Jump to content

Leaderboard


Popular Content

Showing content with the highest reputation on 02/24/2019 in all areas

  1. 1 point
    بسم الله الرحمن الرحيم الحكم الجماعي في ميزان الاسلام لم تعرف المجتمعات على مر التاريخ مجتمعا بقيادة جماعية أي بعدة رؤوس أو برأسين حيث يكون أفراد القادة الجماعية متساوون في الإرادة وفي اتخاذ القرار. وعندما أرسل الله نبيه موسى عليه السلام وأرسل معه أخاه هارون عليه السلام، كان هاروناً وزيراً لموسى أو معاوناً والقرار لموسى عليه السلام، وقديماً قال أحد الحكماء: وهل يستقيمُ الناسُ إلا بسيد يرى لهم الرأي السديد فتتبع ولقد مر على الناس فترات حكم فيها مستبدون ولم يفكروا بأن يقولوا بقيادة جماعية، بل العقلاء منهم كانوا يسعون لإصلاح أو تغيير واقعهم إما باستبدال القيادة المستبدة وإما بوضع التشريعات التي تحول دون استبداد القائد من أمثال مجلس شعب يراقب ويحاسب أو محكمة عليا تحاسب القائد وتنزعه من حكمه إن لزم الأمر. وفي العصر الحديث ظهرت فكرة القيادة الجماعية كردة فعل على استبداد الحكام، وليست كفكرة ناضجة تم دراستها بعمق حتى توصل إلى هذه الفكرة وضوابطها والآلية العملية التي تجسدها، فوقع الناس في شرور هذه الفكرة وتلوثوا بفسادها، وقد يستغرب الكثير هذا الوصف لهذه الفكرة، وعند إنعام النظر لا نجد في الواقع قيادة جماعية ولا يمكن أن توجد لاستحالة ذلك في الواقع، وإنما يوجد إطلاق مصطلح على واقع لا ينطبق عليه. وعندما نريد أن نزن هذه الفكرة بميزان الحق الذي ينطبق على الواقع، ماذا نجد؟ فإننا سنجد أن أي قيادة إن تعددت أو تفردت لا بد لها من آراء يراد إمضاؤها لرعاية مصالح المقودين تُوجب اتخاذ القرار وإمضائه. فهناك أمران لا يجوز أن يختلطا، موضوع الرأي وموضوع القرار، فالرأي قد يكون من القائد وقد يكون من غيره فردا كان أو جماعة، فأخذ الرأي في المسألة لا يعني أن الخبير هو صاحب القرار وأنه هو الحاكم، وإن أُخذ الرأي من الجماعة على شكل مجلس شعب أو مجلس تأسيسي لا يعني أن المجلس هو الحاكم بل هو جهة تشريعية فقط لا غير وإننا نسمع من السياسيين والمفكرين صباح مساء بوجوب فصل السلطات التشريعية عن التنفيذية عن القضائية، وبذلك يبقى رأس الدولة هو صاحب القرار وله مباشرة الحكم ورعاية الشؤون وإنزال التشريعات على الوقائع، وعندما يقال بأن الحاكم مقيد بموافقة مجلس الشعب على القرار أو بمنعه من اتخاذ قرار في أمر معين لا يعني ذلك نزعاً لصلاحية الحكم منه أو لمشاركته في الحكم بل يعني أن هناك معايير وضمانات تشريعية نصت على الرجوع للأمة للأخذ برأيها، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما نزل عند رأي المسلمين في أحد بالقتال بخارج المدينة، لا يعني أن الحكم جماعي. وفي أنظمة الحكم الوضعية يرجع الحاكم إلى المجالس الشعبية لإعطاء الشرعية لقراره وحكمه فهو صاحب القرار . إذن هناك فرق بين أخذ الرأي والتشريع وبين الحكم واتخاذ القرار من صاحب القرار. فصاحب الحكم (الرئيس) هو صاحب الصلاحية بغض النظر عن مصدر التشريع هل هو من الناس أو من عند الله، فصاحب القرار في أمريكا هو الرئيس الأمريكي وصاحب القرار في بريطانيا هو رئيس الوزراء وصاحب القرار في دولة الإسلام هو الخليفة مع اختلاف مصادر التشريع . فالقيادة في حقيقتها فردية وليست جماعية كما يقولون. ومن جانب آخر نجد أن اختلاف الرأي في البشر أمر حتمي، وهنا نقف أمام مُعضلة، وهي، من صاحب الصلاحية لاتخاذ القرار وإمضاء الرأي؟ فإن قلنا زيدٌ منهم فهذا يعني القيادة فردية وعلى الآخرين الطاعة، وإن قيل للجماعة وهذا يعني الاستحالة لتعدد الآراء وتساوي الأشخاص في الرأي فلا بد إذن من مرجح وهذا المرجح هو الرئيس أو الغالبية بزيادة واحد فيكون الواحد هو المرجح وبذلك تصبح القيادة فردية وليست جماعية. ولا أدل على فساد القيادة الجماعية وشرورها من حق نقض الفيتو الذي تتمتع به القيادة الفعلية لمجلس الأمن ممثلة في الدول الكبرى وذلك بنقض كل قرار يعارض مصلحة إحدى دوله صاحبة الفيتو، مهما كان القرار في صالح الشعوب، فلنرجع إلى القرارات التي صدرت تدين إسرائيل وممارساتها وارتكابها للجرائم وما يحدث الآن من جرائم ووقوف مجلس الأمن والمجتمع الدولي وقادته عاجزين عن اتخاذ أي قرار أمام الفيتو الأمريكي أو الصيني أو الروسي. مما يؤكد يقيناً ما ذهبنا إليه من فساد القيادة الجماعية وعدم وجودها على أرض الواقع والأمثلة على ذلك كثيرة منها أيضاً الرباعية الدولية وقراراتها والجامعة العربية وقراراتها وسيرتها السوداء. وبالعودة إلى مقولة القيادة الجماعية ننظر فيما يعرض على الناس على أنه مثال للقيادة الجماعية الناجحة والمُخلّصَة لهم من الأزمات والتي تحول دون وقوع الناس في الاستبداد والظلم والجور. 1ـ المثال الأول: الجمعيات أو المجالس التأسيسية والتي تمثل جميع فئات المجتمع على اختلاف عقائدهم فعند النظر فيها نجد ما يلي : أـ اجتماع المسلم مع الشيوعي مع الرأسمالي الليبرالي ومع غيرهم من وطنيين وقوميين، فماذا يكون التشريع الناتج الذي هو مادة القيادة؟ فلن يكون الإسلام قطعاً إذا اعتبرت العقائد الأخرى ولن يكون اشتراكياً إذا اعتبرنا الإسلام عند التشريع والرأسمالية ولن يكون رأسمالي كذلك. وبذلك يكون التشريع فاسد لا أساس يجري عليه أو يفسره حتى يفهم . ب- ستكون المصالح هي التي تدفع الجميع لقبول التشريع فتكون المحاصصة المدمرة للمجتمع والممزقة له والعراق اصدق مثال على ذلك وكذلك لبنان . ج ـ إن هذه الهيئات مؤقتة لصياغة الدساتير ثم تُحل، ويحل محلها العمل بالدستور إذن هي ليست قيادة عملية وليست دائمية وإنما هي لجنة خبراء كلفت بمهمة صياغة الدستور والقوانين وغابت إلى غير رجعة وبذلك لا ينطبق عليها قول القيادة الجماعية. أما مجلس الشعب فهو ليس من القيادة الجماعية وإنما هو سلطة تشريعية لا علاقة لها في السلطة التنفيذية التي هي الحكومة بقيادة رئيسها فهذا المجلس يمثل جهة التشريع في الأنظمة الوضعية وليس الحكم كما أن الإسلام حدد جهة التشريع لله والحكم للخليفة. 2ـ مثال آخر: النظام الجمهوري ليس قيادة جماعية: النظام الجمهوري الرئاسي يتولى فيه رئيس الدولة صلاحيات الرئيس وصلاحيات رئيس الوزراء، فلا يكون معه رئيس وزراء وإنما يكون معه وزراء مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفي شكله البرلماني يكون فيه رئيس للجمهورية ورئيس للوزراء وتكون صلاحيات الحكم فيه لمجلس الوزراء وليست لرئيس الجمهورية مثل فرنسا. وعند النظر في النظام الجمهوري نجد أنه من القيادة الفردية وليس قيادة جماعية من ناحيتين: الناحية الأولى: إن رئيس الجمهورية هو الذي يملك الحكم واتخاذ القرارات والمجالس الشعبية تملك التشريع، والتشريع ليس قيادة في إنفاذ القرارات بل يذهب الرئيس لأبعد من ذلك بأن يضع الاستراتيجيات ويرسم السياسات لحكومته، والبرلمان لا يملك سوى التصويت أو عدم التصويت . الناحية الثانية: وجود أحزاب متنافسة متعددة من يفوز بالغالبية هو الذي يرشح رئيسه ليكون قائداً للدولة، وأعضاء حزبه في البرلمان هم الذين ينْجحون كل ما يعرضه على البرلمان من قوانين وقرارات وسياسات والآخرون لا وزن لهم في إمضاء القرارات والسياسات ولا في قيادة البلاد، والأمثلة على ذلك كثيرة فيما هو مشاهد من سياسات الدول الكبرى وغيرها . من الذي قاد أمريكا إلى حرب العراق وأفغانستان؟ ومن الذي أمضى سياسات بوش الابن وأوباما، ومن سبقهم من الرؤساء؟ 3ـ ومثال ثالث: الملكية الدستورية ليست من القيادة الجماعية: إن النظام الملكي هو من القيادة الفردية المطلقة، وقد مارست الملكيات الحكم بحق التفويض الإلهي الذي جعل الملك يملك ويحكم ومنه تصدر التشريعات والقرارات وذاته فوق المحاسبة لا يُسأل عما يفعل، له قدسية ترفع من صفته البشرية ليكون أشبه بالآلهة، وليس لأحد رأي أمام رأيه ولا فيمن يخلفه في الحكم فكانت صورة بشعة من الاستبدادية التي عرفها التاريخ . وكانت وراء الثورات على الملكيات والتخلص منها، إلا أن عقلية الحل الوسط أتت بما يعرف بالملكية الدستورية أمثال النموذج البريطاني الذي يكون فيه الملك يملك ولا يحكم فهو مجرد رمز للبلاد، وصلاحيات الحكم لرئيس الوزراء وللمجلس الوزاري، وبهذا يُصبح مضمون الملكية هو نفس مضمون الجمهورية، وينطبق عليها القول بأنها من القيادات الفردية للحزب الحاكم ورئيسه المخول بصلاحيات القيادة واتخاذ القرارات . 4ـ ومثال آخر الحكومة الائتلافية ليست من القيادة الجماعية : وذلك عندما يعجز حزب واحد أو قوة بعينها من أخذ الغالبية المطلقة التي تمكنها من الحكم تنطلق هذه الجهة إلى البحث عن شركاء في الحكم لتتمكن من تشكيل الحكومة، فتجري مفاوضات للوصول إلى حلول توافقية وتقاسم للسلطة ومحاصصة في الحقائب الوزارية، فيعطى الشريك حقيبة وزارية أو أكثر مقابل قيادة الحزب للحكومة والدولة، وبذلك تعود قيادة فردية كما في غيرها، ولكن بشكل أسوأ وأضعف. فالضعف آت من جهة أن الائتلاف ينعكس على قدرة الرئيس في اتخاذ القرار، ويصبح قراره مرهون بموافقة أحد شركائه في الحكم الذين تتحكم في موافقتهم المصلحة الفئوية الضيقة، مما يؤدي إلى عجزه عن اتخاذ القرار واضطراب سياسته أو إلى انهيار حكومته في حال تخلي احد شركائه عنه وانسحابه من الحكومة، لأن الحكومة تظهر بعدة رؤوس ومن أمثلة ذلك حكومة إسرائيل الحالية، وحكومات الكويت المنهارة، وغيرها من الحكومات الائتلافية . وللخروج من ذلك تجري انتخابات مبكرة لعل أحد الأحزاب يفوز بالغالبية التي تمكنه من التفرد بالحكم . والذي هو أشر من ذلك هو لجوء الشركاء في الحكم إلى المؤامرات والدسائس وجر البلاد إلى الكوارث عندما تتعارض مصالح الشركاء ويعجزون عن تحقيق أطماعهم كما هو حاصل في حكومة العراق وفي لبنان. فلا أشر ولا أشأم من هذه حكومة على أهلها. 5ـ وأيضا مثال: العمل الجبهوي هو من أفسد الأعمال وأخطرها لظهور القيادة الجماعية وتشتت القرارات، وهي قيادة مرحلية مؤقتة تصلح لمرحلة معينة ولا تصلح لقيادة الناس قيادة دائمية تحقق مصالح الشعوب، بل إن أطرافها الذين هم من مشارب وعقائد مختلفة ولهم رؤى مختلفة يتفقون على عمل محدد لهم مصلحة مشتركة فيه ولا يوجد اتفاق على ما بعد هذه المرحلة، ومن أمثلة ذلك الجهاد في أفغانستان فالجميع متفق إخراج الاتحاد السوفييتي من البلاد، وعندما انقضت المرحلة تحول إخوان الأمس إلى أعداء وتغيرت تحالفاتهم فمنهم من حالف شيوعي ومنهم من حالف عميل في مواجهة أخيه. وكذلك جبهة الإنقاذ في الجزائر اتفقوا على خوض الانتخابات سوية وعندما انقضت مرحلة الانتخابات بانقلاب الدولة عليهم، تشتت الجبهة واختلفت المواقف، من مُشارك للدولة في حكمها إلى مقاتل لها مستبيحٌ لدماء من يقف معها، وكذلك سائر جبهات المعارضة التي تتشكل من أحزاب عدة . وخلاصة القول إن العمل من خلال جبهة، هو عمل فاسد وخطير والرابطة التي تربط أصحابها المصلحة الفئوية فقط وهي من أفسد الروابط وأخطرها وهي مؤقتة لا تصلح للبلاد والعباد بل هي خَزّانة شرور . فما الذي يجمع الشيوعي والمسلم والوطني والقومي في جبهة معارضة؟ إلا المصلحة التي تتبعها المؤامرة. ونستطيع أن نستنتج من كل ما سبق أن القيادة الجماعية غير موجودة على أرض الواقع وإن وجدت فهي أفسد القيادات وأخطرها. القيادة في الإسلام فردية: القيادة في الإسلام فردية جاءت بها النصوص الصريحة والتطبيق العملي للصحابة رضوان الله عليهم في خير القرون. والقيادة الجماعية مخالفة للشرع مناقضة للنصوص القطعية وسأكتفي ببعض النصوص لكثرة النصوص الواردة في جعل الإمارة لواحد بالتحديد وتأمر بعدم السماح بوجود أميرين في آن واحد. أولاً الأدلة الآمرة بالطاعة : قال تعالى:((يا أيُها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)). ففي النص وجوب الطاعة للقائد أي ولي الأمر صاحب الصلاحية، والطاعة لا تكون فيما اتفق عليه لأن الجميع ينقادون وفق قناعاتهم، وإنما تظهر الطاعة عند اختلاف الآراء وجب تنازل الجميع عن آرائهم والانقياد لصاحب الصلاحية وهو الخليفة لوحده . قال صلى الله عليه وسلم: "اسمع وأطع و إن تأمّر عليك عبدٌ حبشي كأن رأسهُ زبيبةٌ". وهذا أمر بالطاعة يفيد العموم، أمير العامة وأمير الجند وأمير السفر وأمير الحزب. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمّروا عليهم أحدهم". وهذا نص صريح في القيادة الفردية. قال صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". وفي هذا النص فوائد عديدة منها الأمر بقتل الخليفة الثاني للمحافظة على القيادة الفردية المتمثلة في خليفة واحد، وحرمة تعدد الخلفاء لأمر رسول الله بقتل الخليفة الأخر وهو مسلم معصوم الدم ومبايع على كتاب الله وسنة رسوله أي على تطبيق الشرع وهو أيضاً مبايع من أتباع يرون أحقيته بالحكم فيأمر بقتله وقتلهم إن أخذوا على يده وهذا أمر عظيم يدل على عظم وحدة المسلمين بخليفة واحد وحرمة تعدد الأمراء. ويعزز ذلك حديث رسول الله إذ يقول: "من جاءكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم ويفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف وفي رواية فاقتلوه ". والدليل من الإجماع، ما قام به الصحابة من مبايعة خليفة واحد رغم الخلاف الحاد بينهم على من هو الخليفة في السقيفة، أو في زمن عثمان وعلي ولم نسمع ولم نرى مبايعة خليفتين كحل يحقن الدماء ويرفع الخلاف على مر عصور الخلافة. وهنا أريد أن أذكّر بخطبة أبي بكر رضي الله عنه في السقيفة والتي أخرجها البيهقي عندما قال القائل من الأنصار: يا معشر المهاجرين منا أميرٌ ومنكم أمير . فخطب أبو بكر رضي الله عنه قائلاً: هيهات هيهات أن يجتمع سيفان في غمد واحد فإنه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران، فإنه مهما يكن ذلك تتفرق جماعتهم ويختلف حكمهم وأمرهم ويتنازعوا فيما بينهم، هنالك تُترك السنة وتظهر البدعة وتعظم الفتنة، وليس لأحد عند ذلك صلاح. ومن هنا نقول إننا لا نريد دولة حديثة عصرية متحررة من كل القيم تجعل التشريع للبشر تخفي وجهها القبيح تحت مسميات تبدو لأول وهلة بأنها جميلة ووراءها ما وراءها، بل نُريد دولة قديمة أنشأها محمد صلى الله عليه وسلم وقادها خلفاءه الراشدون من بعده. اللهم عجل لنا بها واجعلنا من جنودها وشهودها والعاملين المخلصين لها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
  2. 1 point
    بسم الله الرحمن الرحيم الإقدام أم العجز الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم وسار على دربهم بإحسان إلى يوم الدين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخوة الإيمان: الأخذ بأسباب القوة, ترك العجز, عدم إيجاد أو افتعال الأعذار والمبررات، الاستعانة بالله سبحانه, وتفويض المقادير إليه , وكياسة المؤمن , كل ذلك جاء مشمولا في حديث النبي صلى الله عليه و سلم الوارد في مسند أحمد وصحيح مسلم. فعـَنْ أبي هـُرَيرَة َ رَضِيَ اللهُ عَـنهُ عَـن ِ النـَّبيِّ صلى الله عليه و سلم أنـَّهُ قالَ:( المُؤمِنُ القويُّ خـَيرٌ وَأحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِن ِ الضَّعيفِ , وَفِي كـُـلٍّ خـَيرٌ , احرصْ عَلى مَا يَـنفعُـكَ, وَاستعـِنْ باللهِ وَلا تعجَزْ وَإنْ أصَابَـكَ شَيءٌ فـَلا تـَقـُـلْ لـَو أنـِّي فعَلتُ كذا كانَ كذا, وَلكِـنْ قـُـلْ: قـَدَّرَ اللهُ وَمَا شـَاءَ اللهُ فعَـلَ, فإنَّ لـَو تـَـفتـَحُ عَـمَـل الشـَّيطـَانَ ). المؤمن القوي أيها الإخوة المؤمنون: هو من كانت عزيمته قوية , من كان قويا في إيمانه , قويا في عقيدته , قويا في عقليته ونفسيته , قويا في جسمه , قويا في عبادته و طاعته , قويا في امتثاله لأوامر الله, قويا في اجتنابه لما حرم الله. المؤمن القوي من كان أكثر إقداما على العدو , و أسرع من غيره في مواجهته والخروج إليه، مجاهدا إياه بسلاحه ولسانه وفكره كلما نادى المنادي للجهاد. المؤمن القوي من كان اشد عزيمة في الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر, وأكثر جرأة وشجاعة في الصراع الفكري والكفاح السياسي . المؤمن القوي من كان أكثر صبرا ً على ما يصيبه من أذى في حمله الدعوة, يصبر على السجن والقمع والاعتقال والمطاردة والمداهمة ويتحمل المشاق, مشاق الغربة والحرمان من الوظيفة . المؤمن القوي من يتخطى الصعاب ويحطم الحواجز التي تعترضه أثناء القيام بحمل الدعوة. المؤمن القوي من تكون عزيمته قويه في العبادات وفي جميع الطاعات. بهذا يكون المؤمن القوي خيرا ً وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف العاجز عما يأتيه المؤمن القوي, والإيمان في الاثنين هو الخير الذي يحمد عليه الاثنان. إن من ضعف الإيمان أيها الإخوة بل من العجز أن يقول المؤمن بعد وقوع الحدث منه أو عليه والذي لا يرضى عنه أو يرضاه: لو أني فعلت كذا.... لكان أسلم و أجدى, كأن يقول لو هربت من العدو ليلة المداهمة, أو لو لم أسافر بالسيارة لما حصل لي ما حصل. إن هذا تمن ٍ, والتمني مثـل الحلم فهو هاجس وهو غير العمل والحركة, فالدنيا لا يعيشها المرء بالتمني. والدنيا تدوس بسنابكها العاجزين والقاعدين والضعفاء. و(لو) في اللغة حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الوجوب (جواب الشرط) لامتناع الشرط وهي حرف امتناع لامتناع وهي التي تفتح للشيطان باب الوساوس. إخوة الإيمان: إن العبد لله, المخلوق له سبحانه, لا يعلم الغيب, حتى الأنبياء والرسل لا يعلمون الغيب إلا بوحي من الله تعالى, فكيف من كان دونهم؟ فلا يعلم أحد ما يقدر له ولا ما يريد الله أن يفعل له أوبه, فالمخلوق لا يطلع على علم الله, ولا يعلم قضاء الله ولا دخل له في إرادة الله ومشيئته. وإن خلاف المقدَر والذي قضى الله فيه قضاءه محال تماما ً. كذلك فإن ما يتمناه الإنسان بخلاف ما يحصل أو يحدث له بعد أن يكون قد تم ووقع محال أيضا . وكلام العبد فيه جهل وغباء, واسترضاء لنفسه بالكذب عليها. وهو ــ في الوقت نفسه ــ تكذيب بقدر الله, إن لم يكن اعتراضا على ما قدر له, ولذلك فإن لو تفتح الأبواب ليعمل الشيطان ما يقدر عليه. إخوة الإيمان: إن العبد المخلوق لله قاصر وعاجز , وحواسه كلها لا تبعد أكثر من مداها , فهو لا يعلم الغيب ولا يطلع على علم الله, ولا علاقة له فيما يقضي الله ويقدر, ولا دخل له في إرادة الله ولا في مشيئته سبحانه, وما عليه إلا الرضا والتسليم . عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فسأله أن يوصيه وصية جامعة موجزه فقال: لا تتهم الله في قضائه ). قال أبو الدرداء : إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يُرضى به. وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروْح والفرح باليقين والرضى, وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. فالرضا أن لا يتمنى الإنسان غير ما هو عليه من شدة ورخاء. إخوة الإيمان: لا يملك المؤمن إلا َّ أن يعمل آخذا بالأسباب, ويجتهد في اختيار وانتقاء ما هو أسلم و أنسب من أسباب, أما إذا وقع القضاء فلا رادَّ له إلا َّ صاحبه وهو الله تعالى, ولا سبيل للمؤمن إلى دفعه بعد وقوعه, وما عليه إلا أن يصبر ويحتسب ويتعظ مما حدث. إخوة الإيمان: ما يتمناه الإنسان في قوله: لو أني فعلت كذا لكان كذا ينفع ويجدي قبل وقوع القضاء, فهو من الأخذ بالأسباب, وأما بعد وقوعه فإنه لا يفيد, فقد وقع ما وقع وانتهى, ولا قدرة لمن وقع عليه أن يمنعه أو يدفعه؛ لذلك فإن عليه أن يستقبل ما وقع عليه بعزيمة ماضيه ونفس وثابة صابرة, وأن يدَارك كل ما من شأنه أن يخفف عنه وطأة ما حصل, وأثر ما وقع , فإن ما يتمناه الإنسان لا يفيد بعد وقوع القدر بل على العكس من ذلك, إنه يضر صاحبه ويوقعه في بوتقة العجز والضعف والارتباك, والله جل في علاه يلوم على العجز, ويمايز بين المؤمنين والأنبياء, ويحب الكيْس والمواجهة والمقاومة والإقدام. إخوة الإيمان: من الكياسة أن تأخذ بالأسباب التي من شأنها أن تفيدك في حياتك, وهذه هي التي تفتح عمل الخير, وترتب الأمور , وقد يكون فيها الخلاص والحل , وتخفيف اثر ما يقع من مكروه , والتنبه لما قد يحصل في المستقبل . إخوة الإيمان: إن القعود والركون إلى الأماني هو العجز والكسل اللذان هما وراء الهم والحزن والجبن وغلبة الأعداء , ومن باب العجز و الكسل يدخل الشيطان يوسوس , ويقود ويغري ويوقع في الشر والضلال, يدخل الشيطان فيتملك الإنسان, ويوجد له المبررات والأعذار على النكث , وقلة الحيلة والضعف والعجز وترك المقاييس الصحيحة ؛ فيمسي أو يصبح ضعيف الإيمان أو لا أيمان له والعياذ بالله . إخوة الإيمان: العجز والكسل والتعلل والانسياق وراء المعاصي يوقع في الهلاك , فمن يعجز عن الامتثال والطاعة تقوى عليه المعاصي والمنكرات ويقع فريسة عجزه وضعفه في الشر والموبقات التي يقول عندها :[ لو أني] حيث لا ينفعه ندم ولا تمن. إخوة لا إله إلا الله: إن أهم ما يصيب المسلم نتيجة العجز والكسل, الهم والحزن , وقد استعاذ منهما رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أبي سعيد الخدري قال: (دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم المسجد , فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامه , فقال: يا أبا أمامه , ما لي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة قال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله, قال: أفلا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك, وقضى عنك دينك ؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله قال : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم و الحزن , وأعوذ بك من العجز والكسل , وأعوذ بك من الجبن والبخل , وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. قال : ففعلت ذلك , فأذهب الله عز وجل همي , وقضى عني ديني ). إخوة الإيمان: الندم على الماضي السيئ الذي يذكره صاحبه يسبب له الحزن , والتحسب من المستقبل , والخوف منه مع أنه لم يقع بعد, ُيحدث له الهم والحزن وكلاهما من العجز الذي يقعد صاحبه عن العمل . لذلك فالمضي السيئ لا يدفع بالحزن ولا بالبكاء ولا بالتمني ولا بالتنديد والتشكي , بل بالرضا والحمد والصبر و الاحتساب و الإيمان بقدر الله , والاستعانة به عز وجل في درء ما هو حاصل والإفادة والاتعاظ بما حدث , والتنبه للمستقبل بالعزيمة والإقدام والأخذ بالأسباب , فإذا وقع ما لا قدرة للعبد على دفعه ولا اختيار له فيه فعليه بالصبر والاحتساب والاستعانة بالله, فلا يجزع ولا ييأس حيث لا ينفعه جزع ولا يأس ولا تبرم ولا سخط , بل إن هذا يضعف عزيمة الإنسان ويوهنه, ويحول بينه وبين الأخذ بالأسباب فيما ينفعه في المستقبل أو فيما يقع عليه, فيأخذ للأمور عدتها وأسبابها. فالمؤمن يؤمن بأن له ربا ً واحدا ً يرضاه في كل شيء, فيما يحب وفيما يكره, ويستسلم له, فإذا أحبه فيما يحب إذا أعطاه ما يريد , ولم يرضه فيما يكره إذا حرمه مما يحب, فهو بذلك لم يرضَ به ربا على الحالين, والله سبحانه لا يرضاه عبدا ً على الإطلاق, و سيوليه نفسه, ويكله إليها, قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ }الحج11 والمؤمن يرضى بقضاء الله إذا اعتـقـل أو سجن أو أوذي أو طرد من العمل أو نفي من الوطن, فيحمد الله ويصبر ويحتسب , ولا ييأس ولا يستكين, بل يقدم على الحياة, ويسارع إلى الجهاد ويديم العطاء ويستمر في الكفاح, فليس من دأب المسلم أن يقبل على الله إذا مسه الخير, ويحجم عن الله إذا مسه شر أو مكروه. قالَ تعَالى : (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ(23) ).( المعارج 19ـ23) أيها المؤمنون: إنه لا بلاغ إلى ما يريده العبد إلا بالله وحده , فهو الموصل و المعطي, وهو المانع الذي يصرف السوء, وإذا أراد الله لعبده أمرا هيأه له , وما على المؤمن إلا أن يخلص في عبوديته لله وأن يقوم بأعماله مخلصا فيها لله, آخذا بالأسباب التي يغلب على ظنه أنها تحقق له ما يريد. إخوة الإيمان: إن الله عز وجل لا يمنع العبد من أمر يسعى إليه خيرا ً كان أم شرا ً فالعبد هو الذي يختار الهدى أو الضلال, يختار منهما ما يريد, ولا تتدخل إرادة الله في ذلك , ولا علاقة للمخلوق بإرادة ربه, ولا الخالق سبحانه يستشير عبده عندما يريد أن يوقع به أو يرفع عنه أمرا, ولهذا لا ينبغي للعبد أن يعزي نفسه بقوله: لو أراد الله لي , أو لم يرد الله لي, فلا دخل للعبد بإرادة الله, ولا بعلمه, ولا بمشيئته سبحانه. إخوة الإيمان: إن العبد يشهد حكمة الله في عزته وقدرته, وفي رحمته وإحسانه , فعقوبته سبحانه تأديب وامتحان لعبده للرجوع إليه والتذلل له فهو سبحانه أعلم بمواقع الفضل والحرمان في عباده, فما ينبغي للعبد أن يبني أفعاله على علم الله الذي لا يعلمه, وأنى له أن يعلمه. إن الله عز وجل يريد من عبده أن يعمل بجد في هذه الحياة, قال سبحانه: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ }التوبة105 وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ }الملك15 وقال عز من قائل: (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى (41). ( النجم 39ـ 41 ) أمر الله عبده بالاستقامة, فإرادة الله من عبده أن يفعل, وإرادة الله من نفسه أن يعين عبده, ولا سبيل إلى الفعل إلا َّ بإرادة الله التي لا يملك العبد منها شيئا ً, فلا يلقي أفعاله على إرادة الله فيقول : لو أراد الله لي لفعلت, فهذا هو العجز و الضعف والكسل . وإذا أخذ العبد يبحث عن مبررات وأعذار ليقنع نفسه بعجزه وضعفه, فهو الجبن والبخل فيقع في قهر الضنك وذل العيش وغلبة الأحداث. قال صلى الله عليه و سلم : ( إن الله يلوم على العجز, ولكن عليك بالكيس, فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل ). يفهم من هذا الحديث أن على العبد أن يفعل وأن يأخذ بالأسباب التي يكون فيها كيسا, فإذا عجز قال: حسبي الله. إخوة الإيمان: قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم بين رجلين, فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( رُدوا عليَّ الرجل , فقال : ما قلت؟ قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل , فقال صلى الله عليه و سلم : إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس, فإذا غلبك أمرٌ فقل: حسبي الله ونعم الوكيل). إخوة الإيمان: حمل سيدنا إبراهيم عليه السلام دعوة الله إلى قومه, آخذا بكل أسباب النجاح في دعوته, ولم يترك سببا ً يقدر عليه إلا فعله, فلما غلبه قومه وألقوه في النار , قال عندها حسبي الله ونعم الوكيل, فكان الله حسبه وكافيه , وترتب على مقتضاها قوله سبحانه: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ }الأنبياء69 ورسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم الذي هو الأسوة والمثل الذي يقتدى به كان له موقف: بعد انصراف المسلمين من أحد قيل لهم إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم , فتجهز رسول الله ومن معه من المسلمين آخذين بالأسباب , وخرجوا للقاء العدو وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل, فوجدوا القوم قد رحلوا. وقد سجل لنا القرآن الكريم هذا الموقف, فقال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)} آل عمران وهنا قد يتساءل أحدكم: أيهما يسبق: التوكل على الله والحسبلة أم الأخذ بالأسباب؟ للإجابة نقول: التمني هاجس, والدعاء عبادة, والإيمان اعتقاد والتوكل من العقيدة,والسعي والأخذ بالأسباب واجب. فالتوكل على الله هو إقرار من المسلم بأن ما أعطي من قوة وقدرة وحواس تمكنه من الحركة والعمل هو من الله تعالى, ولولا ذلك لكان العجز التام, فإقرار المسلم ويقينه بهذا هو من الإيمان ومن العقيدة, ولذلك يَجـِدُّ في العمل ويخلص في السعي, ويبذل الجهد ما وسعه كيساً فطنا ً لماحا ً مستعينا في ذلك بالله عز وجل , فإن غلب الناس الدعاة , وتحجرت المجتمعات, وأوصدت أمامهم الأبواب, ولحق بهم الأذى من كل صوب, زادهم ذلك إيمانا فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل. فالتوكل والإيمان عند المسلم يسبق الأخذ بالأسباب, ولا معنى للإيمان ولا للتوكل إن جاء بعد الأخذ بالأسباب , فسيدنا إبراهيم ويونس ومحمد وجميع الأنبياء والرسل ومن آمن معهم كانوا مؤمنين متوكلين, فلما دعوا أخذوا بالأسباب, والله تعالى يقول: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}المائدة11 أيها المؤمنون: إن التوكل والحسبلة بدون القيام بالأعمال والأخذ بالأسباب عجز وتواكل, فالمؤمن متوكل على الله مسبقا, مؤمن به مسبقا ً, وهو مأمور بالعمل , مأمور بالأخذ بالأسباب التي فيها الكيس, ومن الخطأ أن يجعل المسلم التوكل وحده سببا في حصول ما يهدف إليه, لأنَّ فيه تعطيلا للأسباب, وقعودا عن العمل, وفيه العجز والتفريط. وإن الأخذ بالأسباب دون التوكل هو انفراد العبد بقوته والركون إليها, حيث كبرت عليه نفسه ومنعته من الاستعانة بالله والتوكل عليه, وفي هذا يكمن ضعفه, ولله در القائل: إنْ لمْ يَكنْ عَونٌ مِنَ اللهِ لِلفتى, فأولُ مَا يَجنِي عَليهِ اجتهادُهُ وَتحرِّيهِ. فكمال القوة يكون في التوكل على الله مسبقا ً والأخذ بالأسباب تاليا. وبهذا ينتصر المسلمون بإيمانهم وتوكلهم على ربهم, وأخذهم بأسباب النصر, وإعداد العدة امتثالا لأمر الله عز وجل: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ }الأنفال60 والمزارع عندما يحرث الأرض يكون متوكلا ً على الله, مؤمنا ً بأنه ينزل الغيث , فيبادر إلى حرث الأرض وبذر الحب. هكذا تكون نظرة المسلمين الكيسين في جميع أفعالهم, فكيف بحملة الدعوة الذين يحرصون على ما ينفعهم عند ربهم من مثابرة وبذل أقصى ما في وسعهم وطاقتهم في الاجتهاد وفي حمل الدعوة مع الإخلاص الخالص لله تبارك وتعالى مبتغين من كل ذلك نوال رضوان الله عز وجل, عاملين بجد لعودة الإسلام إلى الحكم , لتكون كلمة الله هي العليا, وكلمة الذين كفروا السفلى, ولتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين, {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)} ( الروم ) إخوة الإيمان: ينبغي أن يحرص المسلم خصوصا حامل الدعوة على ما ينفعه عند ربه , بلزوم طاعته وامتثال أمره, واجتناب نهيه, والإكثار من النوافل تقربا إلى الله, فقد جاء في الحديث القدسي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما يرويه عن ربه: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به , وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها , ورجله التي يمشي بها , ولئن استعاذني لأعيذنه , ولئن سألني لأعطينه ). وينبغي على حامل الدعوة أن يستعين بالله وان يديم الصلة به وأن يكثر من الدعاء والتضرع إليه سبحانه, وألا يكل ولا يعجز ولا يضعف ولا يفرط. وفي ختام القول نضرع إلى الله العلي القدير أن يعلمنا ما ينفعنا , وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما نافعا, ونعوذ بالله من شر ما استعاذ منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن , ونعوذ بك من العجز والكسل, ونعوذ بك من الجبن والبخل ونعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه, اللهم مكن لنا ديننا الذي ارتضيت لنا والذي هو عصمة لنا, اللهم اقر أعيننا برؤية راية العقاب تخفق في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم أكرمنا بقيام دولة الخلافة واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها, اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها, وخير أيامنا يوم نلقاك فيه وأنت راض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
  3. 1 point
    أبو الحسن

    الاعلام

    بسم الله الرحمن الرحيم الاعلام منذ ان بدء الربيع في البلاد الاسلامية ونحن نشاهد كيف تحاول دول الكفر عدوة الاسلام والمسلمين جاهدة وبكل ما أوتيت من قوة على صرف الثورات الاسلامية عن وجهتها الحقيقية ومحاولة منع هذه الثورات من التوجه الى الاسلام السياسي , وذلك عن طريق استخدام الكثير من الاساليب والوسائل ومنها العملاء والمفكرين والسياسيين مستخدمة الاعلام والاعلامين. لما للإعلام من اثر على الناس . وبما ان شخصية الانسان تتكون من عقلية ونفسية أي افكار ومفاهيم ومشاعر والاعلام حاول تغير الافكار والمفاهيم والمشاعر ووجهة النظر لدى الناس وتشكيلها بالكيفية التي يريد , كان من الطبيعي ففي الجاهلية مثلا كان يتمثل الاعلام في الشاعر والقصيدة, والقبائل العربية كانت تستعين بشعراء كناطقين اعلامين وكإذاعات متنقلة تهيج الخواطر وتشحن النفوس وكانت تستعين بهم مثلا في اشعال الحروب او اطفائها . ثم جاء الاسلام الذي عني بالإعلام ورسم سياسته وركائزه, من اول ايامه , والذي كان له الاثر الكبير في نشر الاسلام وكانت وسائل وادوات الاعلام في تلك الفترة هي وسائل وادوات بسيطة . واذا ما نظرنا الى وسائل الاعلام اليوم فإننا نجد قد انها تعددت وتنوعت اشكالها وتشعبت طرقها واستدمت احدث تقنيات العصر لخدمتها , ما جعلها تملك امكانية تغير المفاهيم وخلط الافكار حتى فاقت في قدرتها بالتأثير الأيديولوجي على الشعوب قدرة الاستعمار العسكري المباشر بما كان يملك من جنود وسلاح وعتاد . ان الاعلام الدول القائمة في العالم الاسلامي هو احدى المصائب التي يعيشها المسلمون , فهو اعلام تابع كليا للغرب وهو اعلام يوقظ العنصرية من مرقدها ويشيع الانقسام والتمزق بين المسلمين ويتجاهل قضاياهم المصيرية ويركز على سفاسف الامور , ولاهم من ذلك ان هذا الاعلام هو بوق الحكام وسلاحهم . من سمات الاعلام في العالم الاسلامي اليوم : اولا : تبعية الاعلام . ان الكافر المستعمر هو من انشاء وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة حينما استعمر البلاد الإسلامية بعد هدم الدولة الإسلامية وقد أسس هذا البنيان حسب عقيدة فصل الدين عن الحياة وحسب وجهة النظر المنبثقة عن تلك العقيدة وقد جعل لهذه الفكره حراسا من ابناء جلدتنا يتحثون بألسنتنا , ووضعوا خطط قصيرة المدى واخرى طويلة المدى لربط بلاد المسلمين بالغرب , فكريا وسياسيا وعسكريا وقتصاديا , فستعمر العالم الاسلامي ثقافيا وفكريا وان ادعى الغرب خروج جيشه من هذه الدولة فانه ابقى ورائه جيوشا من المغتربين من ابناء جلدتنا , وعلى هذا فان الاعلام المرتبط يكون دائما في خدمة المستعمر اكثر مما هو في خدمة المستعمرين لذلك نجد وسائل الاعلام في العالم الاسلامي تشجع الفساد والانحلال والاختلاف والانقسام , لانها تبث اخر ما توصل إليه الانحطاط الحضاري الغربي , والافكار والقيم التي غرسها الغرب اثناء وجوده في العالم الاسلامي ويستمر في غراسة ورعاية حضارته عن طريق هيمنته على الاعلام وتوجيهه لما يذاع ونشر , لذلك لا امل في الخلاص من هذه التبعية المطلقة سوى بازالت الطواقم التي وظفها المستعمر فتزول بذلك العقلية العفنة الجامدة التي سادت ولا زالت نائبة عن المستعمر الصليبي الحاقد . لم ينتهي دور المستعمر عند بناء اعلامنا بل استمر دوره في كونه المصدر للبرامج والاخبار التي تذاع وتنشر , لو القينا نظره سريعة على القوة المتحكمة في وسائل الاعلام في العالم اليوم لوجدناها لا تزيد عن خمسة دول وهي: اميركا وبريطانيا وفرنسا والى حد اقل المانيا وروسيا , وعلى مستوى وكالات الانباء العالمية الرئيسية فهي ست وهي: اليونايتد برس والاسيوشيتدبرس وهما اميركيتان, ورويترز وهي برطانية ووكالة الصحافة الفرنسة ووكالة تاس الروسية ووكالة الانباء الالمانية, وهذالوكالات التابعة لتلك الدول الخمس هي مصدر المعلومات والانباء لغالبية اذاعات وصحف الدول المائة وخمس وثمانين المسجلة في الامم المتحدة ثانيا : التخلف الاعلامي في العالم الاسلامي . بما ان الغرب عمل على استعمار بلادنا فكريا وثقافيا كان حريصا على ان يجعل اعلامنا متخلفا وذلك عن طريق بث حلقات التسليه والمسابقات لناس وبرامج الخلاعة و الطبخ وكره القدم والاغاني بدل بث البرامج الثقافيه والتعليميه التي من شانها ان تنشر القيم والافكار الصحيحة , وتغذي العقول والنفوس وتعين الوالدين في تربية ابنائهم وتثقيفهم الثقافة الصحيحة . ثالثا : العنصرية الاعلامية . ان الاعلام حريص كل الحرص على اشاعة العنصرية بين ابناء المسلمين فتجد قنوات الاذاعية كثير تهاجم الشيعة وتلعنهم وتجد قنوات اخرى ترد على هذا الهجوم فتجد قنوات تهاجم اهل السنه وتكفرهم وتسبهم وهناك الكثير من هذه القنوات ان لم نقل معظمها يصب في خدمة وتمزيق والتفريق بين ابناء المسلمين . رابعا : الاعلام موجه لخدمة نظام الحكم . هذا الارتهان يجعل وسائل الاعلام مرآة عاكسة لكنها تعكس فقط ما يرغب النظام ان يعكسه وتخفي ما يخشى ظهوره للناس,على سبيل قام حزب التحرير في اثناء الربيع العربي وقبل الربيع العربي بإعمال عالمية ضخمة الا ان خبث هذا الاعلام ومكره لم يعرض شيء من هذه الفعاليات واذا عرض شيء يقوم بتزوير الحقائق , وبذلك تكون قد استحكمت حلقات قهر الانسان المسلم واذلاله وتطويعه , ولا عجب اذن ان نرى القلاع الحصينة المعززة بالدبابات التي تلف المباني الاذاعية والتلفزيون كاهم وسيلتين من وسائل الاعلام , كل ذلك التحصين خوفا من بلاغ رقم واحد لان الوصول اليهما يعني ان الوظع القديم قد انتهى وبدأ عهد جديد . وفي طول البلاد الاسلامية وعرضها لا يوجد اعلام مستقل عن النظام , لذلك يمارس حجر اعلامي قاس على الناس يجبرهم ان يتلقوا الغث والسمين , وتشويه الحقائق والاكاذيب والاوهام , واذا كانت هذه الحيل والاكاذيب لا تنطلي على الواعين من الامة , الا انها تجد بعض المستجيبين لها من المراهقين والجهلة , والمالم في هذا الاعلام ان موجهيه يعرفون انهم يكذبون على شعوبهم , وقسم كبير من شعوبهم يعرفون انهم يكذبون عليهم ورغم ذلك تستمر حملة التظليل المكشوفة ويستمر بعض الناس في خداع انفسهم في بترديد نفس ما تردده وسائل الاعلام صباح مساء. هذا هو واقع الاعلام في ظل أنظمة القمع والاستبداد او التحكم الدول الاستعمارية فيها اما الاعلام في ظل الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة فلا بد ان يقوم ركيزتين وهي: اولا : العقيدة الاسلامية المتمثلة في القران الكريم , والحديث النبوي الشريف . ثانيا : اللغة العربية . اما الركيزة الاول العقيدة الاسلامية المتمثلة في القران الكريم , والحديث النبوي الشريف : يقول الله تعالى "ان هذا القران يهدي للتي هي اقوم". القران الكريم هو المصدر من مصادر التشريع المعتمد عليه في تحديد الملامح العامة والقواعد الاساسية الاعلام الاسلامي من خلال الاثر الذي يمكن ان يحدثه في تكوين الراي العام باعتباره من اهم مرتكزات الوعي في تشكيل اتجاهات الامة الاسلامية في عملية تكوين الراي العام التي يحكمها درجة ايمان الفرد وقوة عقيدته ومدى تمسك الامة الاسلامية بما احتواه هذا القران الكريم من شرائع واحكام واما السنه النبوية التي هي تفسر الايات التي وردت في القران الكريم وتبين الاحكام التي لم ترد في القران الكريم. العقيدة الاسلامية : هي الفكر الاساسي الذي يبنى عليه كل فكر وهي القيادة الفكرية التي على أساسها ينطلق الانسان في الحياة , فهي القاعدة الاساسية لحياة الفرد والمجتمع والدولة . وتلخص في كلمة " لا اله الا الله محمد رسول الله " . فالعقيدة مرتكز الحياة بما فيها وهي مرتكز الاعلام الذي لايمكن له ان ينبس ببنت شفه او يبث أي فكره الا اذا كان ذلك مبنيا على العقيدة او منبثقا عنها, ولا يجوز للاعلام ان يخرج عن نطاق العقيدة او ما تسمح له قيد انملة . اما الركيزة الثانية اللغة العربية : ان قدرة الكتاب والسنة على اعطاء الحكم لكل حادثه تتوقف على قدرة اللغة العربية على التعبير عن كل معنى يتجدد , وهذا يحتم ان تتحد اللغة العربية بالاسلام , ولهذا يجب ان يجعل المسلمون اللغة العربية كالكتاب والسنة من حيث تعلمها ومن حيث المحافظة عليها . فطاقة الموجوده في اللغة العربية طاقة جبارة فعندما تلتحم بالطاقة الاسلامية المتمثلة بالقران الكريم والسنة النبوية فانها تنتج ابداعا جبارا في كل الميادين , فان جرس ألفاضها وتناغم تركيب كلماتها يحدث في السامع تاثير وانسياقا , وان ما فيها تعريب والمجاز والاشتقاق يجعلها قادرة على التعبير عن أي معنى وعن أي شيء , وان ما في ادبها من شعر وخطابه ونثر من حيث التراكيب بغض النضر عن المعنى يفتح لها أفاقا لدى الناس والمجتمعات , مما يجعل للكلمة - وهي عصب الاعلام – التاثير في نفوس الجمهور الستقبل لرسالة الاعلامية . وهكذا تكون اللغة في قالب الفكر وعندما يوضع الفكر العظيم في قالب عظيم ويقدم للناس فسينتج ذلك الاثر العظيم المنشود للعملية الاعلامية برمتها . هذه هي اهم الركائز الي يجب ان يكون عليها الاعلام في ظل الخلافة الراشدة الثانية . ان جهاز الاعلام يجب ان يحتوي في دولة الخلافة على دائرتين رئيسيتين :- الدائرة الاول وهو : الاعلام المرتبط بالامام مباشره ليقرر ما يجب كتمانه , وما يجب بثه واعلانه ويتضح ذلك في كل ما يتعلق بالامور العسكرية , وما يلحق بها كتحرك الجيوش واخبار النصر والهزيمة والصناعة العسكرية ودليل ذلك الكتاب والسنة . اما الكتاب فقوله تعالى " وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ". حصرت الاية الخبر وهو الامر المراد اذاعته بحالتين هما : الامن اوالخوف أي النصر او الهزيمة , واسندت الاية اذاعة الاخبار التي من هذا النوع الى الرسول والى أولي الامر من المسلمين أي الى الحكام , وتبين الاية الكريمة ان على الحاكم ان يستعمل من الاعلامين الخبراء الذين يستطيعون استنباط الاخبار وتقرير ما ينبغي ان يذاع وما لا ينبغي , وتبين الآية أيضا أن الإذاعة تعني إفشاء الأخبار وإظهارها . اما بنسبة للسنة فحديث ابن عباس في فتح مكة عند الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وفيه :" وقد عميت الاخبار على قريش , فلا ياتيهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو صانع ". اما الدائرة الثانية متخصص بالاخبار الاخرى وتكون مراقبتها غير مباشره ولا تحتاج وسائل الاعلام في الدولة على تنوعا الى أي ترخيص فيحق لها ان تزاول عملها ما دام منضبط بالاحكام الشرعية ولا يسبب ضررا على الدولة او المجتمع . هم الأهداف والمقاصد الإعلاميّة في الدولة الإسلاميّة: على ضوء ما سبق من سياسات يمكن القول: إنّه على راسم سياسة الإعلام تصوّر مقاصد الإعلام بوضوح ودقّة متناهية لتمكين جهاز الإعلام من القيام بوظائفه على ضوء هذا الفهم. والمقاصد الإعلاميّة في الدّولة الإسلاميّة جميعها منبثقة من العقيدة الإسلاميّة ومبنيّة عليها، وهي أوّلا وأخيرا تخدم مقاصد الشّريعة الإسلاميّة. ان اهداف ومقاصد الاعلام في ظل دولة الخلافة تتمثّل فيما يلي: أوّلا: غرس مفاهيم المبدأ الإسلامي ّبعقيدته وشريعته: يقول الحق –تبارك و تعالى-: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" ويقول تعالى: "قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" فعلى الإعلام إنشاء برامج وثائقيّة هدفها الرئيس التفكّر والتدبّر والتأمّل في كتاب الله المنظور وهو الكون وما بثّ الله –سبحانه- فيه من آيات وأمارات دالات على عظمته –سبحانه-، وبديع صنعه، وذلك لتعميق صلة الناس بربهم، وجعل إيمانهم به إيماناً عقليّاً يقينيّاً راسخاً بالأدلّة المبثوثة في عظيم خلق الله –سبحانه-. ثانياً: غرس محبّة الله ورسوله في النّفوس وأهمّيّة مراقبة الله -سبحانه -واتّباع هدى نبيه -صلّى الله عليه وآله وسلّم-، وتعظيم اّمر الجنة ونعيمها في القلوب وترسيخ مهابة النّار. يقول الحق –تبارك وتعالى-: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ" ويقول -سبحانه-: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ" ثالثاً: شرح مقاصد الشّريعة الإسلاميّة للأمّة: حفظ الدّين، والعقل، والنّفس، والأموال، والنّسل، والحفاظ على الدّولة ووحدتها، وحفظ الأمن وحفظ الكرامة الإنسانيّة. رابعاً: شرح القرآن الكريم وتفسيره والسّنّة النّبويّة وتوجيهاتها. خامسا: تعريف النّاس بعلوم القرآن الكريم وعلوم الحديث الشّريف. كمفاهيم الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وأسباب نزول القرآن الكريم، وكأنواع الحديث من حيث الثبوت؛ المتواتر والآحاد، ومن حيث القبول كالصحيح، والحسن، والمشهور، والضعيف، وعلم الجرح والتعديل في أحوال الرواة، وما إلى ذلك. سادسا: تعليم النّاس اللّغة العربيّة وفنونها. سابعا: يعمل الإعلام على ترقية اهتمامات الناس قبل العمل على تلبية رغباتهم وذلك بأن يذكي فيهم روح التضحية والإيثار والأخوة والإخلاص لله تعالى وكل خُلق يقربهم منه سبحانه وأن يعمل الإعلام على تنفيرهم مما يغضب الله عز وجل أو يوجب لمن يقوم بالمعاصي تلك عذاب النار والعياذ بالله. ثامنا: تقوية أواصر الرّابطة الإسلاميّة بين أفراد الأمَّة وغرس مفاهيم التّعاون والإيثار والإحسان. تاسعا: تحميل كلّ فرد من أفراد الأمَّة مسؤوليّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والدعوة الى الله ويبيّن ان هذا الأمر على الوجوب وليس على الإستحباب أو على الإباحة، فالله -سبحانه وتعالى- يقول: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" ، وهذا فرضٌ على الكفاية، بمعنى أن الأمة بمجموعها مطلوبٌ منها ذلك ولو أقام هذا الفرض وأتَمَّه أحد بَرئ الباقون ولو بقي الأمر الشرعي مُعَطَّلا، أثِم الجميع، بخلاف فرض العين المطلوب فيه من كل فرد أن يقوم بالأمر الشرعي ولا تبرأ ذمة الواحد ولو قام الجميع بما أمرهم الله بفعله. وعليه يجوز تأسيس أحزاب أو جماعات في الدولة الإسلامية ولكن وجود تلك الأحزاب والجماعات مُقَيَّد ومشروط بأنّها تدعو إلى الإسلام وتحرُم الدعوة إلى غيره وأن يقوم ذلك الحزب أو تلك الجماعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وَفق الأحكام الشرعية. عاشرا: تبيان ما لأهل الذّمّة في المجتمع الإسلاميّ من حقوق وما عليهم من واجبات وتوضيح حرمة الإساءة إليهم بغير وجه حقّ ووجوب الإحسان إليهم. ويقول المصطفى -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: "الجنّة حرام على من قتل ذميّا أو ظلمه أو حمّله ما لا يطيق وأنا حجيج الذّميّ" حادي عشر: تتبّع التّقنيات الحديثة وتطوّرها في جميع أنحاء العالم لمواكبة كلّ جديد ونقل أخبار المكتشفات والاختراعات في شتى مجالات الحياة التكنولوجيّة لمساعدة الرعيّة على اقتناء وإيجاد أعلى أنواع التقنية في كل المجالات لا سيّما مجال التسلّح إذ يجب أن تكون أعلى أنواع الأسلحة متوفرة في بلاد المسلمين. قال تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ" ثاني عشر: المحافظة على النّظام السّياسيّ القائم -نظام الخلافة الإسلاميّة- المنبثق من العقيدة الإسلاميّة ووحدة هذا النظام أي النظام الرباني الذي يعالج كافة مناحي الحياة وذلك يتلخص في الآتي:- 1-تنظيم علاقة المسلم بخالقه وبارئه، ربِّه ومُدبِّرِ شؤونه وذلك بتفصيل موضوع العقائد والعبادات، وتحديد مهمة العقل وذم الأخذ بغير القطع في مواضيع العقيدة. 2-تنظيم علاقة المسلم بالآخرين من حاملي تابعية الدولة وذلك بتفصيل أحكام المعاملات من بيوع وإجارة ووكالة وجزية وغيرها وتفصيل أحكام العقوبات. 3-تنظيم علاقة الإنسان بنفسه وذلك بتفصيل كل ما يتعلق بملبسه ومأكله ومشربه وأخلاقه. 4-تنظيم علاقة المسلم بالآخرين من شعوب العالم والدول المحيطة وذلك بتفصيل أحكام الدعوة والجهاد والمعاهدات وإعلان الحرب والصلح وما شابهه وإناطة ذلك بخليفة المسلمين دون غيره. وتبنّي ما يتبنّى حاكم المسلمين لتبقى العلاقة مع الحاكم علاقة تكامليّة وعلاقة محبّة ووئام، قال -عليه الصلاة والسلام-: "خيار أئمّتكم الّذين تحبّونهم ويحبّونكم وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم" ثالث عشر: مهاجمة الأفكار والعقائد الباطلة: قال -تعالى-: "بَلْ نَقْذِفُ بِالحقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ" وقال -سبحانه-: "إنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ" رابع عشر: ترسيخ مفهوم الولاء لله وحده. قال -تعالى-: "يَاأيّهَا الّذينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أولِيَاءَ بَعْضُهُمْ أولِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظالمين" ويقول -جلَّ جلاله-: "لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أو أَبْنَاءَهُمْ أو إِخْوَانَهُمْ أو عَشِيرَتَهُمْ أولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إنّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" فلا قرابة ولا رابطة بين البشر تعلو على رابطة العقيدة الإسلاميّة، والولاء لله –سبحانه- يُقدّم على كلّ ولاء. خامس عشر: دوام توجيه الأنظار إلى أعداء الأمّة الحقيقيّين المتمثّلين بالكفار والمنافقين على اختلاف مذاهبهم ومسمّياتهم. قال –سبحانه-: "إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً" وقال تعالى: "هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ" . سادس عشر: على الإعلام الإسلامي تحضير مواد خاصة -من باب الدعاية الصادقة الهادفة- لِيَتِمَّ بثُّها للبلدان التي يراد فتحها وذلك ليكون توطئة لجيوش الفتح قبل أن تصل تلك البلاد وفي مقدمتهم العلماء الذين يدعون إلى الإسلام فان لم يقبلوا فالجزية وإلا فيستعينوا بالله ويقاتلوهم. يقول -سبحانه-: "وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كلُّه لِلَّهِ" سابع عشر: على الإعلام أن يثير حفيظة المسلمين ويُديم سَقيهم بالمادة المُحَرِّضة لهم للبذل والعطاء والغَيرة على دين الله وأعراض وأراضي ومُقَدّرات الأمّة، متمثلّة بالآيات الكريمة من كتاب الله -عز وجلّ- وأحاديث وسيرة المصطفى الأسوة -صلى الله عليه وآله وسلم- والسيرة العَطِرة للصحابة الكرام رضوان الله عليهم وسيرة التابعين ومَن سار على دربهم في التأسي برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وفي التضحية والبذل والعطاء لكل ما يملكون من مال ونفس وعيال في سبيل إعزاز هذا الدين وإبقاء راية الإسلام مرفوعة شِامخة، كموقف خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها في بداية الدعوة، وموقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه عند الهجرة، وموقف علي وأسماء رضي الله عنهم عند الهجرة، وموقف سمية رضي الله عنها عند محاولة فَتنها عن دينها، وموقف نُسَيبة المازنية رضي الله عنها في بيعة العقبة الثانية (بيعة القتال) وموقفها في معركة أُحُد، ويقوم الإعلام بربط كل ذلك بواقعنا اليوم لبيان الخط المستقيم بجانب الخط الأعوج فيكون خير زاد للمسلمين على طريق النصر والتغيير والتمكين بإذن الله. ثامن عشر: على الإعلام غرس مفهوم الوفاء بالوعود والعقود، مع المسلمين وغيرهم: يقول الحق -تبارك وتعالى-: "وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ" ويقول -سبحانه-: "وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً" تاسع عشر: على الإعلام ترسيخ مفهوم القتال عند المسلمين هو للمقاتِلة، أي لا نقاتل إلا المُقاتِلين، فالله –سبحانه وتعالى- يقول: "وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ" وقد كان رسول الله –صلى الله عليه وآله وسلم- اذا أرسل جيشاً يوصيه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه ويقول: "لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة" وعن رباح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله سلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شىء فبعث رجلا فقال: "انظر علام اجتمع هؤلاء" فجاء فقال: على امرأة قتيل فقال: "ما كانت هذه لتقاتل" عشرون: على الإعلام دوام نقل أخبار الفتوحات والانتصارات التي يحققها جيش الأمة الإسلامية ونقل أخبار الحدود الجغرافية الجديدة للدولة الإسلامية حيث تصل جيوش الفتح ومثل هذه الأخبار تكون مرتبطة مباشرة مع خليفة المسلمين لمعرفة ما يمكن بثّه مما يفضّل تأجيلهُ.
×
×
  • Create New...