اذهب الي المحتوي
ابن الصّدّيق

نظرة فاحصة في فكرة المرأة الجميلة / شوهانة خان / بريطانيا

Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

خبر وتعليق

 

 

نظرة فاحصة في فكرة المرأة الجميلة

 

(مترجم)

 

الخبر:

 

لقد باتت صورة ما يطلق عليه امرأة جميلة في عالم اليوم صورة غاية في التعريف والتحديد، إلى درجة أصبح معها في إمكان أي شخص استحضار هذه الصورة في ذهنه على نحو سريع جداً، وذلك نتيجة لشدة الألفة التي ترسّخت بين العالم وبينها.

 

كان هذا المعيار "للمرأة الجميلة" قد وضع أول ما وضع من قبل الأمم الرأسمالية الغربية، حيث كانت النساء اللاتي تنطبق عليهن هذه الصورة يتم ربطهن على نحو مضخم بالنجاح والثقة والحصول على التقدير والاحترام في المجتمع. وها هي الكاتبة والداعية للمساواة بين المرأة والرجل جيرمين غرير تشرح الرابط بين الجمال والإنجاز على نحو أوسع في كتابها المرأة كوحدة واحدة: "إن كل امرأة تعرف أنَّها، بالرغم من كل إنجازاتها الأخرى، امرأة فاشلة إن لم تكن جميلة".

 

 

التعليق:

 

تتفاخر المرأة الغربية بأنها قوية ومستقلة، معتقدةً أنها حرة في تحديد الصورة التي ترغب في أن تكون عليها في الحياة، وذلك حسبما يزعمون في المجتمعات العلمانية المتحررة. لكن الحقيقة في الواقع هي أبعد ما تكون عن هذه النظرة الساذجة. إذ إن المجتمع الرأسمالي الغربي الذي يضع المنفعة فوق منزلة المبدأ هو نفسه الذي وضع المعيار لما يعدّ جمالاً، وأن هذه النظرة على وجه التحديد هي التي يجري تمجيدها وإضفاء السحر عليها في مجلات الأزياء والموضة ومن خلال صناعات الجماليات ومستحضرات التجميل، التي يبلغ رأسمال الواحدة منها عدة مليارات من الدولارات.

 

إن النساء يُمطَرن بوابل من صور الجميلات التي تباع يومياً من خلال صناعات الإعلان والترفيه. فهذه صناعة مستلزمات الجمال والتجميل في المملكة المتحدة تدرّ عائدات تصل إلى 8.9 مليار جنيه إسترليني كل عام، في حين تنمو صناعة مواد التجميل الأميركية بنسبة 10% كل سنة. كما تخصص النساء الممتهِنات في المدن الأميركية نحو ثلث دخلهن "للمحافظة على جمالهن" ويعتبرن ذلك استثماراً ضرورياً. والمرأة الغربية، البعيدة كل البعد عن أن تملك الحرية في أن تقرر صورتها هي بنفسها، هي في الواقع ترزح تحت الضغوط لكي تنسجم مع الضغوطات المجتمعية وتبدو جميلة في نظر الرجال الذين هم أنفسهم يخضعون لذات الصور لما يعدّ جمالاً، ومن ثم يطالبون بهذا المنظر عند بحثهم عن شريكة.

 

وهكذا يتضح أن السعي لتحقيق الصورة المثالية ليس خياراً مطروحاً أمام المرأة الغربية تستطيع الأخذ به إن شاءت بمحض إرادتها، كما ثبت أن حريتها المزعومة في اختيار صورتها بذاتها ما هي إلا خرافة لا غير. وبالنظر إلى أن هذا الأمر يتعذر على غالبية النساء تحقيقه، فقد أدى، بدلاً من محاولة بناء احترام الذات لديهن، إلى إنتاج عقلية الشعور بعدم الأمان والهوس بالشكل والمنظر الخارجي، إضافةً إلى تشكيلة واسعة من المشاكل الطبية. وقد وجد المعهد القومي للصحة العقلية في الولايات المتحدة أن "واحدة من كل 20 امرأة في الولايات المتحدة تعاني من القَهَم (فقد الشَّهوة إلى الطعام) أو الضَّوْر (الشَّرَه المرَضي) أو اضطرابات تناول الطعام المتصلة بحفلات المجون الصاخبة".

 

إن حقيقة جعل المرأة رهينة لمنظرها فوق أي اعتبار آخر وتقييمها في غالبية الحالات على أساس شكلها ومنظرها، وذلك بدلاً من عقلها، قد أفسد ودمّر حياتها وقيمتها ودورها في المجتمع، ما حال في النهاية بينها وبين المشاركة مع الرجل على قدم وساق. كما باتت الكثير من النسوة، في ظل القيم العلمانية الليبرالية التي صار كثير من الرجال في المجتمع ينظرون إلى المرأة في ضوئها على أنها مجرد سلعة يشبعون بها شهواتهم، بدلاً من كونها مساهمًا عظيمًا في بناء المجتمع، باتت تواجَه بالتمييز والمضايقات الجنسية المستمرة في مكان العمل وفي المجتمع. وقد وجدت دراسة أجرتها منظمة المجتمع الصناعي في 1993 أن "54% من النساء في المملكة المتحدة تعرضن للمضايقات الجنسية في أماكن عملهن".

 

ولقد لخّصت الكاتبة ناعومي وولف موضوع الصورة الغربية للمرأة الجميلة والأثر الذي خلّفته على النساء بشكل لاذع حين قالت: "إنها مثل المقصلة الحديدية الأصلية التي كانت أداة تعذيب ألمانية في العصور الوسطى. فقد كانت أشبه بعلْبة على شكل جسم إنسان مرسوماً عليها أطراف ومعالم امرأة شابّة جميلة تبتسم. وكان الضحية الذي يخضع للتعذيب يوضع في داخلها بصورة بطيئة. ثم يغلق الغطاء لتثبيت الضحية، الذي كان يموت إما بسبب الجوع أو بسبب المسامير المعدنية الضخمة التي كانت مثبتة على نحو خفيّ بداخلها".

 

إن السؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا كله هو: هل تحقيق وبلوغ هذه الصورة هو ما ينبغي للمرأة العاقلة التضحية بوقتها ومالها وجهدها من أجل تحقيقه في حياتها؟ هل ينبغي للمرأة العاقلة أن تنخدع وتجري وراء ما أُحيطت به صورة المرأة الغربية من سراب؟ أم أنه يتعين عليها التفكير مليّاً في الهوية الصحيحة والصورة الوضّاءة التي ينبغي لها أن تتخذها في الحياة؟

 

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

شوهانة خان

الممثلة الإعلامية للنساء في حزب التحرير / بريطانيا

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان

×