اذهب الي المحتوي

الوعي السياسي

الأعضاء
  • Content count

    68
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ اخر زياره

  • Days Won

    2

الوعي السياسي last won the day on September 19

الوعي السياسي had the most liked content!

1 متابع

عن العضو الوعي السياسي

  • الرتبه
    عضو متميز

اخر الزوار

308 زياره للملف الشخصي
  1. سياسة ترامب.. هل تُنهي عصر الدولار القوي؟ دول عدة مهَّدت الطريق لتقليل الاعتماد على الدولار(فرانس برس) سهام معط الله مواقف 14 18 سبتمبر 2018 يُعتبر الدولار العملة الأكثر استخداماً في العالم، حيث تحتفظ العديد من الحكومات والبنوك المركزية بجزء كبير من احتياطياتها النقدية بالدولار، كما يتمّ تسعير النفط الخام والعديد من السلع بالدولار، بالإضافة إلى ذلك تتمّ العديد من الصفقات التجارية في جميع أنحاء العالم بالدولار. واستغلَّت أميركا هيمنة الدولار أحسن استغلال في الضغط على منافسيها والحكومات التي تعاديها، لذلك أعلنت دول مثل روسيا، تركيا، إيران والصين عن التَّخلِّي عن الدولار في معاملاتهم التجارية والتعامل بعملاتهم الوطنية كطريقة لتجنُّب الضربات الموجعة للعقوبات والسياسات الأميركية، وإن حذت دول أخرى حذو هذه الدول سيفقد الدولار حتماً مكانته كأهمّ عملة احتياطية في العالم والتي حافظ عليها لعدّة عقود من الزمن. الحرب التجارية تتحوُّل إلى حرب عملات شنّت أميركا حرباً تجارية على الصين، ولم يتردَّد رئيسها ترامب في اتهام الصين بالتلاعب بعملتها بهدف التقليل من تنافسية الصادرات الأميركية، وعبَّر ترامب عن غضبه الشديد إزاء قيام التجار الصينيين بجني المال بسهولة تامة نظراً لانخفاض قيمة عملتهم مقابل الدولار، وهكذا حوَّلت الصين تلك الحرب التجارية إلى حرب عملات خطيرة من خلال قيامها بتخفيض قيمة اليوان أو الرنمينبي وهذا ما يمقته ترامب الذي يتلهَّف لتحقيق فائض تجاري كبير، وكل ذلك من أجل تلميع صورته وتعظيم إنجازاته خلال فترته الرئاسية. وإلى جانب ذلك، يستمرّ ترامب في انتقاد وإلقاء اللوم على مجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي الأميركي) والذي رفع أسعار الفائدة التي عزَّزت بدورها من قيمة الدولار، مُتناسياً أثر التخفيضات الضريبية التي أقرَّها في رفع قوّة الدولار. وعلى عكس الوضع في أميركا، يتحكَّم بنك الصين الشعبي (البنك المركزي الصيني) بشكل مباشر في قيمة العملة؛ كما وجَّهت الصين ضربة قويّة إلى الدولار في سوق الطاقة العالمي من خلال قيامها بإطلاق العقود النفطية الآجلة المُقوَّمة باليوان. وتسعى الصين، القوّة الاقتصادية الصاعدة، جاهدة للحدّ من الاعتماد الدولي على الدولار وتقوم بإغراء شركائها من الدول للتعامل بالعملة الصينية الحمراء، لأنّها تعلَّمت درساً مهماً من اليابان التي استسلمت للضغوط والشروط الأميركية، لذلك فهي تعمل بكل ما أوتيت من قوّة على تحقيق هدفها المتمثل في الاستقلال عن السيطرة الاقتصادية الأميركية والحصول على مزيد من النفوذ العالمي. الاستنفار الروسي، الإيراني والتركي فرضت أميركا بشكل عُدوانيّ عدّة عقوبات على إيران، تركيا وروسيا، والتي ردت على ذلك بالإعلان عن التعامل بعملاتها الوطنية في تعاملاتها التجارية المتبادلة، فقد دخلت الاتفاقيات الروسية الصينية بشأن التجارة المباشرة بالروبل الروسي واليوان حيّز التنفيذ في ديسمبر 2014، وهذا ما يعني عدم مشاركة البنوك الأميركية، البريطانية والأوروبية في المعاملات التجارية الثنائية بين روسيا والصين. وتدرس الحكومة الروسية إمكانية التعامل بالروبل في تجارتها النفطية مع إيران وتركيا نظراً لتصاعد التوتُّر مع الولايات المتحدة. كما تخلَّت إيران عن التعامل بالعملة الأميركية الخضراء وبدأت التعامل باليورو مع دول العالم وقرَّرت التعامل تجارياً مع روسيا والصين والهند وتركيا بالعملات الوطنية بدلاً من الدولار، وتُخطِّط تركيا للتَّخلِّي عن العملة الأميركية وتحوَّلت بالفعل إلى التعامل بعملتها الليرة مع إيران. وهكذا لجأت هذه الدول إلى التخلُّص من التعامل بالدولار في تجارتها وهي أفضل طريقة للتَّغلُّب على العقوبات الأميركية التي أدَّت إلى تعقيد معاملات تلك الدول بالدولار نظراً لضرورة معالجتها من خلال النظام المالي الأميركي. تقف الصين إلى جانب تلك الدول في تجاوز الدولار في تجارتها الدولية لأنّ أميركا بالغت كثيراً في استخدام عملتها كوسيلة للإكراه السياسي والاقتصادي. على العموم، دول كروسيا وتركيا وإيران ليست قويّة بما فيه الكفاية لتحدِّي هيمنة الدولار، لكن عند إضافة الصين إلى المعادلة سيختلف الأمر كثيراً، فالصين هي الدولة الوحيدة، ذات النفوذ الاقتصادي وحجم الصادرات المُنافِس لنظيره الأميركي، التي يُمكن لها تغيير قواعد اللعبة وتقويض الدولار، ولديها ما يكفي من المال للتعامُل مع ارتفاع تكاليف المعاملات الناتجة عن تجنُّب التعامل بالدولار. هل يُمكن لليوان أن يحلّ محلَّ الدولار؟ يُمكن لليوان أوالرنمينبي سحب البساط من تحت الدولار واحتلال الصَّدارة كأكبر عملة احتياطية في العالم فقط إذا أصبحت الصين أقوى اقتصاد في العالم وحصلت على إجماع من القوى الاقتصادية العالمية. وهناك اعتبارات أخرى، فحجم التجارة ليس السبب الوحيد الذي يقف وراء هيمنة الدولار، فقد ساهمت شفافية الأسواق المالية في أميركا واستقرار سياستها النقدية في غرس الثقة وتمكين الدولار من التفوُّق على باقي العملات، ويعتبر الاستقرار أحد المزايا التي يقدِّمها الدولار للمستوردين والمصدرين. لذلك سيستغرق تَحقُّق طموح الصين بجعل اليوان عملة العالم الأولى وقتاً طويلاً، وتجدر الإشارة إلى أنّ البنك المركزي الصيني يمتلك 5 تريليونات دولار والتي يمكن أن يتمّ تحويلها إلى اليوان، وإلى جانب قيام الصين بتعزيز مبادلاتها مع باقي أنحاء العالم وضمان استقرار عملتها، ستنفتح شهيّة دول العالم شيئاً فشيئاً للتعامل باليوان. ما الذي يُمكن استنتاجه؟ يعتبر اتِّجاه كل من الصين، روسيا، تركيا وإيران للتعامل بعملاتها المحلية خياراً صائباً لا سيَّما في ظلّ العقوبات والقرارات الأميركية التي أصبحت فُجائيّة بعد تولِّي ترامب رئاسة أميركا والذي يهدف بالدرجة الأولى من خلال قراراته إلى عزل تلك الدول. لذلك مهَّدت تلك الدول الطريق لتقليل الاعتماد على الدولار وستصبح سنوات هذه العملة الخضراء، كأقوى عملة احتياط عالمية، معدودة إن استمرَّت الإدارة الأميركية باستخدامها العنيف للعقوبات والرسوم. لكن هل يُعقل أن ترامب يجهل ذلك، أم أنّه فعلاً يقصد، فمن المعلوم أنّه عندما تصبح عملة بلد ما أكبر عملة احتياط عالمية فسيتحمَّل ذلك البلد عجزاً في الحساب الجاري نظراً لاعتماد باقي دول العالم على عملته التي تخرج منه باستمرار. ولا ننسى أنّ الدولار قد حلّ محلّ الجنيه الإسترليني كأقوى عملة احتياط عالمية في عشرينيات القرن الماضي بعد معاناة بريطانيا من عجز كبير في الحساب الجاري، والآن أميركا تعاني منه، وقد أعلن ترامب صراحة أنّه يرغب بأن يُحقِّق بلده فائضاً كبيراً في الميزان التجاري والحساب الجاري من أجل كسب رضا الشعب الأميركي، وبالتالي فهو يدفع العديد من الدول لوقف تعاملها بالدولار من خلال قراراته حتى يستعيد ميزان المدفوعات الأميركي عافيته. لكن ترامب يقف الآن في مفترق طرق ويجب عليه أن يختار، إمّا الاستمرار في حربه التجارية وتحمُّل القيمة المرتفعة للدولار الناتجة عن ذلك، وإمّا وقف ارتفاع قيمة الدولار بغية تعزيز تنافسية الصادرات الأميركية من خلال تراجعه عن سياسة حافة الهاوية في حربه التجارية هذه، لأنّه لن يستطيع فعل الأمرين معاً، أي شنّ حرب تجارية وخفض قيمة الدولار معاً، أو مثلاً تحقيق فائض كبير في الحساب الجاري وبقاء الدولار كأقوى عملة احتياطية عالمية في آن واحد.
  2. الديون الأميركية وحجة «الضرورة» القانونية من أكثر الأساطير انتشاراً حول الولايات المتحدة أن الحكومة الفيدرالية لم تتخلف قط عن سداد ديونها. وفي كل مرة تُطرَح قضية سقف الديون للمناقشة في الكونغرس، ينفض الساسة والصحافيون الغبار عن عبارة مجازية: «الولايات المتحدة لا تسيء معاملة دائنيها». لكن هناك مشكلة واحدة، هذا غير صحيح. فذات يوم، قبل عقود من الزمن، عندما كانت تصرفات الولايات المتحدة أقرب إلى تلك التي نشهدها في «جمهوريات الموز» وليس الاقتصادات المتقدمة، كانت تعيد هيكلة الديون من جانب واحد وبأثر رجعي. وبرغم أن قِلة من الناس يتذكرون هذه الفترة الحرجة من التاريخ الاقتصادي، فإنها تحمل دروساً قيّمة لقادة اليوم. في أبريل من عام 1933، وفي محاولة لمساعدة الولايات المتحدة على الهروب من الكساد العظيم، أعلن الرئيس فرانكلين روزفلت عن خطط لإخراج الولايات المتحدة من معيار الذهب وخفض قيمة الدولار، لكن هذا لم يكن سهلاً كما تصور روزفلت، ذلك أن أغلب عقود الدين في ذلك الوقت كانت تشمل «فقرة الذهب» التي كانت تقضي بأن يدفع المدين بالعملة الذهبية أو ما يعادل الذهب. وجرى تقديم هذه الفقرات أثناء الحرب الأهلية وسيلةً لحماية المستثمرين من زيادة تضخمية محتملة، ولكن من منظور روزفلت، كانت فقرة الذهب تمثل عقبة أمام خفض قيمة العملة. فإذا جرى خفض قيمة العملة من دون معالجة القضية التعاقدية، فإن قيمة الديون بالدولار سوف تزداد تلقائياً للتعويض عن سعر الصرف الأضعف، فيفضي هذا إلى حالات إفلاس ضخمة وزيادات هائلة في الدين العام. لحل هذه المشكلة، أصدر الكونغرس قراراً مشتركاً في الخامس من يونيو 1933، قضى بإلغاء كل فقرات الذهب في العقود السابقة والجديدة في المستقبل. وصار الباب مفتوحاً أمام خفض قيمة العملة ــ ومعركة سياسية. وكان الجمهوريون في غاية الإحباط والغضب إزاء تعريض سمعة البلاد للخطر، في حين زعمت إدارة روزفلت أن القرار لا يرقى إلى «فسخ العقود». في الثلاثين من يناير 1934، جرى خفض قيمة الدولار رسمياً. وارتفع سعر الذهب من 20.67 دولاراً للأونصة ــ وهو السعر الذي ظل سارياً منذ عام 1834 ــ إلى 35 دولاراً للأونصة. ولم يكن من المستغرب أن يزعم أولئك الذين كانوا يحملون أوراقاً مالية محمية بفقرة الذهب أن الإلغاء غير دستوري. وأقيمت الدعاوى القضائية، ووصلت أربع منها إلى المحكمة العليا في نهاية المطاف، وفي يناير 1935، نظر القضاة قضيتين تتعلق كل منهما بديون خاصة، وقضيتين تتعلقان بالتزامات حكومية. وكان السؤال الأساسي في كل قضية هو ذاته في الأساس: هل يملك الكونغرس سلطة تغيير العقود بأثر رجعي؟ في الثامن عشر من فبراير 1935، أعلنت المحكمة العليا قراراتها. وفي كل قضية حكم القضاة بواقع 5 إلى 4 لمصلحة الحكومة ــ وضد المستثمرين الساعين إلى الحصول على التعويض. وبموجب رأي الأغلبية، تمكنت إدارة روزفلت من استحضار «الضرورة» كمبرر لإلغاء العقود إذا كان ذلك ليساعد على تحرير الاقتصاد من الكساد العظيم. وكتب القاضي جيمس كلارك ماك رينولدز، المحامي الجنوبي الذي كان النائب العام خلال ولاية الرئيس وودرو ويلسون الأولى، رأياً مخالفاً ــ رأياً واحداً للقضايا الأربع. وفي خطاب مقتضب، تحدث عن قدسية العقود، والالتزامات الحكومية، وفسخ العقود تحت ستار القانون. وأنهى عرضه بكلمات قوية: «عار علينا ومذلة. والآن نستطيع أن نتوقع الفوضى الأخلاقية والمالية بقدر كبير من الثقة». لقد نسي أغلب الأميركيين هذا الحدث، حيث غطى فقدان الذاكرة الجمعية على حدث يتناقض مع صورة دولة يسود فيها حكم القانون وتُقَدَّس العقود، لكن المحامين المخضرمين ما زالوا يتذكرونها، وهم يستحضرون اليوم الحكم الصادر في عام 1935 عندما يدافع المحامون عن دول تخلفت عن سداد ديونها (مثل فنزويلا). وفي حين تتصدى حكومات متزايدة لمخاطر جديدة مرتبطة بالديون ــ مثل المطلوبات غير الممولة المرتبطة بالتزامات التقاعد والرعاية الصحية ــ فربما نرى هذه الحجة تعود إلى الظهور بشكل أكثر تكراراً. وفقاً لتقديرات حديثة، تعادل المطلوبات غير الممولة المستحقة على حكومة الولايات المتحدة نسبة مذهلة بلغت 260% من الناتج المحلي الإجمالي ــ ولا يشمل هذا الديون الفيدرالية التقليدية والالتزامات غير الممولة المستحقة على الولايات والحكومات المحلية. ولا تتفرد أميركا بهذه المشكلة، ففي العديد من الدول تتزايد الالتزامات المرتبطة بمعاشات التقاعد والرعاية الصحية، في حين تتضاءل القدرة على تغطية هذه الالتزامات. السؤال الأساسي إذاً هو ما إذا كانت الحكومات الساعية إلى تعديل العقود بأثر رجعي قد تستحضر مرة أخرى حجة «الضرورة» القانونية. الواقع أن إلغاء فقرة الذهب في عام 1933 يوفر أسباباً قانونية واقتصادية وفيرة للنظر في هذا الاحتمال. وقد وافقت المحكمة العليا في الولايات المتحدة على حجة «الضرورة» من قبل. وليس من المستبعد أن نتصور إمكانية حدوث ذلك مرة أخرى. المصدر : البيان
  3. الوعي السياسي

    والإيمان بالله يوجِب صحة التوكل عليه

    والإيمان بالله يوجِب صحة التوكل عليه، واستمداد العون منه، لأنه وحده الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يوفق حملة الدعوة ويهديهم سبيل الرشاد وطريق الهدى. ولذلك كان لا بد من قوة الإيمان ولا بد من كمال التوكل على الله ودوام استمداد العون منه تعالى. والإيمان يحتم على المؤمن الإيمان بالمبدأ، أي الإيمان بالإسلام، لأنه من عند الله تعالى، ويحتم أن يكون هذا الإيمان إيماناً راسخاً ثابتاً لا ارتياب فيه، ولا يحتمل أن يتطرق إليه ارتياب، لأن كل خَطَرة ريب في المبدأ تجر إلى الإخفاق، بل ربما جرّت إلى الكفر والتمرد والعياذ بالله. وهذا الإيمان القوي الذي لا يتطرق إليه ريب أمر حتمي لحملة الدعوة، لأنه هو الذي يضمن دوام سير الدعوة بخطى سريعة واسعة في طريقها المستقيم، وهذا الإيمان يوجِب أن تكون الدعوة سافرة متحدية كل شيء، متحدية العادات والتقاليد والأفكار السقيمة والمفاهيم المغلوطة، متحدية حتى الرأي العام إذا كان خاطئاً ولو تصدت لكفاحه، متحدية العقائد والأديان ولو تعرضت لتعصب أهلها. ولذلك تتميز الدعوة المبنية على العقيدة الإسلامية بالصراحة، والجرأة والقوة، والفكر، وتحدي كل ما يخالف الفكرة والطريقة، ومجابهته لبيان زيفه، بغض النظر عن النتائج وعن الأوضاع، وبغض النظر عما إذا وافق المبدأ جمهور الشعب أم خالفه، قَبِل به الناس أم رفضوه وقاوموه، ولذلك لا يتملق حامل الدعوة للشعب ولا يداهنه، ولا يداجي من بيدهم ثقل المجتمع من الحكام وغيرهم ولا يجاملهم، بل يتمسك بالمبدأ وحده دون أن يُدخل في الحساب أي شيء سوى المبدأ. وهذا الإيمان يوجب أيضاً أن تُجعل السيادة للمبدأ وحده أي للإسلام وحده دون سواه، وأن يعتبر غيره من المبادئ كفراً مهما تنوعت واختلفت تلك المبادئ (إن الدين عند الله الإسلام) فكل من لا يؤمن بالإسلام كافر في نظر الإسلام. ولذلك لا يجوز مطلقاً لحاملي الدعوة الإسلامية أن يقولوا لمن يحملون غير الإسلام سواء أكان ديناً أم مبدأ: تمسكوا بمبدئكم ودينكم، بل يجب أن يدعوهم للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ليعتنقوه، لأن الدعوة تحتم على حملتها أن يعملوا لأن تكون السيادة للإسلام وحده، وليس معنى ترك غير المسلمين وما يدينون به وما يعتقدون إقرارا بأديانهم بل هو إجابة لأمر الله الذي أوجب عدم إكراه الناس على اعتناق الإسلام، وأوجب ترك الأفراد وعقائدهم وأديانهم وعباداتهم على أن تبقى فردية لا جماعية وأن لا يكون لها كيان في داخل كيان الإسلام، ولذلك يَمنع الإسلام وجود أحزاب أو تكتلات سياسية غير إسلامية تقوم على أساس يناقض الإسلام، ويسمح بالأحزاب والتكتلات داخل حدود الإسلام، وهكذا يقتضي الإيمان بالمبدأ إفراده وحده بالمجتمع، وأن لا يشترك معه سواه. كتاب المفاهيم
  4. القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا "الأفريكوم" ودورها في أمننة القارة السمراء  2018-08-30 10:48:08 دراسات وبحوث د. فوزية قاسي (*) أدَّت مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية بشأن تأمين الإمدادات النفطية الآتية من القارة الإفريقية، إلى إعلان إدارة "بوش الابن" عن إنشاء قيادة عسكرية جديدة خاصة بالقارة الإفريقية؛ وذلك لضمان تمكُّن الولايات المتحدة من نَشْر قواتها ومعداتها في القارة، خاصةً في أوقات الطوارئ؛ حمايةً للإمدادات النفطية في ظل الحرب الأمريكية العالمية لمكافحة الإرهاب، وفي هذا السياق، أعلنت الإدارة الأمريكية آنذاك عن إنشاء قيادة عسكرية جديدة تختص بالقارة الإفريقية، والتي تمثلت في "الأفريكوم". يتناول هذا المقال مشروع قيادة "الأفريكوم"، والأسباب الرئيسة التي أدَّت إلى إنشائها، والتي تتمثل دون أدنى شكٍّ في أمننة النفط الإفريقي؛ لنختم بالتعريج على سياسة "إدارة باراك أوباما" في إشارةٍ إلى إستمرار هذه الأخيرة في اتباع نفس نهج سالفتها. أولا: إنشاء قيادة "الأفريكوم" وردود الفعل الإفريقية أعلن "جورج دبليو بوش" في 6 فبراير 2007م عن إنشاء قيادة جديدة تخص إفريقيا، ولقد تَمَّ إطلاق قيادة "الأفريكوم" رسميًّا في الأول من أكتوبر 2007م، وكانت تُسَيَّر وقتئذ تحت القيادة الأمريكية لأوربا "الأوكوم"، لتصبح مستقلة بذاتها ابتداء من أوّل أكتوبر 2008م (1) ، وحتى ذلك الحين، كانت القوات الأمريكية في الخارج تخضع لخمس قيادات مختلفة، حسب المناطق الواجب تغطيتها في العالم، وكانت تتقاسم المسؤولية عن إفريقيا ثلاث قيادات إقليمية: القيادة المركزية "السنتكوم"، قيادة المحيط الهادي "الباكوم"، وقيادة أوربا "الأوكوم". غَير أنَّ هذه الجهود العسكرية الأمريكية في إفريقيا ظلت مبعثرة بين هذه القيادات المختلفة، مما أدَّى إلى ارتفاع الأصوات المُطَالِبَة بإنشاء قيادة قتالية موحَّدة خاصة بإفريقيا، وفي هذا الشأن اقترحت إحدى كبار المسؤولين في البنتاغون -"تيريزا ويلان"Theresa Whelan – في سنة 2005م، أن يتم تمديد مسؤولية "قوة التدخل المشتركة في القرن الإفريقي" The Combined Joint Task Force-Horn of Africa إلى كامل إفريقيا، فضلاً عن إنشاء قيادة جديدة تغطي كامل الدول الإفريقية الثلاث والخمسين. بعد ذلك، وفي نهاية شهر أغسطس 2006م، صرَّح "إريك إدلمان" Eric Edelmen في مؤتمر صحفي، أن وزير الدفاع يفكِّر في إنشاء قيادة عسكرية موحَّدة على أساس جغرافي، لتغطية القارة الإفريقية بكاملها. وتحقيقًا لهذه الغاية قام البنتاغون في شهر نوفمبر 2006م، بتشكيل "فريق التخطيط التنفيذي"Implementation Planning Team (IPT) لدراسة إمكانية إنشاء القيادة الجديدة، وسيعود إلى وزير الدفاع آنذاك "روبرت غيتس" Robert Gates الموافقة على توصيات هذا الفريق، واقتراح إنشاء "الأفريكوم" على الرئيس "بوش الابن" (2). بالتالي فقد تم اعتماد المشروع في شهر ديسمبر 2006م، بعد ذلك تم الإعلان عن إنشاء القيادة الجديدة في 6 فبراير 2007م، لتكون القيادة الإقليمية السادسة للبنتاغون، المسؤولة عن القارة السمراء بكاملها، بما في ذلك المناطق البحرية التابعة لها في المحيط الأطلسي والمحيط الهندي، باستثناء مصر التي لا تزال تحت مسؤولية القيادة المركزية "السنتكوم". ولقد حاول البيت الأبيض منذ البداية، إزالة المخاوف الإقليمية والدولية الواردة بشأن إقامة هذه القاعدة العسكرية الجديدة، فقد ورد عن "دونالد رامسفلد" Donald Rumsfeld -وزير الدفاع قبل تعيين "روبرت غيتس"- أنه ينبغي النظر إلى قيادة "الأفريكوم" كعلامة للصداقة والإرادة في التعاون الأمريكي-الإفريقي، كما أنه لطالما سعت "إدارة بوش الابن" إلى ربط الأهداف الرسمية لقيادة إفريقيا بتعزيز التنمية في القارة السمراء، وتوسيع الشراكات مع الفواعل الأفارقة كالاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية، وتعزيز الاحترافية العسكرية، وتشجيع الإصلاحات بما في ذلك الشفافية، الرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، إرساء الحكم الراشد والاستقرار في المنطقة، ومعالجة قضايا الصحة العامة على مستوى القارة (3). هذا ولقد أشار بعض المسؤولين في وزارة الدفاع إلى أن "الأفريكوم"، قيادة قتالية "بالإضافة" Combatant Command ‘‘Plus’’ ، أي أنها ستتولى جميع الأدوار والمسؤوليات التي تقع على أيِّ قيادة حربية تقليدية، بما في ذلك القدرة على قيادة العمليات العسكرية، لكن هذه القيادة سوف تعمل أيضًا وفق منطق "القوة الناعمة" Soft Power الرامية إلى بناء بيئة أمنية مستقرة، وذلك من خلال إشراك عناصر مدنية في قيادة إفريقيا، مما يعتبر تطورًا في استراتيجية وزارة الدفاع المُسَطَّرَة في الوثائق الحكومية، وهو ما أوضحه أحد المسؤولين في وزارة الدفاع بقوله: "نحن نريد المساعدة في تطوير بيئة إفريقية مستقرة، يمكن من خلالها بناء مجتمع مدني، وتحسين نوعية حياة المواطنين" (4). وفي هذا الصدد، فإن المهمة التي تتولاها قيادة إفريقيا يمكن مقارنتها بمهمة القيادة الجنوبية "الساوثكوم" SOUTHCOM المسؤولة عن الجهود العسكرية الأمريكية في أمريكا الوسطى والجنوبية، والتي تتضمن عمليات مكافحة المخدرات، المساعدات الإنسانية، رصد ودعم مبادرات حقوق الإنسان في المنطقة؛ –وذلك حسبما حدَّدته وزارة الدفاع الأمريكية- على عكس قيادة أوربا "الأوكوم" والقيادة المركزية "السنتكوم"، التي تركِّز عادةً على الإعداد للحروب والعمليات القتالية المحتملة، هذا ولقد اقترح "ريان هنري" Ryan Henry -وهو مسؤول في وزارة الدفاع- في 23 مايو 2007م، أنه إذا كانت الحكومة الأمريكية تسعى إلى نجاح القيادة الجديدة، فإنه ينبغي أن تظل القوات الأمريكية خارج القارة السمراء على مدى السنوات الخمسين القادمة (5). وفي هذا الإطار، فقد أثار إنشاء "الأفريكوم" مجموعةً واسعةً من ردود الفعل في إفريقيا، بدءًا بمعارضة شديدة ضد أي وجود عسكري أمريكي إضافي في القارة، خاصةً عندما باشرت وزارة الدفاع عملية البحث عن مقر للأفريكوم، وهو الأمر الذي أتاح للسياسيين الأفارقة فرصة تسجيل نقاط ضد الولايات المتحدة؛ من خلال المعارضة علنًا، ليس على مَقرّ القيادة الجديدة في القارة وحسب، بل وعلى "الأفريكوم" في حدِّ ذاتها، وقد قدمت نيجيريا وجنوب إفريقيا على وجه الخصوص تصريحات قوية في هذا الشأن، بحيث أعلنت جنوب إفريقيا أنها لن تتعاون مع "الأفريكوم"، لدرجة أنَّ فريقًا من كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين، خلال زيارتهم إلى هذه الدولة في مارس 2008م لمناقشة موضوع القيادة الجديدة، لم يتمكنوا من مقابلة أيٍّ مِن كبار المسؤولين هناك (6). ولقد كان وزير دفاع جنوب إفريقيا "موسيوا ليكوتا" Mosiuoa Lekota في أواخر شهر أغسطس 2007م، قد صرَّح أن الدول الإفريقية تعارض قيام قيادة أمريكية في القارة، وأن هذا القرار يتبناه الاتحاد الإفريقي. وفي السياق نفسه، صرح وزير الخارجية الجزائري آنذاك "محمد بجاوي" في 3 مارس 2007م، أن الجزائر لن تقبل إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، فذلك يتعارض مع سيادتها واستقلالها، ونفَى بدوره وزير الخارجية المغربي في منتصف شهر يونيو من نفس السنة، المعلومات التي أفادت أن بلاده قد عرضت استضافة القيادة الأمريكية الجديدة، كما أعربت بقية دول المغرب العربي بوضوح عن عدم رغبتها في إقامة مقر للقيادة الجديدة في جوارها. ولقد ورد في مقال مشترك لكل من "عبد الكريم بانغورا" Abdul Karim Bangura و"بيلي تيت" Billie D. Tate أنه ينبغي تفكيك "الأفريكوم"؛ لأنها ليست وسيلة حكيمة لمساعدة الأفارقة في مكافحة الإرهاب، بل هي ببساطة مبادرة تَضُرُّ بإفريقيا، وتُوَلِّد المزيدَ من المشاعر المعادية للولايات المتحدة في القارة. وكما جاء عن "سليم لون" Salim Lone -المتحدِّث السابق باسم البعثة الأمريكية في العراق وصاحب عمود في صحيفة "ديلي نايشن" Daily Nation في نيروبي بكينيا- فإن "الأفريكوم" تعكس اعتماد "إدارة بوش الابن" بشكل أساس على استخدام القوة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، مضيفًا أنه من بين الأهداف الرئيسة للقيادة الجديدة هو ضمان واردات النفط من غرب إفريقيا التي اكتسبت أهمية أكبر بكثير في ضوء العداء الذي تواجهه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كما جاء في سياق حديثه أن "الأفريكوم" سوف تقوم بعسكرة العلاقات بين إفريقيا والولايات المتحدة، وتخلق المزيد من المسلحين الغاضبين الذين يعارضون وجود الجيش الأمريكي في البلدان أو المناطق الخاصة بهم (7). بَيْدَ أنَّه رغم ردود الفعل الإفريقية السلبية، والتي شكَّلت الأغلبية الساحقة، فقد كانت هناك بعض الحكومات الإفريقية ممن صرحت علنًا عن دعمها للأفريكوم، مُعَبِّرة عن مصلحتها في استضافة مقر القيادة الأمريكية الجديدة، ومن بينها: السنغال، مالي، غانا، ناميبيا، ساوتومي وبرنسيب، غينيا الاستوائية، كينيا، جيبوتي، بوتسوانا، وليبيريا التي كانت الأكثر دعمًا ورغبةً في استقبال مقر "الأفريكوم" على أراضيها (8) ، في محاولة لاستعادة علاقات خاصة مع الولايات المتحدة، لكنَّ المخطِّطِين في البنتاجون لم يستحسنوا ليبيريا كموقع استراتيجي لقيادة إفريقيا، وبعد مشاورات واسعة النطاق، قرَّرت واشنطن أن يكون مقر "الأفريكوم" في مدينة "شتوتغارت" Stuttgartالألمانية؛ حيث يتواجد مقر القيادة الأمريكية لأوروبا "الأوكوم" (9). إنَّ مصلحة الولايات المتحدة في تأمين الوصول إلى نفط غرب إفريقيا، هو الذي ترجم وجودها الاستراتيجي المعزَّز في المنطقة، ولقد كان إنشاء "الأفريكوم" عام 2007م ترسيخًا لاندفاع واشنطن الاستراتيجي نحو غرب إفريقيا الغنية بالنفط، بحيث أصبح -وللمرة الأولى- الموقف العسكري الأمريكي تجاه المنطقة منسقًا ضمن هيكلٍ قياديٍّ موحَّد، ولقد أعلن البيت الأبيض أن أولويات "الأفريكوم" تتمثل في الجَمْع بين جميع البرامج الأمنية في القارة التي تهدف إلى مكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات وحلّ الصراعات، والحدّ من الفقر وتحقيق الاستقرار الاقتصادي على نطاق أوسع في القارة، من خلال البُعْد التنموي الذي حاولت واشنطن إضفاءه على قيادة "الأفريكوم" بتضمينها عناصر مَدَنِيَّة في خطوةٍ غير معهودة في القيادات العسكرية الأخرى، ويتبين ذلك في إشراك وزارات كل من الخارجية والزراعة والتجارة والصحة، ووكالات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في قيادتها (10). غير أن الحقيقة هي أن النفط هو الذي يُشَكِّل الاهتمام الأسمى، الذي يحدِّد بشكل كبير طبيعة واتجاه استراتيجية الولايات المتحدة تجاه غرب إفريقيا، ولا يتردد المسؤولون في البنتاغون من إعلان ذلك، فقد أدلى القائد العام للقوات المسلَّحة لقيادة أوربا آنذاك "جيمس جونز"، في تعليقه على الأساس المنطقي لزيادة الوجود العسكري الأمريكي، بأنَّ الإمكانيات الواسعة لإفريقيا تجعل من استقرارها ضرورة استراتيجية عالمية. وللتأكيد على أهمية النفط الإفريقي، ورد عن "أنتوني هولمز" J. Antony Holmes - نائب قائد العمليات المدنية- العسكرية في "الأفريكوم"- في شهر يناير 2011م، أن كل ما تصبو إليه الولايات المتحدة هو التأكد من أن نظام الطاقة يعمل دون انقطاع وهي قضية مهمة جدًّا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وضرورية للغاية لمصلحتها الأمنية (11). إن إحجام المخطِّطين الأمريكيين في توضيح مهمة "الأفريكوم" منذ البداية، لم يساعد على التقليل من الشكوك والريبة حيال إنشائها، فقد ركَّزت معظم التفسيرات الأولى على عمليات التنظيم والرغبة في تنسيق البرامج الحالية والمستقبلية، مما أثار بعض الشكوك –إقليميةً كانت أم دولية- حول الغرض الفعلي، ولتبديد هذه المخاوف، فقد ذهب المتحدثون باسم البنتاغون، خلال زياراتهم إلى جميع أنحاء القارة لشرح مهمة القيادة الجديدة، إلى تصوير هذه الأخيرة على أنها شيء جديد ومختلف عن القيادات العسكرية الأخرى، ولقد أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال "بيتر بيس"Peter Pace ، أن قيادة "الأفريكوم" لن تكون نسخة عن القيادات التقليدية الأخرى، مشيرًا إلى زيادة التركيز على التعاون بين الوكالات الحكومية الأمريكية من أجل بناء القدرات الإفريقية على الحكم بفاعلية، كما نفَى أيَّ مصلحةٍ في إرسال قوات أمريكية إلى القارة، في محاولة لطمأنة الأفارقة (12). غير أنه بالنسبة لأغلبية القادة السياسيين وكذلك المحللين، فإن النية الحقيقية للولايات المتحدة من إنشاء قيادة "الأفريكوم"، تظل تكمن في توفير حماية أفضل لمصلحتها في القارة السمراء، خصوصًا بعدما برزت الأهمية الاستراتيجية لاحتياطيات النفط في غرب إفريقيا، وهي فكرة طرَحها "جيريمي كينان"Jeremy Keenan الذي اتهم واشنطن باختلاق التهديد الإرهابي، بغرض تهيئة الظروف لعسكرة القارة، مما يُتِيح لها الوصول إلى الموارد الطبيعية، لذلك فهي تتعمد المبالغة في وَصْفها لنشاط الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي. ثانيا: المهام الرئيسة لإنشاء قيادة "الأفريكوم" تم إنشاء قيادة "الأفريكوم" –وفقًا لوزارة الدفاع الأمريكية- نظرًا لتزايد الأهمية العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية لإفريقيا في الشؤون العالمية، لذلك فإن الولايات المتحدة تسعى بطرق أكثر فاعلية، للمساعدة في تجنُّب/ والاستجابة للأزمات الإنسانية، وتحسين جهود التعاون في سبيل القضاء على الإرهاب عبر الحدود الوطنية، والحفاظ على الجهود المستمرة التي تسهم في تعزيز الوحدة والتنمية الإفريقية. غير أنَّ هذا الطرح يثير التساؤل حول علاقة الوقاية والاستجابة للأزمات الإنسانية وتعزيز الوحدة الإفريقية، مع الأهمية العسكرية والاستراتيجية والاقتصادية المتزايدة للقارة (13). ليس مِن المستغرَب أن تكون الحُجَج التي ساقتها الولايات المتحدة لإنشاء القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا مُتَّسِمَة بالمثالية، بغية تعبئة الرأي العام والترويج للفكرة، ولكنَّ هناك أسبابًا أخرى هي أقرب إلى الواقع من كلِّ ما زعمته الولايات المتحدة، وأبرز هذه الأسباب وأهمها –كما حاولنا توضيحه على مدى الفصل الثاني والثالث- هو النفط الذي يُمَثِّل الهدف الأول للسياسة الأمريكية تجاه إفريقيا (14). ففي منتدى (15) جمع كلا من "دانيال فولمان"Daniel Volman و"جيريمي كينان" Jeremy Keenan في هذا الشأن، ورد عن "ستيفن تشان" Stephen Chan أن صُنَّاع السياسة الأمريكية قد قاموا ببذل جهد كبير في حَجْب أو بالأحرى خداع الناس حول حقيقة "الأفريكوم"، فكثيرًا ما تحدثوا عن عمليات حفظ السلام الإفريقية، وعمليات الإغاثة الإنسانية، وما شابه ذلك، غير أن المسؤولين في قيادة إفريقيا وعلى رأسهم الجنرال "وليام وارد" William Ward ومساعده النائب الأميرال "روبرت مولر" Robert Moeller لم يترددا في ذكر السبب الرئيس من وراء إنشاء هذه الأخيرة؛ حيث تحدَّثا من خلال تصريحهما عام 2008م عن مصالح الولايات المتحدة في منطقة غرب إفريقيا الغنية بالنفط، وعن المخاوف بشأن الإرهاب الذي يُهدِّد مرافق النفط الحيوية (16). فقد صرَّح الجنرال "وليام وارد" أن اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على النفط الإفريقي، هو مسألة ذات أولوية بالنسبة للأفريكوم، وذلك عندما مَثُلَ أمام "لجنة الخدمات المسلَّحة في مجلس النواب" The House Armed ServicesCommittee في يوم 13 مارس 2008م، وذهب إلى التأكيد أن مكافحة الإرهاب ستكون الهدف الأول للأفريكوم، وبالكاد ذكر التنمية والمساعدات الإنسانية وحفظ السلام أو حلّ الصراعات. وفي السياق نفسه، أعلن النائب الأميرال "روبرت مولر" في "مؤتمر الأفريكوم" الذي عقد في يوم 18 فبراير 2008م، أن حماية التدفق الحُرّ للموارد الطبيعية من إفريقيا إلى السوق العالمية هي إحدى المبادئ التوجيهية الأساسية للقيادة الجديدة، وذكر على وجه التحديد كلاً من: انقطاع إمدادات النفط، الإرهاب، والنفوذ المتزايد للصين، كتحديات كبرى لمصالح الولايات المتحدة في إفريقيا (17). ومنذ ذلك الحين، طُلِبَ منهما تجنُّب الصراحة حول هذا الموضوع، لتصبح تعليقاتهما أكثر ارتباطًا بالتصريحات الرسمية بشأن "الأفريكوم"، وفي هذا الإطار يرى "ستيفن تشان- أن الجيش لم يكن على دراية بأنه ليس من المفترض التصريح بالحقيقة، وأنه في لقائها مع قيادة أوربا –التي كُلّفت بالإشراف على قيادة "الأفريكوم" إلى غاية أكتوبر 2008م- فإن كل ما تحدثت بشأنه "تيريزا ويلان" –مُساعِدَة وزير الدفاع المكلفة بالشؤون الإفريقية والتي وُجِّهَت إليها مهمة إنشاء "الأفريكوم" آنذاك- هو النفط والإرهاب، والوصول إلى الموارد، وما إلى ذلك (18). في حين أنها أعلنت، أنه على عكس القيادات الموحَّدة التقليدية، فإن "الأفريكوم" ستهتم ببناء قدرة الدول في الاستجابة للأزمات، وتقوية العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة وإفريقيا، وتوفير فُرَص جديدة لدعم العلاقات العسكرية الثنائية، وتعزيز قدرات المنظمات الإقليمية ودون الإقليمية في القارة، وتلقين المهارات اللازمة لمكافحة الإرهاب، ودعم وكالات الحكومة الأمريكية في تنفيذ البرامج الأخرى التي تُعَزِّز الاستقرار في المنطقة، وأكَّدت "تيريزا ويلان" أنَّ "الأفريكوم" لم تُؤَسَّس لتأمين موارد النفط أو تحجيم الدور الصيني في القارة الإفريقية (19) ؛ حيث جاء في تصريح لها يوم 2 أغسطس 2007م:"يَعتقد البعض أننا أنشأنا "الأفريكوم" فقط لمحاربة الإرهاب، أو لتأمين موارد النفط، أو تحسُّبًا للوجود الصيني في القارة، وهذا غير صحيح، إنَّ التطرف العنيف هو مدعاة للقلق، وينبغي التصدِّي له، ولكن ليست هذه هي المهمة الوحيدة للأفريكوم، كما أن الموارد الطبيعية تُمَثِّل ثروة إفريقيا الحالية والمستقبلية، ولكن لا بد أن يكون ذلك في ظل بيئة عادلة، تعود بالفائدة على الجميع، ومن المفارقات أن الولايات المتحدة والصين ودولاً أخرى، تتقاسم نفس المصلحة في تهيئة بيئة آمنة، و"الأفريكوم" تسعى إلى مساعدة الأفارقة على بناء قدرة أكبر لضمان أمنهم" (20). لكنَّ "دانيال فولمان" لديه رأيٌ آخر في هذا الموضوع، فبالنسبة إليه فإن لواشنطن –ودون أدنى شك- مصالحُ أخرى في إفريقيا إلى جانب جعلها الجبهة الجديدة في الحرب العالمية على الإرهاب، ألا وهو الحفاظ وتوسيع نطاق الحصول على إمدادات الطاقة والمواد الخام الاستراتيجية الأخرى، فضلاً عن مسألة تنافسها مع الصين والقوى الاقتصادية الأخرى من أجل السيطرة على موارد القارة (21) ؛ وذلك بسبب القلق الذي انتاب الأعضاء الرئيسيين في "إدارة بوش الابن"، إزاء جهود بكين المتنامية في سبيل توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في جميع أنحاء القارة، خاصة بعد جولة الرئيس الصيني آنذاك "هو جين تاو" Hu Jin Tao في هذه الأخيرة، واستضافة العاصمة بكين لاجتماعات رفيعة المستوى مع رؤساء الدول الإفريقية، كدليل على وجود استراتيجية صينية كبرى تجاه إفريقيا، تهدِّد الأمن القومي للولايات المتحدة وتستهدف مصالحها. بالتالي، فإن إنشاء "الأفريكوم" –يشير "فولمان"- يدخل ضمن جهود واشنطن لوضع استراتيجية كبرى من شأنها مواجهة وإحباط –في نهاية المطاف- جهود الصين، وهو بمثابة تحذير موجَّه إلى بكين؛ أنه ينبغي كبح جماحها أو مواجهة العواقب المحتملة التي ستؤثر على علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى المصالح الصينية في إفريقيا (22). وردًّا على التساؤل حول مهمة "الأفريكوم" في إفريقيا، فقد جاء عن "فولمان" أنها تتمثل –بادئ ذي بدء- في تنفيذ سلسلة من الأنشطة الهادفة إلى تعزيز قدرة الأنظمة الإفريقية الرئيسة للبقاء في السلطة، فضلاً عن برامج المساعدات الأمنية المختلفة لتعزيز القدرة العسكرية لهذه الأنظمة تحت إشراف الجيش الأمريكي، والتي –يشير "فولمان"- هي غير ديمقراطية، وعادةً ما تكون قمعية، لكنها تسيطر على بلدان غنية بمصادر الطاقة خاصةً النفط، وذكر "فولمان" كأمثلة عن هذه الدول: نيجيريا، أنغولا، تشاد، وغينيا الاستوائية، ومنها أيضًا الجزائر (23). ويضيف "فولمان" في السياق نفسه، أنَّ واشنطن تُفَضِّل أن تأخذ الأنظمة الإفريقية –الصديقة- المختارة، بزمام المبادرة في مواجهة هذه التحديات، حتى تتجنَّب الولايات المتحدة التورط العسكري المباشر في إفريقيا، خاصةً في الوقت الذي انخرط فيه الجيش الأمريكي بِعُمْقٍ في حربي العراق وأفغانستان، فضلاً عن استعداده لهجمات محتملة على إيران، وهو بالضبط سببُ توفير واشنطن للمساعدات الأمنية لهذه الأنظمة، المستعِدَّة للعمل وفق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً الدول المنتجة للنفط في غرب إفريقيا، ما يُمَثِّل أحد الأسباب الرئيسة التي أدَّت إلى إنشاء "الأفريكوم" (24). وهو كذلك نفس النهج الذي اتبعته واشنطن في الشرق الأوسط تحت القيادة المركزية "السنتكوم"، التي تم إنشاؤها وفاءً بتعهُّد "جيمي كارتر"، المتمثِّل في أن الولايات المتحدة ستكون مستعِدَّة لاستخدام القوة العسكرية إذا لزم الأمر لحماية تدفق النفط من الخليج الفارسي، وهو الذي أصبح معروفًا بـ"مبدأ كارتر"، الذي تتبعه قيادة "الأفريكوم" لحماية تدفق النفط من خليج غينيا. أما فيما يخص مقر القيادة الجديدة، فقد لاحظ "فولمان" أن الولايات المتحدة على علمٍ بأنه من غير المستحسَن بناء القواعد العسكرية الواضحة للعيان في جميع أنحاء القارة الإفريقية، وأن كل ما تحتاجه هو استخدام المنشآت العسكرية المحلية قدر الإمكان. وتحقيقًا لهذه الغاية، عقدت واشنطن عدة اتفاقيات مع عدد من الحكومات الإفريقية، تُتيح لها إمكانية استغلال مرافقها لإقامة قواعد عسكرية أمريكية عند الضرورة، وهكذا فإنه لن يتم إحراج دولة غانا –على سبيل المثال لا الحصر- إذا ما انتُقِدَتْ بشأن استضافتها لقاعدة عسكرية أمريكية، مما يعني أنه من الناحية التقنية، لن تضطر الحكومة الغانية إلى إخفاء الحقيقة، ولكنها لن تشرح بأنها قد توصلت بالفعل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يسمح لهذه الأخيرة باستخدام قواعدها العسكرية (25). وهو ما أسمته "إدارة بوش الابن" بالقيادة الموزَّعة؛ نظرًا لمعارضة أغلبية الدول الإفريقية لإقامة قواعد عسكرية أجنبية في القارة، وفي هذا الصدد يقول "فولمان": "إنه حتى في إفريقيا، التي كانت تُعتبر ساحةً يسهل التلاعب والتدخل فيها مِن قِبَل القوى الكبرى، فإن واشنطن لم تَعُدْ قادرة على الاعتماد على الأنظمة الموالية لها فيها"؛ كما صرَّح وزير الدفاع آنذاك "روبرت غيتس" أنه في اعتقاده لا ينبغي أن تضغط الولايات المتحدة على الحكومات الإفريقية (26). لكن –وكما ذكر "دانيال فولمان"- فإن كل ما تحتاجه واشنطن هو استخدام المنشآت العسكرية المحلية عند الضرورة، علمًا بأن للولايات المتحدة القدرة على إقامة قواعد عسكرية كبيرة جدًّا في غضون 24-48 ساعة، وهذا ما يحدث بالأساس عند زيارة رئيس أمريكي لبلد إفريقي؛ حيث يتم إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية، وذلك طوال مدة الزيارة، ليتم إزالتها مباشرة عند مغادرة الرئيس الأمريكي، الذي يأتي وبرفقته الآلاف والآلاف من مشاة البحرية "المارينز" –على حدِّ قول "فولمان"- بكامل معداتها العسكرية وإمدادات أخرى، فضلاً عن نُظُم ومعدات الاتصال المتطورة للتواصل مع واشنطن. وبالإضافة إلى توفير أمن الرئيس الأمريكي، لعلمهم أنه لا يمكن الاعتماد على القوات المحلية، فإن هذه القوات الأمريكية تقوم بالتخطيط لحالات الطوارئ، وتستعد للتدخل العسكري المباشر في إفريقيا، ومن الأمثلة المهمة في هذا الشأن، السيناريوهات التي أجرتها في شهر مايو 2008م، والتي شملت كلاً من الصومال ونيجيريا؛ تمهيدًا لتنصيب "الأفريكوم" كقيادة مستقلة، وفي حين أننا لسنا على اطلاع واسع بالسيناريو الخاص بالصومال؛ –يقول "فولمان"- لكن أولئك الذين شاركوا في سيناريو نيجيريا أفصحوا عن الكثير من المعلومات المفصَّلة؛ نظرًا لارتباكهم إزاء التوقعات التي وضعها هذا السيناريو (27). ولقد تم وضع سيناريو نيجيريا في عام 2013م –أي بعد ستّ سنوات من عام 2008م- وتمثلت توقعات هذا الأخير في أنه بحلول عام 2013م، ستتعطل الإمدادات النفطية الآتية من نيجيريا، مما يعني أن الولايات المتحدة سوف تفقد ما يقارب 10% من وارداتها النفطية، الأمر الذي سيؤدِّي إلى تعطيل اقتصادها مع ما سينتج عن ذلك من عواقب، وأن هذا الانقطاع لن تتسبب فيه "الحركة من أجل تحرير دلتا النيجر"Movement for Emancipation of Niger Delta (MEND) ، بل سيكون ذلك بسبب انهيار الحكومة النيجيرية التي ستتجزأ، ويتدهور الوضع ليصل إلى صراع على موارد النفط بين مختلف عناصر الحكومة، وأن الجيش النيجيري سيبدأ القتال من أجل السيطرة على منطقة دلتا النيجر، وهو ما سيُوقِف إنتاج نيجيريا من النفط. ولقد قام هذا السيناريو باستكشاف عدة بدائل؛ مثل تدخُّل جنوب إفريقيا، أو ربما وكالة الاستخبارات الأمريكية Central Intelligence Agency (CIA) التي يمكن أن تجد وسيلة للتوصل إلى حلٍّ، ليخلُص السيناريو في النهاية، بتوقع أن رئيس الولايات المتحدة سيجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما؛ الأول أن يقف أمام الشعب الأمريكي ويعلن أن لا وجود للبنزين في محطات الوقود، وأنه ليس في وُسْعه القيام بشيء حيالَ ذلك، مما سيكون –بالطبع- بمثابة انتحار سياسي لأيّ رئيس، أما الخيار الثاني، فهو أن تقوم الولايات المتحدة بإرسال 20.000 جندي أمريكي في منطقة دلتا النيجر، على أمل أن تتمكن –بطريقة أو بأخرى- من جعل النفط يتدفق من جديد (28). هذا، ولقد وافق "جيريمي كينان" على ما ورد في حديث "دانيال فولمان" فيما يخص تفسيره لأسباب تأسيس "الأفريكوم"، وأن ذلك يتعلق بالفعل بأزمة النفط في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن هذه الأخيرة استخدمت الحرب على الإرهاب كذريعةٍ لإضفاء الشرعية على التدخل العسكري في إفريقيا، ابتداءً من اختلاق التهديد الإرهابي الذي تَركَّز في الجزائر، والذي انتشر بدءًا من عام 2002 و2003م، في أنحاء منطقة الساحل الإفريقي، ليصل في نهاية المطاف إلى نيجيريا في عام 2005 (29). أما فيما يخصُّ الطريقة التي تمَّت بها فَبْرَكَة هذا التهديد، فهو حديثٌ آخر لن نخوض فيه من خلال هذه الدراسة (30). ثالثًا: السياسة الإفريقية في عهد "باراك أوباما" أصبحت قيادة "الأفريكوم" عملية بالكامل ابتداءً من الأول أكتوبر من سنة 2008م، أي قبل شهر من انتخاب السيناتور "باراك أوباما"Barack Obama لخلافة الرئيس "بوش الابن"، مما يعني أنه سيعود إلى الرئيس المنتخب أن يقرر ما إذا كان سيتبع نفس المسار الذي ميَّز سياسة "بوش الابن" واستراتيجيته التي تعتمد على استخدام القوة العسكرية في إفريقيا، إرضاءً للإدمان الأمريكي المستمر على النفط، أو رَسْم مسارٍ جديدٍ، يقوم على شراكةٍ دوليةٍ ومتعدِّدة الأطراف مع الدول الإفريقية لتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، فضلاً عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، واتباع نظام طاقوي عالمي جديد يقوم على استخدام الموارد النظيفة والآمنة والمتجددة (31). إنَّ السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا قد خضَعت لتحوُّلات مهمة على مدى طول فترة حكم "جورج دبليو بوش"، تميزت بتوسع نطاق مصالح الولايات المتحدة، وزيادة تدفق الإمدادات النفطية، وإنشاء عدة مبادرات عسكرية، كان آخرها قيادة "الأفريكوم"، ولقد جاءت هذه التحولات في عهدٍ أصبحت فيه منطقة غرب إفريقيا مصلحة استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، لدرجة أن السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا أصبحت من أولويات السياسة الخارجية الأمريكية (32). ولقد ورثت الإدارة الجديدة لـ "باراك أوباما" عن سالفتها، زيادة كبيرة للتدخل العسكري الأمريكي في القارة؛ حيث شملت هذه التركة برامج لمكافحة الإرهاب، وتوسُّع هائل لعمليات السلام الأمريكية، وإطلاق القيادة العسكرية الجديدة لإفريقيا "الأفريكوم" التي خضعت لجدال وخلاف عميق (33). هذا بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من الأزمة المالية الناشئة خلال عام 2009م، مما جعَل من توسيع السياسة الإفريقية أقل احتمالاً، خاصة وأن "باراك أوباما" بالكاد ذكرها أثناء حملته الانتخابية عام 2008م، كما لم يتضمن خطابه في أكرا Accra خلال زيارته لدولة غانا في يوليو 2009م بعد توليه الرئاسة، أي مبادرات رئيسية جديدة، بل لقد ورد في خطابه أن "مستقبل إفريقيا هو بيد الأفارقة" كإشارة للطموحات المتواضعة لـ"إدارة أوباما" تجاه القارة السمراء، بالتالي بدا وكأن إدارة هذا الأخير، على عكس "إدارة بوش الابن"، قد قللت من تركيزها على القضايا الأمنية في إفريقيا (34). وهكذا يمكن القول: إن انتخاب أول رئيس أمريكي من أصول إفريقية، قد رافقته توقعات عالية للغاية لسياسة الولايات المتحدة تجاه القارة السمراء، وتفاؤلٌ من أن مقاربته ستكون أكثر تعاطفًا ودرايةً في إدارة العلاقات الأمريكية مع الدول الإفريقية (35). غير أنَّ هذا التفاؤل الذي أحاط بـ"إدارة أوباما" توقَّف عند مستوى الخطابات الرسمية، فعلى الرغم من الانتقادات، دافعت الإدارة الأمريكية الجديدة على قيادة "الأفريكوم" وأيَّدت زيادة تمويلها؛ حيث تضمَّنت ميزانية "إدارة باراك أوباما" المقترحة للسنة المالية 2010م حوالي 300 مليون دولار مخصَّصة لقيادة إفريقيا، وذلك لمكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الإقليمي والحكم الديمقراطي –حسب الأهداف المُعْلَنَة- كما أكَّد "أوباما" أن قيادة "الأفريكوم" لا تَهْدُفُ إلى تأسيس موطئ قدم أمريكي في إفريقيا، وذلك أثناء خطابه في غانا، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لا تُخَطِّط للحصول على أيِّ قواعد أخرى في القارة. وفي الوقت نفسه، اقترحت الإدارة الجديدة ميزانيةً إضافيةً لبرامج المساعدات العسكرية التي تستمر "إدارة أوباما" في توفيرها –من خلال "الأفريكوم"- للدول الإفريقية التي تمثل مصلحة استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية مثل نيجيريا، ولقد بذلت "إدارة أوباما" في هذا السياق جهودًا للحفاظ على علاقات قوية مع الدول الإفريقية المُنْتِجَة للنفط، تجسَّدت في الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية آنذاك "هيلاري كلنتون"Hilary Clinton إلى نيجيريا وأنغولا في شهر أغسطس 2009م (36). إنَّ سياسة "إدارة أوباما" تجاه إفريقيا قد تعرَّضت للضغوطات، خاصةً من طرف شركات النفط الأمريكية –اللوبي النفطي- وكذلك بعض خزانات الفكر think tanks وبعض المنظمات غير الحكومية، فضلاً عن مسؤولين في وزارة الخارجية، ووكالة التنمية الدولية ووزارة الدفاع، وبعض الحكومات الإفريقية، بغرض متابعة خطة الأفريكوم التي بدأتها "إدارة بوش الابن"، بالتالي كان من المتوقع أن تستمر "إدارة أوباما" في عسكرة السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا (37). وهذا يقودنا إلى الحديث عما قد تغيَّر أو لم يتغير في السياسة الإفريقية للولايات المتحدة، منذ تولِّي "باراك أوباما" الحكم، الذي وصل إلى السلطة بعد الافتتاح الرسمي لقيادة "الأفريكوم"، وفي هذا الصدد يرى "دانيال فولمان" أنَّ كل الأدلة تشير إلى أن "أوباما" يواصل على نفس النَّهْج الذي سَلَكَه "بوش الابن"، ففي ميزانيته المقترحة للسنة المالية 2010م على سبيل المثال، طلب المزيد من المال لتدريب القوات الإفريقية، والمزيد من المال لاقتناء الأسلحة التي سيتم إرسالها إلى أنظمة القارة المختارَة للدفاع عن المصالح الأمريكية، والمزيد من المال لتمويل عمليات "الأفريكوم"، والمزيد من المال للعمليات البحرية قبالة خليج غينيا الغني بالنفط. وأثناء جولة "هيلاري كلنتون" الإفريقية في شهر أغسطس 2009م، قامت وزيرة الخارجية السابقة بتقديم المساعدات العسكرية لدول مثل نيجيريا وأنغولا، مُصَرِّحَة أن "إدارة أوباما" ستفعل كل ما في وسعها للوفاء بتعهداتها، وأنه في حالة ما إذا طلبت الحكومة النيجيرية الحصول على المزيد من المعدات العسكرية لاستخدامها في منطقة دلتا النيجر على وجه التحديد، فإن الولايات المتحدة ستكون على استعداد تامّ لتوفير ذلك. بالتالي لطالما كان تأمين النفط هدفًا أساسيًّا من وراء هذه الزيارات (38). في حين علَّق "جيريمي كينان" حول سياسة "إدارة باراك أوباما" تجاه إفريقيا، مُعْرِبًا عن شكوكه حول ما إذا كان "أوباما" على علمٍ بما يجري في القارة باسمه؛ وذلك لأن هذا الأخير يُواجِه مشاكل كثيرة داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه بِغَضِّ النظر عن مدى أهمية إفريقيا بالنسبة لمستقبل الأمن الطاقوي الأمريكي، إلا أنها لن تُشَكِّل أولوية على جدول أعماله، في حين تستمر المشكلات الداخلية (39). ومن خلال ما تقدَّم، فإنَّ تأثر صُنَّاع السياسة الأمريكية بالعامل النفطي يبقى واضحًا، وينعكس بالفعل على سياسات الولايات المتحدة إزاء دول القارة الإفريقية، التي باتت تُشَكِّل مصلحةً استراتيجية قوية لأمنها الطاقوي، بعدما برزت أهمية منطقة غرب إفريقيا عامة وخليج غينيا خاصة، وذلك رغم الجهود التي تبذلها واشنطن لنفي نيتها في السيطرة على النفط الإفريقي، مؤكِّدة أنه ليس للولايات المتحدة الأمريكية أيُّ أهداف غير مُعْلَنَة في القارة، سوى انشغالها بمساعدة شعوبها على تحقيق التنمية والاستقرار الأمني، أما في واقع الأمر، فإنَّ هذه التصريحات لا تَعْدُو عن كونها نوعًا من الدبلوماسية لطمأنة النفوس وتهدئة المشاعر المعادية للولايات المتحدة الأمريكية، والحقيقة هي أن هذه الأخيرة لا تتردّد في استخدام كل الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية في سبيل السيطرة على هذا المورد الاستراتيجي الحيويّ (40
  5. تابعونا بيان الخصوصية شروط الخدمة الإعلانات © 2018Cable News Network. Turner Broadcasting System, Inc. All Rights Reserved. كيف يهدد انهيار العملة في تركيا أوروبا؟ اقتصاد نشر الجمعة، 10 اغسطس / آب 2018 كيف يهدد انهيار العملة في تركيا أوروبا؟ لندن (CNN)-- أثارت مخاوف ضعف الاقتصاد التركي، ومخاطر انتقال الأمر إلى أوروبا، قلق المستثمرين، خاصة بعدما هوت الليرة التركية، الجمعة، إلى مستوى قياسي أمام الدولار الأمريكي. فالعملة التركية انخفضت بنسبة 17٪ مقابل الدولار، ما يعكس مجموعة من المخاوف تشمل التوترات مع الولايات المتحدة على خلفية قضية القس آندرو برونسون، بالإضافة إلى عدم رغبة السلطات التركية في رفع أسعار الفائدة. وأمر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بزيادة تعريفة الصلب والألومنيوم التركي، بعد أن فرض عقوبات على كبار المسؤولين الأتراك، في وقت سابق من هذا الشهر، لدورهم في احتجاز القس برونسون. وجاء رد فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متحديا، إذ قال : "لا تنسوا هذا: إذا كان لديهم دولارات ، فلدينا شعبنا وعدالة الله، وسوف نخرج من الحرب الاقتصادية بنجاح." لكن خطاب أردوغان، لم يفعل الكثير لتهدئة الأسواق، إذ استأنفت الليرة طريق الهبوط، لتصل خسائرها إلى 40٪ تقريبًا مقابل الدولار منذ بداية 2018. وقال رودريجو كاتريل ، كبير محللي العملات في بنك أستراليا الوطني في سيدني، إن المستثمرين يشعرون بقلق متزايد بشأن ارتفاع التضخم، وقدرة البنك المركزي التركي، (الذي شكك المستثمرون في استقلاله)، في القيام بأي شيء حيال ذلك. وحافظ البنك المركزي تحت ضغط من أردوغان، على أسعار الفائدة منخفضة على الرغم من التضخم الذي تجاوز 15٪ في يوليو/ تموز. وجاءت الخطة على عكس توقعات السوق، وترك السياسة دون تغيير في اجتماعه الأخير، لكن الاقتصاديين يقولون إن البنك المركزي من المحتمل الآن أن يضطر إلى اتخاذ إجراءات طارئة. ويليام جاكسون، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في كابيتال إيكونوميكس، قال: "هناك أسباب تدفعنا إلى الاعتقاد بأن ارتفاع أسعار الفائدة في حالات الطوارئ خلال أزمة العملة الحالية قد لا يؤدي إلا إلى مسكن عابر". وأضاف: "ليس من الواضح أن تركيا ستكون قادرة على التراجع عن حافة الهاوية هذه المرة". وخفضت الحكومة التركية بالفعل توقعاتها للنمو لهذا العام إلى 4 ٪ من 5.5 ٪، ولكن الاقتصاديين يحذرون من أن الركود سيكون أسوأ بكثير إذا لم يتم استعادة الثقة بسرعة. بدوره، قال كارستن هيس، الاقتصادي الأوروبي في بيرنبرغ: "لا يمكن استبعاد الركود وأزمة الديون التي من شأنها أن تفرض على تركيا تطبيق ضوابط مالية وطلب إنقاذ من صندوق النقد الدولي". وحث اردغان، الجمعة، الشعب التركي على استبدال الدولار واليورو بالليرة التركية للدفاع عن العملة، فيما زاد ترامب الضغط عبر تغريدة قال فيها إنه سيزيد الضرائب على الألومنيوم والصلب فيما يتعلق بالمعاملات مع تركيا. وقال في التغريدة: "لقد سمحت للتو بمضاعفة التعريفة الجمركية على الصلب والألمنيوم فيما يتعلق بتركيا.. الليرة التركية، تنزلق سريعاً نحو الانخفاض مقابل الدولار القوي جداً! ستكون تعريفة الألومنيوم الآن 20٪ والصلب 50٪. علاقاتنا مع تركيا هي ليس جيدًة في هذا الوقت". وأفادت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية بأن البنك المركزي الأوروبي قلق بشأن مصير بنوك منطقة اليورو التي تتعامل مع تركيا بسبب أزمة الليرة الخانقة. وبشأن هذا الأمر رفض البنك المركزي الأوروبي التعليق على الأمر، فيما تظهر بيانات بنك التسويات الدولية أن بنوك منطقة اليورو لديها قروض تزيد قيمتها عن 150 مليار دولار في تركيا. وتعد البنوك الإسبانية والفرنسية والإيطالية هي الأكثر تعرضاً لتلك الأزمة. وتعرضت أسهم بعض أكبر البنوك في أوروبا لضربة قوية، الجمعة. وانخفض UniCredit إيطاليا 5.6٪ وانخفض BBVA الإسباني 5.5 ٪، وانخفض مؤشر BNP Paribas الفرنسي بنسبة 4.3٪، وانخفض سهم Deutsche Bank بنسبة 5.3٪. وتوسع الاقتصاد التركي بسرعة هذا العام مقارنة مع عام 2017، لكن نموه في السنوات الأخيرة كان مدفوعًا بقطاع البناء الذي يموله المستثمرون الأجانب إلى حد كبير. والمستثمرون لديهم قلق من قدرة تركيا على جلب النقود خلال الأوقات الصعبة لتسديد ديونها. فيما قال هيس إن "التراجع في الليرة التركية وارتفاع تكاليف الاقتراض يتسبب في صداع كبير للعديد من الشركات التركية، لأنها اقترضت بالعملات الاجنبية رغم تلقي إيرادات بالعملة المحلية".
  6.  إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية فى منطقة آسيا والمحيط الهادئ – إستراتيجية احتواء الصين اعداد : د . محمد الأمير أحمد عبدالعزيز - باحث فى التاريخ الحديث والمعاصر – مصر تعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ من المناطق ذات الأهمية الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وتزداد تلك الأهمية فى ضوء تنامى المد الصينى فى تلك المنطقة سياسياً واقتصاديا وعسكرياً. ولا شك أن العلاقات الصينية الأمريكية هى علاقات معقدة تتراوح بين التقارب حين والتصارع حين أخر ويرجع ذلك لاختلافات مصالح كل منهما عن الأخرى، ونجد الولايات المتحدة ترى أن صعود الصين يهدد مصالحها الحيوية وأمنها القومى، وترى الصين ضرورة التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب لا تكون فيه هيمنة أمريكية بل توازن بين القوى المختلفة . على أية حال يمكن القول بأن الإستراتيجية الأمريكية في آسيا هدفها الرئيسي هو تطويق الصين من خلال تواجد للقوات الأمريكية في مناطق العمق الإستراتيجي للصين، وتطويقها سياسياً واقتصادياً فيما يعرف باسم إستراتيجية “احتواء الصين " . ويمكن تقسيم هذه الإستراتيجية الى ثلاث محاور:- المحور الأمنى والعسكرى: سعت الولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة إلى تقوية تواجدها العسكرى فى منطقة شرق آسيا فعمدت إلى التحالف العسكرى مع عدد من الدول كاليابان وكوريا الجنوبية واستراليا ، كما عمدت واشنطن إلى الحد من قدرة الصين من خلال إبرام الاتفاقيات الدفاعية مع اليابان ، بالإضافة إلى تهديدات أمريكا المستمرة للصين واعتراضها على بناء الصين للجزر الصناعية واتهام بكين بعدم الاهتمام بأمن دول الجوار . وتقيم الولايات المتحد علاقات عسكرية وثيقة مع تايوان هذه الجزيرة التى تمتاز كمنصة إستراتيجية للعمليات العسكرية ضد الصين وأمنها فى الطاقة . بالإضافة إلى قيام الولايات المتحدة بالمناورات البحرية الكبرى بمشاركة دول الإقليم والتى كان أهمها التدريبات العسكرية الأمريكية فى خان كويست بمنغوليا على الحدود الشمالية للصين فى عهد إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، بما عد تحديا مباشرا للصين فى محيطها الإقليمي . كما تحتفظ الولايات المتحدة حاليا بخمسين سفينة بشكل ثابت غرب المحيط الهادئ، فيما تتمركز حاملة الطائرات جورج واشنطن فى اليابان، ومحاولة واشنطن إعادة توزيع 60 % من قواتها البحرية بالمنطقة والاتفاق على وجود 2500 من قوات المارينز الأمريكية فى استراليا ونشر أربع سفن قتالية فى سنغافورة . المحور الاقتصادي: سعت الولايات المتحدة من أجل العمل على إيجاد نفوذ اقتصادي قوى لها داخل القارة الآسيوية من خلال بناء علاقات اقتصادية مع دول المنطقة لتحجيم الدور الاقتصادي للصين وتقليل نموها، ووقف تعاظم دور الصين فى منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مثال ذلك التوقيع على اتفاقيةالشراكة عبر الباسيفيك ( TPP ) مع 11 دولة من دول المنطقة ( استراليا، وبروناى، وكندا، وتشيلى، واليابان،والمكسيك، وبيرو، ونيوزيلندا، وسنغافورة، وفيتنام، وبروناى) واستثناء الصين منها، وقد رأت الولايات المتحدة أن هذه الاتفاقية ستسمح لها وليس الصين بوضع خريطة اقتصاديةللقرن الحادى والعشرين . وبالرغم من إعلان إدارة الرئيس الأمريكي ( ترامب ) انسحابه من هذه الاتفاقية فى يناير 2017، إلا أن ذلك لا يعد تخلياً عن إستراتيجية سلفه الاقتصادية إزاء الصين، بل جاء انسحاب ترامب لاعتقاده بان هذه الشراكة تضر مصالح العمال الأمريكيين . كما تحاول الولايات المتحدة قطع جميع الطرق التى تزود الصين بالنفط من خلال التعاون النفطى عبر الآسيوي والتى تصل مباشرة إلى الصين من خارج الممرات البحرية التقليدية المراقبة من جانب البحرية الأميركية . المحور السياسى والدبلوماسى: ولتحقيق أهداف إستراتيجيتها، تعمل واشنطن على تقوية التعاون مع حلفائها التاريخيين كاستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية وتايلاند، كما تسعى لإقامة شراكات وتحالفات مع الدول المناوئة لها فى جنوب شرق آسيا، أو إثارة الاضطرابات فى الدول التى تتمثل أهمية للصينمثل ميانمار ، أو حتى التورط فى إثارة الاضطرابات داخل الصين نفسها من خلال دعم حركة – احتلوا وسط المدينة – فى هونج كونج . وبدأت الولايات المتحدة فى تكوين نواة لتحالف إقليمي جديد مناوئ للصين بتدشين حوار استراتيجي ثلاثى بين الولايات المتحدة واليابان والهند ومن غير المستبعد أن تبدأ الولايات المتحدة فى توسيع نطاق هذا التحالف مستقبلا . وقيام الولايات المتحدة الأمريكية بتعزيز وجودها الدبلوماسي هناك من خلال زيارات لكبار المسئولين الأمريكيين ركزت على اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام وغيرهم المجاورين للصين كما سعت واشنطن للعب دور اكبر فى المنظمات الإقليمي فقد استضاف قم منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ . واعتماد دبلوماسية الانتشار إلى الإمام والتى تعتمد على إيفاد جميع الأدوات الدبلوماسي الى كل ركن وبلد فى منطق آسيا والمحيط الهندى . ولاشك أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن إستراتيجيتها تجاه الصين، خاصة أنها ترى فى الصين العدو الأوحد فى منطقة أسيا والمحيط الهندى، التى تستطيع منافستها وزعزعة الوجود الأمريكي فى تلك المنطقة فى ظل الصعود الملحوظ للصين فى شتى المجالات .
  7. alraiah.net العلاقة بين أمريكا والصين، واتهام ترامب الصين بعرقلة جهوده مع كوريا الشمالية حسن حمدان كانت شبه الجزيرة الكورية ضحية لعملية تقسيم نفوذ بين العملاقين المنتصرين الأمريكي والسوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية، وحصل السوفيات آنذاك على الجزء الشمالي من البلاد، في حين حاز الأمريكيون على الشق الجنوبي، لكن الحقائق الجيوسياسة كانت شديدة التباين، فقد أسفرت عن تشكيل دولتين تختلفان عن بعضهما بشكل كبير، حيث حظي الشمال بنصيب أقل في كل شيء - باستثناء المساحة فإنها كانت متقاربة - بداية من القدرات البشرية وليس انتهاءً بالسهول الزراعية، ما يعني مثلًا أن كوريا الشمالية ظلت منذ نشأتها بلدًا غير قادر على إنتاج كفايته من الغذاء. بدأت كوريا السوفياتية (الشمالية) مباشرة في استقطاب القادة الشيوعيين المنفيين منذ الحرب اليابانية، قبل التقسيم الأمريكي السوفياتي، والمتوافدين من الصين وروسيا وحتى من ولايات الجنوب الأمريكي، للدولة الكورية الجديدة. وكان أحد هؤلاء المنفيين هو كيم إل سونغ الذي نُصب حاكمًا للشمال بعد 25 عامًا قضاها في المنفى في روسيا، في حين نصبت أمريكا حكومة منتخبة في الجنوب. وفي عام 1950، قرر إل سونغ، بإيعاز سوفيتي، توحيد الكوريتين تحت حكمه، فقام بغزو كوريا الجنوبية ما تسبب بتدخل أمريكي قامت على إثره الحرب الدموية الشهيرة بين الشطرين. وقد تدخلت الصين لمساعدة الجيش الكوري الشمالي الذي انسحب في نهاية المطاف إلى خط التقسيم، قبل أن يتم توقيع اتفاق وقف إطلاق للنار بعد ثلاث سنوات من الحرب، مُدخلًا البلدين في هدنة طويلة مع منطقة عازلة بطول الحدود حول خط عرض 38، ولكن الدولتين لم توقعا أبدًا على أي اتفاق سلام نهائي إلى اليوم. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تعمقت أزمة كوريا الشمالية، حيث شعرت أنها فقدت حاميها الرئيس وخط الدفاع الأول عن الدول الشيوعية، ورغم أن الصين دخلت على الخط لسد هذه الفجوة بشكل كبير، لكنها لم تقم بهذا الدور، من باب الناحية المبدئية، من أجل وقوف الشيوعية في وجه الرأسمالية، وإنما كانت مساعدتها لكوريا الشمالية خدمة لمصالحها، ورغبة في أن تكون دول الجوار خادمة لها، ومنطقة استقرار للحدود بعدم وجود عدو بيد الغرب يقض مضاجعها، فالصين لا ترغب أن يتكرر سيناريو فيتنام التي انقلبت علاقتها معها إلى العداء بعد انتهاء الحرب الفيتنامية والتوحد، على الرغم من مساعدة الصين الكبيرة لفيتنام في هذه الحرب، فالمسألة إذن ليست مبدئية وإنما مسألة دفاع عن حدود الصين، وأن تكون كوريا الشمالية خط دفاع عن بكين في ظل سياسة أمريكا لاحتواء الصين. ومسألة كوريا تقلق أمريكا نوعا ما، وجعلت أمريكا تصف كوريا الشمالية بالدولة المارقة لامتلاكها السلاح النووي والصواريخ العابرة للقارات، خاصة أن هذه الصواريخ قادرة على الوصول للبر الأمريكي، فضلا عن جزيرة غوام التي تحتل القواعد الأمريكية ثلث مساحتها؛ فقاعدة أندرسون الجوية تعد أكبر مستودع للأسلحة والقذائف الاستراتيجية لتزويد العمليات الأمريكية حول العالم، بالإضافة لقاعدة أبرا البحرية الاستراتيجية التي تلعب دورا حيويا في ربط القواعد الأمريكية في المحيط الهادئ، ولما تمثله أيضا من إزعاج لحلفاء أمريكا في المنطقة، ولكن علاقة الصين بدول الجوار لم تكن علاقة مبدئية، فهي تبني علاقتها مع الجوار والدول الأخرى خدمة لكيانها وليس دفاعا عن المبدأ، ومن هنا نستطيع أن نفهم علاقة الصين بكوريا وعلاقة الصين بأمريكا من خلال كوريا الشمالية. أما بالنسبة لسياسة أمريكا مع الصين، فمما لا شك فيه أن الصين هي أهم أولويات أمريكا والأكثر خطورة لديها في الوقت الحالي، ومن هنا يفهم وجود الجار الكوري الشمالي ضمن حلبة الصراع بين الصين وأمريكا، فقد استدارت أمريكا نحو منطقة آسيا المحيط الهادي لما تمثله من خطر حقيقي قادم على الزعامة والقيادة العالمية، ولما تمثله من خطر كبير في منطقة من العالم تحوي دولا كبرى وأسلحة نووية وطموحات مرحلية إقليمية، وقد سعت أمريكا لتطويق الصين تطبيقا لسياسة الاحتواء الاستراتيجية، واستعملت في ذلك أساليب عديدة سواء من خلال الدخول في تحالفات مع الدول المناوئة لها في جنوب شرق آسيا، أو إثارة الاضطرابات في الدول التي تمثل أهمية استراتيجية للصين مثل ميانمار، أو حتى التورط في إثارة الاضطرابات داخل الصين. فقد قامت أمريكا في أوائل تشرين الأول/أكتوبر 2015، هي وإحدى عشرة دولة مطلة على المحيط الهادئ، وهي: أستراليا، بروناي، كندا، شيلي، اليابان، ماليزيا، المكسيك، نيوزيلندا، بيرو، سنغافورة، فيتنام، بتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادي، وهي اتفاقية تجارة حرة متعددة الأطراف تهدف إلى زيادة تحرر اقتصادات منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وصرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما بالقول "إن واشنطن لن تسمح لبلدان مثل الصين أو غيرها بكتابة قواعد الاقتصاد العالمي"، كما قال: "عندما يعيش ما يزيد على 95% من مستهلكينا المحتملين خارج حدودنا، فلا يمكن أن نجعل دولا كالصين تكتب قواعد الاقتصاد العالمي"، وأضاف: "ينبغي لنا أن نكتب هذه القواعد، وأن نفتح أسواقا جديدة للمنتجات الأمريكية في الوقت الذي نرسي فيه معايير عالية لحماية عمالنا إلى جانب الحفاظ على بيئتنا". وسعيا لتحجيم الصين وكبح طموحاتها الاقتصادية والعسكرية، تواصل أمريكا منذ عدة شهور محادثات مع روسيا لإقحامها في الجهود التي تبذلها لاحتوائها. ولتحفيز روسيا على الانخراط في جهود الاحتواء، تحاول أمريكا تقديم بعض الإغراءات لها كعقد الصفقات، وعلى الجانب الآخر التهديد بالعقوبات ضدها لجعلها تخضع للمحاولة الأمريكية في استخدامها لاحتواء الصين. وبسبب الغموض الذي أحاط المحادثات مع روسيا وقطعا للشائعات، بثت وكالة الصين الرسمية للأنباء بيانا نشرته صحيفة الحزب الشيوعي الصيني الواسعة الانتشار (Global Times) في 30/10/2012 نفت فيه استجابة روسيا لضغوط أمريكا لاحتواء الصين، ولكن في الوقت نفسه لا توجد أية مؤشرات تدل على وصول المحادثات بين الدولتين إلى طريق مسدود. واستكمالا لتنفيذ عمليات احتواء الصين تجري أمريكا محادثات مع الهند المجاورة للصين مستغلة العداء التاريخي بينهما لأجل ضمها إلى قائمة الدول التي تقف مع أمريكا ضد الصين. والأمر لا يقف عند هذه الدول بل تحاول أمريكا إشراك جميع الدول في تلك المنطقة، وتستخدم جميع الأدوات لاحتواء الصين الذي بات يعرف باستراتيجية توازن القوى من أجل تحقيق الهدف المنشود لأمريكا. والصين تدرك تمام الإدراك هذه السياسة والأدوات التي تستخدمها أمريكا في ذلك، وتحاول إيجاد سياسة واستراتيجية مضادة لعرقلة المساعي الأمريكية، أما من ناحية إدراك الصين لهذه السياسة فقد جاء في المقال الذي كتبه الجنرال لو يوان "إن الولايات المتحدة تنشر قواتها في شتى أرجاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ من أجل احتواء صعود الصين". وأضاف الجنرال لو يوان "إن الادعاءات التي ساقتها واشنطن في الأسبوع الماضي من أن هذه الاستراتيجية ليست موجهة ضد الصين جعل النوايا الأمريكية أكثر وضوحا". وتحدث الجنرال لو في مقاله أيضا "لو نظرنا إلى ما حولنا سنجد أن أمريكا تعزز التحالفات العسكرية الخمسة التي تنخرط فيها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتعدل مواقع تجمعات قواعدها العسكرية الخمسة في المنطقة بينما تطالب بزيادة هذه القواعد في البلدان المحيطة بالصين". وقال مخاطبا الأمريكيين "من يصدق أنكم لا تستهدفون الصين؟ أليست هذه عودة إلى عقلية الحرب الباردة؟". ويذكر أن الجنرال لو معروف بآرائه ومواقفه المتشددة التي ينشرها في الصحف الصينية الشعبية، ولكن ظهور مقاله هذا في الصحيفة الرسمية للجيش الصيني يشير إلى أن الآراء التي عبر عنها تتمتع بقدر من الدعم الرسمي. ومن ناحية الإجراءات التي تقوم بها الصين سعيا لإفشال مساعي أمريكا في سياسة احتوائها، فهي تحاول منع استخدام دول الجوار كمخلب ضدها، وذلك من خلال المعاهدات، وتأمين الحدود، وسياسة عدم الاعتداء، والتقارب كما حدث مع الهند العدو التقليدي، والعلاقات التجارية والاقتصادية وشراء الغاز كما هو مع روسيا مثلا، وبعض العلاقات الاقتصادية مع دول الجوار، خاصة في استراتيجية طريق الحرير البري؛ مبادرة "الحزام والطريق" لإدراك الصين حجم القوة البحرية الأمريكية وسيطرة أمريكا على طرق الملاحة والبحار وقدرتها العملاقة على الوصول والحركة. إن العلاقة بين الصين وأمريكا هي علاقة تنافس، تحكمها سياسة الاحتواء الأمريكية تجاه الصين، وسياسة النفس الطويل والسياسة الناعمة من الصين، وعدم الاحتكاك في المرحلة الحالية إدراكا من الصين لحجم الفارق بينها وبين أمريكا، وكثرة الأدوات بيدها.
  8. الوعي السياسي

    الجنوب الليبي والأزمة المتجددة

    الاثنين - 27 أغسطس 2018 مـ الجنوب الليبي والأزمة المتجددة الرأي A A  د. جبريل العبيدي * كاتب وباحث ليبي عملية فرض القانون في الجنوب، التي أطلقتها القيادة العامة للجيش الليبي ضد الجماعات الإرهابية وعصابات الاتجار بالبشر والهجرة غير القانونية، سيكون لها أثر كبير في تحقيق الاستقرار في هذا الإقليم المضطرب، لأسباب محلية وخارجية متعددة، حيث تعتبر هذه المنطقة البوابة الرئيسية للمهاجرين الأفارقة، بسبب ضعف وصعوبة مراقبة الحدود الممتدة لآلاف الكيلومترات في أعماق الصحراء، وتتشارك فيها أربع دول، بعضها لا يشارك ولا يبذل أي مجهود في كبح حدوده، بل هناك من يتساهل مع المهربين لدخول عناصر «داعش» الهاربة من سوريا والعراق عبر السودان بتمويل قطري إلى الجنوب الليبي. في ظل أزمة الجنوب الليبي المتجددة، دفع الجيش الليبي بتعزيزات عسكرية لفرض الأمن والاستقرار في الجنوب، في مقابل أنباء عن تحركات وتعزيزات عسكرية للقوات التشادية الرسمية قرب الحدود الليبية التشادية، الأمر الذي إن جرى بالتنسيق مع الجيش الليبي سيكون أكثر فعالية، بحيث يتم سحق المرتزقة التشادية التي تتخذ من الجنوب الليبي قاعدة لها. الجنوب الليبي، حيث تتجمع سرايا المتطرفين وبقايا «القاعدة» الهاربين من بنغازي «سرايا الدفاع»، التي يتزعمها المطلوب لـ«الرباعية» إسماعيل الصلابي الأخ الأصغر لعراب الجماعات الإسلامية علي الصلابي، والمطلوب الآخر لـ«الرباعية العربية»، والضابط المفصول من الخدمة العسكرية مصطفى الشركسي؛ السرايا التي يتم تمويلها قطرياً بالسلاح والمال والعتاد، وحتى شراء المرتزقة عبر عميل قطر المتمرد التشادي تيمان أرديمي، زعيم المعارضة التشادية، وإن كان لا يحظى بقبول جميع فصائل المعارضة التشادية، ويعتبرونه صنيعة النظام التشادي، وأنه عميل مزدوج. أرديمي ذو النزعة المتطرفة، أصبح رجل الدوحة الذي تراهن عليه لتحقيق أجندتها، والذي شكل ميليشيا مسلحة من أبناء قبيلته الزغاوة، وضم إليها مرتزقة آخرين، تستخدمهم قطر في الجنوب الليبي بالتعاون مع ميليشيات «سرايا القاعدة» الإرهابية بقيادة الصلابي والشركسي، المتمركزة في الجنوب الليبي، خصوصاً بعد أن حذر المبعوث الأممي غسان سلامة من أن ثمة عناصر من المرتزقة الأجانب توجد في ليبيا، يعتبر التحرك العسكري لسحقها خطوة مهمة لتحقيق الاستقرار، وإعادة سلطة الدولة على الجنوب المستباح. استغلال أزمة الجنوب دفع بعض الدول مثل إيطاليا لمحاولة إنشاء قاعدة عسكرية لها قرب مدينة غات الليبية أقصى الجنوب، ولهذا حذرت القيادة العامة للجيش الوطني من محاولة بعض الأطراف الدولية إنشاء وجود عسكري لها في مناطق الجنوب تحت حجة التصدّي للهجرة غير القانونية. الجنوب الليبي الغني بالثروات يعتبر منجماً خصباً، لم يستثمر بعد، دفع بالعديد من الأطراف إلى التدخل فيه عقب إسقاط الدولة، وليس فقط النظام، في فبراير (شباط) 2011، لتسهيل نهب الثروات، من ذهب ويورانيوم وفوسفات ونفط، واستخدام الجنوب بوابة لتهريب البشر والسلاح والمخدرات من وإلى أفريقيا، ولهذا تسعى بعض الدول الأجنبية إلى عزل الجنوب الليبي، وتحويله إلى إمارة معزولة عن سلطة الدولة تستخدم لتجارة السلاح والتهريب والإرهاب، من خلال حركات التمرد الأفريقية التي أقامت قواعد لها في جنوب ليبيا. «الجنوب الليبي أصبح قاعدة لحركات التمرد الأفريقية»، تصريح لوزير خارجية حكومة «الوفاق» غير الدستورية محمد سيالة عقب اجتماعه في أنجامينا، بعد التوقيع على اتفاق رباعي للتعاون الأمني مع دول الجوار جنوب ليبيا، استاء منه البعض لكونه يسمح لدول الجوار بالدخول إلى الأراضي الليبية، وملاحقة العناصر الفارة دون طلب الإذن من السلطات الليبية، الأمر الذي يعتبر تنازلاً قدمته حكومة «الوفاق» لشرعنة انتهاك السيادة الليبية، ويعتبر معالجة خاطئة من حكومة «الوفاق» التي لم يتوافق عليها أحد. الجنوب الليبي وملف الهجرة غير القانونية، التي معبرها الجنوب الليبي، في ظل وجود إحصاءات أعلنتها المنظمة الدولية للهجرة، عن أعداد المهاجرين العالقين في ليبيا؛ قدرت أعدادهم بنحو «ستمائة ألف» مهاجر، في حين أن السلطات الليبية لا تؤكد الرقم، ومع هذا تركت ليبيا تعاني همها وهمهم، في ظل فوضى السلاح وانتشار الميليشيات وتقارير عن حالات الاستعباد وممارسة تجارة الرقيق، دون أي مساعدة حقيقية سوى إجراءات اتخذتها السلطات الإيطالية بترك المهاجرين عالقين في البحر، حتى بعد أن تم إنقاذ بعضهم، ومنعت السفن المنقذة من الرسو في موانئها في سابقة غير إنسانية، في حين تهدد ليبيا وتطلب منها إنشاء مراكز إيواء في مقدمة لتوطين المهاجرين والعبث بالديمغرافيا الليبية، وهي بلد عبور وضحية أيضاً، وليست بلد منشأ. الجنوب الليبي يعاني في الأصل من صراعات قبلية تسببت فيها الولاءات السياسية، التي لعبت دوراً كبيراً في تعميق تفكيك النسيج الاجتماعي بين السكان، وأذكت النعرات القبلية والإثنية، حتى أصبح الجنوب في حالة صراع دائم بين قبائل التبو والطوارق، التي في أغلبها صراعات سياسية وليست قبلية، يتم الاحتكام فيها إلى السلاح لتحقيق المغالبة والاستقواء بالمناصرين، ولو كانوا من خارج الحدود، نظراً لأن أغلب السكان المحليين من قبائل التبو والطوارق لهم امتدادات قبلية في دول الجوار تشاد والنيجر. لذا فإن الجيش من خلال تصريحات المسؤولين فيه، يكثف الآن جهوده واستعداداته لتأمين الجنوب بكامله بالتنسيق مع الدول المعنية والتي لها حدود مع ليبيا في الجنوب، لكبح الهجرة غير المشروعة وسحق الإرهابيين القتلة.
  9. الصراع مع أميركا» حجة إردوغان للتنصل من تسببه بالأزمة الاقتصادية التركية عدد من الاقتصاديين حذرو قبل أشهر من الكارثة... لكن الرئيس التركي لم يستجب الاقتصاد A A  لندن: «الشرق الأوسط» يذهب أغلب المحللون والمراقبون الدوليون إلى أن أزمة الليرة التركية الأخيرة ليست إلا بمثابة رأس جبل الجليد، بينما جذورها تمتد إلى سنوات طويلة مضت، موضحين أن الخلاف الأميركي التركي الأخير لم يكن بدوره سببا أساسيا في التدهور الحاصل في تركيا؛ بل السبب الأبرز هو سياسات الرئيس التركي نفسه، والذي يحاول التنصل من ذلك عبر إلقاء اللوم على الآخرين. وقالت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية إن تركيا تخوض معركة اقتصادية خاطئة حين تعتبر أزمة الليرة المتفاقمة منذ أشهر نتاجا صرفا للنزاع الدبلوماسي الأخير مع واشنطن، بينما ساهمت عوامل كثيرة في التدهور غير المسبوق لعملة البلاد. وبحسب التقرير، فإن تدهور العملة سيؤثر بشكل كبير على الشركات التركية التي تتلقى عائداتها بالليرة أو تملك أصولا بالعملة نفسها، إذ ارتفعت ديونها بشكل لافت على اعتبار أنها ستسدد ما بذمتها بكل من الدولار واليورو. وفي المقابل، لن تتأثر شركات تركية محدودة بفضل اعتمادها على استثمارات في الخارج. وفقدت العملة التركية ما يقارب الثلث من قيمتها في غضون شهر، وتراجعت بصورة لافتة بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على أنقرة ولوحت بإجراءات عقابية جديدة في حال لم تفرج أنقرة عن القس الأميركي أندرو برانسون. وأثرت الأزمة على البنوك التركية وسط مخاوف أن تؤدي إلى موجة إفلاس، ولم تقف الآثار عند هذا الحد، إذ أرخى هبوط الليرة بظلاله على أسواق مالية صاعدة، كما أثر على قيمة أسهم في كل من نيويورك ولندن. ويتوافق التنبيه الذي قدمته «فورين بوليسي» مع تحذير سابق من المعارضة التركية، إذ قال زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كيليجدار أوغلو، مؤخرا، إن الرئيس إردوغان، يستخدم قضية القس لأجل تحقيق مآربه وإخفاء فشله الاقتصادي، حسب ما نقلته «سكاي نيوز». ويرى كيليجدار أن أزمة الليرة ليست ناجمة عن أزمة واشنطن وأنقرة الأخيرة، ويوضح أن عددا من الاقتصاديين حذروا قبل أشهر من الكارثة، لكن الرئيس التركي لم يستجب وفضل عدم الإنصات. وترى المجلة أن جذور أزمة الليرة التركية تعود بالأساس إلى السياسات التي انتهجها إردوغان لأجل استمالة الناخبين وكسب الانتخابات على مدى أعوام طويلة، واستطاعت أنشطة بناء واسعة قامت بها شركات قريبة من الحكومة أن تقود إلى نسبة نمو بلغ متوسطها 6.8 في المائة خلال هذا العقد، أما حجم الاقتصاد التركي فوصل إلى 880 مليار دولار. ويقول المستثمر هارون ميسيت: «كان من الواضح أن انهيارا سيحصل، لقد طلبت مرارا من أصدقائي طيلة سنوات أن يتوقفوا عن منافسة بعضهم البعض في مجال البناء»، لكنهم لم يفعلوا والنتيجة أن هناك ما يقارب 800 ألف بيت لم يجر بيعه بعدما تعرضت سوق العقار لإغراق كبير. وتقول «فورين بوليسي» إن تركيا تحولت إلى ما يشبه ورش بناء، ولذلك صارت صناعة البناء تشكل قرابة عشرة في المائة من الإنتاج في البلاد، ومنذ سنة 2001. تجاوزت واردات تركيا من مواد البناء ومنتجات أخرى صادرات البلاد. وبسبب ذلك ارتفع عجز الحساب الجاري لتركيا إلى 50.2 مليار دولار، بينما لجأت الحكومة التركية وشركات وبنوك ومصانع ومطاعم أخرى في البلاد إلى تلقي قروض خارجية بنسب فائدة مشجعة، وتبعا لذلك، ارتفعت الديون إلى 460 مليار دولار أي ما يزيد عن نصف ناتج تركيا المحلي. ورغم تفاقم الأزمة، لم تتخذ تركيا إجراءات كفيلة ببث الطمأنينة في نفوس المستثمرين والمؤسسات الدولية، وقبل أيام قليلة، أعلنت مؤسسة «ستانرد آند بورز» خفض تصنيف تركيا الائتماني وتوقعت أن تؤدي أزمة الليرة إلى انكماش في الاقتصاد خلال العام المقبل، بينما يقول إردوغان إن بلاده ستفوز فيما يسميها بـ«حرب اقتصادية» على بلاده. وتورد «فورين بوليسي» أن السوق التركية لم تقتنع بالخطوات التي تم إعلانها لأجل دعم الليرة مثل تعهد قطر باستثمار 15 مليار دولار، وتأكيد كل من فرنسا وألمانيا دعمها لأنقرة في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تجتازه في الفترة الأخيرة، ويحاول إردوغان ربط الأزمة بالولايات المتحدة حتى يكسب تأييدا شعبيا وسط الإحباط والقلق. ولم يقتصر تحليل الوضع التركي على «فورين بوليسي»، إذ ذهب محللون آخرون تحدثوا لوكالة الصحافة الفرنسية إلى ذات التصور. وقالوا إن الرئيس التركي يستغل الخلاف المرير بين بلاده والولايات المتحدة لإلقاء اللوم في المشاكل الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد التركي على «عدو خارجي» وليس على المشاكل داخل بلاده. وخلال الأشهر الأخيرة حذر محللون بأن الاختلالات الاقتصادية تعني أن اقتصاد تركيا سيواجه مشاكل كبيرة، حتى قبل العقوبات التي أعلنها ترمب وأدت إلى انخفاض حاد في سعر الليرة التركية. إلا أن الإجراءات التي اتخذتها إدارة ترمب سمحت لإردوغان بإلقاء اللوم في المشاكل الاقتصادية وانهيار الليرة على البيت الأبيض، واللعب على المشاعر المناهضة للولايات المتحدة المنتشرة في مختلف فئات المجتمع التركي. قال سونر كاغابتاي، مدير «برنامج الأبحاث التركي» في معهد واشنطن، إن سيطرة إردوغان على الإعلام التركي، والتي عززها بعد التغييرات الأخيرة في ملكيتها، سمحت للسلطات وبسهولة برسم الولايات المتحدة في صورة الشرير. وأضاف: «أعتقد أن إردوغان قرر أنه رغم أنه لم يكن يريد للأزمة مع الولايات المتحدة أن تصل إلى ما وصلت إليه، إلا أنه قرر كذلك استغلالها... إردوغان يستطيع أن يحدد شكل روايته للأزمة لأنه يسيطر على 90 في المائة من الإعلام. ويستطيع الآن أن يربط الأزمة الاقتصادية في تركيا والناجمة عن سياساته، بالعقوبات الأميركية فقط». وقبل أن يتسبب ترمب في انهيار الليرة من خلال تغريدة في العاشر من أغسطس (آب) الجاري، أعلن فيها عن مضاعفة الرسوم على واردات بلاده من الصلب والألمنيوم التركي، كانت السحب تتجمع فوق الاقتصاد التركي بعد ارتفاع التضخم ليبلغ 16 في المائة وتوسع العجز في الحساب الجاري. كما تسبب إردوغان في تقويض الثقة في العملة من خلال تصريحاته المتكررة التي اعتبرها بعض اللاعبين في السوق بأنها مربكة. فقد وصف معدلات الفائدة بأنها «أب وأم كل الشرور»، وقال إن البلاد بحاجة إلى معدلات الفائدة المنخفضة لخفض التضخم. وبعد شهر من الفوز بصلاحيات جديدة في الانتخابات، أدهش إردوغان المراقبين بتعيين صهره براءت البيرق، وزير الطاقة السابق، على رأس وزارة المالية الجديدة الموسعة، رغم أنه يفتقر إلى الخبرة في الأسواق المالية. وفور أن أطلق ترمب الأزمة بشأن احتجاز السلطات التركية للقس الأميركي أندرو برانسون، سارع إردوغان إلى التنديد بـ«مؤامرة» تهدف إلى «تركيع» تركيا. واصطف الإعلام الرسمي وراء إردوغان في التنديد بما وصفه بأنه «انقلاب اقتصادي»، وقارن بينه وبين المحاولة الانقلابية للإطاحة بإردوغان في 2016. وقال سنان أولغين، رئيس مركز الاقتصاد والسياسة الخارجية، إن استراتيجية إردوغان «تهدف في الأساس إلى حشد الدعم الشعبي في وقت الأزمة الاقتصادية». ويجد خطاب إردوغان صدى واسعاً في المجتمع التركي الذي تنتشر فيه مشاعر قوية مناهضة للولايات المتحدة تفاقمت بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة. ويعيش فتح الله غولن الداعية الإسلامي الذي تتهمه أنقرة بأنه وراء المحاولة الانقلابية، في منفاه الاختياري في بنسلفانيا منذ 1999. وقد قاد ذلك الكثيرين ومن بينهم مسؤولون أتراك كبار، إلى الاعتقاد بأن للولايات المتحدة يداً في المحاولة الانقلابية. ورفضت الولايات المتحدة تلك المزاعم، فيما أكد غولن أنه ليس له أي يد في المحاولة الانقلابية. ولكن الخطاب المناهض للولايات المتحدة يلقى صدى قوياً في تركيا رغم أن أنقرة وواشنطن عضوان في حلف شمال الأطلسي منذ 1952. وبحسب استطلاع أجراه مركز «سنتر فور أميركان بروغريس» في وقت سابق من العام، فإن 10 في المائة فقط من الأتراك ينظرون إلى واشنطن بعين الرضا، بينما عبر 83 في المائة منهم عن آراء غير جيدة تجاهها. وأعلن إردوغان، الذي يستخدم أجهزة شركة أبل الأميركية، أن تركيا ستقاطع هواتف آيفون وأجهزة الشركة العملاقة. وسرعان ما ظهرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي لأنصار إردوغان وهم يحطمون هواتفهم الآيفون. كما تعرضت السفارة الأميركية في أنقرة الاثنين إلى إطلاق نار، وسارعت الحكومة إلى إدانة الحادث ووصفته بأنه «استفزاز» وتعهدت بمحاسبة مرتكبيه. وقال دبلوماسي أوروبي طلب عدم الكشف عن هويته إنه «من خلال تصرفاته، فإن دونالد ترمب يخفي الأشخاص المسؤولين حقاً عن الوضع الاقتصادي في تركيا». وأضاف: «هناك شخص واحد فقط هو من يمنع البنك المركزي من التصرف، ويمنع وزير المالية من اتخاذ الإجراءات الضرورية»، محذرا من أن تركيا مخطئة إذا كانت تعتقد أنها «يمكن أن تحمل الولايات المتحدة... وبخاصة الرئيس دونالد ترمب المسؤولية». وعلى شاشات التلفزيون وفي الصحف لا يوجد من يخرج عن خط الحكومة، ويلجأ خبراء الاقتصاد الذين لهم رأي مختلف إلى بث آرائهم على «تويتر». ويرى سنان أولغين أنه إذا لم يتم رفع أسعار الفائدة؛ فإن «قدرة البنك المركزي ووزارة المالية على طمأنة الأسواق ستضعف بشكل كبير».
  10. الوعي السياسي

    أزمة النقد

    #أزمة_النقد في ليلة الأحد 15 آب 1971 ظهر الرئيس نيكسون على شاشة التلفزيون بعد خلوة استغرقت 48 ساعة في "كامب ديفيد" ليقول للأمريكيين إن الدفاع عن الدولار ومكافحة البطالة وتحسين وضع الميزان التجاري وميزان المدفوعات هي كلها عناصر أساسية لسياسة اقتصادية جديدة، الغاية منها حفظ مركز الولايات المتحدة كأول دولة اقتصادية في العالم" ثم أردف قائلاً: "هل سيبقى هذا البلد القوة الاقتصادية الأولى في هذا العالم، أم أننا سنستسلم ونقبل بأن نكون الدولة الثانية أو الثالثة أو الرابعة؟ هل سنحافظ على القوة التي جعلت الحرية والسلام ممكنين في العالم أم أننا سنتقهقر؟ كل ذلك رهن بروح المناقشة التي ستظهرونها. يجب علينا أن نعيد لهذا البلد الإيمان الذي ساعدنا على بناء أمّة كبيرة في الماضي والذي سيساعدنا على أن نقولب عالم المستقبل". بهذه الكلمات أعلن الرئيس الأمريكي سياسته الاقتصادية لمواجهة الأزمة النقدية العارمة التي كادت أن تقصم ظهر الاقتصاد الغربي برمّته، وتجر معها البلدان التابعة للغرب. فكانت خطة نيكسون لطمة للعالم الحر قلبت مقاييس التجارة الدولية، وزرعت الفوضى في بورصات العالم الغربية، ثم جعلت عملات البلدان الصناعية تتراقص. وقبل أن نتطرق إلى الأزمة ثم إلى الخطة التي أنقذت الدولار الأمريكي من الانهيار، يجدر بنا أن نلقي ضوءاً على تاريخ نظام النقد العالمي منذ نشأته على أساس الذهب إلى أن تغير باتفاقية "بريتون وودز" عام 1944 حين وضع النظام الحالي الذي كان سبباً أساسياً ولا يزال في توالي ما أصاب النقد الدولي من أزمات ومشاكل لا يزال العالم يستعر بأوارها، حتى يعاد الذهب ليكون الأساس الذي تقيّم به جميع العملات الدولية، ومن ثم يعود الاستقرار ليخيم على العلاقات الاقتصادية بين الأمم. أمّا نظام الذهب فيعود تاريخه إلى قدم الأمم، وسار عليه العالم منذ أن عرف النقد حتى الحرب العالمية الأولى (ومعه نظام الفضة) حيث عمدت الدول المتحاربة إلى اتخاذ إجراءات جعلت نظام الذهب يضطرب، فمنها من أوقف قابلية تحويل عملاتها إلى ذهب، ومنها من فرض القيود الشديدة على تصديره، ومنها من صار يعرقل استيراده، فاختل النظام النقدي، وتقلبت أسعار الصرف. ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم تعرضت الحياة النقدية في العالم إلى عدة أزمات دولية، وأصبح النقد وسيلة من وسائل الاستعمار بيد الدول الكبرى تحاول ضرب أعدائها عن طريقه. وفي عام 1944 عقد ممثلو 44 دولة تمثل العالم الرأسمالي في "بريتن وودز" بولاية نيوهامبشير الأمريكية اجتماعاً انتهوا فيه إلى قبول الدولار -بعد أن كانت دول كثيرة قد فصلت عملاتها عن الذهب- أساساً لتحديد قيمة العملات المختلفة. وطبقاً لقواعد صندوق النقد الدولي الذي اتفق آنذاك على إنشائه، لا تتغير قيمة عملة ما إلاّ في حدود ضيقة جداً لا تتجاوز 1% منقيمتها صعوداً أو هبوطاً حسب العرض والطلب، أمّا إذا رأت دولة بسبب نقص شديد أو زيادة هائلة في ميزانها التجاري، أن تغيّر قيمة عملتها برفعها أو خفضها، فلا يمكن أن يتم ذلك إلاّ بعد مشاورات دولية واسعة وفي حالة الضرورة القصوى، ويمكن لصندوق النقد الدولي أن يقـدم لأعضائه البالغ عـددهم حتى عام 1968 (109) دول مساعدات لسد العجز في الميزان التجاري للدولة التي تطلب ذلك تحقيقاً لقدر معقول من الاستقرار في أسعار العملات الدولية المختلفة. وبموجب هذا النظام وافقت الدول الصناعية الكبرى العشر على وضع سعر معين لنقدها الوطني بالاستناد إلى الدولار الأمريكي. وكذلك اتفقت أمريكا بالمقابل على ربط الدولار الأمريكي بقاعدة الذهب (35 دولاراً للأونصة الواحدة) من تبديل الدولارات المقدمة من المصارف المركزية الأجنبية بسعر ثابت للدولار المرتبط بالذهب. ومن هنا جاء الارتباط بين عملات معظم الدول في العالم الرأسمالي بما فيها الدول القائمة في العالم الإسلامي، إذ اعتمدت هذه الدول الدولار الأمريكي في مقدمة الأرصدة الاحتياطية لدى بنوكها المركزية، كأساس لقيمة نقدها وكغطاء لعملتها. ونتيجة للهزة التي أصيب بها الدولار أساس العملة العالمية، التي أدت إلى انخفاض في قيمه ستلحق خسارة فادحة بمعظم الدول التي اعتمدت هذا الأساس، بنقصان في احتياطيها الذي هو معظمه من الدولار بالإضافة إلى نسبة من الذهب وبقية العملات الأجنبية المعتبَرة والتي يطلق عليها العملة النادرة أو الصعبة. ولهذا كان من الطبيعي أن يتأثر الين الياباني نتيجة لأزمة النقد هذه، حيث تشكل أمريكا وأوروبا الأسواق الاستهلاكية الرئيسية للصادرات اليابانية في العالم، إذ بلغت نسبة ما تشتريه أمريكا من مجموع صادرات اليابان 30%، وكذلك الحال مع ألمانيا الغربية، بعد أن أصبحت اليابان القوة الصناعية الثانية في العالم الرأسمالي تليها ألمانيا الغربية. أمّا تاريخ الأزمات النقدية فيبدأ منذ الحرب العالمية الثانية حين تأسست الطريقة الحالية المعاصرة للنقد في العالم الرأسمالي. والجدير بالذكر أن عجز ميزان المدفوعات يقع عادة دون أن يسبب أزمة، ولكن هذه المرة لم يعد بالإمكان تحاشي الأزمة الكارثة لأن الأمريكيين بالغوا جداً في عجز ميزان مدفوعاتهم. إن ميزان المدفوعات يعني حساب الدولة الدولي الخارجي، ويقع هذا العجز في الحساب عندما تصرف الدولة من هذا الحساب أكثر مما ينبغي عليها أن تصرف في خارج بلادها طبعاً، وكانت أمريكا تصرف من هذا الحساب أكثر مما ينبغي عليها منذ أكثر من عشرين سنة. هذا وعندما تقع المشكلة تعتمد الدولة على تغيير قيمة عملتها. إلاّ أن الأمر يختلف بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية لأن الدولار يستمد قوته الشرائية من قوة موطنه الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية، أي منذ أن تأسس نظام النقد العالمي الذي أصبح يتأرجح الآن كي يقع فيما بعد ليعم الخير كل العالم بعد رجوع نظام الذهب بإذن الله. وكان الناس يعلمون أنه حتى عام 1960 يستطيعون إبدال دولارهم بالذهب بالسعر الرسمي أي 35 دولاراً مقابل كل أوقية من الذهب، ولكن استمرار ضعف ميزان المدفوعات بتأثير الإنفاق الخارجي أدى إلى ضعف احتياطي الذهب الأمريكي وأخذ ينقص 1961-1970 إلى ما يقرب من خمسة بلايين دولار، وبعبارة أخرى أن الأزمة تتمثل في أن تزايد عرض الدولار في الأسواق العالمية بالقدر الذي أدى بالتبعية إلى استنزاف نصف احتياطي الذهب الأمريكي أي ما يعادل 10 بلايين دولار إلى جانب امتصاص الإنتاج الأمريكي من الذهب الذي يتراوح بين 50-60 مليون دولار سنوياً. وقد كانت محصلة هذا الوضع أن تغيرت النسبة المئوية للعلاقة بين الذهب والالتزامات الخارجية الأمريكية السائلة، أي أن نسبة الغطاء النقدي من الذهب لعملة الدولار القابلة للتحويل إلى الذهب قد انحدر إلى ثلث ما كانت عليها في خلال عشر سنوات، رغم الضغوط التي تبذلها حكومة الولايات المتحدة على بعض الدول مثل ألمانيا الغربية، لجعل معظم احتياطياتها في شكل دولارات والاكتفاء بقدرٍ فيه يكاد يكون ثابتاً منذ مطلع الستينات وهو أربعة بلايين دولار تقريباً، أي أنه لو أقدمت دولة واحدة وهي ألمانيا الغربية على استبدال احتياطياتها من العملات الأجنبية بالذهب لأتت على الرصيد الباقي من احتياطي الذهب الأمريكي. وبهذا العجز في ميزان المدفوعات الأمريكية لم تعد أمريكا تستطيع أن تدفع ما يعادل ثمنه من ذهب رغم أن أمريكا لم تقل هذا صراحة، ولكن إنقاذ تحويل الدولار إلى ذهب ضمن إجراءات نيكسون الأخيرة لحماية الدولار يعني عدم مقدرتها على الالتزام بالسعر الرسمي المعلن للدولار لحاملي الأرصدة الدولارية الهائلة خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا كله كان الدافع الأساسي لرفع الستار عن الأزمة التي كانت خفية. والمتتبعون لمركز الدولار يعرفون أن أزمته الحاضرة تعتبر امتداداً لأزمات سابقة توالت منذ سنة 1964- سنة 1965 عندما أسفر ميزان المدفوعات الأمريكي عن عجز فادح اضطر معه الرئيس جونسون آنذاك إلى رجاء البنوك الأمريكية في الخارج ولا سيما في أوروبا بأن تحوّل إلى أمريكا ما تستطيع تحويله من الدولارات التي تمتلكها حتى يمكن تغطية العجز، ومرت الأزمة بسلام إلى حين، فإنه لم تكد تنقضي ثلاث سنوات حتى واجه الدولار الأمريكي أزمته الثانية حين قام ولسون رئيس وزراء بريطانيا وزعيم حزب العمال فيها في نوفمبر عام 1967 بتوجيه ضربة إلى الدولار بالتواطؤ مع فرنسا بزعامة ديغول آنذاك بتخفيض الاسترليني إلى جانب ما قصده بالدرجة الأولى تنشيط الصادرات البريطانية الخارجية، فقد تقرر عقب ذلك إيقاف تحويل الدولار بالذهب في الأسواق الحرة بالسعر الرسمي المشار إليه مع استمرار قابليته للتحويل في الأسواق الرسمية (أي بين الحكومات والبنوك المركزية لتسوية المدفوعات الدولية). ومن المعروف أن هذا الاجراء يعتبر بمثابة إيقاف كامل لحرية تبادل الدولار بالذهب، لأن الحكومات والبنوك المركزية لا تطلب التحويل إلاّ بعد الاتفاق مع الحكومة الأمريكية التي تتفاهم عادة مع البنوك المركزية على إيقاف التحويل). تُرى ما هي الأسباب والعوامل وراء ذلك كله، أي وراء أزمة النقد الدولية الحالية التي تتمثل بالعملة الدولية، الدولار الأمريكي؟ والجواب على ذلك أولاً: يكمن السبب الرئيسي في نفس النظام العالمي للنقد الذي عليه منذ اتفاقية "بريتون وودز" المذكورة منذ الحرب العالمية الثانية الذي نتج عنه ربط عملات العالم، ما عدا دول العالم الاشتراكي، بالدولار الأمريكي الذي تعرض ويتعرض دائماً للهزات مما جعل تلك العملات تحت رحمة زعيمة الاستعمار الولايات المتحدة الأمريكية التي تحاول أن تمتص خيرات شعوب الأرض بأقدامها الأخطبوطية الخبيثة. وثانياً: أمّا السبب المباشر لهذه الأزمة هو في عدة أمور سببت عجزاً كثيراً في ميزان المدفوعات الأمريكي وبالتالي عدم توفر احتياطي الذهب في أمريكا. وهذه الأمور هي: 1- مواصلة حرب فيتنام التي تعتبر نزيفاً مالياً يرهق ميزان المدفوعات الأمريكي حتى بلغ الإنفاق عليها ثمانية مليارات دولار سنوياً. 2- صرف الإعانات الدولية للدول الموالية لها كسباً لتأييدها. 3- أنها عمدت إلى شراء مزيد من القواعد الدولية التي أنفقت عليها مبالغ طائلة في شتى أنحاء العالم وذلك دعماً لموقفها العسكري، وحماية لاستثماراتها الاستعمارية في الخارج مثل شراء قواعد ألاسكا، وإقامة أحلاف الأطلنطي، وجنوب شرق آسيا وغيره. 4- تدفع الدولارات بمبالغ هائلة على شكل مساعدات أو استثمارات إلى الخارج لا سيما إلى أوروبا، وخاصة ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية لمساعدتها وللوقوف في وجه روسيا. 5- وكذلك الإنفاق الواسع على الفضاء. 6- ثم أخيراً الإنفاق الهائل للسياح الأمريكان خارج الولايات المتحدة. فهذه الإنفاقات الموسعة في خارج أمريكا للدولار، العملة التي تقوم عليها سائر العملات، دون أن يفطن العالم إلى ضرورة وجود رقابة دولية عليها، ودون أن تتحمل أمريكا عبئاً مالياً فورياً وقت إنفاقها، فهي لم تحتفظ بما يوازي قيمة الدولارات الخارجية من أمريكا من الاحتياطي الذهبي الكامل، أي أنها في الواقع تعتبر مقترضة من الدول لهذه الأموال ما دامت الدول تحتفظ بالدولار في خزائنها باعتباره في مقام الذهب. فلما انفجرت أزمات الدولار الواحدة بعد الأخرى، وجدت البنوك المركزية المحتفظة بالدولار نفسها ضحية له، وأنها مضطرة إلى مساندة أمريكا حتى لا تواجه كارثة. وكانت تتم هذه المساندة بشكل قروض لأمريكا أو تعهد بالصرف بالذهب أو بعملاتها مقابل الدولار. وكانت أهم آثار هذه الأزمة النقدية ركود عام في التجارة الدولية إلى حد كبير ثم قلق واضطراب لدى المنتجين في العالم بسبب الخوف من الخسارة التي ستلحق بهم لعدم استقرار سعر الصرف في العملات الدولية وذلك اختلال في المقياس العام لقيمة النقد العالمي، أي الدولار الأمريكي. ولا يزال العالم يعاني هذه الآثار رغم ما بذل ويبذل من تدابير واحتياطات دولية لتجنب كل ذلك. مما سبق يتبين لنا مقدار عظمة الإسلام وروعته في نظرته إلى النقود وجعله الذهب والفضة فقط أساساً للعملة عند المسلمين وفي معاملتهم مع الناس خارج حدود الخلافة بما يحققه هذا النظام النقدي من استقرار ورخاء عام في الشؤون الاقتصادية للرعية في الداخل ويجنبها كل سوء ويحميها من تحكم الكافر الخبيث في مقدرات المسلمين كما هو عليه الحال حتى الآن. 16/8/1971
  11. الخميس - 05 يوليو 2018 مـ قبضة باكستان على «طالبان» تتراخى لصالح إيران الرأي A A  هدى الحسيني كاتبة صحافيّة ومحللة سياسية لبنانيّة. تشعر باكستان بأن هناك خطة لعزلها، خصوصاً في ما يتعلق بتوسيع ميناء تشابهار على خليج عُمان، لذلك قام رئيس الأركان الباكستاني الجنرال بلال أكبر بزيارة إلى طهران يوم السبت الماضي والتقى نظيره الإيراني الجنرال عبد الكريم موسوي؛ حيث أكد الاثنان أن «لدينا تهديدات متبادلة على الحدود، لذلك هناك تعاون دقيق وجاد على أجندة القوات الدفاعية والعسكرية والأمنية لباكستان وإيران». أيضاً يوم الأحد الماضي تصادف هجوم إرهابي في سوق بمدينة جلال آباد على أقلية من الأفغان السيخ والهنود، مع زيارة أليس ويلز، مبعوثة الولايات المتحدة إلى كابل من أجل التوصل إلى السلام؛ حيث اتهمت قادة «طالبان» الذين لا يعيشون في أفغانستان بأنهم يشكلون عائقاً أمام السلام. وقالت ويلز، وهي النائب الأول لمساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون جنوب ووسط آسيا، إن على باكستان أن تبذل مزيداً من الضغوط على «طالبان». الذي ربما يزعج باكستان أن قبضتها على «طالبان» بدأت تضعف وتقوى قبضة إيران. ثم إن إيران نجحت في إخفاء تدريباتها الأخيرة لـ«طالبان» وركزت على العلاقات التاريخية التي تربطها بالعاصمة كابل، وهناك الآن تعاون كبير بين إيران والهند وأفغانستان على حساب باكستان، يتمثل في توسيع ميناء تشابهار، وهو ميناء إيراني بني أصلاً عام 1983 من أجل تنويع التجارة بعيداً عن الخليج العربي خلال حرب العراق - إيران. تم توسيع هذا الميناء مؤخراً بعدما قدمت الهند 500 مليون دولار استثمارات وقروضاً، ويتكون الموقع من منفذين منفصلين هما: شهيد كالانتاري، وشهيد بهشتي، وتجمع بينها 10 موانئ للمياه العميقة. لكن «تشابهار» أكثر من مجرد ميناء؛ إنه جزء من طموحات الهند التجارية، ويستهدف الميناء إلى جانب خط سكة حديد تشابهار - زاهدان الذي تبلغ تكلفته 1.6 مليار دولار، ربط الهند بأفغانستان من أجل ترسيخ طرق التجارة الإقليمية الجديدة إلى آسيا الوسطى، وهي طرق ستتنافس في بعض الحالات وفي شكل مباشر مع مبادرة «طريق الحزام الواحد» الصيني، لا سيما الممر الاقتصادي ما بين الصين وباكستان. ويشكل ميناء تشابهار طموحات الهند البعيدة، بوصفه ممر نقل بين الشمال والجنوب عبر مشروع يعتمد على السكك الحديدية، والطرق، والنقل البحري، ويمتد شمالاً عبر آسيا الوسطى وروسيا ليصل في نهاية المطاف إلى أوروبا. اللاعبان الأساسيان في هذا المشروع هما الهند وإيران، لكن قد تتعرض خطط الهند للخطر بسبب خروج الرئيس دونالد ترمب من الصفقة النووية الإيرانية. تعد نيودلهي الداعم المالي والدبلوماسي الرئيسي لميناء تشابهار، فهي البلد الذي سيستفيد أكثر من عملياته، إلى جانب إيران. يساعد الميناء على التخفيف من العوائق الرئيسية التي تعترض سبيل الجغرافيا الحالية للهند: عدم وجود صلة مباشرة بالأرض مع أفغانستان، وبالتالي منطقة آسيا الوسطى، التي تقطعها منطقة كشمير الواقعة تحت سيطرة باكستان. كان المخططون في الهند قلقين بشأن إمكانية استبعادهم من الممرات التجارية الرئيسية الجديدة، مثل الممر الاقتصادي ما بين الصين وباكستان الذي سينطلق شمالاً من ميناء «غوادار» الباكستاني ومن ثم إلى آسيا الوسطى عبر شمال غربي الصين، ويتجاوز تماماً الهند ويحول التجارة بعيداً عن موانئها. جاءوا بالحل في إنشاء ممر بديل يبدأ بنقل بحري ما بين ميناء «كاندلا» في الهند وميناء تشابهار الإيراني على بعد 550 ميلاً بحرياً فقط، ومن هناك تنطلق التجارة شمالاً إلى أفغانستان، فآسيا الوسطى ثم أخيراً أوروبا. قد تكون الروابط التجارية الجديدة مع آسيا الوسطى هي الهدف على المدى المتوسط، لكن مشروع ميناء تشابهار سيدفع على المدى القصير إلى تعميق نفوذ الهند في أفغانستان، وقد بدأ القمح الهندي بالتدفق عبر تشابهار إلى الأسواق الأفغانية، وهناك مجال كبير للنمو، وتستعد للتمدد والوصول إلى 4 من كبرى الأسواق الحضرية في أفغانستان: هرات، وكابل، ومزار شريف، وقندهار. وكانت الهند قد اتخذت خطوات حثيثة لاختراق السوق الأفغانية ففقدت باكستان نحو 50 في المائة من السوق المحلية هذا العام فقط. إن أي قضية إقليمية تأتي بالهند وباكستان وأفغانستان إلى الطاولة نفسها ستتأثر حتماً بالتوترات الجيوسياسية الكامنة بين الدول الثلاث، ويهدف نهج العمق الاستراتيجي طويل الأمد لباكستان في أفغانستان إلى منع البلاد من الاقتراب كثيراً من الهند، فهذا تطور تخشى إسلام آباد أن يؤدي بها إلى فتح جبهتي حرب. ويترجم العمق الاستراتيجي في الواقع إلى الدعم الباكستاني لمختلف الجماعات شبه العسكرية داخل أفغانستان، مما يضر غالباً بالاستقرار هناك. أما العلاقات الأفغانية - الهندية، فعلى الرغم من التقارب العام وعدم وجود نزاعات ثنائية رئيسية، فإن الجغرافيا ضدها بسبب افتقارها إلى رابط أرضي، واعتماد أفغانستان الرئيسي على الموانئ الباكستانية. ولا شك في أن ميناء تشابهار قد يضع حداً لهذه الديناميكية، مما يجعله أداة لتغيير قواعد اللعبة في العلاقات الثلاثية؛ بين باكستان والهند، والهند وأفغانستان. ثم إن ما يشد كابل إلى ميناء تشابهار هو أنه سيسمح بتنويع التجارة بعيداً عن الاعتماد المفرط على موانئ باكستان، لا سيما ميناء كراتشي الذي - تاريخياً - كان بوابة أفغانستان البحرية إلى العالم. وفي الماضي سعت باكستان للاستفادة من اعتماد جارتها على مينائها من خلال فرض التعريفات الجمركية، وإغلاق المعابر الحدودية بشكل عشوائي، وتكثيف البيروقراطية في الموانئ الباكستانية من أجل الحد من الصادرات الأفغانية واستخراج الامتيازات الدبلوماسية. ولطالما أبدت كابل استياءها من هذا الاعتماد، فبدأت تسعى وبنشاط للتخلص منه، وقد بدأت جهودها مؤخراً تؤتي ثمارها، لا سيما في ما يتعلق بمينائي تشابهار وبندر عباس في إيران. لقد حولت هذه الموانئ إلى حد كبير قدراً كبيراً من التجارة الأفغانية بعيداً عن باكستان، وقد تقلص حجم التجارة الثنائية إلى 500 مليون دولار فقط من أعلى مستوى بلغه وهو 2.7 مليار دولار قبل بضع سنوات. هناك فوائد اقتصادية واضحة لإيران، فهي تؤسس نفسها في قلب ممر اقتصادي جديد يمر عبر الشرق الأوسط وأوراسيا. في ما يتعلق بميناء تشابهار، تريد طهران التفوق، خصوصاً في مواجهة ميناء غوادار الباكستاني الذي يقع على بعد 80 كلم فقط، وهو جزء رئيسي من خطة الصين «الحزام الواحد» في العالم. ومثل الهند، تخشى الخروج من ممرات التجارة العالمية الجديدة التي تتجاوز أراضيها. إن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب فرض عقوبات أميركية جديدة على إيران سيقلص من تقدم المرحلة الثانية، لأن التمويل سيتأثر مع انسحاب المصارف من المشروع، وحسب صحيفة «الفجر» الباكستانية، فقد تأجلت 3 عقود للبنى التحتية لأن الشركات التي تقف وراءها خائفة من تطبيق العقوبات. إذا عاد وانطلق مشروع تشابهار، فإنه سيسبب لباكستان أكبر خسارة من حيث تدفقات التجارة المحمولة، وضياع النفوذ في أفغانستان. التجارة مع الصين ارتفعت عبر الممر الاقتصادي الباكستاني - الصيني، لكن بالنسبة إلى باكستان، لم تكن الفوائد توازن الخسائر. ومع ازدهار التجارة بسبب الممر الاقتصادي، فإن العجز التجاري الصيني - الباكستاني يتثاقل، والاحتياطي الأجنبي الباكستاني يجف. وتمثل أفغانستان السوق التي تحتاج بالفعل إلى ما تبيعه باكستان، ففي عام 2010 بلغت قيمة صادرات باكستان 2.4 مليار دولار، لكن بحلول عام 2017 انخفض هذا الرقم إلى 1.39 مليار دولار، ومن المتوقع أن يتهاوى أكثر مع قيام ميناء تشابهار بتعزيز عملياته. تكثر الموانئ وقد يكثر الغرقى في تلك المنطقة... باكستان مقبلة على انتخابات حامية في النصف الثاني من هذا الشهر. الهند مطلوب منها وقف استيراد النفط من إيران. إيران تتوجس من السادس من أغسطس (آب) والرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين بسبب العقوبات الشاملة التي ستقع عليها، أما أفغانستان فيدور حوار داخل الدوائر المغلقة في واشنطن عما إذا كان على أميركا وحلف الأطلسي الانسحاب نهائياً منها. إنه الشرق الأوسط الكبير الذي يتمدد وقد تترك آثاره سلبيات كثيرة على المناطق العربية، وقد بدأت.
  12. إنذار عالمي من تأثير القيود التجارية على التعافي الاقتصادي مدير منظمة التجارة يطلق تحذيرات جديدة (Getty) اقتصاد عالمي 1 4 يوليو 2018 حذرت منظمة التجارة العالمية اليوم الأربعاء، في تقرير عن القيود التجارية بين دول مجموعة العشرين، من أن الحواجز التجارية التي أقامتها اقتصادات كبرى قد تعرض للخطر تعافي الاقتصاد العالمي، حيث بدأت آثارها في الظهور فعلاً. المدير العام للمنظمة، روبرتو أزيفيدو، قال: "يشكل هذا التصعيد المتواصل تهديدا خطيرا للنمو والتعافي في جميع الدول، وبدأنا نرى أن هذا انعكس في بعض توقعات النشاط الاقتصادي". ولم يذكر أزيفيدو مزيدا من التفاصيل، لكن المؤشر الفصلي لآفاق التجارة الذي تصدره المنظمة أشار في مايو/ أيار إلى أن التجارة ستنمو في الربع الثاني بوتيرة أبطأ من الربع الأول. ويتمثل أحد مكونات المؤشر في بيانات الشحن الجوي العالمي من الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، الذي نشر أرقامه لشهر مايو/ أيار اليوم الأربعاء. وتوقع إياتا أن ينمو الطلب العالمي على الشحن الجوي 4% عام 2018، مقارنة مع 4.5% كانت متوقعة في ديسمبر/ كانون الأول. وقال المدير العام لإياتا، ألكسندر دو جونياك، في بيان: "تكتسب الأوضاع غير المواتية قوة من تنامي الخلافات بين الحكومات حول التجارة. لا نزال نتوقع نمو الطلب، لكن تلك التوقعات تتضرر مع أي رسوم جديدة يتم فرضها". وأظهر تحليل منظمة التجارة العالمية أن دول مجموعة العشرين فرضت 39 قيدا جديدا على التجارة في الفترة من منتصف أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي وحتى منتصف مايو/ أيار هذا العام، أو ضعفي القيود التي فرضتها في الفترة المماثلة السابقة، ما أثر على التجارة في الحديد والصلب ومنتجات البلاستيك والمركبات. واعتبر أزيفيدو أن "الزيادة الملحوظة في الإجراءات الجديدة المقيدة للتجارة بين اقتصادات مجموعة العشرين ينبغي أن تكون مدعاة لقلق حقيقي للمجتمع الدولي"، مضيفا أن المزيد من القيود جرى تطبيقها في الأسابيع التي أعقبت انتهاء فترة المراجعة. ولم يشر تقرير منظمة التجارة إلى أي دولة بالاسم، لكن منذ بداية العام الحالي أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامبسلسلة من الرسوم الجمركية لمعاقبة ما يعتبرها تجارة غير عادلة من جانب حلفاء ومنافسين تجاريين على السواء. وقال تقرير منظمة التجارة إنه في حين أن الاقتصاد العالمي "يبدأ أخيرا بتوليد زخم اقتصادي متواصل في أعقاب الأزمة المالية العالمية، فإن حالة عدم اليقين التي أوجدها انتشار إجراءات مقيدة للتجارة قد تعرض التعافي الاقتصادي للخطر". (رويترز)
  13. رسوم ترامب: تكتيك تفاوضي أم محاولة لاستعادة هيمنة أميركا؟ ترامب يواصل ادهاش العالم (Getty) لندن ــ موسى مهدي اقتصاد عالمي 1 4 يوليو 2018 تتملك الحيرة صناع السياسة ورجال المال في العالم، حول ما الذي يريد فعله الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبرالرسوم الجمركية على البضائع الصينية والأوروبية وخروج أميركا من منظمة التجارة العالمية ومؤسسات دولية أخرى. هل يريد ترامب حقيقة تنفيذ برنامج "أميركا أولاً" الذي روج له في برنامجه الإنتخابي، وبالتالي عزل أميركا من المحيط العالمي بهدف تقوية اقتصادها وبناء نظام عالمي جديد على أنقاض النظام العالمي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، ومن ثمة إعادة هيمنة بلاده الدولية، دون أن تكون هنالك مرجعيات قانونية تردع تحركاته السياسية والتجارية، أم أنه يستخدم الرسوم الجمركية ك"تكتيك تفاوضي"سياسياً وتجارياً للإبتزاز والحصول على تنازلات ضمن استراتيجية إرباك التمدد الاقتصادي الصيني والتقدم التقني العسكري؟ ويرى ترامب أن الصين أصبحت مهيمنة من الناحية التجارية على الاقتصاد العالمي وتقترب من التفوق التقني على أميركا، عبر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وسرقة حقوق الميلكية الفكرية. وفي كلا الحالين، فإن خبراء بجامعة هارفارد ومعهد بيترسون للدراسات، يرون أن فترته الانتخابية لن تسمح لهبذلك حتى وإن امتدت لثماني سنوات. في هذا الصدد، يرى الخبير البريطاني بشركة "فينبل أل أل بي"، بيتر آشلي، في تعليقات لصحيفة "أساهي شيمبون" اليابانية، أن الصراع التجاري حقيقي وليس تكتيكاً، وأنه سيتطور إلى حرب تجارية خلال الفترة المقبلة. وفي ذات الاتجاه يحذر مصرف "بانك أوف أميركا ـ ميريل لينش"، في دراسة تحليلية، من أن الحرب التجارية ستحدث بين أميركا والصين وربما تستمر لفترة عام بأكمله. وما يخيف ترامب حقيقة هو التقدم التقني أكثر من التمدد الاقتصادي، لأن ترامب اعترف في إحدى تغريداته بأن الصين كسبت الحرب التجارية منذ سنوات بسبب غباء القيادات الأميركية، بحسب زعمه، وبالتالي فهو يتخوف حقيقة من تفوق صيني وهيمنة تقنية، حيث وصلته الكثير من التحذيرات من بعض رجالات البنتاغون. وكانت الصين قد أعلنت عن صفقات اندماج واستحواذ تزيد قيمتها على 110 مليارات دولار في مجال التقنية، وذلك وفقاً لخبراء أميركيين، ما أثار مخاوف الأمن القومي بسبب دور بكين في بعض الصفقات. كما أعلنت بكين عن خطة برنامج "صنع في الصين 2025"، التي وصفها رئيس مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار الأميركي، روبرت أتكينسون، في رسالة إلى الكونغرس في كانون الثاني/ يناير الماضي، بأنها "استراتيجية تقنية متطورة تنطوي على التلاعب في السوق والسرقة المتعمدة والنقل الإجباري للمعرفة الأميركية". وكان أحد خبراء الجيش الأميركي قد ذكر في محاضرة بهذا الشأن، أن أميركا إن لم توقف التقدم التقني الصيني في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن بكين ربما تتفوق على أميركا عسكرياً خلال عامين وتكون صاحبة "الضربة الأولى" في أية حرب عالمية مقبلة. وهذه البرامج الصينية التقنية التي تنفذها الصين في مجال العلوم نشأت من حملة لتحديث الجيش والبحرية، حتى تتمكن من مواكبة الولايات المتحدة وروسيا. ويميل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى منافسة أميركا على مكانة "الدولة الأولى في العالم" عبر مجموعة من البرامج والاستراتيجيات من بينها استراتيجية "الطريق والحزام"، التي رصدت لها الصين 10 ترليونات دولار، أنفقت منها حتى الآن قرابة ترليون دولار. وتستهدف هذه الاستراتيجية ربط أسواق أوروبا وآسيا وأفريقيا والمنطقة العربية بالبضائع الصينية، عبر التصدير مباشرة بالقطارات والسفن وإنشاء شبكة متكاملة من الطرق والخطوط البحرية والموانئ عبر الفضاء التجاري الصيني المتصور في استراتيجية الحزام والطريق. وفي المقابل، فإن واشنطن تجري دراسة للأمن القومي قد تفضي إلى فرض رسوم على واردات السيارات ومكوناتها ومن المتوقع أن تستكمل خلال الشهر الحالي وقد تشمل حظر العديد من شركات التقنية والاتصالات الصينية وتزيد من حدة العقوبات التجارية. وذلك ببساطة، لأن إدارة ترامب تعالج القضايا التجارية من منطلق الأمن القومي الأميركي الذي يتناول تقنيات الدفاع والتصنيع وليس فقط مسألة منافسة تجارية وعجز تجاري، وذلك بحسب رؤية خبراء. وبالتالي، على الرغم من القلق الذي يبديه رجال الأعمال والشركات المعتمدة على السوق الصيني، وإعراب شركاء تجاريين كبار للولايات المتحدة من بينهم الاتحاد الأوروبي واليابان عن قلقهم من احتمال فرض واشنطن رسوماً جمركية إضافية على واردات السيارات ومكوناتها وتصعيد النزاع التجاري مع بكين، فإن ترامب يواصل الحرب التجارية، (فرانس برس). من جانبها، حذرت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني، يوم الثلاثاء، من أن تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وشركائها التجاريين سيكبد الاقتصاد الأميركيخسائر فادحة. وقالت الوكالة في تقرير، تضمن سيناريوهات مختلفة لتطور النزاع التجاري، إن واشنطن ستواجه "سيناريو الصدمة" في حال تبادلت فرض الرسوم الجمركية مع شركائها التجاريين. وتوقعت الوكالة ارتفاعاً يراوح بين 35% و40% في أسعار البضائع الواردة إلى أميركا، وتأثيراً سلبياً في نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة بنسبة حوالي 0.5%. وقال كبير الاقتصاديين في وكالة "فيتش"، بريان كولتون، إن التوترات التجارية المتصاعدة زادت من خطر اتخاذ إجراءات جديدة وسيكون لها تأثير في النمو الاقتصادي العالمي أكثر بكثير من التوقعات. وأوضح تقرير فيتش، أنه مع فرض الولايات المتحدة ضرائب على السيارات المستوردة بنسبة 25%، ورسوماً إضافية على بعض السلع من الصين، والرد الانتقامي المتوقع للدول من شأنه أن يؤثر في ما يقرب من ترليوني دولار من التدفقات التجارية العالمية.
  14. الهند تسعى إلى أدوار جديدة في آسيا والعالمجميل مطر | منذ 11 ساعة في 2 يوليو 2018 - اخر تحديث في 1 يوليو 2018 / 21:03وجدت صعوبة في محاولة حصر عدد الدول التي قام رئيس وزراء الهند نارندرا مودي بزيارتها في الشهور الأخيرة. أعتقد أنه زار منذ توليه منصبه عدداً يفوق عدد الدول التي زارها جواهر لال نهرو وهو في قمة شهرته، وهي الشهرة التي مكنته، إضافة إلى صفات أخرى، من أن يحول الهند الخارجة لتوها من حكم الاستعمار البريطاني، إلى دولة يحسب لها الغرب والشرق على حد سواء حساباً.لا أشك اليوم ونحن على بعد عقود من عهد نهرو، أن الدافع وراء نشاطاته الدولية وزج الهند في قضايا لا تخصها وتزويدها بعقيدة سياسية عابرة لحدودها بل للإقليم والقارة الآسيوية، كان السعي وراء ضمانات تحافظ على كيان الهند وتدعم أمنها وسلامتها. خرجت الهند من الاستعمار بكيان مهدد بالتمزيق والانفراط. وبالفعل وقع التمزيق وبقي خطر الانفراط جاثماً. ففي الداخل أقليات تنتمي الى أعراق متباينة وشعوب تنطق بلغات عدة. ومن الخارج استمرت باكستان بعد مرور نحو سبعين سنة تمثل تهديداً مباشراً ومتواصلاً لأمن الهند. ومن الخارج أيضاً وفي وقت حصول الهند على استقلالها، ظهرت الصين في شكل جديد وعقيدة مختلفة ونزاع حدودي لم يجد له الطرفان على مر السنين حلاً مناسباً.جاء نارندرا إلى الحكم على رأس نظام أقرب إلى الشعبوية الدينية في دولة حاول أسلافه من زعماء حزب المؤتمر ترسيخ قواعد العلمانية ومبادئ الديموقراطية السياسية في أوساط النخب الحاكمة في مختلف ولاياتها. وأقام حملته الانتخابية على فكرة إعادة مجد الهند التاريخية وثقافتها الكلاسيكية وفي الوقت ذاته بناء دولة حديثة تستعد لتكون هي الأقوى في إقليم جنوب آسيا، ولتتولى مسؤولية حماية دول الإقليم، واثقاً من أن الهند تستطيع بقواها الذاتية، وبمساعدة الدول العظمى، تحمل هذه المسؤولية.اعتمدت الهند منذ استقلالها على مبدأ الاستناد إلى توازن دقيق في علاقاتها بالقطبين الأعظم سواء في زمن الحرب الباردة أو في زمن القطبية الأميركية المنفردة، أو ما يعرف بالمرحلة الانتقالية في تطور النظام الدولي. كانت، ولا تزال، في أمس الحاجة إلى السلاح الروسي لأنه السلاح المتقدم الذي تستطيع الهند الحصول عليه معفياً من شروط الارتفاق التي تأتي مغلفة بها الواردات العسكرية الأجنبية ومنها شروط عسكرية واقتصادية وسياسية. هو أيضاً السلاح الذي يمكن أن يأتي مزوداً بأسرار تخزينه وصيانته وأساليب استعماله على عكس السلاح الذي يأتي من دول الغرب التي دأبت على رفض تزويد الدول النامية بمعلومات عن تكنولوجات الأسلحة المتقدمة. واقع الحال يشير إلى أن روسيا، في معظم مراحل العلاقة مع الهند، لم تحاول تغيير طبيعة هذه العلاقة العسكرية. لم تفرض شروطاً على رغم حاجتها إلى مزايا جيوستراتيجية في إقليم جنوب آسيا، ولم تضع صانع القرار الهندي أمام خيار الاستغناء عن استيراد الأسلحة الروسية إلا تلك الأسلحة التي يتعذر على روسيا إنتاجها. كان واضحاً تماماً أن روسيا مستعدة لتقديم كل التسهيلات والحوافز الممكنة كي لا تفقد مكانتها في السياسة الخارجية الهندية. وتعلم روسيا كما تعلم دول عدة مارست العمل مع الهند، أنه لم يأت إلى منصب رئيس وزراء الهند إمرأة أو رجل أبدى استعداداً للتفريط في مبدأ كاد أن يحتل مكانة التقديس وهو التمسك باستقلالية القرار السياسي الهندي.استجدت أمور تضغط كلها في وقت واحد على صانع القرار الإستراتيجي في الهند. أختار من هذه الأمور ثلاثة ربما لأنها الأهم من وجهة نظر بعض الخبراء الذين حضروا قبل أيام مؤتمر الأمن المعتاد انعقاده سنوياً في منتجع شانغري - لا في جزيرة سنغافورة. هذه التطورات هي:أولاً: توسعت الإستراتيجية الدفاعية الهندية في السنوات الأخيرة فصارت تغطي مساحات أوسع في مياه المحيط الهندي وخليج عمان، في وقت تأكدت استحالة أن تتمكن القاعدة الصناعية الهندية من توفير حاجة الأمن الهندي إلى منظومات سلاح متكاملة. كما تأكدت من حاجتها إلى منظومة دفاعية أميركية وهذه تعني بالضرورة إخضاع القرار السياسي الهندي لهيمنة أميركية، أو حاجتها إلى منظومة دفاعية متكاملة من أسلحة روسية الصنع وهذه تقف دونها تهديدات أميركية بتطبيق العقوبات المقررة على روسيا من جانب الغرب على الدول المتعاملة معها في المجالات العسكرية.ثانياً: عندما أطلق الرئيس تشي مبادرة طريق الحرير والحزام، لم يخطر على بال كثيرين أن الصين ستستخدم قفزات عالية وثباً نحو تنفيذ المبادرة ورسم معالم واقع جديد ممتد من الصين شرقاً إلى أوروبا غرباً، مروراً بوسط آسيا وجنوبها وبالمياه الدافئة في المحيط الهندي وخلجان المياه العربية والإيرانية ومضايقها. في شهور قليلة ظهرت جزر اصطناعية تملكها الصين في مياه المالديف. راحت الصين أيضاً تقلد النموذج الأوروبي لتشتري جزيرة بعد أخرى في أرخبيل كان تابعاً جيوسياسياً للنفوذ الهندي. وهناك في سيريلانكا قامت الصين ببناء مرفأ للحاويات في ميناء العاصمة كولومبو وشيدت مرفأ جديداً أنفقت عليه البلايين لتحصل على حق امتياز مدته 99 عاماً. يحدث هذا على بعد عشرات الأميال من شاطئ جنوب الهند المطل على أحد أهم الممرات المائية في العالم. وعلى الناحية الغربية انتهت أو كادت تنتهي الأعمال الخاصة بمد أهم طريق بري وبحري يربط وسط الصين وغربها بالبحار الموصلة إلى إفريقيا والخليج والبحر الأحمر فالبحر المتوسط مروراً بميناء جوادار الباكستاني. هناك أيضاً وعلى بعد مسافة قصيرة راحت الهند تدعم تطوير ميناء شهرابار في جنوب غربي إيران ليستعد لاستقبال التجارة المتبادلة بين أقاليم في وسط آسيا وجنوب روسيا من ناحية، وموانئ إفريقيا والبحر المتوسط من ناحية أخرى. على الناحية الأخرى، أي في مواقع شرق الهند تقيم الصين ميناء حديثاً وتسهيلات في ميانمار، الدولة التي كانت في زمن الاستعمار محسوبة دفاعياً على ذمة التاج البريطاني في الهند. هكذا، وعلى ضوء الوجود العسكري المتطور في مناطق التماس شمال شرقي الهند وفي أراض قريبة من كشمير، يمكن القول إن الصين تبدو وكأنها تسعى إلى تطويق الهند بسلسلة من القواعد والمرافئ والحشود العسكرية تجعل من سعيها للتصدي مستقبلاً للزعامة الصينية في آسيا أمراً شديد التعقيد وبالغ الكلفة.ثالثاً: التحول المهم في الإستراتيجية الأميركية في آسيا. فبإعلان البنتاغون أن إستراتيجيته الباسيفيكية تمددت لتغطي أقاليم في جنوب آسيا ومنها الهند، صار في حكم الــمؤكد أن أميركا لم تعد تخفي نيتها بذل كل ضغط ممكن يحفز الهــند على الانضمام إلى إستراتيجيات الدفاع الأميركية في المحيط الهادىء. بمعنى آخر وكما لمح أحد خبراء الهند، يصبح من واجب الهند كشريك لأميركا في منظومة دفاعية واحدة أن تـــشارك في تحمل مـــسؤولية الدفاع عن جوام وهـــاواي والـــقواعد العســكرية الأمـــيركية في كوريا الجــــــنوبية واليابان، والتزام اســـتقلالية تايوان والدفاع عنها في وجه أي محاولة من جانب الصين لاستعادتها إلى أرض الوطن. أظـــن أن كثراً لا يتوقعون أن تؤدي الهند هذا الدور في وقت قريب. وهي لن تفلح في الوقت القصير المتاح لها في أن تمنع الصين من احتلال موقع قيادة آسيا، ولكن تأمل الولايات المتحدة بأن تستطيع الهند جعل مهمة الصين الصعود إلى القمة الدولية عام 2049 أكثر صعوبة.في كل الأحوال يجب أن نتوقع تأثيراً متزايداً من جانب الهند في عدد من شؤون الشرق الأوسط، ليس فقط لأن مستقبلها صار مرتبطاً بمستقبل الصين وبصراع القيادة الدولية بشكل أو آخر، ولكن أيضاً لأن الهند كتلة سكانية يصعب أن نتخيلها تبقى ساكنة في عالم بدأ يشهد تحركات بشرية ستزداد مع الوقت كثافة وخطورة.* كاتب مصري
  15. الوعي السياسي

    انهيار الغرب

    انهيار الغرب WhatsApp خافيير سولانا الممثل الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمن لدى الاتحاد الأوروبي سابقا استمع بعد قمة مجموعة السبع الأخيرة في كيبيك (كندا)؛ لم يعد هناك أي شك في أن الغرب يمر بأزمة. نعم، غالباً ما تتبع الدول "الغربية" سياسات خارجية متباينة (حرب العراق مثلا)، ويعد "الغرب" مفهوما غامضا بحد ذاته. لكن ذلك يعتمد على مجموعة من الأعمدة الأيديولوجية المشتركة، التي بدأت تنهار الآن تحت ثقل سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب"أميركا أولاً". إن انتقادات ترامب المتواصلة لحلفائه واضحة للغاية إذ تتمثل في قوله: "لا يمكننا السماح لأصدقائنا باستغلالنا باسم التجارة". وبغض النظر عن دعمه غير المشروط للمملكة العربيةالسعودية وإسرائيل؛ يبدو أن ترامب مستعد لتدمير الفهم الإستراتيجي الأساسي الذي طالما حافظت عليه الولايات المتحدة تجاه حلفائها. قبل بضع سنوات فقط؛ كان من المستحيل أن ترفض الولايات المتحدة التوقيع على بيان مشترك لمجموعة السبع. كما لم يخطر ببال أحد أن الإدارة الأميركية قد تهاجم زعيمًا كنديًا مستخدمة اللهجة التي تحدث بها ترامب ومستشاره التجاري بيتر نافارو مؤخراً مع رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، واصفا إياه بأنه "شخص ضعيف وغير صادق". بعد لقائه مع الدكتاتور الكوري الشمالي كيم جونغ أون في سنغافورة؛ أكد ترامب أنه يتمتع "بعلاقة جيدة" مع ترودو. وأضاف بعد ذلك أنه يتمتع "بعلاقة جيدة جدا مع الرئيس كيم في الوقت الحالي". وقوله إن العلاقات الأميركية مع هذين الزعيمين قابلة للمقارنة ليس فقط غير ملائم، بل إنه أمر مضحك حقا، ويعكس انعدام الرؤية لدى ترامب. إذا كانت الأخلاق السيئة هي المشكلة الوحيدة مع إدارة ترامب فهذا مطمئن، لكن هذه الإدارة تسعى أيضا إلى سياسات ملموسة تقوّض أهم تحالفات أميركا. إن الرسوم الأميركية على واردات الصلب والألمنيوم من كندا والاتحاد الأوروبي جعلت التوصل إلى إجماع في قمة مجموعة السبع الأخيرة مستحيلاً. لن تضر هذه التعريفات الجمركية -التي فرضها ترامب- بالمُصدرين الأجانب فقط، بل أيضا بالعمال والشركات الأميركية في القطاعات التي تعتمد على الفولاذ والألمنيوم. ومع ذلك؛ يبدو ترامب غير مكترث للحقائق والمنطق الاقتصادي. ولتبرير سياساته المدمرة؛ يختار ترامب حالات معزولة -مثل التعريفات الجمركية المرتفعة على منتجات الألبان في كندا- ويقدمها دون أي سياق، متغاضيا عن حقيقة أن متوسط معدل الرسوم الجمركية في الولايات المتحدة أعلى فعلا من معدل الاتحاد الأوروبي واليابان وكندا. وفي حين عمدت قمة مجموعة السبع إلى تبادل الاتهامات؛ تم عقد اجتماع آخر ذي أهمية كبيرة في مدينة تشينغداو الصينية، حيث عقدت منظمة شنغهاي للتعاون -التي تضم الصينوالهند وكزاخستان وقيرغيزستان وباكستانوروسيا وطاجيكستان وأوزبكستان- قمتها السنوية. وأشارت الصحيفة الرسمية الرئيسية للحزب الشيوعي الصيني إلى أن اللقاء بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان أكثر ودية من اللقاء بين ترامب وقادة مجموعة السبع الآخرين. ومن الواضح أن ترامب لم ينجح في اقتراح عودة روسيا إلى مجموعة السبع، التي تم إخراجها بعد ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014. ومع ذلك، كان يشير إلى شيء لم يعد من الممكن تجاهله: التقسيم المفرط للأندية الجيوسياسية. إن انقسام الحكم العالمي يعارض على نحو متزايد المصالح الغربية، وبدلا من التوجه نحو العزلة وتقليص النفوذ على المستوى العالمي؛ يجب على القادة الغربيين توسيع نطاق التعاون في البحث عن حلول مستدامة للمشاكل العالمية. وتحقيقا لهذه الغاية، يجب عليهم خلق منتديات للحوار -مثل مجموعة العشرين- التي تجمع بين القوى الكبرى اليوم. لكن نهج ترامب التصالحي مع روسيا يواجه عقبات طويلة الأمد؛ فقد أصبحت سياسة بوتين الخارجية عدوانية بشكل متزايد فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية الغربية، وأدت علاقة ترامب مع الكرملينإلى إثارة مخاوف جدية محليا ودوليا. وقد تفاقم هذا بسبب غروره تجاه حلفاء أميركا الأوروبيين. بعد التفكير؛ أكد ترامب التزامه بالدفاع المشترك لحلف الناتو في العام الماضي، لكن هذا لا يعني أن التوترات قد تلاشت: فقد واصل ترامب مطالبة أعضاء آخرين في الناتو بزيادة إنفاقهم العسكري. لكن يبدو أن ترامب لا يدرك أن مثل هذه الزيادة في الإنفاق لن تذهب إلى ميزانية حلف الناتو، أو لدفع أموال لأميركا من أجل حمايتها؛ وإنما لتعزيز القدرات الدفاعية لكل بلد. وفي الواقع، أنشأ الاتحاد الأوروبي فعلا ما يسمى "التعاون المنظم الدائم"، لزيادة موارد الأمن والدفاع واستخدامها بطريقة جماعية وأكثر كفاءة، ويجب أن ترحب إدارة ترامب بمثل هذه الإجراءات. ومع ذلك؛ يبدو أنها تشكك في كل مبادرة مشتركة يطلقها الاتحاد الأوروبي. خلال حملة الرئاسة الأميركية لعام 2016؛ أيد ترامب محاولة المملكة المتحدة للانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ومنذ توليه منصبه؛ لم تتردد إدارته في إضعاف الكتلة كلما أمكنها ذلك. ومنذ بضعة أيام؛ قال سفير الولايات المتحدة فيألمانيا ريتشارد غرِنِل إنه يعمل على "تمكين المحافظين الآخرين في أوروبا"، وهو خروج واضح عن البروتوكول الدبلوماسي. وبطبيعة الحال؛ فإن الأوروبيين الذين سيدعمهم ترامب وغرِنِل ليسوا محافظين حقاً، بل هم رجعيون. هدفهم عكس التقدم الذي حققناه نحن الأوروبيين في دفع مشروعنا المشترك إلى الأمام. من الواضح أن ترامب يشعر بارتياح أكبر في التفاعل مع الدول الأخرى بشكل ثنائي. وليس من المستغرب إذن أن الاتحاد الأوروبي (معقل التعددية) لا يحظى بإعجابه. لكن أوروبا وأميركا كانتا دائمًا أكثر نجاحًا عندما دعمتا بعضهما بعضا، وعملتا في إطار مؤسسي قائم على معايير مشتركة؛ وإن تفضيل ترامب لإستراتيجية "فرّق تَسُد" سيكون سببا في خسارة الغرب والعالم بشكل عام.
×