اذهب الي المحتوي
واعي واعي

أسس النهضة المحامي داود حمدان

Recommended Posts

أسس النهضة

المحامي داود حمدان
 

بسم الله الرحمن الرحيم

حال وحال


حالان متشابهان، هما حال العالم قبل أربعة عشر قرناً وربع القرن، أي قبل مولد سيدنا نحمد صلوات الله عليه، وحال العالم اليوم.

كان العالم قبل مولد الرسول ينقسم إلى قوتين كبيرتين: الرومان في الغرب، وفارس في الشرق. وكانت هانان القوتين تسيطران على على الأمم، وبيدهما مصائر العالم. وكانت تتنازعان بينهما: لا تخلصان من حرب إلا الى حرب. وكانت الحرب بينهما سجالاً: تتناوبان الغلب والهزيمة بين الحين والحين. ولم يكن ما عند هاتين الدولتين من حضارة – وهما في عنفوان مجدهما – بصالح لأن يأخذ بيد العالم إلى السعادة، ولا بقادر على أن يرسم للناس صورة العالم المثالي، الذي تنسجم فيه الشعوب في نظام واحد ومبدأ واحد. فكيف وقد كانت حضارتهما حين ذاك في آخر عهدها بالحياة ؟ ! فقد طغت عليهما المادة وغاضت منهما الروح، وانعدمت المبادئ، وانحلت الأخلاق، وفسدت المشاعر العامة، واضطربت العقائد، وكثرت الفرق والمذاهب، واستعلت طبقة على طبقة، واستغلت فئة خاصة عامةالناس، وحُرِمَ الناس السعادة التي ينشدونهاوامتدت ىثار الشيخوخة إلى أهم خصائص الدولتين الكبيرتين، ففقدنا قوة الابتكار وملكة الإنشاء، وانحطتا إلى درك التقليد.

 

لا صلاح إلا برسالة الهية


فكان من غير الممكن أن يصلح فسادهما وفساد العالم إلا رسالة الهية لا يقتصر اصلاحها على ناحية دون ناحية، ولا على قوم دون قوم، بل تكةن رسالة عامة تُصْلِحُ البشرية إصلاحاً إنقلابياً: 
تصلح نفس الإنسان من حيث هو انسان إصلاحاً يتناوله جميعه في مختلف مشاكله النفسية، ومختلف دياره وعصوره بطريقة انقلابية سريعة.فأين هذه الرّسالة التي تتمثل فيها هذه الصفات؟ ومتى تبرز للعيان؟ إنّ العالم لفي حاجة، وإنّ الإنسانية لفي شوق عظيم. فلننتظر أن يكون ذلك قريباً....

العرب قبل محمد


وكان العرب بين هاتين القوتين شعباً مؤلفاً من قبائل تتقاتل على اليسير والجليل، لا تؤلف بينها فكرة ولا تربطها رابطة. وكانت هذه القبائل واقعة في دائرة نفوذ الدولتين العظيمتين، وموزعة القيادة بينهما، فمها ما يخضع لفارس، ومنها ما يخضع للروم.
نواطير....
وكانت كل من فارس والروم تتخذ من عملائها في أطراف الجزيرة نواطير يحمون ملكها من العرب أنفسهم. وكانت تسميهم ملوكاً وتغدق عليهم أنواع الترف والمجد الزائف.
على هذه الحال كان العرب. وعلى سوء هذه الحال كان أسوأ ما فيها الفئات الحاكمة.
في هذه الحال ولد سيد الكون محمد صل ى الله عليه وسلم.

رسالة محمد



وبعد، فما هي رسالة محمد ؟ وما أثر هذه الرسالة في العالم ؟ وما هي طريقته التي أدى بها هذه الرسالة ؟
هذه أسئلة يجب على المسلم أن يعرف إجوبتها.
رسالة محمد هي الإسلام. والإسلام دين سماوي نزل لتنظيم علاقة الإنسان بالله في العقائد والعبادات، ولتنظيم علاقة الإنسان بنفسه في الأخلاق والسلوك الشخصي في المطعومات والملبوسات، ولتنظسم علاقة الإنسان بغيره في المعاملات والعقوبات. ليحصل من أُثر هذا التنظيم طمأنينة النفس، ونهذيب الغرائز، وانسجام المجتمعالانساني. وبهذا تحصل السعادة للفرد والمجموع.

نسخ الأديان بالإسلام

لقد كانت الأديان السابقة تهدف إلى تنظيم العقائد والعبادات والأخلاق والسلوك الشخصي، وندر أن تعرضت لشئ من علاقات المجتمع. وكانت مع ذلك رسالات خاصة لا تتجاوز الأقوام الذين نزلت لهم، لأنها راعت أحوالهم وظروفهم، فكانت بطبيعتها مؤقتة تنتهي بانتهاء ما اكتنفها من أحوال وظروف.

وأما الاسلام فإنه بالإضافة إلى تفصيل العقائد والعبادات ، وما حرمه من المطعومات والملبوسات ( وهي التي تعتبر سلوكاً شخصياً لا سواها ) بالإضافة إلى ذلك قد نظمعلاقات المجتمع خير تنظيم. وكانت رسالته عامة لجميع الناس، فلم يُراع فيها حالة خاصة، ولا ظرف خاص، وإنّما عولجت بها مشاكل الإنسان من حيث هو إنسان. 

وقد نسخ الإسلام ما قبله من الديانات نسخاً تاماً مرة واحدة جملة وتفصيلا، ولهذا لا يقال: ( شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ ) لأنَّ شرع من قبلنا إنّما نزل لغيرنا، فليس مفروضاً فيه من الأصل أن يكون شرعاً دائماً حتى لأولئك القوم، ولا مفروضاً فيه أن يكون لغيرهم ، ولأنّ الإسلام كل لا يتجزأ، وشرع مستقل عن غيره من الأديان. وقد شرع ما شرعه من أمر ونهي ابتداء غير مراع أنَّ ما شرعه كان ديناً سابقاً أو عادة قديمة.

ولهذا لا نلزم بشئ من أوامر الأدين السابقة حتى ولو صحت رواينها بالدليل القاطع. بل لا يصح أن يعمل بها. وعلينا أن نطلب الحكم الشرعي من الإسلام بالطرق المعروفة في استنباط الأحكام. والدليل على هذا أنه كان ثابت لدينا أنّ شريعة التوراة كانت ( النفس بالنفس والعين بالعين الخ........) فقد قال الله تعالى: ( وكتبنا عليهم فيها أنّ النفسَ بالنفسِ والعين بالعين والأذن بالأذن . الآية ،)
ولا يوجد في القرآن الكريم ما يدل على نسخ هذا الحكم بالذات . ومع هذا فلم نلزم بالعمل به، وإنّما أخذ المسلمون حمك العقوبة في هذه المسائل بالاستنباط من الاسلام فكان الحكم مخالفاً لما في التوراة. وما أمر به الإسلام من عقيدة وغيرها كالتوحيد والصدق والأمانة ، إنّما نعمل به لأنه أمر الإسلام، لا أي دين قبل الإسلام. وعملنا به لا لأنه شرع من قبلنا بل لأنه شرع اسلامي مستقل عن أي اعتبار.

الإسلام عملي


ثُمَّ أنَّ الإسلام تناول هذا التنظيم من ناحيته العملية، فلم يبن مسائل العقائد ومحاسن الأخلاق، وحدود العلاقات بين الناس بياناً فلسفياً كما يُؤلَّفُ الكتاب، ولكنَّ بيانه كان مقروناً بالعمل،وكثيراً ما سبق العمل الكلام، فقد توضأ النبي وصلّى ، وقال: صلّوا كما رأيتموني أصلي.إنّ الإسلام لا يقر العقيدة دون العمل، ولذلك كان العمل جزءاً من تعريف الإيمان، وجزءاً من تعريف الفقه، فالإيمان هو: ( ما استقر في القلب عن يفين، ونطق به اللسان، وظهر عملاً على الجوارح ) والفقه هو: ( علم بالمسائل الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية ) ...وبهذا يفرق بين الفلسفة والنبوة، وبين الفلاسفة والأنبياء، فهذه جمهورية أفلاطون والمدينة الفاضلة عند الفلاسفة، قد وجدت من حيث التأليف من مئات بل من ألوف السنين،ولكن لم يحقق في الواقع على أيدي هؤلاء الفلاسفة مجتمع فاضل. 

أثر الإسلام


أمّا الإسلام فقد حقق المجتمع الفاضل المثالي في أقل من ربع قرن. ولم يلحق الرسول بالرفيق الأعلى حتى كان قد أرسل رسله ألى هرقل وكسرى والمقوقس ونجاشي الحبشة، وحتى كانت دولة الإسلام مرهوبة الجانب تتأهب جيوشها لتندفع إلى الشّرق والغرب. وما لبثت أن إندفعت تحمل معها النّور والهًدى والسّعادة. تحملُ الحضارة الحقة . وهي الفاهيم الصحيحة للحياة المبنية على عقيدة الإسلام، والتي تصور الحياة بأنها مزج المادة بالرّوح، أي جعل الأعمال مسيرة بأوامر الله ونواهيه.
وهذه الحضارة لم تقسم الناس إلى طبقات من رجال دين وعامة، أو سادة ومسودين. وجعلت ميزان التفاضل عند الله التقوى، وجعلت النّاس أمام القانون سواسية، وأطلقت للمواهب والمَلَكات العنان لتصل إلى أقصى غايتها في سبيل الخير والعمل من أجل ترفيه الحياة، وأتاحت للإنسان بلوغ الكمال الإنساني حسبما هو مرتب في فطرة كلّ إنسان، وأوجدت الإنسجام والتناسق في تشريعها وأذواقها ومشاعرها العامة ، وقواعدها الكلّية في الإجتماع والإقتصاد والسياسة، ونظرت إلى العلم كلّه نظرة إنسانية واحدة، وجعلت مجتمعها واحداً لا يتجزأ: ليس فيه عنصرية ولا قومية ولا طائفية، وليس فيه فردية مطلقة تخرج على مصالح المجتمع بأنانيتها، أو على قواعده العامة بتبذلها، ولا جماعية طاغية تجعل الفرد كالسِّنِ بالدولاب، أو تغفل فطرته وإمكانياته فتفرضه إنساناً آلياً تُقاسُ حياته بالمسطرة.

 

الإسلام نسيج وحده

والإسلام نمط وحده، فالفردية التي يعرفها الإسلام فردية تساير الفطرة، وتدرك أنّ الإنسان كائنٌ إجتماعيٌ يتميز أفراده بالمواهب، وتتفاوت حياتهم بحسبها، ولا تُقاسُ بِالمِسطرة. على أنَّ فرديته مقيدة بحدود مصلحة الجماعة. والجماعية الني يعرفها الإسلام هي الجماعية التي تحقق مصلحة الفرد ضمن مصلحتها، ولا تطغى على فطرته ومواهبه. وذلك طبق نظام الإسلام الذي تحققه في مجتمعها، والذي يسعد به الناس جميعاً، والحرية التي يعرفها الإسلام هي ألاّ يستعبد إنسانٌ إنساناً، وأن لا يذل إنسان لإنسان، والكلمة للحق يقوى بها الضعيف ويضعف بها القوي . والسيادة للشرع . وأمّا الحرية الشخصية التي يذكرونها اليوم، والتي لا تعني إلا إنطلاق الفرد بغرائزه الدنيا ليفسد أذواق المجتمع، ويخرج على الآداب العامة، فلا يعرفها الإسلام. والكلُّ مقيدٌ بحدود الشرع، وإلاّ لكان النّاسُ كالبهائم السائمة.

والسّعادة التي يعرفها الإسلام ليست السّعادة المادية التي يتخيلها البعض في المال الوفير، والقصور الشاهقة، والمراكب الفارعة، والمزارع الخصبة، والخدم والحشم، والنِّساء والخمر، ولكنّ السّعادة التي يعرفها الإشلام هي إرضاء الله تعالى، بحيث لا يعمل الإنسان عملاً إلاّ إنصرف تنبهه الطبيعي إلى الإسلام يستفتيه: أفي هذا العمل رضاء الله ؟ أم فيه غضبه ؟ فيُقدمُ إن كانَ الأول، ويُحجمُ إن كان الثاني . على أنَّ الإسلام لم يشترط لبلوغ رضا الله حرمان النّفس من متع الدّنيا ولذائذ الحياة ﴿وإبْتَغِ فيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الاخِرَةَ وَلا تَنْسى نَصيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ﴾ بل أنّهُ زادَ في السّماحة والكرم، فجعل كلّ عمل تعمله في سبيل الحياة وفي حدود الشرع عبادة تثاب عليها إذا كان مقروناً بالنّية مهما كان فيه من لذّة ومتعة ( إنّما الأعمال بالنيات وإنّما لكل امرئ ما نوى ).

روح الإسلام


وتاج الأمر وعموده في الاسلام أن يكون العمل المادي مّسَيّراً بالرّوح، أي بأوامر الله ونواهيه. وقياسه كونه حلالاً أو حراماً، وليس قياسه النفعية.
الاسلام طبق عملياً

على هذه الأسس القوية التي حملتها حضارته الحقة أقام الإسلام مجتمعه الأوّل. وقد طبق ذلك المجتمع نظام الإسلام الشامل الكامل، فكان مجتمعاً مثالياً. ولا يستطيع أحد من ذوي العقل والإنصاف أن يُنكر ذلك. أمّا السخفاء المقلدون ممن أصابتهم الوثات الأجنبية، الذين ينك رون أظهر ما في التاريخ وأبهر ما في التاريخ فإنّما هُمْ ضفادع تنقنق. وسيظلّونَ في وادٍ والأمّة كلّها في واد.

وظلَّ العالَمُ الإسلاميّ يعيش على أنظمة الاسلام حتى انكسار الدّولة الإسلامية على أيدي الإستعمار سنة 1918م. ولم يكن للمسلمين أنظمة أخرى غير الإسلام. وسل المرجفين: هل كان المسلمون يعيشون على أنظمة الشيوعية التي لم تكن موجودة ؟ أم على أنظمة الرأسمالية التي لم تكن قد دخلت بلاد المسلمين بعد ؟ أم على أيّ نظام آخر ؟

وجهة الإسلام

وكان المجتمع الإسلامي الذي وصفنا تسيطر عليه وجهة تحقيق المثل الأعلى. ولذلك كان هدف المسلمين إعلاء كلمة الله، فعقدوا الصفقة الرابحة بينهم وبين الله عز وجل بأنَّ لهُم الجنّة بأنفسهم وأموالهم: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.)

سِرُّ الفتوح الإسلامية


ولهذا السّبب وحده كانت الفتوح الإسلامية في أول الأمر مما لم يعرف التاريخ له مثيلاً، وليس السبب – كما يدعي أعداء الإسلام ويدرس في مدارسنا اليوم – ناشئاً عن حُبّ الغرور والطّمع الماديّ عند العرب، بل أنّه عندما دخل الفتوح شئ من هذا انتهت ، بل انتكست.

الكمال الإنساني


قلنا أنّ الإسلام حقّق المجتمع الفاضل المثالي، ولا يحسبنّ أحد أنّ الإسلام استنزل ملائكة من السّماء أسكنهم في الأرض. ولكنّه أنشأ مجتمعاً مثالياً بإقصى ما في امكانيات الإنسان أن يصل من درجات الكمال: الكمال المحدود بحدود الإنسان، وليس الكمال المطلق الذي لا يكون إلاّ للصفات الإلهية.
وإنّما حقق الإسلام المجتمع المثالي بتطبيق أنظمة الإسلام المنبثقة عن عقيدته، بعد أن ركّز تلك العقيدة، وجعلها الحارسة على على تطبيق تلك الأنظمة في المجتمع. وقد حقق بتطبيق تلك الأنظمة الإسلامية السّعادة في المجتمع الإسلامي، لأنها أنظمة تكفلب حاجات الإنسان وتحفزه على التقدم والكمال، ففي الإجتماع عرفت المرأة مكانها في المجتمع، وعرف الرّجل مكانه فيه، فحصل بينهما التّعاون، ولم يحصل الاختلاط فانحسم الشّر وحفظ كيان العائلة. وفي الاقتصاد حقق المجتمع الاسلامي مستوى طيباً من العيش إلى حدّ أنه لم لم يكن فيه فقير يقبل الزّكاة، ولم يترك فيه عاجز دون خادم ولا أعمى دون قائد. وفي الحكم كان رئيس الدّولة يرى السّيادة للشّرع، ويقر للمسلمين بأنّ لهم حق ضمان تطبيق الإسلام، وتقويمن اعوجاج الخليفة إذا حاد عن الإسلام.
وقد كان تطبيق الإسلام هو الميزان الحسّاس الذي به ترتفع الأمة أو تنخفض، فإذا أحسن استعماله ارتفعت، وإذا أسئ تطبيقه انخفضت بنسبة الإحسان والإسائة. والذي تلاقيه الأمة الإسلامية من المصائب والنكبات، ومن الهبوط والتأخر، إنّما هو نتيجة طبيعية لإساءة تطبيق الإسلام أو لترك العمل به، إذ يقع الإختلال والضعف في المجتمع الإسلامي، وليس هو جزاء دنيوياً ولا عقاباً على الذنوب، فكلما ينتج تعرض الإنسان للهواء في حالة ما، المرض نتيجة طبيعية ، لأنّه إذا حصل السّبب حصل المسبب، ولا يكون المرض عقاباص ولا جزاء على تعرضه للهواء، فكذلك ما يحصل للأمة الإسلامية من مصائب ونكبات، إنّما هو نتيجة طبيعية لإخلالها بنظام الإسلام، لأنَّ هذا سبب لذلك.
وأمّا الجزاء على الذنوب، فإن كان دنيوياً كالعقوبة قامت به الدولة الإسلامية، وإن كان أخروياً لاقاه الإنسان في اليوم الآخر وهو يوم الحساب، ولا يعذب الله في الدنيا على الذنوب لا عذاباً فردياً ولا عذاباً جماعياً، بل يأخر العذاب على الذنوب إلى يوم القيامة. قال تعالى في سورة ابراهيم : وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ. وقال تعالى من سورة فاطر : وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا. وقال الله تعالى من سورة الأنفال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. فلا يكون العمى مثلاً جزاء على يمين كاذبةٍ، ولا الفقر أو الشلل مثلاً جزاء على السرقة، ولا يكون انكسار ألأمّة في حرب جزاء انتشار الزنا أو المعصية فيها، ولا تسلط العدو على بلادا عقاباً على شربها للخمر، وسدورها في الغي، لأنّ الله تعالى إنّما يربط الأسباب بالمسببات ربطاً صحيحاً، ولا بدّ أن يكون السّبب منتجاً المسبب، فتكون العدوى سبباً في المرض، ولا يكةن ترك الصلاة مثلاً سبباً فيه.

طريقة الإسلا م

وأمّا طريقته التي أدّى بها الرّسالة، فهي أنّه بدأ بالأفراد بوصفهم أفراد في المجتمع رجالاً ونساء، فعلمهم وثقفهم بالاسلام وهيأهم بعقائده، وغيّ ر مفاهيمهم المغلوطة بمفاهيم صحيحة، وأيقظ فيهم الوعي الصحيح، وأرشدهم إلى وجهة النظر في الحياة.

أخذ الإسلام هؤلاء لا ليربيهم تربية فردية كتربية المدارس، وإنّما ليربيهم تربية جماعية. وكتلهم حول حول مبدئهم الإسلامي تكتيلاً مؤثراً بروحه الدفاقة، إنشائياً بحثه على التقدم وموافقته الفطرة وسنة الحياة، أرتقائياً يأخذ بيد الإنسان في مراقي الفلاح والسعادة، ولذلك احتضنوه وتكفلوه واضطلعوا بأعبائه، وأوجدوا في مجتمعهم جوّاً لفكرتهم ومبدئهم وعقيدتهم.

وظلّ النبي ثلاث عشرة سنة في مكة يغرس العقيدة في النفوس ويربي الفئة المختارة، وهذه الفئة التي خرجت باعتناقها عقيدة الإسلام من بيئة ذهنية جاهلية إلى بيئة ذهنية اسلامية، والتي حرص النبي على بقائها في البيئة الفكرية الإسلامية، حرصاً جعله يكتلهم في دار الأرقم ويجحعل هذه الدّار المصح النفسي لهم، الذي فيه تشفى نفوسهم وتسمو، وتتسع عقولهم وتنمو، ويزداد ايمانهم ويقوى، حتّى يكونوا طاقات مشرقة ملتهبة تحرق الفساد، وتضئ طريق الصلاح.

وظلّ الرسول يوجد الأجواء الصالحة لبث الدعوة، ويكافح الفئة الحاكمة المتمثلة في قريش، والمعتقدات الباطلة، حتىّ رأى أنّ الفئة الحاكمة في مكة لا يمكن أن تتخلى عن قديمها الذي ترى فيه مجدها، وأنّ الكفاح يقتضي - بعد تأصيل المبدأ في النفوس - قوى مادية، لأنّ المادة لا تدفع إلا بالمادة. فانتقل إلى المدينة المنورة التي كان قد اعتنق الاس لام فيها كثيرون، وتفاعل الاسلام في نفوسهم، ووجد الجو الاسلامي الصالح، فأوجد محمد الدولة الاسلامية. وابتدأ المرحلة العملية بتطبيق الاسلام عن طريق الدولة.
الطريقة الانقلابية في الحكم

وكانت طريقة محمد صلى الله عليه وسلم في الحكم طريقة انقلابية تطبق الأحكام دفعة واحدة، بصورة شاملة لجميع نواحي الحياة. وبعبارة أخرى ترفع نظاماً فاسداً وتضع بدله نظامها الصحيح، ولا ترى الترقيع في الاصلاح إلا تعويقاً للإصلاح.

وليس التدرج من الطريقة الاسلامية، لا في التشريع ولا في التوجيه، فإذا حرّم الإسلام شيئاً أو أوجبه، فإنّما يحرمه أو يوجبه بتةً دفعةً واحدةً، أي تحريماً وايجاباً انقلابياً.
وأمّا ما درج عليه البعض من أنّه حرّم الخمر تدريجياً فلا صحة له. وهو مفهوم مغلوط، لأنّ الله لم يحرم الخمر تدريجياً، بل حرّمها دفعة واحدة. وما سبق آية التحريم من الآيات المتعلقة بالخمر لم يكن تحريماً، وإنّما كان تهيئة للتحريم بايجاد الجو الملائم لذلك عند الناس، فقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس واثمهما أكبر من نفعهما ﴾ليس فيه تحريم للخمر، وقوله تعالى : ﴿ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾كذلك ليس فيه تحريم لها. ولذلك لم يمتنع المسلمون عن شربها بعد نزول هاتين الآيتين، لأنهم لم يفهمةا منهما تحريماً . فلما نزل قوله تعالى : ﴿إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه.﴾ أقلعوا عن شربها، لأنّ في ذلك تحريم للخمر صريحاً ومؤكداً. فما سبق آية التحريم هذه هو اعداد للجو فقط. والتدريج يكون في الإعداد والتهيئة فقط، ولا يجوز أن يكون في التشريع أو التنفيذ.
__________________
مراحل الطريقة في إداء الرّسالة
الطريقة التي أدى بها محمد صلى الله عليه وسلم رسالة الإسلام هي الحكم. وتوصل اليه بمراحل ثلاث:


1- تثقيف أفراد بالدّعوة اتخذهم كتلة لتكوين القيادة تنمو شيئاً فشيئاً، وتعتبر الأمّة بأسرها حزبها.
2- التفاعل مع الأمّة لإفهامها مبدأ الإسلام ، وربط مصالحها بالإسلام، وبالكفاح في سبيل الإسلام، حتى ترى الأمّة أنّ الكفاح في سبيل الإسلام هو كفاح في سبيل الأمّة.
3- تولي الحكم لتطبيق أنظمة الإسلام مع استمرار القيام بالدعوة في الداخل والخارج.

 
الإسلام علاج سماوي


كانت حالة العالم قبل محمد عليه الصلاة والسلام كما وصفنا . وجاء محمد فعالجها برسالة الاسلام لا برسالة من عنده. وليست هذه الرسالة كما يقول الملحدون: انتفاضة عربية جاءت بمحمد وقرآنه، فصلح لزمانه، وسوف يأتي العرب بانتفاضة أخرى صالحة لأزمنتها.
كلا، إنّ هذا ضلال وتضليل، فليست رسالة الاسلام انتفاضة عربية، وإنما هي أمر سماوي. والانتفاضة كلمة مخترعة لمعنى غامض يراد بها التدليس ليس غير. وليس محمد عليه الصلاة والسلام أثراً من هذه الانتفاضة – وتصف ألسنتهم الكذب – وإنّما هو رسول اختاره الله ليؤدي رسالته وليس له فيها شئ( إن هو إلا وحي يوحى ) . والقرآن الكريم ليس قرآن محمد ، وإنّما هو كلام الله تعالى ليس لمحمد فيه حرف واحد ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين ) ( وانك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ) ( أم يقولون تقوّله ؟ بل لا يؤمنون ).
ولا يضير محمداً الاّ تكون الرسالة من وحي فكره، وألا يكون القرآن من عمله، فإنّ المهمة التي اضطلع بها محمد لا يقوم بها إلا محمد رسول الله. وبذلك وحده قد علا قدراً، وجلّ سُمواً عن العالم جميعاً، فإنّ الله أعده لحمل هذه الرسالة بالخّلق والتكوين، وألزمه بتكاليف شاقة يتقوى بها عليها ( يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلاً، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا، إنّا سنلقي عليك قولاً ثقيلا ).
مرتبة محمد

واذا فاق محمد العالم فلا يكون هو الأول في المرتبة ، ويأتي من بعده – كائناً من كان – في الدرجة الثانية، بل هناك فجوة واسعه – سعة الكون – لا يلحقه فيها أحد، ولا يتعلق بغباره انسان.
لا نهضة بعد اليوم الا برسالة محمد
ومحمد بعد ذلك خاتم النبيين والمرسلين، فاذا أراد الله للمسلمين ومنهم العرب أن ينهضوا من كبوتهم ، فانما يكون ذلك على أساس رسالة محمد فقط، ولا نهضة لهم بسواها، فلا انتفاضة تأتي بمحمد آخر ، ولا بقرآن جديد. ولن يخلص العالم كله شقائه ألا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام.
****
ما مضى من القول عرفنا منه كيف كانت حالة العالم قبل محمد، وكيف صلح برسالة محمد. بقي أن نعرف ماى هي الحالة اليوم وما هو علاجها.

 
حالة العالم اليوم

إنّ حالة العالم في يومه الحاضر أشبه بحالته في أمسه الدابرمن الماء بالماء، فالعالم اليوم تسيطر عليه قوتان كبيرتان: قوّة في الشّرق وقوة في الغرب. والقوتان تتناحران في غير سبيل الله، وقد طغت عليهما المادة، وأقاما مجتمعاتها على أساسها، فضاعت القيم الإنسانية، والأهداف العليا لصيانة المجتمع.

والمسلمون جميعاً ومنهم العرب واقعون بين هاتين القوتين، وإن كان نفوذ القوة الغربية - ولا سيما بريطانيا وأمريكا - هو النفوذ المباشر في بلاد العرب والاسلام. والعملاء هم العملاء يحكمون للمستعمر ويأتمرون بأمره، ويرون وجودهم متعاقاً بوجوده. والمسلمون ومنهم العرب ليس لهم وزن في السياسة الدولية.
مباديء لا قوميات - سبق الإسلام
والعالم في شرقه وغربه متفق اليوم - بعد التجربة التي خابت فيها الوطنيات والقوميات، أو انقضى عصرها - على ضرورة توحيد العالم في مبدأ واحد. وهذا الأمر وصل إليه الإسلام قبل نحو أربعة عشر قرناً ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ) ولكنّ قوتي الشّرق والغرب تريد كلّ منهما أن يسود مبدؤها العالم. كلّ هذا والعالم الإسلامي ومنه العربي لا يكاد يعرف مكانه ولا يعي على وجوده، حتى هزته المصائب هزاً عنيفاً، فبدأ يصحو من سباته، ويتحسس وجوده.
الثلّة الواعية

وأخذت الثلة الواعية تبحث في الأسباب والنتائج لهذه الهزات، وتبحث في الوسائل التي تنفذ منها. وقد شمل البحث ماضي الأمّة وحاضرها ومستقبلها، وتاريخ النهضات والمقارنات والمفاضلات.
الفئة المختارة
وبينا أخذت كلّ جماعة من هذه الثلة المختارة تخوض في حديث، وتميل إلى رأي، وتسير في درب، برزت فئة مختارة من هذه الثلة الواعية، إهتدت إلى مبدأها واختارته بعد الدراسة العميقة والبحث المستقصي. وهذا المبدأ هو الاسلام في فكرته وطريقته. وإنّما اختارته لعدة أمور منها أمور عامة، ومها أمور خاصة.

أمّا الأمور العامّة فهي:
1- الإسلام من عند الله ، والمبادئ الأخرى من عند الناس، والله خالق الكون وأعلم بما يصلحه ويفسده. والناس مهما علت مداركهم قاصرون عن اختراق حجب الغيب ، ولذلك لا يصلون إلى ما يصلح أمور الناس.

2- إنّ المبدأين القائمين : الرأسمالية، والإشتراكية التي هي تدرج للشيوعية في رأيهم، مبدءآن تقوم فلسفتهما على المادة وحدها أو على اعتبار المادة مفصولة عن الروح. والكون - انساناً وغير انسان - وإن كان مادة ، إلا أنّه يجب أن يراعى فيه أنّه مخلوق للله تعالى، ففيه ناحية روحيّة. ولولا هذه الناحية لما كان موجوداً، ولذلك كان المبدأ الصحيح هو الذي يكون نهجاً من الحياة لا يختلف عنها.
والاسلام بنى فلسفته على مزج المادة بالروح، ولذلك كان هو الذي يوافق نهج الحياة.
3- لقد جُرّب الإسلام وطبق فكان عالمه مثالياً. وما دخل الاسلام في بلد إلا أقبل أهله على اعتناقه فصهر عقائد شعوب مختلفة ومذاهبها وتقاليدها ومشاعرها، من عرب وعجم وبربر: - صهرها في بوتقته، وأخرجها كلّها في وقت قصير أمّة واحدة ذات مشاعر واحدة وتقاليد ولغة واحدة، لأنها تجمعها عقيدة واحدة ينبثق عنها نظامها. ولما تُرك الإسلام ذل أهله. وجرب غيرالإسلام فلم يأدِ إلى شئ من سعادة العالم. وما دخل غير الإسلام بلداً إلا أورثها القلاقل ولم ينسجم مع أهلها، وكان حرباً عليهم، وكانوا حرباً عليه. وكفاح الاستعمار له تاريخ طويل لا يخفى على أحد.
وأمّا الأمور الخاصة فهي:

1- لا يمكن لأمّة أن تتخلى عمّا عندها من تراث إلا لإذا كان يؤخرها عن ركب المدنية. أمّا إذا كان ما عندها خيراً مما عند غيرها فمن الطبيعي أن تتمسك به دون سواه. وليس هذا وحسب، بل عليها أن تدعو له حتى حتى يكون مبدأ الانسانية كلّها، ليتفيأ العالم ظلال نظام واحد فيه الرّحمة والخير والسّعادة.

2- إنّ مبدأ الإسلام هو الذي يوافق عقيدتنا ويحفظ كياننا. وهذا فضلاً عن كون الإسلام من حيث كونه مبدءاً ونظاماً، خير من أي نظام آخر.

من هذه الأسباب التي دعت الفئة المختارة لإختيار مبدأ غلإسلام، ومن المؤكد أنه لو تصور المخالفون لنا من اتباع المذاهب الأجنبية أنّ المسلمين ومنهم العرب قادرون على أن يصبحوا دولة تمسك بذمام المبادرة،وتنتزع القيادة من المعسكرين القائمين، لمشوا في الرّكاب ولنبذوا الخلاف. ولكنّ هؤلاء لا يؤمنون بأنفسهم وإمكانتاتهم، ويؤمنون بالأجنبي ويعتمدون عليه. ولذلك يسلمون أنفسهم وأمتهم للإنتحار السياسي سلفاً. ومن المؤكد كذلك أنّ المسلمين ومنهم العرب - وهم في بقعة من أكبر بقاع الأ رض وأفضلها وأغناها - ليس بينمهم وبين أن يُكَونوا هذه الدّولة المنتظرة ، إلا أن يستأنفوا الحياة الإسلامية، ويحملوا الدّعوة الإسلامية.
الطريقة

أمّا طريقة ذلك اليوم، فهي طريقة الإسلام نفسها من قبل. وهي ايجاد كتلة تقوم على قيادة الدّعوة: تتفهم مبدأها ثمّ تتفاعل به مع الأمّة، وتكافح في سبيله، ثمّ تتولى الحكم عن طريق الأمّة فتنفذ الاسلام في جميع مناحي الحياة إنقلابياً . وبعد أن تحقق به السّعادة في مجتمعها، تحمل مشعل نوره إلى العالم.
 
داود حمدان

 

 

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان

×