اذهب الي المحتوي
بهاء

تساؤل من ملتزم جديد يريد اجوبه تفصيلية لماذا خلقنا الله ؟

Recommended Posts

مقال : لماذا خلقنا الله؟ - الدكتور مصطفى محمود

و الله لا يخلق أي شيء إلا بالحق و للحق، لأنه سبحانه هو الحق. خلق الله الدنيا ليحق الحق و يبطل الباطل.

خلق الله الدنيا لتنكشف الحقائق على ما هي عليه. و يعرف كل واحد نفسه و يعرف مقدار خيره و شره. ثم ليعرف الأبرار خالقهم وربهم، و ليذوقوا رحمته قبل لقائه. ثم خلق الآخرة لتنكشف فيها حقائق الربوبية، وعالم الملكوت والجبروت والغيب.

ويصدق أيضا الكلام الذي يقول.. إن الله خلقنا ليعطينا. فهل يصح عطاء إلا بمعرفة الاستحقاقات أولا ليكون العطاء حقا.

إن معرفتنا لأنفسنا أيضا مطلوبة، لتكون قناعة كل واحد بعطائه قناعة حقيقية. ولينتفي الإعتراض. فمعرفة النفوس لحقائقها.. و معرفة الإنسان لخالقه هي الحكمة من خلق الدنيا. و لهذا اقتضى عدل الله أن يطلعنا على حقائقنا، حتى لا تقوم أعذار حينما يبدأ تصنيف الناس في الآخرة حسب درجاتهم. ( الذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) )الملك

وعلامة أهل الله هي عرفانهم لربهم من قبل لقائه. أن يعرفوه في هذه الدنيا. و أن يشهدوا الدنيا دالة عليه. وكلام القرآن بأن الله خلقنا لنعبده هو كلام يشتمل على كل هذه المعاني السالفة في باطنه. و حينما تقول الآيات. (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ) الذاريات، فإنها تعني بداهة معرفة الله لأنه لا عبادة بلا معرفة. والمعنى أنه خلقنا لنعرفه، فإذا عرفناه عبدناه. وإذا عبدناه تفاضلت عباداتنا، و تفاضل إيماننا و إنكارنا، وتفاضلت منازلنا. و بالتالي تفاضلت استحقاقاتنا حسب ما نتعرض له من امتحانات في الدنيا. و بالتالي تفاضل العطاء من المعطي

و كنه المراد لا يعلمه أحد. و السؤال يقال على وجه الإجمال. ومجال التأمل هو في الحكمة العامة للخلق و للدنيا. أما السؤال تفصيلا عن خلق هذا و خلق ذاك، فهو أمر غيبي. و هو في العمى لا يعلمه أحد.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله

وكل عام وأنتم بخير وعيد أضحى مبارك

قبيل العيد اطلعت على محاضرة قيمة لعالم رياضيات امريكي واسمه جيفري أو جعفر لانج، وقد كان في السابق ملحدا وبعد أن قرأ القرآن الكريم قام بترك الإلحاد وأسلم، لأن القرآن -جسب كلامه هو- أجابه اجابات شافية على كل تساؤلاته التي ادت إلى الحاده وهو شاب صغير

وقد قمت بتلخيص محاضرته القيمة بعنوات "الهدف من الحياة " التي القاها في امريكا بتاريخ 3/2/2015

ورابط المحاضرة : https://www.youtube.com/watch?v=hx3OTwlmbRU

تم تعديل بواسطه يوسف الساريسي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

تلخيص محاضرة بعنوان: الهدف من الحياة لـــــ د. جيفري لانج

 

من زاوية نظر الملحد فإن العالم مليء بالعنف العشوائي، كموت الأطفال في الحروب؟ لماذا يدع الله الصراعات والعنصرية تستمر؟ ولماذا يخلق الله الكون على هذه الشاكلة؟ لماذا لم يدخلنا الجنة من البداية ويكفينا مؤونة المعاناة؟ لماذا جعلنا قابلين لاقتراف الذنوب والشر؟ لماذا لم يجعلنا ملائكة ويدخلنا الجنة من البداية؟ بسبب هذه الأمور لا يستطيع الملحد ان يتقبل ظواهر الشر في العالم لأن وجود الشر يتعارض مع صفات الله وخصوصا صفة العدل.

وقد غير القرآن وجهة نظر د. جيفري عن الحياة عند قراءته للقرآن (المترجم)، في قوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، لفت نظره استخدام القرآن لفظة "خليفة"، وكان جواب الله للملائكة (اني اعلم ما لا تعلمون). فالأمر في الظاهر ان الله لم يستخلف الانسان في الأرض ليقوم بدور إيجابي حسب كلام الملائكة، فلماذا تجعل الإنسان قادرا على أن يفسد في الأرض ويسفك الدماء. إنهم يسألون واحد من أكثر الأسئلة الأساسية ذات الأهمية في تاريخ الأديان قاطبة، لماذا يخلق الله مخلوقا لديه القدرة على التمرد على إرادة الله وفعل الشرور، في حين انه يستطيع أن يجعله مثل الملائكة؟

نظر المحاضر إلى هذا السؤال وقال انه سؤالي! وإجابه القرآن بقوله (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) أي جعله مخلوقا قادرا على التفكير والتعلم، وقد تعلم آدم أكبر موهبة منحها الله للإنسان ألا وهي اللغة. فكأن الله يجيب سؤال الملائكة واعتراضهم على خلق الانسان، بأنهم أغفلوا قدرات آدم العقلية وقدرته على التعلم، وكذلك أبدت الملائكة ان البشر (الخليفة) لديهم القدرة على فعل الشر، ولكنهم كتموا وأخفوا ان البشر يمكنهم عمل الخير أيضا.

بالمقارنة نجد أن اعتراض الملائكة على جعل خليفة في الأرض هو عين ما يفعله الملحدون، فهم نظروا وأظهروا وجها واحدا من طبيعة البشر (الشر). وأغفلوا قدرته على فعل الخير،

ثم تكلمت الآية التالية عن سجود الملائكة لآدم ورفض ابليس للأمر. وسجود الملائكة قد يعني الطلب منهم خدمة هذا الانسان من أجل نموه وتزكيته، أما الشياطين فسيقومون بدفعه بالاتجاه المعاكس، والله يسمح ويأذن لمؤثرات الخير والشر أن تأتيه وعليه أن ينتبه للخطأ والصواب عند اتخاذ القرارات وهذا يعني أن البشر سيكونون كائنات أخلاقية وسيختارون بين الخير والشر، وستتزكى هذه الكائنات وستنتقل الى الدار الأخرة بالنفس الزكية. ومن معاني نفخ الله للروح في الانسان وجود الضمير والأخلاق لدى هذا الإنسان واوجدت فيه بعض الصفات المشتركة مع الله.

ثم الآية التي تليها تتحدث عن إسكان آدم وزوجه الجنة واخبارهما بمنعهما من الأكل من الشجرة وسيغويهما الشيطان بالوسوسة للاكل من الشجرة لأنها شجرة الخلد. فالله تعالى قد اختار آدم ليكون خليفة في الأرض، وأما إسكانه الجنة فكانت فترة اختبار تمهيدية لينمو ويدرك كيف يكون كائنا أخلاقيا مختارا حين ينزل إلى الأرض، وعلامة قدرته على الاختيار تكون عند اتخاذ آدم لأول قرار مستقل في الجنة، وعندها يصبح جاهزا ليقوم بمهمته في الأرض باتباع هدى الله.

إذن النتيجة هي أن هناك معادلة بشرية فيها مجموعة من العوامل تشكل تصوير الحياة وهي: العقل والاختيار والابتلاء. فالانسان كائن لديه قدرات عقلية، وهو كائن أخلاقي مختار، وهناك ابتلاء وألم سيواجهه في الحياة الدنيا، فبيئة الارض صنعت لهذه المعاناة والابتلاء والمصاعب والمكابدة.

ولكن الملحدين يجدون صعوبة في تقبل هذه القضايا في العقائد الدينية. لأنها تثير لديهم الأسئلة التالية:

  1. لماذا وجد العقل أن كان سينحرف بنا عن الايمان بوجود الله؟

  2. لماذا هناك حرية اختيار إن كنا سنختار المعصية؟ لمَ لمْ يجعلنا الله ملائكة؟

  3. لماذا نعاني على الأرض، لمَ لمْ يدخلنا الله الجنة مباشرة؟

هنا يجيب القرآن ويخبرنا بأن هذه العوامل تقوم بالدور الرئيسي في الوصول للايمان، وهناك أيضا الهداية الربانية والمغفرة ووسوسة الشيطان وايعاز الملائكة كلها أمور ذكرها القرآن. ولكن ما الرابط بين هذه العوامل الثلاثة لوجود الانسان على الأرض، ولماذا ينبغي أن نمر بها لندخل الجنة؟ وما الهدف من التزكي؟ والجواب هو أن الحياة مرحلة من مراحل خلقنا، فرحم الأم كان مرحلة لنمونا الجسدي، والحياة الدنيا مرحلة لنمو النفس والشخصية، هذه النفس المتزكية هي التي نأخذها إلى الحياة الآخرة، فنحن ننتقل من مرحلة إلى مرحلة من الرحم إلى الحياة الدنيا ثم إلى الدار الآخرة.

يتبع بمشيئة الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم

تكملة تلخيص المحاضرة

فما الهدف من الحياة؟ القرآن يذكر (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا) الله لا يلعب وما خلقنا ليسلي نفسه ويلهو بنا، وما خلق الدنيا عبثا إذن يقرر القرآن بأن هناك هدف، فما هو الهدف من خلقنا؟ القرآن لم يخبرنا صراحة بالجواب،

لاحظ المحاضر أن القرآن يتكلم عن المؤمنين والكافرين، والله خلقنا لنكون من المؤمنين، فما علاقة المؤمنين وأفعالهم بالعوامل الرئيسية السابقة؟ وللنظر كيف يصف القرآن المؤمنين، وما هو اقصى شيء سيحققونه؟ ان أقصى ما سيحقوقنه في الدنيا والآخرة هو علاقة الحب مع الله، ونجد في القرآن ذكر رحمة الله وكرمه وتوفيقه وعطاءه وكل الصفات التي هي من صفات الله يعطيها الله لكل البشر. والحب هو علاقة بين اثنين، اذا لم نحب الله فكأننا حصلنا على رحمته ومغفرته وعطائه وتوفيقه ورعايته ولكننا رفضناها، والنتيجة اننا لم نتمكن من الشعور بعلاقة الحب مع الله لاننا لم نفتح قلوبنا له.

وبهذا يتضح من القرآن بشكل جلي بأن الهدف من الحياة، أن الله يريد أن يصنع مجموعة من البشر أنشأت بإرادتها الحرة علاقة سامية من الحب مع الله، وهؤلاء سيستمتعون بسعادة في علاقتهم مع البشر وفي علاقتهم مع الله، وهي أقصى المتع التي ستبهجهم في الدنيا وكذلك في الآخرة عندما تنتهي كل المشوشات للأبد.

هنا وصل المحاضر إلى سؤال وهو: خلقتنا يا الله لنحبك، لمَ لمْ تضعنا في الجنة فنشعر بحبك فيها؟ ففكر وقال ما هي الخطوة المنطقية التالية التي علي أن أفعلها؟ نحن هنا لنحب الله، ولكن لم يستطع رؤية الرابط بين كل ذلك مع المعاناة من أجل دخول الجنة.  فما هو السؤال الطبيعي التالي (عقلا) لنسأله؟ علينا أن ندرس الطرفيْن المشتركين في العلاقة. ماذا يخبرنا القرآن عن المؤمنين والمطلوب منهم؟ وماذا يخبرنا القرآن عن الله؟ وما الرابط بين علاقتنا بالله وهذه العوامل الثلاثة؟

للإجابة عن السؤال، يجب ان نجد الرابط بين المؤمنين وبين الله. إن ما يطلبه القرآن من المؤمنين هو صفات معينة يحبها الله فيهم. كالرحمة والرأفة والمسامحة والكرم والعلم والحكمة والحق وحب الآخرين. ثم ما الذي يخبرنا القرآن عن الطرف الثاني في العلاقة (الله)؟. الله هو أحد صمد ليس كمثله شيء غير محدود بالزمان والمكان حي لا يموت الخ، لذلك فليس هناك وجه مقارنة ولا تكافؤ بين الله والمخلوقات، والنتيجة أنه لم يفهم الرابط الاساسي بيننا وبين الله، ولماذا هذه الأمور الثلاثة تؤثر على علاقتنا مع الله؟

النتيجة عند المحاضر أن أصابه الإحباط الشديد لعدم وجود صفات جامعة في العلاقة، ولاحقا مر به خاطر  وهو أن القرآن بالفعل أخبرنا الكثير عن الله وعن أسمائه الحسنى وصفاته فالآيات تصف الله بأنه رحمن رحيم وانه غفور شكور وأنه عزيز حكيم، وفي لحظة النور هذه تجمعت كل قطع الاحجية سويا وأصبحت الامور منطقية بالنسبة للمحاضر، اذن ينبغي علينا التحلي بهذه الصفات، نحن هنا في الدنيا لنعبد الله ونحب الله ونقيم معه علاقة، ولكن كيف نقيم معه علاقة ونحن محدودن نفنى ونموت وهو أزلي غير محدود، فهذه صفات متضادة بيننا وبين الله. فكيف نصبح قريبين من الله بهذه الصفات؟ اذا أردت أن أكون قريبا منك علي أن أشاركك في شيء مشترك بيننا، تماما كما يحدث بين الناس بعضهم بعضا،

ولكن كيف لشخص ان يتقترب من الله؟ ما المشترك بيننا وبينه؟ لو نظرنا لوجدنا أننا نتشارك معه ما أعطانا عند خلقنا وهو نفخة الروح. لذلك نأتي الى الدنيا بهذه الصفات والميزات بسبب نفخة الروح هذه، ونحن بدورنا كبشر إما ان نزكي النفس بهذه الصفات وإما أن ندسيها، والتزكية سوف تشعرنا بالسعادة في الحياة الدنيا، وسنتمكن من الاحساس بصفات الله الرائعة من الجمال والقدرة والرحمة والود وكل اسمائه الحسنى، وكل هذه الصفات اللامتناهية تأتي من المصدر اللامتناهي لهذه الصفات الحسنى من الله

كلما جاهدنا لنتصف بصفات المؤمنين كلما تمكنا من الاقتراب من صفات الله الحسنى وبالتالي كلما نتزكى نقترب فندرك عظمة الله، وهو قرب أعظم من القرب المادي او العاطفي أو العقلي إنه الاقتراب من الخالق المعبود، انها اعظم المشاعر التي يمكنك أن تختبرها وتمر بها على الاطلاق

 

وبهذا يبدو أن الأفكار المبعثرة صارت مترابطة بإحكام. ولكن لم يتم بعد تفسير لماذا وجدت العوامل الثلاثة: العقل والاختيار والمعاناة والابتلاء ولكن بقي السؤال لماذا يتحتم علينا المرور بهذه الأمور الثلاثة؟ لماذا لم يجبلنا الله على الرحمة والتسامح ... الخ؟ والجواب أننا نحن كائنات تنمو وتتزكى بالفعل، ولكننا لا نستطيع ان نتصف بصفات الله ما لم توجد لدينا هذه الأمور الثلاثة، فهي اذن هي كلها لازمة وأساسية لتزكية النفس البشرية، من أجل أن تكون هذه النفس مؤهلة لعلاقة مع الله.

والقرآن يحدثنا عن المعصية بأنها ظلم للنفس، لأننا عندما نظلم انفسنا فاننا ندمرها، عندما لا نتزكى لنرتقي ونصل إلى هذه الصفات المطلوبة من المؤمنين، فاننا نصل إلى العكس ونكون قد دمرنا انفسنا وأصبحنا غير مؤهلين لمرحلة الدار الآخرة، وحرمنا انفسنا من علاقة رائعة مع الله في الدنيا والآخرة  وهذا الأمر يشبة الجنين الذي ينمو في رحم أمه بطريقة خاطئة، لا تحقق له بعد الولادة ما يلزمه من حماية مادية ولا القدرة ولا المتعة في الحياة، كذلك لو لم تتزكى كإنسان في هذه الحياة الدنيا فكأنك دمرت نفسك في رحم أمك.

هذه الأمور (صفات المؤمنين) هي أهم أمور لأجل الحياة الآخرة، إذا لم ننمي أنفسنا ونتزكى ونقيم علاقة حب مع الله بالتحلي بهذه الصفات، فسنعاني في هذه الحياة الدنيا بشكل هو أسوأ من الولادة بعيوب خلقية، وسيكون الحال أسوأ عذاب النار في الآخرة، والكفار هم من تسببوا في ذلك لأنفسهم. أما المؤمنون فيخبرنا القرآن بأنهم سيكونون في قمة السعادة والمتعة والرضى في الجنة، وهذا هو العدل الإلهي يوم القيامة من غير ظلم لأحد.

 

انتهى تلخيص المحاضرة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم

العلة الغائية عند الأشاعرة

أي دارس للفكر الأشعرى لا يخفى عليه معرفة أن الأشاعرة قد نفوا تعليل أفعال الله، والمعنى المقصود هو العلة الغائية وهي الغرض والباعث والمؤثر، وهذا لأن لله تعالى الكمال المطلق وأنه المؤثر لا المؤثر عليه وأنه قادر على خلق النتائج دون توسيط الأسباب، وأنه ليس له حاجة فى شىء لأنه غنى عن المخلوقات جميعا

 

انتفاء العلة الغائية عن افعال الله تعالى:

الدليل الذي استند اليه المتكلمون عموما -والأشاعرة منهم- على نفي العلة الغائية هو دليل أو حجة الاستكمال فالإمام الفخر الرازي يقول: أن كل مَنْ فَعَل فعلا لغرض فهو مستكمل بذلك الغرض، والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك على الله محال، وإما أن يكون الداعي هو الحكمة والمصلحة فالله قادر على تحقيقها دون توقف على وسائط.

يقول د. محمد رمضان سعيد البوطي -وهو أحد أعمدة الفكر الأشعري في العصر الحديث- في كتابه كبرى اليقينيات الكونية: (فشعور الإنسان بالبرد توصله إلى الحاجة إلى الدفء، وهذه الحاجة هي غرض يحمل الإنسان على القيام بارتداء معطف ثقيل، فإذا فعل ذلك تحقق له الغرض المطلوب وشعر بالدفء. فتحقيق الدفء علة غائية وهي الحامل والباعث على الفعل وهي ماثلة في الذهن من قبل الفعل ولكنها تتحقق في الخارج بعده)

فالمخلوق قد يدفعه البرد الى إيقاد النار ليصطلى بها أو يدفعه الجوع الى تناول الطعام ليصل الى الشبع، أما الإله فإنه مستغن بنفسه ولا يسعى ليسد نقصا أو يزداد كمالا، ونفى العلة- بهذا المعنى – عن أفعال الإله لا يعنى أبدا أن أفعاله عبثية غير مقصودة كانما أتت بها المصادفات، وانما تحدد الإرادة أفعال الله تعالى وسننه الكونية وشرائعه على نحو متسق وحكيم دون غرض أو باعث أو علة تتسلط على الإله، فإرادته تامة لا يشوبها أى معنى من معانى الجبر أو الحمل على ما لا يريد.

الإمام الشهرستاني يقول: (ان الله تعالى خلق العالم ... لا لعلة حاملة له على الفعل، سواء قدرت تلك العلة نافعة له أو غير نافعة، إذ ليس يقبل النفع والضرر، أو قدرت تلك العلة نافعة للخلق إذ ليس يبعثه على الفعل باعث فلا غرض له في أفعاله ولا حامل، بل علة كل شيء صنعه)

يقول البوطي: (صفة الارادة في ذات الله صفة تامة كاملة لا يشوبها أي جبر أو قسر، فلو قلت بأن الله أنزل المطر من أجل علة استهدفها، وهو ظهور النبات على وجه الأرض وأنها حاملة له على إنزال المطر -كما هو شأن العلة الغائية- فمعنى ذلك أنك تقول إن الضرورة هي التي حملته على الإمطار، إذ كانت هي الواسطة التي لا بد منها للنبات فالارادة متجهة اذا إلى الانبات أما الأمطار فإنها مشوبة بقدر كبير من الضرورة التي تنافي الارادة ، .... وهذا الاعتقاد في حق الباري جل جلاله كفر محض وأنه يتناقض مع مقتضى الألوهية تناقضا بينا).

وأدلة من ذهب من المتكلمين كالأشاعرة  إلى نفي التعليل هي نفس أدلة الفلاسفة، ألا أن المتكلمين متفقون على أن أفعال الله تصدر عن إرادته وعلمه فهي صادرة بالاختيار فلا شيء في أفعال الله تصدر وجوبا عن ذاته كما يقول الفلاسفة، حيث أن الفلاسفة يقولون بأن صدور وتولد المعلول عن علته التامة هو واجب تلقائي ضروري دون إرادة، وبالتالي قالوا بقدم العالم أي أن الوجود أزلي مع الله، لأن العلة الفاعلة وهي الله وجميع ما يلزم للوجود قد وجد منذ الأزل فالعالم موجود ضرورة منذ الأزل فهو قديم حسب اصطلاحاتهم، وقد كفرهم حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي على مقولتهم بقدم العالم.

للمزيد حول هذا الموضوع يرجى مراجعة موضوع (العلة الغائية عند الأشاعرة) على الرابط التالي:

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم

ملخص رأي الأشاعرة في سؤال لماذا خلقنا الله؟

كما ذكرنا في موضوع العلة الغائية  عند الأشاعرة ورابطه:

 

 

فانهم –أي الأشاعرة- يقولون بنفي العلة الغائية عن أفعال الله عموما، أي لا توجد علة باعثة أو دافعة لأفعاله سبحانه لأن هذا يعني وجود حاجة دافعة لأفعال الله، والحاجة هي عجز وتعالى الله عن كل صفات النقص والعجز، فهو سبحانه كامل وأزلي ولا يحتاج إلى شيء، وهذا ما يسمى بدليل الاستكمال.

ولهذا فإن الأشاعرة ينفون وجود علة غائية للخلق، فلا يوجد سبب باعث لخلق الله للكون والحياة والإنسان، أما قوله تعالى (وما خقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فإنهم لا يعتبرون الآية تفيد التعليل، بل هي الحكمة من خلق الإنسان أي النتيجة، أي أن غاية الإنسان ووظيفته هي عبادة الله وليست هي العلة الغائية لخلق الإنسان.

يتبع بمشيئة الله تعالى

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ملخص مختصر لمحاضرة د. جيفري لانغ حول الهدف من الحياة:

تساؤل لماذا يخلق الله الإنسان ولديه القدرة على التمرد على إرادة الله وفعل الشرور؟ في حين ان الله يستطيع أن يجعله مثل الملائكة؟ هناك مجموعة من العوامل لها دور اساسي في تصوير الحياة وهي: العقل والاختيار والابتلاء. فالانسان كائن لديه قدرات عقلية، وهو كائن أخلاقي مختار، ومعرض لوساوس الشيطان بالشر وايعاز الملائكة بالخير، وعليه ان يختار بينهما خلال عملية التزكية والنمو، والبشر سيعانون من الألم والابتلاء في الحياة الدنيا، ولا بد ان تكون حياتهم جهاد وصبر.

ما الرابط بين هذه العوامل الثلاثة لوجود الانسان على الأرض، ولماذا ينبغي أن نمر بها لندخل الجنة؟ والجواب هو أن الحياة مرحلة من مراحل خلقنا، فرحم الأم كان مرحلة لنمونا الجسدي، والحياة الدنيا مرحلة لنمو النفس والشخصية، هذه النفس المتزكية هي التي نأخذها إلى الحياة الآخرة.

فما هو الهدف من خلقنا؟ القرآن لم يخبرنا صراحة بالجواب، ولكن القرآن يتكلم عن المؤمنين والكافرين، والله خلقنا لنكون من المؤمنين، فما علاقة المؤمنين وأفعالهم بالعوامل الرئيسية السابقة؟ ويبدو للمحاضر بأن هذه طريقة طبيعية (عقلاً) في البحث عن الإجابة. وبالبحث في القرآن نجد ان أقصى ما سيحققونه في الدنيا والآخرة هو علاقة الحب مع الله، يتضح من القرآن بأن الهدف من الحياة أن الله يريد أن يصنع مجموعة من البشر أنشأت بإرادتها الحرة علاقة سامية من الحب مع الله، وهؤلاء سيستمتعون بسعادة في علاقتهم مع البشر وفي علاقتهم مع الله.

ولكن خلقتنا يا الله لنحبك، لمَ لمْ تضعنا في الجنة فنشعر بحبك فيها؟ برمجنا على حبك. فما هي الخطوة المنطقية التالية التي علي أن أفعلها؟ نحن هنا لنحب الله، وان كنا مؤمنين وعملنا الصالحات سنسعد في الدنيا مع الله وكذلك مع البشر، حتى وان كنا سنبتلى ونجاهد، ولكن لم يستطع رؤية الرابط بين كل ذلك مع المعاناة من أجل دخول الجنة. فما هو السؤال الطبيعي التالي (عقلا) لنسأله؟ علينا أن ندرس الطرفيْن المشتركين في العلاقة. وما الرابط بين علاقتنا بالله وهذه العوامل الثلاثة؟

إن ما يطلبه القرآن من المؤمنين هو صفات معينة يحبها الله فيهم كالرحمة والرأفة والمسامحة والكرم والعلم والحكمة والحق وحب الآخرين. ولكن اذا أردت أن أكون قريبا منك علي أن أشاركك في شيء مشترك بيننا، تماما كما يحدث بين الناس بعضهم بعضا، ولكن كيف لشخص ان يتقترب من الله؟ ما المشترك بيننا وبينه؟ أننا نتشارك معه في نفخة الروح. لذلك نأتي الى الدنيا بهذه الصفات والميزات، ونحن بدورنا كبشر إما ان نزكي النفس بهذه الصفات وإما أن ندسيها، والتزكية سوف تشعرنا بالسعادة في الحياة الدنيا، وسنتمكن من الاحساس بصفات الله الرائعة من الجمال والقدرة والرحمة والود وكل اسمائه الحسنى، وكلما جاهدنا لنتصف بصفات المؤمنين كلما تمكنا من الاقتراب من صفات الله الحسنى وبالتالي كلما نتزكى نقترب فندرك عظمة الله.

السؤال لماذا يتحتم علينا المرور بهذه الأمور الثلاثة؟ لماذا لم يجبلنا الله على الرحمة والتسامح ... الخ؟ والجواب أننا نحن كائنات تنمو وتتزكى بالفعل، ولكننا لا نستطيع ان نتصف بصفات الله ما لم توجد لدينا هذه الأمور الثلاثة، فهي اذن هي كلها لازمة وأساسية لتزكية النفس البشرية، من أجل أن تكون هذه النفس مؤهلة لعلاقة مع الله.

إذن خلاصة ما يريد أن يقوله د. جيفري أن الله سيسعد ويفرح بالعلاقة مع المؤمنين إن هم عرفوه وأطاعوه وتمثلوا بصفاته الحسنى في تصرفاتهم وأخلاقهم وذلك باختيارهم الحر وبرضاهم دون اكراه، فيكونون مؤهلين لعلاقة مع الله، وعندها سيحبهم الله ويرضيهم ويسعدهم بالقرب منه في الآخرة.

ولكم تحياتي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

حصر الآراء المتعلقة بجواب سؤال "لماذا خلقنا الله؟"

بعد البحث في موضوع "لماذا خلقنا الله؟" فقد وجدنا العديد من الإجابات التي أجابها بعض علماء المسلمين ومفكرينهم، وقد وجدنا العديد منهم يجيب بأن الله خلقنا لعبادته أو بهدف ابتلائنا، ويستدلون بقوله تعالى في الآية (( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدون ) الذاريات/ 56) حيث أنها تعلل خلق الله الإنسان بأنه للعبادة،

ولكن بالتدقيق في الآية نجد أنها تحدد وظيفة الإنسان بعد خلقه ولا تتحدث عن الغاية الربانية من خلقه، أما سؤال (لماذا خلقنا الله؟) فهو يبحث فيما قبل الوجود، أي عن السبب الباعث لله على خلق الموجودات والإنسان قبل ايجادها.

ولنستعرض سريعا ملخص أهم هذه الآراء، كما يلي:

يقول بعض المفكرين من أمثال شريف محمد جابر ومركز نون للدراسات القرآنية برام الله (الشيخ بسام جرار)، بأنه لا توجد إجابة قاطعة عن هذا السؤال (لماذا خلقنا الله؟) لأنه لا مجال لعالم المحدودات أن يجيب عن أسئلة متعلقة بعالم اللانهائيات، فما حصلنا عليه من الوحي هو إجابة تتعلق بوظيفة الإنسان في الدنيا وليس عن الغاية من خلق الإنسان، فلا توجد إجابة عن هذا السؤال.

يقول د. مصطفى محمود معلقا على قوله تعالى في سورة الحجر: (( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ (85) )) بأن خلق الله الدنيا ليحق الحق و يبطل الباطل، وحينما تقول الآيات. (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (فالله خلقنا لنعرفه، فإذا عرفناه عبدناه. و إذا عبدناه تفاضلت عباداتنا وتفاضل إيماننا وإنكارنا وتفاضلت منازلنا. فالله خلقنا ليعطينا. وكلنا مستحقون للعطاء بحكم رتبة العبودية. ... ومجال التأمل هو في الحكمة العامة للخلق و للدنيا فقط.

أما د. محمد المسعري فيقول بالنسبة لسؤال: لماذا خلق الله الخلق؟ هناك كلمة للصوفية -وليست حديثا- "كنت كنزا لا اعرف فخلقت الخلق ليعرفوني". ولماذا يعرفونه؟ والجواب أن الله مسرور بذاته راضٍ عن نفسه، فأراد اشراك موجودات في هذا الرضوان الممتع، بالقدر الذي يمكن ان يتمتع به المخلوق لأنه خلق محدوداً وله نهاية، وخلق الله فيه صفات الإدراك والعلم واوجد لديه القدرة على عبادة الله والتقرب اليه، بهدف الاستمتاع في الآخرة بصحبة الله إلى الأبد.

أما د. راتب النابلسي فيقول: هذا الكون دليل على وجود خالق عظيم له أسماء حسنى، فما يليق بجلال الله أن يتركنا من دون هدف من وجودنا، فما هو الهدف؟ الهدف هو العبادة أن تعرفه فتطيعه فتسعد بقربه. العبادة هي الهدف من خلق الكون أو من خلق الإنسان، فالإنسان مخلوق للسعادة، إذا عرفت أنك خلقت من أجل أن يسعدك الله عز وجل، شعرت بالراحة والروح والتفاؤل وبأنك مكرم، وأن الله عز وجل تفضل عليك بإيجادك. ومن رحم الله من عباده فسيكونون من السعداء الخالدين في الجنة، لأنهم حققوا غاية خلقهم وهي نيل رضوان الله لأن السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة هي بنيل رضوان الله، وتتحقق لهم السعادة  بالتفكر في الدنيا ثم التعرف على الله وعبادته والتوكل عليه.

وهناك آراء أخرى متعددة يقول أصحابها بأن الله خلقنا لنحبه ويحبنا، فهو سبحانه وتعالى يُحــب أن يُعـبــد وأن يُوحـد ويُمجـد، وهو سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يعبدوه ويطيعوه.

ولكن بالتدقيق في هذه الإجابات نجد أنها تعبر عن الغاية والمقصد من خلق الإنسان، وليست هي العلة الغائية لخلق الله للبشر، وهي تبين أن الغاية هي منفعة البشر وليست العلة الباعثة لخلق الله للإنسان. وقد يسأل البعض عن هذه الإجابات والغايات فيقول: ولماذا يريد الله منا أن نعبده أو أن نعرفه أو أن نحبه؟ أو ماذا ينتفع الله –سبحانه وتعالى- من عبادتنا او محبتنا له؟ وهذا يستدعي جوابا آخر غير هذه الإجابات الواردة أعلاه، لأنها إجابات تستند إلى بعض النصوص الشرعية.

ومن تدبر النصوص الشرعية التي ورد فيها ما يدل على التعليل، نجد أنها تتعلق بالحكمة أو النتيجة من الخلق أو هي تتعلق بالغاية والمقصد من هذا الخلق، أي أن لها علاقة بوظيفة الإنسان في الحياة الدنيا، وهي ليست جوابا على العلة الغائية لفعل الخلق الصادر من الله سبحانه، ولذلك فهي ليست إجابات عن العلة الغائية للخلق، ولكن بعض النصوص الشرعية ذكرت أن الله خلق السموات والأرض بالحق. فما هو الحق الذي خلق الله الكون به وله؟ وهل يستطيع العقل الحصول على إجابة لهذا السؤال؟

يتبع بمشيئة الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

اكمال حصر الآراء المتعلقة بجواب سؤال "لماذا خلقنا الله؟"

بعد البحث وجدنا بعض الإجابات العقلية عند بعض المفكرين، وملخصها كما يلي:

في موقع "لا للإلحاد" على النت، ذكر الكاتب أن من حكم خلق الإنسان إظهار أسماء الله الحسنى وصفاته العلا، فمن عمل لما خلق له جازاه الله بالحسنى وتفضل عليه، وغفر له زلاته وعفا عن هفواته، و أسكنه فسيح جناته بعد مماته، فيظهر بذلك أثر كرم الله تعالى وتفضله وإحسانه وعفوه ومغفرته، و من أعرض عما خلق له استحق عقاب الله تعالى وانتقامه منه، لتنكره لخالقه ورازقه والمنعم عليه، ولإعراضه عما خلقه له، فإذا انتقم منه لذلك وعاقبه، ظهر أنه الجبار المنتقم شديد العقاب .

أما في كتاب "سابغات" للمفكر أحمد يوسف السيد فيجيب: وهنا قد يسأل البعض أو يعترض قائلا: ولماذا أراد الله أن تكون الغاية من خلقنا أن نعبده؟ -وهو غني عنا- ولو أجبنا عن هذا السؤال فقلنا: لأن هذا مقتضى أسمائه وصفاته من المغفرة والرحمة والعزة والجبروت، فإن السائل يوغل في السؤال أكثر فيقول: ولماذا أراد الله أن تظهر مقتضيات صفاته على خلقه؟ إلى آخر هذه الأسئلة، التي حسبنا في الجواب عنها أن نقول: أنه أراد ذلك وهو أحكم الحاكمين، وهو يعلم ما لا نعلم، وهو رب كل شيء، فسؤالنا عن الحكمة من أفعال الله يقف عند جوابه سبحانه وتعالى وبيانه، وليس لنا أن نتجاوز ذلك إلى سؤاله عن سبب ارادته تلك، فإنه لا يسأل عما يفعل ونحن نسأل.

أما الدكتور جيفري لانغ فيذكر بأن الهدف من الحياة هو أن الله يريد أن يصنع مجموعة من البشر أنشأت بإرادتها الحرة علاقة سامية من الحب مع الله، وأن الله سيسعد ويفرح بالعلاقة مع المؤمنين إن هم عرفوه وأطاعوه وتمثلوا بصفاته الحسنى في تصرفاتهم وأخلاقهم باختيارهم الحر وبرضاهم دون اكراه، فيكونون مؤهلين لعلاقة مع الله، وعندها سيحبهم الله ويرضيهم ويسعدهم بالقرب منه في الآخرة.

ويضيف بأن الإنسان يتقترب من الله إذا كان هناك أمر مشترك بينه وبين الله، والأمر المشترك هو نفخة الروح. لذلك نأتي الى الدنيا بهذه الصفات والميزات. وكلما جاهدنا لنتصف بصفات المؤمنين كلما تمكنا من الاقتراب من صفات الله الحسنى. وسنتمكن من الاحساس بصفات الله الرائعة من الجمال والقدرة والرحمة والود وكل اسمائه الحسنى، إذا قمنا بتزكية النفس، وهذا سوف تشعرنا بالسعادة في الحياة الدنيا والآخرة،

إذن هناك إجابة عقلية على هذا السؤال (لماذا خلقنا الله؟) تقول بأن الله خلقنا لأنه أراد أن تظهر وتتجلى مقتضيات صفاته الحسنى على خلقه.

وعليه وبعد البحث والتفكير العميق في هذه المسألة، فقد وجدنا أربعة أجوبة عقلية عند مفكري وعلماء المسلمين عليها، وهي كما يلي:

1.       صدور المعلولات (الموجودات) عن العلة التامة (واجب الوجود) هو واجب تلقائي ضروري دون إرادة منه، وبالتالي فالعالم قديم أي هو أزلي مع الله، وهذا هو دليل الفلاسفة "المسلمين".

2.       لا توجد إجابة نقلية من النصوص الشرعية عن هذا السؤال، وعقلنا لا يستطيع التفكير بهذا السؤال لأنه متعلق بأفعال الله، وهي فوق عقل وحس الإنسان.

3.       العلة الغائية لأفعال الله تعالى منفية، لأنها صفة نقص ولا تنسب إلى الله سبحانه، فلا يوجد علة باعثة لخلق الله للإنسان وهذا هو رأي متكلمي الأشاعرة.

4.       خلق الله الإنسان لإظهار وتجلية عظمة بعض صفاته، لأنها لا تتجلى إلا بوجود موضوع حامل لهذه الصفات، وهذا هو رأي بعض المفكرين.

يتبع بمشيئة الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم

حضرات الإخوة الكرام المتابعين والمهتمين بهذا الموضوع

أود من حضراتكم التعقيب والافادة في الموضوع، فمن كان لديه علم بوجود رأي أو آراء عقلية أخرى حول العلة الغائية لخلق الكون والإنسان، غير ما حصرناه أعلاه فليكتبه هنا، وسنتقبل ذلك بكل رحابة صدر، فما نحن إلا طالبي حق لا نتكبر عليه إن شاء الله مهما كان قائله ما دام يستند إلى دليل.

فعلى حد علمنا لا يوجد إلا هذه الآراء الأربعة أو ما يندرج تحتها، فمن وجد شيئا غير هذه الآراء فليزودنا به

ونحن بانتظاركم

مع تحياتي لكم جميعا

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أخي الكريم
تعلم أننا لا نستطيع القول بسبب باعث على الخلق من دون دليل قطعي
ولذلك فمضمار العقل هو محاولة تلمس الإجابة دون أن يصف نتيجة البحث بالسبب بالمفهوم الأصولي
ومثلما تعاملنا مع موضوع العلة والحكمة من التشريع في بحث أصول الفقه كذلك هنا
فلذلك يكون الجواب هو محاولة استقراء الغاية أو الحكمة بناء على مؤشرات دلت عليها الآيات وانتفاء العبثية
وأرى والله أعلم أن البحث لا يمكن أن يتجاوز هذا إلى ما هو بعده أي إلى تحديد سبب عقلي بمفهوم السبب الأصولي
والنتيجة التي توصلت لها دقيقة وصحيحة
فإذا ما وضعت في هذا الإطار صدقت عليه وحين يجاب بها على السؤال ينتقل البحث إلى نقطة أخرى وهي التخيير والإجبار على دخول الاختبار الذي نعيشه
يعني يسأل السائل أولا لماذا خلقني الله
فتجيب لتتعرف عليه وليجلي صفاته ولتعبده ...الخ
فيسأل بعدها وماذا لو لم أكن راغبا أصلا في دخول هذا المضمار كله كي لا أستحق العقوبة
فهذا يجعل تسلسل البحث منطقيا سليما ولا يتوقف على إقناع أو عدم إقناع الخصم بالسبب من الخلق
لأن غاية السائل معرفة لماذا خلقني الله لها ما بعدها ولا تتوقف على قناعة بسبب ما هو أحد هذه التي توصلتم لها أخي يوسف وإنما الغاية أن يعرف إن كان في امتحان عادل وسهل ويتفق مع نتيجته أي أن الجزاء وفاق والعذاب وفاق للإخفاق وهكذا يصبح البحث مكتملا ولا يضره عدم قطعية معرفة السبب
والله أعلم
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك أخي أبا مالك وزادك علما واستنارة وتقوى

ما وصلت إليه خلاصة رائعة ورأي جديد، له احترامه وهو يبين أن الغاية من خلق الإنسان هي ليكون عبدا لله وليتعرف على الله وليطيع منهجه باختياره وارادته، وهذا يقتضي وجود العقل والعلم وحرية الاختيار ثم التسخير ثم التمكين بالاستخلاف في الأرض. وقد كتبت هذا الرأي حسب ما أذكر سابقا، عندما كتبت عن الخلافة والحكم، وهو رأي جدير بالانتباه حقا.

ولكن لاحظ معي أن هذا الرأي هو من ضمن الآراء النقلية التي قال بها الكثير من علماء الإسلام ومفكروه، ومختصر هذا الرأي أن معرفة الله وطاعته هما هدف الخلق، ويندرج تحتهما جميع التفاصيل. فمعرفة الله تعني الإقرار بوجوده ومعرفة صفاته الحسنى. وطاعة الله تعني عبادته بالمعنى الخاص أي التسبيح والتقديس، وتعني المعنى العام للعبادة وهو اتباع منهجه الحق (الأوامر والنواهي) الذي يهدف إلى إقامة العدل والقسط ومحاربة الباطل والفساد، وهذا كله يندرج تحت معنى العبادة بمفهومها العام.

وقد اختصر د. جيفري لانج ذلك يقوله تزكية النفس، أي التمثل بصفات الله، وهذا يعني تعظيم الله وتعظيم صفاته وسعي الإنسان للالتزام بصفات الله الحسنى في نفسه وفي الحياة الدنيا. وبهذا يحقق الغاية من خلقه بنوال رضوان الله.

إن تحقيق الحكمة أو الغاية من وجود الإنسان خليفة على الأرض هو نجاح الخطة الربانية "الابتلائية" لوجود كائن مخير يتعرف على الله وعلى صفاته الحسنى، ثم يطيع الله ويعبده بارادته ويطبق منهجه في حياته فيسعد هو بهذا ويرضى الله عنه، فتكون الغاية من خلقه قد تحققت أي نقول قد تمت كلمة ربك من خلق الإنسان كخليفة في الأرض. وهذا ما لم تدركه الملائكة حسب ما ورد في سورة البقرة.

لكن لاحظ أخي أبا مالك أن هذا الرأي هو رأي نقلي استفدناه من النصوص الشرعية، وهو يحدد حكمة الله وغايته من خلق الإنسان والتي هي معرفة الله وطاعته، ولكن السؤال الأساسي الذي يسأله بعض الناس هو غير هذا وهو سؤال مختلف، حيث يسألون عن العلة الغائية من خلق الله للمخلوقات جميعا ومن خلق الإنسان، وهو لم تتم الجواب عليه من خلال هذا الرأي!!

وقد فصلنا عند محاولتنا الإجابة على السؤال بين الإجابات النقلية والاجابات العقلية كما لاحظت فيما سبق اعلاه، فقد حاولنا الإجابة بطريق العقل ضمن الضوابط العقلية والشرعية في البحث. وقد وصلنا إلى وجود 4 إجابات عقلية عن هذا السؤال والتي ذكرتها اعلاه، ولم أجد رأيا خامسا حتى الآن، وما ذكرته أخي الكريم –بارك الله في جهودك- هو اجتهاد جديد في تحديد غاية خلق الإنسان استنبطته من الأدلة الشرعية، ولكنه يندرج تحت أن الغاية هي طاعة أمر الله، يقول الله تعالى: (ألا له الخلق والأمر).

مع تحياتي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله

بالإشارة إلى المشاركة السابقة والتي حصرنا فيها وجود إجابات عقلية أربعة (4) فيما يتعلق بجواب سؤال "لماذا خلقنا الله؟" ولم نحصل على وجود احتمال خامس ، وما ذكره أخونا أبو مالك كما ذكرنا- يندرج تحت الإجابات النقلية وليس العقلية، نريد أن ننتقل إلى دراسة هذه الآراء وتحديد راي معين في هذا الموضوع.

ما نريده هنا هو أن نفحص مدى دقة وصحة هذه الآراء (الأربعة) من زاوية العقل بشرط عدم تعارضها مع النصوص الشرعية، لأنها مسألة عقلية تبحث في أصل الوجود والخلق، ويستطيع العقل أن يقوم بالبحث عن إجابة عن هذا السؤال، ولكنه قد لا يصل إلى إجابة شافية! وعلى الباحث أن يراعي الانضباط بالضوابط الصحيحة عقلا وشرعا في هذه المسألة لأنها بحث في أفعال الله، والبحث في افعاله سبحانه وتعالى مسموح بالقدر الذي تدل عليه آثار هذه الأفعال في الوجود، ولا يجوز تجاوز ذلك إلى البحث في عالم الغيب المتعلق بذات الله.

أما الرأي الأول -الذي قال به الفلاسفة- بايجاب الخلق على الله فهو مرفوض ومردود، لأن هذا الكلام يصادم العقل والنصوص الشرعية القطعية التي تقول بأن الله خلق الوجود وأن هذا الوجود ليس بأزلي ولا قديم، فمعنى قول هؤلاء الفلاسفة: إن الله خلقنا لأنه خالق و لا بد للخالق أن يخلق، فقد أوجبوا على الله أن يخلق هذا أو يخلق ذاك. ولكن لا حق لأحد أن يوجب على الله شيئا. و لا يوجد قانون يوجب على الله شيئا. لأنه لا توجد سلطة أو حكم خارج عن الله أصلا، و إنما الله يخلق ما يشاء. و مشيئة الله لا تحدها قوانين وهي مردودة إلى الله وحده.

أما الرأي الثاني فيقول به بعض علماء المسلمين كشريف محمد جابر ومركز نون للدراسات القرآنية (الشيخ بسام جرار)، وهو صحيح بالنسبة لعدم وجود إجابة شرعية مباشرة وقاطعة الدلالة، تذكر وتنص على سبب خلق الله سبحانه للإنسان، أما قولهم بأن الموضوع فوق العقل والتفكير فهذا حكم ليس بقاطع على هذا الأمر، لأن هذا بحث في أصل الوجود وهناك من تفكر وحاول الحصول على إجابات عقلية لهذا السؤال ووصل فعلا.

ونستطيع من التفكر في مثال الساعة الذي ذكروه، أن ندرك علاقة الساعة بالصانع، ونعرف أن العلة الغائية من صنعها هو قياس الوقت فهم يقولون: أما سؤال (لماذا؟) فلا بد من علم بالخلفيات التي سبقت الوجود، أي لا بد من معرفة مفهوم الزمن وأن البشر قسموا السنة إلى أيام وساعات ودقائق، فإذا لم تعرف هذه الخلفية لا يمكن معرفة الإجابة على وجه الجزم، فتحكم بأن هذه الساعة هي أداة لها وظيفة لقياس ومعرفة الأوقات. فنكون قد استطعنا معرفة أن وظيفة الساعة هي قياس الوقت، ولكن مفهوم الزمن أسبق وأعلى من مفهوم الوقت وهو الباعث على الفعل عند الصانع.

أما الرأي الثالث وهو نفي العلة الغائية عن أفعال الله كما يقول الأشاعرة، فهو كما ذكرنا صحيح حسب دليل الاستكمال الذي احتجوا به، اي إذا كان السبب الباعث يقتضي وجود نقص ما ينسب إلى الله سبحانه، وأن الله يستكمل هذا النقص بخلق الوجود. مثل حاجة الإنسان للأكل أو الشرب أو النوم أو غيرها من الحاجات، والتي قد تنفع الخالق أو قد تضره، فإذا كان الأمر كذلك فهي علل مرفوضة، وبما أن الله كامل وأزلي وصمد أي أنه غير محتاج فلا يجوز اسناد أي أمر أو فعل لله يدل على النقصان. لذلك فخلاصة رأي الأشاعرة أنه لا توجد إجابات لا عقلية ولا شرعية على هذا السؤال، لأنه لا يجوز تعليل أفعال الله بالعلل الغائية لأن هذا اسناد للنقصان في حق الله.

أما الرأي الرابع وهو إظهار عظمة بعض صفات الله التي لا تظهر ولا تتجلى إلا بوجود مقتضياتها أي مخلوقات، مثل صفة الخلق التي لا تظهر إلا بوجود مخلوقات، وصفة الرحمة التي لا تظهر إلا بوجود من يرحم، وصفة العدل التي لا تظهر إلا بوجود كائن إرادي مختار (الإنسان العاقل المكلف) يحاسب ويجازى على أفعاله بالخير والشر، وهكذا مقتضى اظهار باقي الصفات الإلهية مثل: الودود والرقيب والحسيب والسميع والبصير والمعز والمذل والخافض الرافع وغيرها من الصفات، والتي يظهر فيها أثر صفات الله، من الآثار نستدل على المؤثر وصفاته.

يتبع بمشيئة الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الرأي الراجح في هذا الموضوع:

وبعد التفكر والتدبر العميق للموضوع، نجد أن الجواب الرابع هو الأقرب للصواب، ذلك لأنه لا يتعارض مع الجواب الثالث للأشاعرة فإظهار وتجلية صفات الله بإرادته لا تستلزم نقصا في ذاته ولا في صفاته، فخلق الله لمخلوقات عاقلة وغير عاقلة هي مما يدل على وجود الله وعظمة صفاته، ولا ينشأ عن الإقرار بها أي حاجة أو نقصان يستكمل بها الله ذاته أو صفاته، ولذلك فالامكانية الوحيدة التي لا تعارض دليل الاستكمال الذي يقول به الأشاعرة والمخرج الوحيد هو الأخذ بالرأي الرابع.

وكذلك يمكننا بالاستئناس بما ورد في الرأي الثاني وما ذكروه في مثال الساعة، أن نلاحظ في كلامهم وجود ارتباط ما بين مفهوم الزمن ومفهوم الوقت الذي تقيسه الساعة (وظيفتها الغائية)، فلولا الزمن لما وجد الوقت. وهذه الارتباط المذكور هو علاقة عقلية يستطيع العقل ادراكها أو على الأقل بحثها ومحاولة التوصل إلى رأي في الموضوع حتى ولو كان ظنيا،

وهذا الارتباط ينطبق على المسألة التي نحن بصددها، فلا بد من إدرك علاقة المخلوقات بالصانع وبصفة الخلق، فقد بحثنا في مسألة الارتباط ونفينا أعلاه قول الفلاسفة بأن العلاقة بين الله والمخلوقات هي علاقة وجوب والزام، لأن هذا ينفي الإرادة عن ذات الله ويجعل الله خاضعا لقانون العلية والسببية. أما الرأي الآخر فهو أن تكون العلاقة بين المخلوقات وخالقها هي علاقة إظهار لصفة الخلق في موضوعات (مصنوعات أو مخلوقات) تجلي وتظهر هذه الصفة الإلهية، ولكن هذا الإظهار وهذه التجلية لهذه الصفة لا يجوز أن تكون أمرا إلزاميا في حق الله سبحانه وتعالى، بل هي فعل إرادي لله سبحانه، وهذا الحكم من هذه الزاوية هو حكم عقلي وفي حدود العقل ويمكن للعقل أن يبحث فيه، وهو لم يخرج عن الواقع المحسوس ليبحث في ذات الله وكيفياتها الذي هو ممنوع، بل هو بحث في آثار صفات الله أي في المخلوقات، لتدلنا على ذات المؤثر وصفاته وعن العلاقة بين المخلوق والخالق، وهي كلها أمور مشروعة وفي حدود العقل.

وهناك قرائن عقلية أخرى تثبت هذا الرأي مثل قول الدكتور جيفري لانغ في الصفات المشتركة بين الخالق والإنسان، ولكن يبقى هذا الجواب في دائرة الممكن وقد يدخل دائرة الرجحان العقلي، ولكنه ليس جوابا عقليا قاطعا، وإنما هو الجواب الوحيد الممكن –إن اصررنا على البحث عن جواب- بما لا يتعرض مع دليل الاستكمال حسب قول الأشاعرة، ولا يتعارض كذلك مع الرأي الثاني الذي يقول بأن هذا الموضوع ليس بحثا عقليا، وهنا وجدنا جوابا عقليا راجحا، دون الغوص في عالم المغيبات أي أن البحث في الموضوع ليس فوق طاقة العقل.

وحقيقة الأمر أنه إذا كان هناك جواب على هذا السؤال فليس هناك -وفقا لاطلاعنا وبحثنا المحدود- جواب إلا الجواب الرابع، وهو تجلية صفات الله بظهور آثارها في المخلوقات، ولا يوجد جواب غيره إلا ان نقع في المحظور، فالقول بوجوب الخلق وقدم العالم لا يصح بتاتا، وقول الأشاعرة ينفي جميع الأسباب ويحظر اسناد الحاجة والنقصان إلى الله، ولكن هذا الرأي (الجواب الرابع) مستثنى منه لأنه لا يستدعي أي نقص في ذات الله ولا يعارض دليل الاستكمال، وهو في نفس الوقت يعطي جوابا عقليا ولا يستدعي أي أمر فوق طاقة العقل حسب الرأي الثاني.

وبالتفكر في وظيفة الإنسان والغاية من وجوده نرى أن طاعة الإنسان وعبادته لله باختياره وإرادته، هي أعظم تجلية وأعظم إظهار لصفات الله، لأن هذا الكائن المخلوق لله توصل لمعرفة خالقه ومعرفة صفاته بالعقل بعد البحث والنظر والتدبر، ثم بعد التعرف على خالقه، عبده وأطاعه وسار على منهج الله (أوامره ونواهيه)، فأي أمر وأي غاية أعظم من خلق الإنسان العاقل المريد المخير والمكلف والمسؤول، تظهر عظمة مخلوقات الله وبالتالي تظهر حكمته وعظمة صفاته سبحانه وتعالى.

ولكن هل جوابنا هنا بأن تجلية صفات الله هي حقيقة العلة الباعثة على خلق الموجودات. لا نستطيع الجزم بل نقول هذا هو الراجح عقلا خصوصا في ظل عدم وجود جواب قطعي من النصوص الشرعية. فالنصوص الشرعية ذكرت أن هناك مقصدا وسببا للوجود وذكرت أن الخلق الله للموجودات بالحق وللحق وليس عبثا ولا لهوا ولا لعبا بل لأمر جدي وحقيقي.

فما هو الحق الذي خلق الله الوجود لأجله؟ هذا أقرب الأجوبة التي رأيناها كعلة باعثة على إيجاد الخلق من كون وإنسان وحياة.

وفي الختام نعود فنقول بأن الأصل في الإنسان أن يسعى لمعرفة الإجابات عن الأسئلة التي تؤثّر الإجابة عنها في مسار حياته، فعليه أولا أن يوفّر إجابة عن أسئلة العقدة الكبرى الأساسية: من أين جاء؟ لماذا هو موجود في هذه الحياة الدنيا؟ إلى أين يمضي بعد الموت؟ فلا يجوز للعاقل أن يترك الاهتمام بهذه الأسئلة التي تؤسس للفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة (القاعدة الفكرية)، ويسعى للإجابة عن سؤال نظري لا يُبنى عليه أي شيء في مسار حياته!

 وفي النهاية نستغفر الله العظيم إن كنا قد ولجنا في موضوع يكاد يقترب من البحث في ذات الله، ولكن حاولنا جهدنا أن لا نقع في هذا المنزلق.

والحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وإن اصبنا فمن الله وإن أخطأنا فمن انفسنا ومن الشيطان ونستغر الله العظيم من كل خطأ وذنب.

تم تعديل بواسطه يوسف الساريسي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته

يوسف الساريسي جزاك الله كل خير على هذا الموضوع الشيق والرائع.

يقول الله عز وجل (وما اوتيتم من العلم الا قليلا)

فمع كل هذه التفصيلات والاثراءات التي اضافها الأخوة مأجورين تبقى كلها اراء ضمن الراجح والمرجوح لا تؤخذ بشكل يقيني فان الحديث الذي يدور حول الغاية من الخلق ليس بالأمر السهل 

بل يحتاج إلى عمق في فهم النصوص الشرعية والاستدلال بها إلى أرجح الآراء 

جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع والله نسأل ان لا نكون ممن يبحثون عن اشياء قد سكت الله عنها رحمة بنا لا نسيان 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم .

اولا اعتذر على عن عدم مراجعتي للسؤال وعدم الاشتراك بالردود لامر تقني خارج عن سيطرتي .

اود ان اشكر الاخوه الافاضل عن عمق فكرهم وسمو اخلاقهم واصرارهم على الحق حتى ولم يبدر اي رد مني .

وقد رأيت بان الموضوع قد اخذ ما يستحق من بحث عقلي ولا سيما البحث النقلي الذي رتب الامور ايهما ترتيب .

ومن مطالعتي للبحوث المكتوبه في الموضوع خرجت بسؤال يمتد من البحث العقلي وقصة الساعه ولماذا الصانع صنعها .

والسؤال هو فان تمييز الساعه بعقاربها واشارتها للزمن ودقتها وتناصق العقارب والمسننات واليتها كانت كافيه لمعرفت غايه صانع الساعه لصنعها .

وهنا يأتي تمييز الانسان عن المخلوقات ولو اردنا التتبع راجعين الى ما هو اقل من الانسان تميزا وهو الحيوان ثم الحشرات والنباتات والاحجار والماء ومن ثم الفضاء وهكذا ستعود ادراجنا الى العناصر الاساسيه المركبه للوجود ولا اعلم ان كانت معروفه كلها للانسان .

 ما اريد السؤال عنه لماذا لا يمكننا دمج البحث النقلي مع البحث العقلي لاستخلاص الاجابه .

فمعلوم لدينا ان الله عز وجل كرم الانسان باحسن تقويم اي فاق خلقه تميزا جميع المخلوقات الاخرى لقوله تعالى :

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) 

وهذا دليل نقلي يمكن الاستناد عليه لبناء الاجابه ؟؟؟

فالناظر الى الكون فيرى تميزا بسيطا لا يذكر حتى من كبر الخليقه الا انه عن ربنا لهو عظيم وهذا التمييز هي المعصيه والاشد بلاء الكفر .

فكل الخليقه سائره على طاعة الله وحسب امره الا ذلك الكائن الضعيف الذي يعصيه او حتى يكفر بملكوته .

فما ان يلبث الناظر الا ان يرى تميزا فاق التمييز الاول وهو رؤية الناس الطائعين التائبين لله الامرين بامره والناهين عن نهيه فقد تمييز أولائك بعقلهم وحسن فكرهم واصرارهم وصبرهم على طاعته تعالى .

وما ينفك الناظر الى تلك الصور والمعجزات من أولائك المخلصين الا ان يرى تميزا لمجموعة اخرى وهي الانبياء والصديقين بنبل اخلاقهم ورفعة فكرهم وسمو عبادتهم لله .

وما ان يبدء الناظر بالبحث عنهم حتى يصتدم بعمالقة الزهد والابلاغ معلمي البشريه القوانين السماويه التي ترضي الله تعالى المنسجمه للخليقه جمعاء المتماشيه لاصول الخلق وهي الطاعه .

واذا بالنور يملء الظلام ويبيد العتمه ليظهر سيد الاولين والاخرين سيدنا محمد عليه افضل الصلاة والتسليم ليسطر كل معاني العبوديه لله والطاعة لاحكام الله والحكم بما اخذ عن ربه ليتميز وحده من بين كل الخليقه بوجهه السمح ليجيب عن السؤال لأجل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام خلقنا وخلقت الخليقه جمعاء . 

لربما اخذتني كلماتي لجوانب لست مؤهلا بالخوض بها الا انها افكار وتساؤلات قد ظهرت في عقلي عند رؤية نشاط عقولكم ومحاولة مني تقليدكم فلا تؤاخذوني ان اخطأت ولا تحملوني بما لا يستطيع ظهري حمله .

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وسلم . 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله

 فيما له علاقة بالإجابة السابقة التي أجبناها عن سؤال "لماذا خلقنا الله؟"، حيث قلنا بأن الإجابة العقلية الراجحة هي تجلية صفات الله تعالى، وذكرنا بأن الإجابة الشرعية عن هذا السؤال هي معرفة الله وطاعته وعبادته، فهل يمكن الجمع بين هاتين الاجابتين؟

والجواب هو: نعم بكل تأكيد، فالله تعالى قد خلق المخلوقات جميعا، وأراد سبحانه وتعالى أن يظهر ويجلي عظمة صفاته في مخلوقات، فخلق سبحانه السموات والأرض أي الكون، وقد تجلت في خلق السموات والأرض عظمة صفات الله بأنه خالق قادر صمد قيوم وأنه واجب الوجود وأنه الحكيم المبدع المنظم ومسبب الأسباب وأنه عالم ومريد وأنه رب العالمين ومالك الملك وباقي صفاته الحسنى.

ثم خلق الله في الأرض الحياة والكائنات الحية، ولكنها كانت كائنات كلها من النبات والحشرات والدواب التي لا تعقل ولا تدرك. وقد تجلت بخلق الله للمخلوقات الحية بعض صفاته كالحياة والربوبية وغيرها.

ولكن هذه الصفات الحسنى للخالق العظيم يريد الله لها أن تظهر وأن تتجلى وقد تجلت بخلق الله للمخلوقات، ولكن من هو المقصود بهذا التجلي أي لمن تتجلى هذه الصفات؟ خصوصا إذا كانت هذه المخلوقات لا تدرك خالقها ولا تعرف صفاته ولا تعلم كيف خلقت؟ ولماذا خلقت؟ إذن كان لا بد من خلق مخلوقات تعرف الله وتقوم بتقديس هذه الصفات وتؤدي واجبها تجاه الله، فخلق الله الملائكة، فالملائكة هم مخلوقات لله عرفت الله وأدركت عظمة صفاته وأطاعته وعبدته وقدسته وسبحت بحمده، ولكن الملائكة مخلوقات مسيرة بأمر الله وليس لها إرادة مستقلة ولا حرية في القيام بما تشاء، بل طاعتها وعبادتها لربها هو بالإكراه وليس بالاختيار والمشيئة الذاتية.

ثم اقتضت حكمة الله وإرادته أن يخلق مخلوقا آخر يعرف الله ويطيعه بالاختيار والإرادة الحرة وليس جبرا عنه كما تفعل الملائكة، فخلق الله آدم وجعله خليفة في الأرض واسبغ عليه بعض الصفات التي هي من صفات الله كي يقوم بهذا الدور والوظيفة، أي جعل غايته هو أن يتعرف على خالقه وعلى صفاته الحسنى ثم يطيعه ويعبده بارادته واختياره،

وحتى يؤدي الإنسان هذه الوظيفة أعطاه الله بعض الصفات الخاصة كالعقل والسمع والبصر وحرية الاختيار والقدرة على التعلم، ثم سخر له ما في الأرض للقيام بمهمته في الاستخلاف، وحتى يؤدي ذلك كان لا بد له من العلم والهدى الرباني عن طريق الأنبياء والرسل حتى يؤدي مهمته كعبد لله وكخليفة في الأرض وذلك باتباع منهج الله والإلتزام بأوامره واجتناب نواهيه، وهذه كلها أمور تندرج تحت عنوان رئيسي هو طاعة الله بعد الايمان به وبصفاته، فالايمان والعمل الصالح هما غاية وجود الإنسان.

فالإنسان المؤمن الذي يعمل الصالحات والذي استخلف في الأرض ليطبق شريعة الله، هو أعظم تجلية لصفات الله تعالى خصوصا صفة الحاكمية وصفات الحق والعدل وأنه سبحانه الحسيب والمعز المذل والخافض الرافع والتواب والعفو الغفور وغيرها من الصفات والاسماء الحسنى. فيظهر من خلق الله للإنسان وتحميله الأمانة والمسؤولية عن عمارة الأرض هذه الصفات الإلهية المذكورة، لأن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثا بغير غاية ولا حكمة بل هناك هدف وغاية سامية وسيحاسبه الله يوم القيامة على ايمانه وأعماله، فمن آمن وعمل الصالحات فله الجزاء الأحسن في الجنة والرضوان من الله، ومن كفر وعصى ربه فجزاؤه جهنم جزاء وفاقا لا ظلم ولا حيف، وبهذا تتجلى صفات الله سبحانه وتعالى بأنه الرقيب والحسيب والعدل والعفو والغفور والرحيم وأنه المعبود بالاختيار والطاعة وليس بالجبر والتسيير فقط، وغيرها من الصفات الحسنى.

وهذه الصفات لا تظهر حقيقة إلا بخلق الإنسان المخير حر الإرادة، وبدون خلق آدم وذريته من الإنس لا تتجلى بعض هذه الصفات الإلهية. طبعا لا ننسى أيضا خلق الجان، فكما أخبرنا الله تعالى في كتابه عنهم بأنهم مخلوقات عاقلة مكلفة ومخيرة مثلهم مثل الإنسان، وأنهم سيحاسبون يوم القيامة على ايمانهم وعلى أعمالهم الصالحة كما يحاسب الإنسان، ولكن هذا المخلوق بالنسبة لنا هو غيب، فلا نستطيع الإحساس بوجودهم ولا بآثارهم في الوضع الطبيعي للإنسان، لأن الله وضع بيننا وبينهم حجابا مستورا.

والحمد لله رب العالمين ربنا وخالقنا ومكرمنا ومفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم

بالنسبة لمشاركتك وتعقيبك الأخير -أخي أبا مالك- حول الانتقال في البحث إلى نقطة أخرى إلى ما بعد هذه الإجابة، وهي بحث موضوع التخيير والإجبار على دخول الاختبار الذي نعيشه في الحياة الدنيا، فأنا أوافقك الرأي، فهذا هو جوهر المسألة، فليس الموضوع فقط مسألة قناعة بل البحث فيما وراء السؤال، والسؤال هو هل كان خلقي باختياري أو ليس كذلك؟

وكما ذكرت: يعني يسأل السائل أولا لماذا خلقني الله؟ فنجيب لتتعرف عليه وليجلي صفاته ولتعبده ...الخ . فيسأل بعدها وماذا لو لم أكن راغبا أصلا في دخول هذا المضمار كله كي لا أستحق العقوبة؟ لأن غاية السائل معرفة "لماذا خلقني الله؟" لها ما بعدها ولا تتوقف على قناعة بسبب ما، هو أحد هذه الأمور التي تم التوصل لها. وإنما الغاية أن يعرف إن كان في امتحان عادل وسهل ويتفق مع نتيجته أي أن الجزاء وفاق والعذاب وفاق للإخفاق وهكذا. فهذه النتيجة تعتبر مكلمة للسؤال، وبحلها يصل الى إجابات مقنعة للعقل، يعتنق العقيدة باطمئنان وليست بحاجة إلى قطعيات كما في السؤال الأول.

وبناء على ما ذكرته أعلاه، ومن أجل إجابة السائل عن السؤال "المنطقي" الذي يلي عقب الإجابة السابقة التي أجبناها عن سؤال "لماذا خلقنا الله؟"، والذي ملخصه أن الله خلق المخلوقات ليظهر وليجلي عظمة صفاته، ثم خلق الله سبحانه الإنسان وجعل غاية خلقه أن يعرفه ويعرف صفاته ويطيعه ويعبده وأنه سيبعث يوم القيامة وسيحاسب على ايمانه وأعماله في الحياة الدنيا، وأن مصيره سيكون إما جنة وإما نار جزاء وفاقا.

إذن فالإنسان في هذه الحياة الدنيا في امتحان وابتلاء رباني، وتكون نتيجة هذا الامتحان في حياة ثانية بعد الموت هي الدار الآخرة، فإن تعرف هذا الإنسان على الله ربه وخالقه وأطاعه دخل الجنة وإن كفر به وعصاه فله جهنم ، فعاقبة أمره في الآخرة مرهونة بحسن عمله في الدنيا، فهذه إذن مرحلة خطيرة ينبني عليها مصيره الأبدي في الحياة الآخرة التي لا نهاية لها.

طيب قد يقول بعض الناس: إذا كان الإنسان قد خلقه الله مخيرا وحر الإرادة ويستطيع أن يفعل ما يشاء بلا اكراه ولا اجبار، فلماذا لم يخيره الله ابتداء قبل خلقه؟ فيما إذا كان يريد أن يدخل هذا الامتحان الدنيوي أم لا؟ لأن دخوله في هذا الابتلاء في الدنيا قد يؤدي إلى فشله في هذا التجربة وتكون عاقبته جهنم خالدا فيها! فهذه مخاطرة كبيرة وقد لا يحسن هذا الإنسان النجاح فيها فيستحق العقاب الشديد، فقد يرغب بعدم دخول هذا الإمتحان ابتداء فلا يعرض نفسه للمخاطر. وعليه كان الأولى أن يخير في خلقه وفي دخول الامتحان الدنيوي حتى لا يخاطر في مصيره، فما الجواب على هذا الإشكال؟

بعد البحث والتعمق في هذا السؤال نجد أن هنالك جوابان على هذا السؤال، الجواب الأول هو جواب نقلي من خالق الإنسان أخبرنا به في كتابه الكريم القرآن الكريم، والجواب الثاني هو جواب عقلاني على هذا الاستشكال.

يتبع بمشيئة الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أخيرا ظهر صاحب السؤال أخونا بهاء

فأهلا وسهلا ومرحبا بك بعد طول غياب، والحمد لله ان تم حل المشكلة التقنية التي منعتك من المشاركة

بالنسبة لسؤالك (ما اريد السؤال عنه لماذا لا يمكننا دمج البحث النقلي مع البحث العقلي لاستخلاص الاجابه .) نعم يمكن ذلك، وهو الأمر الطبيعي واللازم

ولذلك قمت في المشاركة السابقة اعلاه بالاجابة عن هذا التساؤل ويمكنك مراجعتها والتعقيب عليها إن شئت 

أما ما ذكرته خلال محاولتك الإجابة عن هذا السؤال بالنظر المتدرج في الكون وحياة الإنسان للوصول إلى إجابة جامعة، فهو كلام قيم وله وجاهة فبارك الله فيك

وأنت الآن اصبحت توافق معنا على ما أجبناك به، بل تقوم بالزيادة عليه وهذا أمر يسرنا جدا، ويسرنا كذلك تفاعلك معنا ومساهمتك في هذا الموضوع، وهذا أمر هام جدا لنا خصوصا وأنت صاحب الأسئلة الأساسية في هذا الموضوع ويهمنا رأيك في الاجابات التي اجبناها

والله من وراء القصد وهو الموفق وعليه التكلان

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرة الأستاذ الكريم الأخ الغالي يوسف الساريسي،

سلام الله عليك وعلى من معك،

ثم أما بعد، فإنني وإن كنت أثمن النتيجة التي وصلتم إليها في البحث، فإنني أود أن يأخذ البحث منحى آخر، أقرب إلى

طريقة التفكير التي أوصلت إلى النتيجة الرابعة، واستعمال مبحث الدلالات حين لا يكون التعليل منصوصا عليه.

وذلك باستعراض آيات سور القرآن ذات العلاقة، ومحاولة ربطها بالبحث.

وأول تلك الآيات قوله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.

فهذه الآية عمدة في الموضوع، على اعتبار أن الغاية من خلق الإنسان أن يكون خليفة، لا يسفك الدماء، ويسبح بحمد الله ويقدس له، لديه ملكات ومواهب غير موجودة عند من كان يسفك الدماء من المخلوقات، ومن لا يعرف إلا التسبيح والتقديس من الملائكة، إنسانا مفكرا، عاقلا، يؤدي وظيفة: الخلافة، فهنالك تشريف بالاستخلاف، وهناك مقصد يراد تحقيقه من الاستخلاف، لذلك سألت الملائكةُ ربَّ العزةِ سبحانه وتعالى: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ خليفةً؟ فقال الحق تعالى مجيبا: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، وليس من معنى لأن يكون الخليفةُ كناية عن الانسان يفعل ما يشاء، فلو كان ذلك كذلك، لتحقق معنى استنكارهم: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، أما وقد أجابهم رب العزة قائلا: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ففيه معنى أنه لم يجعله خليفة لسفك الدماء، والإفساد، ومن هذا نستثني من الاستخلاف من يتبع أي منهج يفضي للإفساد وسفك الدماء. وهذا حال كل منهج قام على تشريع الناس، وأهوائهم،

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ 18 الجاثية، فغير شريعة الله اتباع لأهواء المشرعين، ويفضي للإفساد في الأرض، لذلك فالخليفة المشار إليه هو الذي يقيم منهج الله الذي يضمن إحقاق الحق والعدل وفقا لشرع الله، بتطبيق شريعته هذا هو الذي استخلفه الله تعالى: المؤمنون يقيمون شريعته ويبايعون خليفة يطبقها فيهم. وقَالَ ربُّ العَالمَينَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 26 ص، وذلك تناسبا مع كون الله تعالى أنزل الكتب لتحكم بين الناس بالحق، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلفُواْ فِيهِ﴾ فاستخلاف داود عليه السلام وحكمه بين الناس بالحق كاستخلاف محمد ﷺ وحكمه بين الناس بالحق ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ 49 المائدة، وهذه فيها خطاب للرسول ﷺ وهو خطاب لأمته، فكان الاستخلاف قياما بأحكام الله تعالى في العباد، وهو أصل في كل تشريع رباني، وكل كتاب نزل من عند الله إنما نزل ليحكم، وكانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء بتلك الكتب والتشريعات الربانية، ثم انتقلت هذه السنة إلى الخلفاء بعد الرسول ﷺ كما في حديث البخاري عن أبي حازم قال: قاعدتُ أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر، قالوا ما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم» [رواه مسلم والبخاري وابن حنبل وابن ماجه]، فقد نص على أن سياسة الأمة تكون للنبي ﷺ ثم للخلفاء من بعده، وأمر بطاعتهم والوفاء ببيعتهم،

من هنا، فالآيات الكريمات تدل على أن الإنسان خلق ليكون خليفة يقيم منهج الله في نفسه، ومنهج الله في الأرض ليعمرها وفقا لذلك المنهج القويم، سواء على صعيد الفرد أو على صعيد المجتمع والدولة، حيث أن المنهج لا يؤتي ثماره بمجرد تطبيقه على صعيد الفرد، بل لا بد من مواكبة ذلك بتطبيقه على صعيد المجتمع والدولة،

وكما تعلمنا أن وظيفة المعجزات هي التدليل على صدق الرسل، ولكنها أيضا تدلنا على أولئك النخبة من البشرية سادتها الذين استحقوا مكانة اصطفائهم أنبياء لله، فهي تدلنا عليهم أيضا، تشريفا لهم، وكذلك الأمر هنا، فإن الله تعالى خلق الإنسان ليقيم منهج الله تعالى، ذلك المنهج الشريف العالي الذي يصلح به الكون، ويكون امتدادا لنظام قامت عليه السموات وهو نظام العدل الرباني: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا،

فضمانة أن يستمر هذا النظام في كل أرجاء الكون هو أن يقيم الإنسان نظام المنهج الرباني، فيمتد العدل ويمحي الظلم، قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ 47 يونس،﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ 25 الحديد، وقوله،﴿لَقَدْ﴾: اللام واقعة في جواب قسم محذوف، واللام في قوله ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ هي لام التعليل، فأحد أهم المقاصد الكلية من إنزال البينات مع الرسل هي أن يقوم الناس بالقسط وفق الأحكام التي نزلت مع هؤلاء الرسل والأنبياء،

إعلم أنه لا توجد ولا آية في القرآن في صيغتها التعليل لتشريع الشريعة، وإنما تبين الآيات المقاصد والغايات والنتيجة التي تحصل من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، والحكمة من تشريع الشريعة، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ 25 الحديد، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ البقرة 213، إذ أن العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما، فكون الرسول ﷺ رحمة، وكون القرآن شفاءً ورحمة، كل ذلك يدل على أن الشريعة جاءت رحمة للعباد، إلا أن كون الشريعة جاءت رحمة هو النتيجة التي تترتب على الشريعة، وليس الباعث (العلة) على تشريعها، أي إن الله سبحانه وتعالى أخبرنا أن حكمته من تشريع الشريعة هو أن ينتج عنها أن تكون رحمة للعباد، لا أن الذي حمل على تشريعها هو كونها رحمة وعلى ذلك فإن كون الشريعة رحمة للناس هو غاية الشارع التي يهدف إليها من تشريع الشريعة، وليس السبب الذي من أجله شرعت[1].

لذلك فهذه الآيات التي تبين لنا مقاصد الشريعة وغاياتها من أن يسود العدل والقسط، وأن يحكم الكتاب في حياة الناس، تبين لنا غاية إنزال الشريعة، ومقصودها، ولنا أن نقول: بأن هذه هي مقاصد الشريعة الكلية العظمى: إقامة العدل، ومنع الظلم، وتحكيم الشريعة، والرحمة، والعبادة، والهداية، وبيان الأحكام،...

وقد استنبط العلماء مقاصد ثمانية[2] ضرورية للإنسان وهي: حفظ النفس والمال والدين والعقل والنسل، وحفظ الدولة، وحفظ الأمن، وحفظ الكرامة الإنسانية، وقد نستطيع أن نضيف إليها المقاصد الكبرى المستنبطة من هذه الآيات: إقامة العدل، وتحكيم الشريعة، والرحمة، والعبادة، والهداية، وبيان الأحكام.

فالدين إذن: نزل ليكون نظام حياة يحكّم الناس أحكامه في حياتهم وجوبا، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ البقرة 213،  واللام في قوله ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ هي لام التعليل، فأحد أهم المقاصد الكلية من بعث النبيين ومعهم البشارة والنذارة أن يحكم الكتاب بين الناس ليصلح معاشهم ويسود الحق والعدل في كل شأن من شؤون حياتهم!، وبالتالي فإن تطبيق هذه الأحكام في واقع الحياة إنما هو مقصد الشريعة الأعظم، ومقصد إرسال الرسول ﷺ، ومقصد إنزال الكتاب! وأساس الدين المتين، وإقامته في حياة الناس إنما هو من أوجب الواجبات، فإقامة الدولة الإسلامية، أي دولة الخلافة هي الطريقة التي يتم من خلالها تحقيق المقاصد التي لأجلها بعث الله الرسول ﷺ، والتي لأجلها أنزل الكتاب!

وإلا فإن الإسلام ليس فلسفة خيالية، وإنما نزل ليطبق وليحكم، وقد تقرر أن هذه الأحكام إنما تقام في حياة المسلمين من خلال دولة تسوسهم،

الآية الثانية:

لا بد من قراءة سورة المؤمنون، فهي وحدة موضوعية متكاملة، تتعلق بالموضوع بشكل دقيق:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ۝ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ۝ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ۝ وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ المؤمنون.

السؤال: ما علاقة هذه الآيات بما سبقها من آيات في سورة ابتدأت بقوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾؟ محطات في السورة:

  1. الوعد بفلاح المؤمنين (يرثون الفردوس) وذكر بعض صفاتهم (1-11)

  2. عظمة الخلق، ومحطات الحياة، من سلالة من طين إلى نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام إلى لحم إلى خلق آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم موت فبعث يوم القيامة (12-16)

  3. خلق آخر بالغ العظمة غير الإنسان: (سبع طرائق، وما كنا عن الخلق غافلين) 17ـ ومن ثم بعض سنن الله في الكون وفضل الله بتسخيرها للناس. (حتى الآية 22)

  4. أنبياء دعوا إلى منهج الله، وعاقبة المكذبين، وذكر بعض حججهم: رسل من البشر، (قوم نوح في الآية 24) ويأكلون الطعام، (الآية 33)، طاعة الرسل البشر ، ثم حجة بالغة الصلة: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35)، وكما كانت نهاية قصة نوح السابقة: إغراق قومه، كانت نفس عاقبة القوم الذين كذبوا الرسل من بعده: فأخذتهم الصيحة بالحق، ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42)، كل ما جاء أمة رسولها كذبوه، فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث، فبعدا لقوم لا يؤمنون. ثم قصة موسى وفرعون، فكذبوهما فكانوا من المهلكين، (48) ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49)،

    فكما ترى كل قصة انتهت بتكذيب رغم وجود المنهج بدلا من الإيمان، وهو مدار السورة،

  5. إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا يشركون، (59) تعريج من جديد على صفات المؤمنين وأفعالهم التي بهم يفوزون

  6. في المقابل: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون 64، ويذكر إعراضهم بحجج مشابهة لمن سبقهم، واتباعهم أهواءهم، بعد أن جاءهم الحق والهدى، وكراهيتهم له، بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون،

    ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون 70-71

  7. وتمضي السورة بذكر آيات الله، وإحيائه الموتى، قل لمن الأرض ومن فيها؟ قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم؟ قل من بيده ملكوت كل شيء؟ وفي كل مرة : سيقولون لله. بل أتيناهم بالحق

  8. تشاهد في السورة فرقانا شديدا بين الحق والباطل، بين المؤمنين والمكذبين، عاقبة المكذبين وفوز المؤمنين

  9. في ظل هذه الأجواء وبعد كل هذه المقدمات تأتي الآية الكريمة موضع البحث:

    ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ۝ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ۝ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ۝ وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ المؤمنون.

  10. إذن، فمرة أخرى تؤكد هذه الآية أن الغاية من الخلق ليس العبث، إذا لم يكن هناك رجعى إلى الله للحساب على الإيمان وعلى الأعمال، بل الموضوع ليس بعبث، ففيه حساب على اتباع المنهج والإيمان به، فهو مدار السورة، وموضوعها، وانظر إلى الصلة بين ذلك وبين قوله تعالى بعد ذلك: ومن يدع مع الله إلها آخر

    فصفة الألوهية المتحققة في الله تعالى توجب اتباع منهجه وسبيله، لا سبل من هم من دونه ممن لا يتصفون بصفة الألوهية.

    الآية الثالثة:

    بنفس الطريقة نقرأ سورة الأنبياء، وهي أيضا ذات صلة شديدة بالموضوع، ابتدأت بقوله تعالى: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم

    نفس الحجج السابقة في سورة المؤمنون، بل قال تعالى بعدها: وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين، (8)

    وفوق ذلك أيضا قال تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10) ( في المؤمنون: بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون 71).

    ونفس الموضوع، تصديق وعد الله للرسل فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) (كأنك تقرأ نفس السورة مرة أخرى)، هنا تأتي الآية الثالثة موضع البحث:

    ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ۝ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ۝ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ۝ وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ۝ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ۝ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ۝ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ۝ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾

    تأمل الربط والصلة: ما خلقنا السماوات لاعبين، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه

    فالمقابلة بين وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين، وبين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، مقابلة تبين لنا أن مقابل عدم اللعب، والدليل أنه لا لعب، هو صراع الحق مع الباطل وانتصار الحق، فهذا هو معنى أن لا يكون الخلق عبثا ولعبا ولهوا، أن يكون فيه ساحة صراع بين الحق والباطل تنتهي بانتصار الحق، المنهج الحق الذي به يقذف المنهج الباطل فيدمغه، فهذا هو مقصد الخلق!

    أضف إلى ذلك قوله تعالى في سورة الحجر:

    وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل 85  إن ربك هو الخلاق العليم 86

    وقوله تعالى في سورة ص ، بعد قوله تعالى:

    يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب 26

    وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار 27 أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار 28 كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب 29

    لاحظ يا رعاك الله في كل الآيات تتكرر نفس المزاوجة: السماوات والأرض وما بينهما، مرة ينفي الباطل، ومرة يثبت بالحق

    لاحظ أيضا الخليفة، الإفساد في الأرض، اتباع الهوى، الحق، الباطل، كل هذا يتكرر في نفس المواطن

    أضف إلى ذلك قوله تعالى:

    وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما لاعبين  38 ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون 39 إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين 40 الدخان

    وقوله تعالى في سورة الأحقاف:

    ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون  3 قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 4

     

    فالخلاصة أننا نجد مقصد الخلق والغاية منه: استخلاف إنسان يقيم منهج الله في الأرض، ويؤمن، ولا يشرك، ويقيم العدل والقسط وفقا لمنهج الله، ويحارب الباطل والفساد وسفك الدماء وينتصر بمنهج الله.

    والله أعلم

    أبو مالك

 

[1] أنظر الشخصية الإسلامية الجزء الثالث، تقي الدين النبهاني، باب: مقاصد الشريعة

[2] استنبط الإمام الجويني وتلميذه الإمام الغزالي من الشافعية مقاصد الشريعة، وتابعهما الإمام الشاطبي فتحددت خمسة مقاصد ضرورية: هي حفظ النفس والمال والدين والعقل والنسل، وأضاف لها الإمام تقي الدين النبهاني مقصد حفظ الأمن، ومقصد حفظ الدولة، ومقصد حفظ الكرامة الإنسانية، باستنباطها من خلال تغليظ العقوبة على مقترف جريمة تمس بها شرعا، فالخارج على الدولة بالسلاح يقاتل، ومن يشق عصا الطاعة وَيُبَايَعُ خليفةً ثانياً يُقتَلُ، وغيرها من الأحكام والتفصيلات يراجع فيها كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الثالث، فأضحت المقاصد الضرورية ثمانية، وباستقراء الأدلة وجدنا أن إقامة العدل وتحكيم الشريعة والعبادة والهداية وبيان الأحكام والرحمة هي مقاصد كلية لأجلها نزل الكتاب، وأرسل الرسول ﷺ، وترتب على الإخلال بها كفر أو طاغوت أو ظلم أو فسق وعقوبات غليظة!.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
11 ساعات مضت, أبو مالك said:

 

فالخلاصة أننا نجد مقصد الخلق والغاية منه: استخلاف إنسان يقيم منهج الله في الأرض، ويؤمن، ولا يشرك، ويقيم العدل والقسط وفقا لمنهج الله، ويحارب الباطل والفساد وسفك الدماء وينتصر بمنهج الله.

والله أعلم

أبو مالك

أخي أبو مالك بارك الله فيك..
لماذا قلتَ إنسان بالمفرد هنا؟

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله

ذكرنا في آخر مشاركة أنه "بعد البحث والتعمق في هذا السؤال (لماذا لم يخير الله الإنسان ابتداء قبل خلقه؟) نجد أن هنالك جوابين على هذا السؤال، الجواب الأول هو جواب نقلي من خالق الإنسان والكون والحياة أخبرنا به في كتابه القرآن الكريم، والجواب الثاني هو جواب عقلي نحاول فيه حل هذا الاستشكال."

 

ودعونا نبدأ بايراد الجواب الشرعي كما أخبرنا به ربنا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:

يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ  (51) والإشهاد هو جعل الغير شاهدا أي حاضرا، وهو هنا كناية عن إحضار خاص، وهو إحضار المشاركة في العمل أو الإعانة عليه، وكذلك عدم اشهادهم خلق انفسهم بسبب استحالة مشاهدة المخلوق خلق نفسه. وهذا يقتضي أيضا عدم تخييره عند خلقه.

ويقول تعالى في سورة القصص: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) يخبر تعالى أنه المتفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده ومرجعها إليه، وكما أن الخلق من خصائصه فكذلك الاختيار من خصائصه. وعليه فليس للإنسان الاختيار فيما يخلقه الله ويختاره، وهذا يقتضي أنه غير مخير في خلق نفسه.

ويقول في سورة الأحزاب: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (73) فالله تعالى عرض الأمانة (العقل وحرية الاختيار) على آدم وذريته فقبلها وحملها، وهذا بحد ذاته إشارة إلى تكريم الله له بوجود صفات تؤهله لحملها، ولما قبل الإنسان التكليف بالأمانة وأعطاه الله ما يلزمه للقيام بها، فقد اقتضى ذلك تحمله مسؤوليتها وعواقبها، فإما جنة إن آمن وأحسن وإما جهنم إن عصى وكفر. فالاختيار تم من جنس بني آدم قبل الحياة الدنيا -أي في عالم الذر- وقد وافقوا على حمل الأمانة ودخول الامتحان الدنيوي. ولكن الإنسان بعد ولادته ومجيئه إلى الحياة الدنيا نسي ذلك، فذكره الله بها في كتابه الكريم، وسيتذكر موافقته على تحملها يوم الحساب.

ويقول تعالى في سورة الأعراف: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وهي تسمى آية الميثاق. وحتى يكون دخول الاختبار الدنيوي لبني آدم عادلا ولا يكون لهم حجة على الله يوم الحساب، عرَّفهم بنفسه وشهدوا على أنفسهم بذلك، ثم حذرهم من الشرك وتقليد الآباء دون دليل فيهلكوا بدخولهم جهنم،

ومن المقتضيات العقلية لهذا الأمر النقلي، وبما أن الإنسان في هذه الدنيا لا يتذكر هذا الموقف وهذه الشهادة، انه لو تذكر ذلك لكان هذا الامتحان الدنيوي خاليا من مضمونه، لأنهم -أي بني آدم- سيكون لهم سابقة أن عرفوا الله وعرفوا يوم القيامة والحساب، فلا يكون هناك عناء ولا جهد في الوصول إلى الايمان بالله وبيوم الحساب فيختل ميزان العدل، لأنهم عرفوا الأسئلة واجاباتها قبل دخول الامتحان الدنيوي.

ولكن مع وقوع هذا النسيان بعد الولادة، فهل هناك أثر لهذا الميثاق في الحياة الدنيا أم انه فقط أمر غيبي؟ قطعا هو له أثر ووجود في الحياة الدنيا، لأنه سيكون لهم حجة على الله بالغفلة أو تقليد الآباء، لذلك أعطاهم الله أمرين ليكون جزاؤهم يوم الحساب عادلا وهما: غريزة التدين وسؤال العقدة الكبرى في العقل.

فجعل الله سبحانه فيهم غريزة التدين أي الفطرة التي تدلهم على حاجتهم إلى قوة كبرى كاملة (الله) للاستعانة بها وعبادتها. وجعل فيهم العقل وقانون السببية وانبثق من هذه السببية تساؤلات العقدة الكبرى (الأصل والمصير والهدف) ليبحثوا عن خالقهم وغاية وجودهم ومصيرهم بعد الموت ثم حسابهم على ايمانهم واعمالهم، فيكون هذان الأمران العقل والفطرة دليلين على شهادتهم على أنفسهم فلا يكون لهم حجة على الله بالغفلة أو تقليد الآباء فيكون جزاؤهم عادلا يوم الحساب.

ويقول تعالى في سورة الروم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) والفطرةُ تعني السلامةُ والاستقامة الأصلية، فالالتزام بدين الله بالتعرف عليه وبعبادته هو أمر فطري في خلق الانسان يهتدي إليه بكل يسر إن لم تغلبه عليها تشويهات وانحرافات المجتمع، يقول المفسر ابن عاشور: (واستنتاج المسبَّبات من أسبابها والنتائجِ من مقدماتها فطرةٌ عقلية. ومحاولةُ استنتاج الشيء من غير سببه – المسمى في علم الجدل بفساد الوضع – خلافُ الفطرة العقلية. والجزم بأن ما نشاهده من الأشياء هو حقائق ثابتة في نفس الأمر فطرة عقلية)

وقال سبحانه في سورة النساء: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)، وفي سورة طه (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ (134) والحجة هي العذر البين الذي يوجب التنصل من الغضب والعقاب وعدم المؤاخذة بالذنب أو التقصير. فإرسال الله الرسل هدفه قطع عذر البشر إذا سئلوا عن جرائم أعمالهم واستحقوا غضب الله وعقابه. فعلم من هذا أن للناس قبل إرسال الرسل حجة إلى الله.

وخلاصة الرأي الشرعي جوابا لسؤال (لماذا لم يخير الله الإنسان ابتداء قبل خلقه؟)، هو أن الله لم يخير الإنسان بخلقه ابتداء لأن هذا محال، فإن الخلق هو من خصائص الالوهية وكذلك الاختيار، وهذا هو قدر الله وحكمه. ولكن الله بعد أن خلق الإنسان عرض عليه حمل الأمانة أي التكليف وحرية الاختيار لدخول الامتحان الدنيوي فقبل الإنسان حملها، فأصبح بذلك مسؤولا عن مصيره وأصبح دخوله اختبار الحياة الدنيا وجزاؤه يوم الحساب حقا وعدلا. وحتى لا ينسى الإنسان اختياره وتكليفه بعد حمله الأمانة أشهده الله في عالم الذر بأنه هو ربه حتى لا يحتج على الله بعدم أهليته، وحتى ييسر الله له النجاح في هذا الامتحان الدنيوي. ومن آثار شهادة الربوبية وجود الأهلية لدى الإنسان للتعرف على الرب بالعقل والفطرة، فإذا انحرف عنهما وقع في الخلل ولم يهتدي إلى المنهج الصحيح. وكذلك بعث الله له الرسل بالدين الحق فإن اتبع الحق اهتدى ونجح في الامتحان وإن زاغ عنه وقع في ظلم نفسه وفشل في الاختبار، فكان جزاؤه يوم القيامة حسب ما قدم من عمل جزاء حقا وعدلا.

يتبع بمشيئة الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم

أما الأجابات العقلية على تساؤل (لماذا لم يخير الله الإنسان ابتداء قبل خلقه؟) فهي كما يلي:

من أجل أن نقوم بمقاربة منهجية للوصول إلى إجابة عقلية على هذا السؤال، لنفترض بأن الله بعد خلقه للإنسان قد خيره بأن يدخل الامتحان الدنيوي أو أن لا يدخله، فالاحتمال بأن يرفض أو يوافق، ولنقل بأنه رفض ذلك، فالنتيجة أن الله سيقوم بافنائه ولن يأتي للحياة الدنيا أصلا، أما إذا وافق على دخول الامتحان بعد خلقه فسيأتي لهذه الحياة، وبالتالي تكون النتيجة أن كل من ولد وأتى إلى هذه الحياة الدنيا هو من الأشخاص الذين وافقوا على دخول الامتحان فخلقهم الله وأدخلهم هذا الاختبار. وعليه فلا مجال للاعتراض لأن وجودك وولادتك وحياتك كانت بناء على رغبتك واختيارك وهذا أمر عادل.

وقد يود بعض الأشخاص افتراض أن يكون الله قد خلقك ثم خيرك ثم رفضت دخول الامتحان، ولكنه ارغمك على دخوله جبرا، فهذا افتراض غير قائم قطعا، لأن هذا الأمر يتناقض مع عدل الله، ويساند ذلك الدليل النقلي حيث أخبرنا الله أنه عرض الأمانة على الإنسان قبل خلقه فقبل حملها، ولذلك فهذا الافتراض غير ممكن.

ومن أجل الاقتراب أكثر لإجابة السؤال، فقد قلنا أن الله قد خلق الإنسان ثم خيره ووافق هو على دخول الامتحان الدنيوي، ولكنه الآن بعد ولادته لا يتذكر ذلك وقد نسيه تماما، مما ينبني عليه انكار هذا الأمر، فهل هذا يعني الاستنتاج أنه لم يخير أصلا؟

والجواب على ذلك أنه إذا كان الله قد خيره وهو ما زال يتذكر الاختيار، فيكون قد كلمه الله وعرَّفه بنفسه وأخبره عن الامتحان والحياة الدنيا وعن اليوم الآخر والجنة والنار ... الخ. ثم دخل هذا الإنسان ذلك الامتحان الدنيوي وهو متذكر كل شيء، فيكون قد عرف النتيجة سلفا بالعلم والمشاهدة والاخبار الرباني، فيكون لا معنى لهذا الاختبار، لأن العلم والاخبار الرباني له بتناقض مع مقتضى الامتحان، لأنه سيكون امتحانا لا امتحان فيه، وهذا امر لا يقبله عاقل، وهو يتعارض مع عدل الله أيضا.

قيبقى الاحتمال الآخر وهو أن الله بعد خلقه قد خيره ووافق هو على دخول هذا الاختبار الدنيوي، ولكنه الآن أي بعد ولادته لا يتذكر ذلك وقد نسيه تماما، لأن هذا هو مقتضى دخوله الامتحان أي هو شرط لدخول الاختبار حتى يكون هذا الاختبار فعليا وحقيقيا، لا غش فيه ولا انحياز، ولذلك وجب أن يأتي إلى الدنيا دون أية معلومات سابقة عن الأجابات الصحيحة والسليمة عن هذا الاختبار وعن أصل الوجود وعن المصير والهدف (تم حل العقدة الكبرى)، فوجب عقلا بأن يكون الله خلف حجاب وأن يتم التعرف عليه بالجهد والمشقة، وكذلك كل اركان الايمان. لذلك يقضي العقل أن يأتي الإنسان لهذه الحياة خاليا من كل علم ومن كل اعتقاد حتى يكون امتحان الدنيا له معنى.

وهذا الأمر يؤكده الدليل النقلي أيضا في قوله تعالى في سورة النحل: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)) فشكر الله على خلقنا وعلى نعمه علينا –كما في الآية- يحتاج إلى عقل وتفكير وجهد انساني، لأن الأصل في العقل هو عدم العلم أي الأصل فيه الجهل، والعلم يكتسبه بجهده وتعبه ومعاناته.

وعليه فالجواب العقلي الوحيد الراجح عقلا على تساؤل (لماذا لم يخير الله الإنسان ابتداء قبل خلقه؟) هو أنه ما دام موجودا في هذه الحياة الدنيا فيكون هو قد اختار ذلك ولكنه نسي هذا القرار وهذا الاختيار بعد خلقه، لأن ذلك هو مقتضى الامتحان الدنيوي حتى يكون عادلا، وبالتالي فلا مجال للاعتراض على خلقه في هذه الحياة الدنيا لأن هذا هو اختياره وهذا هو مقتضى العدل عقلا.

يتبع بمشيئة الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان

×