اذهب الي المحتوي

مجلة منهاج النبوة

الأعضاء
  • Content count

    20
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ اخر زياره

  • Days Won

    1

مجلة منهاج النبوة last won the day on January 16 2013

مجلة منهاج النبوة had the most liked content!

عن العضو مجلة منهاج النبوة

  • الرتبه
    عضو فعّال

Contact Methods

Profile Information

  • Gender
    Not Telling
  1. مجلة منهاج النبوة

    العرف و موقف الشرع من العرف

    مفاهيم ينبغي أن تصحح العرف و موقف الشرع من العرف طالب جنان الخلد العرف في اللغة بمعنى المعرفة، والشيء المعروف أي المألوف المستحسن، ومنه قوله تعالى: " خذ العفو وأْمُرْ بالعُرفِ وأعرِضْ عن الجاهلين " أي أؤمر بالجميل من الأفعال. ويطلق العرف ويُراد به العادة المنتشرة بين جماعة معينة، وبعبارة أخرى هي الأعمال المكررة من أفراد جماعة معينة. إذِ العادة هي الفعل الذي يكرره الفرد ويرتاحُ له، فإذا انتشرت هذه العادة بين الجماعة، وفعَلَها معظمُ الأفراد أو كلهم، صارت عرفاً. فالعرف في الحقيقة هو عادة الجماعة؛ ولذلك يكون الحكم على الشيء بحسب العرف إذا كان حكماً مستنداً إلى ما اعتاده جمهور الجماعة؛ وبذلك يكون العرف في الأعمالِ، لا في الألفاظ، ولا في التقديرات للأشياء. أما الاصطلاح: فهو اتفاق جماعة على إطلاق اسم معين على شيء معين، أي جعل المعين يطلق عليه اسم معين، ومن ذلك اللغات والاصطلاحات الخاصة، كاصطلاح أهل النحو، أو أهل الطبيعيات، أو اصطلاح قرية، أو قطر، أو ما شاكل ذلك. فهذه كلها اصطلاحات. وما يطلقون عليه (الحقيقة العرفية) هي من الاصطلاح، وليس من العرف، إذ هي تعارف القوم على إطلاق اسم معين على معنى معين، فهو كالاصطلاح اللغوي سواء بسواء، من حيث إنها اصطلاح، لا من حيث اعتبارها من اللغة، فهي مجرد اصطلاح، وليس من قبيل العادة والعرف، إذ هو يتعلق باستعمال بعض الألفاظ في معان يتعارف الناس على استعمالها، وهذا هو الاصطلاح بعينه. يعتبر بعض المجتهدين العرف أصلاً من أصول التشريع، ودليلاً من الأدلة الشرعية، ويستدلون به على كثير من الأحكام الشرعية، ويقسمون العرف إلى: عرف عام، وعرف خاص. ويمثلون للعرف العام بالاستصناع، وذلك أنَّ الناس اعتادوا استصناع حاجاتهم من أحذية وألبسة وأدوات وغير ذلك، فيجيزون التعامل بها ولو كانت من قبيل المعدوم؛ لأن العُرفَ أجازه، ويعتبرونه دليلاً على جواز هذه المعاملة. ويمثلون للعرف الخاص باصطلاح بعض التجار على أن يكون البيع المؤجَّل مُقسَّطاً إلى مدة لا تزيد عن كذا شهر، كستة أشهر مثلاً، فإن هذا العرف يحكم عند الدفع ولو لم يذكر عند العقد. ويقولون إن الشريعة اعتبرت العرف في قضايا متعددة؛ ولذلك يعتبرون الحكم المستند إلى العرف حكماً شرعياً مستنداً إلى دليل شرعي، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: " خذ العفو وأْمُرْ بالعُرفِ... " ويقولون: إنَّ الشرع أَمَرَ أن نأخذ بالعرف. إن الآية التي استشهدوا بها على العرف قد أُقحِمَتْ إقحاماً فظيعاً في هذا الموضوع، ولا علاقة لها به، فإنَّ الآية مكية، وهي في سورة الأعراف ومعنى الآية: "خذ ما عَفَا لك من أفعال الناس وأخلاقهم وما أتى منهم، وتسهَّل معهم من غير كلفة، ولا تطلب منهم الجهد، وما يَشُقُّ عليهم حتى لا ينفروا"، كقوله صلى الله عليه وسلم : "يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا" أخرجه البخاري. وأْمُر بالعرف: أي بالجميلِ مِنَ الأفعالِ، والعُرف المعروف هو الفعل الحسن. أما ما قالوا عنه إنه حديث: " ما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيء" فإنه قول لابن مسعود، وليس حديثاً؛ فلا يحتج به، فضلاً عن كونه لا دخل له بالعرف؛ لأنه ينص على ما رآه المسلمون لا ما تعارفوا عليه واعتادوه. أما الأعمال التي أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت من الأعراف والعادات، فإنه يعتبر العمل بها عملاً بالدليل الشرعي، وهو إقرار الرسول، وهو دليلٌ شرعي وليس عملاً بالعرف والعادة، ولا يُتَّخَذُ ذاك قياساً؛ لأن إقرار الرسول وحده هو المعتبر دليلاً شرعياً، ولا عبرة بإقرار غيره، فلا يقال إن الشريعة أقَرَّتِ العرف. وأما ما اعتبره بعض الفقهاء حكماً شرعياً في العرف، فإن منه ما يتعلق بالاصطلاح، ومنه ما يتعلق بتقدير الأشياء. أما الذي يتعلق بالاصطلاح، فلا شك في اعتباره عند الذين اصطلحوا عليه، وهو يتعلق بإطلاق أسماء على معانٍ لا بأفعال الإنسان، ولا بالأشياء. وبذلك يكون قد سقط جميع استشهادهم بما اعتبره بعضُ الفقهاءِ حُكماً شرعياً في العرف بظهورِ أنَّه من الاصطلاح أو من التقدير، وكلاهما ليس من العرف فضلاً عن مجيء النص صراحة في التقدير للأشياء. وبذلك بطل استدلالهم على فرض أن هذه المسائل والأحكام مما يصح أن تتخذ دليلاً، وخاصة على اعتبار أن العرف أصل ودليل من الأدلة الشرعية. إنَّ العرف- وهو الأعمال المتكررة- يجب أن يُسيَّرَ بالشرع حتى تَسيرَ أفعال الإنسان حسب الأحكام الشرعية، سواء أكانت هذه الأفعال مكررة من الفرد كالعادة، أم مكررة من الجماعة كالعرف، أم غيرِ مكررة من أحدٍ وفُعِلَتْ ولو مرة واحدة؛ لأنَّ من المقطوع به أنه يَجِبُ على المسلم أن يُسيَّرَ أفعاله بأوامر الله ونواهيه، سواء كُرِّرَتْ أم لم تُكَرَّرْ؛ وعليه يجب أن يحكَّمَ الشرعُ بالأعراف والعادات، ولا يجوز اعتبار العرف والعادة دالَّيْنِ على صحة الفعل أو عدم صحته، بل المعتبر هو الشرع فحسب، ولذلك لا يجوز اعتبار العرف دليلاً شرعياً، ولا قاعدة شرعية مطلقاً. والعرف إما أن يكون مخالفاً للشرع أو غير مخالف، فإن كان مخالفاً للشرع، فالشرع جاء ليزيله ويغيره؛ لأنَّ من عمل الشريعة تغيير الأعراف والعادات الفاسدة. وإن كان غير مخالف للشرع يثبت الحكم بدليله وعلته الشرعية، لا بهذا العرف، ولو لم يخالف الشرع. وعلى ذلك فلا يحكّم العرف بالشرع، وإنما يحكّم الشرع بالأعراف والعادات. إنَّ أصل الأدلة الشرعية هو الكتاب والسنة، فهما الدليلان الأصليان، وما ثبت فيهما أنه دليل شرعي كالإجماع والقياس يُعتَبَرُ دليلاً شرعياً، وما لم يثبتْ فيهما أنه دليلٌ شرعي لا يعتبر دليلاً شرعياً، وبما أنه لا يوجد أصل للعرف والعادة لا في الكتاب، ولا في السنة، ولا في إجماع الصحابة، فلا اعتبار للعرف مطلقاً. إذْ لا اعتبار لأي دليل شرعي إلا إذا نصَّ عليه الكتاب أو السنة. أما ما استدلوا به على العرف من الحوادث فهو خاص بتلك الحوادث، وليس إجازة عامة للعرف بصورة عامة، وهو دليل على حوادث معينة، وليس دليلاً على أن العرف دليل شرعي. إن الأعراف والعادات منها الحسن ومنها القبيح، ولا شك أن العادات القبيحة والأعراف القبيحة غير مُعتبَرةٍ شرعاً بالاتفاق، فما الذي يميز القبيح أو الحسن؟ هل هو العقل أم الشرع؟ أما العقل فلا يعتبر مميزاً الحسن من القبيح؛ لأن العقل محدود ويتأثر بالبيئة والظروف، وقد يرى شيئاً حسناً اليوم ويراه غداً قبيحاً، فإذا تُرِكَ تقدير العُرْفِ الحَسَنِ من العرف القبيح للعقل أدى ذلك إلى اضطراب أحكام الله وهذا لا يجوز؛ ولهذا كان لا بد من أن يكون الشرع وحده المُعْتَبَرَ في الحُكمِ على العُرف. ومن هنا كان اعتباره متوقِّفاً على وجودِ نص في الحادثة تجعل اعتباره شرعياً حتى يعتبر، فيكون الدليل هو النص الشرعي وليس العرف. إنَّ الأمثلة التي أوردوها جميعها ترجع إلى أحد أمرين: - إما أن تكون صحيحة في الحكم ولكن الخطأ وقع فيها في التخريج، أو تكون خطأ في الحكم والتخريج. فإنْ كانت صحيحة في الحكم، فإنَّ الخطأ فيها قد وقع بجعل العرف دليلها؛ لأن لها دليلاً آخر غير العرف. - وإن كانت خطأ في الحكم، فيكون الخطأ جاء من ناحية استناد الحكم إلى العرف وهو لا يجوز، وهي في جملتها لا تخرج عن ذلك، فمثلاً: يمين الشخص أن لا يضع قدمه في الدار راجع إلى الاصطلاح على اللفظ لا إلى العرف. وضمان الزيتون راجع إلى اصطلاح إطلاق اسم الضمان على بيع الثمر على الشجر لا على العرف. وكون الصديق يأكل من بيت صديقه راجع إلى القرآن الكريم في قوله تعالى: " أو صديقِكم " في آية: " أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت... " الآية. وأكل ثمر الشجر راجع للحديث الذي يجيز للمرء أن يأكل من ثمر الشجر على أن لا يحمل معه، وهو قوله عليه السلام: "لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلاَ كَثَرٍ" أخرجه أحمد، وقوله: "يَأْكُلُ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً" أخرجه أحمد، فأَكْلُ ما تَسَاقَطَ مِن الشَّجَرِ من باب أولى. وسكوت البكر جائز لقوله صلى الله عليه وسلم عن البكر: "إِذْنُهَا صُمَاتُهَا" أخرجه مسلم، لا للعرف. وبيع الدار وشِراءُ اللحم يَرجِع كل منهما إلى إطلاق اصطلاح كلمة الدار وكلمة اللحم على معنى معين، فهو راجع إلى الاصطلاح وليس إلى العرف. وكذلك مسألة الدراهم والدنانير. أما مسألة خياطة الثوب فهي راجعة لأجر المثل لا للعرف. ومسألة الزوجةِ خطأ في الحكم وفي الدليل، فالحق لا يسقط بالعرف، ولا يصلح العرف دليلاً على سقوطه، وإنما يجب أن تسمع دعواها، فإن أثبتتها حكم لها بمهرها، بغض النظر عن العرف. وبذلك يظهر بطلان اعتبار العرف دليلاً شرعياً. ولا يوجد دليل شرعي قد ثبت كونه دليلاً شرعياً بالنص الشرعي سوى: القرآن، والحديث، وإجماع الصحابة، والقياس، وما عداها فلا قيمة له بالاستدلال على الأحكام الشرعية. هذا من ناحية فساد كون العرف دليلاً شرعياً، أما فساد كونه قاعدة شرعية، فإنَّ القاعدة هي حكم كلي أو حكم عام. والعُرف لا هو حكم كلي؛ لأنه ليس له جزئيات، ولأنه لم يقترن به ما هو بمثابة العلة له. وليس هو حكماً عاماً إذ ليس له أفراد تدخل تحته، وعلاوة على ذلك، فإنه لم يستنبط من نص شرعي، لا من الكتاب، ولا من السنة، كما لم يكن هناك إجماع من الصحابة عليه؛ وبهذا لا يعتبر قاعدة شرعية. من مجلة منهاج النبوة العدد الرابع رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=15
  2. مجلة منهاج النبوة

    أصلح الفرد يصلح المجتمع! هل هذه قاعدة سليمة؟؟

    مفاهيم ينبغي أن تصحح أصلح الفرد يصلح المجتمع!! كثيراً ما نسمع اليوم في أرضنا الحبيبة اسمَ الإسلام ومطالبة الناس للإسلام لا لغيره، هذا ما لمسناه في شعارات مظاهراتنا بين المسلمين، وعلى ألسن شبابنا فلله الحمد والمنة لهذا التوجه نحو الإسلام، لكن هناك بعض الالتباس الذي تحمله عقولُ بعض المسلمين؛ وهذا نتيجةُ غياب تدريس الإسلام في منهاج التربية في مدراس اليوم - مدراسِ حزب البعث الذي سعى في الأرض فساداً وخراباً ليس بالأمور المادية فقط بل بالأمور التربوية أيضاً-، فالأصلُ الذي بُنِيَتْ عليه مناهج التدريس على أساسٍ لا يَحترِمُ العقيدة الإسلامية ،طبعاً هذه السياسة كانت امتداداً لما بدأ به الغرب الكافر عندما دخل بلادنا الحبيبة - بلاد المسلمين- وبدأ ينشر أفكاره الرذيلة بين أفراد الأمة الإسلامية، وحتى يكونَ لهذه الأفكار قبولٌ بين عقول المسلمين أدخلها على أساس أنها لا تعارض الإسلام. ومن الأفكار التي يظنها بعض الناس اليوم أنها الصواب هي" أصلح الفرد يصلح المجتمع!" ونحن سرنا على هذا المفهوم دون النظر في كونه أنه يبت للإسلام بصلة، أم أنه من وحي عقول الغرب، وانطلاقاً من قاعدة: "الأصل بالأفعال التقيد بالحكم الشرعي" فلا بد أن نُرجِعَ هذا الفعل وهذا المفهوم وننظر: ما حكمه في الإسلام؟ وما حكم هذه القاعدة؟ وبما أن هذه الفكرة تدور حول إصلاح المجتمع فلا بد من معرفةِ أنها صحيحة أم أنها غير صحيحة فلا بد لنا من جولة في سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالمجتمع الذي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بإصلاحه قاد البشرية فترة 1400سنة ، قاد البشرية بأفكار الإسلام ومفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة. ولا بد- قبل البدء بهذه الفكرة- أن نفهم المجتمع وما هو تعريفه وما هي مكوناته، وبالرجوع إلى سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم نرى أنه عرف المجتمع تعريفاً جامعاً شاملاً حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه : "مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا كَمثل قومٍ استهموا على سفينة فَصَارَ بَعضهم أَعْلَاهَا وَبَعْضهمْ أَسْفَلهَا، وَكَانَ الَّذين فِي أَسْفَلهَا إِذا استقوا من الماء مروا على من فَوْقهم فَقَالُوا: لو أنَّا خرقنا فِي نصيبنا خرقاً وَلم نؤذِ من فَوْقنَا فَإِن تركوهم وَمَا أَرَادوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِن أخذُوا على أَيْديهم نَجوا ونجوا جَمِيعًا" فالنبي صلى الله عليه وسلم صَوَّرَ المجتمع بالسفينة، حيث أن هذه السفينة فيها قوم كان نصيبهم الأعلى وقوم كان نصيبهم الأسفل، ويحكم السفينةَ قانونٌ يقوم على عدم القيام بأي فعل يؤدي بحياة القوم جميعاً، وفي كل سفينة قبطانٌ يقوم على متابعة أمورِ القوم حتى تنتهي رحلتهم بسلام. ومن هنا نرى أن المجتمع هو عبارة عن مجموعة من الناس اجتمعوا في مكانٍ واحد وتجمعهم فكرةٌ واحدة ويحكمهم قانونٌ واحد ولديهم مشاعرٌ واحدة. فالمجتمع مؤلف من أربعة أركان إذا فُقد ركنٌ واحدٌ تحوَّلَ هذا الشيء مِن كونِه مجتمع إلى جماعة من الناس، وهناك فرقٌ واضح بين المجتمع والجماعة ولنضرب مثالاً على ذلك: لو كان ألف شخص في طائرة، وكلُّ فردٍ من بلدٍ مختلف عن الآخر فلا يُسَمَّون مجتمعاً وإنما جماعة لأنه لا يوجَد نظامٌ يحكمهم، وفكرتُهم ليست واحدة، ومشاعرُهم مختلفة، أما لو كان هناك قبيلة من الناس عددهم قليلٌ، ولكن لديهم فكرةٌ واحدةٌ (نقصد بالفكرة الواحدة هنا النظرة للكون والإنسان والحياة أي أن الله خلق الكون وخلق الحياة وخلق الإنسان وفرض على الإنسان أحكاماً شرعية لا بد من الالتزام بها وأن هناك يوم الحساب يُحاسَب فيه الناس ومن ثم إما الجنة وإما النار)، ولديهم مشاعرٌ واحدة ويحكمهم نظام ٌواحد؛ يمكن أن نسميهم مجتمعاً، فلا عبرة للعدد كبيراً كان أم صغيراً. والإسلام عُني بالفرد على أنه "جزءٌ من كُلٍّ" أي: جزء من الجماعة لا فرداً منفصلاً عنها، كما أن اليد جزء من الجسم بحيث تؤدي هذه العناية للمحافظة على الجماعة، وفي نفس الوقت تُعنى بالجماعة بوصفها كلاً له أجزاء، حيث تؤدي هذه العناية للمحافظة على الأفراد، وخيرُ مثالٍ على ذلك قول خير البرية الذي لا ينطق عن الهوى في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه: "إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". ونعود من حيث بدَأْنا، فبعدَ أن عَرَّفْنا ما هو المجتمع وما أركانه وما الفرق بين المجتمع والجماعة؛ لا بد لنا من أن نرى وندقق في هذه العبارة لنرى أن " المجتمع مُكَوَّنٌ من أفراد وأنه إذا أصلحنا الفرد صَلُح المجتمع وإذا انتظمت أمور الفرد انتظمت أمور المجتمع " هي نظرة النظام الرأسمالي الغربي للمجتمع، فهو ينظرُ للمجتمع على أنه مجموعة أفراد فمتى صَلُح الفرد صَلُح المجتمع، أما الإسلام فيرى أن الأساسَ الذي يقومُ عليه المجتمع هو العقيدة وما نحمل من مشاعر وما ينبثق عنها من أنظمة، فحين تسودُ الأفكار الإسلامية والمشاعر الإسلامية ويُطَبَّقُ النظام الإسلامي على الناس يُوجَد المجتمع الإسلامي، ولذلك لو كان جميع الناسِ مسلمين، وكانت الأفكار التي يحملونها رأسمالية وديمقراطية، والمشاعر روحية كهنوتية أو وطنية، والنظام الذي يُطبَّق عليهم نظامٌ رأسمالي ديمقراطي، فإن المجتمع يكون مجتمعاً غير إسلامي- ولو كان جُلُّ أهلهِ من المسلمين-، ولكنْ هنا لا بُدَّ لنا من أن نُنَوِّهَ على أمرٍ مهمٍ وهو: أنَّ المجتمعَ إذا وصفناه بالمجتمع غير الإسلامي فهذا لا يعني أنَّ الناس الذين يعيشون ضمنه كُفَّارٌ، بل نحن نصفُ هنا النظامَ الـمُطَبَّق على الأمة بأنه نظامٌ غيرُ إسلامي. هذا حكمُ هذه القاعدة في الإسلام، لكن ما البديل؟ وكيف هو الطريق للوصول للمجتمع الإسلامي الذي يُرضي الله عز وجل ؟؟ الجواب: أن نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم لإصلاح المجتمع، فقد قام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بتربيةِ أصحابِه، وعلَّمَهم أمور دينهم، وثَبَّتَ العقيدةَ في عقولهم ونفوسهم، وصنع منهم الشخصية الإسلامية، وحين هاجر إلى المدينة أصبح لهم دولةٌ وقوةٌ، فطَبَّقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم النظام الإسلامي؛ ومع ذلك وُجد في أيامه كفارٌ ومنافقون، وَوُجِدَ فيهم العاصي والمذنب والفاجر، ولكن لا يمكن لأحدٍ أن يقولَ إلا أنَّ هذا المجتمع كان مجتمعاً إسلامياً. وهذا معنى قول الله عز وجل: " إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ " فالآية الكريمة تدل على التغيير المتعلق بالمجتمع، وليس بالفرد، ودليل ذلك ألفاظ الجمع التي وردت فيها: (قوم، يغيروا، ما، أنفسهم)، إلا أنَّه لا بُدَّ أن يبدأَ حملَ الدعوة للتغيير فردٌ ثم جماعة، كما بيَّن الله في سرده لقصصِ الأنبياء، وكما يُفهَمُ من قوله تعالى: " وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " فمن اهتدى إلى الإسلام وعرَفَ الطريقَ الشرعي للتغيير، وجبَ عليه أن يعملَ لتغيير المجتمع الذي يعيش فيه، إنْ لم يكن مجتمعاً إسلامياً في أفرادِه وأفكارِه ومشاعرِه ونظامِه، وذلك بتغيير ما في هذا المجتمع من مفاهيم إلى مفاهيم إسلامية . من مجلة منهاج النبوة العدد الثالث رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=14
  3. مجلة منهاج النبوة

    مفهوم رجل الدين في الميزان الشرعي

    مفاهيم ينبغي أن تصحح رجل الدين أبو حامد الشاكر منذ أفول دولة الإسلام وغروب شمسها مطلع القرن الماضي والمسلمون يعيشون حياة الذل والهوان والتبعية والانبطاح؛ ومما زاد الأمر سوءاً سيلٌ من المفاهيم والألفاظ الغربية - التي ماأنزل الله بها من سلطان - انتشرت وتغلغلت في كل ميدان من ميادين بلاد الإسلام حتى أصبحت الأمة معتادة على سماعها والتعايش معها دون أن تحرك ساكناً، وهي في الأصل ألفاظٌ لا تمت لديننا بصلة، والمسلم يجب أن يكون وقَّافاً عند كل كلمة يقولها - وهو رجل الكلمة - وسيُحاسَبُ عليها، فلابد أن يكون كيساً فطناً. ولعل أبرز مايشيع بيننا لفظ " الشيخ- رجل الدين- سيدنا الشيخ ..." وهذه الألفاظ عند سماعها لا يتبادر إلى الأذهان إلا رجل ذو مظهر معين ومواصفات اجتماعية خاصة، فضَغْطُ الدِّين في أمثال هؤلاء وقَصْرُه عليهم، والناس من بعدهم هَمَجٌ رعاع لاعلاقة لهم بالدين سوى عبادات شكلية، وهذه ألفاظ ومفاهيم مستوردة لاتمت لنا بصلة سرت مسراها إلينا في ليلٍ حالكٍ لضعفنا وهواننا ونحن غافلون عن منهج حياة أنزله لنا ربنا - قد نمنا عنه ولكن أعداء الإسلام لاينامون -، ففي نهاية عهد الخلافة العثمانية ومابعدها سعى الأعداء إلى تشويه هذا الدين الحنيف في أذهان الناس من خلال تسويق هذه الألفاظ، كما عمدوا إلى حَشْرِ ثُلَّةٍ من الناس في زمرة العلماء، واختاروهم من ذوي المظاهر المنبوذة لدى الناس لتنفيرهم من الدين. ولفظ رجل الدين في الأصل لفظ نصراني، ولايصح أن يُقال في ديننا، ففي الإسلام جميع المسلمين يحملون مسؤولية الإسلام، فلا رجال دين في الاسلام، وعلينا - نحن المسلمين - أن نمنعَ كل مايشعر بوجودهم بيننا. أما العلماء سواء أكانوا مجتهدين أومقلدين فليسوا رجالَ دين ولايملك أحدهم أن يُحِلَّ شيئاً أو يُحرِّمَ شيئاً، وهم كباقي المسلمين في كل حكم من أحكام الشرع، ولربما زلَّ أحدهم زلةً فتنهالُ عليه الشتائم، ولكنْ له ولغيره قال صلى الله عليه وسلم: " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون "، فلايجوز أن يتميزَ أيُّ عالم عن المسلمين بشيء من أحكام الشرع مهما بلغت منزلته في العلم والاجتهاد والاحترام. فلايكون الحرام على غيره مباحاً له ولا العكس، ولايكون الواجب على غيره مندوباً عليه ولا العكس، بل هو كأي فرد من أفراد المسلمين. ولهذا فإن فكرة رجال الدين موجودة عند النصارى ولاوجود لها في الإسلام، ومفهوم رجال الدين عندهم مفهوم خاص لأن رجل الدين عندهم يُحِلُّ ويُحَرِّمُ، ونَقْلُ هذا اللفظ إلى العالم المسلم يوحي بنقل المفهوم النصراني إلى علماء المسلمين مع أنهم لايحلون ولايحرمون؛ ولهذا يُمنَع إطلاق لفظ رجل دين على العالِم المسلم، وقد وردت الأحاديث صريحةً في النهي عن تقليد اليهود والنصارى، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: اليهود والنصارى؟، قال فمن؟ "، فتقليد اليهود والنصارى من حيث هو منهيٌّ عنه، فكيف إذا كان هذا التقليد يجرُّ إلى إيجاد مفهوم نصراني لدى المسلمين. وعلى هذا فاعتبار العالم المسلم رجل دين هو تقليد للنصارى في إطلاقهم على علماء الدين عندهم بأنهم رجال دين، وهو أيضا ينقل المفهوم النصراني لرجل الدين إلى العالم المسلم لذلك كان داخلاً تحت النهي من ناحية التقليد وداخلاً تحت النهي الأشد من ناحية نقل المفهوم، ولهذا لا يصحُّ أن يُقال عن العالِم المسلم إنه رجل دين، ولايحل للعلماء أن يعتبروا أنفسهم رجال دين بمفهوم رجل الدين عند النصارى، ولا يلتبس الكلام هنا مطلقاً مع حديث قائدنا محمد صلى الله عليه وسلم: " من حفظ الزهراوين فشيخوه"، - الزهراوين البقرة وآل عمران - فالمقصود هنا - والله أعلم – أي: عاملوه معاملة الرجل العاقل الراشد. وبهذا فعلينا جميعاً - نحن المسلمين- أن نبادرَ لفهم الإسلام فهماً صحيحاً لنكون حقاً خيرَ أمة أخرجت للناس، لننقذَ العالَمَ من ويلات البعد عن تطبيق دين الله كاملاً في الأرض؛ فالإسلام دين ودولة، مصحف وسيف، عبادة وسياسة. من مجلة منهاج النبوة العدد الثاني رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=13
  4. مجلة منهاج النبوة

    مفهوم لا إله إلا الله

    مفاهيم ينبغي أن تصحح مفهوم لا إله إلا الله إن الناظر لحال الأمة الإسلامية يرى أنها تعيش حالة من الانحرافات الخطيرة، وكثير من الدعاة المخلصين يظنون أن ما أصاب الأمة الإسلامية من الذل و الضعف والهوان اليوم، هو سبب انحراف المسلمين في سلوكهم عن الصورة الإسلامية الصحيحة؛ وانحراف المسلمين في سلوكهم أمر واضح لا لبس فيه؛ ومع ذلك فليس الانحراف السلوكي هو الانحراف الوحيد في حياة المسلمين؛ ولا هو الانحراف الأخطر، إن الأمر تجاوز ذلك إلى انحراف في المفاهيم ِكلِّ المفاهيمِ الإسلامية الرئيسية ، حتى مفهوم ( لا إله إلا الله) ، وهذا الانحراف في المفاهيم هو الأخطر، فحين تجد إنساناً منحرفاً في سلوكه، ولكنَّ تصورَه لحقيقة الدين صحيح، فستبذل جهداً ما لرده عن انحرافه السلوكي، ولكنك لا تحتاج أن تبذل جهداً في تصحيح مفاهيمه؛ لأنها صحيحة عنده - وإن كان سلوكه منحرفاً عنها - ، أما حين يقع الانحراف في المفاهيم ذاتها؛ فكم تحتاج من الجهد لتصحيح المفاهيم أولاً، ثم تصحيح السلوك بعد ذلك؟ لا شك أنك تحتاج إلى وقت طويل جداً وطاقات كبيرة. تلك حقيقة الوضع في العالم الإسلامي اليوم ، ولعل ذلك مصداقاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء " رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. لا إله إلا الله، هي الركن الأول والأكبر في الإسلام، بل إن الله عز وجل لم يخلق الخلق إلا لهذه الكلمة، قال تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " أي ليوحدونِ. وما أرسل الله الرسل إلا لهذه الكلمة ِكلمة التوحيد، قال تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه آنه لا إله إلا أنا فاعبدون "الأنبياء. وهي حق الله على العباد، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: « كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك يه شيئاً، قلت: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيَتَّكِلوا » متفق عليه. والقرآن الكريم إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وأفعاله وصفاته وأقواله؛ فهذا توحيد خبري، وإما دعوته إلى عبادته وحده لا شريك له؛ فهو توحيد طلبي، وإما أمر ونهي؛ فهو حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم بالعقبى من العذاب؛ فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله يتكلم عن التوحيد فهذا يدل على الأهمية العظمى لقضية لا إله إلا الله. ولا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله ولا تُصْرَفُ العبادة إلا له سبحانه وتعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " ، فمن أراد الدعاء فلا يدعوا الا الله : " وإذا سآلك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان " البقرة، ومن أراد الصلاة والذبح فلا تكون إلا له: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " الأنعام، وغير ذلك من العبادات لا تكون إلا له سبحانه وتعالى. فمن عُبِدَ من دون الله تعالى فهو طاغوت يجب الكفر به، فالقوانين الوضعية والشرائع التي ما أنزل الله بها من سلطان والأصنام كلها طواغيت. " ألم تر إلى الذن يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا " ومن حِرْصِ الرسول صلى الله عليه وسلم على فهم المسلمين كلمة التوحيد فهماً صحيحاً تأمل هذه الآيات من سورة الأنعام التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم وصيةً له، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله التي عليها خاتِمُه فليقرأ قوله تعالى: " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألّا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون* ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون* وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " الأنعام. من مجلة منهاج النبوة العدد الأول رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=12
  5. مجلة منهاج النبوة

    العلمانية والإسلام توافق أم تناقض؟؟

    شبهات وردود العلمانية والإسلام توافق أم تناقض؟؟ الظـاهــر بيبــــرس يمكن إيجاز معنى العلمانية في عبارة واحدة هي: عزل الدين عن الحياة. وهذا يعني أنَّ العلمانية ترى أن العقيدة الدينية والهدي السماوي وما يتبع ذلك من اتباع الدين وطاعة الله، والوقوف عند حدود شرعه لا يجب الالتزام بها إلا في حياة الأفراد الشخصية (علاقة الإنسان بربه فقط)، أما ما عدا ذلك من شؤون العالم في حياة الناس، فإنه يجب أن يعالج على أساس المادية البحتة، وفق رغبات البشر ووجهات نظرهم وميولهم دون مراعاة الدين، وقد نشأت العلمانية نتيجة لرد الفعل الذي أصيب به الغربيون من كراهية السلطة الدينية الذي افتعله الكهنة في الديانة المسيحية وهو الحكم باسم الإله أو نيابة عن الإله؛ حيث وقف هؤلاء حجر عثرة أمام الفكر الواعي الذي يهيم بحثاً وراء الحقيقة، فحاربوا كل عقل متحرر مستنير وصنعوا لأنفسهم بهذا الموقف أغلال مهانتهم؛ ولم يلبث الأمر طويلاً حتى تحول العداء لهذه الفكرة إلى نظرية مستقلة، وأصبحت هذه النظرية حجر الأساس في قاعدة المدنية الغربية وهي ( فصل الدين عن الحياة، ومنها الدولة)، وقد نسمع كثيراً من يقول: الدين هو تنظيم علاقة العبد بربه، وهذه الجملة القصيرة هي العقيدة التي تدين بها المدنية الحديثة، وهي تعني أنه إذا كان الإنسان يؤمن بوجود إله يستحق العبادة وحده دون سواه؛ فله أن يعتقد ذلك على أن تكون عبادته في نطاق حياته الفردية وليس لهذا الإله ولأديانه السماوية سلطة على شؤون العالم، ومن هنا نرى بطلان هذه العقيدة المدنية الحديثة لأن ذلك يتنافى والإسلام الذي هو دينٌ ينظم علاقة الإنسان بنفسه وعلاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان مع غيره من المخلوقات، أما ما أرست المدنية الحديثة قواعدها وأقامت أنظمة حياتها بكافة العلاقات الإنسانية في صلة الإنسان بأخيه متحررة من السلطة الإلهية والتشريعية في ميادين الحياة كلها: الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية وشؤون الحكم والإدارة والعلاقات الدولية؛ فكل شأن من شؤون الحياة البشرية التي لا حصر لها إنما يعتمد على معارف الإنسانية المكتسبة، ويكون وفق رغباته الخاصة. وأصبح عندهم لا يجوز السؤال عما إذا كان اللهُ قد شرع للإنسانية في هذا السبيل شيئاً من المبادئ والأسس أم لا؟ بل أصبح مثل هذا السؤال رجعية وتخلف!، وليت الأمر قد اقتصر على التحرر من سلطة الله والدين في الحياة الاجتماعية لتسلم الحياة الفردية التعبدية، فإن فكرة التحرر من شريعة الله قد حولت حياة المجتمع إلى مجتمع علماني محضٍ، لأن هذه هي الثمرة التي يجنيها المجتمع العلماني من التعلم اللاديني؛ فمن الضروري في مثل هذا المجتمع أن يصبح الأفراد الذين يؤمنون بوجود إله يستحق العبادة قلة نادرة ولاسيما الذين يتولون قيادة المدنية الحديثة، بل إن هؤلاء بصفة خاصة قد استهانوا بالدين في حياتهم الشخصية، وتمزقت صلتهم الفردية بالله إرباً إرباً وانفصموا من عراها انفصاماً كاملاً، ونقول لكل من ينادي بالعلمانية وفصل الدين عن الدولة أو عن الحياة قال جل جلاله: " قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين " من مجلة منهاج النبوة العدد السادس رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=59
  6. مجلة منهاج النبوة

    الحريَّات ومفهوم فكرة الحريَّة

    شبهات وردود الحريَّات ومفهوم فكرة الحريَّة أبو عبد الرحمن عاش المسلمون في ظلِّ دولة الخلافة الإسلامية في عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم حياةَ العز والرفعةِ بعقيدةٍ سليمةٍ صحيحةٍ وفي عهدِ الخلفاءِ الراشدين أيضاً إلى أواخرِ الخلافة العثمانية، فأدركَ الغربُ الكافر قوةَ المسلمين بتوحُّدِهم تحت رايةٍ واحدةٍ وخليفةٍ واحدٍ يجمعُ جمعَ المسلمين، فدبَّرُوا الخططَ والمكائدَ حتى استطاعوا بَثَّ أفكارهم وسُمُومِهم في بعضِ ضعافِ النفوسِ من المسلمين حتى استطاعوا بهذا الفكر إسقاط الخلافة العثمانية مطلعَ القرن الماضي... وقد نشَرَ الغربُ أفكارَهُ وحريَّاتَه المطلقة وغير المطلقة بدعوى المدنيَّة والديمقراطيَّة، ومن هنا انبَثَقَت فكرةُ الحريَّات الأربع وهي: 1- حريَّة العقيدة: وبمُوجِبِها يكون للفرد حريَّة الإلحَادِ والتَّديُّن، وحريَّةَ اختيار الدّين الذي يشاء، وحريَّةَ تغييره متى شاء، بينما جاءَ الإسلامُ ليصحِّحَ هذه العقيدة، فإنَّ الشرعَ قد فرَّقَ بين الدُّخول في الإسلام ابتداءَهُ وبين التحول منه إلى دينٍ آخر، وذلك أنَّه يحرُمُ إدخالُ النَّاس في هذا الديِّنِ بالقوَّةِ، قالَ سبحانه وتعالى: " لا إكراه في الدين " ويُوجِبُ أن يكون هذا القرار نابعاً من تَفكُّرٍ عميقٍ، وإنْ ارتدَّ عن الإسلام فقد شَرَعَ الإسلامُ في حقِّ هؤلاء حكماً قاسياً وهو القتل للمرتدِّين قال صلى الله عليه وسلم: " من بدل دينه فاقتلوه " 2- حريَّة الرَّأي والتَّعبير: وهي أن يكون للفرد حريَّةُ أن يعبِّرَ عن ما يشاء من آراءٍ وأفكارٍ دون عقوبة أو رادع من الدَّولة بل الدَّولة تحمي هذه الحريَّة، حتَّى لو كان شَتْمَ النَّبي أو الذَّات الإلهية، بل الدَّولة الديمقراطية لا تحاسبه بدعوى حريَّة الرَّأي، لذا أوجَبَ الإسلامُ على المسلمِ أن يَصدَعَ بالحق دون أن يخافَ في الله لومَةَ لائِم، ولا يعني أنَّه جعلَ له الحق أن يقول ما يشاء دون ضابطٍ أو رقيبِ، ولكن جعل للأمرِ حدود، قال سبحانه وتعالى: " تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون "، ولم يجعل المسلم حرَّاً في رأيِهِ، فلا يجوزُ له أن يؤمنَ بالأفكارِ الهدَّامَة، وأن لا يَغتابَ الناسَ ويُزوِّرَ الحقائقَ، قال صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت " متفقٌ عليه، إذن فالمسلمُ مقيدٌ في الرَّأي والدعوة بالأحكامِ الشرعية. 3- حريَّة التَّملك : أي يكون للفرد أن يَتَملَّك ويُتَاجرَ بما يشاءُ وكيف شاء، والإسلام أباح للمسلمِ السَّعيَ في الأرضِ لكسبِ الرزقِ، وسخَّرَ الكونَ لخدمته، قال سبحانه وتعالى: " قل من حرَّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق "، وحثَّ المسلمينَ على العمل والكدِّ لكسبِ المال والطعام، قال صلى الله عليه وسلم: " ما أكل أحدٌ طعاماً خيراً من أن يأكلَ من عملِ يدِهِ "، ولهذا جعل الإسلامُ العملَ سبباً من أسبابِ التَّملك، ولم يجعل الأمر مفتوحاً بحيث يملك كيف شاء وما شاء، بل ضبط أسباب الملكية والتَّملك بضوابطٍ شرعيةٍ فلا يجوزُ ملكيةُ الخمرِ والخنزيرِ ومَنَعَ التجارة بِهما . 4 - الحريَّة الشَّخصية : وتعني أن يكون للفردِ حريَّة التصرف بجسمه كيف يشاء، وهذا لا يجوزُ شرعاُ، فالمسلمَ ليس حراً في جسده، فلا يجوزُ له أن يشربَ الخمرَ ولا أن يتعاطى المخدِّرات، ولا يجوز له أن يزني أو أن يبيعَ أعضاءَهُ أو أن ينتَحِر، ولا يجوزُ له أن يكشفَ عورتَهُ وأن لا يتخنث في حركاته ولا أن يتشبَّهَ بالنساء ولا يجوز للنساء أن يخضَعنَ بالقول، ولا يتشبَّهنَ بالرجال في لباسِهِن، فكلُّ هذه الأمور محرمة، فقد وردت النُّصوصُ الشرعيَّة بحرمتها، وترتب عقوبة على فاعلها، ولهذا وضعَ الإسلامُ ضوابطً شرعيةً لحريةِ الفردِ الشخصيةِ، تُقَيِّدُ سلوكه وتصرفاته وفق الأحكام الشرعيَّة . ــ لذلك لا يوجدُ بلدٌ أو نظامٌ في العالمِ يمنعُ لمواطنيه حريَّاتهم بشكلٍ مطلق، وهي فكرة لا معنى لها إلا التسيُّب والفوضى، وما لبِثَتْ النظم الديمقراطيَّة أن تراجعت عنها، وقيَّدَتها بالقاعدة المعروفة (حريَّتك تنتهي عندما تَمَسَّ حريَّة الآخرين )،ثم وجدت الدولُ المطَبِّقَةُ لها أن الأمر لا يستقيم، فأضَافَت قيوداً أخرى تقيِّدُ حريَّات المواطنين، وهي القوانين المنظمة لشؤون الحياة . ـــ حكم الشَّرع في الحريَّات : إن الإسلامَ لا يعرف معنى للحريَّة إلَّا بكونِها ضدَّ العبوديَّة أي الرِّق، أما أن يكون الإنسان حراً في تصرُّفَاته، يفعلُ ما يشاء ويُحجِم عمَّا يشاء، فهذا ممَّا لا يجوز شرعاً، فالإسلامُ أوجبَ على المسلمِ أن يقيِّدَ كلَّ أفعاله وحركاته وسَكنَاتِهِ وأقواله بالشَّرع، قال سبحانه وتعالى: "وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين "، وبالتَّالي فإنَّ الدَّعوة إلى الحريَّة والمناداة بالحريَّات حرامٌ شرعاً. من مجلة منهاج النبوة العدد الخامس رابط المقال: http://mnhajalnbooa....thread.php?t=11
  7. مجلة منهاج النبوة

    أإسلامنا تَطَرُّف وعُريهم حضارة؟؟!

    شبهات وردود أإسلامنا تَطَرُّف وعُريهم حضارة؟؟!! الغريـــــــــــــــــب لقد أزعجني وآلمَني كلامُ أحد المُتَشَدِّقين عندما قال: "إن الغرب لم يصل إلى ما وصلَ إليه من حضارة وتقدم علمي إلا من خلال الحرية والديمقراطية، ونحن لسنا إلا مَدينون لهم بما قدَّموا لنا من إنتاج مادي وتطور علمي. وهذا المتحدِّث وأمثالُه كثرٌ في زماننا ممن ينظرون إلى الحياة نظرةً مادية بحتة، فهم لا ينظرون ولا يؤمنون بما وراء هذه الحياة من حِسابٍ، فهم يُغفلون أصلاً وجود الدِّين أو أن يكون له علاقة في الحياة، فالدِّين- برأيهم- هو علاقة الإنسان بخالقه، وليس له صلة في تنظيم حياة البشر، وتراهم يحاربون أي جهة تتبنى الدين السماوي وتجعله منهج حياة مهما كانت هذا الجهة وأياً كانت- وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بأكمل الشرائع وأتَمِّها "ديننا الحنيف دينُ الإسلام"- فتجدهم يستخدمون كلَّ سلاح ممكن للتصدي لهذا المنهج. وأخطرُ هذه الأسلحة تلك التي يستخدمونها بحربهم الإعلامية ضد الإسلام والمسلمين بوصفهم بالتطرف والتشدد والإرهاب حتى يجعلوهم- في شريعتهم- دماً حلالاً خالصاً للذبح، فكم من حربٍ خاضوها تحت هذه الأوصاف، وكم أراقوا من دمٍ في سبيل شرعهم وحريتهم التي صنعوها ووضعوها لتناسب أهواءهم وواقعهم، وجعلوا فيها الذكر والأنثى سواء، فنادَوا بتحرير المرأة حتى تكون سلعة رخيصة. فكانت عندهم معايير للحضارة تتناسب مع معيار العري، فكلما كانت المرأة في المجتمع عارية دلَّ ذلك على تقدم وحضارةِ ذلك المجتمع. وساهموا بنشر الإباحية إلى كل بيت بعد أن رخَّصوا قنواتهم الإباحية، بل زادوا على ذلك بِأن وضعوا قوانين لشواذِّهم ممن أرادوا الزواج بالمِثل تحت عنوان "الحرية الشخصية" و "حرية الرأي" التي أتت على كل مُقَدَّسٍ ودنَّسَتْه بأفواهٍ وأقلامٍ تريد أن تُطفئ نور الله، ولكنَّ الله متمُ نورِه ونعمته على عباده المؤمنين الذين اعتنقوا الإسلام ديناً ومنهجاً لِيُخرِجَهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، ومن الجاهلية والعصبية والقبلية إلى الاعتصام بحبل الله، ويُحَرِّرَهُم من تَسَلُّطِ الحكام إلى عدل الإسلام، ويُطَهِّرَهُم من تَفَلُّتِ الغريزة لِنَظْمِها بحكمته وعلمه جل جلاله، ولم يدَعْها لأهواء البشر وتَعَنُّتِ الغلاة، ولم يترك أولي الأرحام يُدفَنَّ في الصِّبا فنفضَ عنهن غبار القبور، وجعلهن من خير كنوز الدنيا وأَمَرَ القائمين عليهنَّ بالرفق بهنَّ وصَونهنَّ كما تُصان أغلى وأثمر الجواهر. فهذا ديننا وذاك دينهم " قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابدٌ ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم وليَ دين " فنحن لن نعبدَ ما تعبدون، نحن الذين بديننا متمسكون، على سنة نبينا عاضون، وعلى الجمر ماضون، سعياً لنكون لما أمر به النبي متبعون. عن الْعِرْبَاض بن سارية رضي الله عنه قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصُّبْحَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وكل بدعة ضلالة"، ونمضي على الحق حتى ولو كان الحق غريباً، فنحن غرباء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى للغرباء". من مجلة منهاج النبوة العدد الرابع رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=10
  8. الفقه الأكبر الروابط -4- رابطة العقيدة الإسلامية هي الرابطة الصحيحة والوحيدة لإقامة دولة الإسلام أبو علي الدمشقي لقد جاء الإسلام ليطهر العباد مما تسببت فيه وتُسببه الروابط الزائفة الضالة عادة في حياة الناس، وما تسببه في علاقاتهم، وفي تركيبتهم الاجتماعية، وكذلك في علاقاتهم بالأمم التي حولهم، وما ينبني على هذه الروابط والعلاقات الفاسدة من أنظمة فاسدة، وأعمال إجرامية، وفساد أخلاقي، وبغضاء وشحناء، وتنافس على الأموال والأولاد والسلطان. فبعد أن تبين لنا فساد الروابط التي ذكرناها في الأعداد السابقة من ناحية عقلية وواقعية، لا بد أن يكون هناك رابطة تصلح للربط بين الناس وتقودهم للنهضة. وهذه الرابطة يجب أن تكون قائمة على عقيدة عقلية، وليس على ردود فعل غريزية، ويجب أن تقدم حلولاً لمشاكل الإنسان ومعالجات لشؤونه بغض النظر عن الزمان والمكان، وهذه الرابطة هي الرابطة المبدئية. فالمبدأ بالتعريف: هو العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام ينظم حياة الناس ويعالج مشاكلهم. وفي العالم الآن يوجد ثلاثة مبادئ: الاشتراكية الشيوعية، والرأسمالية الديمقراطية، والإسلام. والمبدآن الأولان تطبقهما دولة أو مجموعة دول، أما المبدأ الثالث فلا تطبقه أية دولة، وإنما يحمله أفراد في شعوب. فالله عز وجل أنزل الاسلام على الناس بعقيدة الإيمان بالله، وجعل كل من يدخل في هذه العقيدة أخوة لهم جميعهم ما لهم وعليهم ما عليهم، قال تعالى في سورة الحجرات: " إنما المؤمنون إخوة ". فكانت وحدة الفكر بحق هي التي توحد الناس وتربطهم ببعضهم وتجمعهم على الخير. هذه هي الرابطة المستندة إلى الإيمان بالله ورسوله، وهي الرابطة الصحيحة التي لا تنفك عراها ولا تنقطع أواصرها ولا تتهاوى عند اختلاف المصالح ولا تتغير أو تتبدل بتغير الأيام أو السنين أو الأماكن. وهي الرابطة التي لا تميز عرباً عن عجم أو تميز أبيضَ عن أسود أو أحمر، وهي التي تمحو العصبية القومية والوطنية، قال تعالى في سورة التوبة: " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ". نعم هذه هي الرابطة المبدئية رابطة العقيدة الإسلامية التي لطالما حاربنا عليها أعداؤنا الأمريكان والأوربيون وغيرهم من الدول الأخرى وأذنابهم من حكام العرب الذين يأتمرون بإمرتهم فهم يخافون على مناصبهم و كراسيهم التي لو عاد المسلمون اليوم إلى دينهم و تمسكوا بعقيدتهم لأقاموا دولةً إسلامية ستحطم هذه الكراسي فوق رؤوسهم. نعم هذه هي الرابطة الإيمانية التي جُيِّشَتْ لها الجيوش لمحاربتها، فتم تقسيم بلدان المسلمين إلى دويلات عديدة وجنسيات مختلفة ولغات متعددة ودعواتٍ وولاءات وطنية وقومية نتنة، فباتَ المسلمون- والعياذ بالله- يحملون عقيدةً مسلوخة من نظامها فيؤمنون بالله، ولكنهم يتعاملون إكراهاً بنظام الشيطان فيما بينهم، وبالتالي فقدوا هذه الرابطة المبدئية (رابطة العقيدة الإسلامية) وفقدوا معها وحدتهم وفقدوا قوتهم وعزتهم وكرامتهم وفقدوا بأسهم على عدوهم، وصار بأسهم بينهم شديد- خلافاً للنهج الذي سار عليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام الذين حكموا العالم بتمسكهم بهذه الرابطة الإيمانية. قال تعالى في سورة الفتح: " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم رُكَّعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً ". من مجلة منهاج النبوة العدد السابع رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=53
  9. مجلة منهاج النبوة

    الروابط (3) الرابطة المصلحية

    الفقه الأكبر الروابط -3- الرابطة المصلحية أبو محمد الشامي ينحط المجتمع بانحطاط الأفكار والعرف العام السائد فيه والأنظمة المطبقة فيه ويرتقي برقي العرف العام وبرقي الأفكار ولا علاقة للمظاهر الاقتصادية بنهوض المجتمع، ومن أبرز سبل الوصول لنهضة المجتمع العمل الجاد على قلب العرف العام والأنظمة، وذلك عن طريق مكافحة الأفكار والقناعات والمفاهيم والمشاعر السائدة والأنظمة القائمة من أجل أن تحلَّ محلها أفكارٌ وقناعات ومفاهيم ومشاعر وأنظمة راقية وصحيحة، والمسلمون لم يتخلفوا عن ركب العالم نتيجة لتمسكهم بدينهم وإنما بدأ تخلفهم يوم تركوا هذا التمسك وتساهلوا فيه وسمحوا للحضارة الغربية أن تحتل أذهانهم وتستحوذ على أفكارهم، ولعل من أبرز إفرازات هذه الحضارة شيوع الرابطة المصلحية بين أبناء المسلمين، تلك الرابطة الفاسدة المنحطة التي تصور الحياة على أنها منفعة فقط وتجعل الصلة بين أفراد المجتمع قائمة على النفعية البحتة وعلى قدر ما تحقق لهم من متع الدنيا الزائفة الزائلة، وهذا ما نتج عنه الشقاء والقلق الدائمين، فما دامت المصلحة والمنفعة هي الأساس وهي مقياس الأعمال فالتنازع عليها طبيعي والنضال في سبيلها طبيعي، بل وصار الاعتماد على القوة في إقامة الصلات بين البشر طبيعي، فتزعزعت مجتمعاتنا وانتفت الأخلاق الكريمة والقيم الروحية منها، فقامت الحياة على أساس التنافس والنضال والعداء على المصلحة وعلى قدر ما تجلب من مال ومتع، وهبطنا من رابطة الدين والعقيدة الراقية إلى دركات الرابطة المصلحية النتنة ففسد المجتمع وظهرت الشحناء والبغضاء؛ و كل ذلك لبعدنا عن ديننا وعن إقامة علاقتنا ببعضنا على أساس شرعنا لا غير، فالمسلمون حينما طبقوا الإسلام قولاً وفعلاً ونظاماً يُسيِّرون حياتهم وفق قوانينه الربانية؛ ازدهر المجتمع وانتشرت العدالة والقيم الروحية الراقية فيه، ذلك لأنه صوَّر الحياة على أنها أوامر الله عز وجل ونواهيه، والسعادة فيها هي نيل رضوان الله سبحانه وتعالى وذلك كفيل بضمان الرفاهية ليس للمسلمين فحسب بل للإنسانية جمعاء. فسبيل نهضتنا الوحيد اليوم هو تخليص مجتمعنا من كل ما لحق به من المجتمعات الغربية والشرقية الفاسدة، وإقامتها على أساس الإسلام ومظاهره الراقية فقط، وإن من الشائع بين الناس مقولة تكرس الرابطة المصلحية وتعمقها: "أينما تكون المصلحة فثم الشرع" ومن الثابت عن أكثر أهل العلم أنه: «أينما يكون الشرع فثم المصلحة» ذلك أنَّ الشرع وحده هو الذي يصلح لكل زمان ومكان وهو الذي يحدد المصلحة والمفسدة، فَمَن خلقنا قد جعلَ لنا نظامَ حياةٍ نسير عليه، وهو أعلم بمصلحتنا وبما يصلحنا أكثر من أنفسنا، فينبغي أن تدور مصالحنا وعلاقاتنا ومجتمعاتنا حيثما دار الشرع، وعلينا أن ندع المصالح الدنيوية، وأن نكون إخوة متحابين متناصحين متواصين بالحق القويم، قال سبحانه وتعالى: " والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " من مجلة منهاج النبوة العدد السادس رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=50
  10. مجلة منهاج النبوة

    الروابط (2) الرابطة القومية

    الفقه الأكبر الروابط ــ 2 ــ الرابطة القومية أبو الوليد الدمشقي لقد كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم نقلةً نوعيةً وثورةً عالميةً، قلبت المجتمع الجاهلي إلى مجتمع إسلامي متميز بكل شيء، فبعد أن كان الناس في الجاهلية متفرقون منقسمون متخاصمون حسب أعراقهم و قومياتهم وشهواتهم؛ جاء الإسلام فوحدهم ورصَّصَ صفهم على أساس الإسلام وعلى رابطة مبدئية عالمية، وإن أبرز ما قضى عليه الإسلام من دركات المجتمع الجاهلي هو النزعة القومية التي كانت سائدة آنذاك، فجاء الإسلام وأُنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين لينذر الناس كافة بغض النظر عن قومياتهم وأعراقهم؛ ففي الإسلام وحده أصبح عُمَرُ العربي وصهيبٌ الرومي وسلمانُ الفارسي وصلاح الدين الكردي وطارق بن زياد البربري ومحمد الفاتح التركي إخوة، وأفضلُهم هو أتقاهم لله وقد تفوَّقوا بإسلامهم فحسب، وليس ذاك إلا لأن الإسلام مبدأ عالمي وشفاء لأمراض البشرية جمعاء في كل زمان ومكان، وقد بتر الإسلام كل النزعات المفرِّقة النتنة ووحَّد كلَّ من انتمى إليه ـ أياً كان عرقه ـ تحت صفة واحدة قال سبحانه وتعالى : " إنما المؤمنون إخوة " وقد بقي المسلمون كذلك، طالما ظلوا متمسكين بدينهم مُترفِّعين عن ترهات المجتمع الجاهلي؛ يحملون الإسلام وينشرون به العدل والخير في أنحاء المعمورة، وعندما ابتعدوا عن دينهم وتقاعسوا عن عالميته، تحكم الكفار بهم فهبطوا إلى منحدرات الذل والهوان والتبعية و العصبية، فنشأت بينهم روابط نتنة بعيدة عن دينهم ومبعث عزهم وأبرز هذه الروابط الهابطة هي الرابطة القومية؛ والقومية رابطة رخيصة عاطفية تربط بين أبناء القوم الواحد بغض النظر عن الدين وهي رابطة قبلية ضيقة تنشأ عن غريزة حب البقاء فيوجد منها حب السيادة والسلطة، وهي لا تصلح للربط بين البشر ولا أن توحدهم على طريق النهضة؛ لأنها خالية من الفكر ولا علاقة لها به ولا بالنظام، فهي غير صالحة لنهضة الأمة أبداً؛ فكل الذي تملكه هو عاطفة الانتساب للقوم والتعصب لذلك القوم، والعمل على أن يكون سيداً على غيره من الأقوام ولذا فهي غير إنسانية وهي تسبب الخصومات بين الناس، وهي تفرق ولا تجمع، فالعرب والأكراد والأتراك والفرس والبربر و... قوميات مختلفة وبين أبنائها خصومات كثيرة وتكثر كلما ابتعدوا عن الإسلام وتحاول كل قبيلة فرض سيطرتها على الأخرى وإقامة كيان خاص بها، وبهذا فالرابطة القومية غريبة عن الإسلام وهي فكرة أوجدتها الدول الكافرة في بلاد المسلمين لإبعادهم عن الإسلام وشق صفهم وتمزيق وحدتهم ــ مستغلة ضعف تمسك المسلمين بدينهم وتقاعسهم عن تطبيقه ــ والقضاء على دولتهم وبالتالي الرضوخ لأنظمة الكفر وإقامة العوائق دون تطبيق الإسلام؛ وعليه فالإسلام يحرم الدعوة إلى القومية ويعمل على وأدها وقد جعل من يدعو لها ليس من المسلمين قال صلى الله عليه وسلم: " من دعا إلى عصبية فليس منا " وقد اعتبر من يموت وهو يدافع عنها يموت ميتة جاهلية؛ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبية أو يدعو لعصبية أو ينصر عصبية، فقُتل فقتلته جاهلية "، وقال صلى الله عليه وسلم: " لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعل يدهده النتن بأنفه " فالدعوة إلى القومية هي دعوة ضد الإسلام وإثمها عند الله كبير وجزاؤه سعير، وأيضاً الانتساب للأحزاب القومية لا يجوز لأنها تعمل لصد المسلمين عن دينهم وإبعادهم عن عقيدتهم. ويجب أن يكون واضحاً أنَّ حمل الإسلام باللغة العربية لا يعني قومية الإسلام وعروبته، ولا تعني الدعوة للإسلام الدعوة إلى القومية العربية؛ فالإسلام شيء و القومية شيءٌ آخر يجب التبرؤ منه، فديننا مبدأ يقوم على العقيدة الإسلامية ونظام متكامل يعالج شؤون الحياة وينظمها من كافة جوانبها؛ وعلينا أن ندرك بأنَّ إسلامنا واحد شرعه لنا الله عز وجل وألزمنا التقيد به وخلافُ ذلك سنبقى في خلافٍ وشقاقٍ وتيهٍ وغضبٍ من الله جل جلاله وحجبٍ لنصره عنا، قال سبحانه وتعالى: " فإن ءامنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ". من مجلة منهاج النبوة العدد الخامس رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=6
  11. مجلة منهاج النبوة

    الروابط (1) الرابطة الوطنية

    الفقه الأكبر الــــروابـــــــط (1) الــرابــطــة الــــوطــنــيـــة أبو حامد الشاكر ظلَّت الأمةُ الإسلامية قروناً طويلةً وهي عزيزةٌ منيعةٌ، تتصدرُ قيادةَ الشعوب والأممِ طالما بقيت متمسكةً بكتاب ربِّها، منفذةً لأحكامه عاملةً بسنة رسوله؛ فلمَّا هجرت العملَ بالقرآن وانحرفت عن السنة، انتشرَ الفسادُ وشاع الخلافُ فضَعُفت الأمةُ وذلَّت؛ وقد تمَّ ذلك بمكائد الكفارِ وتضليلهم وتقاعس المسلمين وتقصيرهم، حيثُ عاشوا منذ منتصف القرن الماضي في مرحلةٍ مشاعريةٍ كاسحةٍ وظلُّوا غارقينَ في دوامة من الألفاظ الطنَّانة، وهم يردِّدون بحماسٍ كلماتِ الوطنية والقومية والتحرر ومحاربة الاستعمار، دون أن يكون لها واقعٌ ودون أن يكون لها معنىً جوهري. فالوطنيةُ لا تملك أفكاراً ولا أنظمةً، وكلُّ الذي تملكهُ عاطفةُ الانتساب للوطن والتعصُّبُ للوطن، وهي رابطةٌ تفرّقُ ولا تجمع، ولم يرِد لكلمة الوطنية في القرآن الكريم ولافي السنة النبوية أيُّ مدلولٍ أو معنى أو مغزى أو حتى منبع، ولم ترد حتى في كلام الصحابة ولافي كلام كبار علماء الأمة. فالوطنُ "لغةً": كلُّ مكان قامَ به الإنسانُ لأمرٍ، فكلُّ مكانٍ قام به الإنسانُ لأمرٍ فهو موطنٌ له "أوطنَ فلانٌ أرضَ كذا أي اتخَّذها محلاً ومسكناً يقيمُ فيها". فالوطنُ ليس هو إلَّا محلُ إقامة الإنسان سواءً أكانت إقامةً دائمةً أو مؤقتة، فالذي يسافرُ فترةً لبلدٍ آخر فإنَّه يتخذهُ وطناً أي مسكناً ومقاماً ولو مؤقتاً, وتوطينُ النفس على شيءٍ هو تعويدها عليه، والموطنُ هو المشهدُ من مشاهد الحرب، قال تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ". ولم يكنْ عند المسلمين قبلَ هدمِ خلافتهم أيُّ معنى لكلمة الوطن غيَر هذا المعنى، ومفهومُ الوطنِ كونُه بلداً ترتبطُ فيه جماعةٌ من الناس، وتتفقُ أن تلتزمَ بسيادة الوطن، وإطاعةِ الحاكم وما يتبعهُ من أجهزةٍ حكومية, هو مفهومٌ أوروبي وقد ظهرَ بعد المعركة الدامية بين الفلاسفة ورجال الكنيسة للحدِّ من تدخلِ الكنيسة في الحياة العامة في المجتمعات الأوروبية فعندها تنادى المفكرون إلى ضرورةِ وضعِ أسسٍ جديدة تربطُ بين الناس لا على أساس الدين والمذاهب التي أدَّت إلى سفك الدماء وإنَّما على الولاء للوطن وقد تُوِّجَت هذه الأحداثُ بتكريس مفهوم "فصل الدين عن الحياة" وهو أساسُ الفكرِ العلماني الديمقراطي والعقيدة العلمانية الديمقراطية التي تقومُ على إنكار دور الدين والخالق في تصريف شؤونِ المجتمع. وهكذا فعندما ذهبت دولةُ الإسلام وتغلغلَ الاستعمارُ في بلاد المسلمين وَرَدَت إلينا فكرةُ الوطنية لتكريسِ كياناتٍ أقامها الكافرُ المستعمر في بلادنا بعد أن قسَّمها إلى دويلاتٍ هزيلة حسب اتفاق سايكس بيكو وعلى مزاج غورو. إذاً ففكرةُ الوطنية جزءٌ لا يتجزأُ من المؤامرات الغربية لتكريس تجزئةِ المسلمين على سوريا ولبنان والعراق وليبيا... وقد تجَلَّت هذه الفكرةُ العَفِنَةُ بشعاراتٍ وعباراتٍ وإعلاناتٍ تُصدّعُ رؤوسنا: "مصر للمصريين"، "لبنان أولاً"، "نفط السعودية للسعودية"، "القضية الفلسطينية شأن فلسطيني"، "شلال الدم السوري شأن داخلي"، فكيف لنا أن نرضى بالوطنية ونقولَ بأنَّها أمرٌ واقع، وهي داءٌ خبيثٌ يَفُتُّ في عضدِ الأمةِ الإسلاميةِ الواحدةِ، قال تعالى: " إنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " وقد وردَ أنَّ قائدنا محمداً لم يعتبر مكةَ وطناً له، فقد اعتبرها محلَّ سفرٍ وقصرَ فيها الصلاة، وهو القائل: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، ويُخطئ كثيٌر من دعاة الوطنية عندما يَستدِلٌّون على ذلك باجتزاءٍ من حديثه عند خروجِه من مكةَ: "أنتِ أحبُ بلاد الله إلي ولولا أنَّ المشركين أخرجوني لم أخرج منك"، فقد روى ابن عباس أنَّ النبي لـمَّـا خرج من مكة قال: "أنتِ أحبُ بلاد الله إلى الله وأنتِ أحبُ بلاد الله إلي، ولولا أنَّ المشركين أخرجوني لم أخرج منك" فهو صلى الله عليه وسلم كان يحب مكة لأنها أحبُ البلاد إلى الله ، وأمَّا من يدَّعي بأنَّ الإسلامَ أمَر بالدفاع عن الأوطان واعتبَر ذلك جهاداً في سبيل الله فهذا فيه الكثيُر من التدليس والتضليل، فإسلامُنا لم يأمر بالدفاع عن "الوطن" وإنَّما أمرَ بالدفاع عن البلاد الإسلامية بغضّ النَّظر عن كونها وطناً للمجاهد أو غيَر ذلك؛ وعلى هذا الأساس فتحريرُ البلاد الإسلامية المغتصبة والذَّودُ عن المسلمين المستضعفين وتخليصهم من الطغاة المجرمين لا يُناط بأهل تلك البلاد طالما لا يستطيعون ذلك وحدَهم، وإنما يُناط الواجبُ بكل المسلمين في كل بقاع الدنيا؛ فديننا واحدٌ وأمتنا واحدةٌ وقائدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو القائل: "من قاتل تحت راية عُمْيَةٍ؛ يدعو إلى عصبية، أو ينصر عصبية، فقتلته جاهلية" وهو صلى الله عليه وسلم لم يتمسك بتراب "وطنه" مكة؛ وكان يستطيعُ ذلك بعد الفتح، ولكنَّه رجع إلى المدينة عاصمة الدولة الإسلامية وأقام فيها حتى وفاته صلى الله عليه وسلم ولم يوصي بدفن جثمانه الطاهر في تراب "الوطن" مكة المكرمة؛ وكذلك أصحابُه من بعده، ولقد وصلَ الأمرُ ببعض دعاة الوطنية إلى افتراء الأحاديث على رسول الله كقولهم: "حب الوطن من الإيمان" فهذا ليس بحديث ولم يَقُلهُ صلى الله عليه وسلم. ثمَّ إنَّ حُبَّ الوطن شيءٌ و"الوطنية" شيءٌ آخرَ، فَحُبُّ الوطن "مكان الإقامة" شيء طبيعي غريزي لدى الإنسان، فقلبُه يتعلقُ بالمكان الذي اعتادَ عليه وترعرع فيه ولَهُ فيه ذكرياتٌ جميلة، إلا أنَّ هذا الحب الغريزي لا يتعدى القريةَ أو المدينة أو المنطقة التي عاش فيها الإنسان فأنَّى لابن درعا أن يُحِبَّ ويَحِنَّ ويشتاقَ للقامشلي أكثر من طرابلس أو الرمثا لأنَّه سوري وتلك لبنانية والأخرى أردنية ــ وكلها بقاع إسلامية عزيزة ــ فما هذه الرابطةُ الهابطةُ التي تُرَوّجُ لفكرٍ غربيٍ غريبٍ، وجبَ علينا ردُّهُ لأهله وتخليصُ أمتنا منه قال صلى الله عليه وسلم : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فواجبٌ على كلِّ المسلمين اليوم نبذُ كل الأفكار والمفاهيم الدخيلة والعودة الحميدة إلى الإسلام وإلى الرابطة الإسلامية الراقية الفريدة لإقامة مجتمعهم على أساس العقيدة الإسلامية، وليُجددوا عهدهم ويُرضوا رَّبهم بإقامة دولتهم الواحدة التي فيها عزُّهم ومجدُهم ونصرُهم على عدوهم. من مجلة منهاج النبوة العدد الرابع رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=5
  12. مجلة منهاج النبوة

    القضاء والقدر

    الفقه الأكبر القضاء والقدر أبو مجــــاهـــد الــدومـــاني إن مسألة القضاء والقدر هي من المسائل التي لعبت دوراً هاماً في المذاهب الإسلامية، ومعناها: أن ما يحدث من الإنسان من أفعال هل الإنسان له حرية الاختيار في إحداثها وعدم إحداثها أو مجبر؟ وهذه المسألة إذا بحثنا في القرن الأول الهجري نرى أنها لم تُطرَح عند أحد من المسلمين، وإنما كان أول من طرحها واصل بن عطاء رأس المعتزلة – وهم فرقة درست الفلسفة اليونانية وحاولت أن توفق بينها وبين الإسلام - ، حيث لما جاء الإسلام وتسربت الأفكار الفلسفية كانت من أهم المسائل مسألة صفة العدل بالنسبة إلى الله. فالله عادل ويترتب على هذا العدل مسألة الثواب والعقاب، وترتب على ذلك مسألة قيام العبد بأفعاله فكان رأي المعتزلة في هذه المسألة أَنَّ الإنسانَ هوَ الَّذي يخلقُ أفعالَهُ بنفسِهِ، فهوَ يُحاسبُ عليها لأنَّهُ هوَ الَّذي أَوْجَدَهَا فهو مُخيَّرٌ في جميع أفعاله، فرَدَّ عليهم الجبرية بأن الله هو الذي يخلق أفعال الإنسان فهو مجبر في جميع أفعاله فهو كالريشة في مهب الريح، أما الإمام أبو الحسن الأشعري فقد وضع نظرية الكسب وهي طريق وسط بين رأي المعتزلة ورأي الجبرية، حيث أثبت الحرية الإلهية غير الخاضعة للمعيار الإنساني، فليس لأحدٍ أن يوجب عليه سبحانه فعل الصلاح أو الأصلح لعباده، كما أراد إثبات أن الإنسان مخير في أفعاله فميز في الإنسان بين حركات الرعدة والرعشة، وبين حركات الاختيار والإرادة، الذي يجد الإنسان في نفسه تمييزًا واضحًا بينهما، فالتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة، متوقفة على اختيار الإنسان، ويسمى هذا الفعل (كسبًا) فيكون خلقًا من الله تعالى، إبداعًا وإحداثًا وكسبًا من العبد، حصولاً تحت قدرته. وبالتالي فإن مصطلح القضاء والقدر هو مصطلح وضعه أهل الكلام للدلالة على معنى معين وهو: هل الإنسان مخير في أفعاله أم مسير؟ وإذا دققنا النظر نجد أن الإنسان يعيش بين دائرتين: - الأولى تسيطر عليه: وهي الدائرة التي تحصل فيها الأفعال على غير إرادة من الإنسان ولا قبل له بدفعها مطلقاً، وهي دائرة القضاء والقدر. - الثانية: الإنسان يسيطر عليها: وهي الدائرة التي تحصل فيها الأفعال الاختيارية أي يقوم الإنسان بأفعاله مختاراً. فالدائرة الأولى تنقسم إلى قسمين: القضاء والقدر 1- القضاء: وينقسم إلى قسمين: أما الأول فهو ما تَقْتَضيهِ السُنَّةُ التي أودعها الله في هذا الوجود، فالإنسان يسيرُ معَ الكونِ ومعَ الحياةِ طِبْقَ نِظامٍ مَخْصُوصٍ لا يَتَخَلَّفُ، ولذلكَ فالأعمالُ التي تقع في هذهِ الدائرةِ على غيرِ إرادَةٍ مِن الإنسان وهوَ فيها مُسَيَّرٌ ولَيْسَ بِمُخَيَّرٍ. فالحياة والموت وأن يكون الإنسان ابن أبيه ولون العينين ولون بشرة الإنسان أفعالٌ لا دخل للإنسان بها، وإنَّما الَّذي أوجدَ ذلكَ كُلِّهِ هوَ اللهُ تعالى دونَ أنْ يكونَ لِلْعبدِ أيُّ أثرٍ ولا أيةُ علاقةٍ في ذلكَ، فاللهَ هوَ الَّذي خلقَ سنة الوجودِ، وجعلَهُ نظاماً تسير عليه المخلوقات سيراً جبرياً لا يمكن التخلف عنه. وأما الثاني فهو الأفعالُ الَّتي تقع من الإنسان أو عليه ولا يستطيع السيطرة عليها ولا تَقْتَضِيها السنن الكونية فهيَ الأفعالُ الَّتي تحصُلُ منَ الإنسانِ أوْ عليهِ جَبْراً عنْهُ ولا يملِكُ دَفْعَهَا مُطْلَقَاً، كَمَا لوْ سقطَ شخصٌ عنْ ظهرِ حائطٍ على شخصٍ آخرَ فَقَتَلَهُ، وكما لو أطلقَ شخصٌ النارَ على طيرٍ فأصابتْ إِنساناً لم يكُنْ يعلَمُهُ فقتلَهُ، وكما في سقوط طائرة بسبب عطل فني لم يكن بالإمكان تلافيه. 2- القدر: هو ما أودعه الله من خاصيات معينة: أ- في الأشياء: كخاصية القطع للسكين والحرق للنار. ب- في الإنسان: من خاصيات في الحاجات العضوية التي لا يمكن أن يبقى الإنسان حياً دون إشباعها كالجوع والعطش وقضاء الحاجة، ومن خاصيات في الغرائز التي لا يمكن أن يعيش الإنسان باستقرار دون أن يشبعها الإشباع الصحيح كخاصية الميل الجنسي في غريزة النوع وخاصية العبادة في غريزة التدين وخاصية التملك في غريزة البقاء، وهذه الخاصيات لا تتخلف إلا في حالة المعجزات التي يعطيها الله للأنبياء دلالة على صدق رسالتهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يرى من خلفه، وقد أعطي قوة أربعين رجلاً، وكانت النار المحرقة برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام. هذه هي الدائرة التي تسيطر على الإنسان ويسير فيها سيراً جبرياً لا اختيار فيه، ولذلك لا يكون العبد محاسباً على هذه الأفعال، ولا تُوصَف هذه الأفعال بكونها خيراً أو شراً، لأن الله هو الذي خلقها ووقعت على الإنسان ولا قِبَلَ له بدفعها فالله أعلم بها إن كانت خيراً أم شراً. • فأن أؤمن بالقضاء: أي أنَّ ما حصل علي مما يقتضيه نظام الوجود أو مما حصل مني أو علي مما لا يقتضيه نظام الوجود خيراً أم شراً هي من الله تعالى. • وأن أؤمن بالقدر: أي أنَّ ما أودعه الله من خاصيات في الأشياء ومن حاجات عضوية وغرائز في الإنسان خيراً أم شراً هي من الله تعالى. أما الدائرة الثانية: وهي الدائرة التي يُسيطِر عليها الإنسان فهي الأفعال التي يقوم بها مختاراً اختياراً تاماً، وهي نظام الحياة الذي يختاره الإنسان للسير فيه في هذه الحياة. فإما أن يشبع حاجاته وغرائزه ويستخدم خواص الأشياء حسب أوامر الله ونواهيه فهو الخير، وإن سار في إشباع حاجاته وغرائزه واستخدم خواص الأشياء مخالفاً أوامر الله ونواهيه فهو الشر. فهو يختار أن يشرب لبناً أو خمراً، وأن يشبع غريزة النوع بالزواج أو بالزنا، وأن يتملك بالوسائل الشرعية كالميراث والعمل أو بغصب ميراث الأخوات وكسب المال بالربا، وأن يختار الإنسان الديمقراطية والدولة المدنية أو دولة الخلافة الإسلامية، وأن يرفع المسلم راية النبي صلى الله عليه وسلم أو علم الاستقلال، يفعل الإنسان هذه الأفعال بمحض اختياره. ولذلك فالعبد يحاسب على الأفعال التي يقوم بها في هذه الدائرة لأنه يقوم بها بمحض اختياره، فإن وافقت شرع الله كانت خيراً، وإن خالفت شرع الله كانت شراً، فَفِعْلُ القتلِ لا يُوصَف بالخير أو الشر لذاته بل يُوصَف بالخير إن وافق شرع الله كقتل الكافر المحارب، ويُوصَف بالشر إن خالف شرع الله كقتل الذِّمِّيِّ أو قتل المسلم بغير حق، مع أن كلا الفعلين هو القتل. وقد يقول قائل: أنَّ علم الله أزلي، قال تعالى: " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " وكلُّ شيء مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، أفلا يدل ذلك على أن الإنسان مُسيَّرٌ في الحياة؟؟ الجواب: عِلمُ الله المطلق هو عقيدة عند كل مسلم لا شكَّ فيها ، ولكنَّ علمَ الله الأزلي لا يقتضي أنَّ الإنسان مُسيَّر، فالعلم لا يقتضي الإجبار، فمثلاً: عندما يكون لأبٍ ولدٌ شقي فينهاه عن أمر معين كالخروج من البيت وهو يعلم أنه سيخالفه وسيخرج من البيت فهل نقول أن الأب أجبر ابنه على الخروج؟ بالطبع لا ، وبالتالي فلا علاقة للعلم بقضية الإجبار. هذا هو معنى القضاء والقدر، فالمسلم العارف لحقيقة هذه المسألة يسير في هذه الحياة وهو يعلم أنه مختارٌ في أفعاله، محاسَبٌ على ما كسبَتْ يداه من خير أو شر، فيندفع في هذه الحياة يستشعر مراقبة ربه وأنه لا بد محاسَبٌ يوم القيامة، فيقوم بما يرضي الله سبحانه وتعالى، مهما كلفه ذلك من عواقب. من مجلة منهاج النبوة العدد الثالث رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=4
  13. مجلة منهاج النبوة

    غاية الخلق

    الفقه الأكبر غايـــــــــــة الخلـــــــق أبو مالك الأنصاري إن عدم وجود غرض يعود إليه تعالى لا يعني عبثية الخلق والتي تنافي الحكمة الإلهية، قال تعالى: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً "، والعبث يطلق على الشيء الذي لا غاية حقيقية له، وهو يأتي في قبال الحكمة. إن الإنكار هنا بمعنى أنكم حسبتم أن لا حكمة في خلقكم، وأن ليس هناك غاية حكيمة. إن أي فعل - نركز عليه - لا بدّ أن يكون باتجاه هدف معين، وطبيعيٌّ أنَّ بعثة الأنبياء كانت تستهدف تكميل الإنسان، ومما صرحت به الشرائع أن الأنبياء جاؤوا ليعينوا الإنسان، ويأخذوا بيده إلى الكمال. إن في حياة الإنسان - في الواقع - نوعاً من الخلل والنقص لا يمكن للإنسان الفردي، بل وحتى الإنسان الاجتماعي أن يَسُدَّه بمعونة طاقات الأفراد العاديين، فيتعين عليه أن يستعين بالوحي. ويلزمنا حينئذ أن نعود إلى القرآن ليحدثنا بشكل أكثر تفصيلاً وأشد تعييناً عن هدف الإنسان، وهل تحدث عن الهدف من خلق الإنسان؟ وهل ذكرنا الهدف من بعثة الأنبياء؟ وهل تحدث عن الهدف الذي يعيش له الإنسان؟ أي أن غاية خلق الإنسان والموجود الآخر المسمى بالجن هي العبادة. فما معنى هذا الهدف؟ وما هي الفائدة التي تعود بها العبادة على الله؟ وهي حتماً ليست بذات فائدة له، لأن الله غني عن العالمين، لكن ما هي فائدتها العائدة على البشر ليخلق البشر لأجل العبادة. وفي "التوحيد" بإسناده عن ابن أبي عمير قال: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر: ما معنى قول رسول الله: "اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلق له" فقال: "إن الله خلق الجن والإِنس ليعبدوه ولم يخلقهم ليعصوه، وذلك قوله: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " فيسَّر كلاً لِما خُلِقَ له، فويلٌ لمن استحبَّ العمى على الهدى. وفي "العلل" بإسناده إلى أبي عبد الله قال: خرج الحسين بن علي على أصحابه فقال: "إنَّ الله ما خلق العبادَ إلا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه". والجدير بالذكر أنَّ هناك إشارات وردت في آيات عديدة من القرآن تبين الهدف من خلق الإنسان أو الكون، وقد تبدو مختلفة، ولكن بالنظرة الدقيقة نلاحظ أنها ترجع إلى حقيقة واحدة: 1- في الآية 56 من سورة الذاريات: يعتبر "العبادة" هي الهدف من خلق الجن والإنس " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ". 2- وفي الآية 7 من سورة هود يضع امتحان الإنسان وتمحيصه كهدف لخلق السموات والأرض " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا " 3- في الآية 119 من سورة هود يقول: إن الرحمة الإلهية هي الهدف " إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " 4- وفي الآية 12 من سورة الطلاق اعتبر العلم والمعرفة بصفات الله هي الهدف " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا " إن تدقيقا بسيطاً في هذه الآيات يرينا أن بعضها مقدمة للبعض الآخر، فالعلم والمعرفة مقدمة للعبودية، والعبادة هي الأخرى مقدمة للامتحان وتكامل الإنسان، وهذا مقدمة للاستفادة من رحمة الله. فإذن الخلق مخلوقون لغاية، ما هذه الغاية؟ هي ما بيَّنها الله في قوله: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ". فالله ما خلقَ الجن والإنس إلا لغاية واحدة وهي الابتلاء: " ليبلوكم أيكم أحسن عملاً " الاختبار اختبار في أي شيء؟ في عبادته هل يعبد وحده لا شريك له أم يتخذُ المخلوقُ هذا آلهةً أخرى مع الله؟ وهذه مسألة ولا شك عظيمة. الإنسان خُلق لهذه الغاية، لكن يحتاج إلى من يُبَصِّره بهذه الغاية، ويعلّمه القصدَ من خلقه، ويعلِّمُه كيف يصل إلى عبادة ربه على الوجه الذي يرضى به اللهُ عنه، فبعث الله رسلاً مبشرين ومنذرين يَدَلُّون الخلقَ إلى وعلى خالقهم، يُعرِّفونهم بمن يستحق العبادة وحده، ويعرفونهم بالطريق التي أَذِنَ مَن خَلقهم أن يعبدوه بها؛ قال تعالى لنبينا محمد: " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً " ، وقال: " إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم " ، وكلُّ أمة قد خلا فيها نذير، كما قال تعالى: " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير "، نذير ينذرهم ويبشرهم؛ يبَشِّر من أطاع وينذر من النار، ويخوف من النار: " ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً منهم أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " ، فثبت بهذه النصوص أن الله لم يترك الخلق وشأنهم بعد أن خلقهم، بل بعث لهم رسلاً يعلمونهم ويهدونهم ويبصّرونهم الطريق التي يرضى الله أن يعبدوه بها دون ما سواها من الطرق الموصلة، وتلكم الطريق طريق واحدة، ليست بطرق متعددة كما قال تعالى: " اهدنا الصراط المستقيم " فهو صراط واحد، وهناك صُرُطٌ أخرى، هي صُرط أهل الضلال والجهل والغِواية والهوى، أما الطريق الموصلة إلى الله فهو طريق المرسلين الذي جاءوا به من عند الله ؛ وهو دين الإسلام العام، كما قال سبحانه: " إن الدين عند الله الإسلام " ، أي الاستسلام لله جل وعلا بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. والرسل بينوا للناس هذه الغاية، ودلُّوهم على عبادة الله وحده دون ما سواه، فقامت العداوةُ بين الرسل وبين أقوامهم في هذا الأصل؛ حيث إن الخلق يريدون أن يعبدوا الله بالطريقة التي يحبون لا بالطريقة التي يحبها الله ، ولهذا قال بعض أئمة السلف: "ليس الشأن أن تُحِب ولكن الشأن أن تُحَب"؛ ليس الشأن أن تحب الله، فإنَّ محبة الله يدعيها المشركون، يدعيها الضالون، كل قومٍ بُعث فيهم الرسل يدعون أنهم يريدون وجه الله، يريدون ما عند الله يحبونه - ربما يتصدقون ويُصَلُّون ويدعون ويَصِلُون ويتقربون - وما فِعل أهل الجاهلية جاهلية العرب مِنَّا ببعيد، لكن ليس الشأن أن يُحِب المحبُّ ربَّه، ولكن الشأن أن يُحِب العبدَ ربُّه؛ الشأن أن يحب الله العبد متى يكون ذلك؟ لابد أن يبحث العبد عن سبيل محبة الله له، هذا السبيلُ بيَّنه الله في قوله " قل إن كنتم تحبون الله " زعمًا " فاتبعوني " طاعةً " يحببكم الله ". فإذن سبيل محبة الله للعبد هي طاعة الرسل، واتباع الرسل وخاتم المرسلين نبينا محمد- الذي ببعثته وبرسالته نُسخت جميع الرِّسالات ونسخت جميع الكتب من قبله عليه الصلاة والسلام- فبقي للناس طريق واحد يصلون به إلى ربهم؛ ألا وهو طريق محمد عليه الصلاة والسلام، إذ هو الواسطة العملية للاتباع؛ للوصول إلى الله، فمن اتبع واهتدى بغير هدي النبي عليه الصلاة والسلام- هذا النبي الخاتم- فهو من الضالين الذين تنكبوا سبيل الحق. هذا الأصل الأول، وهذه المسألة الأولى عظيمة جداً؛ لأنها إذا استقرت في قلب العبد قادته إلى كل خير، يعلم أنه ما خُلِقَ إلا لغاية. ما هذه الغاية؟ هي عبادة الله وحده دون ما سواه. كيف أعرف طرق هذه العبادة؟ باتباع النبي عليه الصلاة والسلام. فتلخص الدين في هذه المسألة العظيمة، وما أحسن قول ابن القيم في نونيته بعدة أبيات قال: " فَلِواحدٍ كُن واحداً في واحدٍ ... أعني سبيلَ الحقِّ والإيمانِ" لواحدٍ: لله جل وعلا وحده دون ما سواه كن واحداً: في قصدك وإرادتك وتوجهك وطلبك في واحدٍ: في طريق واحد، قال بعدها: أعني سبيل الحق والإيمان: الذي هو سبيل النبي عليه الصلاة والسلام. وسائل الوصول للغاية من خلق الإنسان الوسيلة الأولى: فاعلموا أن أكبر وسيلة، وهي شرط أساسي لنيل هذه الغاية، هي العرفان الصحيح بالله والإيمان بالإله الحق. ذلك أن الإنسان إذا أخطأ في اتخاذ أول خطوة. كأن اعتبر مثلاً الطيرَ أو البهائم أو العناصر الكونية، أو ابنَ الإنسان إلهًا.. فكيف يُرجى منه سلوكُ الصراط المستقيم في خطواته التالية؟ إنَّ الإلهَ الحقَّ يهدي - يُعينُ - الذين يبحثون عنه هو، وأمّا الميت فأنّى له أن يساعد الميتَ؟ ولقد ضرب الله في هذا المعنى مثالاً رائعاً حيث قال: " لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ " أي أن الإله القدير على كل شيء هو الأحق بأن يدعوه الإنسان. أما الذين يعبدهم الناس من دون الله فهم لا يستطيعون جواباً لهم، ومثالهم مع آلهتهم كمن هو باسط كفَّيه إلى الماء ليبلغ فمه.. فهل يدخل الماء هكذا إلى فمه؟ كلا. فالذين يجهلون الإله الحق أدعيتهم كُلها باطلة. الوسيلة الثانية: والوسيلة الثانية لتحقيق غاية الحياة هي الوقوف على حسن وجمال الله المتصف بهما لكونه الكامل الأتم فإن الحُسن بطبيعته شيء تنجذب إليه القلوب تلقائيًا، ويحب الإنسان بطبعه رؤيتَه. وحُسن الله هو وحدانيته وعظمته وجلاله وصفاته.. كما يقول تعالى: " قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولَد * ولم يكن له كفواً أحد " أي أن الله في ذاته وصفاته وجلاله أحد متفرِّد.. لا شريك له في ذلك أصلاً. الجميع محتاجون إليه. كل ذرّة من الكون تستمد منه الحياة. إنه تعالى أساس \ مبدأ \ الفيض للكل، أما هو فلا ينال أي فيضٍ من أحد. إنه ليس بولد لأحد، ولا بوالدٍ لأحد. وكيف يكون كذلك.. وليس لأحدٍ ذاتٌ مثل ذاته؟ لقد عرض القرآن الكمالَ الإلهي والعظَمة الإلهية مرة بعد أخرى لتنبيه الناس أن انظروا: مِثلُ هذا الإله يكون غاية القلوب ، لا مَنْ هو ميت وضعيف وقليل الرحمة والقدرة. الوسيلة الثالثة: وأما الوسيلة الثالثة.. للوصول إلى المقصود الحقيقي، وهي فوق السابقة.. فهي الاطلاع على إحسان الله تعالى، ذلك لأن للحب دافعين فقط: الحُسن والإحسان. وقد تضمنت سورةُ الفاتحة خلاصة صفات الله التي تُظهر الحمد كما يقول تعالى: " الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين " وواضح أن الإحسان الكامل إنما يتحقق إذا كان الله يخلق عباده من العدم المحض، ثم لا يزال يشملهم بربوبيته على الدوام، وكان هو نفسه محوراً – مداراً - لكل شيء، ثم كانت رحمته بكل أنواعها قد ظهرت لهم، وكان إحسانه وفضله عليهم عظيماً بحيث لا يمكن لأحد تقديره ولقد عدَّد الله علينا في القرآن المجيد هذا الإحسان مرة بعد أخرى، كما قال سبحانه: " وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ". الوسيلة الرابعة: والوسيلة الرابعة التي جعلها الله لنيل المقصود الحقيقي هي الدعاء.. كما يقول تعالى: " وقال ربكم ادعوني أستجب لكم " وقد رغَّب الله الإنسانَ في الدعاء مرة بعد أخرى لينال هذه الغاية بقوة الله لا بقوته هو فقط. الوسيلة الخامسة: والوسيلة الخامسة التي وضعها الله للفوز بالمرام الأصلي هي المجاهدة.. أي أن نطلب لله بإنفاق أموالنا في سبيله، وتسخير قوانا من أجله، والتضحية بنفوسنا، وبذل عقولنا في سبيله، كما يقول تعالى: " ومما رزقناهم ينفقون " ، " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " ، " جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله " أي ابذلوا في سبيل الله أموالكم وأنفسكم بجميع ما فيها من قوى وملكات، وأنفقوا في سبيله كل ما أعطاكم من عقل وعلم وفهم ومهارة وغيرها. والذين يسعون بكل طريق في سبيلنا فإننا لا بد أن نَدُلهم عليه- نهدينهم سبلنا- الوسيلة السادسة: والوسيلة السادسة التي بينها الله للظفر بالمقصود الحقيقي هي الاستقامة؛ وهي ألا يصيب السالك في هذا الطريق تعبٌ ولا وهن ولا ملل ولا خوف من ابتلاء.. كما يقول الله: " إن الذين يقولون ربنا الله تتنزل عليهم الملائكة ألا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.. " أي أن الذين قالوا ربنا الله وتخلَّوا عن الآلهة الباطلة، ثم استقاموا، أي ثبتوا في أنواع الاختبارات وصنوف البلايا، تتنزل عليهم الملائكة قائلين: لا تخافوا ولا تحزنوا، بل ابتهجوا وافرحوا لأنكم أصبحتم ورثةَ تلك السعادة التي وُعدتم بها. إننا أولياؤكم في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة أيضاً. ولقد نبه بهذه الكلمات إلى أن الاستقامة تُكسب رضى الله تعالى. من مجلة منهاج النبوة العدد الثاني رابط المقال: http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=3
  14. مجلة منهاج النبوة

    مفهوم السياسة الشرعية

    مفاهيم سياسية مفهوم السياسة الشرعية بقلم – أبو قتادة رحمه الله تعالى السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة، فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة. هذا هو تعريف السياسة، وهو وصف لواقع السياسة من حيث هي، وهو معناها اللغوي في مادة ساس يسوس سياسة بمعنى رعى شؤونه، قال في المحيط: "وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها"، وهذا هو رعاية شؤونها بالأوامر والنواهي، وأيضاً فإن الأحاديث الواردة في عمل الحاكم، والواردة في محاسبة الحكام، والواردة في الاهتمام بمصالح المسلمين يستنبط من مجموعها هذا التعريف، فقد روى مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرةرضي الله عنه خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما هلك نبي خَلَفَه نبي، وأنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم " رواه مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد يسترعيه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة " رواه مسلم، وقوله عليه السلام: " ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة " رواه البخاري، وقوله صلى الله عليه وسلم : " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع " رواه مسلم والترمذي، وقوله صلى الله عليه وسلم : "من أصبح وَهَمُّهُ غيرُ الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم " رواه الحاكم، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم " متفق عليه، فهذه الأحاديث كلها سواء ما يتعلق بالحاكم في توليه الحكم، أو ما يتعلق بالأمة التي تحاسب الحاكم، أو ما يتعلق بالمسلمين بعضهم مع بعض من الاهتمام بمصالحهم والنصح لهم، كلها يستنبط منها تعريف السياسة بأنها: رعاية شؤون الأمة، فيكون تعريف السياسة المتقدم تعريفاً شرعياً مستنبطاً من الأدلة الشرعية. ومنذ أن هُدمت دولة الإسلام وطُبقت أنظمة الكفر السياسية في البلاد الإسلامية، انتهى الإسلام من كونه سياسياً، وحل محله الفكر السياسي الغربي المنبثق عن عقيدة المبدأ الرأسمالي، عقيدة فصل الدين عن الحياة. ومما يجب أن تدركه الأمة الإسلامية، أن رعاية شؤونها بالإسلام لا تكون إلاّ بدولة إسلامية، وأن فصل الإسلام السياسي عن الحياة وعن الدين، هو وأد للإسلام وأنظمته وأحكامه، وسحق للأمة وقيمها وحضارتها ورسالتها. ومن أمثلة السياسة في عصر الراشدين رضوان الله عليهم: ما قام به أبو بكر رضي الله عنه من استخلافه لعمر ، وما قام به عمر مِن جَعْلِ أمر الخلافة شورى في ستة من أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رعايةً لمصلحة الأمة وتجنيبها مضرة الاختلاف، ومن ذلك جَمْعُ عثمان رضي الله عنه المسلمين على مصحف واحد، وإحراق ما سواه من المصاحف ،وكذلك ما أمر به عثمان من إمساك ضوال الإبل لما ضعفت الأمانة، وصار تركها مضيعًا لها على أصحابها، والأمثلة في هذا كثيرة، والجامع بينها تحقيق المصلحة ودفع المضرة من غير مخالفة للشريعة. وعليه لا بد من أن تعي الأمة الإسلامية معنى السياسة لغة وشرعاً، وأن الإسلام السياسي لا يوجد إلاّ بدولة الإسلام، ولا يعتبر حياً إلاّ بهذه الدولة، باعتبارها كياناً سياسياً تنفيذياً لتطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها، وهي الطريقة الشرعية التي تُنفَّذُ بها أحكامُ الإسلام وأنظمتُه في الحياة العامة، وأن الله قد أوجب على الأمة تطبيق هذه الأحكام، وحرم الاحتكام لأنظمة الكفر، لمخالفتها للإسلام ولأنها من وضع البشر. من مجلة منهاج النبوة العدد الأول
  15. مجلة منهاج النبوة

    مفهوم لا إله إلا الله

    مفاهيم ينبغي أن تصحح مفهوم لا إله إلا الله بقلم - أبو يعلى الدمشقي إن الناظر لحال الأمة الإسلامية يرى أنها تعيش حالة من الانحرافات الخطيرة، وكثير من الدعاة المخلصين يظنون أن ما أصاب الأمة الإسلامية من الذل و الضعف والهوان اليوم، هو سبب انحراف المسلمين في سلوكهم عن الصورة الإسلامية الصحيحة؛ وانحراف المسلمين في سلوكهم أمر واضح لا لبس فيه؛ ومع ذلك فليس الانحراف السلوكي هو الانحراف الوحيد في حياة المسلمين؛ ولا هو الانحراف الأخطر، إن الأمر تجاوز ذلك إلى انحراف في المفاهيم ِكلِّ المفاهيمِ الإسلامية الرئيسية ، حتى مفهوم ( لا إله إلا الله) ، وهذا الانحراف في المفاهيم هو الأخطر، فحين تجد إنساناً منحرفاً في سلوكه، ولكنَّ تصورَه لحقيقة الدين صحيح، فستبذل جهداً ما لرده عن انحرافه السلوكي، ولكنك لا تحتاج أن تبذل جهداً في تصحيح مفاهيمه؛ لأنها صحيحة عنده - وإن كان سلوكه منحرفاً عنها - ، أما حين يقع الانحراف في المفاهيم ذاتها؛ فكم تحتاج من الجهد لتصحيح المفاهيم أولاً، ثم تصحيح السلوك بعد ذلك؟ لا شك أنك تحتاج إلى وقت طويل جداً وطاقات كبيرة. تلك حقيقة الوضع في العالم الإسلامي اليوم ، ولعل ذلك مصداقاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء " رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. لا إله إلا الله، هي الركن الأول والأكبر في الإسلام، بل إن الله عز وجل لم يخلق الخلق إلا لهذه الكلمة، قال تعالى: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " أي ليوحدونِ. وما أرسل الله الرسل إلا لهذه الكلمة ِكلمة التوحيد، قال تعالى: " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه آنه لا إله إلا أنا فاعبدون "الأنبياء. وهي حق الله على العباد، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: « كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك يه شيئاً، قلت: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيَتَّكِلوا » متفق عليه. والقرآن الكريم إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وأفعاله وصفاته وأقواله؛ فهذا توحيد خبري، وإما دعوته إلى عبادته وحده لا شريك له؛ فهو توحيد طلبي، وإما أمر ونهي؛ فهو حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم بالعقبى من العذاب؛ فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله يتكلم عن التوحيد فهذا يدل على الأهمية العظمى لقضية لا إله إلا الله. ولا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله ولا تُصْرَفُ العبادة إلا له سبحانه وتعالى: " إياك نعبد وإياك نستعين " ، فمن أراد الدعاء فلا يدعوا الا الله : " وإذا سآلك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان " البقرة، ومن أراد الصلاة والذبح فلا تكون إلا له: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " الأنعام، وغير ذلك من العبادات لا تكون إلا له سبحانه وتعالى. فمن عُبِدَ من دون الله تعالى فهو طاغوت يجب الكفر به، فالقوانين الوضعية والشرائع التي ما أنزل الله بها من سلطان والأصنام كلها طواغيت. " ألم تر إلى الذن يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا " ومن حِرْصِ الرسول صلى الله عليه وسلم على فهم المسلمين كلمة التوحيد فهماً صحيحاً تأمل هذه الآيات من سورة الأنعام التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم وصيةً له، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله التي عليها خاتِمُه فليقرأ قوله تعالى: " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألّا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون* ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون* وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " الأنعام. من مجلة منهاج النبوة العدد الأول
×