اذهب الي المحتوي
ياسر صابر

الأزمات الإقتصادية بين الإسلام والرأسمالية

Recommended Posts

الأزمات الإقتصادية بين الإسلام والرأسمالية

 

 

د. ياسر صابر 26.12.2012

 

 

لقد عصفت أزمات إقتصادية متلاحقة بالغرب، كان آخرها فى صيف 2008، وظن كثير من الناس أنها قد إنتهت، وأن الساسة الغربيين إستطاعوا إيجاد حلولاً لها، إلا أن هذه الأزمات لم تنتهى بعد ولايرجى لها نهاية ، ومن الغريب أن هذه الأزمات قد طالت العالم الإسلامى بالرغم من تركز أربعة أخماس ثروات العالم به ! فهل هذه الأزمات هى أزمة مال أم أزمة مبدأ ؟ وماهى الأسباب الحقيقية وراء هذه الأزمات ؟ وهل يمكن أن تحدث مثل هذه الأزمات فى ظل النظام الإقتصادى فى الإسلام ؟

إن الإقتصاد إصطلاحاً يعنى تدبير شؤون المال ، بإيجاده إبتداءاً أو تنميته أو توزيعه ، وحين نتحدث عن أزمة إقتصادية فإننا نعنى بها مشاكل يصعب حلها تتعلق بتدبير شؤون المال ، ومن الأسباب الهامة التى أدت إلى أزمات إقتصادية هى إختلال النظام النقدى ، وطبيعة النظام الربوى، وأنواع الملكية فى النظام الرأسمالى . وسوف نتعرض لها بشىء من التفصيل لتوضيحها، ثم بعد ذلك سوف نبين واقعها فى الإسلام ونعطى الإجابة على التساؤل الخاص بإمكانية حدوث مثل هذه الأزمات فى النظام الإسلامى .

  1. النظام النقدى

من أجل فهم أسباب هذه الأزمات التى بدأت منذ بداية القرن الماضى لابد للتعرض إلى النظام النقدى فى العالم، والذى تطور فى المائة عام الأخيرة بشكل إنقلابى جعل منه البلاء الكبير. ولفهم النظام النقدى وماطرأ عليه من تغيير، علينا أن نفهم نشأته إبتداءاً.

إن الإنسان لايستطيع أن يعيش منعزلاً فى مجتمعه بل يسعى إلى أن يتبادل مع غيره السلع والخدمات، وفى المجتمعات البدائية كانت تتم هذه المبادلات بشىء كبير من البساطة، فمن يحتاج إلى سلعة كان يستبدلها بسلعة أخرى متوفرة لديه، فكان يستبدل القمح بالأرز مثلاً أو التمر بالشعير، ولم تتوقف عملية المبادلة على السلع بل تعدتها إلى الخدمات، فكان يمكن مبادلة جهد بسلعة أو سلعة بجهد أو جهد بجهد، كأن يذهب عامل للحفر يحفر بئراً عند طبيب مقابل خدمة من الطبيب تُقدم إليه وهكذا. ومع تقدم المجتمعات وتعقدها صارت عملية المبادلة صعبة، وهذا مما جعل هناك حاجة ملحة لأن تتخذ المجتمعات مقياساً تقدر به قيمة السلعة أو الخدمة فيما يعرف بالثمن أو الأجر. ولكى يكون هذا المقياس معبراً عن القيمة سواء كانت قيمة سلعة (ثمن) أو قيمة جهد (أجر) يجب أن يحمل هذا المقياس قيمة حقيقية فى ذاته ، فكان الذهب والفضة هما المقياس الذى إتخذته البشرية لتقدر به القيمة سواء الثمن أو الأجر.

فقد إتخذت الدولة الرومانية الدنانير الهرقلية نقداً لها وكانت من الذهب، والدولة الفارسية قد إتخذت لها دراهماً فضية نقداً كانت تسمى الدراهم الساسانية، وحين أقام الرسول عليه الصلاة والسلام أول دولة إسلامية فى المدينة تعامل بالدنانير الهرقلية والدراهم الساسانية، وفى عام 20 هجرية أضاف عمر بن الخطاب إليها "بإسم الله وبإسم الله ربى" حتى جاء عام 75 للهجرة وقام عبد الملك بن مروان بنقش أول دنانير كانت هى أول نقد إسلامى فى تاريخ المسلمين. وقد إستقر التعامل بهذا النقد أى الذهب والفضة فى العالم حتى عام 1914 . ولقد تميزت هذه الحقبة من تاريخ البشرية بالإستقرار الإقتصادى وتجنب الأزمات الإقتصادية لأن حركة الإقتصاد فى أى دولة كانت حقيقية، فإذا خرجت سلعاً من أى دولة أو خدمات يدخل مقابل لها ذهباً وفضة أى قيمة حقيقية لها وجود وليست أرقاماً متوهمة ليس لها أى وجود فى دائرة رأس المال الطبيعية. ومن الأشياء التى صاحبت هذه الحقبة أن الأسعار بقيت تقريباً ثابتة على مدى 150 عاماً منذ 1760 حتى عام 1910 دون أى تغيير .

 

وبعد الحرب العالمية الأولى حدث إضطراب فى النقد بسبب المال الذى فُقد فى هذه الحروب ولم يأتى بأى مقابل بمعنى أنه مال مفقود. إلا أنه عام 1922 قد عاد الإستقرار بشكل جزئى إلى ميزان الذهب الذى لم يدوم أكثر من 7 سنوات حيث إنهار تماماً وحدثت الأزمة الإقتصادية الكبيرة عام 1929 المعروفة بالكساد الكبير. ثم تلى ذلك الحرب العالمية الثانية عام 1939 والتى خرجت منها أمريكا منتصرة، وقد إستطاعت بإنتصارها هذا أن تفرض إرادتها فقامت " بشيطنة " النظام النقدى فى إتفاقية بريتون وودز عام 1944 مستغلة تركز ثلثى الذهب الموجود بالعالم على أرضها حيث أبقت على إرتباط الدولار بالذهب، وألغته عن باقى العملات وجعلت الإرتباط مباشراً بين الدولار وهذه العملات، بمعنى أن الدولار أصبح هو المقياس للعملات الأخرى وبسبب تركز الذهب فى ذلك الوقت بالولايات المتحدة إستطاعت أن تغطى الدولار بأكثر من مائة بالمائة من قيمته ذهباً، وأستمر هذا الحال حتى قام نيكسون فى 15 آب عام 1971 بالإلغاء التام للتغطية الذهبية للدولار ومنذ هذا اليوم أصبحت القيمة الحقيقية للدولار لاتتعدى قيمة الورق المطبوع عليه.

وقد أصبح النظام النقدى فى العالم منذ ذلك التاريخ فى حكم العدم، ولايعبر بأى حال من الأحوال عن واقع الحركة الإقتصادية لأى دولة أو قوة إقتصادها الحقيقية، بل كانت القرارات السياسية للدولة هى التى تمنح عملتها القوة أو الضعف، وبعد أن خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية منتصرة إستطاعت أن تنشىء هى المؤسسات المالية العالمية كصندوق النقد الدولى، والبنك الدولى وبهما إستطاعت أن تسيطر على النظام النقدى العالمى بتحكمها المباشر فى عملتها.

كل هذا أدى إلى النتيجة الطبيعية أن النقد الموجود فى العالم لايعبر عن ماتملكه الدول حقيقة من سلع وخدمات، أى أن هناك نسبة كبيرة من المال الموجود غير حقيقية وهذا ماأوجد الإقتصاد غير الحقيقى "unreal economy" وهذا بدوره كان السبب الأول الذى أحدث أزمات إقتصادية ، لأن العلاقة الطبيعية بين المال الموجود والنقد الذى يعبر عن قيمته قد إختلت ومن مظاهر هذا الإختلال حدوث تضخم وإزدياد الأسعار وتقلبها بشكل سريع.

والمصيبة الكبرى من أزمة النقد هى تحكم أمريكا بالعالم من خلال تحكمها بسعر الدولار، لأن باقى دول العالم تتخذه إحتياطياً لعملاتها، أى هو بمثابة الذهب والفضة بالنسبة لعملة تلك البلدان، وهذا يعنى أن أى هزة للدولار تجبر كل دول العالم - التى تحتفظ بإحتياطات كبيرة من الدولار- أن تسارع هى بإنقاذه حتى لاتتضرر. وهذا يعنى بإختصار أن أمريكا قد وضعت كل العالم معها فى سفينتها حتى إذا غرقت فتأخذ الجميع معها، وهذا يفسر محاولات أوروبا والصين إنقاذ الدولار فى عام 2008، وتذكرنا بمحاولات شارل ديجول فى الستينات من محاولة إستعادة نظام الذهب من جديد إلا أن محاولاته باءت بالفشل.

  1. النظام الربوى

إن النظام النقدى الذى إختل فى المائة عام الأخيرة ليس المسؤول الوحيد عن الأزمات الإقتصادية، بل ربما يسبقه فى الترتيب النظام الربوى الذى يقوم عليه الإقتصاد الرأسمالى، والذى لايمكن تصور وجوده بدون الربا ، لأن فكرة الربا أساساً تنسجم مع مقياس الرأسمالية فى الحياة ألا وهو المنفعة . والربا من ناحية إقتصادية يدمر أى إقتصاد ، بصرف النظر عن نسبة الفائدة زادت أم قلت ، لأن الفائدة التى يأخذها المرابى هى إستغلال لجهد الناس . ولأن المال الذى يؤخذ عليه ربا هو مضمون الفائدة وغير معرض للخسارة ، فتكون الزيادة التى تنتج عن المال ليست زيادة حقيقية لأن هذه الزيادة لايقابلها أى تغير طبيعى فى دورة رأس المال وهذا يؤدى إلى خلق المال كما يُعبر عنه أهل الإقتصاد ، وخلق المال هذا يؤدى بدوره إلى فقدان المال لقيمته وبالتالى زيادة معدلات التضخم وحدوث أزمات إقتصادية.

إن الربا يدفع الناس إلى إيداع أموالهم فى البنوك من أجل تحصيل فائدة مضمونة ، وبالتالى حين يدخل هذا المال إلى البنك فإنه يخرج من دائرة رأس المال ، وتحدث بذلك ثغرة تؤثر سلبياً على الإقتصاد . وبالرغم من الإعتقاد الذى ساد بين علماء الإقتصاد بأن خروج هذا المال من البنك فى صورة قروض إستثمارية يسد الفجوة التى أحدثها إدخار المال إبتداءاً ، إلا أنهم إكتشفوا أن هذه المعادلة بين الإدخار والإقراض لاتسير كما يتصورون وبأنها آلية غير مضمونة لمنع أزمات إقتصادية . لأنه حين تزداد الفائدة الربوية يقبل الكثيرون من الناس على الإدخار بينما تقل الرغبة للإقتراض بسبب الفوائد العالية وبالتالى يحدث خلل إقتصادى ، والعكس صحيح حين تقل الفوائد يزداد الإقبال على الإقتراض وتقل الرغبة فى الإدخار ، ولهذا قامت الدول بالتدخل من أجل تحديد سعر الفائدة .

إن كثيراً من الناس يتوهمون أن النظام الربوى لا يتأتى منه ضرر لأحد ، طالماً أن المال الذى تؤخذ عليه فائدة يتم إستثماره ، لأنهم لايدركون آلية هذه العملية وكيف تؤدى مباشرة إلى مشاكل إقتصادية كبيرة تؤدى إلى إرهاق الطبقة المتوسطة ، بينما تزداد الطبقة الغنية غناً ، وبكلمات أخرى فإن مشكلة سوء التوزيع التى تعتبر العقدة الكبرى فى النظام الرأسمالى تزداد سوءاً . ويحدث هذا كالأتى : حين تقوم شركة بالإقتراض من أحد البنوك فهى تدفع فوائد على هذا القرض ، ولأنها تقترض من أجل الربح وليس من أجل الخسارة فهى تقوم بإدخال كل النفقات الجديدة ومنها الفوائد وفوائد الفوائد فى سعر المنتج الذى تقدمه ، والسؤال الأن : من يدفع هذه الزيادة التى تم إدخالها على المنتج الذى قدمته الشركة المستثمرة ؟ الإجابة بإختصار هو المستهلك ، وهذا يعنى أن الزيادة سوف يتحملها الإنسان البسيط الذى يأخذ القليل تحت مسمى الفوائد الربوية ، لأن دخله يناظر إستهلاكه ، فى حين أن الأغنياء لايتأثرون بهذه الزيادة لأن أموالهم التى يضعونها فى البنوك كبيرة وبالتالى الزيادة التى يدفعونها على إحتياجاتهم من السلع والخدمات لاتقارن بالزيادة الكبيرة لرؤوس أموالهم والفوائد المضاعفة التى يأخذونها ، بكلمات أخرى يعانى الفقير ويزداد فقراً بينما يزداد الغنى غناً.

هذا إذا نظرنا للمسألة من ناحية الإنتاج ، أى القروض الإستثمارية ، أما الجانب الأخر المتعلق بالقروض الإستهلاكية فحدث ولاحرج لأن هذا هو السائد الأن حيث يعجز الناس على تدبير أمور حياتهم بالشكل الطبيعى فيلجأون إلى الإقتراض من البنوك لشراء حاجاتهم ، وهذه القروض يتم أخذ فائدة عليها وفوائد على الفوائد نفسها مما تجعل مدخرات الناس بالسالب. ويظهر هذا أيضاً على الدول التى تقوم بالإقتراض خاصة دول العالم الثالث التى أهلكتها الديون وتنتج فقط من أجل سداد فوائد الفوائد .

إن هذا النظام الربوى إذا إقترن بنظام النقد الحديث الذى لايعتمد على الذهب والفضة ، يصبح وبالاً على المجتمع والدول ، وقد أدرك الغرب هذه المشاكل التى تعلقت بنظام الربا وحاول أن يقدم لها حلولاً وكان أول تصوراته هو خفض سعر الفائدة ، إلا أن هذا لم يحل المشكلة فبدأت مصارحة الذات بأن المشكلة ليست فى نسبة الفائدة بل فى النظام كله أى النظام الربوى ، وبدأت تتعالى الصيحات فى الغرب بضرورة إلغاء الفائدة ، وبأن الزيادة التى تحدث على المال يجب أن تكون زيادة طبيعية بقدر مايحقق هذا المال من ربح وخسارة فى دورة رأس المال. وبالرغم من أن قناعات الإقتصاديين فى الغرب قد وصلت إبان الأزمة الحالية التى بدأت فى 2008 إلى ضرورة التخلص من النظام الربوى إلا أن المشكلة التى تواجههم ، هى السؤال الكبير : وماذا بعد ؟

  1. المُلكية

إن شكل المُلكية والطريقة التى يتم تملك المال على أساسها فى النظام الرأسمالى لاتساهم فقط فى حدوث أزمات إقتصادية ، بل تزيد الأزمات تأزماً . فبينما حصرت الإشتراكية المُلكية فى الدولة وحرمت الأفراد منها ، جاءت الرأسمالية لتقول بحرية التملك ، فأباحت للفرد أن يتملك مايشاء ، لذلك طغت المُلكية الفردية على هذا المبدأ ، بل يمكن القول أن المُلكية الفردية هى النوع الوحيد الذى يعرفه المبدأ الرأسمالى، إذا وضعنا فى الإعتبار أن مايندرج تحت القطاع العام يجوز أيضاً للأفراد تملكه، وهذا يعنى أن الفرد يمكن أن يتملك ماهو حق للجماعة مثل آبار النفط ومصادر الثروة ، كما يمكنه أن يتملك الطرق والجسور ويؤجرها للناس إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

وإذا دققنا النظر فى شكل المُلكية فى هذا النظام ندرك أن سوء التوزيع للثروة هو الغالب عليه ، لأن من يستطيع أن يتملك ماهو حق للجماعة ، يستطيع أن يمنع من يشاء من الوصول إليه ، لأنه صاحب سلطان على مايملك ، وهذا يعنى أن حيازة الثروة إبتداءاً لاتتوقف على حاجة الناس إليها، بل على قدرتهم على تملكها ، أو بكلمات أخرى سيصبح الغنى هو القادر على تملك مزيد من الثروة ، فى حين أن الفقير الذى دعته الحاجة إلى التملك سوف يزداد فقراً ، وهذا يؤدى إلى تركز الثروة فى أيدى فئة قليلة من الناس دون غيرهم ، مما يعنى زيادة فقر الأفراد .

وفى إبان الأزمة الإقتصادية عام 2008 أدرك ساسة الغرب هذه المشكلة فسارعوا إلى مسألة التأميم مع أنها غريبة على المبدأ الرأسمالى ، ولكن دفعهم إلى ذلك محاولة إنقاذ مايمكن إنقاذه حتى يعيدوا بعض الثقة إلى الناس التى تتعامل مع المؤسسات المالية التى تم تأميمها وبالتالى الحيلولة دون الإنهيار السريع للنظام.

وبالإضافة إلى النظام النقدى والنظام الربوى وشكل المُلكية فى النظام الرأسمالى ، تأتى أسباب أخرى غير مباشرة تؤدى إلى حدوث أزمات إقتصادية ونذكر منها وجهة النظر فى الحياة ، فالنظرة للحياة التى يحملها أصحاب هذا المبدأ ، أن الحياة هى دار متعة ، والسعادة فيها هى نوال أكبر قدر ممكن من المتع الحسية " وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ " الجاثية 24 ، فالناس تندفع دفعاً إلى الإنفاق على كل مايظنونه مصدراً للسعادة ، ويتحول المجتمع إلى مجتمع إستهلاكى أكثر منه إنتاجى مما يؤدى إلى عجز فى ميزانهم التجارى ويزيد من ديونهم ، وعلى سبيل المثال الدولة الأولى فى العالم والتى إتخذت عملتها مقياساً لكل العملات وهى الولايات المتحدة الأمريكية قد بلغ العجز التجارى فيها عام 2008 إلى 816 مليار دولار ، أى أن هذا المجتمع أصبح يستهلك مايزيد عن إنتاجه بما يساوى هذا الرقم .

هذه هى الأسباب الهامة التى تؤدى إلى حدوث أزمات إقتصادية ، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن هذه الأزمات يحملها المبدأ الرأسمالى فى أحشائه ، فهى ملازمة له وجوداً وعدماً ولايصلح معها ترقيع هنا وترقيع هناك لأن هذه الترقيعات ماهى إلا معالجة لأعراض المرض ، أما المرض الأساسى فهو فى المبدأ الرأسمالى نفسه ، وفى هذا السياق يقول روجر تيري في كتابه المعنون بـ "جنون الاقتصاد": (يعرف الأميركيون أن هناك خطأ ما في أميركا، ولكنهم لا يعرفون ما هو، ولا يعرفون لماذا ذلك الخطأ، والأهم من كل ذلك فهم لا يعرفون كيف يصلحون ذلك الخطأ، وكل ما بإمكانهم هو الإشارة إلى أعراض المرض فقط ... وفي الحقيقة فإن بعض ما يسمى حلولاً يزيد الطين بلة، ذلك أن تلك الحلول تحاول أن تغير نتائج النظام دون تغيير النظام الذي أفرز تلك النتائج ... إن المشكلة لا تكمن في كيفية تطبيق نظامنا الاقتصادي، فنظامنا الاقتصادي بعينه هو المشكلة. إن الخطأ هو في التركيبة الأساسية لنظامنا الاقتصادي، ولن تكون الحلول الجزئية وتضميد النتائج حلاًّ يذهب بالمشاكل، إذا أردنا الوصول إلى مُثُلِنا فيجب اقتلاع المشاكل من جذورها لا بقصقصة بعض الأوراق، وعلينا أن نحاكم الأسس والافتراضات كلَّها التي تسيِّر نظامنا وكشفها كما هي على حقيقتها ).

الإسلام والحيلولة دون الأزمات

إن الإسلام قد حال دون وقوع مثل هذه الأزمات الناتجة عن النظام النقدى لأن الإسلام قد حدد النقد فى الدولة بالذهب والفضة ولايجوز للدولة الإسلامية إذا إتخذت لها نقداً إلا أن يكون ذهباً وفضة . فالإسلام حين نهى عن كنز المال قد خص الذهب والفضة بالنهى ، مع أن المال هو كل مايتمول به وليس محصوراً فى الذهب والفضة مما يدل على أن النهى الذى ذكرته آية الكنز هو نهى عن كنز النقد . ويدل على ذلك أيضاً أن الإسلام قد ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة كحد القطع أو الدية أو زكاة النقد ونصابها . لهذا فإن نظام النقد فى الدولة الإسلامية يحول دون وقوع مثل هذه الأزمات ويجعل الدولة مستقرة إقتصادياً ولو أضفنا إلى ذلك تركز ثروات العالم فى بلاد المسلمين ندرك أن المسلمين بيدهم التحكم بأمريكا بل بإسقاطها وإسقاط النظام الرأسمالى دون حروب بمجرد إقامة دولة مبدئية تتخذ الذهب والفضة نقداً لها .

أما مايتعلق بالربا فإن الإسلام لم يحرم الربا فقط بل توعد آكله بحرب من الله ورسوله ، ووصف القرآن من يتعامل بالربا كالذى مسه الشيطان " الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ" البقرة 275 . ولم يكتفى الإسلام بتحريم الربا ، بل قدم النظام الذى يحول دون حدوثه ، فقد أوجب على الدولة أن تسد حاجة رعاياها من أجل العيش ، أما من يحتاج للمال من أجل إستثماره فقد ندب الإسلام إقراض المال دون ربا ، فقد روى إبن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " مامن مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة " ، ثم أتى الإسلام بأحكام الشركات وبين الطرق الشرعية التى يتم بها تنمية الملك . إن المجتمع الذى يُطبق فيه الإسلام لاتوجد فيه حاجة للربا ، وبالتالى تتلاشى الأسباب التى تؤدى إلى أزمات إقتصادية ، وإن كان الغرب قد وصل الأن إلى تشخيص المشكلة عنده بأنها هى النظام الربوى ، إلا أنه لم يهتدى للحل بعد ، وفى إنتظار من يحمله له ، وهذا لن يكون إلا بدولة تقوم على أساس العقيدة الإسلامية وبالتالى تطبق النظام الإقتصادى المنبثق عن هذه العقيدة فيظهر أثره فى المجتمع الإسلامى وبالتالى نقدمه للغرب كبديل لرأسماليته الظالمة .

أما مايتعلق بالملكية فقد حال الإسلام دون حدوث أزمات تنتج عن التصور الخاطىء لها ، فالإسلام لم يمنع الفرد من التملك كما فعلت الإشتراكية ، ولم يطلق العنان للإنسان ليتملك كيفما شاء بل جعل التملك حقاً للإنسان وحدد له أسبابأ يتملك بموجبها ولم يحدد له كمية مايتملكه. والإسلام قد صان حق الجماعة فجعل كل ماتتفرق الجماعة فى طلبه وكل ماهو من مرافقها ، إعتبره ملكية عامة وصانها من تعدى الأفراد عليها وأوجب على الدولة إدراتها وإنفاق وارداتها على الجماعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلمون شركاء فى ثلاثة: فى الماء والكلأ والنار " رواه أحمد وأبو داود . أما الدولة فقد جعل الإسلام لها ملكية خاصة بها هى ملكية الدولة ، وبها تستغنى الدولة عن فرض الضرائب الدائمية على رعاياها ، ومما هو معروف أن بيت المال فى الدولة الإسلامية قد زاد به الخير حين حملت الدولة الإسلام رسالة هدى ورحمة للعالمين ، فأستغنت الدولة عن الإقتراض وبالتالى كانت صاحبة سيادة حقيقية .

أما مايتعلق بالنظرة إلى الحياة فقد إعتبر الإسلام السعادة هى نوال رضوان الله " وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ " القصص 77 ، وإعتبر الإسلام الحصول على المال وسيلة لإشباع الحاجات ونهى عن تملكه من أجل التفاخر ، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من طلب الدنيا حلالاً استعفافاً ، وسعياً على أهله ، وتعطفاً على جاره ، جاء يوم القيامة وجهه كالقمر ليلة البدر ، ومن طلب الدنيا حلالاً، مفاخراً، مكاثراً، مرائياً، لقى الله وهو عليه غضبان "، رواه بن أبى شيبة فى مصنفه.

هذه هى الرأسمالية نتاج العقل البشرى ومانتج عنها من أزمات ، وهذا هو الإسلام تشريع رب العالمين وماأتى به من حلول لمشاكل الإنسان، وهانحن اليوم نرى البشرية تتخبط فى دياجير الظلام ولامنقذ لها إلا مانزل به الوحى قبل أربعة عشر قرناً من الزمن ، وهذا لن يكون إلا بإقامة دولة الإسلام التى تباشر من يومها الأول تطبيق مانزل به الوحى ، وحمله رسالة هدى ورحمة للعالمين فنخرج به الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والأخرة ومن ظلم الرأسمالية إلى عدل الإسلام.

 

 

" أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" التوبة 109

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

 

لقد عصفت أزمات إقتصادية متلاحقة بالغرب، كان آخرها فى صيف 2008،

 

بارك الله فيك اخي.

هلا ذكرت لنا باختصار الازمات التي حصلت منذ ان ظهر المبدأ الرأسمالي؟

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم

 

ندعو أخانا د. ياسر الصابر من أرض الكنانة أن يشاركنا ويتفاعل معنا أكثر في منتدى العقاب

 

فنحن بحاجة لأمثاله لإثراء الفكر الإسلامي وخصوصا في مسائل الاقتصاد والسياسة والحكم

 

مع تحياتنا لكم

تم تعديل بواسطه يوسف الساريسي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بارك الله بك أخى يوسف الساريسى

 

أنا بينكم لأستفيد منكم

 

أخى خلافة راشدة سوف أكتب فى تاريخ الأزمات إن شاء الله

 

هذا الموضوع هو خلاصة محاضرتين ألقيتهم فى صيف 2008 إبان تفاقم الأزمة الإقتصادية يمكن للإخوة الإطلاع عليهما تحت الروابط أدناه ، ففبهما تفصيل وشرح واف

 

 

 

 

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

انشئ حساب جديد او قم بتسجيل دخولك لتتمكن من اضافه تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

انشئ حساب جديد

سجل حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجل حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلك حساب بالفعل ؟ سجل دخولك من هنا.

سجل دخولك الان

×