبطريق بدأ يسأل عن لونه وصفاته وريشه وأكله وأين يعيش وهكذا حتى يضيف نموذجا فكريا جديدا إلى نماذج الطيور بربط عدة معاني معينة حوله بحيث يستدعي ملفها من الذاكرة إذا ذكر أمامه البطريق مرة أخرى. ويفعل مثل ذلك إذا ذكر أمامه أن شخصا ما يهودي ولكن إذا ذكر الاسكيمو وهو لا يعرف عنهم شيئا بدأ بفتح ملف جديد لهم في دماغه، وهكذا.

عسى بهذا الشرح أن تكون قد كونت لديك نموذجا فكريا عن معنى النماذج الفكرية في الدماغ وأن يكون الغموض قد زال لديك بعد فتح هذا الملف وملئه بالمعاني الضرورية اللازمة وبالتالي تكون نفسك قد هدأت واطمأنت أخي عابد الرحمن، رضي الله عنك وعنا وعن الجميع.

والله تعالى أعلم وأحكم
الصادق
في الحقيقة أخي يوسف، من خلال النظر والتأمل طويلا فيما دكرته من قوانين التفكير أو" كيفية ربط الواقع المحسوس بالمعلومات " وصلت إلى عمق الإشكال الدي وضعت يدك على جرحه، وهو ليس من تعرف على أسس العملية العقلية كما هي في كتاب "التفكير" يستطيع أن يفكر وينتج فكرا تلقائيا ، بمعنى آخر ليس كل من قرأ كتاب التفكير يفكر، وكدلك ليس من تعرف على فكرة أو راكم كما من الأفكار ورددها فهو يفكر .
وعليه فشتان بين من تعلم فكرة وفهمها ورددها وبين من أنشأ ها ابتداء .
ولدلك كانت قضية القضايا عند الأمة ليست في وجود الأفكار ، بدليل ما ورثته من كم فكري ضخم في شتى أنواع وأصناف المعرفة ،- فقط ما وصلنا- لا يمكن أن نحيط به ، ومع دلك نعاني من ألم الإنحطاط ووخز المشاكل التي لاتنتهي.
إن أزمتنا أزمة تفيكر لا أزمة فكر، ولك أن تنظر بأم عينك في الواقع حيث ترى الميل الجارف لمعظم الناس نحو التقليد ومحاكات الناجح من الأفكار المجربة وقليلة هي الفئة القادرة على التفكير أصالة.
وانظر إلى من حولك من حملة الدعوة تجد الصنف منهم من درس أسس التفكير ومنهم العبد الضعيف ، قد يجيد في أحيان كثيرة استعمال الأفكار لكنه يعجز في أحيان كثيرة أن ينقل نفسه إلى مصاف المفكرين ومن دور السائل عن المشكلة إلى دور المجيب.
بالرغم من تلقي الفكر تلقيا فكريا ومعرفة اسسه وعملياته.
إن وقوفك طويلا أخي يوسف على قوانين التفكير أي كيف يربط الدماغ بين الواقع المحسوس وبين المعلومات، ما من شك هو من أجل حل معضلة التفيكروقد قلت وقولك حق أن كتاب التفكير وإن عالج جوهر العملية العقلية لكنه لم يتطرق إى كيفية ربط الدماغ بين الحس بالوقع وبين المعلومات.لكنك أخي الفاضل ما اهتديت له من دكر لما أسميته بقوانين التفكير والبدهيات ليست سوى معلومت يستعملها العقل في إصدار أحكامه بوعي منه أو غير وعي، وبالتالي معركتنا مع التفكير هل يمكن إن تحسم على صعيد الوعي بقوانين التفكير؟ قبل الإسترسال في تعقيبي أود أن أسمع منك.
[color=silver][/color]
يوسف الساريسي
أخي الصادق

لقد صدقت القول

وما ذكرته في مداخلتك قد راودني كثيرا قبل بضعة سنين وكنت أسأل نفسي كثيرا عن مسالة الإبداع لدى حملة الدعوة وعن كيفية استمرارها وتنميتها.

وصرت أبحث بين ثنايا السطور فيما ذكره الحزب وبدأت ألاحظ ذكر الحزب عدة مرات مصطلح طريقة التفكير المنتجة والكلام الذي هو في غابة الروعة الذي ذكر في مقدمة كتاب النظام الاقتصادي، ولكن ذلك لم يشف غليلي وبالقراءة المتعمقة والربط الفكري حاولت صياغة فهم لواقع طريقة التفكير المنتجة، وذلك إثر مناقشات مع بعض الأخوة حول متعلقات الموضوع وقد وفقني الله بالتوصل إلى أنه يمكننا إسناد الإبداع الفكري وبناء الثقافة الحزبية إلى انتهاج طريقة التفكير المنتجة هذه والتي تـؤدي إلى الوصول إلى نتائج عظيمة في الفكر وفي الأعمال.

وتقتضي طريقة التفكير المنتجة القيام بإدراك واقع المشكلات وتحديد المشكلة المحورية بواسطة تطبيق قاعدة العلاقة السببية من خلال إدراك المسببات (نتائج المشكلة) أولا ثم البحث المستنير عن أسبابها ثم الانتقال إلى تحديد الأهداف وتطبيق قاعدة السببية في الوصول إلى المعالجات وقياس المعالجات إلى القاعدة الفكرية ووجهة النظر عن الحياة لاختيار المعالجة الصحيحة وتحديد طريقة تنفيذ العلاج واختيار الوسائل والأساليب اللازمة للقيام بالأعمال وذلك باستخدام الفكر المستنير، ومن ثم القيام بالمتابعة اللازمة أثناء التنفيذ لإدراك الخطوة التالية حسب الخطط المرسومة واتخاذ الإجراءات الملائمة في حالات ضعف الأداء أو الانحراف عن الأهداف, حتى الوصول إلى تحقيق الغايات والنتائج المرجوة.

إن هذا المنهج الذي تبناه الحزب يشبه من يريد بناء بيت صغير فيقوم بوضع المخطط الهندسي له, ثم يحسب ما سيجابهه أثناء البناء وبعد البناء فيحضر كافة الأوراق الثبوتية والمستندات واللوازم كتمديد الكهرباء والماء, ومن ثم الاتفاق مع مقاول إلى غير ذلك من الأعمال حتى معرفة جيرانه وكيف سيتعامل معهم. وإن كان هذا ما يتطلبه بناء بيت, فكيف بمن يريد أن يبني أمة ويقيم دولة. لذلك فمن أوجب الواجبات على الكتلة التي تعمل حقيقة لاستئناف الحياة الإسلامية أن تحدد غايتها, وأن توضح طريقتها, وأن تتبنى من الأفكار والآراء والأحكام ما يبين كيان الدولة وأجهزتها والنظم التي تقوم عليها كنظام الحكم والاقتصاد والاجتماع وعلاقة الأمة بغيرها من الأمم. لذلك وضع الحزب كتاب نظام الإسلام ووضع كتاب النظام الاقتصادي وكتاب النظام الاجتماعي وكتاب نظام الحكم وكتاب مقدمة الدستور…. وغيرها من الكتب.وقد غلب على كتب الحزب هذه السمة (الطابع الفكري) بشكل ظاهر وتعد هذه الريادة في هذا المنهج لحزب التحرير ولم يسبقه أي تكتل في ذلك.

وقد بدا أن قضية القاعدة أو "العلاقة السببية" هي ذات أهمية خاصة في طريقة التفكير المنتجة، فكان لا بد من البحث والتعمق فيها لبلورتها بشكل واضح يعطي الآلية الملائمة لكيفية تطبيق طريقة التفكير الإسلامية المنتجة. وبالتالي فلا بد من بحث جاد في السببية في أسسها الفكرية التي تقوم عليها ومن ثم تناول تطبيقاتها في الحياة العملية من خلال الأعمال السببية التي تتناول مسألة الدوافع والأهداف والنتائج. فكل عمل سببي إنساني يجب أن تكتمل فيه العناصر التالية:

1- دوافع 2- أهداف 3- نتائج 4- شرعية الفعل 5- طريقة تنفيذ 6- خطة 7- أسلوب ووسيلة

ودافع العمل هي الطاقة السببية المحركة له ويراد منه تحقيق نتائج وثمار معينة تكون متصورة في ذهن الفاعل قبل إقدامه على الفعل وهي الأهداف، والعلاقة بين السبب وهو العمل الإنساني وبين المسبَّب وهو النتيجة المراد تحقيقها هي علاقة سببية سواء أكان هذا الفعل فرديا أم جماعيا، والعلاقة السببية تجري وفق قوانين وسنن محددة وضعها الله وقدرها في جميع الأشياء وتخضع لها الحياة البشرية جبرا عنها، فلا بد للمسلم عند إرادته القيام بعمل معين أن يدرك الدافع له ليستطيع مقدار ومستوى الطاقة السببية المطلوبة لتحريك العمل لتكون النتيجة المطلوبة متلائمة مع الهدف، وحتى يصل المسلم إلى هدفه يجب عليه إدراك العلاقة السببية بين الهدف والنتيجة وذلك بتحديد الفعل السببي المؤدي إلى إحداث المسبب وهو النتيجة.

وموضوع العلاقة السببية هو موضوع عميق وطويل وهو بحث منفصل لا مجال لطرقه هنا.

وبالتالي فمقولتك أن معركتنا مع التفكير هل يمكن إن تحسم على صعيد الوعي بقوانين التفكير؟ والجواب بالطبع لا ولكن هي محاولة لفهم أسس كيفية ربط الواقع المحسوس بالمعلومات في سبيل وضع ضوابط معينة للبديهيات وما يبنى عليها من أفكار وذلك من خلال انتهاج طريقة التفكير الإسلامية المنتجة باعتماد العلاقة السببية في سبيل تحقيق النهضة المطلوبة.

ولكم التحية السلام
الصادق
[quote=يوسف الساريسي,Dec 25 2005, 12:44 PM]
ولكن هي محاولة لفهم أسس كيفية ربط الواقع المحسوس بالمعلومات
في سبيل وضع ضوابط معينة للبديهيات وما يبنى عليها من أفكار وذلك من خلال انتهاج طريقة التفكير الإسلامية المنتجة باعتماد العلاقة السببية في سبيل تحقيق النهضة المطلوبة.

بارك الله فيك إخي يوسف على مداخلتك القيمة ولي وقفة معك إن شاء الله فيما يخص الناحية التطبيقية لمسألة الإبداع الفكري ..وإلى دلك الحين أريد توضيحا لما تحته خط وباللون الأحمر.
مودتي
يوسف الساريسي
أخي أيها الصادق

ما طلبت توضيحه في مداخلتك السابقة عن ضوابط البديهيات وما يبنى عليها من أفكار فإني أود إفادتك أن الدافع الأساسي الذي دفع باتجاه موضوع قوانين التفكير والبديهيات كان محاولة الإجابة على سؤال: هل البديهيات هي معلومات سابقة أم هي مفطورة في الدماغ البشري كمعلومات ضرورية؟

وكان من لوازم الإجابة محاولة التعمق لأجل فهم خاصية الربط في الدماغ بين الواقع والمعلومات السابقة، وقد تبين أن عملية الربط التي تجري في الدماغ لإنتاج الأفكار تجري وفق علاقة السببية بين السبب وهو (الواقع المحسوس المنقول إلى الدماغ) والمسبَّب وهو (الفكر المنتج أو الحكم الصادر)، وبواسطة فهم هذه العلاقة السببية فإن إنتاج الفكر لا بد أن يجري وفق قوانين وسنن معينة تتحكم في عملية الإنتاج أي تتحكم في ”خاصية الربط".

أما ضوابط البديهيات فهي قوانين التفكير التي تتحكم وتسيطر على خاصية الربط في الدماغ الذي أنتج هذه البديهيات أي الأفكار الأولية المباشرة وغيرها من الأفكار المبنية على أفكار أخرى أسبق والمستنتجة منها

وبمناسبة سؤالك وللإجابة عليه، فإني أود الإضافة على الموضوع قوانين التفكير وتطويره من خلال المشاركات التي تلي لاحقا بإذن الله.

والسلام عليكم
يوسف الساريسي
العلاقة بين التفكير واللغة


استكمالا لموضوع "قوانين التفكير" ولأجل تطوير الموضوع وللإجابة على السؤال الرئيس:
هل البديهيات هي معلومات سابقة علمها الله لسيدنا آدم أم هي معلومات أولية مفطورة في الدماغ البشري ؟

فلا بد من التأكيد هنا مرة أخرى قوانين التفكير هي تلك الضوابط التي تتحكم في عملية إنتاج الفكر أي تسيطر على ”خاصية الربط" ذلك أن عملية التفكير بمجملها تجري وفق علاقة السببية بين طرفين يتم ربطهما معا هما:

1. السبب وهو (الواقع المحسوس المنقول إلى الدماغ)
2. المسبَّب وهو (الفكر المنتج أو الحكم الصادر)

وهذه العلاقة لإنتاج الفكر لا بد أن تجري وفق قوانين وسنن معينة تتحكم وتسيطر على عملية الإنتاج أي للوصول إلى الحكم على الواقع وقد تم تسمية هذه القوانين بــ "قوانين التفكير".

وبعد التفكير والتدبر فقد غلب على الظن أن هذه القوانين أي "قوانين التفكير" يجب أن تكون ذاتية في الدماغ وليست مكتسبة بالتعلم لأنها ليست معلومات سابقة ولا هي جزء من الواقع الخارجي المنقول إلى الدماغ، لذلك فهي مفطورة في الدماغ ويكون الدماغ من خلال استخدامها صالحا للربط بين الواقع المحسوس والمعلومات السابقة وقادرا على القيام بالعملية الفكرية أي إنتاج الأفكار.

لكن الدماغ لا يستطيع أن ينتج الأفكار سواء البديهية أو ما يبنى عليها إلا بأمرين هما المعلومات السابقة والواقع المحسوس.
أما المعلومات السابقة فهي لازمة من خلال ملاحظة القانونين رقم 1 و2 من قوانين التفكير وهما:

1. الهوِّية: يسمي الدماغ الأشياء بتحديد أجزاء معينة وربطها معا وإعطائها وصفا كيانيا أي هوية خاصة.
2. يعطي الدماغ لكل كيان معنى يتعلق به كالإنسان والقمر والفيل ويحدد صفات هذا الكيان مثل الشكل واللون والثقل والرطوبة والحرارة ويحدد لوازمه وارتباطاته بما حوله (شروط).

ووفق القانون الأول لا بد للكيان الذي يحس به الدماغ من "اسم"، ولا بد وفق القانون الثاني للاسم من معنى يرتبط به أي "مسمى".
وهذا الربط بين الاسم والمسمى لا بد له من واسطة أو أداة تستخدم وهي "اللـــغـــة".

وواقع اللغة أنها ألفاظ وضعت بإزاء معاني معينة، أي لفظ (اسم) ارتبط واقترن في الذهن بمعنى معين "مسمى". فأي معنى لشيء محدد يتصوره الذهن لا بد أن يخزنه في الدماغ في ملف معين تحت اسم يعرفه ويستطيع تذكره واسترجاعه لاحقا مع كل ما يتعلق به من صفات وخاصيات وشروط ولوازم تتعلق بما حوله كلها يحتويها الملف ولها هوية خاصة يعرفها الدماغ من خلال الاسم، فالاسم الملف هو الهوية للشيء.

واللغة لا تتعلق بالفرد وحده بل تتعلق بالمجموعة البشرية أي نظام المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، ذلك أن الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له أن يحيى ويعيش مع غيره من بني الإنسان ليستطيع قضاء حوائجه وتحقيق أهدافه وهذه لا تتم إلا بالتعاون مع غيره. والحياة والتعاون مع الناس لا بد لها من وسيلة يعبر فيها كل واحد من الأفراد عن ما يجيش في عقله من معاني وما يريد أن يحقق من رغبات ليستمر عيشه ويتم تحسينه، وهذه الوسيلة هي (اللــغـــة). لذلك فإن تسمية الإنسان بأنه حيوان ناطق ليست بعيدة عن الصواب لأن عملية التفكير لدى الإنسان والتواصل مع غيره يلزمها النطق والكلام أي اللغة.

والخلاصة أن اللغة شرط في عملية التفكير وهي أداة وواسطة يتم بها ربط معنى معين في الدماغ بهوية ملائمة من خلال لفظ محدد يتعلق بهذا المعنى هو "الاسم"، فاللغة هي وعاء الفكر.وهي ليست جزءا منه.
أبو عمر
لضيق الوقت لم اطلع الا على اخر مشاركة لك أخي العزيز يوسف...
ولي عليها الملاحظة التالية:
اللغة هي وعاء الفكر... وليس لها علاقة بالتفكير

ف 1+1=2 سواء باللغة العربية أو باللغة الانجليزية. لا فرق

ولكن تستخدم اللغة للتعبير عن الافكار. فهي ليست جزء من التفكير وليست شرطا له.

والطفل الصغير قد يفكر بشكل جيد حتى قبل ان يتعلم اللغة.
يوسف الساريسي
أخي أبا عمر

بارك الله فيك على لفتتك هذه، نعم اللغة هي وعاء الفكر وهي ليست جزءا منه، واستدرك هنا أن اللغة أيضا ليست شرطا من شروط عملية التفكير بل المعلومات السابقة هي من شروط التفكير.

وما قصدته واستدركه هنا -بعد مداخلتك- أن اللغة هي شرط في تحصيل المعلومات السابقة بالتلقي والتعلم. فلا تفكير بدون معلومات سابقة، لا معلومات سابقة بدون لغة. فاللغة هي الواسطة التي نعبر فيها عن المعاني التي تجيش في صدورنا بأصوات معينة ينتجها اللسان ويكون منها كلمات وجمل مفيدة وتتلقاها الأذن ويفهمها العقل بربطها بالمعلومات السابقة لديه عن معاني هذه الأصوات فتتكون بها صورة ذهنية واضحة عما يريده المتكلم.

والله تعالى خلق فينا الأدوات اللازمة للكلام من لسان وحنجرة وأوتار ودفع الهواء والتي تصلح لإخراج الأصوات المختلفة، وخلق فينا أداة السمع من خلال الأذن والطبلة والعصب السمعي، وجعل سبحانه جل في علاه في هذه الأدوات القدرة على إنتاج الكلام واستقباله لتكون اللغة هي الواسطة التي يجب أن نستعملها لتلقي وتعلم المعلومات السابقة والأولية ممن حولنا والمتعلقة بمعظم الوقائع التي تمر علينا في الحياة. فهذه لم تخلق عبثا لولا أهمية اللغة والكلام في سبيل تحقيق الغاية التي خلق الله الإنسان لأجلها ليكون خليفة في هذه الأرض فيعمرها بما أمره الله ويبتعد عن الإفساد، ولذلك تلاحظ في آيات استخلاف آدم عليه السلام وذريته في الأرض قضية تعليم الله له أسماء الأشياء ومسمياتها –أي اللغة والمعلومات السابقة- ليكون قادرا على القيام بالأمانة وتكاليف الخلافة ومستحقا لها عن جدارة فوق الملائكة بوجود العقل لديه الذي هو مناط هذا التكليف وهذه الأمانة.

وبقدر إحسان الإنسان لفهم اللغة يكون مستوى تفكيره أعلى وقدرته على الربط أفضل وأدق، لأنه يستطيع تصور معاني الكلام الذي يسمعه والكتابة التي يقرؤها وأن تتشكل وتتمثل هذه المعاني اللغوية في ذهنه أكثر ممن لا يتقن اللغة من غيره. فيصدر الأحكام العقلية على الوقائع المختلفة بشكل أصوب.

أما الطفل الصغير الذي لم يتعلم اللغة بعد فلا أظنه قادرا على إنتاج الأفكار لسبب بسيط هو أنه في طور النمو ودماغه لم يكتمل بعد وبدون اللغة لن يستطيع تحصيل المعلومات السابقة اللازمة له للحكم على الوقائع والله سبحانه وتعالى لم يكلفه لأنه لا يعقل حتى يبلغ سن الرشد يقول الله تعالى "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا" فالطفل الصغير لا يعلم شيئا ويتدرج في التعلم بتعلم اللغة أولا بسماع وتكرار الجمل اللغوية المختلفة التي يقولها من حوله في مواقف وحوادث معينة حتى ترسخ لديه أسماء الأشياء ومسمياتها ويتكون بذلك أساس المعلومات السابقة التي يبدأ بتعلمها من خلال اللغة. ثم يبدأ تشكيل العقل لديه بواسطة اللغة حتى يكتمل دماغه بعد سن معينة وتحصيله المعلومات يتدرج في عملية التفكير حتى يصبح راشدا وعاقلا في سن البلوغ أو الرشد.

والسلام عليكم
يوسف الساريسي
استكمال مسألة علاقة التفكير باللغة

اختلف المتكلمون حول مسألة هل اللغات توقيفية أو اصطلاحية وانقسموا فريقين، فمنهم من اعتبرها توقيفية لأن الله علم آدم الأسماء كلها أي علمه اللغات، ومنهم من اعتبرها اصطلاحية كما رأوها من واقع اللغات في وقتهم وفسر هذا الفريق تعليم الله لآدم بأن علمه مسميات الأشياء وليس اللغة. وكلا الفريقين مصيب من جهة ومخطئ من جهة أخرى ومكمن الخطأ آت من اعتبارهما اللغات جامدة لا تتطور مع الزمن.

نستطيع أم نفهم من آيات سورة البقرة حول استخلاف آدم عليه السلام، أن الله تعالى علم آدم عليه السلام أسماء الأشياء مقرونة ومربوطة بمسمياتها أي علمه لغة معينة وأعطاه معلومات سابقة لازمة له ليفكر، أي علمه لغة أولى هي أم جميع اللغات البشرية، ثم افترق الناس في الأرض إلى شعوب وقبائل. واختلفت الألسن التي يتكلمون بها بسبب أن طبيعة اللغة البشرية أنها متغيرة ومتطورة كما هو حاصل بالنسبة للغة العربية وكيف تطورت منها اللغات العامية التي نراها الآن، وكذلك كيف تفرعت اللغة اللاتينية إلى اللغات الإيطالية والأسبانية والبرتغالية وهكذا، وهذا دليل على تطور اللغات البشرية عبر الزمن. ولهذا فإن الصحيح الذي يغلب على الظن أن اللغات ليست توقيفية من الله بل هي اصطلاحية يصطلح كل قوم على لغة مشتركة يتخاطبون بواسطتها فيما بينهم وجميع هذه اللغات متطورة عن لغة آدم الأولى التي علمه الله إياها.

وهناك سؤال يسأل: وهو هل يحتاج تعلم اللغة إلى معلومات سابقة؟ حتى نجيب على هذا السؤال فإننا يجب أن نفرق هنا بين تعلم الطفل لغة أولى، وبين تعلم الكبير لغة ثانية.
فالمشاهد أن الإنسان البالغ العاقل عندما يبدأ بتعلم أي لغة ثانية فإنه يستند قطعا إلى المعلومات السابقة التي لديه من لغته الأم أي يتعلمها بواسطة الفكر والعقل، ويستند في تعلم اللغة الجديدة إلى قواعد وأسس لغته الأولى أو ما يسمى باللغة الأم التي شكلت تفكيره وبرمجته، والتي هي أساس ووعاء فكره وتصوره للمعاني. فإذا ذكرت أمامه كلمة باللغة الجديدة فإنه يفهمها حين تترجم له بأن تقرن بكلمة يعرف معناها في لغته الأم، ثم يقوم بربط المعنى من لغته بالكلمة الجديدة وفق ما يتصوره من معنى محدد لها في لغته الأم إلى اللغة الجديدة. وقد يكون المعنى قريبا ولكنه لا ينطبق تمام الانطباق، لذلك فإننا نلاحظ أن غالب من يتعلم أية لغة بعد سن البلوغ فإنه لا يمكن أن يتقنها بشكل تام كأهلها مهما بذل من عناية، لأن اللغة الأولى هي التي شكلت تفكير الإنسان من الأساس ابتداء وبها يتصور المعاني الذهنية. وبسبب وجود الاختلاف بين اللغات في التعبير عن المعاني الذهنية، فإن الترجمة مهما سمت لا تستطيع التعبير بدقة عن نفس المعاني في اللغات المختلفة، ولذلك كانت ترجمة القرآن لفظا ومعنى عملا مستحيلا.

أما كيف يتعلم الطفل الصغير اللغة الأولى وهل يحتاج إلى معلومات سابقة ليتعلم هذه اللغة؟

أن الطفل يولد ابتداء خاليا من أي علم أو أية معلومات سابقة لذلك لا يستطيع التفكير وإن امتلك الدماغ الذي فيه صلاحية بدائية للربط لأن الدماغ يكون حينئذ غير مكتمل، وحتى يستطيع أن يكون قادرا على التفكير فهو بحاجة إلى تلقي وتعلم المعلومات السابقة من غيره بواسطة اللغة، فاللغة شرط في التلقي والتعلم حتى يستطيع أن يفكر، وهذا الطفل لو كبرت سنه وبلغ عشرين سنة، ولم يأخذ أية معلومات، فإنه يبقى كأول يوم، يحس بالأشياء فقط ولا يدركها مهما كبر دماغه ولكن إذا أعطيناه اسم كل منها تجاه واقعه، أو تجاه صورة الواقع، وربطناه بها فإنه يصبح قادرا على التفكير، فكيف يتعلم الطفل اللغة إذن؟

إن دماغ الإنسان فيه خاصية ربط المعلومات واسترجاع الإحساس. فيمكن للإنسان في ما يتعلق بالغرائز بتكرار الإحساس أن يسترجع الإحساس، ويمكنه بخاصية الربط أن يُكوّن من مجموع ما يحسه وما يسترجعه من إحساسات، معلومات، وأن يسترجع هذه الإحساسات بمعلوماتها فيما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية فقط وهو يشبه في هذا العمر الحيوان، لكن دماغ الحيوان لا توجد فيه خاصية ربط المعلومات، وإنّما عنده تذكّر الإحساس والتمييز الغريزي. فأنت إذا ضربتَ الجرس وأطمعت الكلب عند ضرب الجرس، فإنه إذا تكرر ذلك يفهم الكلب إذا قُرع الجرس أن الأكل آتٍ ولذلك يسيل لعابه، أمّا ما لا يتعلق بالغريزة فلا يمكن أن يقوم به الحيوان طبيعياً إذا أحسه، ولكن إذا كُرر هذا الإحساس واسترجعه فإنه يمكن أن يقوم به تقليداً ومحاكاة وليس قياماً طبيعياً.

والمشترك بين دماغ الحيوان والإنسان هو وجود بعض "قوانين عمليات الدماغ" التي يستطيع باستخدامها أن يقوم ببعض العمليات الذهنية بدون الحاجة إلى المعلومات السابقة خصوصا فيما يتعلق بإشباع الغرائز والحاجات العضوية، ويستطيع الحيوان بهذه القوانين الربط بين إحساسه بحصول حدث معين كقرع الجرس بالتزامن أو التتابع مع حدث آخر كحضور الأكل إذا تكرر، أن يقرن الدماغ إحساسه بالحدثين ويخزن ذلك في ذاكرته ويستطيع أن يسترجع الدماغ إحساسه السابق بالحدث الثاني الأكل إذا أحس بالحدث الأول قرع الجرس، وهذا هو الاسترجاع. أما دماغ الطفل فهو أقدر من دماغ الحيوان على لأن فيه بجانب القدرة على استرجاع الإحساس بشيء إذا اقترن بشيء آخر القدرة على الربط.

والفرق بين التفكير والتمييز الغريزي يكون في أن التمييز الغريزي عند الحيوان والإنسان يقتصر استخدام الدماغ فيه على بعض "قوانين عمليات الدماغ" والتي هي مفطورة في هذا الدماغ ومنها القدرة على تخزين الإحساس في الدماغ واسترجاعه، في حين أن التفكير في الدماغ الصالح للربط عند الإنسان يستخدم بجانب قوانين الإدراك الشعوري جميع "قوانين التفكير" وخصوصا قدرته على تكوين النماذج الفكرية أي المعلومات السابقة وتذكرها والربط بينها وبين الواقع المحسوس والحكم على الواقع من خلال تحليله إلى أجزائه والتي لها معلومات سابقة في الدماغ ثم ربطها وتركيب أجزائها من جديد وتكوين نموذج ذي معنى في الذاكرة.

لذلك يعتبر الأساس في تعلم اللغة الأولى عند الأطفال هو الربط الاسترجاعي بين اقتران إحساسه بشيء ما وتكرر ذلك مع إحساسه بالشيء الآخر. فيستطيع دماغ الطفل تعلم اللغة من خلال الربط بين صوت الأم والإحساس بحصول حدث معين. فبسماع أصوات الناس الذين حوله واقتران الصوت أي الكلمة أو الجملة المعينة مع شيء أو حادثة يحس بها بالتزامن مع الكلام، وبتكرار سماعه نفس الكلام المقترن مع نفس الإحساس يربط في دماغه الشيء أو الحدث مع الكلام. وهكذا يبدأ الربط اللغوي بين الصوت والحدث لدى الطفل ويصبح قادرا بنفسه مع الزمن على استرجاع الأصوات أو تذكر الكلام والأسماء التي تقال بمناسبة الحدث الذي أحس به أي المسميات.

وبمشاهدة وتتبع تعلم الأطفال للغات نجد أن هناك تدرجا في تعلم اللغة تبدأ عندما يصل عمره إلى أكثر من سنة بقليل حيث يبدأ بلفظ بعض الكلمات ثم في عمر سنتين فأكثر يصبح قادرا على تركيب بعض الجمل البسيطة ومن ثم تتطور قدرته مع كبر سنه. فاللغات في الأساس سماعية ويتعلم الطفل اللغة من السماع ليس ككلمات منفردة بل يتعلم الجمل المفيدة كاملة. وتعلم الأطفال للغة ليست قضية ذكاء لأن المتخلفين عقليا يتعلمون اللغة مع فقدانهم لقدر كبير من الذكاء. ويلاحظ أن تعلم الطفل لغة أبويه ومن حوله يحصل بإتقان تام بعكس الكبير الذي يتعلم لغة ثانية.

لذلك فتعلم اللغة الأولى عند الأطفال لا يحتاج إلى معلومات سابقة ابتداء، لأنها جزء من عمل الدماغ بواسطة الربط الاسترجاعي. وبعد تحصيل الطفل لثروة لغوية كافية بالربط بين الأسماء ومعانيها أي مسمياتها، يصبح مالكا للوسيلة اللازمة لتلقي المعلومات السابقة بحيث يستطيع بواسطة اللغة من تركيب معاني معينة مما يتلقاه ويتعلمه ممن حوله أي تكوين نماذج فكرية جاهزة يعرفها الدماغ نسميها المعلومات السابقة وبالتالي تتم عملية تشكيل وبرمجة فكر الطفل بواسطة اللغة.

والله تعالى أعلى وأعلم
عبد المنعم
بسم الله الرحمن الرحيم

اولا: بارك الله فيك اخي يوسف على هذا الموضوع الذي هو عن اغلى ما لدى الانسان.
قال حزب التحرير به اي بالتفكير يصلح الكون كله بما فيه حتى من حيوانات و جمادات.

ثانيا: اعذرنى و لكن للدقه في الموضوع و هو ان كان لا يمت الى الموضوع بصله جوهريه لكن المذاهب في اصل اللغات اكثر من اثنين, فقال قوم ان جزء من اللغات توقيفي و الباقي اصطلاحي, و ذهب الجمهور الى ان كل واحد من المذاهب السالفه مممكن.

ثالثا: انه يوجد علاقه وثيقه بين اللغه و التفكير:
1)اللغه العربيه عندنا جزء جوهري و شرط رئيسي للتفكير الشرعي

2)ان اللغه مساله جوهريه في فهم النصوص سواء كانت ادبيه او سياسيه او تشريعيه او فكريه:

اما النصوص الادبيه فظاهر

و اما النصوص التشريعيه فقد سبق الكلام عنها

و اما الفكريه فان النص الفكري كالبناء , و لفهمه لا بد اولا من فهم الالفاظ كما تدل عليها اللغه و من ثم ثانيا لا بد من تصور المعنى الذي دلت عليه اللغه.

و اما النصوص السياسيه فيظهر في:
اولا: ان فهم النص السياسي قد يكون موجودا في النص.
ثانيا فهم المعاهدات و صياغتها و الله اعلم
المداوي
السلام عليكم
بوركت اخي يوسف الساريسي على هذا الموضوع فهو حقا موضوع يستحق المتابعة بنفس طويل
حقيقة احببت ان اعلق متسائلا على بعض ما جاء في مقالكم الكريم
إقتباس
وبعد تحصيل الطفل لثروة لغوية كافية بالربط بين الأسماء ومعانيها أي مسمياتها، يصبح مالكا للوسيلة اللازمة لتلقي المعلومات السابقة بحيث يستطيع بواسطة اللغة من تركيب معاني معينة مما يتلقاه ويتعلمه ممن حوله أي تكوين نماذج فكرية جاهزة يعرفها الدماغ نسميها المعلومات السابقة وبالتالي تتم عملية تشكيل وبرمجة فكر الطفل بواسطة اللغة.


اما التساؤل فهو حول الملون باللون الازرق من الفقرة المقتبسة
الا ترى اخي الكريم ان معاني الاسماء اي مسمياتها هي معلومات مسبقة في حد ذاتها؟
لعلي احدثكم اخي بحادثة مررت بها منذ اشهر في البلاد التي اقطن -ومازلت بحاجة لان اتوسع في البحث حولها-
كنت يومها سائرا في الطريق فاذا بامرأة وابنتها -على ما اذكر انها كانت انثى- ينتظران بجنب الطريق فنادت الطفلة طفلا اخر بقولها الذي اترجمه لكم كالتالي
الطفلة:يا اخي الاكبر ***

الام: ليست اخيك الاكبر بل هي اختك الكبرى


الان اخي الكريم لفظة الاخ الاكبر على سبيل المثال تحمل مسمى معين لن يختلف في اي لغة -ولا اظننا سنختلف على هذه النقطة-
الان دعنا نبدأ المشوار مع الرضيع منذ ان يبدأ بالقدرة على الكلام او قبل ذلك بفترة بحكم كونها فترة انتقالية بين حالتين
الرضيع الصحيح -اي الغير عليل بدنيا - يسمع ويرى ويأكل ومع بداية حبوه على اربع يمكن لاهله ان يدعوه لياتيهم فيفعل حينا ولا يستجبيب احيانا -اي انه يبدا يعي ما يقولون- ووقتها لا يكون قد تحصل له الكثير من ألة اللغة
فكيف يستطيع الطفل ان يستجيب لنداء اهله لياتيهم وقت ان يطلبوا منه فعل ذلك ولم يتحصل لديه شيئ يذكر من اللغة
اتفق معكم اخي في ان تحصيل ثروة لغوية يختلف قطعا عن قدرة الطفل على الحديث -اي النطق-
واعودالى المثال الذي اوردته حول الطفلة التي لم تميز بين مسمى الاخ الاكبر والاخت الكبرى لاقول ان الطفلة كان عمرها بضع سنين ولم تستطع الوصول الى هذا التمييز المطلوب
في حين ان الطفل الذي لم يبلغ بضعة اشهر يستطيع ان يستجيب لنداء اهله !!!

الان هل لكم اخي ان تفكروا معي بصوت مرتفع؟؟ لاني اجد الموضوع قد اختلط علي
انما افكر معكم بصوت عال
wink.gif
--------------------------------------------------------------------------------------------------
***
ملاحظة في لسان القوم كلمات تحمل معنى -الاخ الاكبر- واخرى -الاخ الاصغر- وثالثة تحمل معنى -الاخت الكبرى- ورابعة تحمل معنى- الاخت الصغرى-
يوسف الساريسي
الربط الاسترجاعي والربط الذكي في الدماغ


يستخدِم الدماغ في عملية التمييز الغريزي التي تجري عند الإنسان والحيوان بعض "قوانين عمليات الدماغ" والتي هي مفطورة في هذا الدماغ، ومنها القدرة على تخزين الإحساس في الذاكرة واسترجاعه. ويتفوق الإنسان على الحيوان بكون عملية أن الدماغ لديه صالح للربط بمعنى أن الربط لديه يشمل استخدام جميع "قوانين عمليات الدماغ" وخصوصا قدرته على تكوين النماذج الفكرية أي تركيب معلومات جديدة من المعلومات السابقة وتذكرها.

إن تعلم الأطفال اللغة الأولى يحدث بدون الحاجة إلى معلومات سابقة أي بدون عملية تفكير، وذلك بالاعتماد على بعض "قوانين العمليات الدماغية" ومنها عملية الربط الاسترجاعي. فيستطيع الطفل بواسطة عملية الاسترجاع بوجود خاصية الربط في دماغه واستخدام جميع العمليات الدماغية إلى درجة ما، أن يُكوّن "معلومات" معينة من مجموع ما يحسه وما يسترجعه من إحساسات فيما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية، فيعرف من تكرار إعطائه التفاحة والحجر، أن التفاحة تؤكل والحجر لا يؤكل، ويعرف من تكرار المشاهدة قدرة الخشب أن يعوم فوق الماء.

وباستخدام عملية الربط الاسترجاعي يعرف من تكرار سماعه لكلمة حجر أو لفظة تفاحة مثلا مقترنة كل كلمة بإحساسه بعين الشيء، أن هذا الشيء اسمه حجر وذاك الشيء الآخر يسمى تفاحة، فيحصل لديه ربط بين الأشياء وأسمائها. ويعرف كذلك إنه إذا سمع بكلمة "ألم" مقترنة بإحساسه بالألم من جرح السكين أو من حرق النار أو من ضرب الوالد له، عرف معنى الألم المقترن بتكرار اللفظ المشترك الجامع لهذا المعنى. ويعرف من حنو ورحمة أمه وأبيه عليه ورعايتهما له وما يحسه كذلك من نفس المعاملة من أقاربه يعرف معنى كلمة "المحبة" عند اقتران ذلك التصرف مع لفظة مشتركة هي الحب، وهكذا يبدأ بتحصيل اللغة بربط الألفاظ بالمعاني التي يتصورها آنذاك، أي ربط الأسماء بالمسميات.

وبعد تحصيل ثروة لغوية كافية من الأسماء والمسميات، يصبح مالكا للوسيلة اللازمة أي اللغة لتلقي المعلومات السابقة ويصبح جاهزا للتفكير. وبتلقي الإنسان معلومات سابقة ممن حوله بواسطة اللغة متعلقة بواقع معين فإنه عند إحساسه بهذا الواقع يقوم بعملية التفكير فيه أي إنتاج الفكر بالحكم عليه، وهذه العملية تخضع لقوانين عمليات الدماغ بما نسميه عملية الربط الفكري التي هي جوهر التفكير.

فما هو واقع عملية الربط هذه والتي تشكل الاختلاف الجوهري بين فكر الإنسان والتمييز الغريزي لدى الحيوان؟ ولكن قبل الإجابة لا بد من توضيح الفرق بين أنواع المعلومات أو المعرفة التي يحصل عليها الإنسان بحواسه:

1- معرفة حسية (حس فقط): تأتي مباشرة من الإحساس بوجود الأشياء وبعض صفاتها والظواهر المرتبطة بها وهي قطعية
2- معرفة تمييزية استرجاعية (حس وربط استرجاعي فقط): تأتي من تفاعل الحس بقوانين عمليات الربط الدماغية واسترجاعها وهذه المعرفة على شكلين:
ا- طبيعية فيما يتعلق بالغرائز والحاجات العضوية فيعرف أن التفاحة تؤكل والحجر لا يؤكل.
ب- تقليد ومحاكاة ما يحس به في الأمور غير المتعلقة بالغريزة بتكرار الإحساس والاسترجاع، فالأطفال باستخدام جميع قوانين العمليات الدماغية يستطيعون تعلم اللغة الأولى في حين لا يستطيع الحيوان ذلك لفقدان دماغه بعض قوانين العمليات الدماغية المتطورة.
3- معرفة علمية فكرية (حس وربط ومعلومات سابقة): تأتي من تفاعل الحس مع معلومات أسبق منها بقوانين عمليات الربط الدماغية لتركيب معرفة جديدة منها كتعلم الكتابة والقراءة ولغة ثانية.

وهنا يرد سؤال وهو هل يمكن تكوين معرفة علمية بدون معلومات سابقة بواسطة الربط الاسترجاعي فقط؟

إن المعرفة الناتجة من عملية الربط الاسترجاعي لا توجد علما بل معرفة تمييزية، فيستطيع الإنسان من التفاعل بين الحس وقوانين عمليات الربط الدماغية أن ينتج معرفة أولية تمييزية، يعرف بها ما يشبع جوعاته وينفعه ويعرف ما يجب أن يتجنبه مما يضر وما لا يشبع طاقته الحيوية. ولكن هذه المعرفة لا يمكن أن تتطور إلى معرفة علمية تصلح للتفكير الذكي لفقدانها معلومات أساسية تتعلق بمعلومات أساسية عن الواقع المراد التفكير فيه لتكوين معنى جديد لتفسير هذا الواقع، أي أن التفكير في واقع معين بحاجة إلى نماذج معرفية فكرية تتعلق بهذا الواقع وليس إلى مجرد معرفة تمييزية أو إلى مطلق معرفة عن أي شيء آخر، وذلك مثل تعلم كتابة السريانية وقراءتها والتي هي بحاجة إلى المعلومات السابقة عن هذه اللغة وشكل أحرفها وربط ذلك بكيفية لفظ هذه الأحرف وكلماتها وجملها.

فمن أين تأتي النماذج المعرفية الفكرية (المعلومات السابقة) التي تتعلق بالواقع المراد التفكير فيه؟

إن المعلومات السابقة عن واقع معين والتي لا يملكها دماغ الإنسان ابتداء، ولا يمكن أخذها من عملية الربط الاسترجاعي، بل لا بد أن تأتي من غيره بالتلقي والتعلم، ولكن هذين الأمرين يحتاجان إلى واسطة تصلح لاحتواء المعاني المطلوبة أي المعرفة العلمية ويمكن تناقل هذه المعرفة بين البشر، ونعلم أن هذه الواسطة الصالحة هي اللغة كما ذكر سابقا. فيستطيع الطفل باللغة أن يتعلم ويتلقى المعرفة العلمية البسيطة ويبدأ بربط هذه المعرفة الجديدة بالمعرفة الأولية التمييزية التي لديه أي من المعاني اللغوية البسيطة التي يملكها بالربط الاسترجاعي، وذلك للبناء عليها من خلال تركيب معاني متطورة ومعقدة من مجموع معاني أبسط منها يملكها سابقا، أي يستطيع تكوين نماذج فكرية متطورة يخزنها في الدماغ في ملف فكري يعرِّفه بهوية جديدة من خلال اسم لغوي تلقاه من غيره أي ممن حوله، وهذه المعاني الجديدة المركبة من معاني أسبق منها نسميها المعلومات أو المعرفة الفكرية.

وهكذا نرى كيف تتم عملية تشكيل وبرمجة فكر الطفل بواسطة اللغة، فلولا اللغة لما استطاع الإنسان القيام بعمليات التفكير الذكية لأنه لا يمكنه الحصول على المعلومات السابقة اللازمة للتفكير الذكي إلا باللغة.

وهنا نعود للجواب عن السؤال حول واقع عملية الربط الذكي التي تشكل الاختلاف الجوهري بين فكر الإنسان والتمييز الغريزي لدى الحيوان؟
يوسف الساريسي
أخي أبا محمد الفاتح -- فتح الله عليك

أما سؤالك: الا ترى اخي الكريم ان معاني الاسماء اي مسمياتها هي معلومات مسبقة في حد ذاتها؟

إن اللغة إنما تعبر عن جميع المعاني بأسماء أي كلام في جمل مفيدة، ومن هذه المعاني ما هو بسيط ومنها ما هو مركب ومعقد فالبسيط كأسماء الأشياء مثل تفاحة وحجر وغيرها ومنها ما هو معقد بأن يكون مركبا من عدة معاني مثل مآلات الأفعال في أصول الفقه أو العرف الدولي في السياسة أو القيمة والثمن في الاقتصاد وغيرها، ومعنى تعلم هذه المعاني الجديدة هو الاستناد إلى معلومات سابقة بسيطة وربطها معا وتركيبها لتكوين معنى جديد مركب من المعاني بسيطة السابقة.

أما المعاني البسيطة فيتعلمها الطفل من أبويه بواسطة الربط الاسترجاعي بدون الحاجة إلى المعلومات السابقة وأما المركبة فهي بحاجة إلى معلومات سابقة من غيره يستطيع فهمها بالاستناد إلى ما لديه من معاني بسيطة حصلها عن طريق اللغة. وبامكانك الرجوع إلأى الموضوع السابق لأخذ بعض التفاصيل.

أما قولك في حين ان الطفل الذي لم يبلغ بضعة اشهر يستطيع ان يستجيب لنداء أهله،
فهذا من قبيل الربط الاسترجاعي المتعلق بالتمييز الغريزي ويشترك فيه الإنسان والحيوان، أما معرفة بعض ألفاظ اللغة البسيطة كالأخ الأكبر، فهي من قبيل الربط الاسترجاعي بالتقليد والمحاكاة مع التكرار وهو أصعب. وإذا كان المعنى اللغوي معقدا ومركبا فهو يحتاج إلى معلومات سابقة ليستطيع فهم المعنى كما ذكرت أعلاه.

والسلام عليكم
يوسف الساريسي
عملية الربط الفكري

للجواب عن السؤال السابق حول "ما هو واقع عملية الربط الفكري التي تشكل الاختلاف الجوهري بين فكر الإنسان والتمييز الغريزي لدى الحيوان؟" يكون الشرح والتفصيل كما يلي:

إن تعريف عملية التفكير كما وردت في كتاب "التفكير" للشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى وأثابه وجزاه خير الجزاء، هي كما يلي:

(وعلى ذلك فإن الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى معرفة معنى العقل معرفة يقينية جازمة هو أنه لا بد من وجود أربعة أشياء حتى تتم العملية العقلية أي حتى يوجد العقل أو الفكر. فلا بد من وجود واقع، ولا بد من وجود دماغ صالح، ولا بد من وجود حس، ولا بد من وجود معلومات سابقة. فهذه الأربعة مجتمعة لا بد من تحققها جميعها وتحقق اجتماعها، حتى تتم العملية العقلية، أي حتى يوجد عقل أو فكر أو إدراك.
وعليه فالعقل أو الفكر أو الإدراك هو: نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ ووجود معلومات سابقة يفسَّر بواسطتها هذا الواقع.)

ونلاحظ من هذا التعريف أن جوهر عملية التفكير هو التفسير، أي أن التفكير يعني تفسير الواقع. فما هي حقيقة التفسير؟

التفسير: هو جمـــع ألفاظ أشكلت بلفظ لا إشكال فيه، أي أنه لفظ ظاهر وواضح وفصيح بيين معنى لفظ غامض، ويفهم منه مراد المتكلم ودافعه وقصده، أو التفسير يأتي بمعنى التأويل أي توقع نتيجة الأمور. وما ينتج من التفسير أنه يزيل الخلط والتمويه والتستر والحيرة والاشتباه والتشكك في النفس. وبكلمات أخرى فإن التفسير يعـنـي وجود واقع غامض ومشكل ومحير في الذهن، يراد إظهار وتوضيح حقيقته ومعناه وما ينتج عن الانتفاع به بمقارنته بما يشبهه من الأمور الواضحة. إذن فخلاصة التفسير تقتضي أن يتم الجمع (الربط) بين معنى واقع فيه إشكال بمعنى آخر متصور في الذهن لا إشكال فيه.

أما واقع المعنى: فهو ظهور ووضوح صورة شيء ما في الذهن. ويتم إظهار المعنى بتمثيل الشيء الغامض بشيء آخر يشبهه يكون واضحا ومعروفا متصورا في الذهن، ووجه الشبه بينهما يكون باشتراكهما في صفة أو مظهر شكلي أو شروط محيطة ... وغير ذلك.

فنلاحظ هنا أن التفسير هو ربط بين معنى واقع معين فيه إشكال بمعنى آخر متصور في الذهن لا إشكال فيه. وهذا بالضبط ما نلاحظه من فهمنا لواقع عملية التفكير إذ إن المسألة هي في جوهرها هي عملية ربط فكري. يقول الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى في كتاب التفكير: "بل الذي يدل على أن هناك عقلاً أو فكراً، ويكون عملية عقلية حقاً، إنّما هو الحكم على الأشياء ما هي، والحكم على الأشياء ما هي لا يتم إلاّ بعملية ربط. وربطٌ بمعلومات سابقة. ومن هنا كان لا بد من وجود معلومات سابقة لأية عملية ربط حتى يوجد العقل أو الفكر، أي حتى تكون العملية العقلية".

ومن ذلك نستنتج أن معنى التفكير هو التفسير وهو عملية الربط الفكري الذكي في الدماغ، وهذه العملية تتم كالتالي:

الواقع الخارجي: أمر محسوس غامض في الذهن لا معنى له. (يوجد حيرة وتشكك والتباس في النفس)
النتيجة المطلوبة: فهم الواقع بإظهار وتوضيح صورته في الذهن.
الكيفية: ربط هذا الواقع بـنماذج فكرية لها معنى وواضحة في الذهن (معلومات سابقة) بإيجاد المشترك والشبه بين الواقع الغامض وواقع آخر واضح. ويتم ذلك باتباع الخطوات التالية:

1. تحليل الواقع الغامض إلى أجزاء بسيطة أي فكفكة وإزالة الروابط بين أجزاء هذا الشيء
2. استحضار أمور لها معنى واضح في الذهن من الذاكرة تشبه وتشترك مع الأجزاء المفككة في صفة أو مظهر شكلي أو شروط محيطة...الخ.
3. تجميع الأجزاء التي أصبحت واضحة في الذهن أي إعادة تركيبها بإيجاد روابط تجمعها معا كرابطة الاشتراك أو رابطة السببية أو غيرها.
4. إنتاج وتشكيل نموذج فكري ذي معنى جديد واضح في الذهن لهذا الكيان المترابط (الحكم على الواقع)

ومن ما ورد أعلاه نستطيع استخلاص واقع عملية الربط الفكري بالقول:

الربط الفكري هو تفسير واقع محسوس غامض ليس له معنى في الذهن بتوضيح صورته من خلال عملية تحليل هذا الشيء إلى أجزاء أبسط لها نماذج مشابهة وواضحة يعرفها الدماغ (معلومات سابقة) ثم تركيب هذه الأجزاء بربطها معا ككيان واحد لتشكيل نموذج ومعنى جديد لهذا الواقع

يتبع
يوسف الساريسي
تابع موضوع عملية الربط الفكري

ولنأخذ بعض الأمثلة للتوضيح الموضوع وهي نموذجان (مضخة مائية وسيارة) ولدينا هنا واقع يراد الحكم عليه لمن لا يعرفه، وفق الطريقة العقلية بالربط الفكري لتفسير كل من الواقعين:

المثال الأول (مضخة ماء):

لنفترض أنك لا تعرف ما هي مضخة الماء ونرى كيف يتم التفكير بها والحكم عليها بتفسيرها بالربط الفكري من خلال التحليل والتركيب. فنقول إن مضخة الماء هي آلة تستخدم لرفع الماء من مكان منخفض إلى منسوب أعلى بسرعة. وهذا هو المعنى والنموذج المراد تشكيله في الدماغ.

ونبدأ بتحليل هذا الشيء وهو المضخة إلى الأجزاء المكونة لها وهي: أنبوب شفط داخل مجمع مياه، أنبوب مخرج متصل بأنبوب آخر لتوصيل المياه إلى المكان البعيد ذو المنسوب الأعلى، محور دائري من الحديد، مروحة ذات فراشات، جسم حديدي مجوَّف لولبي، محرك يولد عزم دوران.

أما الأمور التي لها معنى واضح في الذهن تشبه وتشترك مع الأجزاء المفككة فهي قضيب طويل يشبه المحور الدائري، مروحة تدفع الهواء ذات فراشات، قشرة حيوان الحلزون ذات الشكل اللولبي، أنبوب أو ماسورة مجوفة واسطوانية طويلة، بئر ماء غائر في الأرض، خزان مياه فوق جبل.

ولفهم المعنى النموذجي للمضخة لا بد من تجميع الأجزاء التي هي واضحة في الذهن أي إعادة تركيبها بإيجاد روابط تجمعها معا، وذلك يكون بتصور المعنى العام أي الهدف من المضخة بما يشبهه، مثل تصور بكرة فوق بئر ماء يلقى الدلو إلى الماء في الأسفل ليملأ ثم يسحب بالحبل (السبب) ليرفع الماء إلى الأعلى بواسطة الدلو ويصب في وعاء أكبر حوض ماء.

ولتركيب صورة آلة رفع الماء أي المضخة فإن أنبوب الشفط داخل بئر الماء يكون غاطسا في الماء كما يغطس الدلو، ثم يرفع الماء إلى أعلى بفعل دوران فراش المروحة كما تدور البكرة حول محورها. والذي يدير البكرة هي قوة يد الإنسان فيما يدير مروحة المضخة حول محورها محرك يعطيها القوة اللازمة للدوران. ويدفع الماء الواصل إلى تجويف جسم المضخة الحلزوني إلى الأنبوب الخارج من المضخة بقوة بواسطة طاقة دوران المروحة، فيندفع الماء في الأنبوب المتصل بمخرج المضخة ليصب أخيرا في حوض كبير أي خزان للمياه.

وبهذا الربط وتركيب المعاني البسيطة معا يتم إنتاج وتشكيل نموذج فكري ذي معنى جديد واضح في الذهن لهذا الكيان المترابط وهو مضخة رفع الماء وهذا المعنى الجديد هو الحكم الذي أصدره العقل وفسر به واقع وحقيقة مضخة الماء. وتم تخزين هذا المعنى للمضخة في ملف جديد في الذهن باستخدام مصطلح جديد اسمه "مضخة الماء"، أي وجد نموذج في ذاكرة الدماغ يتم تذكره واسترجاعه لاحقا من هذه الذاكرة لتركيب معاني أخرى جديدة بالاستناد إلى هذه المعلومة التي ستصبح معلومة سابقة لغيرها. وذلك مثل تصور معنى جديد لإسم جديد هو "التوربين" الذي يولد الطاقة الكهربائية من شلال المياه. ويتم ذلك بعكس مفهوم ومعنى المضخة التي هي الآن معلومة سابقة في النموذج الفكري المتصور بصورة واضحة في الذهن.

المثال الثاني (السيارة):

وهي وسيلة تهدف إلى نقل الناس والبضائع من مكان لآخر بسرعة وراحة (المعنى هنا هو الهدف) والأجزاء الأساسية في السيارة هي عجلات ومحرك وحامل أساسي للأوزان وروابط بينها وما يتعلق بذلك من طاقة لازمة للمحرك والتحكم في سرعته وتوقيفه وسيطرة على اتجاه العجلات.

عملية تحليل الأجزاء إلى نماذج ذهنية لها معاني معروفة (معلومات سابقة): عجل دائري وعملية حركته الدورانية إلى الأمام، حصان يجر شيئا خلفه بقوة، كرسي يجلس عليه شخص، وعاء يحتوي البضاعة، باب، زجاج، قضيب دائري، حامل حديد، كابح احتكاك، ضوء، مسامير وبراغي ومرابط لربط الأجزاء المختلفة...الخ

عملية التركيب: ربط العجلات بقضبان دائرية وجلوس الحامل الرئيسي من الحديد فوقها بروابط ملائمة ثم حملها للكراسي ووعاء البضائع بروابط ملائمة ثم جلوس الركاب عليها. وتصور المحرك الدافع للأمام وحاجة المحرك إلى طاقة دافعة من الوقود وتصور سائق ويتحكم في بدء الحركة والسرعة والوقوف والاتجاه. فيتشكل النموذج الجديد في الذهن لـ "اسم" جديد هو "السيارة" ويتشكل "مسماه" أي معناه أو هدفه وهو وسيلة نقل الأشخاص والبضائع من مكان إلى آخر بسرعة وراحة. وبذلك تم تفسير واقع السيارة هذا والحكم عليه وإيجاد نموذج له في ذاكرة الدماغ يتم تذكره واسترجاعه لاحقا لتركيب معاني أخرى جديدة.

وإذا كان هناك جزء من أجزاء السيارة بعد تحليلها ليس له نموذج معروف المعنى (معلومة سابقة) كالمحرك مثلا، فإنه يجب أن تتم عملية تشكيل نموذج جديد له أولا، وذلك من خلال تصور عملية سحب الحصان للعربة ودوران عجلاتها خلفه إلى الأمام باندفاع سريع، ثم تصور المحرك كبديل لجر الحصان وذلك بتصور أن دوران العجلات يتسبب عن دوران المحرك ونقله الحركة إلى هذه العجلات من خلال روابط ناقلة ملائمة. ليتم تكوين معنى جديد لمسمى المحرك ويختزن في الدماغ تحت ملف جديد اسمه المحرك أو الموتور فتتشكل منه معلومة سابقة.

والسلام عليكم
يوسف الساريسي
إذن فما هي البديهيات؟ وما هي علاقتها بالربط الفكري؟


البديهيات: هي تلك الأفكار الواضحة والتي تفرض نفسها على ذهن العاقل ولا يطلب عليها دليلا ويقبلها دون الحاجة إلى برهان لإثباتها، أو هي العلوم التي يدركها الإنسان بأول التوجه دون احتياج إلى التفكر والنظر وتقديم المقدمات وترتيبها، ولا تبنى على معارف وعلوم سابقة، ولا تتعلم بتجربة أو تكرار. ويسميها المتكلمون بأوائل العقول أو الأوليات أو الضروريات أو المقدمات الصحيحة أو المبادئ الفطرية.

من أمثلة البديهيات: الكل أعظم من الجزء، لا يجتمع المتضادان، لا يكون جسم واحد في مكانين، لا يكون جسمان في مكان واحد، الطويل زائد على مقدار ما هو أقصر منه، ذا النهاية يحصر ويقطع بالعدو، لا يعلم الغيب أحد، التفريق في الخبر بين الحق والباطل، لا يكون شيء مما في العالم إلا في زمان (متى؟)، للأشياء طبائع وماهية ويميل الإنسان إلى الطمأنينة بمعرفتها، لا يكون فعل إلا لفاعل، الخبر يحتمل الصدق والكذب. وهناك بديهيات أخرى يذكرها المتكلمون مثل بطلان الرجحان دون مرجح، العلية أو السببية، بطلان التسلسل، بطلان الدور (الحلقة المفرغة)، وغيرها.
والذي دفع الفلاسفة والمتكلمون إلى القول بضرورة الحاجة إلى البديهيات هو اعتمادهم "المنطق" كأسلوب في التفكير، والمنطق هو بناء فكر على فكر أي مقدمات والوصول عن طريق هذا البناء إلى نتيجة معينة. وبالتالي فإنهم يقولون أنه إذا كانت كل قضية أو نتيجة تحتاج إلى برهان لإثباتها والبرهان يحتاج إلى برهان لإثباته وظل الباحث يطلب البرهان تلو البرهان لتسلسلت القضايا فلا والتسلسل ممنوع فلا بد إذن حتى يزول الجهل ويحل محله العلم من مبرهنات لا تحتاج إلى برهنة لأن المعرفة تستحيل بدون وجود البراهين الأولية أو الضرورية. ونرى بالتالي أن البديهيات هي أفكار استنبطها - أو قل اخترعها - الفلاسفة والمتكلمون بناء على طريقة البحث المنطقي لديهم للبرهنة على صحة القضايا التي يستخدمونها فكان لا بد لهم من القول بوجود المبادئ الضرورية أي البديهيات.

قوانين التفكير:

إن محاولة فهم مسألة البديهيات وعلاقتها بالتفكير قد جعلنا نحاول التعمق في فهم خاصية الربط في الدماغ بين الواقع والمعلومات السابقة، ذلك أن عميلة التفكير في العقل لاستنباط المعلومات الجديدة لا يمكن أن يتم إلا من خلال عملية ربط الإحساس بالواقع بمعلومات سابقة لها، وقد تبين أن عملية الربط التي تجري في الدماغ لإنتاج الأفكار لا بد أن تخضع لقوانين معينة سميناها "قوانين التفكير".

وقوانين التفكير هي تلك القوانين التي تتحكم في عملية إنتاج الفكر، أي أن دماغ الإنسان الذي يعمل بواسطة ”خاصية الربط" يقوم بتصنيع الأفكار بالخضوع الإلزامي لقوانين محددة أي "قوانين التفكير". والذي دفع إلى القول بالحاجة إلى وجود مثل هذه القوانين هو أن العملية العقلية تجري وفق علاقة سببية بالربط بين أمرين هما:

1. السبب وهو (الواقع المحسوس المنقول إلى الدماغ)
2. المسبَّب وهو (الفكر المنتج أو الحكم الصادر)

ومن خلال إدراكنا لواقع العلاقة السببية فإن التغيير الذي يحدثه السبب في المسبَّب يكون حتما وفق قوانين معينة تخضع لها الأشياء، ولذلك وبما أن عملية التفكير هذه هي علاقة سببية فلا بد أن إنتاج الفكر يجري وفق قوانين وضوابط معينة تتحكم في عملية الإنتاج أي تتحكم في ”خاصية الربط". وهذه القوانين تسيطر على عملية الإنتاج أي أن الوصول إلى الحكم على واقع معين يتم بالخضوع لقوانين محددة هي "قوانين التفكير". وقد تم سابقا تحديد 16 قانونا تخضع لها العمليات الدماغية، منها يتعلق بالتمييز الغريزي ومنها ما هو خاص بالتفكير لدى الإنسان العاقل فقط وهي غير موجودة لدى الحيوانات.

ومعنى القول بوجود قوانين معينة تخضع لها عملية التفكير، هو أن هذه القوانين مخلوقة ومفطورة في الدماغ البشري ويجب أن تكون ذاتية فيه وليست مكتسبة بالتعلم لأنها ليست معلومات سابقة ولا هي جزء من الواقع الخارجي المنقول إلى الدماغ، لذلك فهي مفطورة في الدماغ ويكون الدماغ من خلال استخدامها صالحا للربط بين الواقع المحسوس والمعلومات السابقة وقادرا على القيام بالعملية الفكرية أي إنتاج الأفكار. وكذلك نعلم أن القوانين والخاصيات هي مما قدره الله في الأشياء وهي تقع في الدائرة التي تسيطر على الإنسان ولا دخل له في إيجادها وهو غير مخير فيها.

والإنسان لا يستطيع أن ينتج الأفكار إلا بوجود عملية الربط الذكي في دماغه، وبالتالي فتكون القوانين التي تخضع لها عملية الربط في الدماغ ضرورية. وهذا بالضبط مكمن الخلل في قول الفلاسفة والمتكلمين في اعتبارهم أن البديهيات حقائق ضرورية. فقد تبين لنا أن "قوانين التفكير" هي الضرورية وليست البديهيات لأن البديهيات في النهاية هي أفكار أو علم، والإنسان يولد خاليا من كل علم كما قال الله تعالى في سورة النحل: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(78)".

لذلك لم يستطع المتكلمون من الإجابة على السؤال حول ضرورية وجود علم البديهيات الذي تعارض مع صريح القرآن إلا بالتأويل للنصوص كعادتهم! أما القول بوجود قوانين التفكير فلا يحتاج إلى تأويل لأن ذلك ينسجم تماما مع الواقع ومع النصوص الشرعية من خلال فهمنا لمسألة القضاء والقدر ودائرة نظام الوجود وقوانين وخواص الأشياء التي خلقها الله تعالى.

إذن فما هي البديهيات؟

يتبع بإذن الله
يوسف الساريسي
إذن فما هي البديهيات؟


بناء على ما قدمنا فإن البديهيات هي أفكار يتم استنباطها من خلال عملية عقلية بالربط المباشر بين الواقع المحسوس وقوانين التفكير، أي بعملية الربط الاسترجاعي، وهذا هو الذي يجعل البديهيات أفكارا قطعية أي حقائق من الدرجة الأولى. ولكن البديهيات تتفاوت فيما بينها حسب درجة قربها وبعدها من البناء على قوانين التفكير فما كان من قرب فهو أبين وأوضح إلى كل نفس وكلما بعدت صارت أصعب في الاستدلال. وأقربها من البديهيات ما يسمى بمبدأ العينية أو الهويِّة والسببية، وبديهية كبطلان التسلسل أصعب لأنها أبعد.

أننا نستطيع استنباط أية حقيقة بديهية بربط قانون أو أكثر من قوانين التفكير ببعضها ومع الواقع المحسوس، ومن ثم الخروج بنتيجة معينة تمثل بديهية متداولة. فالسببية تعتمد على قانون فكري واحد واضح وأصيل، أما بطلان التسلسل فإنه يعتمد على ربط ثلاثة قوانين أو أكثر وربطها بالمحسوسات من خلال الاستشهاد بالمتسلسلات المحدودة، و تصور التسلسل يقتضي تصور اللامحدود ومن ثم إبطاله، وهذا يجعل هذه البديهية صعبة التصور في الذهن فكأنها كادت أن تخرج عن كونها بديهية لأنها أصبحت بحاجة إلى برهان آخر غيرها لإثباتها.

ويمكن استنباط بديهيات أخرى من قوانين التفكير غير تلك المتعارف عليها، وذلك مثل بديهية الاستقرار وكذلك بديهية الاحتياج كما فعل الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى في استناده إليها وإلى بديهية مجموع المحدودات محدود لإثبات أن الكون مخلوق لخالق هو الله تعالى.

ومن هنا نستطيع فهم معنى قول الفلاسفة والمتكلمين أن [البديهيات هي تلك الأفكار الواضحة والتي تفرض نفسها على ذهن العاقل ولا يطلب عليها دليلا ويقبلها دون الحاجة إلى برهان لإثباتها، ولا تبنى على معارف وعلوم سابقة، ولا تتعلم بتجربة أو تكرار]، وكل هذا المعنى تم استيعابه وتفسيره هنا من خلال معرفتنا أن هذه البديهيات مستنبطة من خلال عملية الربط الاسترجاعي بالربط المباشر بين الواقع المحسوس وقوانين التفكير دون الاستناد إلى معلومات سابقة.

وما يجب ملاحظته بالنسبة للبديهيات أنها ليست شروطا أساسية لازمة وضرورية لعملية التفكير كما حاول المتكلمون أن يصوروها، فالكثير من المثقفين وعوام الناس لم يسمعوا بهذه الحقائق البديهية فيجدونها غريبة عليهم، لأنها من مصطلحات علم الكلام. ولكن معناها ومضمونها يمكن الإقرار به من قبل العقلاء بربط معناها بالحس مباشرة، وطريقة ذلك تكون في تبيان معناها الواقعي بشرحها وضرب الأمثلة المحسوسة عليها، فيستطيع الذهن عندئذ تصورها والإقرار بصحتها كحقائق من الدرجة الأولى.

والبديهيات تلزم عند إرادة المفكر البناء عليها لإثبات بعض القضايا التي تتطلب البرهان والدليل بهدف إثبات صحة القضية التي يطرحها. وبلورة واقع البديهيات في ذهن المفكر تساعده في سهولة وسرعة الاستدلال على ما يريد إثباته من قضايا ويستطيع كذلك معرفة الخلل والغلط في قول الخصم أو المناظر. وبالتالي لا مانع من دراسة البديهيات والإطلاع عليها وفق ما ذكرناه أعلاه، وإن كان ذلك غير لازم في البرهان على صحة القضايا، بل يمكن أن يستعان بها للسرعة والسهولة خصوصا عند بلورة معانيها في الذهن.

وفي النهاية أظن أن السؤال الذي سئل ابتداء وهو: هل هي معلومات سابقة علمها الله لسيدنا آدم عليه السلام أم هي مفطورة في الدماغ؟ قد تمت الإجابة عليه.

والله أعلم وأحكم

وندعوه تعالى أن يزيدنا من لدنه علما ويهيئ لنا من أمرنا رشدا.

والسلام عليكم
عابد الرحمن
السلام عليكم

إقتباس
نستطيع أم نفهم من آيات سورة البقرة حول استخلاف آدم عليه السلام، أن الله تعالى علم آدم عليه السلام أسماء الأشياء مقرونة ومربوطة بمسمياتها أي علمه لغة معينة وأعطاه معلومات سابقة لازمة له ليفكر، أي علمه لغة أولى هي أم جميع اللغات البشرية، ثم افترق الناس في الأرض إلى شعوب وقبائل.



أستاذ يوسف

ما أعلمه أن حزب التحرير يقول أن الله تعالى لم يعلم آدم عليه السلام لغة، وأذكر أن موضوع اللغة قد افتتحه الأخ صوت التحرير في منتدى العقاب القديم وهاكم الرابط وهاكم الاقتباس اللازم منه :

http://www.alokab.com/old/index.php?showtopic=3846

مما جاء في كتاب الشخصية الاسلامية الجزء الثالث ص116

" وأما الواضع للغات فهو أن اللغات كلها اصطلاحية ، فهي من وضع الناس وليست من وضع الله "
.
.
" إذ لو وضعها الباري تعالى ووقفنا عليها أي أعلمنا بها فإن هذا التوقيف إنما يكون عن طريق من طرقه أي إما بالوحي وإما بخلق علم ضروري في عاقل بأن الله تعالى وضعها لهذه المعاني ، أما التوقيف عن طريق الوحي فباطل لأنه يلزم تقدم بعثة الرسل على معرفة اللغات حتى يعرفهم اللغة التي وضعها الله ثم بعد ذلك يبلغهم الرسالة ولكن البعثة متأخرة لقوله تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " . وبهذا يثبت أن اللغة ليست توقيفية من الله
أما التوقيف عن طريق خلق علم ضروري فباطل أيضا لأنه يلزم منه أن يعرف الله تعالى بالضرورة لا بحصول العلم لأن حصول العلم ضروري بوضع الله للغة يستلزم الغلم الضروري بالله تعالى ، لكن معرفة الله تعالى ليست بالضرورة وإنما بحصول العلم فلا تكون معرفة الله بالضرورة وإنما بحصول العلم وبذلك يثبت أنها ليست توقيفية "

" وأما قوله تعالى " وعلم آدم الاسماء كلها " فإن المراد منه مسميات الاشياء لا اللغات أي علمه حقائق الاشياء وخواصها ، أي أعطاه المعلومات التي يستعملها للحكم على الاشياء ، فإن الاحساس بالواقع لا يكفي وحده للحكم عليه وإدراك حقيقته بل لابد من معلومات سابقة يفسر بواسطتها الواقع ، فالله تعالى علم آدم الاسماء أي مسميات الاشياء فأعطاه معلومات يستطيع بها أن يحكم على الاشياء التي يحسها ، وأما تعبير القرآن بكلمة الاسماء فإنه قد أطلق الاسم وأراد المسمى كما يدل على ذلك الواقع ، فإن آدم عرف الاشياء ولم يعرف اللغات ، فكل ما يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة هو محل التعليم والمعرفة ، واللغة إنما هي وسيلة للتعبير ليس غير ، فسياق الاية يدل على أن المراد من كلمة " الاسماء كلها " المسميات أي الحقائق والخواص "

.
.
.
.
" وبذلك يتبين أنه لا يوجد دليل شرعي على أن اللغات توقيفية . بل الواقع المشاهد أنهما اصطلاح من الناس ، فهي من وضع البشر وليست من الله " اهــ




فما قولك؟
يوسف الساريسي
أخي عابد الرحمن

السلام عليكم

عذرا على هذا الرد المتأخر على قولك - بسبب السفر - بشأن موضوع سيدنا آدم واللغة.

قال الله تعالى في سورة البقرة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33))

يقول بعض المفسرين لهذه الآيات أن اعتراض الملائكة على خلافة بني آدم في الأرض بدعوى الإفساد وسفك الدماء، كان يضمر أحقية الملائكة بهذا الاستخلاف (ما كنتم تكتمون) لأنهم يسبحون بحمد الله ويقدسونه، وأراد الله الإظهار لهم فضل آدم عليهم لجهة الاستخلاف، بقدرة آدم عليه السلام وذريته من بعده على التعلم والتفكير، أما هم فلا يعلمون إلا ما يعلمهم الله ولا يسبقونه بالقول.

لذلك يكون أساس الاستخلاف هو العقل والعلم وهو ما أثبته آدم للملائكة من قدرته على أن ينبئهم بأسماء الأشياء التي عرضت عليه في حين عجزت عنه الملائكة، فقامت الحجة بأحقية استخلاف آدم وذريته في الأرض.

إن النص القرآني يبلغ صراحة أن سيدنا آدم قد تكلم وأنبأ الملائكة بأسماء المسميات التي عرضت عليه (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ)، وهذا يدل على وجود لغة معينة لآدم قد تكلم بها، أي أنه لما عرضت عليه المسميات ربطها بما لديه من معلومات سابقة علمه الله إياها وحكم عليها بعقله وتلفظ بأسمائها كلاما. أما القول أن الله علم آدم مسميات الأشياء فقط أو علمه الأسماء مع المسميات، فهذا يحتمل أمرين:
الأول: أن يكون لآدم لغة قد اصطلح عليها بنفسه قبل أن يعلمه الله أسماء الأشياء لأن اللغة تعبر عن معاني الأشياء بألفاظ أي بكلام ومن الكلام أسماء الأشياء.
والثاني: أن يكون الله علم آدم لغة معينة مع تعليمه إياه أسماء الأشياء.
فإذا قلنا أن لآدم لغة قد اصطلح عليها بنفسه قبل أن يعلمه الله أسماء الأشياء نقع في الدور الباطل، فلا يمكن أن يكون لآدم لغة قبل وجود المعلومات السابقة -مما علمه الله- في دماغه، كما لا يمكن لآدم أن يتكلم وينبئ الملائكة بأسماء الأشياء بدون لغة. وبالتالي ينتفي الاحتمال الأول ويبقى الاحتمال الثاني وهو أن يكون الله علم آدم الأسماء أي اللغة وكذلك المسميات أي المعلومات السابقة.

هناك قاعدة في اللغة وأصول الفقه أنه "يجب حمل اللفظ على حقيقته اللغوية ولا يجوز أن يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة". والآيات من سورة البقرة تنص صراحة على أن الله علم آدم الأسماء وأن آدم قد أنبأ الملائكة بأسماء المسميات. فلماذا يتعذر حمل هذه الآيات على معناها الحقيقي!؟ أرى أن الحمل على الحقيقة اللغوية أولى وهو لا يتعذر حتى نلجأ إلى المجاز، ونقول أن الله علم آدم مسميات الأشياء ولم يعلمه أسماءها. أما الذي دفع بعض المتكلمين إلى أن يقولوا بتعذر حمل المعنى على الحقيقة اللغوية هو أن هذا القول يقتضي أن تكون اللغات توقيفية وليست اصطلاحية، ولكن هذا غير مسلَّم به لأنه يمكن القول أن اللغات اصطلاحية من وضع البشر كما هو مشاهد ومحسوس في واقع المجتمعات البشرية ويمكن القول كذلك استنباطا من الآيات أن الله علم آدم اللغة الأولى أم جميع لغات البشر.

ولكن هذا يعتبره المتكلمون تناقضا إذ لا يمكن جمع هذين الأمرين معا، وهذا آت من افتراضهم أن اللغات جامدة لا تتطور ولا تتغير ولكن هذا الافتراض غير دقيق إذ أنه بمرور الزمن ولأسباب كثيرة فإن اللغات تتغير وتتطور وتتفرع كما حصل ويحصل للغة العربية واللغة اللاتينية والإنجليزية وجميع اللغات الأخرى. وبدون هذه الحقيقة المشاهدة فإن القول بأن الله علم آدم اللغة تكون اللغات توقيفية ونقع في التناقض الباطل.

والحل الأسلم لهذا الإشكال هو بحمل الآيات على حقيقتها اللغوية والقول أن اللغات اصطلاحية من وضع البشر كما هو مشاهد ومحسوس وكذلك أنها تتطور تتفرع مع الزمن كما هو مشاهد ومحسوس، وبالتالي فلا تناقض ولا إشكال في هذا الفهم هنا، ونخرج من عادة المتكلمين في تأويل آيات الله عند اختلاف معناها اللغوي مع آرائهم التي أخذوها من الفلسفة وأرادوا إخضاع النصوص الشرعية لما تبنوه منها فانحرفوا بفهم الإسلام عن الطريق الصواب.

وانظر كذلك في قول الله تعالى في سورة إبراهيم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(4)) فهذه الآية تدل على أن كل نبي أرسله الله يبين لقومه الهدى والضلال بلسانهم أي بلغتهم وهذا يقتضي أن يتكلم بلغة معينة. وهذا ينطبق على آدم أيضا فهو نبي أوحى الله إليه وبلغ آدم زوجه وذريته ما أرسل به بلغة معينة لا نعلم ما هي، ولكن يجب بالقطع أن تكون له لغة قد تكلم بها لإبلاغ رسالته، فمن أين أتى آدم بهذه اللغة وليس له قوم لهم لسان معين لأنه أول البشر وهو الذي علم زوجه وذريته اللغة؟ إنها مما علمه الله كونه أول الذين تكلموا وفكروا من البشر.

أما بشأن تبني الحزب لمسألة أن اللغات اصطلاحية فهذا ما أتبناه ولا أخالف فيه ولا يجوز لي أن أخالفه، ولكني أقوم بشرح وتفصيل لبعض ما نتبناه خصوصا فيما يتعلق بالتفكير وأنه هو التفسير وعلاقة التفكير بالبديهيات والمعلومات السابقة وعلاقة اللغة بالتفكير، ومحاولة التنقيب في التراث لتنقيح بعضه وتصحيح بعض تأويلات المتكلمين وذلك بالاستناد إلى فكر الحزب خصوصا أمام هجوم بعض الأخوة في المنتدى على بعض أفكار الحزب.

والله الموفق وعليه التوكل
عابد الرحمن
السلام عليكم

يتعذر علي يا شيخ يوسف أن أجمع ما بين ما ذكرت وبين ما هو في الشخصية الجزء الثالث



إقتباس
وأما الواضع للغات فهو أن اللغات كلها اصطلاحية ، فهي من وضع الناس وليست من وضع الله


إقتباس
أما التوقيف عن طريق الوحي فباطل لأنه يلزم تقدم بعثة الرسل على معرفة اللغات حتى يعرفهم اللغة التي وضعها الله ثم بعد ذلك يبلغهم الرسالة ولكن البعثة متأخرة لقوله تعالى  ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه  . وبهذا يثبت أن اللغة ليست توقيفية من الله



إقتباس
وأما قوله تعالى  ﴿وعلم آدم الاسماء كلها  فإن المراد منه مسميات الاشياء لا اللغات أي علمه حقائق الاشياء وخواصها ، أي أعطاه المعلومات التي يستعملها للحكم على الاشياء ، فإن الاحساس بالواقع لا يكفي وحده للحكم عليه وإدراك حقيقته بل لابد من معلومات سابقة يفسر بواسطتها الواقع ، فالله تعالى علم آدم الاسماء أي مسميات الاشياء فأعطاه معلومات يستطيع بها أن يحكم على الاشياء التي يحسها ، وأما تعبير القرآن بكلمة الاسماء فإنه قد أطلق الاسم وأراد المسمى كما يدل على ذلك الواقع ، فإن آدم عرف الاشياء ولم يعرف اللغات ، فكل ما يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة هو محل التعليم والمعرفة ، واللغة إنما هي وسيلة للتعبير ليس غير ، فسياق الاية يدل على أن المراد من كلمة  ﴿الاسماء كلها  المسميات أي الحقائق والخواص 
يوسف الساريسي
أخي عابد الرحمن

أهلا وسهلا بك مجددا بعد طول غياب

إن ما ذكرته من نقول من الجزء الثالث من كتاب "الشخصية الإسلامية" للشيخ تقي الدين رحمه الله واضح في ذهني، وإن كان الكتاب ليس بين يدي في المكان الذي أعيش فيه في قاع الأرض حتى يمكنني الرجوع إلى النص دائما.

وما أردت أن أقوله حول قضية العلاقة بين التفكير واللغة أن اللغة هي وعاء الفكر، وأنه لا يمكن تلقي العلوم والمعلومات السابقة إلا بوجود لغة معينة للإنسان الذي يريد أن يتعلم، وهذا واضح لا شك فيه وفق ما هو مشاهد ومحسوس في واقع الناس. إلا أن المشكلة تكمن في بعض التراث الذي ورثناه من علم الكلام حول الكثير من القضايا بالاستناد إلى المنطق الأرسطي مثل البديهيات وكون اللغات اصطلاحية وغيرها الكثير من القضايا في جميع العلوم الإسلامية عموما.

إن كيفية تعامل المتكلمين مع النصوص الشرعية أوجد في كثير من العلوم الشرعية قضايا إشكالية من الصعب جدا حلها عبر التعامل معها وفق منهجهم في البحث، وأكبر دليل على ذلك مسألة التعامل مع آيات صفات الله سبحانه وتعالى وكذلك مسألة القضاء والقدر ومسألة خلق القرآن. لكن انظر كيف تم حل هذه القضايا الإشكالية التي أوجدها المتكلمون من خلال طريقة حزب التحرير في تناول هذه القضايا والتعامل مع النصوص الشرعية المتعلقة بها. إن ما حاولت أن أقوم به فيما يتعلق بمبحث "هل اللغات اصطلاحية أم توقيفية؟" هو محاولة حل الإشكال الذي أوجده المتكلمون في هذه القضية في التعامل مع النصوص الشرعية المتعلقة بهذا الأمر وفق هذه المنهجية.

وقد تبين لي أن أساس الخطأ عند المتكلمين في التعامل مع مسألة اللغات افتراضهم أن اللغات جامدة لا تتطور ولا تتغير، وبالتالي اضطرهم هذا إلى القول أن الله لم يعلم آدم لغة وإنما علمه مسميات الأشياء فقط، وذلك بالقيام بتأويل النصوص الشرعية كعادة المتكلمين في التعامل مع الآراء التي تتعارض مع النصوص الشرعية.

وباختصار أردت القول أن النص القرآني يخبر صراحة أن سيدنا آدم قد تكلم وأنبأ الملائكة بأسماء المسميات التي عرضت عليه (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ)، وهذا يدل على وجود لغة معينة لآدم قد تكلم بها، أي أنه لما عرضت عليه المسميات ربطها بما لديه من معلومات سابقة علمه الله إياها وحكم عليها بعقله وتلفظ بأسمائها كلاما. أما القول أن الله علم آدم مسميات الأشياء فقط أو علمه الأسماء مع المسميات، فهذا يحتمل أمرين، الأول: أن يكون لآدم لغة قد اصطلح عليها بنفسه قبل أن يعلمه الله أسماء الأشياء لأن اللغة تعبر عن معاني الأشياء بألفاظ أي بكلام ومن الكلام أسماء الأشياء. والثاني: أن يكون الله علم آدم لغة معينة مع تعليمه إياه أسماء الأشياء.

فإذا قلنا أن لآدم لغة قد اصطلح عليها بنفسه قبل أن يعلمه الله أسماء الأشياء نقع في الدور الباطل (الدوران في حلقة مفرغة)، فلا يمكن أن يكون لآدم لغة قبل وجود المعلومات السابقة -مما علمه الله- في دماغه، كما لا يمكن لآدم أن يتكلم وينبئ الملائكة بأسماء الأشياء بدون لغة. وبالتالي ينتفي الاحتمال الأول، ويبقى الاحتمال الثاني وهو أن يكون الله علم آدم الأسماء أي اللغة بجانب تعليمه مسميات الأشياء أي المعلومات السابقة.

والخلاصة أن اللغات اصطلاحية من وضع البشر كما هو مشاهد ومحسوس وكذلك أنها تتطور تتفرع مع الزمن كما هو مشاهد ومحسوس، وبالتالي فلا تناقض ولا إشكال في هذا الفهم هنا. ويجب علينا ملاحظة الفرق في التعامل مع قضية اللغات بين أن الرسل تكلموا بلسان أقوامهم وهذا صحيح، وبين لغة سيدنا آدم التي هي حالة خاصة به كونه أبا البشر وأولهم.

أما بالنسبة لسيدنا آدم عليه السلام فهناك قضيتان هما: كيف تعلم آدم اللغة الأولى؟ ومن أين جاء أول مفكر وهو آدم بالمعلومات السابقة؟
وقد أجاب الحزب على السؤال الثاني بالقول أن الله تعالى علم آدم هذه المعلومات السابقة من خلال فهم الآية (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31) من خلال تفسير أن تعلم الأسماء يعني "مسميات الأشياء" ولكنه لم ينف تعليم الله لآدم لغة معينة فيما أعلم.

أما السؤال الأول "كيف تعلم آدم اللغة الأولى؟" فلم يتعرض له الحزب -فيما أعلم- وكذلك لم يفعل المتكلمون. وأردت من خلال البحث الذي قمت به هنا حول "قوانين التفكير" وعلاقة اللغة بالفكر الإجابة على هذا السؤال من ضمن توابع الموضوع حول لغة سيدنا آدم الأولى أم جميع لغات البشر. وقد تبين لي ضرورة وجود لغة تعلمها سيدنا آدم وتكلم بها، إذ إنه لا يستطيع تلقي العلم والمعلومات السابقة "مسميات الأشياء" إلا بوجود لغة معينة وذلك استنادا إلى قوله تعالى: (قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33)) والتي تدل صراحة على تلفظ آدم بأسماء الأشياء بعد تعلمه مسمياتها فمن أين أتى آدم بهذه اللغة التي تكلم بها؟؟؟

إن الجواب المباشر على ذلك هو القول بأن نص الآيات من سورة البقرة تدل على أن الله علمه أسماء الأشياء أيضا أي علمه اللغة الأولى ليستطيع التكلم بها وأن ينبئ الملائكة بأسماء الأشياء وأن يبلغ دعوة ربه إلى قومه، أما الإشكالية التي وقع فيها المتكلمون حول أن ذلك يقتضي أن تكون اللغات توقيفية، فهذا الإشكال تم حله بمعرفة أن اللغات اصطلاحية وأنها تتطور مع الزمن بفعل أسباب عديدة وكل قوم لهم لغتهم التي يصطلحون عليها.

أما النقاش بأن هذا يعتبر إنشاء جديدا وبحاجة فيه إلى رأي أو تبني معين من قبل الحزب، فليس هذا محله وأظنك تفهم مغزى قولي هذا!!

والسلام عليكم
عابد الرحمن
السلام عليكم

بارك الله فيكم يا شيخ يوسف، وأعتذر لتأخري

إقتباس
وإن كان الكتاب ليس بين يدي في المكان الذي أعيش فيه في قاع الأرض حتى يمكنني الرجوع إلى النص دائما.


أعانك الله، ولعل الانترنت له فائدة كبيرة في هذا الصدد.




صحيح أن هذا الاقتباس له سياقه

إقتباس
فالله تعالى علم آدم الاسماء أي مسميات الاشياء فأعطاه معلومات يستطيع بها أن يحكم على الاشياء التي يحسها ، وأما تعبير القرآن بكلمة الاسماء فإنه قد أطلق الاسم وأراد المسمى كما يدل على ذلك الواقع ، فإن آدم عرف الاشياء ولم يعرف اللغات ، فكل ما يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة هو محل التعليم والمعرفة ، واللغة إنما هي وسيلة للتعبير ليس غير ، فسياق الاية يدل على أن المراد من كلمة  ﴿الاسماء كلها المسميات أي الحقائق والخواص 


فهو يتكلم عن إعطاء المعلومات، ويقول أن إعطاء المعلومات ليس بالضرورة يحتم وجود لغة عند آدم، ويقول أن اللغة هي أداة للتعبير عند البشر.


فإذا قلنا أن
الله تعالى علم آدم مسميات الأشياء، بدون وجود لغة عند آدم عليه السـلام

طيب

كيف تعلم آدم دون وجود لغة عنده؟

طيب

لو قلنا أن الله تعالى علم آدم لغة، فكيف علمه إياها ابتداء دون وجود لغة عند آدم؟

إذن

يسقط الاعتراض على أن الله تعالى علم آدم مسميات الأشياء دون وجود لغة عند آدم عليه السلام.



تبقى مسألة أن آدم أنبأ الملائكة، وأن آدم تخاطب مع غيره قبل الهبوط إلى الأرض
هل كوّن لغة من عنده بعدما أخذ المعلومات السابقة من الله تعالى بطريقة لا يلزم منها أن يكون عنده لغة لتعلمها؟
هل تعلّم اللغة من الملائكة؟
هل علّمه الله تعالى لغة؟


ما زال الموضوع عندي بحاجة لبلورة، الله يعينك علي يا شيخ يوسف.
يوسف الساريسي
أخي يا عابد الرحمن

سلام الله عليك

إقتباس
كيف تعلم آدم دون وجود لغة عنده؟

طيب

لو قلنا أن الله تعالى علم آدم لغة، فكيف علمه إياها ابتداء دون وجود لغة عند آدم؟

إذن

يسقط الاعتراض على أن الله تعالى علم آدم مسميات الأشياء دون وجود لغة عند آدم عليه السلام.


لم أفهم كيفية استدلالك هنا ووصولك غلى هذه النتيجة! هل لك بالتفسير أخي الكريم؟

ولك التحية
عابد الرحمن
هذا كله مجرد تفكير بصوت عالٍ:

حزب التحرير قال:
إقتباس
فالله تعالى علم آدم الاسماء أي مسميات الاشياء فأعطاه معلومات يستطيع بها أن يحكم على الاشياء التي يحسها ، وأما تعبير القرآن بكلمة الاسماء فإنه قد أطلق الاسم وأراد المسمى كما يدل على ذلك الواقع ، فإن آدم عرف الاشياء ولم يعرف اللغات ، فكل ما يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة هو محل التعليم والمعرفة ، واللغة إنما هي وسيلة للتعبير ليس غير ، فسياق الاية يدل على أن المراد من كلمة  ﴿الاسماء كلها﴾ المسميات أي الحقائق والخواص 


وأنا حاولت أن أفسر


فأردت أن أقول أنه لا يلزمنا القول أن آدم عليه السلام لا يمكنه تعلّم مسميات الأشياء دون وجود لغة عنده سابقة.

بل يمكنه.

فلو قلنا أن آدم عليه السلام تعلم اللغة ثم تعلم المسميات، طيب

كيف تعلم اللغة؟ هل كانت عنده لغة بسيطة ثم تعلم لغة أعقد منها مثلاً ؟ وإذا كان فكيف تعلم هذه اللغة البسيطة؟ ... كيف تعلم اللغة ابتداء بعد أن خلقه الله؟

بطريقة ما أوحاها له الله تعالى.

فآدم دماغه قبل تعلم اللغة يكون خاليًا، ثم يعلمه الله اللغة بطريقة خاصة دون وجود معلومات سابقة عند آدم عليه السلام.

إذن لا يمتنع أن يتعلم آدم مسميات الأشياء بنفس الطريقة الخاصة، دون تعلمه اللغة.


لكن

إقتباس
تبقى مسألة أن آدم أنبأ الملائكة، وأن آدم تخاطب مع غيره قبل الهبوط إلى الأرض
1-هل كوّن لغة من عنده بعدما أخذ المعلومات السابقة من الله تعالى بطريقة لا يلزم منها أن يكون عنده لغة لتعلمها؟
2-هل تعلّم اللغة من الملائكة؟
3-هل علّمه الله تعالى لغة؟
طالب عوض الله
إقتباس(عابد الرحمن @ Jan 8 2006, 12:36 AM)
السلام عليكم
أستاذ يوسف

ما أعلمه أن حزب التحرير يقول أن الله تعالى لم يعلم آدم عليه السلام لغة، وأذكر أن موضوع اللغة قد افتتحه الأخ صوت التحرير في منتدى العقاب القديم وهاكم الرابط وهاكم الاقتباس اللازم منه :

http://www.alokab.com/old/index.php?showtopic=3846

مما جاء في كتاب الشخصية الاسلامية الجزء الثالث ص116

" وأما الواضع للغات فهو أن اللغات كلها اصطلاحية ، فهي من وضع الناس وليست من وضع الله "
.
.
" إذ لو وضعها الباري تعالى ووقفنا عليها أي أعلمنا بها فإن هذا التوقيف إنما يكون عن طريق من طرقه أي إما بالوحي وإما بخلق علم ضروري في عاقل بأن الله تعالى وضعها لهذه المعاني ، أما التوقيف عن طريق الوحي فباطل لأنه يلزم تقدم بعثة الرسل على معرفة اللغات حتى يعرفهم اللغة التي وضعها الله ثم بعد ذلك يبلغهم الرسالة ولكن البعثة متأخرة لقوله تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " . وبهذا يثبت أن اللغة ليست توقيفية من الله
أما التوقيف عن طريق خلق علم ضروري فباطل أيضا لأنه يلزم منه أن يعرف الله تعالى بالضرورة لا بحصول العلم لأن حصول العلم ضروري بوضع الله للغة يستلزم الغلم الضروري بالله تعالى ، لكن معرفة الله تعالى ليست بالضرورة وإنما بحصول العلم فلا تكون معرفة الله بالضرورة وإنما بحصول العلم وبذلك يثبت أنها ليست توقيفية "

" وأما قوله تعالى " وعلم آدم الاسماء كلها " فإن المراد منه مسميات الاشياء لا اللغات أي علمه حقائق الاشياء وخواصها ، أي أعطاه المعلومات التي يستعملها للحكم على الاشياء ، فإن الاحساس بالواقع لا يكفي وحده للحكم عليه وإدراك حقيقته بل لابد من معلومات سابقة يفسر بواسطتها الواقع ، فالله تعالى علم آدم الاسماء أي مسميات الاشياء فأعطاه معلومات يستطيع بها أن يحكم على الاشياء التي يحسها ، وأما تعبير القرآن بكلمة الاسماء فإنه قد أطلق الاسم وأراد المسمى كما يدل على ذلك الواقع ، فإن آدم عرف الاشياء ولم يعرف اللغات ، فكل ما يعرف ماهية ويكشف عن حقيقة هو محل التعليم والمعرفة ، واللغة إنما هي وسيلة للتعبير ليس غير ، فسياق الاية يدل على أن المراد من كلمة " الاسماء كلها " المسميات أي الحقائق والخواص "

.
.
.
.
" وبذلك يتبين أنه لا يوجد دليل شرعي على أن اللغات توقيفية . بل الواقع المشاهد أنهما اصطلاح من الناس ، فهي من وضع البشر وليست من الله " اهــ
فما قولك؟
*


قول حق لا شك فيه
فعندما طلب من آدم أن ينبئهم الأسماء، فلما طلب منه ذلك أخبرهم آدم بجميع الأسماء، وذلك ما يُظْهِرُ فضل آدم عليهم بزيادة علمه عنهم، وهنا يذكرهم الله أنّه يعلَم ما لا يعلمون، وأنّ له حكمة أرادها في خلق الإنسان واستخلافه في الأرض، فالله تعالى عليم بكل الخفايا والأسرار وبواطن الأمور، عليم بما يُظهرون بالقول والفعل، وبما قد يكتمونه في أنفسهم.

إنَّ تعليم آدم الأسماء لا يقتصر على المسميات نفسها، بل هو تَعليمٌ وَتَثْقيفٌ عام بكل المخلوقات والموجودات وكيفيّة الإستفادة منها، وَتَعْليمٌ بِصِفات الأشْياء وَخًواصِها وطرق الإستفادة منها حيث هي مسخرة له، فهو عِلْمٌ عام شامِلٌ يحوى الأسماء وصفاتها.[ ]

إقتباس
في ذلك يقول العلامة تقي الدين النبهاني:

وأمّا قوله تعالى:
( وعلم آدم الأسماء كلها )فإنّ المراد منه مسميات الأشياء لا اللغات، أي علمه حقائق الأشياء وخواصها، أي أعطاه المعلومات التي يستعملها للحكم على الأشياء)


وهنا لا بد لنا من معرفة أنّ الإنسان يختلف عن غيره من المخلوقات بالعقل أي القدرة على التفكير، والتفكير حكم على ماهية شئ أو حكم على واقع، وحتى يتم هذا التفكير بصورة تعطي الحكم الصادق الصحيح لَزم أن يستكمل هذا التفكير الشـروط اللازمة له، فعمليـة التفكير تجري بنقل الواقع المحسوس إلى الدِّماغ بواسطة إحدى الحواس مع ضرورة وجود معلومات سابقة عند الإنسان المُفَكر تفسر ذلك الواقع، فإذا إنعدمت إحدى تلك الأساسيات لا يتم الحكم على الواقع أو على الشئ بالصورة الصحيحة، وعناصر التفكير أربعة:

1. دماغ صالح.
2. واقع محسوس.
3. حواس.
4. معلومات سابقة.

وبما أنّ الله تعالى قد وَهَبَ آدم الدّماغ الصالح والحواس، وَأوْجَدَهُ في واقع معيّن، لذا لزم أن يُزَوِدَهُ الله تعالى بالمعلومات "الأسماء وصفاتها وخواصها" حتى تتم عمليّة التفكير للحكم على الأشياء والوقائع. لذا فقد علّم الله آدم كلها.

إنَّ قصَّة خَلق آدم وما رافقها من وقائع وأحداث، قد وردت مفصلة في القرآن الكريم في عدة مواضع، شارحة ومفصلة، معلمة إيانا، مبينة لنا وقائعها الحقيقية، طالبة منا الإعتقاد الجاذم بها، فإلى النُّصوص القرآنيّة التي تقص علينا ذلك، قال تعالى:
1. من سورة البقره .

وَإذْ قالَ رَبُكَ للمَلائِكَةِ إنيّ جاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَةً قالوا أتَجْعَلَ فيها مًنْ يُفْسِدُ وَيَسْفِكَ الدِماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمونَ  وَعَلَمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلُها ثُمَّ عَرَضَهُم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنبِؤني بِأسْماء هؤلاءِ إنْ كُنْتُم صادقين  قالوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيم  قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُم بِأسْمائِهِم فَلَمّا أنْبَأهُم بِأسْمائِهِم قالَ ألَم أقُلْ لَكُمْ أنّي أعْلَمُ غَيْبَ السَمَواتِ والأرْضِ وَاعْلَمُ ما تُبْدونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمون  وَإذْ قُلْنا لِلمَلائِكَةِ أسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبْليسَ أبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الكافرين ) [6 ]

2. من سورة الأعراف.
( وَلَقَدْ مَكَناكُمْ في الأرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فيها مَعايِشَ قَليلاً ما تَشْكُرونَ  وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ أسْجُدوا لآدَمَ فَسَجَدوا إلآ إبليسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدينَ>)
[ 7]

إقتباس
جاء في الظلال: (إنّ الخَلق قد يكون معناه: الإنشاء والتّصوير، وقد يكون معناه: إعطاء الصورة والخصائص... وهما مرتبتان في النشأة لا مرحلتان... فإنّ "ثُمّ" قد لا تكون للترتيب الزمني ولكن للترقي المعنوي، والتّصوير أرقى مرتبة من مجرد الوجود فالوجود يكون للمادة الخامة، ولكن التّصويرـ بمعنى إعطاء الصورة الإنسانية والخصائص ـ يكون درجة أعلى من من درجات الوجود. فكأنّه قال: إننا نمنحكم مجرد الوجود، ولكن جعلناه وجوداً ذا خصائص راقية، وذلك كقوله تعالى: (<font >الذي أعطى كُلَّ شَيٍْ خَلْقَهُ ثم هدى)< وعلى أية حال فإنّ مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أنّ إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة كان مصاحباً لخلقه. وأنّ الترقي في تاريخ الإنسان كان ترقياً في بروز الخصائص ونموها وتوزيعها واكتسابها الخبرة العالية. ولكن لم يكن ترقياً في وجود الإنسان من تطور حتى انتهت إلى الإنسانيّة كما تقول الداروينية.
يوسف الساريسي
أخي يا عابد الرحمن

إن تفكيرك هذا الذي فكرت بصوت عال والذي لم اسمعه عبر أثير العقاب بل قرأته إنه لكلام جميل.

ما أود قوله -أخي العزيز- أنه يستحيل عقلا لسيدنا آدم أن تكون له لغة قد تكلمها قبل تعليم الله له، وذلك لأمرين: أن اللغة هي مما يلزم للمجتمع ابتداء وليس للفرد فهي بنت حاجة المجتمع اللازمة للتواصل والتعبير والتفاهم بين أفراده حتى يكون المجتمع مجتمعا لأن الإنسان مدني بالطبع، وما دام آدم عليه السلام في مرحلة ما قبل وجود المجتمع فلا يلزمه وجود لغة وذلك لعدم حاجته إليها. والأمر الثاني: أن اللغة تلزم للتخاطب بين البشر فهي وسيلة للتعبير عما يفكر به الذهن وليست هي المعلومات السابقة ذاتها وبالتالي فيستطيع عقل أي مفكر أن يفكر دون الحاجة إلى اللغة ما دامت لديه معلومات سابقة عن الواقع الذي يفكر فيه.

وإذا لم يكن لدى الإنسان معلومات سابقة على الإطلاق فلا يمكنه التفكير ولا يمكن أن توجد لديه لغة ما سواء أكانت لغة بسيطة أو معقدة. ولذلك فقبل تعليم الله لسيدنا آدم المعلومات السابقة، لا يمكن أن تكون لديه لغة معينة لعدم حاجته إليها في ظل فقدان المجتمع البشري، ولأن اللغة إنما تعبر عن الفكر وهذا الفكر لا يمكن أن ينتج إلا بوجود المعلومات السابقة.

لكن النص القرآني الذي أخبرنا الله تعالى به يذكر أن الله علم آدم الأسماء كلها، ويفهم من ذلك أنه علمه الأسماء والمسميات لأن الآيات التي تليها تذكر عرض هذه المسميات على الملائكة وعلى آدم، واستطاع آدم فقط معرفة المسميات وذكر أسمائها. وتذكر الآية التي تليها من سورة البقرة أن سيدنا آدم عليه السلام قد أنبأ الملائكة بأسماء الأشياء التي عرضت عليه، وهذا يعني أنه تكلم وذكر أسماء الأشياء وفهم أمر الله تعالى له بالإنباء وهذا يعني وجود لغة معينة تكلم فيها سيدنا آدم مباشرة بعد تعليم الله له.

وحسب ما ذكرت لك آنفا فأن اللغة لا يمكن أن توجد قبل وجود المعلومات السابقة، فيكون تعلم آدم للغة حصل بالتزامن مع تعلم المعلومات السابقة أو بعدها مباشرة قبل أن ينبئ الملائكة، والراجح لي هو أنه تعلم هذه اللغة الأولى مع تعلمه المعلومات السابقة أي أنه تعلم الأسماء والمسميات معا، وهذا ما تشير إليه نص الآيات.

وبالتالي فلا أرى داعيا أخي عابد الرحمن إلى اللجوء إلى تأويل الآيات وقصرها على تعليم الله لآدم المعلومات السابقة فقط، بل يجب الأخذ بالنص القرآني كله فيُحل الإشكال لديك ويتبلور واقع الأمر في بصيرتك، ونفهم من هذه الآيات أن الله علم آدم أسماء الأشياء ومسمياتها معا، وكان آدم عليه السلام بذلك مؤهلا لأن يكون خليفة في الأرض بأن يكون مفكرا وليكون مؤهلا لتكوين المجتمع البشري لاحقا بعد خلق الله زوجه حواء، ومن ثم يتوالد البشر ويكثروا فيكونون مجتمعات تلزمها معلومات سابقة للتفكير ولغات للتخاطب فيما بينهم وليبلغ سيدنا آدم شريعة رب العالمين إلى بنيه وزوجه.

أما قول الحزب "فإن آدم عرف الاشياء ولم يعرف اللغات" فهذا قول صحيح من زاوية أن آدم لم يتعلم جميع اللغات البشرية ومن ثم علمها لأولاده، وبذلك يستنتج بأن اللغات توقيفية من الله، وهذا الرد من الحزب على قول من يقول بأن الله علم آدم جميع لغات البشر -وهم فرقة من المتكلمين- والذين قالوا بأن اللغات توقيفية بالاستناد إلى هذه الآيات من سورة البقرة، فتم الرد عليهم من هذه الزاوية.

ولكن الذي أضفته لك هنا، أن الله علم آدم الأسماء والمسميات معا أي تعلم لغة واحدة هي أم جميع لغات البشر، ومنها تفرعت وتطورت جميع اللغات بعد أن جعل الله الناس شعوبا وقبائل، واصطلح كل قوم ومجتمع على لغة خاصة به فتكون اللغات اصطلاحية بناء على هذا الفهم ولا يلزم بالتالي من قولي هذا بأن اللغات توقيفية.

وقد حاولت في هذا الموضوع "قوانين التفكير" القيام بالبناء والتطوير على ما ورد في كتاب التفكير والرد على بعض المتكلمين حول موضوع البديهيات وعلاقتها بالتفكير، وكان من جزئية البحث الجواب على كيفية تعلم الطفل الصغير للغة أبويه، ونقاش تعلم سيدنا آدم للمعلومات السابقة واللغة، فكان هذا هو الرأي الذي خرجت به. وأدعو أن يكون قد وفقني لذلك وأنار بنوره بصيرتي لألقي بعض الضوء على هذا الأمر.

وأود أن أتشرف بتعقيب أستاذنا الكبير طالب عوض الله، وإني هنا أثمن قوله الذي ذكره: "إنَّ تعليم آدم الأسماء لا يقتصر على المسميات نفسها، بل هو تَعليمٌ وَتَثْقيفٌ عام بكل المخلوقات والموجودات وكيفيّة الاستفادة منها، وَتَعْليمٌ بِصِفات الأشْياء وَخًواصِها وطرق الاستفادة منها حيث هي مسخرة له، فهو عِلْمٌ عام شامِلٌ يحوى الأسماء وصفاتها". فهو قول حق ويتوافق مع ما أود إثباته هنا والله أعلم.

ولكم خالص التحيات والسلام عليكم
عابد الرحمن
جزاك الله خيرًا يا شيخ يوسف

م: انظر الخاص.
يوسف الساريسي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وجدت من المناسب أن أقدم للأخ عابد الرحمن والأخوة الكرام ملخصا لموضوع اصطلاحية اللغات ونسبة اللغة الأولى والمعلومات السابقة الأولى التي كانت لدى أول مفكر وأول ناطق وهو سيدنا آدم عليه السلام ونسبة كل ذلك إلى تعليم الله سبحانه وتعالى ذلك كله لآدم.

والملخص كالتالي:

إن القول بأن اللغات كلها اصطلاحية هو قول صحيح مئة بالمئة ولا غبار عليه. فالله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء والمسميات كلها، وهذا يعني أنه سبحانه علمه لغة أولى هي أم جميع لغات العالم، وأعطاه كذلك المعلومات السابقة الأولية اللازمة للتفكير. ولغة آدم عليه السلام الأولى لم تعد موجودة اليوم لأن اللغات تتطور وقد علمه الله تلك اللغة لتكون النموذج اللغوي لمن بعده من البشر ثم تطورت تلك اللغة إلى آلاف الآلاف من اللغات، وبالتالي فتلك اللغة لم تعد موجودة. وجميع اللغات الآن اصطلاحية.

وجميع ما تشاهد من لغات الآن هي لغات وجدت منذ بضع مئات من السنين وأقدمها يبلغ آلاف فقط كاللغة العبرية، وبالتالي فلا تكاد تجد لغة محكية هذه الأيام عمرها أكثر من ألف إلى ألفي سنة في تقديري. والذي حفظ اللغة العربية الفصحى من الضياع هو القرآن الكريم. ولولا اهتمام المسلمين بالقرآن وعلومه لذهبت هذه اللغة، ولبقي ما تراه الآن من لغات عامية متعددة قد تبلغ في البلاد العربية إلى العشرات من اللغات العامية وهي لغات (لهجات) تطورت عن الفصحى منذ عهد الشافعي رحمه الله بعد سنة 150 من الهجرة.

كذلك لو بحثت عن المعلومات السابقة التي علمها الله سبحانه وتعالى لسيدنا آدم لن تجد أي أثر الآن، ولا يمكنك تحديد نوعها وكميتها، لأن العلم البشري هو علم يتطور ويتقدم ويتراكم مع الوقت؛ وخصوصا في البلاد التي فيها الحضارات الراقية. ولكن أساس بناء المعلومات الجديدة هو المعلومات السابقة بقيام الذهن بتركيب وربط عدة معاني معا لتكوين معنى جديد يكون علما مستحدثا. والعلم الذي علمه الله لسيدنا آدم قام الناس بالبناء عليه وتكوين معاني جديدة بالإضافة إلى العلوم التي علمها الله للبشر عن طريق الأنبياء والرسل، وبذلك تقدمت علوم البشر وتراكمت لتجد الآن الآلاف من العلوم والمعارف البشرية.

وما أقوله هو أنه لولا العلم الذي علمه الله لآدم لما استطاع البشر التفكير، ولولا اللغة الأولى التي علمها الله لسيدنا آدم لما استطاع البشر الكلام وبالتالي معرفة اللغات. فواقع اللغات اليوم أنها جميعا لغات اصطلاحية تطورت عن ما سبقها من لغات، وجميع العلوم الحالية قد تطورت أيضا عن علوم أسبق منها. والفضل في جميع العلوم التي نعرفها اليوم وكذلك جميع اللغات هو لله عز وجل بتعليم آدم الأسماء كلها وسبحان الذي علم الإنسان ما لم يعلم.

ولكم خالص الدعاء بالتوفيق والرشاد
smile.gif
عابد الرحمن
بارك الله فيكم يا شيخ يوسف

في الحقيقة أن ما يلبس الفهم هو لفظة " كل" في قولنا " اللغات كلها اصطلاحية" فيفهم القارئ أو السامع أنه حتى لغة آدم عليه السلام اصطلاحية

ولم يعلمه الله إياها
أو لم يتعلمها من الملائكة لأننا لا نعلم الفترة الزمنية بين خلق آدم عليه السلام وبين حادثة عرض الأشياء عليه.
أو لم يتعارف عليها هو وحواء قبل حادثة العرض.
يوسف الساريسي
كلمات من ذهب !!!!

هي للأخ خليفة في موضوع "ورد في نظام الإسلام .... سؤال؟" المشاركة رقم (2).

إقتباس(خليفة @ May 12 2006, 10:21 PM)
أخي الكريم:

لدى الإنسان قوة  الربط  (بين الواقع والمعلومات السابقة)، وهي الحد الأدنى من القوى المفكرة عند الإنسان

ولديه قوة  التحليل،   تحليل المواقف والقضايا، والمركبات إلى جزئياتها (متعلق بالعمق)

ولديه قوة  التركيب،   لجمع جزئيات الصورة لتشكيل الصورة الكلية (متعلق بالاستنارة)

ولديه قوة  التصور   التي تجسد له الأشياء النظرية على شكل صور (ذهنية طبعاً)

ولديه قوة  التخيل   التي تمكنه من صنع الصور الجديدة، والأفكار الجديدة

وغير ذلك..

وإن شئت المزيد زدنا بإذن الله
*


بارك الله في الأخ خليفة على هذا الكلام العميق حول التفكير

والسلام عليكم
محمد الفاتح
جزاكم الله خيرا على اثراءنا بهدا الموضوع القيم
والحقيقة ان الكثير من الشباب بحاجة لقراءة الموضوع بتاني لفهم الموضوع جيدا
ولكن هناك تساؤل صغير عن المحدودية فكما تقدمتم ان الاشياء محدودة ومجموع المحدودات محدود
فهل العقل ايضا محدود مع انه يتصور اشياء غير موجودة لايجادها بداية ؟
يوسف الساريسي
أخي محمد

حياك الله وبارك فيك وفتح عليك أبواب الخير

العقل مركب من أربعة أمور هي الواقع والحواس والدماغ الصالح للربط والمعلومات السابقة.

وهذه الأربعة كلها محدودة وما يتركب منها محدود قطعا.

أما امكانية أن يتصور العقل أشياء غير موجودة، فأقول أن التصور هنا هو قيام العقل بتركيب صورة لشيء ما غير موجود بالفعل، بأن يتصور أشياء يعرفها العقل ثم يقوم بتركيب هذه الأشياء المختلفة مع بعضها بشكل غير مألوف.

فمثلا تصور الإنسان لكائن جسمه جسم أسد ورأسه رأس إنسان، فهذا التصور هو تركيب صورتين معروفتين للشخص سابقا وينزع جزءا من كل منهما ويركبه مع الآخر وهذا الكائن سمي "أبا الهول". وبإمكانك أن تركب صورا ذهنية مختلفة في ذهنك من تركيب أجزاء من أشياء كثيرة ومنها الكائنات الخرافية، وهكذا.

الواقع أن العقل لا يمكنه أن يخرج على النظام الفكري الذي يحكم التفكير، لأن هذا النظام محكوم بقوانين التفكير التي تضبط الانتاج العقلي، ومهما حاول الإنسان أن يخرج على هذا النظام فإنه لا يستطيع لأنه يفكر من داخل هذا الإطار النظامي ولا يملك أن يخرج عنه. فهذا النظام محكوم بالحواس والواقع فلا يمكنه أن يحكم على عالم الغيب لأن حدود عقله وفكره تقف عند هذه الحدود للمحسوسات وما يمكن أن يركب منها من أجزاء يتصورها ويبدعها، ولكنه لا يملك أن يخرج عن المحسوس أبدا لأنه لا يستطيع وإن أراد.

كذلك المعلومات السابقة التي هي جزء أساسي من عملية التفكير هي قطعا محدودة لسبب بسيط هو أن قدرة الدماغ على تخزين المعلومات السابقة له حدود معينة لا يستطيع تجاوزها، فيكون التفكير محدودا بها.

إذن كل العمليات العقلية التي يقوم بها الدماغ تنتج جراء التفاعل بين المكونات الأربعة التي ذكرتها أعلاه، ومهما حاول الإنسان بفكره أن يتخيل أو يتصور أو يبدع فالإنتاج الفكري لن يخرج عن حدود معينة هي حدود النظام العقلي.

هذا هو واقع العقل وعملياته الفكرية ويقر بهذه الحقيقة جميع المفكرين والفلاسفة والمناطقة، لكن العقل يشعر بعدم الرضى من ذلك لأنه يرغب بالمزيد دائما فهو نهم لا يشبع. ولا يحب أن يقبل بهذه الحقيقة تماما كما أن الإنسان يتطلع إلى الخلود ولا يحب الموت ولكن الحقيقة أن عمر الإنسان محدود وأنه سيموت قطعا شاء الإنسان أم أبى وهذا أمر قاهر فوق كل إنسان.

والسلام عليكم
محمد الفاتح
بارك الله فيك اخي وجعله في ميزان حسناتك فقد اجدت الوصف
واود ان اضيف معلومة صغيرة كمثال اعجبني وانا ابحث في هده المسالة لعلها تفيد في ايصال الفهم لمن لم يستوعبه
فقد قاتانت ايضا بان الموضوع جامد قليلا ولكن المثال الدي قراته جيد
فقد مررت على شرح لاحد الشباب في موضوع محدودية العقل وضرب بها امثلة كالتالى
قال ان العقل محدود لمحدودية ادواته لانه كما تقدمتم ان عناصر التفكير الاربعة احداها الحواس وهي بمثابة ادوات العقل التي لا يعمل بدونها فمثلا من ولد اعمي فلن يستطيع مهما اوتي من دكاء وصف اللون الاحمر لان احساسه لم يقع عليه وبالتالى لم يكون عنه مفهوم معين ولم يكتسب معلومات سابقه عنه
وكدلك لو ان شخصا ولد اصم فلن يستطيع ادراك ماهية الاصوات لنفس السبب
ومعلوم ان السمع والبصر او احدهما لا بد ان يتوفر لنقل الواقع الى الدماغ وللتزود بالمعلومات السايقة عنه ليستطيع ادراكه والحكم عليه ولو فقد الانسان السمع والبصر مند الولادة فلن يفقه في الدنيا شيء
والله تعالى يصف لنا دلك حين يقول جل وعلى (صم بكم عمي فهم لا يعقلون ).
والله تعاى اعلم
يوسف الساريسي
السلام عليكم

دار نقاش مع بعض الأخوة حول "تفكير" الحيوان تحت عنوان:

هل الحيوان يفكر؟

ولعلاقة ذلك بقوانين التفكير أحب أن أدرجه هنا:

إقتباس
السلام عليكم

لإبراز الفرق الجوهري بين المعلومة السابقة التي يتعامل معها فكر الإنسان والانطباع الذي يتعامل معه دماغ الحيوانات، فأود أن أذكر كيف يقوم العقل بالتعامل مع المعلومات السابقة بتركيب معاني جديدة لإصدار الأحكام العقلية على الوقائع التي يحس بها وبهذا يتم إبراز وبلورة معنى المعلومة السابقة وتفريقها عن الانطباع.

إن الانطباع هو إحساس ورد فعل مقترن به يخزنه دماغ الحيوان في ذاكرته ويستطيع الحيوان استرجاعه إذا أحس بنفس الواقع مرة أخرى، كتمييز الحيوان بين ما يؤكل كالخبز أو اللحم وبين ما لا يؤكل كالتراب والحديد، وكتمييز الكلب لصاحبه من الغريب عنه، واقتران صوت معين مع فعل معين كاقتران صوت الراعي مع تقديم الغذاء للحيوانات، كل ذلك هو من قبيل الانطباعات ولا ترقى لأن تتحول إلى معلومات. والسبب أن الانطباع ليس له معنى في الدماغ فلا يستطيع أن يستخدمه لقياسه على أمر آخر وواقع آخر يشبهه أو قريب منه.

فالمعلومة السابقة هي تحول جوهري في الانطباع الدماغي إلى معرفة ذات معنى يمكن استخدامها لاحقا بالتركيب مع معلومات أخرى للحكم على واقع آخر بواسطة القياس، والقياس بحاجة إلى معنى مشترك بين واقعين وما لم يتحول الإحساس الانطباعي إلى معاني محددة يفهمها الدماغ ويستطيع التعامل معها بأن يقوم بربطها مع غيرها وتركيب معنى جديد فلن يستطيع العقل القيام بالحكم العقلي على الوقائع التي يحس بها. فالحكم العقلي بحاجة إلى المعلومات السابقة أي المعاني المستخلصة من الأشياء.

وبالتالي يظهر لنا الفارق بين الانطباع والمعلومة السابقة حيث أن الانطباع هو "معرفة" مجازا ولكنها معرفة مصمتة خرساء لا معنى لها ولا يستطيع الدماغ التعامل معها للربط بينها وبين انطباعات أخرى لتكوين معرفة جديدة أو استخلاص معنى جديد من مجموعها.

فدماغ الحيوان لا توجد فيه خاصية ربط المعلومات، وإنّما عنده تذكّر الإحساس -الانطباع- والتمييز الغريزي. وأمّا فيما لا يتعلق بالغريزة فلا يمكن أن يقوم به الحيوان طبيعياً إذا أحسه، ولكن إذا كُرر هذا الإحساس ودُرِب عليه واسترجعه فإنه يمكن أن يقوم به تقليداً ومحاكاة وليس قياماً طبيعياً.

وما يتميز به دماغ الإنسان عن الحيوان هو قدرته على الربط السببي بين السبب والنتيجة أي "المسبَّب" وهذا ليس موجودا في دماغ الحيوان مطلقا وهو عاجز عنه تماما وكذلك يستطيع الدماغ البشري إيجاد نماذج فكرية أو قل ملفات فكرية جاهزة لها معاني معينة ويعطي لكل منها اسما محددا، فإذا ذكرت له اسما معينا لديه معلومات سابقة عنه فيستدعي من الدماغ النموذج الفكري لها وتتداعى لديه المعاني عنها.

والفرق بين التفكير والتمييز الغريزي يكون في أن التمييز الغريزي عند الحيوان والإنسان يقتصر استخدام الدماغ فيه على بعض "قوانين عمليات الدماغ" والتي هي مفطورة في هذا الدماغ ومنها القدرة على تخزين الإحساس في الدماغ واسترجاعه، في حين أن التفكير في الدماغ الصالح للربط عند الإنسان يستخدم بجانب قوانين الإدراك الشعوري جميع "قوانين التفكير" وخصوصا قدرته على تكوين النماذج الفكرية أي المعلومات السابقة وتذكرها والربط بينها وبين الواقع المحسوس والحكم على الواقع من خلال تحليله إلى أجزائه والتي لها معلومات سابقة في الدماغ ثم ربطها وتركيب أجزائها من جديد وتكوين نموذج ذي معنى في الذاكرة.

أما الكيفية التي يعمل فيها دماغ الإنسان ففي جوهرها عملية ربط الواقع الذي يحس به بـنماذج فكرية لها معنى وواضحة في الذهن (معلومات سابقة) بعملية "القياس" بإيجاد المشترك والشبه بين الواقع الغامض وواقع آخر واضح له. ويتم ذلك بإتباع الخطوات التالية:

1. تحليل الواقع الغامض إلى أجزاء بسيطة أي فكفكة وإزالة الروابط بين أجزاء هذا الشيء.
2. استحضار أمور لها معنى واضح في الذهن من الذاكرة تشبه وتشترك مع الأجزاء المفككة في صفة أو مظهر شكلي أو شروط محيطة...الخ.
3. تجميع الأجزاء التي أصبحت واضحة في الذهن أي إعادة تركيبها بإيجاد روابط تجمعها معا كرابطة الاشتراك أو رابطة السببية أو غيرها.
4. إنتاج وتشكيل نموذج فكري ذي معنى جديد واضح في الذهن لهذا الكيان المترابط (الحكم على الواقع).

فواقع عملية الربط الفكري أنه عملية تفسير واقع محسوس غامض ليس له معنى في الذهن بتوضيح صورته من خلال عملية تحليل هذا الشيء إلى أجزاء أبسط لها نماذج مشابهة وواضحة يعرفها الدماغ (معلومات سابقة) ثم تركيب هذه الأجزاء بربطها معا ككيان واحد لتشكيل نموذج ومعنى جديد لهذا الواقع.

ولكم التحية


والسلام عليكم
أبو مالك
والسلام عليكم
أبو ليث
أخي يوسف الساريسي سؤالي ليس عن الموضوع وإنما ..

لي صديق من تلاميذ سعيد فودة ..

ويريد أن يدرسنا مختصر الخريدة البهية للإمام الدردير التي اختصرها الشيخ سعيد ...

فهل تنصح بالإنضمام الى ذلك الدرس
.
Invision Power Board © 2001-2012 Invision Power Services, Inc.