Jump to content

صبا الخلافة

الأعضاء
  • Content Count

    52
  • Joined

  • Last visited

About صبا الخلافة

  • Rank
    عضو متميز

Recent Profile Visitors

The recent visitors block is disabled and is not being shown to other users.

  1. عبدالقدوس الهاشمي 21/7/2020 تدخل اليوم المجلس المليء فتجد ما شئت من الرجال ذوي السمت والوقار لا يرجع بعضهم إلى بعضٍ القول؛ قد نكّسوا رؤوسهم، وغرسوا أبصارهم في أكفّهم التي تحمل هواتفهم، وانشغل بعضهم بمحادثة، وآخر بتصفح، وثالث بمشاهدة. وتمرُّ الساعات ثم يقومون ولم يستفد أحدهم فائدة، ولا ثبتت في أذنه حكمة، ولا توثّقت بينه وبين إخوانه مودّة، ولا انقضت لمحتاجهم حاجة، اجتمعوا اجتماع الأصدقاء، وتفرقوا تفرق الغرباء! هذا ما آلت إليه مجالسنا هذه الأيام، بعد أن صار الناس رهن الثقافة الرقميّة. إن التخلف الذي نعيشه اليوم في وطننا العربي ليس محصورًا على وضعنا السياسيّ فحسب، وإنما هو في بعض وجوهه تخلّف اجتماعيّ، حيث يفشل المجتمع في إدارة نفسه بعيدًا عن الدولة ومؤسساتها، وهذا وإن كان في جانب من جوانبه بسبب تغوّل الدولة الحديثة وأجهزتها، فإنه في جزء من أجزائه بسبب تفريط مجتمعاتنا في بعض مؤسساتها الاجتماعية التي كان لها -في القديم الغابر- دور في رعاية فاعليتنا الاجتماعية وتقويتها. وخطتنا في هذا المقال أن نعرض لبعض رسوم المجالس وآدابها في ثقافتنا، وكيف ساهمت هذه الرسوم في إنشاء نمط مميز من الثقافة الاجتماعية والحكمة العملية، وكيف جسّدت تلك المجالس مقولات هذه الثقافة التي تقوم على الأخلاق والعمل، ثم نعرض لذكر طبقة فريدة من طبقات المجتمع في الحضارة الإسلامية كان ظهورها نتيجة لتفاعلات أفراد المجتمع في مجالسهم. ومن خلال استعراضنا لهذه الرسوم سيلمح القارئ امتزاج القيم العربيّة بالهدْي الإسلامي، وكيف نجح المسلمون في دمج الجيّد من الثقافة العربية بتعاليم الإسلام ومبادئه، والأخذ من أسباب التحضر بكلّ ما يعينهم على القيام بدورهم الاجتماعي ورسالتهم الحضارية. ثقافة مخضرمة إن الأخلاق التي تشكل القيم العليا للإنسان العربي هي -في صميمها- أخلاق جماعية مثل الكرم والنجدة والمروءة، والثقافة العربية ثقافة تفاعلية حرّة لأن العرب كانوا قوما لَقاحاً لم يخضعوا لضبط السلطان وضغطه، ولم يعرفوا التراتبية الهيكلية في مجتمعهم، وإنما كانت سيادتهم الاجتماعية تقوم على خصال الشرف، والشرف وإن كان لديهم في جزء من تكوينه قائما عندهم على النسب فإنه يعتمد على استكمال المروءات والمكارم. وهذا ميدان تُشكِّل المجالس فيه ركنَ أساسٍ وحجرَ زاويةٍ؛ ففيها ينبئ المرء عن عقله ورأيه، ويختبر حِلمه وكرمه، وهي معرضٌ لاستطلاع علمه وخبرته، وبهذا تصبح المجالس لدى العرب الأوائل نوعًا من المؤسسات الاجتماعية القائمة على التفاعل الجماعي وفرز قيادات وأعيان المجتمع، كما نجده مثلا في "دار الندوة" التي اتخذتها قريش ناديا و"ديوانية" لها بمكة. وهكذا قدم الإسلام على قوم لهم أعرافهم وأدواتهم الاجتماعية فكان شأنه معها الترشيد والتقويم؛ إذ لم تكن رسالته تعني تنكُّراً لما في هذه الأعراف من فضائل ومناقب، ولذلك قال النبي ﷺ: "إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق"؛ (رواه البخاري في ‘الأدب المفرد‘). وهذا ما نجده متجسدا في تعامله مع ظاهرة المجالس المجتمعية التي يعكس لنا حديث أبي سعيد الخدري (ت 74هـ/693م) -الوارد في ‘الصحيحين‘- مركزيّتها في الثقافة العربية؛ إذ يروي أن النبي ﷺ نهى الصحابة عن الجلوس في الطرقات، "فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ، نتحدث فيها! فقال رسول الله ﷺ: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقّه"! ومن خلال العرض التالي لتقاليد ورسوم المجالس في تراثنا سنرى كيف التحمَ الإسلام بقيمه السامية مع الثقافة العربية في تقويم هذه الظاهرة الاجتماعيّة، وكيف رشّدها لتبلغ تمامها ولتكون مصنعًا للألفة المجتمعية، ومجالًا لتطوير أفراد المجتمع على مستوى التعليم والتزكية الروحية والأخلاق. فالإمام ابن عبد البر الأندلسي (ت 463هـ/1071م) ينقل -في كتابه ‘بهجة المَجالِس وأُنْس المُجالس‘- قول الإمام التابعي إبراهيم النَّخَعي (ت 96هـ/715م): "إن الرجل ليجلس مع القوم فيتكلم بالكلام يريد اللهَ فتصيبه الرحمة فتعُمّ مَن حوله، وإن الرجل يجلس مع القوم فيتكلم بالكلام يُسخِط اللهَ به فتصيبه السخطة فتعمّ مَن حوله". ولم يكن العربيّ الأول يرى في المجالس إلا مساحة لإدارة الرأي وتداول المعارف، ولهم في استعراضها طريقة مخصوصة وترتيب مرسوم؛ فقد سأل الخليفة الأموي الوليد بن يزيد (ت 126هـ/744م) كهلًا من الأعراب عن المسامرة، فقال: المسامرة إخبارٌ لمُنصِتٍ، وإنصاتٌ لمُخبِر، ومفاوضة فيما يُعجِب ويليق، فقال الوليد: أحسنت! لا أزيدك امتحانًا، فقل يُنصَتْ لقولك! فقال الكهل: يا أمير المؤمنين المسامرة صنفان لا ثالث لهما: أحدهما: إخبارٌ بما يوافق خبرًا مسموعًا، والثاني: إخبارٌ بما يوافق غرضًا مُقترَحًا، وإني لم أسمع من الأمير حديثا فأحذو على مثاله، ولا اقترَح عليّ الأميرُ سلوكَ طريقةٍ فأنحو نحوها"؛ حسبما في كتاب ‘السلوانات‘ لابن ظفر الصقلّي (ت 568هـ/1173م). إبقاء للأصلح حضت تعاليم الإسلام على إشاعة معاني الأخوّة بالمجتمع وتوثيق أواصر المودة بين أفراده، والنصوص الشرعية في هذا أشهر من أن تُذْكَر، ولكن ما يهمنا هنا هو أن نرى كيف تمَّ توظيف هذه القيم وتنزيلها على الواقع في صيغة أعراف تطبيقية، ورسوم يتوخاها المسلم مع جليسه؛ فقد ندب القرآن الكريم إلى التفسُّح في المجالس لروادها وبيّن آداب البقاء فيها والانصراف منها، وقال ﷺ: "خير المجالس أوسعها" (مسند أحمد). وجاء عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (ت 23هـ/644م) فيما نقله عنه ابن عبد البر: "إن مما يُصْفي وداد أخيك أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه، وأن توسع له في المجلس". ونقل أيضا عن الأحنف بن قيس (ت 72هـ/692م) قوله: "لو جلسَ إليّ مئة لأحببت أن ألتمس رضا كل واحد منهم". وكان الأحنف -على بشاعة منظره وعيوبه الخَلقيّة- قد ثبت له السؤدد بتوفره على معرفة رسوم المجالس، وظهوره فيها بحِلمه وحسن رأيه، وبإتقانه فنون التودد للناس في المجالس؛ فقد حكى عنه ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ/890م) -في ‘عيون الأخبار‘- أنه كان "إذا أتاه رجلٌ أوسع له، فإن لم يكن له سَعَة [في مجلسه] أراه كأنه يوسع له"! ومثله في هذا حبر الأمة عبد الله بن عباس (ت 68هـ/688م) الذي كان كثير الحرص على جلسائه وتوقيرهم وبذل المودة لهم؛ فها هو يقول -فيما روى عنه ابن عبد البر- حين سُئل: "مَنْ أكرمُ الناس عليك؟ قال جليسي حتى يفارقني"! وكانت له حساسية عالية في استشعار مبادرات الود وحقوق الصحبة، كما في قوله: "لجليسي عليّ ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا تحدّث". وتستوقفنا محادثة جرت بين الخليفة معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/680م) والصحابي عُرابة الأوسي (ت نحو 60هـ/680م)؛ فقد سأل معاوية عرابة عن سبب مدح الشعراء له وكان يوصف بأنه أكرم أهل زمانه، فقال: "بإكرامي جليسي ومحاماتي عن صديقي"؛ كما في ‘أدب المجالس‘ لابن عبد البر. وقد كان والدُ عرابةَ -وهو أوس بن قيظي- من كبار المنافقين، ومع ذلك توفر عرابة على المكارم واستحق المدح بأخلاقه في المجالس وكرمه مع الناس. وسار المسلمون على هذه الرسوم في اكتساب المودّات والتحبب للجلساء، يوصي بها السابق اللاحق؛ فهذا يحيى بن خالد البرمكي (ت 190هـ/806م) -الذي يصفه الذهبي (ت 748هـ/1348م) في ‘سير أعلام النبلاء‘ بـأنه "من رجال الدهر حزما ورأيا وسياسة وعقلا"- يخاطب ابنا له فيما يرويه ابن عبد البر؛ فيوصيه: "يا بنيّ، إذا حدثك جليسك حديثًا فأقبل عليه وأصغِ إليه، ولا تقل قد سمعته وإن كنتَ أحفظَ له، وكأنك لم تسمعه إلا منه، فإن ذلك يكسبك المحبة والميل إليك"! وهذه إحدى سُنن الكرام المتروكة؛ فالفاضل منّا اليوم إذا سمت همّته التمس تعلّم الكلام، ولم يحفل بحسن الاستماع، وقد كان سلفنا شديدي العناية بحسن الإنصات، حتى إنهم جعلوا عليه أماراتٍ لا تخطئها العين؛ يقول المبرّد (ت 286هـ/899م): "الاستماع بالعين! فإن رأيت عين من تحدّثه ناظرة إليكَ فاعلم أنه يُحسن الاستماع". وهذا أبو مُسْهِر (ت 218هـ/833م): "يقول ما حدثتُ رجلًا قطُّ إلا حدثني إصغاؤه أفَهِم أم ضيّع"! حسبما يرويه ابن قتيبة في ‘عيون الأخبار‘. ولذلك كان أبو مُسْهِر ممن أورثهم الذكاء الاجتماعي قبولًا كبيرًا لدى الناس، فالإمام أبو حاتم الرازي (ت 277هـ/891م) يقول في حقه: "ما رأيت أحدا أعظم قدرا من أبي مسهر! كنت أراه إذا خرج إلى المسجد اصطفّ الناس يسلمون عليه، ويقبّلون يده"! فإن تحيّرتَ في الحد الفاصل بين وقت الكلام والسكوت؛ فقد جعل لكَ الحسن البصري (ت 110هـ/729هـ) علامة تعرف بها الوقت المحبَّذ للسكوت، حيث يقول فيما يرويه الإمام ابن أبي شيبة (ت 235هـ/849م) في ‘المُصنَّف‘: "حدّثوا الناس ما أقبلوا عليكم بوجوههم، فإذا التفتوا فاعلموا أن لهم حاجات". فلا شيء أشق على النفس من السماع القسري الذي يفرضه عليك بعض الثرثارين في المجالس. وقد نهى عن هذه العادة البائسة الإمام المحدث مطرِّف ابن الشِّخِّير (ت 95هـ/714م) بأجمل عبارة، حيث قال كما في ‘عيون الأخبار‘: "لا تُطعِم طعامك من لا يشتهيه. يريد لا تُقبِل بحديثك على من لا يُقبل عليك بوجهه"! تخيّر وانتقاء وقد تقوى نفس المتحدث أحيانًا فيعاقب مستمعه على تفريطه في متابعة حديثه؛ قال الكاتب أبو عبّاد الرازي (ت 220هـ/835م) فيما رواه عنه ابن عبد ربه الأندلسي (ت 328هـ/940م) في ‘العِقد الفريد‘: "إذا أنكر المتكلم عين السامع فليسأله عن مقاطع حديثه، والسبب الذي أجرى ذلك له، فإن وجده يقف على الحق أتم له الحديث، وإلا قطعه عنه وحرمه مؤانسته". ولعلنا لا نستغرب هذا السلوك الحادّ من أبي عبّاد إذا استحضرنا وصف الذهبي لأخلاقه، ومنها أنه "كان جوادا سمحا سَرِيًّا (= نبيلاً) إلا أنه كان منقبِضا عَبوسا"! وقد كان القوم يحرصون كل الحرص على مجالس الفائدة، وتعاف أنفسهم مجالس الثرثرة والبطالة، حتى قالوا: "إياك وكلّ جليس لا تصيب منه خيرًا"! وكانوا يحضّون على تجويد انتقاء الجلساء كما يستجاد اختيار الصاحب؛ فقد قال الحسن البصري: "انتقوا الإخوان والأصحاب والمجالس"! وهذا أبو الدرداء (ت 32هـ/653م) يحكي كَلَفَه بالمجالس التي يتخيّر أصحابها كلامهم اختيارًا ويتأنقون فيه تأنقًا، ويعرب عن توقه إلى "مجالسة أقوام يَنتقون جيد الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر"! كما كان الوعي حاضرًا بأهمية التنوّع في المجالس التي يحضرها المرء، وأن في ذلك زيادة للتجربة وتحصيلا للخبرات المختلفة؛ قال أبو أيوب الأنصاري (ت 52هـ/672م) كما في ‘بهجة المجالس‘: "من أراد أن يكثر علمه فليجالس غير عشيرته". ولهذا كلما اتسع المجلس واشتمل على عدد كبير كان أحظى عندهم؛ ففي ‘عيون الأخبار‘ أن المهلب بن أبي صفرة (ت 82هـ/702م) كان يرى أن خير المجالس "ما بعُد فيه مدى الطرف وكثرت فيه فائدة الجليس"، وكان المهلب -وهو "الأمير البطل" كما يصفه الذهبي- لا يلتذّ بشيء التذاذه بالمجالس، حيث يقول: "العيشُ كلّه في الجليس الممتع"؛ حسبما في ‘العِقد الفريد‘. ويحكي لنا الجاحظ (ت 255هـ/869م) -في ‘البيان والتبيّن‘- كيف أن إتقان آداب المجالس، والمحافظة على رسومها وتقاليدها من أدوات السيادة التي يحرص عليها أصحاب الطموح السياسي ويُنشَّؤون عليها؛ فقد روى أن رجلا من القرشيين ذَكرَ يوما عبد الملك بن مروان (ت 86هـ/705م) -وعبد الملك يومئذ شابّ- فقال: "إنه لآخذٌ بأربع وتارك لأربع: آخذٌ بأحسن الحديث إذا حَدّث، وبأحسن الاستماع إذا حُدِّث، وبأيسر المؤونة إذا خُولف، وبأحسن البِشر إذا لقي؛ وتاركٌ لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة (= مجادلة) السفيه، ومصاحبة المأفون (= ضعيف العقل)". ومن آداب المجالس اختيار المرء مكان جلوسه منها، وكرهوا كثرة التنقّل فيها لأنها مخلّة بالوقار، كما أنهم كانوا يتجنّبون المبادرة للجلوس في صدر المجلس لئلا يعرض طارئ يُضطر معه الجالس فيه إلى تركه؛ حتى إنهم قالوا "إياك وصدر المجلس فإنه قُلَعَة (= لا يتسقر صاحبه)"! وتباعد كعب الأحبار (ت 32هـ/653م) عن مجلس عمر فأنكر ذلك عليه، فقال: "إن في حكمة لقمان ووصيته لابنه: إذا جلست إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد رجل، فلعله يأتيه من آثـَرُ عنده منك فينحّيك، فيكون [ذلك] نقصًا عليك"! كما كان من رسمهم -وخاصة في مجالس أكابر المجتمع- أن يكون التصدير في المجلس على حسب المكانة والفضل، وألا يستبدّ جالسٌ بشرف المجلس إذا عرف أن في المجلس من يفوقه علمًا وفضلًا؛ فالجاحظ يروي أن زياد بن أبي زياد (ت بعد 101هـ/720م) مولى عياش بن أبي ربيعة (ت 64هـ/684م) -وهو "العالم الرباني" كما يصفه الذهبي- كان يقول: "دخلت على عمر بن العزيز (ت 101هـ/720م)، فلما رآني تزحّل (= تنحّى) عن مجلسه، وقال: إذا دخل عليك رجلٌ لا ترى لك عليه فضلًا، فلا تأخذ عليه شرف المجلس"؛ هذا وزياد حينها عبدٌ مملوك قبل أن يدفع الناس أموالهم ليعتقوه إكراما لمكانته. تنوع مرغوب وكانوا يعدّون الثبات في المجلس وعدم مراعاة أهل الأقدار من الثقل المذموم وسوء الأخلاق، وربما أنشدوا فيه شطر بيت الفرزدق (ت 110هـ/728م) معرِّضين بالثقيل: "ثهلانُ ذو الهضبات لا يَتحلحلُ"! وما دمنا في ذكر الثقلاء؛ فعلى المرء أن يراعي الإشارات الخفيّة في مجلسه، وأن يكون عالي اليقظة في التقاطها، ويعلم متى يُستحسن بقاؤه ومتى يُستحبّ انصرافه. ومن هذه العلامات إهماله من صاحب المجلس؛ قال سعيد بن سلْم (ت بعد 200هـ/815م) "إذا لم تكن المحدِّث أو المحدَّث فانهض"! ومن الثقل أيضًا ردّ ما يكرمك به جليسك من وساد أو فرش أو هدية، ولذا جاء في حديث ابن عمر -الذي رواه الترمذي (ت 279هـ/892م) في ‘السنن‘- النهي عن ردّ الوسائد. وقد قدّم أبو قِلابة الجَرْمي (ت 104هـ/723م) -كما في ‘بهجة المجالس‘- وسادة لأحد جلسائه، فردّها إليه؛ فقال له: "أما سمعت الحديث: لا تردّن على أخيكَ كرامته"؟! وقد أجملَ لنا ابن عبد ربه -في ‘العِقد الفريد‘- بعض الرسوم التي ينبغي على المرء مراعاتها فيما يرتاده من مجالس المجتمع؛ فقال: "ومن حُسن الأدب ألا تغالب أحدًا على كلامه، وإذا سُئل غيرك فلا تُجب عنه، وإذا حدّث بحديث فلا تنازعه إياه ولا تقتحم عليه فيه، ولا تُرِهِ أنك تَعلمه، وإذا كلمتَ صاحبَك فأخذتَه (= غلبته) بحجّتك فحسّن مخرج ذلك عليه، ولا تُظهر الظفر به، وتعلّم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام"! ومما تعارفوا عليه أيضا استحسان أن يُصحَب المجلسُ بدعوة إلى طعام -دون تكلُّف- في نهايته لتمام الإكرام، ويُستقبح تأخيره -إذا وُجِد- عن الجلساء، لقولهم الذي حكاه أبو حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ/1010م) في ‘البصائر والذخائر‘: "ثلاثة تضني: سِراج لا يضيء، ورسول بطيء، ومائدة يُنتظر بها من يجيء"! وقد اختلف رأيهم في شأن الحديث على الطعام فاستحسنه قوم وكرهه قوم، وتوسط آخرون فقالوا إنه من صاحب المنزل والمائدة أحسن منه من الأكيل الزائر؛ كما في ‘أدب النديم‘ لأبي الفتح ابن شاهك الرملي المعروف بـ‘كشاجم‘ (ت 360هـ/971م). ويُستطاب في أحاديث المجالس إيرادُ المُلَح والطُرَف، وأن يختلط المُزاح بالجِد إذا كان في المجلس أقران، وكرهوه مع وجود الشيوخ؛ فقد قال قائل للخليفة المأمون (ت 218هـ/833م): "أيأذن أمير المؤمنين في المداعبة؟ فقال: وهل العيش إلا فيها"! وفقا لما يرويه الرقيق القيرواني (ت نحو 425هـ/1034م) في ‘قطب السرور‘. واستحسنوا ألا يقتصر المجلس على لون واحدٍ من الحديث، وإنما ينبغي أن يتنوّع بتنوّع حاضريه لتكون لكل منهم مشاركة فيه، وقد قال بشار بن برد (ت 168هـ/785م) حسبما أورد الحُصْري القيرواني (ت 453هـ/1062م) في ‘زهر الآداب‘: "لا تجعلوا مجلسنا غِناءً كلَّه، ولا شِعرًا كلَّه، ولا سَمَرًا كله، ولكن انتهبوه انتهابا"! ومن آداب المجالس أن تستأذن جليسك إذا هممت بالانصراف، ولا تخرج من غير إشعار له بانصرافك؛ فقد روى الحافظ ابن عبد البر -في ‘بهجة المجالس‘- أن النبي ﷺ قال: "إذا جلس إليك رجل فلا تقومن حتى تستأذنه". وروى ابن أبي شيبة -في ‘المصنّف‘- أنه جاء رجل إلى الحسن بن علي (ت 49هـ/670م) "فقال له جلستَ إلينا على حين قيام، أفتأذن"؟ وذلك حتى لا يظن أن انفضاض المجلس كان بسبب قدومه، فإن ذلك مما يوغِر الصدر. صنعة النديم عرفت العرب في جاهليتها شخصية "النديم" الذي جاء اشتقاق اسمه "من النَّدَم لأنه يُندَم على فراقه"؛ كما يقول الرقيق القيرواني في ‘قطب السرور‘. وفي صدر الإسلام؛ كانت مجالس الخلفاء الراشدين تنعقد على نمط رشيد لا يُصَدُّ عنها العوام ولا أصحاب الحاجات، ولا يختلف بشيء عن مجالس الناس المفتوحة؛ فلما قام الاستبداد السياسي مع الأمويين والعباسيين تغيرت رسوم مجالس السلاطين فاستولت عليها الفخامة مقلِّدين بذلك قياصرة الروم وأكاسرة الفرس. ثم تعقّدت بروتوكولات المجالس أكثر حينما مالت الحضارة الإسلامية إلى الدعة والترف، على نحو ما نجده مبثوثا في كتب التاريخ والأدب والمسامرات، حتى إن الثقافة العربية صارت مدينة لمجالس الوجهاء -من أمراء ورجال دولة بل وعلماء ومثقفين- بالفضل الكبير في إنتاجها لكتب في غاية النفاسة والطرافة، مثل كتابيْ التوحيدي ‘الإمتاع والمؤانسة‘ و‘المقابسات‘، وكتابيْ القاضي أبي علي التنوخي (ت 384هـ/995م) ‘نشوار المحاضرة‘ و‘الفرج بعد الشدة‘. كما كتبوا في "أدب النديم" الذي كان يقع عليه عبء محادثة الملوك ومسامرتهم في مجالس أنسهم، وشرحوا ما ينبغي أن يحوزه من جميل الصفات ومتنوع الثقافات، ليكون مُعينًا لأصحاب الجاه في استكمال لذاذاتهم وبلوغ مسراتهم. وتسعفنا كُتب هذا الفنّ بالتعريف برسوم مجالس المنادمة وما يشترطه أربابها في "النديم"؛ ومن أقدم وألطف ما وصلنا مما وُضع في ثقافة النديم وآدابه ما جمعه الشاعر كشاجم -المتقدم الذكر- في رسالته ‘أدب النديم‘. فقد كان علية القوم من رجال الدولة يتحرّوْن في انتقاء الندماء، عاملين بما يرويه المسعودي (ت 346هـ/958م) -في ‘مروج الذهب‘- عن الكاتب كلثوم العتابي (ت 220هـ/835م) الموصوف بـ"براعة البيان ومُلوكِية المجالسة"، وهو قوله: "كاتب الرجل لسانُه، وحاجبُه وجهُه، وجليسه كلُّه". كما أن من ينال هذه المكانة يؤكّد صلته ويوثّق مودته بمضيفه ومنادمه الذي غالبا ما يكون رأس الدولة أو أحد مسؤوليها الكبار. ولذا أصبح "النديم" لقب رسمي يطلق على كل من يتولى وظيفة "النِّدامة" فيحظى بصِلاتها وينعم بامتيازاتها وقد يتحمل تبعاتها. وللصلة القوية القائمة بين طرفيْ حرفة "النِّدامة" سمَّوْا المنادمة "الرضاع الثاني" كما جاء في ‘طبقات الشعراء‘ لابن المعتز (ت 296هـ/909م) من قول الشاعر عصابة الجَرْجَرائي (ت نحو 250هـ/865م) مخاطبا أمير فارس الحسن بن رجاء البغدادي (ت 244هـ/859م): أقْرِ السلامَ على الأمير وقل له ** إن المنادمة الرضاعُ الثاني! إن المـــنادمة التي نادمـــــتني ** رفعت عناني فوق كل عنان واشترطوا في النديم أن يتوفر على نوع من الذكاء الاجتماعي العالي والفطنة، وأن يضم بين جنبيه أخلاقا متضادة ليكون قادرًا على مواكبة أحوال مضيفه المتقلبة؛ "فيكون فيه مع شرف الملوك تواضعُ العبيد، ومع عفاف النُّساك مجونُ الفُتَّاك، ومع وَقار الشيوخ مُزاحُ الأحداث"؛ وفقا لما يقوله كشاجم. ويكون له كذلك "من قوة الخاطر ما يفهم به ضمير الرئيس الذي ينادمه، على حسب ما يبلوه (= يختبره) من أخلاقه، ويعلم من معاني لحظه وإشاراته ما يغنيه عن تكلف عبارته والإفصاح بهـ[ـا]، فيسبقه إلى شهوته ويبدره إلى إرادته". معيارية غريبة ومن طريف ما اقترحوه في أخلاق النديم وجمعه بين الصفات المتضادة؛ قولُ كشاجم إن "من صفة النديم أن يجمع إلى الصبر على مَضَض (= شدة) الجوع، احتمالَ كِظَّة (= ضغط) الازدياد على الشبع، لأنه مدفوع إلى مؤاكلة أحد رجلين: إما سخيّ شديد المحبة لأن يُؤكَل طعامه فيطالبه بالإكثار..، فإذا فعل ذلك حظي عنده وقرُب من قلبه بالمشاكلة (= المشابهة)، فإن قصّر أنزل ذلك منه على التبخيل له وتعمد التنغيص عليه…؛ أو لئيم طعامُه عنده بمنزلة سمعه وبصره، فإن أسرع فيه [النديم] أو تناول من أطايبه فكأنما يأكل من جوارحه"!! ومن عجائب الأخبار أن تكون القدرة على التهام الطعام قاضية لترقّي شخصٍ دون آخر في هيكلة الدولة ومناصبها، وهذا ما حصل للقاضي أحمد بن أبي دُؤاد (ت 240هـ/855م) فيما يحكيه لنا منافسه في البلاط العباسي الوزير محمد بن عبد الملك الزيات (ت 233هـ/848م)؛ فإنه قال فيما حكاه كشاجم: "أُعينَ عليّ أحمد بن أبي دؤاد بأشياء لم أُعَنْ عليه بمثلها، حتى إنه أعين عليّ في تمكّن حاله عند [الخليفة] الواثق (ت 232هـ/847م) بأنه كان طيّب الأكل طَحون الضرس هَضوم المعدة، وكنت على خلاف ذلك. فحضرته [يوما] يؤاكل الواثق وليس معهما ثالث، ودعاني الواثق إلى الطعام فأقبلت أنقر على حسب عادتي وخُمود شهوتي، وهما يتباريان في تكبير اللُّقَم وجودة الأكل، فما رأى أحمد مني ذلك قال: يا أمير المؤمنين ما جلوس هذا المُحْتَمِي (= متّبِع الحِمْية) معنا يحصي علينا اللُّقَم..؟ فقال الواثق: صدق أحمد، فكُلْ أو دع! فما تمالكت أن نهضت"! كما استحسنوا من النديم أن يكون -مع ثقافته العامة الواسعة- محيطًا ببعض المعارف الممتعة الخفيفة، ولذلك "يُستظرَف منه أن يصف اللونَ (= الوجبة) الغريب من الطبيخ، والصوتَ البديع، والشِّعر الشجيّ، واللحن من الغناء". ويشير كشاجم إلى محورية هذه المعارف في أدب المنادمة حتى إن المرء ليتأخر عندهم بتفريطه فيها؛ فيقول: "ورأيت المِلاح من أهل هذه الطبقة يقولون: إن من لم يَشْدُ عشرة أصوات، ويُحْكِم من غرائب الطبيخ عشرة ألوان، لم يكن عندهم ظريفًا كاملًا ولا نديمًا جامعًا"!! وفي الأناقة وحسن الهندام اشترطوا أن يجري النديم مع موضة عصره التي سنأتي على بعض تفاصيلها؛ يقول كشاجم: "لا يستحق النديم هذا الاسم حتى يكون له جَمال ومروءة، أما جَماله فنظافةُ ثوبه وطيبُ رائحته وفصاحةُ لسانه، وأما مروءتُه فكثرة حيائه في انبساط جميل، ووقار مجلسه مع طلاقة وجهه". وكان من موضة العصر القديم لِبْسُ العمائم والأخفاف في مجالس الملوك خاصة: "أما العمامة والخفّ فسبيله (= النديم) ألا يُخِلّ بهما وله أن يُلْطِفَهما ويخففهما، وإنما الغرض في ملازمتهما ألا ينحسر الرأس وتبدو القدم"، احتراما لمقام السلطان ومكانته. ومع هذه الأوصاف الخارجية التي تريح الناظر؛ استوجبوا في النديم أن يتوفر على مهارات المحادثة وإدارة النقاش وحسن السؤال، ويضع لنا كشاجم وصفًا دقيقًا لما ينبغي أن يكون عليه من حسن الإنصات فيقول إن "حسن الاستماع إمهال المحدّث حتى ينقضي حديثه، وقلة التقلب إلى الجواب، والإقبال عليه بالوجه، والنظر والوعي لما يقول. ولا تسابقه إلى حديث يبدأ به لمعرفتك بذلك الحديث، بل تريه الارتياح له والتعجب منه، ما توهمه أنه لم يخطر ببالك ولا وقر في سمعك"! ومن كمال إتقانهم لصَنْعة الحديث استهجنوا تناثره والانتقال بين المواضيع بدون موجب، وإنما هديهم في هذا "ألا يُقْتَضَب [الحديث] اقتضابًا ولا يُهْجَم عليه، وأن يُتوصّل إلى اجتراره بما يشاكله، ويسبب له ما يحسن أن يجري معه في غرضه"؛ فيكون تسلسل الأحاديث والمواضيع في المجلس أكثر تنظيمًا وانسيابًا. وكان من ضوابطهم في ذكر الأخبار ألا تطول، وأن تكون مختصَرة مؤدِّية للغرض الذي سيقتْ لأجله، فـ"من رسوم القصص ألا تطول حتى ينقضي باقتصاصها زمن المجلس، فإن ذلك بمجالس القُصّاص أشبه منه بمجالس الخَوَاص"!! ظرف وظرفاء بعد أن تعززت ثقافة المجالس في الحضارة الإسلامية باستمدادها العربي وتقويم الإسلام لها، وهبّت عليها نسائم الحضارات الأخرى فلقحت منها ما استحسنته عقول العقلاء، وأنتجت ثقافة "النِّدامة" و"أدب النديم"؛ أفرزت ثقافة مجالس النخبة طبقة كانت زينة للمجتمع عامة هي طبقة "الظرفاء"، فصارت لهم رسوم خاصة بهم وآداب اجتماعية (إتيكيت Etiquette) في السلوك العام والعلاقات الشخصية والكلام واللباس والزينة والمهاداة. وعلى نحو ما خصص كشاجم رسالة تشرح "أدب النديم"؛ نجد معاصره الشاعر أبا الطيب الوشّاء (ت 325هـ/937م) يخصص كتابه ‘الظرف والظرفاء‘ (يسمى أيضا: المُوَشىَّ) لرصد هذه الظاهرة المجتمعية، ولعله استعان في تأليفه بخبرته في تثقيف موالي الملوك الذي يدلنا عليه قول الخطيب البغدادي (ت 463هـ/1071م) في ‘تاريخ بغداد‘ إن الوشاء "روت عنه مُنيةُ جاريةُ خلافة أم ولد المعتمد على الله (ت 279هـ/892م". وهو ما أتاح له مخالطة أوساط هذه الطبقة، والاطلاع على قواعد حياتها الخاصة ساعدته في رسم منهجية عمليّة لطالب الظَّرف، والمحب للالتحاق بهذه الطبقة المترفة والمرهفة. ولعله كذلك استفاد من مصنفات سبقته بالحديث عن الظرفاء لكنها لم تصلنا؛ مثل كتاب ‘أخبار المتظرفات‘ الذي ذكره النديم (ت 384هـ/995م) -في ‘الفهرست‘- ضمن مصنفات الشاعر أبي الفضل أحمد بن طيفور (ت 280هـ/894م) الذي كان "من أولاد الدولة"، وبالتالي خبر مجالس كبرائها وما يدور فيها من رسوم الظرف؛ وكذلك تأليف ابنه عُبيد الله بن أحمد (ت 313هـ/926م): ‘كتاب المتظرفات والمتظرفين‘. ويخبرنا الوشاء عن كتابه هذا بأنه ليس كتابًا غريبًا ولا دراسة شاذة، وإنما جاء نتيجة لبحث ميدانيّ جمع ما تحفل به مجالس تلك الطبقة من قواعد سلوك اجتماعي، أصبحت لهم "شرائعَ محدودة.. متى حالوا (= تغيّروا) عنها سموا بغير اسم الظرفاء عند أهل الظرف"؛ فها هو يقول: "وما اخترعنا في كتابنا هذا عِلمًا من عند أنفسنا..، ولكنا ألّفناه وجمعناه من أقاويل جماعة من الظرفاء والمتظرفات، وأهل الأدب والمروءات سمعناهم يتكلمون به ويستعملونه، فأحببنا أن نجمع ذلك". ثم إنه يحدد لنا مختاراته في ذلك بأنها عبارة عن "أخبار طريفة، وأشعار ظريفة، وأشياء نمت إلينا من زِيّ ظرفاء الناس في الطعام والشراب والعطر واللباس، ومذهبهم فيما اجتنبوه من ذميم الأفعال، واستحسنوه من جميل الشيم والأخلاق"! وإذا نحن أردنا أن نصوغ تعريفًا جامعًا للظَّرف؛ فينبغي علينا أن ننظر إلى مجموع ما ذكره الوشّاء من الصفات والخصائص التي يتوفر عليها الظرفاء، مستحضرين أنه لا يعني هنا الظَّرف بمفهومه العام المنصرف إلى "الظرافة" بمعنى امتلاك حس الفكاهة والقدرة على صناعة النكتة المضحكة. ويبدو لنا في بداية الأمر أن للظرف -بمعناه الخاص عند الوشّاء- ارتباطا عضويا بمفاهيم الأدب والمروءة، وبذلك تشي عبارته التالية: "فإنه لا أدب لمن لا مروءة له، ولا مروءة لمن لا ظرف له، ولا ظرف لمن لا أدب له". ثم نجده يعدد بعض الصفات والتعريفات لهذا الظرف فيقول: "اِعْلم أن عماد الظرف عند الظرفاء وأهل المعرفة والأدباء: حفظ الجوار، والوفاء بالذِّمار (= العهد)، والأنفة من العار، وطلب السلامة من الأوزار. ولن يكون الظريف ظريفًا حتى تجتمع فيه خصال أربع: الفصاحة والبلاغة والعفة والنزاهة"؛ فنحن نرى في تعريفه هذا للظرف كلاما على صفاتٍ ذاتيّة، وكمالاتٍ أدبيّة، ومهاراتٍ اجتماعيّة. أعراف وآداب وفي بعض هذه التعريفات نجد أن الظريف مرادفٌ لما نسميه اليوم "المثقّف"؛ ذلك أن "الظريف [هو] الذي قد تأدب وأخذ من كل العلوم فصار وعاء لها، فهو: ظَرْفٌ" لها. وهذا الظرف شاملٌ أيضًا لأهم معارف العصر التي كانوا يعبرون عنها بـ"الأدب" بمفهومه الذي أوضحه ابن خلدون (ت 808هـ/1406م)، حين قال -في ‘المقدمة‘- إن "الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف". كما يشتمل الظرف على مهارات شخصية واجتماعية، كالخطابة والفصاحة والتودد وحسن الاستماع. وينصر اعتبارَ الظرف جامعا لكل هذه الأمور ما ذكره الوشّاء من أنه "لا بد للظريف من استعمال كل ما ذكرناه من حدود الأدب وشرائع المروءة". ومن هنا نفهم سرّ دعوة الشيخ الرئيس ابن سيناء (ت 428هـ/1037م) -في ‘كتاب السياسة‘- إلى أن يُسند تثقيف الأبناء وتأديبهم إلى أحد المنتمين لطبقة الظرفاء، حتى تشيع هذه الثقافة في المجتمع وتنمو مع أفراده منذ الصغر فتنتشر وتترسخ؛ فقد اشترط هذا الفيلسوف الطبيب "أن يكون مؤدِّبُ الصبي عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة الأخلاق حاذقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا.. ذا مروءة ونظافة ونزاهة، قد خَدَم سَراةَ (= أعيان) الناس وعرف ما يتباهون به من أخلاق الملوك، ويتعايرون به من أخلاق السفلة، وعرف آداب المجالسة وآداب المؤاكلة والمحادثة والمعاشرة". وفيما يلي نعرض لطالبي الظرف من قرائنا موجَزًا مختصَرًا لحدود الأدب وشرائع المروءة، وبعض بنود مدونة السلوك والذوق المدني التي التزم بها الظرفاء في أزهى عصور الحضارة الإسلامية؛ فأول ما يبدأ به طالب الظرف -عند الوشّاء- هو اعتيادُ مجالس أهل العلم والأدب، والالتزام برسومها وتحصيل المعارف بـ"مجالسة ذوي الألباب، والنظر في أفانين الآداب، وقراءة الكتب والآثار، ورواية الأخبار والأشعار، وأن يُحْسِن السؤالَ ويتثبّت في المقال، ولا يُكثر الكلام والخطاب، إن سُئل عما يعلمه أجاب، وإن لم يسأل صَمَتَ للاستماع". كما يوصَى طالب الظرف بالحرص على السؤال وإجادة استدرار الحديث، ومن مبادئ الظرف العناية بالوقار وقلة المُزاح والبعد عن السُّخْف؛ قال الوشاء: "إن من زِيّ الأدباء وأهل المعرفة والعقلاء وذوي المروءة والظرفاء: قلة الكلام في غير أرَب (= حاجة) والتجالل (= الترفع) عن المداعبة واللَّعِب، وترك التبذل بالسخافة والصياح بالفكاهة والمُزاح، لأن كثرة المُزاح يذل المرء ويضع القدر ويزيل المروءة ويفسد الأخوة". فإذا تحقق المرء بهذه الأوصاف من أسباب الظرف صارت مجالسه جَنّة للجليس، وروضة للضيف، وتحصل من مجالسته متعة عظيمة وفائدة جليلة يتهافتٌ عليها كبار الناس وخاصتهم؛ فكما يقول الوشاء فإنه "ليس شيء أسرّ إلى ذي اللب ولا أحسن موقعًا في القلب من محادثة العقلاء ومجالسة الأدباء، فإن ذلك مما تُفتق به الأذهان وينفسح به الجَنان ويزيد اللبّ ويحيا به القلب". علاقات ممتدة ولما كان الظرف -باعتباره إحدى ظواهر الذكاء الاجتماعي- صفة تترسّخ بالممارسة وتتوطّد بالمداومة؛ أصبح اتخاذ الإخوان واختيار الأصدقاء أكبرَ مُعين لطالبه على تمكّنه في نفسه واتصافه بأخلاقه، فإحاطة المرء نفسه بالإخوان دافعٌ له إلى اصطناع المكرمات والقيام بالمروءات التي تنمو وسط دفء الجماعة؛ فقد روى القاضي أبو بكر الدينوري المالكي (ت 333هـ/945م) -في ‘المجالسة وجواهر العلم‘- عن الإمام العابد محمد بن النضر الحارثي الكوفي (ت نحو 180هـ/797م) قولَه إن "أول المروءة طلاقة الوجه، وثانيها التودد إلى الناس، وثالثها قضاء الحوائج". على أن تكون هذه الصحبة والأخوّة مجانبة لإكثار الزيارة، لأن كثرتها جالبة للملال والاستثقال، حتى قالوا -حسب الوشّاء- إن "مَن أدمن زيارة الأصدقاء عدِم الاحتشاد عن اللقاء"! ثم إن الظرف يفرض على صاحبه التزاما صارما بآداب اجتماعية تميز طبقة الظرفاء حتى "لا يطمع في عيبهم العائب، ولا يقدر على مثالبهم الطالب"، ومن ذلك أنهم في مجالسهم ولقاءاتهم "لا يتبصقون ولا يتثاءبون.. ولا يتجشّؤون..، ولا يوّقّعون أكفهم ولا يشبكون أصابعهم ولا يمدّون أرجلهم، ولا يحكّون أجسادهم ولا يمسّون آنافهم، خاصة إذا كان أحدهم بين يديْ خليله.. أو حبيبه، أو من يحتشمه (= يحترمه) ومن يكرمه". وصاحب الظرف يتعاهد نفسه دائما محتفظا بجمال المظهر وحسن الهندام وأناقة الهيئة ونظافة البدن؛ فمن رسومهم أن "من تكامل ظرف الظريف.. ظهور طيب رائحته.. ونظافة بدنه، ولا يتّسخ له ثوب ولا يدْرَن له جيب، ولا ينفتق له ذيل، ولا يُرى.. في سراويله ثُقب، ولا يطول له ظفر ولا يكثر له شعر، ولا يفوح لإبطه دَفْرٌ (= رائحة نتنة)..، ولا يسيل له أنف، ولا يسودّ له كفّ..، ولا يرشش له بُصاق". وحين يسلك الظرفاء دروب الحياة العامة في جنبات المجتمع فإنهم "لا يَدخل أحدهم الخلاء من حيث يراه أحد..، وليس من زِيّهم.. السرعة في المشية، ولا الالتفاف في طريق قصدوه ولا الرجوع في طريق سلكوه..، ولا يشربون ماء الأحباب (= جِرَار الماء) ولا الماء في دكاكين الشراب، ولا ماء المساجد والسبيل..، ولا يدخلون دكان هرّاس (= بائع الهريسة) ولا دكان روّاس (= بائع الرؤوس المطبوخة)..، ولا يأكلون شيئا مما يُتَّخَذ في الأسواق، ولا يأكلون على قارعة الطريق ولا في مسجد ولا في سوق..، ولا ينبغي لظريف أن يمشي بلا سراويل..، ولا يماكس في الشَّرْي، ولا يركب حمار الكَرْي"!! ومن خصال الظريف أنه يحرص على بناء علاقات صحية مع الناس، ويتوخى كل ما يبعدها عن المنغصات؛ يقول الوشّاء: "اعلم أنه من كمال أدب الأدباء وحسن تظارف الظرفاء صبرُهم على ما تولّدت به المكارم واجتنابهم لخسيس المآثم..، وأنهم لا يداخلون أحدًا في حديثه، ولا يتطلعون على قارٍ في كتابه، ولا يقطعون على متكلمٍ كلامه، ولا يستمعون على مُسِرٍّ سِرَّه، ولا يسألون عما وُورِيَ عنهم عِلمُه"! ثم إن الظريف مطالب كذلك بأن يحفظ للآخرين سلامة علاقاتهم البينية فلا يسعى في تنغيصها ولا إفسادها؛ ولذلك فإنه "ولا يغتاب أحدا ولا يذكر بسوء أخاً ولا يَنِمُّ بسريرة..، ولا يخون عهدا ولا يخلف وعدا..، ولا يُفسِد بين خليلين ولا يسعى [بوشاية] إلى سلطان ولا يهتك حرمة..، ولا يتحلى بالكذب". تحف وهدايا يحكي لنا الوشّاء عما تستحسنه هذه الطبقة من "زِيّ الفريقين من الظرفاء والمتظرفات"، محددا بالتفصيل تفضيلاتهم في أنواع الثياب حسب بلد الصنع وجهة الاستيراد؛ فيقول: "اعلم أنه من زيّ الظرفاء… الغلائل الرِقاق، والقمص السفاق (= الغلاظ) من جيد ضروب الكتان، الناعمة النقية الألوان". ويبدو أن إقبالهم على الملابس ذات الألوان الناصعة -كالبياض بدرجاته- كان أكثر من تفضيلهم غيرها، "وليس يُستحسن لبس الثياب الشَّمِعة الألوان المصبوغة بالطيب والزعفران"، كما كانت العناية بتناسق ألوان اللباس حاضرة عندهم بشدة، حتى وضعوا في ذلك قواعد منها أن "أحسن الزيّ ما تشاكل واتفق وتقارب واتفق". أما النعال فقد كانوا يستحسنون منها ما جمع لونًا آخر مع الأسود كالأحمر والأصفر ويكرهون الأحمر الخالص، ويستحسنون من الأحذية ما لبس معه جوارب من الحرير. وكانوا يتختّمون بالعقيق الأحمر والفيروز الأخضر والفضة، ويتجنب رجالهم التختّم بالذهب لأنه من عادة النساء. أما التطيّب والتعطر فقد اقتصروا منه على سبعة ألوان، منها المسك الممزوج بماء الورد، والعود المخلوط بماء القرفة المخمّر، وكانوا يتجنبون كلّ طيب يصبغ الثياب بلون لأن ذلك من طيب النساء. ومن رسمهم في الطعام تصغير اللُّقَم وتجنّب الشَّرَهَ والنَّهَم، وترك كل ما في أكله انتثار أو رائحة "ولن يقع الثوم في قِدر فيذوقونه ولا البصل فيقربونه"!! وكان لهم في الهدايا سمت عجيب وعادات طريفة فاستحقت بذلك عندهم أن تفرد بالتأليف، ومن هنا جاء تأليف رسالة ‘التُّحف والهدايا‘ للأخويْن الأديبين الخالدييْن: أبي عثمان ابن هاشم (ت 371هـ/982م) وأبي بكر ابن هاشم (ت نحو 380هـ/991). وكان من آداب الظرفاء في الهدايا أنهم يستقبحون أن تكون في هداياهم ثمرة أتْرُجّ لأن باطنه خلاف ظاهره فهو طيب الرائحة حامض الطعم، ولا زهر السوسن لأن الاسم يحتوي على معظم أحرف لفظ "السوء"، ولا الياسمين لاشتماله على كلمة "اليأس" فكانوا يتشاءمون منه. وهم يستحسنون إهداء الورد وزهر البنفسج في هداياهم، ويفضّلون من الثمار هدايا الخوخ والتفاح؛ وهذا الأخير "ليس في هداياهم ما يعادله.. لغلبة شبهه بالخدود المورّدة، والوجنات المضرّجة"! وكذلك "تهادى أهل الظرف المساويك، وأقاموها مقام الرهينة والتذكرة والوديعة والقُبلة، كما فعلوا باللُّبان الممضوغ والتفاح المعضوض (= المقضوم)"!! ولكنهم اختلفوا في إهداء الخاتم فـ"قد تطير بعض الظرفاء من هدية الخاتم وزعموا أنه يدعو إلى القطيعة، وتهاداه آخرون وأقاموه مقام التذكرة والوديعة..، والعلة فيما كرهه الظرفاء.. من هدية.. الخاتم.. أن الواحد إذا أهدى إلى خليله.. وأرسل إلى حبيبه بخاتمه.. ففُقِد ذلك من يده أو حوزته، بعثه باعث من غيرته على قطيعته وهجرته"!! ثم إنهم كانوا إذا كتبوا رسائلهم اتخذوا لها "طرائف المناديل الرِقاق.. وطيبوها بالمسك..، وعَنْوَنوها بمتظرفات الأمثال والنوادر، وختموها بالغالية (= طِيب)"؛ حسبما يقوله الوشّاء. كما كانوا يختارون "مستظرَفاتِ الأشعار، ومُستحسَنَ الأخبار، ومُتنَخَّلَ الأبيات، ومنتخَبَ المقطَّعات، ونوادرَ الأمثال، ومُلَحَ الكلام"؛ ويكتبون بعض تلك المختارات على مقتنياتهم من "الفُصوص والتفّاح، والقناني والأقداح، وفي ذيول الأقمصة والأعلام، وطُرُز الأردية (= جمع رداء) والكِمام والقلانس.. والعصائب..، وعلى المناديل والوسائد والمخادّ والمقاعد.. والأسرّة..، وفي المجالس والإيوانات وصدور البيوت والقِباب، وعلى السُّتور والأبواب، والنعال..، وعلى الجِباه.. وعلى الخدود بالغالية والعَنبر..، والطبول والمَعازف والنايات والأقلام"!! ومن نماذج تقليد كتابتهم على مقتنياتهم الشخصية أن أحد هؤلاء الظرفاء كتب على مخدته: يا راقدَ اللـــــيلِ ممّن شَفَّهُ السَّقَمُ ** وهَــــدَّه قلقُ الأحـــــــزانِ والألمِ جُدْ بالوصال لمَنْ أمسيتَ تملكه ** يا أحسنَ الناس مِن قَرْنٍ إلى قَدَمِ! نقل واقتباس وقبل الختام؛ لا بد أن نلفت نظرك -أيها القارئ الكريم- إلى ما تشير إليه معطيات مؤلَّفات النِّدامة والظَّرف من ارتياد أصحابها لبلاطات الحكم وصلاتهم بالطبقات المخملية في المجتمع العباسي انتماءً أسَريا أو مخالطةً وظيفيةً أو هما معاً، على نحو ما رأينا في الشاعريْن ابن طيفور والوشّاء؛ وهنا ينبغي لنا أيضا التعريج على شخصية ثالثة كانت ذات أثر كبير في هذا الشأن، ونعني الموسيقار العراقي زرياب الموصلي (ت 243هـ/858م) الذي غادر بلاط الخلافة العباسية ببغداد إلى جنان أندلس الأمويين فوصلها سنة 206هـ/822م، مستصحبا معه خلاصة ما وصلت إليه الحياة البغدادية من أبهة وأناقة في أذواق العوائد وأطباق الموائد. فقد قال المقّري التلمساني (ت 1041هـ/1632م) -في ‘نفح الطيب‘- إن زرياباً "جمع إلى خصاله هذه [في معارف المعازف] الاشتراكَ في كثير من ضروب الظَّرف وفنون الأدب، ولطف المعاشرة، وحوى من آداب المجالسة وطيب المحادثة ومهارة الخدمة الملوكية ما لم يُجِدْه أحد من أهل صناعته، حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصّهم قدوةً فيما سنَّه لهم من آدابه، واستحسنه من أطعمته، فصار -إلى آخر أيام أهل الأندلس- منسوبا إليه معلوما به"! وقد كانت صيحات الموضة البغدادية -في عالم الأزياء والزينة وتصفيف الشَّعر- من أول أصداء مَقدم زرياب وقْعاً في الأندلس فصارت أقواها انتشارا وأبقاها آثارا؛ فالمقري يروي أن زرياباً "دخل إلى الأندلس وجميعُ مَن فيها -من رجل أو امرأة- يُرسِل جُمَّتَه (= شَعَر مقدَّم الرأس) مفروقا وسط الجَبِين عامًّا للصُّدغيْن والحاجبيْن، فلما عاين ذوو التحصيل تحذيقه هو وولده ونساؤه لشعورهم، وتقصيرها دون جباههم، وتسويتها مع حواجبهم، وتدويرها إلى آذانهم، ولإسبالها إلى أصداغهم.. هَوَتْ إليه أفئدتهم واستحسنوه"! وأما الأزياء فإن الأندلسيين عرفوا بمقدم زرياب عادة تخصيص كل فصل من فصول السنة بما يناسبه من الثياب نوعا ولونا، ووضع لهم حدودا زمنية معروفة بينهم لذلك؛ فقلّدوه في "لبسه كل صنف من الثياب في زمانه الذي يليق به، فإنه رأى أن يكون ابتداء الناس لِلِباس البياض وخلْعهم للملوّن من يوم.. ست بقين من شهر يونية الشمسي من شهورهم الرومية، فيلبسونه إلى أول شهر أكتوبر الشمسي منها ثلاثة أشهر متوالية، ويلبسون بقية السنة الثياب الملونة. ورأى أن يلبسوا في الفصل الذي بين الحر والبرد -المسمى عندهم الربيع- من مصبغهم جِباب (= جمع جُبَّة) الخَزِّ (= نوع من حرير).. والدراريع التي لا بطائن لها..؛ وكذا رأى أن يلبسوا في آخر الصيف وعند أول الخريف.. خفائف الثياب الملوّنة..، إلى أن يقوى البرد فينتقلوا إلى أثخن منها من الملونات، ويستظهرون من تحتها إذا احتاجوا إلى صنوف الفراء"! المصدر : الجزيرة
  2. إبراهيم الدويري 14/7/2020 حينما سألناه عن مجموع ما درسه في "المَحْظَرَة" (= مؤسسة التعليم الأهلي العربي الإسلامي ببلاد شنقيط/ موريتانيا)؛ أجابنا بأنه درَس 48 علما من السلالات المعرفية تمثل البناء الأصيل والرصين للثقافة العربية الإسلامية. كانت قاعدة هذا التحصيل هي مَلَكَة الحفظ القوي والمتفاعل مع أدوات التأويل والاستنباط؛ وبالتالي لم يكن فيها الحفظ وحده هو الغاية، بل الهدف الأسمى هو العملية التفاعلية بين الاستيعاب والنص، والتي تدور في عقل ووجدان الطالب "المَحْظَري". ويمثل الشيخ العلامة محمد الحسن الدَّدَوْ الشنقيطي -رئيس مركز تكوين العلماء بموريتانيا- نموذجا قياسيا لهذا النمط من التعليم العربي الحضاري الذي استمدته بلاد شنقيط من روافد عديدة أبرزها رافد الإرث المعرفي للأندلس، التي تزامن سقوط حواضرها الكبرى مع بدايات تشكل هذا النمط التعليمي الشنقيطي؛ فالمتأمل لحديث الشيخ الدَّدَوْ يتسرب إليه بسهولة شعور قوي باختلاف التكوين الذي ناله عن نظيره لدى معاصريه من العلماء في أقطار أخرى، حيث تتهادى إليه النصوص الشرعية والأدبية والتاريخية منسابةً بين يديْه بكل سلاسة وضبط وتدفق. إن حوارنا مع الشيخ الدَّدَوْ ليس عن ماهية علمه واستيعابه فقط، بل عن الآلية والكيفية التي تأهَّل بها حتى تحقَّق له هذا النموذج المعرفي الموسوعي، حوارنا كان عن مفاتيح التعلم الحضاري "المحظري"، وقصدنا بصفة "الحضاري" هنا تلك الصيغة التاريخية لعملية المعرفة التي سادت عند مفكري وعلماء الإسلام طوال القرون، حيث تمثل المعرفة كُلًّا واحدا، متداخل التأثير، مستقل التخصص، يشد بعضه بعضا، ولا يغيب عن عقل وذهن صاحبه! حدَّثنا الشيخ عن طفولته حيث استوى على يد نسوة أهل بيته لسانا وشِعْرا وسيرة وتربية، بما يجعله مؤهَّلًا لِعالَم "المحظرة"؛ نعم هي حياة من المعرفة تتخللها معيشة، حيث يدخل الطالب بكلياته في بيئة معرفية يبدأ نشاطها قبل الفجر ولا تنتهي حتى ينقضي شطر وافر من الليل. في هذه البيئة "المحظرية"؛ تتراكم النصوص على النصوص دون أن تُزاحِم المعارفُ بعضُها بعضاً، وفيها تتوثق علاقة وجدانية خاصة تربط الطالب بثلاثية التحصيل: الشيخ والكتاب وزملاء التحصيل. تردَّد الشيخ كثيرا في الموافقة على الحديث عن نفسه وتجربته، ولكنه وافق -بعد إلحاحنا- نزولا عند ضرورة توثيق تجربته المهمة والملهمة في التعامل مع التراث دراسة وتدريسا. النشأة الأولى * نشكركم على ما خصصتم به صفحة "تراث" من وقت ثمين لإجراء أول مقابلة لها منذ انطلاقتها. وبداية؛ دائما ما يسأل القراء عن النشأة الأولى للعلماء والشخصيات البارزة.. فهلا حدثتمونا عن نشأتكم وكيف كان تعليمكم "المحظري"؟ وكيف ساهم في سيرتكم ومسيرتكم العلمية؟ بين يديْ هذا الحديث؛ أؤكد أن حياتي ليس مَرْضِيًا عنها وليست محلا للاقتداء، ولا تُذكر في هذا المجال لأنني ضعيف في التلقي وضعيف في العلم، ثم إن ابتداء حياتي هو ما أذكره منها فقط، فما سبق ذلك لا أعدّه من حياتي فيما يتعلق بالدراسة. وهنا أذكر يوما -وأنا في نهاية السنة الخامسة تقريبا من عُمُري- أن أحد الأقارب -وكان يكبرني بسنتين- كُتب له في "اللوح" (= لوح خشبي يكتب فيه الطلاب دروسهم) بداية حروف التهجي فأصابتني الغيرة منه وبكيت، فأهدت إليّ إحدى النساء لوحاً كُتبت لي فيه حروفُ التهجي، ودرّستها لي عمتي في فترة قصيرة، ثم بدأت قراءة القرآن برواية ورش (ت 197هـ/812م) عن نافع المدني (ت 170هـ/785م) وأكملت حفظه في نهاية السابعة من عمري. حينها كانت عادة الناس عندنا أن الأطفال الصغار يُبدأ تعليمهم ببرنامج بدوي يسمى "تمييز الْمامي" نسبة إلى مبتكره وهو العلامة محمد الْمامي الشنقيطي (ت 1292هـ/1876م)، و"التمييز" عندهم معناه قدرة الطفل على التفريق بين أقسام الكلام: الاسم والفعل والحرف. وبرنامج "تمييز المامي" هذا عبارة عن تعليم اللغة العربية للأطفال على وجه يتناسب مع مستواهم العمري ومدارك عقولهم، يتولى تعليمَهم إياه الأمهات ويكون وقت تلقيهم هذا البرنامج بين المغرب والعشاء. ومن نماذج هذا البرنامج أن الأم تقرأ بيتا شعريا -أو آية قرآنية أو حديثا نبويا- على الأطفال فيحفظونه، ثم تبدأ تسألهم فيما يتضمنه من معانٍ مختلفة، فمن أوائل أبيات الشعر التي يُمتحن بها الأطفال في برنامج "تمييز المامي" قول البوصيري (ت 696هـ/1295م): قد تُنْكِرُ العَينُ ضوءَ الشمسِ مِنْ رَمَدٍ ** ويُنْــكِرُ الفمُ طــعْمَ الماءِ مِنْ سَقَمِ فهذا البيت شطراه متطابقان من ناحية الإعراب النحوي؛ فالأم تسأل أولادها أسئلة وكلما أجابوا على أحدها طرحت عليهم الذي بعده حتى تنتهي الحصة التعليمية. فتسألهم مثلا عن كلمة "قد" الواردة في البيت السابق: ما "تمييزها".. هل هي اسم أو فعل أو حرف؟ وهل هي مُعْرَبَة أو مَبْنِيّة؟ وعلى أي شيء تُبنَى: هل على سكون أو حركة؟ ثم تسألهم الأم عن معنى حرف "قد" فتعلمهم أن له ثلاثة معان (التقليل والتقريب والتحقيق)، ثم تسألهم عن عمله نحويا. ثم تتجاوز الأمُّ حرف "قد" إلى الكلمة التي بعده في البيت المتقدم وهي "تُنْكِرُ"؛ فتسألهم: هل هي اسم أو فعل أو حرف؟ فيقولون مثلا: "فعل"، فتسألهم: أي أنواع الفعل الثلاثة؟ وهل هو فعل مُعْرَبٌ أو مَبْنِيّ؟ وما إعرابه؟ وما علامة إعرابه؟ ثم تسأل الأم عن أصل مادة هذا الفعل "تُنْكِرُ"، وعن عدد مفردات اللغة التي تتألف من احتمالات تركيب حروفها (وهي ستة: نَكَرَ – نَرَكَ – كَرَنَ – كَنَرَ – رَكَنَ – رَنَكَ)، وتسألهم عن معنى كل مفردة منها وهل هي مهملة أو مستعملة. فهذا ملخص لبعض ما يدور في الدرس الليلي المخصص للأطفال، فتارة يجيب الأولاد بالصواب وتارة بالخطأ، وتصحح لهم أمهم ما أخطؤوا فيه. ولا أزال أذكر أن أمِّي -حفظها الله- ألقت علينا بيتا ونحن صغار، وهو قول الشاعر: شَجاكَ أظُنُّ رَبْعُ الظاعنينا ** ولمْ تَعْبأ بقولِ العاذلينا! فـ"ميّزتُ" أنا البيتَ، فقلت: "شجاك" فعل ماض فاعله ضمير مستتر ومفعوله الكاف، فضحك أخواتي مني لأنني أخطأت لأن كلمة "شجاك" مصدرٌ مضافٌ وليست فعلا؛ وما زلت أذكر بكائي لتأثري من ضحكهن من خطئي! وفي هذه السن يتعلم الأطفال بعض الكتب المخصصة لهذه المرحلة، وقد درسنا فيها منظومة "الآجرومية" في مبادئ علم النحو، ولا أذكر الآن هل حفظناها مكتوبة في الألواح الخشبية أو في الورق. وبعدها درسنا "مختصر الأخضري" في الفقه، وقد ابتدأه مؤلفه ببعض المبادئ والقيم العامة في الإسلام ثم ذكر فيه أحكام الطهارة والصلاة. قصص وأشعار وفي هذه الفترة أيضا يتعلم الأطفال حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بسماعهم لقصص السيرة من أمهاتهم؛ ففي كل ليلة يسمعون قصة، وبعض القصص تكون طويلة بحيث لا تستوعبها حكاية واحدة فتقسم بين ليلتين ويتعود فيها الأمهات على "المواقف"، أي أن التوقف أثناء سرد قصة غزوة بدر (سنة 2هـ/624م) مثلا يكون عند الموقف كذا؛ فهناك موقف عند قتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، وموقف عند وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرَّوحاء (= مكان قرب المدينة على طريق مكة)، وهكذا فالمواقف معروفة المواضع. وهذه القصص ترويها الأمهات باللهجة الحسانية السائدة بموريتانيا، ومنها يتعرف الأطفال على أسماء الشخصيات (رجالا ونساء) وأنسابها؛ فقد سألني -وأنا صغير- أحدُ أخوالي: هل تعرف عبد الله بن عمر (ت 73هـ/693م)؟ فقلت: نعم، أتانا قبل كذا! لأني كنت أتصور أنه جاءنا ضيفا، فنحن صغار نعرف أنه يكنى بأبي عبد الرحمن ونسوق من حفظنا نسَبَه إلى آدم عليه السلام. ثم إننا نعرف أن أمه هي زينب بنت مظعون الجُمَحِية ونعدّ نسبها إلى أن يلتقي مع أبيه عمر، وأن أم أبيه هي حَنْتَمَة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهذا مكان التقائها مع أبيه. ونعرف أنه هاجر به أبوه صغيرا، وأنه بلغ في السنة الثالثة من الهجرة عندما كان عمره أربع عشرة سنة.. إلى آخر المعلومات الواردة عنه، وقد تعوّدنا عليها حتى كأننا نعرف عبد الله بن عمر بشكله وهيئته، وهكذا يتعرف الأطفال على كل الصحابة بهذه القصص. ثم إن هذه القصص ترِد فيها أشعار، وهذه الأشعار أيضا يُلزَم الأطفالُ بحفظها سواء كانت من قصائد حسان بن ثابت (ت 54هـ/673م) في غزوة بدر أو في غزوة أحد (سنة 3هـ/625م)، مثلا قصيدته المشهورة التي مطلعها: مَنَعَ النَومَ بالعشاءِ الهُمومُ ** وخَيالٌ إِذا تَغورُ النُجومُ وقصيدته في فتح مكة: عَفَت ذاتُ الأَصابِعِ فَالجِواءُ ** إلى عَذراءَ مَنزِلُها خَلاءُ وكذلك قصائد كعب بن مالك (ت 50هـ/669م) وغيره من الصحابة، وفي المقابل يحفظون قصائد شعراء المشركين -قبل إسلامهم- كعبد الله بن الزِّبَعْرَى (ت نحو 15هـ/636م) وضرار بن الخطاب (ت 13هـ/634م) القريشييْن. وتتكون حصيلة الأطفال من السيرة النبوية بهذه القصص، ثم يتعرف على قصص الأنبياء عليهم السلام الواردة في القرآن الكريم، وأذكر أننا كنا نبكي بشدة عند سماع قصة يوسف عليه السلام وقصص أخرى، فكانت تؤثر فينا تأثيرا بالغا ونحن صغار. وفي هذه الفترة أيضا يبدأ الأطفال في حفظ بعض المختصرات العقَدية ودراستها، وتُستغَلّ الإجازتان السنوية والأسبوعية في مراجعة ما حفظوه من القرآن، وتكون الإجازة السنوية غالبا في رمضان أو ربيع الأول، وكذلك إجازتا عيديْ الفطر والأضحى، فلهذه الإجازات برامج للأطفال يحرص أمهاتهم على تطبيقها. وفي هذا البرنامج تكون عادةً بداياتُ التعرف على الشعر وبالأخص الشعر الجاهلي، ومن مقرراته آنذاك: قصيدة "لامية العرب" للشَّنْفَرَى (ت نحو 525م) وديون الشعراء الستة الجاهليين، وبعض أشعار المراثي الجاهلية مثل مراثي الشاعرة الخنساء (ت 24هـ/644م) لأخيها صخر، ومرثية الأعشى (ت 7هـ/629م) للمنتشر بن وهب الباهلي. ثم بعد أن يحفظ الأطفال شعر الشعراء الستة -وهو حوالي ألفيْ بيت!!- يبدؤون في حفظ قصائد بعض الشعراء الإسلاميين كشعر حسان بن ثابت في غير الغزوات، مثل قصيدته في مدح آل جَفْنَة الغسّانيِّين وقصيدته الميمية في ملِك الغساسنة جبلة بن الأيهم (ت 54هـ/676م). وفي مثل هذا العمر ربما تعلق بأذهان الأطفال أشعار محلية لبعض الموريتانيين كما حصل معي، سواء منها الشعر الجديد الذي ينشئه الشعراء المعاصرون لزمن الطفل أو شعر مَن سبقهم، فحين يرى الطفل الناس تكتب قصائد معينة يهتمّ هو بها ليرويها معهم. ولذلك كنت أروي أشعار جدي لأمي العلامة محمد عالي بن عبد الودود (ت 1402هـ/1981م) كلها في فترة الصبا، وقد حصلت لي قصة معه -بعد هذه الفترة طبعا- حين ذهبنا في تعزية لأهل أحد العلماء من زملائه، فبدأ الشيخ -ونحن أثناء الرحلة- ينشئ قصيدة لرثاء زميله المتوفَّى، فكان في السيارة يُمْلِي عليّ بيتا ويقول لي: احفظ هذا، ثم ينشئ آخر.. وهكذا، فلما أتينا قرية المتوفَّى وانتهى سلامنا قال لي: يا محمد الحسن، أنشد القصيدة التي أمليتُ عليك! فكان في الأمر إحراجا شديدا لي، فأنشدت القصيدة من حفظي لها في السيارة وهي أكثر من عشرين بيتا. ثلاثية ذهبية * إذا أردنا أن نتكلم عن العلاقة بين الثلاثية المتلازمة في التعليم التراثي: الشيخ وطلاب "المحظرة" والمنهج العلمي المقرر؛ فكيف ترونها؟ طبعا هذه أمور لا بد منها، فهي ليست من المكملات بل هي شروط لا غنى عنها؛ فبالنسبة للشيخ لا يمكن للإنسان أن يتعلم بدونه، فلذلك فإن أبا حيان الأندلسي (ت 745هـ/1345م) يقول من جملة أبيات: إِذَا رُمْتَ العُلُومَ بِغَيْرِ شَـيْخٍ ** ضَلَلْتَ عَنِ الــصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ وَتَلْتَبِسُ الأمورُ عَلَيْكَ حَتَّى ** تَصِيرَ أَضَلَّ مِنْ "تُومَا" الحَكِيمِ والشيخ شَرْطيّتُه لهذا واضحةٌ في النصوص الشرعية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما بدأ نزول الوحي عليه أرسِل إليه جبريل، وموسى عليه السلام قال للخضر عليه السلام: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}؛ فالشيخ إذن شرط لا بد منه، والشيخ لا بد أن يكون ناصحا مجرِّبا عالما، ولو كان يتقن بعض العلوم دون بعض فينبغي أن تَأخذ عنه ما يتقنه ثم تتجاوزه إلى غيره من الشيوخ. ثم يأتي الكتاب وهو رفيق الدرب للمتعلم إذ هو شيخه الثاني، وهو عمدته في حفظه لأن ما نقصت فيه الذاكرة أو قصرت دونه سيجده في الكتاب، ولذلك كان العلماء يعدّون الكتب أشياخا. والكتب لا بد فيها من التنوع؛ فمنها كتب للدراسة وهي كتب المتون التي تدرّس عندنا في "المحاظر" أو يقررها المشايخ ليدرسها الناس ويحفظوها عن ظهر غيب، فـ"المحاظر" التي أدركناها كان يُدرَّس فيها ثمانية أربعون علما متخصصا يدرسها الطلاب على ترتيبها من الأسهل إلى الأصعب، ثم تتوسع العلوم فيما سوى ذلك وبعضها يؤخذ من طريق المطالعة فقط. ثم تأتي الكتب التي هي مخصصة للمطالعة وهذه ليست للمقررات المحظرية بل هي للمطالعة فقط، والمطالعة لا يُستغى عنها بل لا بد أن يتعودها الإنسان حتى ولو كانت للجرائد والمجلات، فكنا -ونحن صغار- تأتينا مجلات وجرائد فنحرص على تبادلها إذا ختمها فلان يسلمها لفلان وهكذا، وكذلك كثير من الكتب التي هي للمطالعة أصلا فإنها ما وُضعت لتُشرح لأنها شروح بذاتها أو حواشٍ على شروح أو هي كتب فكرية، فهذه لا تحتاج إلى شرح الشيوخ، ومن أهم أركان المطالعة المحبة لها والنَّهَم فيها. والغريب أن هذه المطالعة كانت تستحوذ على عقول الناس وتأخذ أوقاتهم فينسى معها الإنسان الطعام والشراب، بل إنه أحيانا ينسى الصلاة إذا انغمس في قراءة كتاب ودخل في موضوع يريد أن يكمله فلا يشعر بشيء من حوله، فقد كنا نحب الكتب حبًّا جمًّا. وأذكر أنني كنت أقرأ ذات يوم كتابا أول مرة أراه وهو ‘المُعجِب في تلخيص أخبار المَغرب‘ للمؤرّخ محيي الدين المراكشي (ت 647هـ/1249م)، ودخلتُ في تاريخ الدولة الموحدية فانغمست فيه -وأنا في البادية- فما شعرت إلا بالظلام يحول بيني وبينه، وأنا ما صليت المغرب بعدُ! وكذلك كتب الأدب والشعر والقصص فهذه مما تحبب القراءة والكتب إلى الإنسان، وكان كثير من الأطفال ينامون على كتبهم يمسكونها على صدورهم وهم على فُرُشهم، وقد كنت -وأنا صغير- يأتيني رُعَافٌ شديد خلال المطالعة فلا أشعر به حتى يصل إلى الكتاب، ولذلك عندنا الآن عدد من الكتب على صفحاتها دم بسبب هذا الرعاف! بعد الشيخ والكتاب تأتي قضية الزميل المنافس، وهذا أصل أيضا من أصول طلب العلم لا بد منه؛ فبعد أن يخرج الإنسان من مدرسته الأولى مدرسة الأمّ التي يحفظ فيها القرآن والكتب الصغيرة، التي تشرحها له هي أو من معها من النساء اللواتي تكلفهن بهذا الأمر؛ يذهب الطالب إلى حلقات تدريس البالغين، وأول ما يبحث عنه هو الزميل الذي سيشد أزره وينافسه، وهذه المنافسة مهمة جدا ليكتشف بها الإنسان نفسه ونقصه ويقوّم بها ذاكرته، فمنذ القدم كان للمنافسين -سواء كانوا أعداء أو أصدقاء- أثر في تكوين النفوس، ولذا قال الشاعر: عِدايَ لهمْ فضلٌ عليّ ومِنَّةٌ ** فلا أبعدَ الرحـمنُ عني الأعـاديا! همُ بحثوا عن زَلّتي فاتقيتُها ** وهمْ نافسوني فاكتسبتُ المعالـيا! ولذلك يحتاج الإنسان لمن ينافسه ويعيش معه حياة الطلب، فيتذوق معه هذه العلوم ويراجع معه شروحها، وينافسه في المطالعة والحفظ والمذاكرة، وفي تحسين الخط لأن الخطوط يومها لم تكن تدرّس عندنا في "المحاظر"، فكان الناس يتعودون على المنافسة في الخطوط وإتقانها، خاصة أن المطابع لم تكن في بلادنا وكانت الكتب في معظمها مخطوطات، كما أن كثيرا من الكتب يُشتَرط أصلا لطالب العلم أن يخطها لنفسه، حتى إنه لا يتكل على أن لأبيه نسخة منها! وأحيانا نجد أن بعض الأمهات كانت تتولى الكتابة عن ابنها، فتقول له: تفرغ أنت للحفظ والمنافسة وأنا أكتب لك ما يكتبه زملاؤك جميعا! فنحن لدينا الآن حوالي 41 مجلدا بخط جدتي، وكان الهدف الأساسي عندها من ذلك أن يتفرغ أولادها للتحصيل العلمي، ومن الكتب الموجودة عندنا بخطها كتاب فقهي بعنوان: ’ثِماني الدُّرَر في شرح المختصر’ للعلامة عبد القادر بن محمد المجلسي الشنقيطي (ت 1337هـ/1918م)، وهو في سبعة مجلدات مخطوطة ولو طُبع لكان واحدا وعشرين مجلدا!! برنامج مشحون * من هو أول شيخ تعرفتم عليه؟ وكيف كان منهجه التدريسي؟ بعد أن درستُ على الوالدات: الأم والجدة وعمة الوالدة وخالة الوالد وعمتي أنا مباشرة، فهؤلاء النسوة هن أول شيوخي؛ أخذت عن والدي القراءات والإجازة فيها وعلوم القرآن الأولية (الرسم والضبط والتجويد ومخارج الحروف)، وقراءة نافع بإكمالها بالإجازة برواية عيسى بن مينا المصري المعروف بقالون (ت 220هـ/835م). ثم تفرغت للدراسة على جدي العلامة محمد عالي، فلازمته تسع سنوات فقرأت عليه فيها الكتب التسعة في الحديث، وأيضا ثمانية وخمسين كتابا في النحو والصرف، وعددا كثيرا من كتب فقه المذهب المالكي والمذاهب الأخرى مثل ‘المُغْني‘ لابن قدامة المقدسي (ت 620هـ/1223م)، وقد سمعت منه ’الشفا’ للقاضي عياض (ت 544هـ/1150م) ثلاث عشرة مرة، و’فتح الباري’ لابن حجر (ت 852هـ/1448م) كاملا خمس مرات، وتفسير القرطبي (ت 671هـ/1272م) قرأناه عليه ست مرات، وكانت هذه القراءات في مجالس علمية تعقد خارج الوقت المخصص لشرح المتون العلمية. أما طريقة جدي في التدريس فهي مشهورة معروفة؛ فقد كان يحلل ألفاظ المتن لغة واصطلاحا بمنتهى الدقة والتفصيل، ثم بعد أن يُنهي الدرس يعود إليه بالاستدلال والتأصيل لكل جزئية فيه. * هل كان ثمة ترتيب للفنون في مجلس التدريس؟ وكيف كان برنامج شيخكم اليومي؟ لا بد أن يكون ثمة ترتيب لكتب الدراسة لأن "المحاظر" من النادر جدا أن تكون فيها دراسة طالب واحد لفنين في وقت واحد. لكن الشيخ جدي كان أحيانا يتجاوز لنا عن ذلك؛ فأنا مثلا كنت في الصباح أدرس مع الطلاب، وفي الليل يختار لي الشيخ كتابا آخر زيادة على ذلك بالإضافة إلى كتب السماع. أما عن برنامج الشيخ اليومي؛ فنحن ما كنا ندري متى يستيقظ لكنه كان يوقظنا في السدس الأخير من الليل (= الرابعة ليلا تقريبا) للأذكار والوضوء والسواك والتجهز للصلاة، ثم يكون هو أول من يؤذن ثم يصلي الفجر وكان أبي هو الإمام، ثم بعد صلاة الفجر يبدأ الشيخ أذكاره ولا يتحرك من مكانه حتى ترتفع الشمس فيصلي ركعتين، ثم يعود إلى البيت فيجد الطلاب قد أخذوا أماكنهم، والطلاب في "المحظرة" قسمان: فرادى و"دُوَل"، و"الدُّوَل" جمع "دَوْلة" والمقصودة بها في اصطلاحهم مجموعة طلاب تدرس كتابا واحدا مشتركا بينها، والفرادى تقال للشخص الذي يدرس كتابا وحده، وعادة يبدأ الشيخ بتدريس "الدُّوَل" قبل الأفراد إلا إذا كان لأحدهم عذر يستحق به التقديم كسفر أو مرض. ولم يكن الشيخ يرتب "الدُّوَل" حسب الفنون بل حسب الأولية فأول من حضر يكون هو الأَوْلى بالتدريس، وهناك شخص مكلف بكتابة الحاضرين حسب أسبقيتهم، وتكون اللائحة بين يدي الشيخ فيقدم الأول فالأول. وحين يبدأ الشيخ تدريسه لا يقوم من جلسته إلا لصلاة الظهر، والغالب أن تكون الدروس قد شملت غالب الفنون وأتت على كل الحاضرين، فإذا صلى يستقبل في المسجد الضيوف والمستفتين وأصحاب الحوائج، ثم يعود إلى البيت للراحة قليلا ثم يستيقظ ليؤذِّن لصلاة العصر. وبعد صلاة العصر يبدأ وقت الإجازة، وهي أن يقرأ الطلاب على الشيخ ما سيحفظونه فيصححه لهم، ويكون كلما يحفظونه قد رُوي عنه رواية صحيحة متصلة بأسانيده، وأحيانا يذكر الشيخ روايات مختلفة للمتن. وبعد أن ينتهي الطلاب من الإجازة؛ يبدأ الشيخ ورده اليومي من القرآن وهو يقرأ كل يوم رُبُعَ القرآن، ثم يبدأ درس المطالعة الذي لا يحضره الطلاب عادة وإنما يحضره أهل بيت الشيخ فقط وأفراد قليلون، وهو الذي ذكرتُ أننا قرأنا فيه الكتب المتقدمة من تفسير وشروح حديث ونحوها. أما برنامج الشيخ الليلي فيخصصه لتدريس النساء، حيث يجتمعن بعد صلاة العشاء ويكنّ مثل الطلاب في النهار، فمنهن من تدرّسهن النساءُ ومنهن من يدرسنَ على الشيخ، والأخيرات يأخذن مجالسهن في البيت بعد الصلاة ونوافل الشيخ، ولهن أيضا ترتيب في الأولية مكتوب حسب الأسبقية، وقد وصف مؤرخ موريتانيا العلامة المختار بن حامد (ت 1413هـ/1993م) دراسة النساء في مجلس جدي بقوله من مقطوعة شعرية: يجـــتمع النــــــساءُ كلَّ لــــــيلةِ ** مِن بعدما صَلَّيْنَ في الجماعةِ خلفَ مُميتِ الجهلِ مُحيي السُّنةِ ** مبارَكِ التـــعبيرِ عالي الرتبةِ يَعينَ ما يَسمـــــعنَ من موعظةِ ** حســــنةٍ وحكـــــمةٍ بالـــــغةِ تكوين مكين * ما هي العلوم التي درستموها في "المحظرة"؟ درستُ في المحظرة ثمانية وأربعين علما وهي عبارة عن سلالات؛ ففي علم القرآن ندرس علم التجويد والرسم والضبط والتفسير وتفسير آيات الأحكام، وطبقات المفسرين والقراءات وعلوم القرآن، وفي الحديث نظير ذلك حيث ندرس علوم الحديث، وعلم العلل وعلم التخريج والأسانيد والرجال، ومتون الحديث وشروحها وتاريخ السنة. وفي علوم الفقه ندرس الفقه المذهبي، والفقه المقارن، والأقضية والنوازل، وعلم الفرائض (= المواريث)، والآداب الشرعية، وعلم أصول الفقه، والقواعد الفقهية، وتخريج الفروع على الأصول، وعلم الأشباه والنظائر، وعلم الفروق والاستثناء، والجدل الفقهي، وتراجم الفقهاء في مختلف المذاهب. وفي علوم اللغة ندرس علم المفردات والشعر والنحو والصرف والبلاغة بعلومها الثلاثة، وعلم العروض والقوافي مع الدُّربة على قرض الشعر، وعلوم الاشتقاق الثلاثة، وعلم فقه اللغة المعروف حديثا باللسانيات. وفي علوم الرواية ندرس السيرة والأنساب والتاريخ الإسلامي والتاريخ العام وفتوح الأمصار وتاريخ الحضارة. وفي العلوم العقلية ندرس علم الكلام والمنطق والفلسفة والجدل العقدي. وفي علوم التربية ندرس التصوف والسلوك وعلوم الآداب: آداب السفر والحضر والطلب وآداب الصحبة. وقد زدنا -في "مركز تكوين العلماء" الذي أسسناه في العاصمة الموريتانية نواكشوط- على هذه العلوم مقررات أخرى فصارت ثلاثة وستين علما!! * ما هي أهم مقررات المنهج التعليمي الذي كوَّن العلماء الشناقطة الذين كان لهم صدى علمي واسع بأقطار المشرق الإسلامي كمصر والحجاز والأردن والعراق والهند؟ بالنسبة للعلِم فهو موروث مشترَك لهذه الأمة كلها وإنما تشغل عنه بعض الشواغل المدنية؛ فأصحاب النعمة الذين لديهم نِعَمٌ سابغة من الله وراحة دائما يقِلُّ نصيبهم من هذا العلم، ويكثر نصيب أصحاب الشدة والشَّظَف منه، وإن كان هذا ليس مطِّردا دائما. وأصحاب الشظف لا يجدون كتبا كثيرة فيعتمدون على الحفظ، عكس أهل المدن الكبرى التي كانت الكتب فيها متوافرة. ومن قارن قرى موريتانيا بالقاهرة أو حيدر آباد -أو أي مدينة من المدن التي كانت فيها المطابع- فقد أخطأ في التصور، فالكتب المطبوعة كانت نادرة الوصول إلى موريتانيا، ولذلك كان العلماء الشناقطة ينشدون أشعارا في الكتب التي تصلهم مطبوعة، وكان جدي يقول إن أيّ كتاب لم يُختَم بالمطالعة فليس "مَـحْرَماً" للكتب المقروءة، فلا يجوز أن يوضع معها!ٍ ولندرة الكتب كان الناس يحفظونها عن ظهر غيب، وكان الشيوخ لا يشرحون لطلابهم الدرس قبل حفظه في الغالب. فالمتون التي حفظت أنا مثلا أيام الطلب في النحو والصرف هي ’لامية الأفعال’ لابن مالك الأندلسي (ت 672هـ/1274م) مع طُرَّة (= حاشية) العلامة الحسن بن زين الشنقيطي (ت 1315هـ/1898م)، وألفية ابن مالك مع ’الجامع بين التسهيل والخصاصة’ للعلامة المختار بن بونا الشنقيطي (ت 1220هـ/1805م). و’أوضح المسالك’ لابن هشام المصري (ت 761هـ/1360م) وبقية كتبه النحوية، وأيضا كتب ابن مالك النحوية الأخرى. وفي فن الحديث أولُ ما يبدأ به الأولاد ’الأربعون النووية’ للنووي و’العمدة’ للمقدسي (ت 600هـ/1203م) ، ثم يأتي ’الموطأ’ للإمام مالك (ت 179هـ/795م) و’الصحيحان’ للبخاري (ت 256هـ/870م) ومسلم (ت 261هـ/875م)، ثم بقية الكتب الستة. وفي السيرة والأنساب يبدؤون بمنظومات للعلامة أحمد البدوي الشنقيطي (ت 1208هـ/1793م) كنظم ’الغزوات’ ونظم ’الأنساب’ الكبير (1380 بيتا)، ونظم ’الخاتمة’ في تاريخ الخلفاء الراشدين والدول الإسلامية، وكذلك نظم ’الدُّوَل’ لابن الخطيب الأندلسي (ت 776هـ/1374م)، وفي الشمائل النبوية يدرسون ‘الشمائل المحمدية‘ للترمذي (ت 279هـ/892م)، و‘شمائل الرسول‘ لابن كثير (ت 774هـ/1372م)، ونظم ’الشمائل’ للعلامة ابن مُتّالي الشنقيطي (ت 1287هـ/1870م). ثم في مصطلح الحديث يبدؤون بمنظومة العلامة سيدي عبد الله الشنقيطي (ت 1233هـ/1818م) المسماة ’طلعة الأنوار’، ثم ألفية الحافظ العراقي، ومنهم من يقرأ ’مقدمة ابن الصلاح’ (ت 643هـ/1265م) مع ’تدريب الراوي’ للسيوطي (ت 911هـ/1505م). وفي علم الفقه يبدؤون بالمختصرات التي تدرّسها الأمهاتُ لأطفالهن مثل ‘مختصر الأخضري‘ ومتن ‘نظم ابن عاشر‘، ثم يدرسون على المشايخ ’متن الرسالة’ و’مختصر خليل’ ومعه جميع شروحه الشنقيطية والمصرية والمغربية. وفي الفقه المقارن يبدؤون بـ’القوانين الفقهية’ لابن جُزَي الأندلسي (ت 741هـ/1341م)، ثم يتدرجون في الكتب الكبرى الجامعة للمذاهب الفقهية. وفي الأصول يبدؤون بـ’الورقات’ لإمام الحرمين الجويني (ت 478هـ/1085م) أو بأحد أنظامها الشنقيطية، ثم يدرسون نظم ’الكوكب الساطع’ للسيوطي (1450 بيتا)، وهو نظم مُحْكَمٌ جدا لـ’جَمْع الجوامع’ لابن السبكي (ت 771هـ/1370م)، وكذلك يدرسون ’مراقي السُّعود’ (1001 بيت) لسيدي عبد الله الشنقيطي المتقدم. رسوخ وعطاء * في ظل تشعب العلوم التراثية وانتشار سلالاتها كما أوضحتموه؛ كيف يصل طالب العلم إلى الموسوعية؟ انطلاقا من رؤيتنا النقدية لمناهج الجامعات العاجزة عن تخريج علماء متقنين؛ حاولنا في "مركز تكوين العلماء" أن نسد هذه الثغرة، فكانت مقررات المركز شاملة ومركزة، مع إرفاقها ببُعدٍ آخر يغيب عن الجامعات والمدارس الحديثة وهو البعد التربوي، حيث قسمنا قيم الإسلام إلى قيم كبرى تُرَسَّخُ بالتدريج لدى الطلاب في كل مرحلة دراسية، مع برنامج تربوي يتضمن "عمل اليوم والليلة" وفق السنة النبوية في ذلك، فينشأ الطلاب علماء عاملين. والذي دعانا لهذا هو كثرة الفجور وغلبته على علماء السلاطين الذين يبررون لكل ظالم ما يحلو له من سفك الدماء وظلم الناس. ولم نهمل في "مركز تكوين العلماء" البعد المعاصر؛ فالطلاب يُلزَمون بإعداد بحوث مقارنة، ويكوَّنون مكتبيا ويزورون المؤسسات الأخرى للاستفادة منها والاطلاع على تجاربها النافعة، مع الحرص الشديد على حفظ المقررات التي هي 226 كتابا، واستيعابها وتكوين ملكات علمية في 63 فنا كما تقدم، وبتخرّج الطالب من المركز يكون هو وحده بمثابة 63 دكتوراً، لتخصصه في كل هذه الفنون التي يتخصص الدكاترة المعاصرون في فن واحد منها! * في مواجهة النقد الموجه للمتون والحفظ؛ يتساءل البعض عن إمكانية أن يكون الإنسان عالما بدون دراسة وحفظ هذه المتون؟ بالنسبة لحفظ هذه المتون لا يمكن أن يكون الإنسان أصلا طالبَ علم بدونه، فمجرد المطالعة لا يكوّن عالما لأنه لا يبقى معه من المطالعة إلا بعض المعاني الشاردة، لكن ما حفظه الإنسان دائما فيكون كما قال الإمام الشافعي (ت 204هـ/820م): علمي معي حيــــثما يمَّـــــمْتُ يتبعني ** قلــــــبي وعـــاءٌ له لا جـــوفُ صندوقِ إن كنتُ في البيتِ كان العلم فيه معي ** أو كنتُ في السُّوقِ كان العلمُ في السُّوقِ! وحفْظُ هذه المتون وإتقانُها هو الذي يبقى مع الإنسان من هذه العلوم، وسيكون الإنسان حينئذ مستحضرا لكل هذه الشروح وتظل باقية معه، وكان بعض علمائنا الشناقطة يقرأ درسه اليومي من المتن العلمي ألف مرة حتى يحفظه حفظا متقنا، ويكرر شرح شيخه لمعانيه مئة مرة!! كما أن الحفظ شرط للفهم والاستيعاب الكامل للعلوم مما يعين على الاستنباط فيها. * من المعروف أنكم رحلتم إلى المشرق للدراسة الجامعية؛ فماذا أضافت لكم تلك الرحلة؟ وما هو تقييمكم للجامعات الحديثة؟ بالنسبة للرحلة إلى المشرق فإنها كانت عام 1408هـ/1988م؛ إذ حججت ذلك العام أول مرة ثم حججت بعدها قرابة ثلاثين مرة متتالية، وكانت مواسم الحج والعمرة وغيرهما فرصة كبيرة للقاء العلماء والمشايخ الوافدين من أنحاء العالم الإسلامي. في تلك الرحلة درست سنتين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، كما درست فيها الماجستير في الفقه وسجلت فيها للدكتوراه. ومما استفدته في هذه الرحلة تعلم المناهج العلمية المعاصرة وطرق البحث وتحضير الدروس، وغير ذلك من الوسائل البحثية التي لا يعرفها أهل بلادنا حينها، كما تعلمت فيها تخصصات معاصرة لم تكن لي فيهما أي مشاركة قبل الجامعة، مثل الاقتصاد الإسلامي ومناهج التدريس الحديثة وتحقيق المخطوطات. وقد تعرفت أيضا فيها على كتب الفكر المعاصر، واستفدت بلقاء المشايخ ومناقشتهم والانتفاع من عقولهم. ولم تكن رحلتي مقتصرة على الحجاز فقد زرت مصر والتقيت العديد من علمائها، كما رحلت إلى الشام فأدركت بعض علمائها واجتمعت أيضا ببعضهم في الحجاز أما تقييمي لتلك الجامعات؛ فأنا أرى أنها مراكز للتكوين البحثي فقط لأن أغلب المشايخ ليس لديهم ذلك الحفظ والرواية والتفنن ويغلب عليهم التخصص، وإن كان لبعضهم موسوعية. والحقيقة هي أن مؤسسات التعليم والجامعات المعاصرة لم تُنشأ أصلا لتخريج علماء لا على المدى البعيد ولا الوسيط، وإنما أنشئت لتكوين باحثين متميزين ومستوعبين لعصرهم وذلك مجاراة للجامعات الغربية. ولذلك حين ننظر في مقررات الجامعات المعاصرة نلاحظ أن مجالسها العلمية والأكاديمية لا تقرر في علم من العلوم إلا أخصر المختصرات فيه، وحين تقترب الامتحانات يحدد الأستاذ جزءا من ذلك المختصر للطلاب ليذاكروه، والأستاذ نفسه قد يكون غير مستوعب للمادة التي يدرسها، وهذه الطريقة لا يمكن أن تكوّن باحثا جادًّا فكيف بعالم موسوعي متفنن؟! * ما هي مآلات الشروح العلمية التي قمتم بها في مجالسكم العلمية أيام دراستكم في الرياض؟ وما المتون التي أكملتم شرحها خلال تلك الفترة؟ بالنسبة لشروح المتون فلم يكن من عادتي الاحتفاظ بها وإنما كان يسجلها وينشرها بعض طلبة العلم والمهتمون بالمتون، وقد تستضيفها بعض المؤسسات مثل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي شرحتُ في مسجدها خلال فترة دراستي الجامعية: ‘صحيح البخاري‘، شرح ’السلم المرونق‘ في المنطق، و’لامية الأفعال’ في التصريف مرتين، وشرح ’ألفية ابن مالك’ في النحو، وشرحت كتبا في علم أصول الفقه هي: ’الكوكب الساطع’ للسيوطي، و’مرتقى الأصول’ لابن عاصم الغرناطي (ت 829هـ/1425م)، و’سلم الأصول’ للعلامة محنض بابه الشنقيطي (ت 1277هـ/1860م)، و’شرح اللُّمع’ لأبي إسحق الشيرازي (ت 476هـ/1083م)، كما شرحت ’ألفية العراقي’ في مصطلح الحديث، و’العمدة’ في الفقه الحنبلي. كما أقامت وزارة الأوقاف بدولة قطر كثيرا من الدورات شرحتُ فيها ’المعلقات’ ونُشر منها فقط معلقة امرئ القيس، و’التمهيد في تخريج الفروع على الأصول’ للإسنوي (ت 772هـ/1371م)، وكذلك وزارة الأوقاف بالكويت فقد شرحت في دورات استضافوها كتبا منها كتابِي ’مراتب الدلالة’ في أصول الفقه وقد طبعته الوزارة، و’الأربعون المنذرية’ في أدلة الأحكام للمنذري (ت 656هـ/1258م). كما أقمت دورات في أوروبا أهمها دورة في دار الرعاية بلندن شرحت فيها ’مقالات الإسلاميين’ لأبي الحسن الأشعري (ت 324هـ/935م)، وكتاب ’مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول’ للتلمساني (ت 771هـ/1370م)، ومتن ’الرسالة’ لابن أبي زيد القيرواني (ت 386هـ/996م). جهود مقدرة * يشكو كثيرون من أزمة الاطلاع على التراث العربي في منابعه الأصلية؛ فكيف ترون المنهج الأمثل لمطالعة كتب التراث؟ بالنسبة للاطلاع على كتب التراث فهو أمر لا بد منه خصوصا لطلاب العلم والمثقفين والباحثين، فحتى ولو درس أحدهم الكتب المعاصرة المقرِّبة للتراث فإن الاطلاع على الأصول وأمهات الكتب لا غنى عنه لطالب العالم، بل إن بعض الكتب التراثية يحتاج إلى دراسة متعمقة متأنية تستخرج دررها وكنوزها، فـ’كتاب سيبوَيْه’ أصل لا بد من الاطلاع عليه لدارس النحو، و’ألفية ابن مالك’ صارت من الأصول النحوية التي لا بد من معرفتها، ويقاس على هذين كل الكتب المؤسِّسة في مختلف الفنون فالدارس المتخصص لا يعتبر كذلك ما لم يصحب الأمهات، وهي كتب صارت مطبوعة ميسرة ومحققة. أما مناهج الاطلاع والمدارسة فقد تطورت، وهي مختلفة باختلاف الأشخاص وتكوينهم المعرفي وما يسهِّل لهم الانتفاع؛ فبعض الدارسين تعوّد النقاش والمثاقفة مع أقرانه وزملائه، وهذا منهج جيد لانتفاع الشخص بعقل غيره، وبعض المطالعين اعتاد الانفراد والخلوة ويراها أنفع لنفسه مع جَرْد المطولات ومقارنتها بغيرها من الكتب المؤلفة في بابها ليعرف حقيقة تكوُّن هذا العلم وتشعبه. وأرى أن المنهج الأفضل هو الجمع بين المنهجيْن لما فيه من فوائد تدبّر العزلة وتأمّل الانفراد ومقابسة الأقران والزملاء، ومن الوسائل التثبيتية المهمة للباحثين في هذا العصر كتابة البحوث التراثية ومناقشتها مع المتخصصين، فالبحث العلمي وسيلة من وسائل حفظ العلم في هذا العصر. * كيف تقيّمون جهود صياغة معارف التراث عموما في الكتب المعاصرة التي تتناول علومه ومسائله (كتب تيسير علوم الفقه والأصول والحديث والنحو… إلخ)؟ ينبغي أن يكون لأهل كل زمان كتبهم ومؤلفاتهم اللائقة بهم على مستوى لغتهم وثقافتهم وفهمهم، ومن هنا لا أرى بأسا في الكتب المعاصرة التي ألِّفت في فنون شتى تقريبا لعلوم التراث وتيسيرا لفهمه، وهي كتب مشهورة متفاوتة الحجم والمستوى العلمي وهو أمر طبيعي. وهذا التقريب والتيسير ينبغي أن يشمل جميع العلوم، ومن أشدها حاجة للتقريب والتجديد كتب الفقه؛ إذ يحتاج أهل العصر كتبا فقهية تنطلق من واقعهم، وتأتي بأمثلة معاصرة بدل الأمثلة القديمة فالمعاملات المالية الحالية مختلفة اختلافا جذريا عن المعاملات القديمة في التصور والأمثلة. * شهد العصر الحديث كذلك حركة إحياء وتحقيق لكتب التراث المختلفة؛ فكيف تقيمون جهود هذه الحركة في بُعديْها الاستشراقي والعربي/الإسلامي؟ ومن هم أفضل المحققين في عصرنا من واقع اطلاعكم؟ ما تجدد في عصرنا هذا من تحقيق الكتب التراثية -ببُعديْه الاستشراقي والعربي الإسلامي- هو مما نفع الله به تراث هذه الأمة؛ فقد كانت الرواية قديما تسُدُّ مسدَّه إذ لم يكن طلاب العلم يكتفون بقراءة الكتب انفرادا، بل كانوا يقارنون النسخ على أصولها وينقحونها ويضيفون الزوائد والهوامش. والواقع أن المسلمين سبقوا غيرهم إلى تحقيق المخطوطات، وأقدم من فعل ذلك شرف الدين اليونيني (ت 701هـ/1301م) رحمه الله حين أخذ نُسَخاً من ‘صحيح البخاري‘ وجمع ستة عشر عالما (فيهم الإمام ابن مالك النحوي)، فقارنوا بين النُّسَخ وكتبوا رموزا وإشارات لاختلافاتها. وبفضل جهود اليونيني التحقيقية هذه كانت نسخته من البخاري أصلا فريدا اعتمد عليه مَن جاء بعده من شُرّاح البخاري القدماء ومحققيه المعاصرين. أما المستشرقون فإنهم ليسوا سواسية في خدمتهم للتراث؛ فبعضهم انطلق في تحقيقه واعتنائه بالتراث من خلفيات استعمارية حاقدة على الإسلام والشرق، فكان اعتناؤهم انتقائيا متحاملا وبعض تحقيقاتهم تعتمد التحريف كما في تحقيقهم لكتاب ’المصاحف’ لابن أبي داود السجستاني (ت 316هـ/928م). ومع ذلك لا ننكر أن بعض المستشرقين انطلقوا من اهتمامهم بالتراث -تحقيقا ونشرا- منطلقا علميا بحتا، فخدموا بذلك التراث وأبلوا فيه بلاء حسنا. وأما التحقيق الإسلامي فقد أبلى فيه أعلامٌ بلاءً حسناً فكانت أياديهم بيضاء على تراث أمتنا إخراجا وتصحيحا؛ مثل آل شاكر: أحمد شاكر (ت 1377هـ/1958م) وأخيه محمود شاكر (ت 1418هـ/1997م)، وابن خالهم عبد السلام هارون (ت 1408هـ/1988م)، فهؤلاء أخرجوا كنوز تراثنا الشرعي واللغوي والأدبي منه، ولم تزل تحقيقاتهم أصولا يُعتمد عليها، وكذلك مَن في جيلهم من محققي مصر الكبار مثل محمد أبو الفضل إبراهيم (ت 1400هـ/1980م)، وعلي محمد البجاوي (ت 1399م/1979م)، وبعدهم جاء جيل الشيخ عبد الفتاح الحلو (ت 1414هـ/1994م). وفي غير مصر كان محققون من كل الأقطار الإسلامية بالمغرب والجزائر والجزيرة العربية والشام والعراق وفي الهند، ولا ننسَ الدور الذي قامت به مجامع اللغة في القاهرة ودمشق وبغداد من إخراج متقَن لكتُب التراث، فتحقيقات أعضاء المجامع العلمية واللغوية تغلب عليها الجودة، وقد اعتنى محققون بتراث أعلام معينين، وكان الشيخ محمد أبو الأجفان (ت 1427هـ/2006م) من المحققين المشهورين الذين خدموا التراث المالكي خدمة جليلة. ومن الأعلام الأحياء الذين اعتنوا بتراث الذهبي وأخرجوه إخراجا متقنا المحقق العراقي بشار عواد. وثمة محققون برزوا في تحقيق السُّنة وتمييز صحيحها من سقيمها، وكان فارس هذا الميدان الشيخ الألباني (ت 1420هـ/1999م) وهو من المحققين الذين عرفتهم. ولا يخفى أن التحقيق في عالمنا الإسلامي شهد نهضة كبيرة أفادت العلم وأهله وصانت التراث، قبل أن يُتَّخَذ التحقيق والنشر تجارة وتربحا؛ ورغم أن بعض الكتب التراثية المحققة قد تكون فيها أخطاء فادحة، إما لاعتماد المحقق على نسخة واحدة غير مروية ولا مقابلة أو لكونها طُمست سطورها لأي سبب. اقتباس متبادل * ما هي معايير "التراثية" في نظركم.. أي كيف نصنف كتابا ما على أنه من التراث؟ وهل التراث مقتصر على ما كتبه المسلمون فقط دون غيرهم من أبناء الحضارة الإسلامية؟ بالنسبة للتراث فإنه في أصله يعني الموروث الذي يحرص الناس عليه، وهذا الموروث في حضارتنا أقسام؛ أولها: القسم الذي أنتجه المسلمون وغيرهم في عصر الإسلام، والثاني: أشعار وأخبار مروية عن العرب الجاهليين، والثالث: مترجمات عن الأمم الأخرى كالإغريق والفُرْس والهند وغيرهم. وكل هذه الأقسام من تراث هذه الأمة لأنها شاركت في تكوينها الثقافي وخيالها الأدبي وتأطير شخصياتها العلمية؛ فنحن الآن من تراثنا شعر الشعراء الستة الجاهليين و‘ديوان الحماسة‘ وغير ذلك، ومن تراثنا أيضا ما تُرجم عن الإغريق من المنطق والفلسفة، وكذلك ما تُرجم من آداب الأمم الأخرى مثل ’كليلة ودمنة’. وثمة تصنيف ثقافي آخر يجعل بعض المنتَجات الأدبية عالمية الانتماء لمشاركة جميع الحضارات في صياغتها، مثلما تقضي به معايير منظمة اليونسكو المعروفة. فنحن قد أثرت عدة عوامل في حياتنا الثقافية من المترجَمات المستورَدة، وأظهر معالم ذلك التأثيرِ تلاحَظ في شعر بعض الشعراء الذين أثـّـروا بدورهم فيمن جاء بعدهم، كما نجد ذلك في القصيدتين السينيتيْن الشهيرتين لأبي نواس (ت 198هـ/813م) والبحتري (ت 284هـ/898م) عن ثقافة الفرس وآثارهم في ميادين الحرب ومجالس اللهو والشراب. * ما ضوابط تعامل المسلمين مع تراث الأمم الأخرى أخذاً وتركاً.. في ظل ما يقال عن التأثير الساساني الفارسي الكبير في الفكر السياسي الإسلامي؟ بالنسبة لنا لا نضيق ذرعا ولا نكتم أننا تأثرنا بالأمم الأخرى، وأنا نعتبر الحضارات إرثا إنسانيا عالميا مشترَكا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ فكرة حفر الخندق من حضارة الفرس، وأخذ فكرة الخاتم (= ختم الرسائل الرسمية) من حضارة الروم، وليس لدى المسلمين أي عُقدة نقص في أخذ ما هو صحيح نافع من الأمم الأخرى، لا سيما في مسائل الحضارة المادية التقنية. وفيما يخص الجانب السياسي؛ فإنه لم يكن لدى العرب نظام حكم لأنهم كانوا أمة بدوية، ولما توسعت الدولة الإسلامية احتاجوا إلى أن يقتبسوا مما لدى الآخرين، وحينئذ لم يكن هذا الاقتباس عفويا ولا ساذجا بل كان عن خبرة ودراسة، وتلك مهمة قام بها التراجمة المتقنون لتلك الحضارات ولغاتها، وكانت الدولة إذا احتاجت كتابا معينا أنفقت الأموال على ترجمته واقتنائه، وكان ذلك الانتقاء صادرا عن قرار سياسي ولكل قرار سياسي سلبيات وإيجابيات، ولم نختر غالبا من منتَجات تلك الحضارات إلا أعلاها وأسماها، وكان العلماء بالمرصاد لتنقية تلك العلوم المترجمة من شوائب جذور بعضها الوثني. وفي المقابل؛ تأثرت الأمم الأخرى بالحضارة الإسلامية بما فيها النهضة الأوروبية الحديثة، حتى إن "قانون نابليون" الفرنسي اعتمد على الفقه المالكي، وقد أخذ الأوروبيون وغيرهم من أعلامنا -كالفارابي (ت 339هـ/950م) وابن سينا (ت 428هـ/1037م) وابن رشد (ت 595هـ/1198م) وابن الهيثم (ت 430هـ/1041م) وابن البيطار (ت 646هـ/1248م)- كثيرا من مسائل الطب، فبنوا عليها الطب الحديث وكذلك الفلسفة، والأممُ عالةٌ على المسلمين في علوم الجغرافيا والمطالع الفلكية! المصدر : الجزيرة
  3. براء نزار ريان 7/7/2020 "ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعةُ نفرٍ لا يكون على بابي أعفُّ منهم..، هم أركان المُلك ولا يصلح المُلك إلا بهم..: أما أحدهم فقاضٍ (= وزير عدل) لا تأخذه في الله لومة لائم، والآخَر صاحبُ شرطة (= وزير داخلية) ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحبُ خَرَاج (= وزير مالية) يستقصي ولا يظلم الرعية..، والرابع.. صاحبُ بريد (= مدير مخابرات) يكتب بخبر هؤلاء على الصحة"!! هذا قول عزاه الطبري (ت 310هـ/922م) -في تاريخه- إلى المؤسس الحقيقي للدولة العباسية الخليفة أبي جعفر المنصور (ت 158هـ775م)، وهو يشير إلى أي مدًى وصل حجمُ التعقيد والتفصيل في الفكر المؤسسي داخل نظام الدولة الإسلامية، وخاصة في مربعها الإستراتيجي الذي ندعوه اليوم "الوزارات السيادية": العدالة والأمن والاقتصاد والمعلومات. وهو يكشف أيضا -عكس ما يظنه البعض- ما اتسمت به هذه الدولة من براعة في التقسيم الإداري الهيكلي، ودقة في توزيع الأدوار الوظيفية لدوائر الحكم. والحق أن تأسيس جهاز لجمع المعلومات هو شيء منطقي في تاريخ الدولة الإسلامية التي كانت على خط النار طوال تاريخها، فلم تتوقف لحظةً التدافعاتُ البينية بينها وبين منافسيها العالَميِّين، ولم تفتر محاولات اختراقها من الداخل بالعملاء والجواسيس؛ وبالتالي كان من الضروري أن تخوض الدول الإسلامية دروب ممالك الظلمات الاستخبارية، وقد وصلت إلى أقصى ما يمكن رصده في فنون هذا اللون من العمل الخفي التخصصي، وبتتبع تاريخ جهاز الاستخبارات الاسلامية يجد الباحث أن ثمة نوعا من التطور المتواصل والتراث التراكمي في الخبرات والممارسات. ولعل من الحقائق المهمة هنا القول إنه مهْما كان إحكام هذه الأجهزة وكفاءتها فإن دورها ظل يتركز أساسا على الحماية ومكافحة الخصوم المنافسين، ولم يكن -في معظم الأوقات- مسلطا على الجماهير بإحصاء الأنفاس وكتم الآراء والتدخل في التفاصيل الحياتية، على نحو ما هو معروف حاليا. وهدف هذا المقال هو إماطة اللثام عن نمط غير معروف كثيرا من الفكر المؤسسي التاريخي للدولة الإسلامية؛ عارضا باختصار نشأة جهاز مخابراتها، ومستعرضا بعض ما شهده من نمو وتعقيد في الغايات والآليات، وما طبعه من طرافة وبراعة في الرسائل والوسائل، مما يجعله نموذجا رائدا ورائعا في العمل الأمني والفكر الإداري والفقه المقاصدي. بذور التأسيس لم يعرف المسلمون في زمن النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- وخلفائه الراشدين نوعًا منظّمًا من العمل الأمنيّ، غير أنّ ذلك العهد المبكر شهد جهودًا أمنيّةً عظيمة استخبارًا عن الأعداء ومكافحةً لأنشطتهم التجسيسة التي اشتدت جرّاءها معاناة المجتمع الإسلاميّ الأول. ففي المرحلة المكية؛ نجد أن "الحكم بن أبي العاص كان يتجسس على النبي صلى الله عليه وسلم، وينقل أخباره إلى الكفار"؛ كما يروي سبط ابن الجوزي (ت 654هـ/1256م) في ‘مرآة الزمان‘. وحين هاجر المسلمون إلى المدينة تعاظم الاستهداف بانضمام يهودها إلى قريش وحلفائها في التخابر عليهم. ومن صور ذلك ما ذكره البُلاذري (ت 279هـ/892م) -في ‘أنساب الأشراف‘- أنّ "مالكًا بن أبي قَوْقَل كان متعوِّذًا (= متظاهرًا) بالإسلام، ينقل أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إلى يهود"! ومن جراء هذه الأنشطة التجسسية الخطيرة دفع المسلمون ثمنًا غاليًا للاختراق الأمنيّ؛ ومن وقائع ذلك ما رواه الإمام البيهقيّ (ت 458هـ/1066م) -في ‘دلائل النبوة‘- من أنه لما رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من عمرة القضاء سنة 7هـ بعث سرية إلى قبيلة بني سُليم قرب المدينة، "وكان عينُ (= جاسوس) بني سليم معهـ[ـا] فلما فصلـ[ـت السَّرِيةُ] من المدينة خرج العين إلى قومه فحذرهم، وأخبرهم فجمعوا جمعا كثيرا..، فلما رآهم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورأوا جمعهم دعوهم إلى الإسلام فرشقوهم بالنبل، ولم يسمعوا قولهم". وقد كان للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه قصصٌ كثيرة في مكافحة جواسيس أعدائهم، منها ما رواه البخاريّ (ت 256هـ/870م) -في صحيحه- أنه "جاء عينٌ من المشركين إلى رسول الله"، فلما خرج خفيةً قال صلى الله عليه وسلم: «عليَّ الرجلَ اقتلوه»! فتسابقوا إليه فقتله سلمة بن الأكوع (ت 74هـ/693م). وفي المقابل؛ كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- عيونه الذين يخترقون صفوف أعدائه فيأتونه بأخبارهم مفصّلة؛ ففي صحيح البخاريّ أنه -صلى الله عليه وسلم- أحرم مرة لأداء عمرة "وبعث عينًا له من [قبيلة] خُزاعة" يتحسس له أخبار الطريق، ومضى النبي في طريقه حتى جاءه "جاسوسه الخزاعي" -الذي قيل إنه كان مشركًا- بمعلومات يقينية عما تعتزمه قريش؛ فقال له: "إن قريشا جمعوا لك جُموعا..، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت (= الكعبة)"! وجاء في كتاب ‘الاستيعاب‘ لابن عبد البر (ت 463هـ/1070م) أن العباس بن عبد المطلب (ت 32هـ/652م) كان "إسلامه قبل [غزوة] بدر، وكان.. يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم..، وكان يحب أن يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مقامك بمكة خير". وأما في عهد الخلفاء الراشدين؛ فقد أورد سبط ابن الجوزي -في ‘مرآة الزمان‘- ما يدل على اعتناء بالعمل الأمني لدى الخليفة أبي بكر الصديق (ت 13هـ/624م)؛ فجاء في وصيته لقائده العسكري يزيد بن أبي سفيان (ت 18هـ/629م): "وإذا قدم عليك رُسُل عدوّك فأحسن نُـزُلَهم فإنه أول خيرك إليهم، ولا تـُطِلْ مُقامَهم عندك لئلا يطلعوا على عورات المسلمين، واحفظ سرك لئلا يخرج أمرك..، واستر الأخبار في عسكرك، وأذْكِ (= نشِّط) العيون والحرس" في معسكرك. وكذلك عمر بن الخطاب (ت 23هـ/645م) الذي أرسل إلى معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ/680م) يأمره بالاهتمام بسواحل الشام و"إقامة الحرس على مناظرها واتخاذ المواقيد لها"؛ وفقا للبلاذري في ‘فتوح البلدان‘. واشتُهر عنه أنه كان يخرج بالليل "يحرس الناس"؛ كما ذكر ابن شبّة (ت 262هـ/876م) في ‘تاريخ المدينة‘. ويحكي لنا الواقدي (ت 207هـ/822م) -في ‘فتوح الشام‘- العديد من المراوغات الجاسوسية بين المسلمين والروم؛ بيد أن "الأجهزة الأمنيّة" لم تُعرف بشكلها "المؤسسي" إلا في الدولة الأموية، قياسا على ما ذكره ابن حجر (ت 852هـ/1448م) عن نشأة جهاز الشطة، فقد قال -في ‘فتح الباري‘- إن "‘صاحب الشرطة‘ (= مدير الشرطة) لم يكن موجودا في العهد النبوي عند أحد من العمال، وإنما حدث في دولة بني أمية". ريادة أموية ربما كان أخطر الأجهزة الأمنية التي اعتمدها الأمويون في دولتهم هو جهاز "البريد" الذي كان يديره "صاحبُ البريد" أو "صاحبُ الخبر" الذي يعادل في زماننا "مدير/رئيس المخابرات". وهو ما يمكن عدّه النواة الأساسية لـ"جهاز المخابرات" في الحضارة العربية الإسلامية. وعن النشأة الأموية لجهاز البريد يقول العسكريّ (ت نحو 395هـ/1004م) -في ‘الأوائل‘- إن "أول من وضع البريد في الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وأَحكَم أمرَه عبد الملك (بن مروان ت 86هـ/716م)". ثم أضاف العسكري أن عبد الملك عيّن كاتِبَه سالماً أبا الزُّعيزعة على وظيفة "صاحب البريد" في الدولة العربية الإسلامية، مؤكدا عليه أن "البريد متى جاء من ليل أو نهار فلا يُحجَب، وربما أفسد على القومِ تدبيرَ سَنَتِهم حبسُهم البريدَ ساعةً"! ويبدو أنه كانت لبعض خلفاء الأمويين "عيون" خاصة من ثقات الرجال؛ كما جاء عند ابن حجر -في ‘تهذيب التهذيب‘- أن العالم المحدِّث "خالد بن أبي الصلت.. كان عيناً لعمر بن عبد العزيز (ت 101هـ/720م) بواسط" التي كانت تقع جنوبي العراق. ولم يكن البريد -كما هو اليوم- وسيلةَ مراسلةٍ تستخدمها الحكومات وعامة الناس، بل كان يؤدي حصرا المهمات الرسمية التي سنذكرها لجهاز المخابرات؛ فلا عجب أن نجد المسؤول عن البريد يُسّمى في القرون الإسلامية الأولى: "صاحب الخبر"، قال السبكي (ت 771هـ/1369م) في ‘طبقات الشافعية‘: "صَاحب الْخَبَر يعْنى أَنه يطالع الْأَمِير بأخبار الْمَدِينَة". ولعلّ هذه التسمية هي مصدر التسمية الحديثة لأجهزة أمن المعلومات كما في لفظيْ: "المخابرات" و"الاستخبارات". ويبدو أن المسلمين أخذوا "البريد" بهذا المعنى عن الفُرس؛ فالمحدث ابن الأثير (ت 606هـ/1210م) يقول -في ‘النهاية‘- إن "البريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل: البغل، وأصلها: ‘بريده دم‘، أي: محذوف (= مقطوع) الذَّنَب؛ لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأعربت (= عُرّبت)" اللفظة عند نقلها للعربية. وكانوا يجعلون البريد محطاتٍ يُسمونها "سكك البريد"، وفيها يقول الخليل الفراهيدي (ت 170هـ/786م) في كتابه ‘العين‘: "سِكَكُ البَريد كلُّ سِكَّةٍ منها اثنا عشر ميلاً (= 22 كم)". وفي كل سكّة كان حامل الخبر يبدّل دابّته أو يسلم "الخريطة" -وهي حقيبة تقارير الأخبار- إلى موظف بريد آخر؛ قال الفتّنيّ (ت 986هـ/1578م) في ‘مجمع بحار الأنوار‘: "وخيل البريد هي المرصَدة في الطريق لحمل الأخبار من البلاد، يكون منها في كل موضع شيء [معدٌّ] لذلك". وقد أورد المؤرخون المسلمون سبق الإمبراطورية الفارسية إلى استعمال البريد على النحو الذي جرى لاحقا في الدولة الإسلامية، وذكروا وجود "أصحاب الخبر" المُعيّنين بنواحي الدولة؛ ففي ‘المنتظم‘ لابن الجوزي أن كسرى أنوشروان (ت 579م) "رَفَعَ إليه ‘صاحبُ الخبر‘ بنياسبور أنه قد ظهر رجل لا يغادر صورتَه شيءٌ من صورة الملك، وأن اسمه أنوشروان"؛ فلعلّه خشي أن يكون في وجوده -مع عظم شبهه بالملك- خطرٌ أمنيّ على الحكم. ويبدو أن الروم ماثلوا الفرس في استخدام البريد أمنيا، كما يُستفاد من أشعار رواها الجاحظ (ت 255هـ/868م) في كتابه ‘البغال‘. طفرة عباسية وبعد فترة أطلقت فيها التسميتان معا على موظف واحد عُرف مركزه الإداري بـ"ديوان الخبر والبريد"، كما سماه ابن كثير (ت 774هـ/1372م) في ‘البداية والنهاية‘؛ يبدو أن تسمية "صاحب الخبر" انفصلت فنيا -منذ القرن الهجري الرابع تقريبا- عن وظيفة "صاحب البريد"، وإن ظل الأخير مسؤولا عن المساعدة في توصيل الأخبار بحكم امتلاكه وسائل النقل المعتمدة، لكن مسؤولية جمع الأخبار وإدارة عناصر الاستخبارات صارت اختصاصا لـ"صاحب الخبر" وحده. على أننا نجد الفاطميين كانوا يسمون هذا الجهاز المعلوماتي "ديوان الترتيب"، والمشرف عليه "صاحب الترتيب"؛ فالمقريزي (ت 845هـ/1441م) يقول في ‘اتّعاظ الحُنفا‘: "وهذا الترتيب يقال له في غير هذه الدولة [الفاطمية] ‘صاحب البريد‘، فكان يكاتب متولي هذا الديوان بالأخبار بمطالعات تصل إليه مترجمةً (= مُعَنْوَنَة) بمقام الخليفة، فيعرضها من يده ويجاوب عنها بخطه". وكان لصاحب البريد مقرٌّ دائمٌ بمراكز المدن الرئيسية يُدار منه المخبرون وأنشطتهم التجسسية، وتودع فيه التقارير الأمنية حتى ترسل إلى "ديوان البريد والخبر" (المديرية العامة للمخابرات) بالعاصمة. وقد حُفظ لنا من مقراتها "دار صاحب البريد" بمكة التي حدد الفاكهيّ (ت 272هـ/885م) -في ‘أخبار مكة‘- موقعها بدقة، فذكر أن من "الدور التي تستقبل المسجد الحرام من جوانبه خارجا.. مما يلي الشام.. دار صاحب البريد التي يسكنها أصحاب البُرُد (= جمع بريد) بمكة". تعاظمت أهمية "ديوان الخبر" وترسخت تقاليد مؤسسته الاستخباراتية في أيام العباسيين الذين أطاحوا بالأمويين عبر ثورة مسلحة عاتية، كان العمل الأمني والمخابراتي أحد أسلحتها القاتلة. ولذلك اهتموا بهذه المؤسسة منذ البداية؛ وقد سبق لنا إيراد المقولة التأسيسية لخليفتهم الثاني والمؤسس الحقيقي لدولتهم المنصور عن "أركان المُلك" الأربعة، والتي رواها الطبري. وانطلاقا من ذلك؛ اعتنى العباسيون بتوفير الموارد الكفيلة بدعم مؤسسة الاستخبارات لتؤدي عملها على أكمل وجه في دولة مترامية تمتد من الصين إلى المغرب؛ فقد جاء في كتاب ‘مفيد العلوم ومبيد الهموم‘ المنسوب للخوارزمي (ت 383هـ/993م) أن "المأمون الخليفة (ت 218هـ/833م) رتّب لصاحب البريد أربعة آلاف جَمَلٍ -مع مؤنتها وآلاتها- يستخبرون عليها أمور المملكة، فكان يعرف أمور العالم في يوم واحد"! ولا يستغرب ذلك فإن "حُصَفاء (= عقلاء) الملوك يُخرجون من خزائنهم الأموال العظيمة جدا إلى ‘أصحاب الأخبار‘، ولا يستكثرونها في جنب ما ينتفعون به من جهاتهم"؛ كما يقول مسكويه (ت 421هـ/1030م) في ‘تجارب الأمم‘. وقد تحدث الساسة والعلماء عن أهمية أجهزة المخابرات المنضبطة بالمصلحة العامة والصفات المطلوبة في عناصرها الأكفاء الأمناء، وهي صفات وشروط كثيرة أفرد لها القلقشندي (ت 821هـ/1418م) فصلا في كتابه ‘الأعشى‘. ولعل أجمع النصوص في ذلك ما قاله الإمام الماوردي (ت 450هـ/1058م) في ‘تعجيل النظر‘: "إن المَلِك لَجديرٌ ألا يذهب عليه صغير ولا كبير من أخبار رعيته وأمور حاشيته، وسِيَر خلفائه والنائبين عنه في أعماله، بمداومة الاستخبار عنهم وبث ‘أصحاب الأخبار‘ فيهم سرا وجهرا. ويَندب (= يختار) لذلك أمينا ويُوثَق بخبره، وينصح الملك في مغيبه ومشهده، غير شرِهٍ فيرتشي، ولا ذي هوى فيروي أو يعتدي، لتكون النفس إلى خبره ساكنة، وإلى كشفه عن حقائق الأمور راكنة". مكانة سامية كان "ديوان الخبر" (المديرية العامة للمخابرات) ذا أهمية عالية في الدولة الإسلامية لجسامة مهماته وحساسيتها، تماما كما هو شأن أجهزة المخابرات اليوم؛ ولذلك لُقّب بعض متولي هذا الجهاز بـ"خطير الدولة" كالحسين بن إبراهيم البغدادي (ت 552هـ/1158م)؛ طبقا للصفدي (ت 764هـ/1363م) في ‘الوافي بالوفيات‘، ومنبع خطورته هو أنه "خبير بكلّ ما يجب وعارف بما تقرّر"؛ حسب التعبير الجامع لابن الفُوَطي (ت 723هـ/1323م) في ‘مجمع الآداب‘. وكان الحُكّام يختارون لوظيفة "صاحب الخبر" -وهو مدير المخابرات العامة أو إحدى محطاتها الفرعية بمدينة ما- رجالا من أهل الثقة والثقافة والنباهة نظرا لمكانتهم الرفيعة بدوائر صناعة القرار؛ ولذا قال الخوارزمي إن الطبقة الأولى من "خواصّ المَلِك" تتضمن "صاحب البريد لأنه بمنزلة سمع الملك.. [فـ]ـيطلعه على مصالح المملكة ومفاسدها". ثم يضيف -مبينا حيوية هذه المؤسسة لاستقرار الدول- أن "من أدب الحرب تنفيذ (= إرسال) العيون والجواسيس وأصحاب الأخبار فإن لهم مكيدة عظيمة". ولذا نجد من بين الذين تولوا هذا المنصب علماء وأدباء مشاهير، بل وأحيانًا كانوا يجعلونه وراثةً في عوائلهم طلبا لاستقرار عمل هذا الجهاز الحساس لأمن الدولة والمجتمع. ومن هؤلاء المشاهير الأديب الحريري (ت 516هـ/1122م) صاحب ‘مقامات لحريري‘؛ فقد قال الأصبهاني (ت 597هـ/1200م) في ‘خريدة القصر‘: "ولم يزل الحريري صاحبَ الخبر بالبصرة في ديوان الخليفة، ووجدت هذا المنصب لأولاده إلى آخر العهد المُقْتفَوي"، أي عهد الخليفة المقتفي بالله (ت 566هـ/1171م). ومن دلائل أهميّة هذا المنصب ترقيةُ بعض مديريه إلى منصب رئاسة الوزارة؛ فقد ذكر الذهبيّ -في ‘تاريخ الإسلام‘- أن أبا نصر الكُنْدَريّ (ت 456هـ/1064م) اتصل بالسلطان طغرل بك السلجوقي (ت 455هـ/1063م)، فجعله "صاحبَ خَبَرِه" أي مديرا لمخابراته، ثم "استوزره (= عيّنه وزيرا) وله إحدى وثلاثون سنة..، ولقّبه الخليفة [العباسي]: ‘سيد الوزراء‘". وكان يُنظر إلى هذا الديوان باعتباره ضرورة أمنيّة لا يصحُّ التفريط فيها -ما دام منضبطا بحدود صلاحياته الشرعية- مهما كان دافعُ التفريط نبيلًا، وربما اعتبروا إهماله سببا في انهيار الدول. فالأصبهاني يحكي -في ‘تاريخ دولة آل سلجوق‘- قصة اغتيال فرقة الحشاشين للوزير نِظَام الملك (ت 485هـ/1092م) الذي بدأ إثرَه اختلالُ الدولة السلجوقية بالتقاتل الداخلي بين أمراء الأسرة الحاكمة؛ فذَكَر أن ذلك لم يكن إلا "بسبب أنْ لم يكن للدولة ‘أصحاب أخبار‘، وكان الرسم في أيام الديلم (= البويهيون) -ومَن قَبلهم من الملوك- أنهم لم يُخْلوا جانبا من ‘صاحب خبر وبريد‘، فلم يَخْفَ عنهم أخبار الأداني والأقاصي وحال الطائع والعاصي". ثم يضيف أن سبب إهمال ذلك أن السلطان ألب أرسلان قال لنظام الملك: "لا حاجة بنا إلى صاحب خبر، فإن الدنيا لا تخلو كل بلد فيها من أصدقاء لنا وأعداء؛ فإذا نقل إلينا صاحب الخبر -وكان له غَرَضٌ (= مصلحة شخصية)- أخرج الصديقَ في صورة العدو، والعدوَّ في صورة الصديق. فأسقط السلطانُ هذا الرسم لأجل ما وقع له من الوهم، فلم يشعر إلا بظهور القوم (= الحشاشون) وقد استحكمت قواعدهم". والغريب في الأمر أن نظام الملك هذا عقد فصلا لطيفا في كتابه ‘سياست نامه‘ عن أهمية جهاز الاستخبارات ودوره في استقرار الدول!! وممن عُرفوا بإهمال الجهاز الاستخباريّ والتقليل من أهمية جهوده فعدّ مؤرخون ذلك من الأسباب البعيدة لإسقاط التتار الدولةَ العباسية سنة 656هـ/1258م؛ الخليفةُ الظاهر (ت 623هـ/1226م) الذي كان يرفض الاطلاع على التقارير الأمنية السرية التي تُرفع إليه، "فلما مات وجدوا.. في داره ألوف رقاع (= تقارير أمنية) كلها مختومة لم يفتحها، فقيل له أن يفتحها فقال: لا حاجة لنا فيها، كلها سعايات"! وفقا للذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘. بين نهجين وما فعله الظاهر هذا كان نقيضا لما عُرف به أبوه الخليفة الناصر (ت 622هـ/1225م) من عناية بالغة بجهاز الاستخبارات وقراءة تقاريره يوما كما يفعله اليوم رؤساء الدول الجادّون؛ ففي عهده نجد "أن حُرّاس الدروب كانت ترفع إلى الخليفة -في صبيحة كل يوم- ما يكون عندهم من أحوال الناس الصالحة والطالحة؛ فأمر [ابنُه وخليفتُه] الظاهرُ بتبطيل ذلك، وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس؟ فقيل له: إن تركت ذلك تفسد الرعية! فقال: نحن ندعو لهم بالإصلاح"؛ حسب ابت غري بردي في ‘النجوم الزاهرة‘. إذا حاولنا تحديد المهمات التي كان جهاز "ديوان الخبر" يؤديها طوال القرون؛ فسنجدها أساسا واقعةً في أربعة اتجاهات: الأول: متابعة الأخبار المهمّة والأحوال العامة لأقاليم الدولة؛ الثالث: مراقبة كبار الموظفين لضمان استقامتهم والتأكد من صحة ولائهم؛ الرابع: ملاحقة المعارضين والمنتقدين والمحتجين والثائرين المحتملين؛ الثاني: جمع الأخبار عن العدوّ الخارجيّ. كان "أصحاب الأخبار" يرصدون كافة الأحاديث والوقائع ثم يرسلونها إلى الجهة العليا المختصة، بغض النظر عن مدى أهميتها الأمنية أو العسكرية أو السياسية؛ حتى إن عَريب القرطبي (ت 369هـ/979م) ينقل لنا -في ‘صلة تاريخ الطبري‘- وثيقةً نادرةً لتقرير تامٍّ أرسله ‘صاحب خبر‘، ولا يحتوي معلومةً مهمّة بل قصّة غريبة عن بغلةٍ ولدت مُهرةً! قال: "ورد كتاب ‘صاحب البريد‘ بالدِّينَوَر (= مدينة تقع غربي إيران) يذكر أن بغلة هناك وضعت فلْوةً، ونسخة كتابه:… إلخ". ثم أورد نص التقرير متضمنا خبر البغلة بدقّة تامةّ، مع ذكر مصدره المباشر وتفاعلاته بين الناس؛ وهذا رغم طبيعة الخبر غير الحساسة، فكيف لو كان خبرًا له انعكاسات أمنية أو سياسية؟! أبدع المسلمون في تتبع أخبار الأعداء لضمان الاستعداد المُسبق لخططهم، وفق ما يزودهم به "أصحاب الأخبار" من الجواسيس المندسين في صفوف الأعداء بساحات المعارك، أو القاطنين معهم في بلدانهم متخفّين في هيئة تجار أو أصحاب حِرَف، وأحيانا يكون هؤلاء الجواسيس من الأعداء أنفسهم، فيحقق المسلمون بتجنيدهم اختراقا أمنيا للجبهة المعادية. ولعلّ من أروع أنشطة المسلمين التجسسية على الأعداء ما نقلته كتب التاريخ من قصص اختراقهم الأمني العميق والنوعي للممالك الصليبية على ساحل الشام. فها هو المؤرخ أبو شامة المقدسي (ت 665هـ/1267م) يروي لنا قصة تجنيد مخابرات صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ /1193م) لامرأة صليبية مرموقة هي زوجة ملك أنطاكية. ففي سبيل الحصول على معلومات خطيرة من مصدر صليبي رفيع المستوى؛ لم يتحرج هذا السلطان -المعروف بتدينه العميق- من تجنيد امرأة صليبية، بل نجده يبذل لها في سبيل ذلك الهدايا النفيسة، ويكرمها بإطلاق الأسرى من عائلتها طلبا لاستمرار مساعدتها الاستخباراتية لدولته. يقول أبو شامة في ‘كتاب الروضتين‘: "وكانت امرأة ابرنس (= أمير) أنطاكية تُعرف بدام (= مدام) ‘سبيل‘ في موالاة السلطان [صلاح الدين] عينًا له على العدو، تهاديه وتناصحه وتُطلعه على أسرارهم، والسلطان يُكرمها لذلك ويُهدي لها أنفس الهدايا، فلما فَـتح (في سنة 584هـ/1188م) حصن برزية [قرب أنطاكية] وحصل في أسره هذه الجماعة (= أخت سبيل وأقاربها) وافترقت بهم أيدي المسلمين، تتبعهم السلطان وخلّصهم من الأسر وأنعم عليهم، وجهّزهم وسيّرهم إلى أنطاكية لأجل امرأة الابرنس، فشكرتْه [سبيل] على ذلك ودامت مودتُها ونفعُها للمسلمين"!! دفاع وتأصيل وبعد ذلك بنصف قرن؛ نجد حفيده ملك دمشق المعظَّم عيسى الأيوبي (ت 624هـ/1227م) -وقد كان فقيها على المذهب الحنفي- يكرر الأسلوب ذاته في تجنيد النساء الصليبيات، وتتفق معهن مخابراته على "شِفْرات" أمنية لتبليغ أخبار تحركات الجيش الصليبي، بل وتستعمل مخابراته إحداهنّ في إسقاط مساعد كبير لقائد هذا الجيش، ثم يتم استخدمه هو الآخر في توجيه العدوّ الوجهة التي يريدها قادة المسلمين! يقول سبط ابن الجوزي في ‘مرآة الزمان‘: "وكان [المعظَّم] في أيام الفَسْخ (= انتهاء الهدنة) مع الفرنج يرتِّب النِّيران على الجبال من باب نابُلُس إلى عكا، وعلى عكا جبلٌ قريب منها يقال له الكرمل، كان عليه المنوِّرون وبينهم وبين الجواسيس علاماتٌ، وكان له في عكا ‘أصحاب أخبار‘ وأكثرهم نساء الخيّالة [الفرنج]، وكانت طاقاتهن (= نوافذهن) في قبالة [جبل] الكرمل، فإذا عَزَمَ الفرنج على الغارة فتحت المرأة الطاقة، فإن كان يخرج مئة فارس أوْقَدَت المرأةُ شمعةً واحدةً، وإن كانوا مئتين [أوقدت] شمعتين، وإن كانوا يريدون قَصْدَ حوران وناحية دمشق أشارت إلى تلك النَّاحية، وكذا إلى نابُلُس؛ فكان [بذلك] قد ضيَّق على الفرنج الطرق إذا قصدوا جهة سَبَقَ إليها بعسكره، وكان يعطي النِّساء والجواسيس في كل فَسْخٍ جملةً كبيرة". ثم يورد سبط ابن الجوزي -وقد كان واعظا مشهورا- حوارا بينه وبين المعظَّم تكشف لنا تفاصيل هذا الاختراق المخابراتي وآلياته ومنافعه: "فقلتُ له في بعض الأيام: هذا إسرافٌ في بيوت الأموال! فقال: أنا أستفتيك، لمّا عَزَمَ الإنبرور (= الإمبراطور: ملك الألمان) على الخروج إلى الشَّام أراد أن ينزل عكا بغتةً ويسير إلى باب دمشق، فبعث فارسًا عظيمًا وقال له: أخفِ مجيئنا إلى البلاد لنغير بغتةً، وكان بعكا امرأة مستحسَنة فكتبتْ إليَّ تخبرني [بالأمر]، فبعثتُ لها ثيابًا ملونة وعنبرا ومقانع حرير، فلبستها واجتمعتْ بالفارس، فدُهش وقال: من أين هذا؟ فقالت: من عند صديقٍ لنا من المُسْلمين، فقال: مَنْ هو؟ فقالت: الكُرَيْدِي (= المعظم وهو كردي النَّسَب)، فصلَّب (= رسم الصليب) على وجهه وقام فخرج من عندها، فما زالت تلك المرأة تتلطَّف بالفارس وأهاديه حتَّى صارت كُتُب الإنبرور تجيء إليه مختومةً فيبعثها إليَّ، وأقول له يكتب ما أُريد، فلو لم أدارِ عن المسلمين جاء الإنبرور بغتةً، وساق من أهل الشَّام ومواشيهم وأموالهم ما لا يُعَدُّ ولا يحصى، فأنا أفدي المسلمين بالشيء اليسير"!! وقصص استعمال النساء في المهام الاستخباريّة في التاريخ الإسلاميّ عديدة، سواء من قِبل المسلمين أو من عدوّهم. ولعلّ أقدمها قصة المرأة التي بعث معها الصحابيّ حاطب بن أبي بلتعة (ت 30هـ/652م) رسالة معلوماتية إلى قادة قريش. فقد روى البخاريّ -في صحيحه- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اكتشف أمرها أرسل جماعة في أثرها بقيادة عليّ، فأدركوها وهددها علي -حين أنكرت الرسالة- قائلا: "لتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لنلقينَّ الثياب، فأخرجته من عِقاصها (= ضفائرها)، فأتينا به النبي فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممن بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي". وفي هذا الحديث نرى عليًّا -على ورعه المعروف- لا تأخذه في تنفيذ مهمّته الأمنيّة لومة لائم! مهمات متعددة كان من أهمّ وظائف ‘صاحب الخبر‘ مراقبة كبار الموظفين من وزراء وولاة وقضاة وقادة عسكريين وأمنيين. ويذكر المؤرخ ابن الأثير (ت 630هـ/1232م) -في ‘الكامل‘- أن ملك تونس تميم بن المعزّ الصنهاجيّ (ت 374هـ/984م) "كان له في البلاد ‘أصحاب أخبار، يُجري عليهم أرزاقًا سنيّة، ليطالعوه بأحوال أصحابه لئلّا يظلموا الناس". ولذلك نجدُ ذوي الخبرة السياسية والأمنية ينصحون الأمراء بمراقبة كبار موظفيهم؛ فقد أوصى طاهرُ بن الحسين (ت /822م) -وكان من كبار قادة الخليفة المأمون وهو مؤسس الدولة الطاهرية بخراسان- ابنَه عبد الله بن طاهر (ت 230هـ/844م) حين ولّاه المأمون بعض البلاد؛ فقال له: "اجعلْ في كل كُورة (= منطقة) من عملك أمينًا يُخبرك أخبارَ عُمّالِك، ويكتبُ إليك بسِيَرِهم وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله، معاينٌ لأموره كلها"؛ حسب ابن طيفور (ت 280هـ/894م) في ‘كتاب بغداد‘. ومن عجبٍ أن الحكام كانوا يرتبون مُخبراً أمنيا على الموظف، ثم يجعلون على هذا المخبر مخبرا آخر، ثم مخبرا ثالثًا عليهما جميعًا، وهو أدق ما يمكن تصوره فيما يُعرف اليوم بـ"الاستخبارات الإدارية" لمكافحة الفساد! فالمقريزي يذكر في ترجمة عبد الله بن دسومة (ت قبل 270هـ/884م) أن أحمد بن طولون (ت 270هـ/884م) أقامه "أمينا على أبي أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع لمّا أقرّه على الخَرَاج (= وزارة المالية) من قِبله، وجعل نُعيمًا المعروف بـ‘أمين الذُّويب‘ عينًا عليهما"!! وكان ‘أصحاب الأخبار‘ يراقبون نفقات كبار الموظفين ولا سيما القضاة منهم، فيقارنون بينها وبين مدخولاتهم لكشف فسادهم بالرشوة؛ فقد أورد ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- أن المأمون عاتب القاضي بشر بن الوليد (ت 238هـ/852م) في فساد زملائه من القضاة؛ فخاطبه قائلا: "ولّينا رجلا -أشرتَ به علينا- قضاءَ الأُبُلّة (= اليوم منطقة العشار بالبصرة)، وأجرينا عليه ألف درهم (= اليوم 1200 ألف دولار أميركي تقريبا)، ولا له ضيعة ولا عقار ولا مال، فرجع ‘صاحب الخبر‘ بالناحية أن نفقته في الشهر أربعة آلاف درهم؛ فمن أين هذه الثلاثة آلاف درهم؟!". وقد تكرر هذا الأمر أيام المتوكل مع "صاحب الخَرَاج" بالأهواز عمر بن فرج الرخجي (ت نحو 240هـ/854م). ولم يكن يسلم من هذه المراقبة أحد حتى وليُّ عهد الخليفة! فالطبريّ يروي -في تاريخه- عن الشاعر المؤمل المحاربيّ (ت نحو 190هـ/806م) قصة جرت له مع المهديّ (ت 169هـ/785م) ووالده المنصور؛ يقول الشاعر: "قدمتُ عليه [أي: المهدي] الرّيّ وهو ولي عهد، فأمر لي بعشرين ألف درهم (= اليوم 25000 دولار تقريبا) لأبيات امتدحتُه بها، فكتب بذلك ‘صاحب البريد‘ (= موظف المخابرات) إلى المنصور..، فكتب إليه المنصور.. يلومه"؛ ثم قبض عليه واستردّ منه ستة عشر ألف درهم. كان ‘أصحاب الأخبار‘ يصرفون جهدًا عظيمًا في مراقبة العامّة والمعارضين، بما يكادُ يقتربُ -مع حفظ فروق الزمان والمكان والإمكان- مما تفعله المخابرات المعاصرة؛ بل إنه كان يشمل من يمدح المغضوبَ عليهم من السلطة حتى ولو بعد موتهم، فالذهبيّ يروي -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه لَمَّا صُلِبَ جَعْفَرٌ (بن يحيى البرمكي ت 190هـ/806م) وَقَفَ الرَّقَاشِيُّ الشَّاعِرُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلا خَــــوْفُ وَاشٍ ** وَعَـــيْنٍ لِلْخَــــلِيفَةِ لا تَـــنَامُ لَطُفْنَا حَوْلَ جِذْعِكَ وَاسْتَلَمْنَا ** كَمَا لِلنَّاسِ بِالْحَجَرِ اسْتِلامُ"! ومن عجائب الملاحقة الأمنية للمعارضين بعد وفاتهم ما حكاه ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- ضمن أحداث سنة 237هـ/852م؛ فقال إنه "في عيد الفطر من هذه السنة أمر (الخليفة) المتوكل (ت 247هـ/861م) بإنزال جثة [الثائر المصلوب الإمام] أحمد بن نصر الخزاعي (ت 231هـ/846م) ودفعه إِلى أوليائه..، فاجتمع العوام يتمسحون بجنازته وبخشبة رأسه؛ فكتب ‘صاحب البريد‘ بذلك، فنهى المتوكل عن اجتماع العامة". رصد دقيق وممن عُرف بكفاءة مخابراته الخليفة العباسيّ الناصر، حتى إن المؤرخين يذكرون من قوتها أنه كانت تُرفع إليه التقارير متضمنة تفاصيل الموائد المقدمة للضيوف، ويوردون قصصا في ذلك!! ويحكون أنه "كان له ‘أصحاب أخبار‘ يطالعونه بما يحدث وما يرونه من الأمور في كل صَقْع (= ناحية)، فخافه الناس خوفًا شديدًا وهابوه، وكان الإنسان في العراق لا يجسر أن يجري في بيته وخلوته ما يَخاف الإنكارَ عليه منه، حتى كان يتوهم من أهل بيته وأخص الناس به أن ينقل خبره إلى الخليفة"!؛ حسب تعبير ابن واصل الحموي (ت 697هـ/1298م) في ‘مفرِّج الكروب‘. وقبله اشتهرت سطوة مخابرات الحاكم الفاطمي (ت 411هـ/1021م) التي دخلت كل بيت فسجلت حتى تفاصيل قصص الحب بين الرجال والنساء؛ فابن الجوزي (ت 597هـ/1200م) يخبرنا -في ‘المنتظم‘- أنّه "رَتّب في كل درب (= شارع) ‘أصحاب أخبار‘ يطالعونه بما يعرفونه، ورتبوا لهم عجائز يدخلن الدُّور ويرفعن إليهم أخبار النساء، وأن فلانا يحب فلانة وفلانة تحب فلانا، وأن تلك تجتمع مع صديقها وهذا مع صاحبته، فكان ‘أصحاب الأخبار‘ يرفعون إليه ذلك، فيُنْفِذ (= يرسل) من يقبض على المرأة التي سمع عنها مثل ذلك، فإذا اجتمع عنده جماعة منهن أمر بتغريقهن، فافتضح الناس وضجوا من ذلك"! ثم لم يلبث الحاكم -في إحدى نوبات تقلب قراراته المعروفة- أن انقلب على مخابراته سنة 399هـ، فـ"قتل ‘أصحاب الأخبار‘ عن آخرهم لكثرة أذيتهم الناس بالكذب عليهم وأخذهم الأموال من الناس"؛ طبقا للمقريزي في ‘اتعاظ الحنفا‘. أما قصص متابعة المنتقدين لأداء السلطة والملاحقة على مجرد الكلمة الاحتجاجية فزاخرة متكاثرة، مهما كانت هامشية موقع المنتقِد؛ فنجد مثلا في ‘الإنباء في تاريخ الخلفاء‘ لابن العمراني (ت 580هـ/1184م) أن المعتضد العباسي (ت 289هـ/902م) "كان له ‘أصحاب أخبار‘ يرفعون إليه كل ما يجري في الأسواق، فرفع إليه بعض ‘أصحاب الأخبار‘ أن إسكافًا (= صانع أحذية) قال لقطّان (= بائع قطن) وقد طالبه بدين كان له عليه وكان يمطله به: ما بقي للمسلمين من ينظر في أحوالهم"!؛ فغضب المعتضد لذلك وأرسل إلى هذا الإسكاف المسكين من يُرهبه!! وأعجب من هذا تلك القصة الطويلة الماتعة التي رواها وبسبب كثرة الوشاة الذين كانوا يتجسسون على المثقفين والعلماء في حلقات تدريسهم؛ استجاز فقهاءُ -لأنفسهم وتلامذتهم- الكذبَ خلال جلسات التحقيق الأمنيّ معهم. فقد نقل الذهبيّ -في ‘سير أعلام النبلاء‘- عن أحد تلامذة الإمام والوزير الكبير رجاء بن حيوة (ت 112هـ/730م) أنه قال: "كنا مع رجاء بن حيوة، فتذاكرنا شكر النعم، فقال: ما أحدٌ يقوم بشكر نعمة! وخلفنا رجل على رأسه كساء، فقال: ولا أميرُ المؤمنين؟ فقلنا: وما ذِكْرُ أميرِ المؤمنين هنا؟! وإنما هو رجل من الناس. قال: فغفلنا عنه، فالتفت رجاء فلم يره، فقال: أُتِيتم من صاحب الكساء! فإن دُعيتم فاستُحلفتم فاحلفوا [كذباً]. قال: فما علمنا إلا بحرسي قد أقبل عليه، قال: هيه يا رجاء! يذكر أمير المؤمنين، فلا تحتج له؟!"، فأنكر رجاء الواقعة وحلف على ذلك تقيّةً، فرجع الحرسي إلى الواشي فضربه على وشايته "الكاذبة"!! كمائن ودوريات كان من الترتيبات الأمنية للدول تسيير كمائن عسكرية تُسمّى "المسالح" لمراقبة الحدود بين الأقاليم، وكثيرا ما كانت مصحوبة بمكلفين بمهمات استخباراتية؛ فقد ذكر الأصفهاني (ت 356هـ/966م) -في ‘مقاتل الطالبيين‘- أنه حين قرر العباسيون ملاحقة إدريس العلوي (ت 177هـ وهو مؤسس دولة الأدارسة بالمغرب) وضعوا "على الطريق مسالح ومعهم ‘أصحاب أخبار‘ تفتش كل من يجوز الطريق". وفي مواجهة تفتيش مُخبري هذه "المسالح"؛ كانت تجري مراسلات سريّة يتفنن أصحابها كثيرا في طرق إخفائها؛ فالطبريّ يقول -في تاريخه- إنه قـُبيل اندلاع صراع الأمين (ت 198هـ) والمأمون العباسييْن على عرش الخلافة (193-198هـ /808م -813م) اهتمّ وزير الأمين "الفضل بن الربيع (ت 208هـ/823م).. بالمراصد لئلا تُجاوِزُ الكتبُ الحدَّ (= الحدود)، فكتب الرسولُ (= رسول المأمون ببغداد) مع امرأة، وجعل الكتاب وديعةً في عُودٍ منقور من أعواد الإكاف (= برذعة الحمار)، وكتب إلى ‘صاحب البريد‘ بتعجيل الخبر. وكانت المرأة تمضي على المسالح كالمُجتازة من القرية إلى القرية، لا تُهاج ولا تفتَّش! وجاء الخبر إلى المأمون موافقًا لسائر ما ورد عليه من الكُتب" بشأن تآمر الأمين عليه لخلعه من ولاية العهد. تعددت فروع الاستخبارات الإسلامية؛ فكان منها الفرع المدني المعروف بـ‘صاحب الخبر‘ عند الإطلاق، ومنها الفرع العسكري الذي كان يُدعى ‘صاحب خبر العسكر‘، وفي العهد الأيوبي والمملوكي أصبح يسمى ‘اليَزَك‘. وبتعدد الفروع كثرت مصادر المعلومات من عيون وجواسيس، وأتقنوا سُبُل التخفّي والتمويه والتشفير حتى وضعوا فيه كتب "فنّ المُعمَّى" الخاص بتعليم كيفية تركيب "الشيفرة" وحلّها، كما تنوعت طُرُقهم في توصيل التقارير حتى باستخدام الحمام الزاجل الذي كانوا يسمونه "الحمام الرسائلي" أو "طير البطائق"، أي قصاصات الورق الصغيرة التي يحملها متضمنة الأخبار بكتابات مختصَرة ومشفَّرة يسمونها "المُلَطَّفات". ويحدثنا القلقشندي عن كيفية استخدام هذا الحمام عبر أبراج تشغيل تعتبر "مطارات" لرحلاته الاستخباراتية؛ فيقول إنه "جرت العادة أن تُكتب بطاقتان وتؤرخان بساعة كتابتهما من النهار، ويعلّق منهما في جناح طائر من الحمام الرسائلي ويرسلان، ولا يُكتفَى بواحد لاحتمال أن يعرض له عارض يمنعه من الوصول إلى مقصده. فإذا وصل الطائر إلى البرج الذي وُجِّه به إليه، أمسكه البرّاج (= عامل البرج) وأخذ البطاقة من جناحه وعلّقها بجناح طائر من حمام البرج الذي يليه..، حتى ينتهي إلى برج القلعة [بالقاهرة]، فيأخذ البرّاجُ الطائرَ -والبطاقةُ في جناحه- ويحضره بين يديْ الدَّوادار الكبير (= سكرتير السلطان) فيُعرَض عليه، فيضع البطاقة عن جناحه بيده". ومن العجب أن "واجهات عمل" أجهزة المخابرات القديمة لا تختلف كثيرا عما يدور اليوم في العمل الاستخباري بأنحاء العالم. ومن ذلك أنهم كانوا مثلا يتخفّون في صورة تجّار يجوبون البلدان ببضائعهم، فياقوت الحمويُّ (ت 626هـ/1229م) يحكي -في ‘معجم البُلدان‘- أن المنصور أمر -بناء على نصيحة أحد بطارقة الروم- بإنشاء الأسواق خارج سور بغداد، لأنه "يوافي الجاسوس من جميع الأطراف فيدخل [المدينة].. بعِلّة التجارة -والتجار هم بُرُدُ (= جمع بريد) الآفاق- فيتجسس الأخبارَ ويعرف ما يريد، وينصرف من غير أن يعلم به أحد"! وتارةً يتخفّى هؤلاء الجواسيس في صورة متسوّل رثّ الثياب، حتى إنه صار يُتَّهم بالتخابر من تقشف جدا في ملبسه من العلماء والزهاد؛ ويذكر الذهبيّ -في ‘تاريخ الإسلام‘- أن الإمام الزاهد أبا الفضل العجلي (ت 454هـ/1062م) "دخل كرمان (= تقع اليوم بإيران) في هيئة رثّة..، فحُمل إلى الملك وقالوا: هو جاسوس"! ثم لما عَلِم الملك حقيقته أكرمه وعظّمه. ويخبرنا الدَّواداري (ت بعد 736هـ) -في ‘كنز الدرر‘- أنه "بسبب مَنْ تزيَّا مِن الجواسيس بِزيّ الفقراء (= الصوفية) قُتِلَ جماعةٌ من الفقراء الصلحاء رجمًا بالظن" أنهم جواسيس!! وقد أورد القاضي التنوخي (ت 384هـ/994م) -في ‘الفرَج بعد الشدة‘- قصة طويلة من غرائب الخيال الاستخباراتي، تتحدث عن تجسس المعتضد على وزيره القاسم الحارثي (ت 291هـ/904م)، عبر رجل من الهاشميين كان يعمل له مُخبرا في هيئة متسوّل كسيح، يأتي يوميا بيت الوزير فيظل ينتقل من غرفة إلى أخرى حتى المطبخ، فيرصد ما دار فيه ومن زاره، وفي المساء يرفع بذلك تقريرا إلى "مشغِّله الأمني"، ويأخذ مقابل ذلك "في كل شهر خمسين دينارا (= اليوم 8000 دولار تقريبا)"!! ولهذا النص دلالته الفريدة على ما قد تبلغه رواتب المخبرين الأمنيين في تلك العصور من ضخامة! تجنيد متعدد أما أعجبُ أساليب التستّر المخابراتي فهو -كما يحصل كثيرا اليوم للأسف- ذاك الذي جعل من إمامة المصلين بالمساجد واجهةً للنشاط الاستخباريّ! فقد ذكر ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- قصة الشاعر عليّ بن أفلح العبسي (ت 535هـ/1140م) الذي كان كاتبا مقرَّبا من الخليفة العباسيّ المسترشد (ت 529هـ/1134م)، ثم اتضح أن له علاقة بأمير بادية العراق دُبَيس بن صَدَقة الأسدي (ت 529هـ/1134م)، وأنه "كان في المسجد الذي يحاذي دار السماك رجلٌ يقال له ‘مكي‘ يصلي بالناس ويُقرئ القرآن، فكان إذا جاء رسولُ دُبَيس أقام عند ذلك الإمام بزِيّ الفقراء (= الصوفية)، فاطّلع على ذلك بوّاب ابن أفلح، واتفق أن ابن أفلح غضب على بوّابه فضربه فاستشفع بالناس عليه فلم يردَّه، فمضى [البوابُ] وأطْلع صاحبَ الشرطة على ذلك [انتقامًا من مولاه]، فمضى فكبس (= دَهَم) المسجدَ وأخذ الجاسوس، وهرب ابنُ أفلح وإمامُ المسجد"! وفي سبيل استخدام كل طاقات المجتمع -مهما بدت منبوذة- لتحرير الأوطان؛ رأينا صلاح الدين يجنّد عصابات اللصوص في مخابراته الحربية، موظفا "شطارتهم" وجسارتهم لمحاربة الصليبيين. ولذلك يقول مؤرخ سيرته القاضي ابن شداد (ت 632هـ/1235م) -في ‘النوادر السلطانية‘- إنه "رتّب (= جنّد).. ثلاثمئة لص من شلوح العرب، [فكانوا] يدخلون [معسكرات الصليبيين] ويسرقون منهم أموالَهم وخيولهم، ويسرقون الرجال أحيانا" باختطافهم -وهم نائمون- تحت تهديد السلاح، فيأتون بهم أسرى إلى معسكر المسلمين!! بل إن التجنيد الاستخباراتي وصل إلى إحدى أكثر فئات المجتمع حساسية، وهي فئة مدرسي كتاتيب الأطفال الذين كانوا -وهم ذوو طبيعة عفوية- بوابة لجمع كافة أخبار بيوت عوائلهم، ولا سيما منازل القادة العسكريين في الدولة؛ فمسكويه يحدثنا -في ‘تجارب الأمم‘- أنه "كان معلمو الصبيان مواقَفين (= مُلزَمين) على أن يَسألوا أولاد الجُند الذين في مكاتبهم عن أمور آبائهم، ومتصرفات أحوالهم في منازلهم، ويكتبون بذلك إلى ‘ديوان البريد‘، ولهم على ذلك رزق دارٌّ (= راتب كبير)"!! ولم يقتصر التجنيد الاستخباري على الرجال والأطفال؛ بل شمل النساء أيضا خاصة أنهن قادرات -بخلاف الرجال- على الدخول إلى أعماق البيوت، فكانت المُخبراتُ يدخلن الدُّورَ مستأمَناتٍ ويَخرجهن بأدقّ أخبار أهلها. ومن أقدم قصص ذلك وأغربها في طرق التجنيد وتعدد الواجهات الاستخباراتية فيه؛ ما حكاه إبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو 320هـ/933م) -في ‘المحاسن والمساوئ‘- من أن المنصور أجرى بنفسه مرة تحقيقا أمنيا مصحوبا بتعذيب مع جارية للعلويين، طالبا منها معلومات عن قائد ثورتهم محمد بن عبد الله المعروف بـ‘النفس الزكية‘ (ت 145هـ/762م). لكن الجارية صمدت في التحقيق و"أبت إلا الجحود، فقال لها [المنصور]: أتعرفين فلانة الحجامة؟ فاسودّ وجهُها وتغيرت، فقالت: نعم يا أمير المؤمنين..! قال: صدقتِ، هي والله أمتي ابتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر..، أمَرْتُها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أخباركم. ثم قال: أوَتعرفين فلانا البقّال؟ قالت: نعم..، قال: هو والله مُضاربي (= مستثمِرٌ لي) بخمسة دنانير..، فأخبرني أن أمَةً (= خادمة) لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حنّاء ووَرَقاً، فقال لها: ما تصنيعن بهذا؟ فقالت: كان محمد بن عبد الله في بعض ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة، فأردنا هذا لتتخذ منه النساءُ ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المَغيب، فأُسْقِط في يدها (= فُوجِئت) وأذعنت بكل ما أراد" المنصور من معلومات!! ويخبرنا الذهبي -في السِّيَر‘- أن المنصور وظف في هذا الأمر الرعاة من البدو، "فاشترى.. رقيقا من [عند] العرب، فكان يعطي الواحد منهم البعيرين، وفرّقهم في طلبه (= النفس الزكية) وهو مختفٍ"!! هدايا تجسس ومثله ما ورد عن ابنه المهديّ أنه أهدى لوزيره يعقوب بن داود (ت 187هـ/803م) جاريةً لتتجسس عليه وتراسله بخفايا أمور بيته. وقد أمر المهدي يوما وزيرَه بقتل أحد العلويّين كان يخشى ثورته عليه، فأطلقه الوزير خُفيةً قناعةً بأنه مظلوم وهرَّبه؛ قال يعقوب: "لم أشعر بأن الجارية قد أحاطت علمًا بما جرى وأنها كالجاسوس علي، فبعثتْ بخادمها إلى المهدي فأعلمتْه بما جرى، فبعث المهدي إلى تلك الطريق فردوا ذلك العلوي فحبسه عنده"، ثم قبض على يعقوب ونكّل به وحبسه؛ وفقا لابن كثير في ‘البداية والنهاية‘. وإذا كان المهدي اتخذ من إهداء الجواري وسيلة للتجسس على موظفيه، في سلوك أشبه ما يكون بإهداء أجهزة المخابرات اليوم الشخصياتِ التي تستهدفها أجهزةَ الهواتف والساعات الملغمة برقاقات التنصت للتجسس عليهم عن بُعد؛ فإن أعجب منه ما كان يصنعه والي العباسيين على خراسان عمرو الصفّار (ت 289هـ/901م) من إهداء الغلمان لنفس الغرض؛ فقد "كان عمرو يشتري المماليك ويربّيهم ويَهَبُهُم لقُوّاده، فيكونون ‘أصحاب أخبار‘ عليهم، ويُجري عليهم الجرايات (= الرواتب) سِرًّا، فلا يخفى عنه خبرٌ" مما يفعله هؤلاء القادة؛ طبقا للدَّواداري في ‘كنز الدرر‘. وعلى خُطى الرجلين؛ سار حفيدهما المأمون الذي يبدو أنه تجاوزهما بمراحل في تجنيد النساء، حتى صار له -إن صحت الرواية التاريخية- "جيش" من العجائز يوافيه بخفايا زوايا بيوت عاصمته بغداد. فقد ذكر العلامة السكتواري الحنفي (ت 1007هـ /1599م) -في ‘محاضرات الأوائل‘- أن "المأمون هو أول من اتخذ الجواسيس من العجائز، جعل ألف عجوز وسبعمئة عجوز يتفقد بهن أحوال الناس من الأشقياء، ومن يُحبه ويبغضه، ومن يُفسد حُرُم المسلمين"! كان ‘صاحب الخبر‘ -بوصفه مديرا لاستخبارات الدولة بمنطقته- ذا صلاحيات واسعة، ويبدو أنه كان يملكُ "ضبطية قضائية" تسمح له بتفتيش البيوت، بل و"القلوب" باستحلاف المستجوَبين بأغلظ الأيمان! فالذهبيّ يروي -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه رُفع بلاغٌ في الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ/855م) بأنه يُخفي بداره أحد المطلوبين للدولة، فدهمه ليلاً ‘صاحبُ الخبر‘ "فأحلفه بالطّلاق ثلاثًا أنّ ما عنده طُلْبةَ أميرِ المؤمنين..، وفتَّشوا [الـ]ـمنزل.. والسَّرَب والغُرَف والسُّطُوح، وفتَّشوا تابوت الكُتُب، وفتّشوا النّساء والمنازل، فلم يروا شيئًا..؛ فكُتب بذلك إلى المتوكّل..، وعلم أنّ.. [أحمد] مكذوبٌ عليه". وإذا كانت الدول على مرّ التاريخ الإسلاميّ حرصت -في بناء أجهزة مخابراتها- على كفاءة عمل ‘ديوان البريد والخبر‘، وعُنيت بـ‘أصحاب الأخبار‘ أبلغ العناية؛ فقد كان لبعض سلاطينها موقفٌ كارهٌ لمن يتطوّعُ لرفع أخبار العامة إليهم، فوق كراهيته من نُخَب الناس وعوامهم. وقد رفض الإمام أحمد الوشايةَ لدى السلطان حتى بفُسّاق الناس، فابن رجب الحنبليّ (ت 795هـ/1393م) يقول في ‘جامع العلوم والحكم‘: "وكره الإمام أحمد رفع الفساق إلى السلطان بكل حال". وشاعت بينهم مقولة أن "السعاية قبيحة ولو كانت صحيحة"!! المصدر : الجزيرة
  4. عبد القدوس الهاشمي 30/6/2020 "والله لو علموا (= ملوك الطوائف) أن في عبادة الصُّلْبان تمشية أمورهم لبادروا إليها؛ فنحن نراهم يستمدّون النصارى فيمكنونهم من حُرُم المسلمين..، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعا فأخلوْها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم"!! هذا كلام رجل يعيش عصره أو بمعنى أدق يعيش أزمات عصره فيستشرف ما ستسبّبه من ضياع لمصره الأندلس. إنه الإمام ابن حزم (ت 456هـ) المؤسس الأبرز للمذهب الظاهري في الأندلس، وتأسيس مذهب أو التمكين له حدث حضاري كبير، وكل مذهب يواكب سياقَه متسلحا بمقولاته وأدواته الملائمة لزمانه، وهذا ما ينطبق تماما على المذهب الظاهري بالأندلس. والحقيقة أن من يَفْصِل مشروع أبي محمد الإصلاحي والإبداعي عن أزمات أندلس زمانه السياسية المتمثَّـلة في تشرذم ممالكه، والعلمية المتجلية في هيمنة التقليد؛ لن يتوصل إلى عمق هذا المشروع ومراميه البعيدة. لقد كان السياق المؤسِّس لهذا المشروع جملة من المواقف السياسية والدينية؛ فقد اعترضت الأولى أحلامَ ابن حزم السياسية التي راودته مطلعَ حياته، وأجّجت الثانيةُ طموحاتِه الإصلاحية العلمية بعد مغادرته دهاليز السياسة، فأقبل على العلم الشرعي باعتباره البوابة التي سينفذ من خلالها إلى كل عقل، صارفا وجهه عن كل مطمع سياسي ومنصب دنيوي. وغايتنا في هذا المقال أن نعرض لك جانبا من سيرة هذه الشخصية الاستثنائية، متناولين أسباب نبوغها والسياق التاريخي والعلمي لمشروعها الإصلاحيّ الذي وقفت عليه حياتها لإحياء مرجعية نصوص الشرع؛ فلعل في سيرة هذا الإمام بوصلة هادية للعيش في زمننا هذا الذي يطبعه تيه سياسي وعلمي يكاد يطابق ما واجهه هو في عصره! شروق من الغرب قبل ساعة من شروق شمس نهار آخر يوم برمضان سنة 384هـ؛ شهدت قرطبة ميلاد "شمس العلوم" علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت 456هـ) القائل: أنا الشمس في جوّ العلوم منيرةً ** ولكنّ عيبي أن مطلعي الغرب! كانت طفولته عيدًا ممتدًا؛ فقد نشأ في بيت وزارة وفضل، فوالده أحمد بن سعيد "الوزير المُعَقَّل في زمانه الراجح في ميزانه" -كما يصفه ابن بسام الشنتريني (ت 542هـ) في كتابه ‘الذخيرة‘ نقلا عن ابن حيان الأندلسي (ت 469هـ)- كان مشهورًا بالفضل والأدب، ووزيرا عظيم الجاه في بلاط مدبِّر الخلافة الأموية بالأندلس المنصور بن أبي عامر (ت 382هـ). ولا نعرف عن أمِّه كبير شيء، فلم يحدثنا أبو محمد عنها، ومردُ ذلك في تقديرنا ما باح لنا به -في ‘طوق الحمامة‘- متحدثا عن "غيرة شديدة طُبعتُ عليها". وكذلك كان الحال مع زوجته وأخواته، فلم نقف في كتبه على ذكر لهنّ. وهذه من عجائب المفارقات عند أبي محمد الذي نشأ -حسبما يقوله- في حجور النساء مكتفيًا بمجالسهنّ عن مجالس الرجال، حتى فار شبابه ونبت شعر وجهه فصحب أبناء جنسه. أما نسبه فيخبرنا ابن حزم أنه من سلالة فارسيّة، بيد أن ابن حيان الأندلسي (ت 469هـ) لم يقنع بما أخبر به أبو محمد عن نفسه؛ فقال -فيما نقله عنه الشنتريني المتقدم- إنه "كان من غرائبه انتماؤه لفارس واتّباع أهل بيته له في ذلك بعد حقبة من الدهر..، فقد عهده الناس خامل الأبوّة مولّد الأرومة (= الأصل) من عَجَم لَبْلَة (= مدينة كانت تابعة لإشبيلية).. فكيف ينتقل من رابية لبلة إلى قلعة إصْطَخْر بفارس!". ولكن الذهبي (ت 748هـ) -في ‘سير أعلام النبلاء‘- والمقّري (ت 1041هـ) -في ‘نفح الطيب‘- أثبتا له النسب الفارسي، ولم يرفعا بما قاله ابن حيان رأسًا. نشأ أبو محمد في قرطبة وهي آنذاك عاصمة الدنيا في الترف والتحضّر، كما كانت حينها "أكثر بلاد الأندلس كُتبًا، وأهلها أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب، وصار ذلك عندهم من آلات التعيُّن (= الوجاهة) والرياسة"؛ كما يقول المقري. فأقبل ابن حزم على تحصيل العلوم والمعارف يدفع نهمته للعلم بالمطالعة، ودع عنك ما يقوله الناس من أنه لم يطلب العلم إلا بعد السادسة والعشرين، فهذا وهمٌ واضح يدل عليه قول الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- إنه تتلمذ على الإمام المحدِّث أبي عمر ابن الجَسور الأموي (ت 401هـ)، ويعزو إلى ابن حزم قولَه عنه: "هو أول شيخ سمعتُ عليه قبل [سنة] الأربعمئة"، فهذا نص صريح منه على أنه تتلمذ على الشيوخ حتى قبل بلوغه السادسة عشرة! ثم إن جمعه لكافة فنون العلوم التي تقدم فيها أهل الأندلس قاطبة لا يتأتّى معه تصديق هذه الرواية الغريبة عن بدايته الدراسية المتأخرة، على أن أبواب المعرفة ليست محصورة على رواية الحديث ودراسة الفقه، وخاصة في بلاد الأندلس التي كان أهلها يقدمون حفظ القرآن والشعر وإتقان معارف اللغة على الفنون الأخرى. ولم يكن ابن حزم في ذلك بِدْعًا من أبناء وطنه؛ فقد أخبرنا بنفسه أنه تلقى بداية المعارف الإسلامية الأولى من جواري قصر والده الوزير، وفي ذلك يقول: "وهنّ علمنني القرآن، وروّيْنني كثيرا من الأشعار، ودرّبْنني في الخط". وفي هذا النص تجد نافذةً تُطلُّ منها على حالة أهل الأندلس الثقافية، وترى شيوع الثقافة داخل الدور وبين ربات الخدور! كان أبو محمد منجمَ مواهب وروضة علوم؛ ولعل خير من عبّر عن سعة معارفه هو تلميذه النابغة القاضي والمؤرخ صاعد الأندلسي (ت 462هـ) الذي قال في تاريخه حسبما نقله عنه الذهبي في ‘السِّيَر‘: "كان ابن حزم أجمعَ أهلِ الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعَهم معرفة، مع توسّعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسِّيَر والأخبار…، أخبرني ابنه الفضل (ت 479هـ) أنه اجتمع عنده بخط أبيه.. من تواليفه أربعمئة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة"! ومع مآخذ ابن تيمية (ت 728هـ) على ابن حزم؛ فإنه يشهد له -في ‘مجموع الفتاوى‘- بأن "له من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا مكابر، ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال، والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره"!! كما نعته الذهبي (ت 748هـ) بأوصاف عديدة جامعة بينها أنه "الإمام الأوحد، البحر، ذو الفنون والمعارف.. الفقيه، الحافظ، المتكلم، الأديب، الوزير…، كان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن، وسعة العلم بالكتاب والسنة والمذاهب والمِلَل والنِّحَل، والعربية والآداب والمنطق والشعر، مع الصدق والديانة.. والسُّؤْدد والثروة وكثرة الكتب". وقد علق عبد الواحد المراكشي (ت 647هـ) -في كتابه ‘المُعْجِب‘- على كلام صاعد هذا بعد أن عزا مضمونه إلى "غير واحد من علماء الأندلس"؛ فقال عن حجم تصانيف ابن حزم: "وهذا شيء ما علمناه لأحد ممن كان في مدة الإسلام قبله، إلا لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ)، فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفًا". ويضيف المراكشي: "ولأبي محمد بن حزم هذا منصب وافر من علم النحو واللغة وقسم صالح من قرض الشعر وصناعة الخطابة"؛ ولعل براعته في الخطابة من "بركات" صحبته للنساء، فقد ذكر رئيس وزراء بريطانيا بينجامين دزرائيلي (ت 1881م) -في مذكراته- أنه سُئل عن سرِّ فصاحته وبراعته في الخطابة، فقال لسائله: عليكَ بصحبة النساء! مفاتيح نبوغ يمكن تلخيص مفاتيح نبوغ ابن حزم في ثلاثة أسباب هي: الاستعداد الفطري لقوة حافظته وتعلُّق همته بالعلم؛ ثم التفرّغ لتحصيله؛ ثم البيئة العلمية الحافزة. أما حافظته فيصفها المؤرخ الأندلسي إليسع بن حزم الغافقي (ت 575هـ) فيقول: "أما محفوظه (= ابن حزم) فبحر عجّاج، وماء ثجّاج، يخرج من بحره مرجان الحِكَم..، ولقد حفظ علومَ المسلمين وأربى على أهل كل ملة ودين". ولم يكن أبو محمد مكتفيًا بهذه الموهبة الإلهية، بل ظل متعهدًا لها متعاطيًا للأغذية المساعدة على تقوية الحافظة. قال أبو الخطاب ابن دحية (ت 633هـ) حسبما يرويه عنه الذهبي: "كان ابن حزم قد برِص من أكل اللُّبان وأصابته زَمانة (= مرض مزمن)"، كما عزا إلى الإمام الغزالي (ت 505هـ) إعجابه بابن حزم وشهادته له بـ"عِظَم حفظه وسيلان ذهنه"! على أن ثقة ابن حزم في حافظته كانت تدفعه أحيانا إلى التسرع في أحكامه على رجال الحديث جرحا وتعديلا؛ ولذلك يقول عنه الحافظ ابن حجر (ت 852هـ) -في ‘لسان الميزان‘- إنه "كان واسع الحفظ جدا، إلا أنه لثقته بحافظته كان يَهجُم على القول في التعديل والتجريح وتبيين أسماء الرواة، فيقع له من ذلك أوهام شنيعة". وهنا نورد لك خبرين لهما دلالة واضحة على اتساع محفوظ ابن حزم وشغفه بالعلم؛ فقد قال في إحدى رسائله: "كنتُ معتقلًا (بين أواخر 414هـ وأوائل 415هـ) في يد [الأمير الأموي] الملقَّب بالمستكفي محمد بن عبد الرحمن (ت 417هـ) في مُطْبِقٍ (= سجن)، وكنت لا آمن قتلته، لأنه كان سلطانًا جائرًا عاديًا قليل الدين كثير الجهل..، وكنتُ مفكرًا في مسألة عويصة.. كثر فيها الشغب قديما وحديثا في أحكام الديانة..، فطالت فكرتي فيها أيامًا وليالي إلى أن لاح لي وجهُ البيان فيها..، فبالله الذي لا إله إلا هو.. لا يجوز القسم بسواه: لقد كان سروري يومئذ -وأنا في تلك الحال- بظفري بالحق فيما كنت مشغول البال به..، أشدَّ من سروري بإطلاقي مما كنت فيه"!! فهذا مقدار كَلَفِه بالعلم واستمتاعه بممارسته، حتى إنه ليقدم لذته على لذة الحياة والحريّة! أما عن اتساع ذاكرته وكثرة محفوظاته؛ فيكفي في جلائه حفظُه -وهو الفارسي العرق- لأنساب العرب، بحيث استطاع أن يرسم خريطة نَسَبِية توضح -كما يقول في ‘جمهرة أنساب العرب‘- قوة "تواشج أرحام العرب" بجميع قبائلهم وعشائرهم. وفي إحاطته بنسب بني أمية منهم خبرٌ في غاية الغرابة، سجله لنا بقوله -في مقدمة ‘الجمهرة‘- مبينا الأهمية العملية لعلم النَّسَب: "لمّا مات بقرطبة محمد بن عُبيد الله (ينتهي نسبه إلى مروان بن الحكم الأموي ت 65هـ).. ورّثتُ أنا مالَه محمدَ بن عبد الملك بن عبد الرحمن.. بالقُعْدُدِ (= أقرب القرباء الموجودين إلى الميت) ودفعته إليه..، وما كان عند محمد بن عبد الملك هذا علمٌ بأنه مستحق لهذا المال..، فلولا علمي بالنسب لضاع هذا المال". لقد استكمل ابن حزم رحمه الله أدوات العلم بقوة حافظته وتوفُّر همته على التوسع فيه، فراح ينهل من مَعين مكتبات قرطبة مستعيضا بمطالعاته فيها عن الرحلة في طلب العلم، فحصّل بذلك علمًا وفيرًا ومتنوعا، ولم يترك فرعًا من فروع المعرفة الإسلاميّة إلا وخصّه بتأليف أو رسالة، حتى صار أكثر المؤلفين من علماء الإسلام تصنيفا حتى عصره؛ حسب شهادة المراكشي المتقدمة. ولم تكن مطالعاتُ ابن حزم مطالعاتِ طالبٍ للتسليّة، وإنما مطالعات باحثٍ منقِّب ودارسٍ محقِّق، حتى إننا نراه في اطلاعه على كتب أهل الديانات قد انتهى به الضبط إلى الاحتجاج بنصوصها على أتباعها، ولذا يرى المستشرق الإسباني آسين بلاثيوس (ت 1944م) أن ابن حزم سبق الأوروبيين ببضعة قرون إلى دراسة تاريخ الأديان الذي لم يُعرف في الغرب إلى في منتصف القرن التاسع عشر. ومن نماذج محاججته لهم بكتبهم ما جاء في رده -ضمن كتابه ‘الفصل‘- على إسماعيل ابن النغريلة اليهودي (ت 448هـ) حين ناقشه في قول نبي الله إبراهيم -عليه السلام- للنمرود عن زوجته سارة إنها "أخته"، فقد فنّد ابن حزم ما ذهب إليه ابن النغريلة من أن الأخت هنا يُقصد بها القرابة لا الأخوّة، ورد عليه قائلا: "يَمنع من صرف هذه اللفظة إلى القريبة ها هنا قوله (= إبراهيم فيما رُوي عنه في التوراة): لكنـ[ـها] ليست من أمي وإنما هي بنت أبي. فوجب أنه أراد الأخت بنت الأم..، فخلّط [ابن النغريلة] ولم يأتِ بشيء"! ولم يكتف ابن حزم بمطالعة كتب الأوائل بل تعدى نهمُه المعرفيّ إلى مطالعة كتب خصومه التي لم يكن يرى فيها تأصيلًا ولا قوة استدلال، حيث يقول في إحدى رسائله: "فلعمري ما لشيوخهم (= أصحاب المذهب المالكي) ديوان مشهور مؤلَّف في نصِّ مذهبهم إلا وقد رأيناه". أما معرفة السُّنة التي هي أسّ مذهبه؛ فقد حاز قصب السبق فيها حتى قال: "وقد جمعنا.. صحيح أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمهور ما رواه المستورون ممن لم يبلغوا مبلغ أن يُحتجّ بنقلهم، هذا أمر نهتف به ونعلنه على رغم الكاشح (= العدوّ) وصَغار وجهه، فمن استطاع إنكارًا فليُبرز صفحته، وليناظر مناظرة العلماء". تفرغ كامل وأما تفرغه للعلم درساً ومدارسة ومناظرة وتصنيفا فكان من أكبر عوامله السياق السياسي في الأندلس حينها؛ ففي ذي القعدة سنة 414هـ أُعدِم "الخليفة" الأموي المستظهر عبد الرحمن بن هشام -حفيد عبد الرحمن الناصر (ت 350هـ)- بعد أن دامت "خلافته" شهرين "وَزَرَ له [فيهما] ابنُ حزم الظاهري"، كما يقول الذهبي في ‘السِّيَر‘. وهنا انتهت طموحات ابن حزم السياسية التي أوصلته إلى منصب "الوزير" الذي كان أيامها يعادل في الصلاحيات التنفيذية منصب "رئيس الوزراء" اليوم، وأقبل على العلم للتدريس وإعلاء ما اندرس من منار الشرع. وها هنا مسألة لا بد أن نعرض لها وهي السرّ وراء انكماش ابن حزم عن السياسة رغم كونه من بيت تدبير ووزارة؛ فقد كان يرى في استمرار خلافة بني أميّة استمرارًا لوحدة المسلمين السياسية في الأندلس، وباختلال أوضاعها -بدءا من سنة 399هـ- طالع ابنُ حزم أشياء في الحياة السياسية نفّرته من الانشغال بها، وخاصة بعد فشل آخر محاولة لاستعادة الحكم الأموي مع صاحبه المستظهر، فدفعه القنوط من الإصلاح السياسيّ إلى تكريس حياته للإصلاح العلمي بشتى صنوفه. ومما عزز ذلك لديه أن الأندلس عمّها التشظّي السياسي في زمن ملوك الطوائف (422هـ-484هـ)، واستتبع الفسادُ السياسي -رغم ما رافقه من ازدهار للعلوم والآداب- فسادًا مماثلا في مواقف بعض العلماء؛ فهذا ابن حيان الأندلسي المعاصر لابن حزم يحكي لنا المشهد العلمي كما يراه، فيقول فيما يرويه عنه الشنتريني في ‘الذخيرة‘: "ولم تزل آفة الناس -مذ خُلقوا- في صنفين منهم، هم كالملح فيهم: الأمراء والفقهاء..، فالأمراء القاسطون قد نكبوا بهم عن الطريق..، والفقهاء أئمتُهم صُموتٌ عنهم، صُدوفٌ (= منصرِفون) عما أكد الله عليهم في التبيين لهم، وقد أصبحوا بين آكل من حلوائهم خائض في أهوائهم، ومُستشعِرٍ مخافتَهم..، وأولئك هم الأقلون". وهنا ملمحٌ مهمّ وهو أن اقتصار فقهاء السلطة على كُتب الفروع في بنائهم العلمي أضعف وازعهم الأخلاقيّ، لبعدهم عن الاشتغال بالنص الشرعيّ الذي ينبض بحمولته الأخلاقيّة. ولعلّ ابن حزم رأى أن في استعادة الاعتبار للنص الشرعي وسلطته استصلاحًا لمن مال من الفقهاء عن طريق التحرّز والورع. ولذلك فإنه فلم يرتضِ لنفسه السير مع أحد فريقيْ الفقهاء السابقيْن، فلم يخالط السلاطين ولا سكت عنهم، بل كان حاسمًا كل الحسم في وصف أحوالهم وبؤس واقعهم هم وعلماؤهم. فها هو -في إحدى رسائله- يخاطب مستمعيه قائلا: "فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزينون لأهل الشر شرهم الناصرون لهم على فسقهم"؛ ثم يحرضهم على مقاطعة الفريقين ومقاومتهم: "فالمخلّص لنا فيها (= الفتنة) الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذمّ جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوتُ أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا؟ فلو اجتمع كل من يُنكِر هذا بقلبه لما غُلبوا" عن إصلاح الأحوال. ونجده يشير لنا -من طرف خفيّ- إلى سبب انكفائه على العلم ومجانبة السياسة بقوله عن انحلال الدولة الأموية: "فهذا أمر امتحنا به نسأل الله السلامة، وهي فتنة سوء أهلكت الأديان -إلا من وقى الله تعالى- من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب. وعمدة ذلك أن كل مدبّر مدينة أو حصن -في شيء من أندلسنا..- محارِبٌ لله ورسوله وساعٍ في الأرض بفساد، للذي ترونه عيانًا من شنهم الغارات على أموال المسلمين..، ضاربين للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطين لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام"! ويستهزئ ابن حزم بهؤلاء الأمراء المتصارعين على شرعية وهمية، فيتحدث -حسب الذهبي في ‘السِّيَر‘- عن "فضيحة [هي وجود]: أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام يسمَّوْن ‘أمير المؤمنين‘ في وقت [واحد]…، فهذه أُخْلوقة لم يُسمع بمثلها"!! ثم يعلن لنا يأسه القاطع من صلاح هؤلاء الانتهازيين المتغلبين على أمور المسلمين فيقول: "والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حُرُم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم..، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعا فأخلوْها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفا من سيوفه"!! وبعد عقدين؛ بدأ تحقق استشراف ابن حزم لمصير قُطره بضياع طليطلة سنة 478هـ، قبل أن تتوالى حلقاته لاحقا بسقوط قرطبة سنة 633هـ. ولا يتوقف ابن حزم عند التشكيك في نيات ومصداقية هؤلاء الساسة، بل يصرح بأن سائر الأموال التي يتوسّعون فيها وينفقونها على وزرائهم والعاملين لديهم إنما هي أموال سُحْت، "وبرهان ذلك أني لا أعلم -لا أنا ولا غيري- بالأندلس درهمًا حلالًا، ولا دينارًا طيبًا يُقطع بأنه حلال". ولذا لا غرابة أن تدفع هذه الأحوال القاتمة ابن حزم للابتعاد عن المسرح السياسيّ ليجدّ في مشروعه الإصلاحي العلمي. وحسبك ثمرة لتفرغه أنه ترك -كما مرّ معنا- آثارا علمية تقدر بثمانين ألف صفحة في أربعمئة مجلد؛ فيا له من أثر، ويا له من تراث!! بيئة طاردة وأما دور البيئة العلمية الحافزة في نبوغه؛ فقد كان ابن حزم يعيش في بيئة طاردة سياسيا ومتعصبة مذهبيا؛ فدفعته بذلك أشد الدفع للإنتاج الفكري متسلحا بأدوات الجدل والمناظرة، فقد كان ذا طبيعة ناريّة تُشحذ حماسته بوجود المخالف، وتنتعش قريحته بحضور المعارض! وقد شاع عنه خبر حدّته وتكلَّم الناس في أسبابها حتى بالغوا في تفسير بعض نصوصه فيها، بل وتكلفوا في أمرها حتى قال ابن حيان إن "أكثر معايبه -زعموا- عند المُنصف له: جهله بسياسة العلم"، أي تركه ملاينة المخالفين! ونحن نوقفك على بعض معالم البيئة الفقهية في الأندلس، وعلى تطرف بعض خصومه من أتباع المذهب المالكي الغالب على البلاد حينها؛ لتضع بعدها حدة ابن حزم وجسارته على خصومه في مكانها، وليستبين لك كيف كان في حدّته إحياءٌ للسنة بين أهل بلد لم تسعفهم هممهم في الوصول للمعين الأوّل للعلم الشرعي، فوقفوا حياتهم على كُتب مالك بن أنس (ت 179هـ) إمام مذهبهم. لقد وظّف حدته لتكون أداة فعّالة لإدارة الصراع مع المالكية، ولولاها لطمره تاريخ الأندلس المكتوب بأقلام خصومه، رغم أن الدقة تقتضي القول بأن طبيعته الناريّة الحادّة كانت تحيد عن السداد، فتنال من المذاهب الأخرى التي لم تكن ظاهرة بالأندلس مثل الحنفية والشافعية، وكذلك سائر الفرق الكلامية. يصف لنا القاضي المالكي عياض اليحصبي (ت 544هـ) -في كتابه ‘ترتيب المدارك‘- بدايات دخول المذهب المالكي إلى الأندلس، وكيف استقر وتم تعميمه بقوة السلطان؛ فيقول: "أما أهل الأندلس فكان رأيهم -منذ فُتحت [البلاد]- على رأي الأوزاعي (ت 157هـ)، إلى أن رحل إلى مالكٍ [تلامذتُه]: زياد بن عبد الرحمن (الملقب ‘شَبَطون‘ ت 193هـ)، وقِـرْعوس بن العباس (ت 220هـ)، والغازي بن قيس (ت 199هـ) ومَن بَعدهم؛ فجاؤوا بعلمه وأبانوا للناس فضله واقتداءَ الأمّة به، فعُرف حقه ودُرّس مذهبه، إلى أن أخذ أمير الأندلس -إذ ذاك- هشام بن عبد الرحمن [الداخل] بن معاوية (ت 180هـ).. الناس جميعًا بالتزامهم مذهب مالك، وصيّر القضاء والفتيا عليه". ويبدو أن اعتماد الأمويين لمذهب إمام المدينة النبوية مذهبا رسميا لدولتهم بالأندلس لم يكن يخلو من مناسبة سياسية يعززها تزامنه مع بداية ارتباط مذهب الحنفية بدولة بني العباس؛ فقد نمى إلى علم هشام المذكور أن الإمام مالكًا كان له مَيلٌ إليه لما سمعه من جميل سيرته من أحد تلاميذه الأندلسيين، وكان هشام -كما يقول الذهبي في ‘السِّيَر‘- "ديّناً ورعاً.. ويعدل في الرعية"؛ فقال مالك: "نسأل الله أن يزيّن حرَمَنا بمثله" من الملوك. ثم تكتمل الخلفية السياسية للترسيم النهائي للمالكية مذهبا للدولة باستحضارنا لآثار الصدام المسلح بين النظام الأموي وبعض كبار فقهاء المالكية، والذي بلغ ذروته بـ"ثورة الربض" سنة 202هـ التي حَسم فيها الأميرُ الحَكَم بن هشام (ت 206هـ) الصراعَ لصالح النظام، ثم رأى خليفتُه ابنُه عبد الرحمن بن الحكم (ت 238هـ) أن يحتوي الأمر بعقد تحالف جديد أعمق بين الدولة وأصحاب المذهب الفقهي الغالب. وهكذا صارت الدعوة إلى الالتزام بمذهب مالك جزءًا من هُوُّيّة الدولة، فاكتسب بذلك نوعًا من ‘الحصانة الدستورية‘ حتى إنهم "حمَوْهُ بالسيف عن غيره جملة"؛ كما يقول عياض. وظل تشدد السلطة الأموية بالأندلس في التمسك بالمذهب المالكي يتصاعد بتطرف حتى أصبح من يحيد عنه يوصف بأنه ضالٌّ مبتدع؛ فالقاضي عياض يقول إن الأمير الحَكَم المستنصر (ت 366هـ) كتب رسالة جاء فيها أن "كلّ مَن زاغ عن مذهب مالك فإنه ممن رِينَ (= طُبِع) على قلبه، وزُيِّن له سوء عمله"!! وقد لاحظ ابن حزم أن المذهب المالكي لم يتخذ طريقا طبيعيا نحو اعتناق الأندلسيين له، بل كان فرضًا بسلطان الدولة؛ وفي ذلك يقول بنبرته الجازمة المعهودة: "مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة (ت 150هـ) فإنه لما ولِي قضاءَ القضاة أبو يوسف (ت 182هـ) كانت القضاة من قِبَله، فكان لا يولّي قضاء البلاد -من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال أفريقية (= تونس)- إلا أصحابه المنتمين إلى مذهبه [الحنفي]؛ ومذهب مالك بن أنس عندنا، فإن يحيى بن يحيى (الليثي ت 234هـ) كان مكينًا عند السلطان مقبول القول في القضاء، فكان لا يلي قاضٍ في أقطارنا إلا بمشورته واختياره، ولا يشير إلا بأصحابه ومن كان على مذهبه". ولذلك لم يسلم أتباع المذاهب الفقهية من مضايقات فقهاء مالكية الأندلس النافذين حكوميا؛ فهذا الإمام الحافظ ابن الفرضي (ت 403هـ) يحكي لنا -في ‘تاريخ علماء الأندلس‘- كيف كانت تتم دعوة فقهاء المذاهب المختلفة إلى نبذ مذاهبهم والانتقال إلى مذهب الدولة؛ فيقول إن الفقيه القرطبي أبا كنانة زهير بن مالك البَلَوِي (ت نحو 239هـ) "كان فقيها على مذهب الأوزاعي على ما كانت عليه أهل الأندلس قبل دخول بني أمية..، وأن عبد الملك بن حبيب (رأْس المالكية بالأندلس ت 238هـ) كان يعذل (= يلوم) أبا كنانة على انحرافه عن مذهب أهل المدينة وتمسكه برأي الأوزاعي"! تقليد مطبق وقد يقول قائل إن الاقتصار على مذهب مَرْضِيّ من مذاهب الإسلام -كمذهب مالك- ليس فيه شناعة تستوجب أن يَبري لها ابن حزم أقلامه ويُفوّق سهامه. وقائل هذا يُجاب بأن الصورة لم تكتمل لديه، فالأمر لم يتوقف عند نصرة مذهب ومعاداة سواه، وإنما خالطه إهمال للحديث عند فقهاء المالكية النافذين سلطويا، واحتفاء بكُتب الفروع على حساب كُتب السُّنة، وسنبيّن لك هذا باستعراض لبعض رؤوس المذهب المالكي بالأندلس، وبيان ضعف بضاعتهم في الحديث بشهادة كبار زملائهم في المذهب. فهذا قِرعوس بن العباس -وهو من أوائل من حمل عن مالك عِلمَه إلى الأندلس- يقول عنه ابن الفرضي: "وكان علمُه المسائلَ على مذهب مالك وأصحابه، ولا علم له بالحديث". وهذا يحيى الليثي الذي انتهت إليه رئاسة المذهب في الأندلس، وكان ممن وطّد للمالكية علاقتهم بالسلطة؛ يقول عنه الحافظ ابن عبد البر المالكي (ت 463هـ) إنه "انتهى السلطان والعامة إلى رأيه…، ولم يكن له بصرٌ بالحديث"! وكأن الذهبي لم يعجبه هذا الحكم المطلق على راوي ‘الموطأ‘ الأشهر عن مالك؛ فقال معلقا: "قلت: نعم؛ ما كان من فرسان هذا الشأن، بل كان متوسطا فيه". وهذا عبد الملك بن حبيب -وهو وريث يحيى الليثي في رئاسة المذهب وصاحب كتاب ‘الواضحة‘ المحتفى به لدى مالكية الأندلس- يقول عنه ابن الفرضي: "لم يكن لعبد الملك بن حبيب عِلمٌ بالحديث ولا كان يعرف صحيحه من سقيمه". وقد نقل الإمام المالكي عياض -في ‘ترتيب المدارك‘- شهادة ابن الفرضي هذه في ابن حبيب دون تعليق فكأنه مُقرّ بصحتها. وكذلك كان أصبغ بن خليل القرطبي (ت 273هـ) وقد دارت عليه الفتيا بالأندلس خمسين عامًا؛ يقول عنه ابن الفرضي: "لم يكن له علم بالحديث ولا معرفة بطرقه، بل كان يباعده ويطعن على أصحابه". وقال عنه ابن عبد البر -فيما رواه عياض- إنه "كان معاديًا للآثار، ليس له معرفة بالحديث، شديد التعصب لرأي مالك وأصحابه، ولابن القاسم (العُتَقي ت 191هـ) من بينهم". وقد سعى فقهاء المالكية بمحدّث الأندلس بَقِيّ بن مَخْلَد (ت 276هـ) لدى السلطان، وما زالوا يُغْرونه به حتى اتهموه بالزندقة وحرضوا على قتله، هذا وهو حامل سنة النبي (ص) إلى أهل الأندلس، ومَن يسميه الذهبي بـ"شيخ الإسلام صاحب التفسير والمسند اللذيْن لا نظير لهما". ويرسم لنا الرحالة المقدسي البشاري (ت 380هـ) -في ‘أحسن التقاسيم‘- حدود معارف الأندلسيين بمصادر التشريع في زمنه؛ فيقول: "أما في الأندلس فمذهب مالك [هو المعتمَد]، وهم يقولون: لا نعرف إلا كتاب الله وموطأ مالك، فإن ظهروا على حنفي أو شافعي نفوْه، وإن عثروا على شيعي أو معتزلي ربما قتلوه"! وقد كان ابن حزم يعيّر خصومه من فقهاء المالكية بضعفهم في الحديث، فيقول معلقا على طعنهم في أسانيد بعض الأحاديث: "أما قولهم: لِوَهْنٍ في طريقه (= ضعف سنده) فلم يصحّ، فهذا علمٌ ما يُدرى منهم أحدٌ يَدري فيه كلمةً فما فوقها"! ويقول راداًّ على اتهامهم له بضعف علمه بالحديث: "أما قولهم عنا بضعف الرواية والتعرّي من الشيوخ، فلو كان لهم عقول لأضربوا عن هذا، لأنهم ليسوا من أهل الرواية فيعرفوا قويها من ضعيفها، ولا اشتغلوا بها قطّ ساعة من الدهر، وما يعرفون إلا المدونة على تصحيفهم لها"! وهذا القاضي ابن العربي (ت 543هـ) يحكي حالهم وهو نجم في سماء المذهب المالكي: "فصار التقليد دِينَهم والاقتداء يقينهم، فكلما جاء أحد من المشرق بعلم.. حقّروا من أمره إلا أن يتستر عندهم بالمالكية"، ثم يضيف: "فألزموا الناس العمل بمذهب مالك…، واستمرت القرون على موت العلم وظهور الجهل، فكلّ من تخصَّص لم يقدر على أكثر من أن يتعلَّق ببدعة الظاهر (= المذهب الظاهري)…، ثمَّ حدثت حوادث لم يَلْقَوْها في منصوص المالكية فنظروا فيها بغير علم فتاهوا..، ولولا أن طائفة نفرت إلى دار العلم [بالمشرق] وجاءت بلُباب منه -كالأصيلي (ت 392هـ) والباجي (ت 474هـ)- فرشّت من ماء العلم على القلوب الميتة وعطرت أنفاس الأمّة الزفِرة؛ لكان الدين قد ذهب"!! والإنصاف يقضي بأنه كان على القاضي ابن العربي أن يذكر ابنَ حزم -وهو شيخ والدِه وزيرِ مملكة بني عباد وسفير دولة المرابطين إلى الخليفة العباسي ببغداد- في عِداد من أحيا مواتَ الأندلسيين؛ فقد شيّد أبو محمد بناء مدرسة الأثر بكتابه ‘المحلَّى بالآثار‘ وسوّرها بـ‘إحكام أصول الأحكام‘ فأعاد بذلك الاعتبار إلى السنّة المشرَّفة، ومع ذلك فـ"لم ينصف القاضي أبو بكر.. شيخَ أبيه في العلم ولا تكلم فيه بالقسط"؛ كما يقول الذهبي. تعصب بالغ ومن هنا ينبغي تناول مشروع ابن حزم الإحيائي في هذا السياق المعتم من تطفيف خصومه في حقه، وتسلّط أصحاب الفروع والتقليد على المجتمع المسلم بالأندلس، وإهمالهم للأصول الشرعية التي لها وحدها صبغة الإلزام؛ فردَّ بمشروعه الاعتبارَ للأصول، وفتح باب الاجتهاد بعد إغلاقه جراء فُشُوّ التقليد، وبالغ في توسيعه حتى أدخل فيه كل مسلم. يقول البعض: "كان لسان ابن حزم وسيف الحَجّاج شقيقيْن" ويتخذون من هذا مطعنًا عليه، والواقع أن لسان ابن حزم كان يواكبه تعصب مذهبي متسلح بسيف الحجّاج المتمثل في السلطة، وقد لاحظ الذهبي -في السِّيَر‘- الصلة بين الأمرين، فقال إن ابن حزم "تعصَّب عليه المالكية لطول لسانه ووقوعه في الفقهاء الكبار"! لكن ما عسى أن يصنع صاحب الرسالة الإصلاحية إذا كانت كفة القوة تميل لخصمه، لقد وجد ابن حزم في النضال العلمي سبيلًا لإصلاح ما أفسده النافذون من فقهاء الأندلس الذين وصفهم هو بأنهم "بُكمٌ إذا ضمَّنا وإياهم مجلس، فإذا غابوا أتوْا بمثل هذه البلاغم العَفِنة المُضحِكة"! لقد لقي ابن حزم عَـنَـتًا من متعصبي فقهاء عصره، وصار طلابه يستخْفون بنسبتهم إليه؛ فهذا أحد مريديه يكتب إليه -في رسالة ‘الهاتف من بعيد‘- طالبا منه ألا يكشف أمره أو يصرح باسمه في رده على رسالته وسؤاله، فقد صاروا "غرباء بين المتعصبين"؛ كما يقول هو في رسالة ‘البيان عن حقيقة الإخوان‘. ويبدو أن ابن حزم أدرك مع اكتهاله أنه ينبغي أن يغير إستراتيجيته، ويخرج من بين ظهراني خصومه إلى منطقة محايدة يشتغل فيها بالبناء والتدريس، فتوجه في سنة 430هـ إلى جزيرة مَيورْقَة شرقي الأندلس ليستقر في كَـنَـف وزيرها أحمد بن رشيق (ت بعد 440هـ)، نازحًا عن مناطق الصراع وغلبة الخصوم بقرطبة ونظائرها من الحواضر الكبرى. وقد عاد هذا القرار بالخير على مذهبه، إذ تخرج على يديه من أهالي ميورقة من سيحمل مذهبه إلى المشرق ويطير باسمه في الآفاق، ذلكم هو تلميذه الحُميدي الأَزْدي (ت 488هـ) الذي "اختص به وأكثر عنه وشُهِر بصحبته"؛ كما يقول ابن بَشْكُوال (ت 578هـ) في كتابه ‘الصلة‘. لكن عداوة فقهاء المالكية له لم تهدأ بنجاحهم في إبعاده عن قرطبة؛ فقد بلغه -وهو بميورقة- خبرُ إحراق أمير إشبيلية المعتضد بن عباد (ت 461هـ) لكتبه بتحريض من هؤلاء الفقهاء. ثم لما توفي الوزير ابن رشيق عاد فقهاء المالكية إلى مطاردته وتشريده، و"طفق الملوك يُقْصونه عن قربهم ويسيّرونه من بلادهم، إلى انتهوا به إلى مُنقطَع أثَرِه بتُربة بلده بادية لبلة..، وهو في ذلك غير مُرْتَدِع ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه فيمن ينتابه من بادية بلده من عامة المقتبسين، منهم من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة، يحدثهم ويفقههم ويدربهم، ولا يدع المثابرة على العلم، والمواظبة على التأليف"؛ حسب الشنتريني. على أن أجواء الصراعات العلمية التي خاضها ابن حزم لم تمنعه من إنصاف خصومه والاعتراف بمزاياهم؛ فالذهبي يروي -في ‘السِّيَر‘- قوله في أحدهم: "ما لقيت أشد إنصافا في المناظرة من [الفقيه القاضي] ابن بشر (المعروف بابن غرسيَّة ت 422هـ)، ولقد كان مِن أعلم مَن لقيته بمذهب مالك، مع قوته في علم اللغة والنحو ودقة فهمه". وكذلك فعل مع مجادله الأشهر الباجي؛ فقد حكى الشنتريني أن ابن حزم "كان يقول: لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب (البغدادي ت 422هـ) مثل أبي الوليد الباجي! وقد ناظره بميورقة ففلَّ من غَرْبه..، ولكن أبا محمد وإن كان اعتقد خلافَه فلم يطرح إنصافَه"! بل إنه ذكر -في كتابه ‘الفصل‘- ما يشير لاستفادته من الباجي آراء عقدية لبعض الفرق الكلامية! استثناء حميد لم يخلُ مشهد الصراع بين ابن حزم وفقهاء المالكية من حلقات وصل بين الطرفين، تراوحت بين الصداقة الحميمة واللقاء العلمي الساخن في مجالس المناظرة الحافلة بالجمهور؛ فمن أمثلة الأولى علاقة الودّ العميقة التي ربطت ابن حزم بابن عبد البر اللذين جمعتهما وشائج عدة ربما جعلتهما يخدمان مشروعا إصلاحيا واحدا وإن بأساليب منوّعة. فقد جمعت بينهما زمالةٌ في طلب العلم على شيوخ مشترَكين، واعتناقٌ خاطف منهما للمذهب الشافعي، وتمذهبٌ مؤقَّت لابن عبد البر بالمذهب الظاهري، وعنايةٌ عظيمة منهما بالحديث جعلتهما إمامين فيه غير منافَسيْن بقُطرهما؛ فقد ذكر الذهبي أن ابن عبد البر "كان ينبسط إلى أبي محمد.. ويؤانسه، وعنه أخذ ابن حزم فن الحديث..، كان أبو عمر أعلم مَن بالأندلس في السنن والآثار..، وكان في أول زمانه ظاهري المذهب..، كان كثيرا ما يميل إلى مذهب الشافعي". ولذلك لا غرابة إنْ قرن الذهبي -في ‘السِّيَر‘- بين الرجلين في التميز العلمي على مستوى العالم الإسلامي؛ فقد نقل قولَ العز بن عبد السلام (ت 660هـ): "ما رأيت في كُتب الإسلام في العلم مثل ‘المحلَّى‘ لابن حزم، وكتاب ‘المُغْني‘ للشيخ موفق الدين (المقدسي ت 620هـ)"؛ ثم أضاف الذهبي: "قلت: لقد صدق الشيخ عز الدين. وثالثهما: ‘السُّنن الكبير‘ للبيهقي (ت 458هـ)، ورابعها: ‘التمهيد‘ لابن عبد البر". ويلفت النظر هنا أن ثلاثة من الأربعة اشتركوا في عصر واحد، يمثله عُمُر البيهقي (384-458هـ) المضاهي قدراً لعمر ابن حزم! وأما المناظرات العلمية فأشهرها ما جرى بين ابن حزم وأبي الوليد الباجي -وقد جمعهما التتلمذ على شيوخ منهم "شيخ الأندلس" ابن مغيث القرطبي (ت 429هـ)- من "مناظرات ومنافرات" -وفق تعبير الذهبي في ‘السِّيَر‘- في بلاط ابن رشيق. وقد وجد الباجي -الذي كان رحل إلى المشرق فاستوعب حصيلة معارف أهله في العقليات والنقليات وتمرّن على فن المناظرات- العونَ من زميله في المذهب والطلب أبي عبد الله الميورقي (ت نحو 460هـ)، فقررا القضاء على تفرد ابن حزم بالمشهد العلمي فـ"تظافرا معا وناظرا ابن حزم فأفحماه وأخرجاه، وهذا كان مبدأ العداوة بين ابن حزم والباجي". وبالطبع لا يمكن للباحث التسليم بدعوى الإفحام هذه لغياب النصوص الكاملة لهذه المناظرات. وبقدر ما كانت هذه المناظرات سببا في عزلة ابن حزم عن المجال العام؛ كانت مدخلا واسعا للباجي نحو هذا المجال الذي سرعان ما احتلّ فيه مكانة عظيمة لنجاحه في أمور ثلاثة: أولها تحييد رأس "الظاهرة الحزمية" في الأندلس عن الصدارة، وثانيها جمعه بين علوم الأثر ومذاهب الرأي في الفقه والعقائد، وثالثها الصلة القوية بجميع سلاطين الأندلس. ومع كل ما تقدم من مظاهر الصراع بين ابن حزم وخصومه؛ فإننا نرى لدى هذا الإمام ميلًا لجمع الكلمة وأن خصومته للفقهاء ليست عداوة لأتباعهم. فها -في ‘رسالة الإمامة‘- يجيب مَن سأله عن صحة صلاة المرء خلف إمام لا يدري مذهبه الفقهي بما يحقق وحدة المسلمين؛ فيقول: "إن البحث عن مثل هذا أحدثه الخوارج فهي التي كشفت الناس [عن] مذاهبهم وامتحنتهم في ذلك…، وما امتنع قط أحد من الصحابة.. ولا من خيار التابعين من الصلاة خلف كل إمام صلَّى بهم". ثم يختم فتواه بعبارة تبيّن لنا أنه كان يرى أن القيام بمشروعه الإصلاحي متعيِّنٌ عليه، وأنه لم يطلبه لشهوةِ شهرةٍ أو خصومةٍ أو رئاسةٍ، فيقول: "اللهُ يعلم أني غير حريص على الفتيا، ومَن عَلِمَ أن كلامه من عمله -مُحْصًى له مسؤول عنه- قلّ كلامُه بغير يقين". وليس أبلغ في الدلالة على إحساس ابن حزم بنُبْل وأهمية مشروعه الإصلاحي من قوله الذي حكاه عنه أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ) -في تفسيره ‘البحر المحيط‘- نقلا عن تلميذه الحافظ الحُميدي؛ وهو: "الحظّ لمن آثر العلم وعرف فضله أن يستعمله جهده ويقرئه بقدر طاقته ويحققه ما أمكنه، بل لو أمكنه أن يهتف به على قوارع طُرُق المارّة ويدعو إليه في شوارع السابلة وينادي عليه في مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه ويُجري الأجور لمقتبسيه ويُعظم الأجعال (= الجوائز) للباحثين عنه ويُسني مراتب أهله، صابرا في ذلك على المشقة والأذى؛ لكان ذلك حظا جزيلا وعملا جيدا وسعدا كريما وإحياء للعلم، وإلا فقد دَرَس وطُمس ولم يبق منه إلا آثار لطيفة وأعلام داثرة"!! لم يكن ابن حزم يعيش ترفًا فكريًا؛ فقد كان يرى في حياته مشروع إصلاح لاستنقاذ الشريعة من كتب الفروع الجامدة، وإعادة الناس إلى هدْي نصوص الوحي، ولعله لم يقصد أن يقوده طبعه وحدّته إلى الخصومات، وإنما وظّف بعض طباعه في معركة حياته، وشتّان بين الأمرين. وقد تركَ لنا -في رسالته ‘الأخلاق والسِّيَر في مداواة النفوس‘- ما يشير إلى مذهبه وأنه لم يتخذه ترفًا وافتعالًا؛ فقال: "وإياك ومخالفة الجليس ومعارضة أهل زمانك فيما لا يضرّك في دنياك ولا في أخراك وإن قلّ، فإنك تستفيد بذلك الأذى والمنافرة والعداوة… وإن لم يكن لك بُـدٌّ من إغضاب الناس أو إغضاب الله عزّ وجلّ..؛ فأغضب الناس ونافرهم، ولا تغضب ربك ولا تنافر الحق". انتصار وحصار وفي نهاية مسيرة علمية امتدت أربعة عقود (415-456هـ) بدأت بمأساة رجل دولة محطَّم الأحلام وانتهت بحصيلة معارف وافرة لإمام موسوعي ما زال يثير الاهتمام؛ توفي ابن حزم آخر شعبان سنة 456هـ في قرية ‘منت ليشم‘ ببادية لبلة، تاركاً مذهبًا شهد على انتشاره بالأندلس ألدُّ أعدائه، فهذا القاضي ابن العربي يتحدث -في ‘العواصم من القواصم‘- عن هيمنة مذهب الظاهرية على المشهد العلمي في الأندلس عشية مقدمه سنة 496هـ من رحلته إلى أقطار المشرق؛ فيقول: "حين عودتي من الرحلة ألفيت حضرتي (= مدينتي: إشبيلية) منهم طافحة ونار ضلالهم لافحة"!! ومن المفارقات العجيبة أن المذهب الظاهري -ممثلا في تراث ابن حزم- وجد بعد قرن من وفاته نصيرا سلطانيا له من دولة الموحدين التي أسقطت دولة المرابطين سنة 541هـ، وخاصة في أيام المنصور يعقوب الموحدي (ت 595هـ) الذي يروي المقّري -في ‘نفح الطيب‘- أنه كان معجبا بابن حزم، وأنه وقف يوما على قبره ثم قال: "كل العلماء عيال على ابن حزم"! ولعل هذا الإعجاب هو الذي دفعه إلى "الثأر" لابن حزم من خصومه، فألزم الناسَ بالمذهب الظاهري وأمر سنة 591هـ بحرق كتب فروع الفقه المالكي، ليس في الأندلس فحسب وإنما في بلاد المغرب أيضا. وعن هذه المحرقة يحدثنا شاهدُ عِيان على مشهد منها وقع في فاس، وهو المؤرخ المراكشي الذي يقول في كتابه ‘المُعجِب‘: "أمر [المنصور] بإحراق كتب المذهب [المالكي]..، لقد شهدتُ -وأنا يومئذ بمدينة فاس- يُؤتى منها بالأحمال فتوضع ويُطلق فيها النار…، وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وهذا المقصد بعينه كان مقصدَ أبيه (= أبو يعقوب ت 580هـ) وجده (= عبد المؤمن ت 558هـ)، إلا أنهما لم يُظهراه وأظهره يعقوب هذا". وإثر وفاة المنصور؛ تخلى خلفاؤه عن تراث الدعوة التَّوْمرتية التي اعتنقها آباؤهم، وعادت الدولة إلى اعتماد المذهب المالكي فخضع المذهب الظاهري والميراث الحزمي مجددا لحصار خصومه حتى سقطت الأندلس بالكامل، فابن خلدون (ت 808هـ) يحدثنا -في ‘المقدمة‘- عن وضعية هذا المذهب في عصره قبل قرن من سقوط غرناطة، فيقول: "ثم دَرَس مذهبُ أهل الظاهر اليوم بدروس أئمته وإنكار الجمهور على منتحله، ولم يبق إلا في الكتب المجلدة"! ورغم حياته العاصفة بحروب السياسة وكروب التعصب طوال نصف قرن؛ فقد كان ابن حزم -رحمه الله- سمْحًا في وصف أخلاقه، وقد أطلعنا على جانب من رقته ولطفه يتنافى مع ما اشتهر عنه من الحدة والشدة، وهو اشتهار كانت عباراته القادحة في المخالفين سببا فيه؛ فهو يحكي -في ‘طوق الحمامة‘- عن خصلة الوفاء لديه والأنْس بكل قريب منه، فيقول: "لا أقول قولي هذا ممتدِحًا [نفسي]، ولكن آخذاً بأدب الله عز وجل: «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ»، ولقد منحني الله عز وجل من الوفاء لكل من يمتّ إليّ بِلَقْيَة واحدة، ووهبني من المحافظة لمن يتذمم مني ولو بمحادثة ساعة، حظًا أنا له شاكر وحامد..، وما شيء أثقل عليّ من الغدر"! ولم يقتصر هذا الخُلُق على أصحابه وطلابه، وإنما عامل به أيضا مَن وقع في غرامها من النساء، وهي حبيبته أيام الصبا جاريتُه "نُعْم" التي نراه يتوجّع عليها متفجّعا على فقدانها؛ فيقول: "ولو قـُبِل فداءٌ لفديتها.. ببعض أعضاء جسمي العزيزة عليّ مسارعًا طائعًا، وما طاب لي عيشٌ بعدها، ولا نسيتُ ذكرها، ولا أنِسْتُ بسواها"!! المصدر : الجزيرة
  5. محمد الصياد 23/6/2020 لا يفضَّل أخذُ مسافة من الظاهرة موضوع الكتابة هذه المرة؛ فهذا المقال عن الإمام التابعي شيخ بني هاشم أبي عبد الله جعفر الصادق (ت 148هـ)، والكتابة عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من المهم أن تمزج الاقتراب بالاستقامة العلمية، وهو ما سنحاول التزامه في التعريف بهذا الإمام الذي سندخل عليه من أبواب متعددة: باب العترة، فهو من الوسط المنتقَى من السلالة النبوية المباركة؛ وباب العلم، فهو إحدى ركائز الاندفاعة العلمية الكبرى في تاريخ المسلمين؛ وباب الإصلاح، فهو من مؤسسي تيار الرشد في التعامل بين السلطة والمجتمع؛ وباب التزكية النفسية، فهو من رموز التربية والتعبد والتبتل. ثم إن هذا المقال يحاول أن يقدم رؤية سياقية لفهم شخصية هذا الإمام العَـلَم، بمعنى أنه يحاول أن يرده إلى عصره ومصره وما كان يجري فيهما من أحداث تتدافع موّلِّدة مواقف تتبلور وتسود، فيظهر فيها هذا الإمام جزءا من التيار الرئيس العام لجمهرة أئمة الأمة، وإن كان في الطليعة والقلب من تلك الجمهرة؛ فهو -رضي الله عنه- كان يتنفس هواء زمانه (عصر التابعين) ويعكس شخصية مكانه (المدينة النبوية)، وإذا كان له من خصوصية أو انفراد فهو تفرد الممثل لعصره المنتمي إليه والمؤثر فيه. وما يهمنا هو الوصول إلى استيعاب منطق الإمام وطريقة تفكيره وتعرُّف مفاتيح شخصيته؛ لأننا نزعم أن تلك هي أعز خبرة يمكن أن نحصل عليها بعد قراءة أسطر هذه المقالة التي تسعى للتعريف بالإمام جعفر الصادق، ورسم معالم البيئة العامّة التي نشأ فيها، وأبرز تأثيراته في الحياة العلمية وأشهر مواقفه في الأحداث السياسية. منبت طيب نشأ جعفر الصادق في بيت علمٍ وحكمة، فأبوه هو محمد (المعروف بـ‘الباقر‘) بن علي زين العابدين (ت 114هـ) بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ت 40هـ) الصحابيّ الجليل ورابع الخلفاء الراشدين. ولم يشهد عليّ زين العابدين (ت 95هـ) معركة كربلاء مع والده الحسين (ت 61هـ) "شهيد كربلاء" بعبارة الإمام الذهبيّ (ت 748هـ)، ثم إنه اعتزل السياسة بعدها وعكف على العبادة والعلم، حتى سُمّي "السجّاد" لكثرة سجوده. كان لزين العابدين مقبولية بين المؤمنين وذيوع صيت بسبب علمه وفضله، كما تدل عليه القصة التي حكاها ابن الجوزي الحنبليّ (ت 597هـ) في ‘المنتظم‘، فقال: "حج هشام بن عبد الملك (ت 125هـ) ولم يَلِ الخلافةَ بعدُ، فطاف بالبيت فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه فلم يقدر عليه، فنُصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، فأقبل علي بن الحسين فطاف بالبيت، فلما بلغ إلى الحجر تنحّى له الناس حتى استلمه، فقال رجل من أهل الشام: مَن هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟! فقال هشام: لا أعرفه! مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق (ت 114هـ) حاضرا، فقال الفرزدق: ولكني أعرفه، فقال الشامي: مَن هذا يا أبا فراس؟، فقال: هذا الذي تعرف البطحاءُ وطأتَه ** والبيتُ يعرفه والحِلُّ والحَرَمُ هذا ابن خير عباد الله كلهم ** هذا التقي النقي الطاهر العَلَمُ وليس قولُك: مَن هذا؟ بضائره ** العُرْبُ تعرف مَن أنكرتَ والعجم". ورغم مكانته السامية مجتمعيا وعلميا؛ فإن الإمام زين العابدين عُرف بالتواضع وخفض الجناح لعامة الناس، فالذهبي يروي -في ‘تاريخ الإسلام‘- عن جعفر الصادق أن جده زين العابدين "كان إذا سار على بغلته في سِكَكِ (= طُرُق) المدينة لم يقل لأحد: [خلِّ] الطريق، وكان يقول: الطريقُ مشترك، ليس لي أن أنحي عنه أحدا". وقد مات علي زين العابدين وحفيده جعفر الصادق في الرابعة عشرة من عمره، ومن ثم فالأرجح أنّه تلقّى منه علما في هذه السنّ. وجعفر الصادق غصنٌ من دوحة النبوة المباركة نبت نباتا حسنا في حديقة الصدّيق أبي بكر (ت 13هـ) العطرة؛ فقد تزوج أبوه محمد الباقر بأمِّ فَرْوَةَ بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (توفي القاسم 107هـ) فوُلد له منها جعفر الصادق؛ كما يخبرنا ابن الجوزي في ‘المنتظم‘. فجدُّ الصادق لأمّه هو القاسم بن محمد بن أبي بكر المعدود ضمن "فقهاء المدينة السبعة" الذين كان عليهم مدار العلم والفتوى فيها، وقد توفي القاسم وجعفر في الثامنة والعشرين من عمره، فلا شكّ أنه تتلمذ عليه. جمع الصادق إذن بين شرف النسب المصفّى من جهة الأب حفيد علي، والنسب المعتَّق من جانب الأمّ سليلة "عتيق" (أبو بكر الصديق). وعن هذا اللقاء الميمون يقول الشهرستاني (ت 548هـ) في ‘الملل والنحل‘ إن جعفر الصادق: "من جانب الأب ينتسب إلى الشجرة النبوية، ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر الصديق… وقد تبرأ عما كان ينسبـ[ـه] إليه بعض الغلاة وبرئ منهم". وخاله هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ت 126هـ)، وهو أيضا -كما يصفه الذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘- من أكابر فقهاء المدينة. معدن إمامة كان جعفر مَعْقِدَ اللقاء بين تلك الأنساب الطاهرة، فانتمى إلى أول رجلين آمنا برسالة جدّه النبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم: أبو بكر الصديق، وعليّ بن أبي طالب. وقد أحسن الذهبي -في ‘سير أعلام النبلاء‘- عندما عبّر عن لقاء الأنساب المباركة هذا بأصفى العبارات وأصدقها؛ فقال في جعفر إنه: "ابن الشهيد أبي عبد الله ريحانةِ النبي -صلى الله عليه وسلم- وسبطِه ومحبوبِه الحسين بن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب…، الإمامُ الصادق شيخُ بني هاشم، أبو عبد الله القرشي الهاشمي العلوي النبوي المدني، أحدُ الأعلام. وأمُّه: هي أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي، وأمها: هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر؛ ولهذا كان [جعفر الصادق] يقول: ولدني أبو بكر الصديق مرتين"!! أما أبوه فهو محمد الباقر، وقد ترجم له الإمام ابن كثير (ت 774هـ) -في ‘البداية والنهاية‘- قائلا: "تابعي جليل القدر، كثير العلم، أحد أعلام هذه الأمة علما وعملا وعبادة ونسبا وشرفا…، وسُمِّي الباقرَ لِـبَقْرِهِ العلومَ واستنباطِه الحِكَمَ". وقد روى عن غير واحد من الصحابة، وحدّث عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم، وروى الإمام سفيان بن عيينة (ت 198هـ) عن شيخه جعفر الصادق قوله في والده الباقر: "حدثني أبي وكان خير محمديٍّ على وجه الأرض"! وقد حكم الذهبيّ للباقر بأنه كان أهلا لتولي منصب الخلافة، وهو حكم له دلالته من إمام سلفي ومحدِّث كبير خبير بالرجال جرحا وتعديلا مثل الذهبي؛ فقال في ‘تاريخ الإسلام‘: "وكان أحدَ مَن جمع العلم والفقه، والشرف والديانة، والثقة والسُّؤْدُدَ، وكان يَصْلُح للخلافة". وقد مات الباقر وابنه جعفر في الرابعة والثلاثين من عمره، بعد أن أخذ عنه الفقه والرواية وبات أحد العلماء الكبار في وقته. أما عمّ جعفرٍ زيدُ بن عليّ زين العابدين (ت 122هـ) فقد كان رفيقا له وقريبا منه في السنّ، وتتلمذ مثله على أخيه الباقر بعد وفاة والدهما زين العابدين. فالبيتُ بيتُ علم وحكمة، ومن ثمّ كان من البدهيّ أن يكون جعفرٌ من أئمة التابعين والعلماء الراسخين، بعد أن بلغ مبلغاً كبيراً من العلم والورع، حتى قال الذهبيّ -في ‘تاريخ الإسلام‘- عن أهليته للخلافة مثلما قاله عن أبيه الباقر: "مناقبُ جعفر كثيرة، وكان يصلح للخلافة لسؤدده وفضله وعلمه وشرفه، رضي الله عنه". منزع جديد لم ينفرد الإمام جعفر -تجاه ما كان يسود عصره من تجاذبات سياسية شهدتها نهايات الدولة الأموية وصدر الدول العباسية- بموقف سياسي مختلف عن الخيار السياسي الذي كان سائدا حينها عند القطاع الأكبر من العلماء، وتمثله تلك المدرسة التي أخذت لنفسها مسافة عن الصدام المسلح غير المحسوب مع السلطة الذي تبنته فرق ثورية قررت الاشتباك مع سلطة الأمر الواقع، وسعت للتغيير الجذريّ مهما اختلفت القدرات واختلّت موازين القوى بينها وبين السلطة. وهكذا لم يخرج الصادق في موقفه السياسيّ عن المنهج العام لمعظم أهل المدينة المعاصرين له، فرفض الثورة وآثر العكوف على التعليم لبناء مدرسة علمية قويمة. وحتى نفهم أسس مدرسة الروية السياسية التي اتسم بها هذا التيار السني العريض الذي انتمى إليه جعفر؛ فإننا نمد الوصل قليلا بمشهد الصدمة بعد استشهاد الحسين بن عليّ (ت 61هـ) في واقعة كربلاء الشهيرة، والتي أُصيب المسلمون جرّاءها بحزنٍ شديد خيّم على حواضر الإسلام الكبرى حينئذ (مكة والمدينة والكوفة والبصرة)، وأججت -مع عوامل أخرى- نار الثورة على حكم الأمويين، فحاول أهلُ المدينة -وجلّهم من الصحابة وأبنائهم- خلع يزيد بن معاوية (ت 64هـ) سنة 63هـ، فأجهِضت ثورتهم في واقعة الحَرّة بما سببته من دماء وانتهاك لحرمة المدينة النبوية. ثم في سنة 64هـ كانت حركة "جيش التوابين" بالعراق التي تزعمها الصحابي الجليل سليمان بن صُرْد الخزاعيّ (ت 65هـ)، وكان أحد مطالبها الرئيسية القصاص لدم الحسين بن عليّ؛ ثم جاء الصدام بين الأمويين والصحابي الكبير عبد الله بن الزبير الذي انتهى باستشهاده سنة 73هـ بعد حصار الجيش الأموي بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ) للكعبة وضربها بالمنجنيق، ثم اندلعت في سنة 81هـ "ثورة الفقهاء" الذين أعطوا قيادتهم للقائد العسكري الأموي عبد الرحمن بن الأشعث الكندي (ت 84هـ)، لكنهم تلقوا هزيمة حاسمة في معاركة دَيْر الجماجم سنة 83هـ. وهكذا أخفقت كل هذه الثورات في تحقيق أهدافها المعلنة في إعادة البيعة والشورى إلى الأُمة وأهل الحل والعقد. ولذا فقد كان هذا القمع المتواصل والسحق المستمرّ لجميع المعارضين -منذ استشهاد الحسين- سببا في تبلور موقف علمائي عريض، أصبح ينظر للمسألة السياسية بحذر وريبة خشيةَ إراقة المزيد من الدماء، ولعله رأى كذلك في الدرس العلميّ -تحصيلا وتوصيلا- سبيلا إصلاحيا متدرجاً بديلا عن السياسة، خاصة إذا غلب الظن بحصول الضرر بسفك دماء المسلمين دون تحقيق تغيير يستوجب ذلك. كما أن هذه المدرسة التفّت حول فكرة مقاصدية كبرى هي "وحدة المسلمين"، وهي فكرة حَسَنية تحدث عنها النبي (ص) وتنبأ بأنْ سينالها المسلمون على يد سبطه الحسن بن علي (ت 49هـ)، وهو ما حصل فيما سُمي "عام الجماعة" سنة 41هـ. إصلاح متدرج والواقع أن هذه المدرسة -التي انتمى إليه عدد من علماء العترة النبوية- امتدّت وتأصلت حتى غلبت على الفكر الإسلامي طوال القرون اللاحقة. وطبعا هناك شعرة دقيقة بين الإذعان للطغيان والرشد في مواجهته؛ فالرشد منطلقه حفظ القِيَم والأصول العُليا ولُحْمة الصف، ثم مقاومة الظلم ببناء المجتمع الواعي القادر على تصفيته بأقل الأضرار، ومن ثمّ فلم يكن جعفر الصادق -كإمامٍ من أئمة المدينة النبوية- من أنصار الثورة المجازفة، وفي نفس الوقت لم يكن من المؤيدين للسلطة بالمطلق، بل أقبل على التدريس باعتباره سبيلا للتغيير السياسيّ الطويل الأمد. وقد شخّص الشهرستاني منهج جعفر هذا بمقولة دقيقة جامعة فقال: "وقد أقام [جعفر] بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه..، ثم دخل العراق وأقام بها مدة ما تعرض للإمامة قَطّ، ولا نازع أحدا في الخلافة قَطّ". كان موقف جعفر الرافض للثورات -كسبيل للتغيير السياسيّ- عامًّا وليس انتقائيا، حتى ولو كان دعاتها من داخل البيت الهاشمي الذي ينتمي إليه. ولذا فإنه رفض المشاركة في الثورة المجهضة التي قادها عمه زيد بن علي زين العابدين -الذي يُنسب إليه المذهب الزيدي الفقهي- في الكوفة سنة 122هـ ضدّ الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (ت 125هـ). وكذلك عارض جعفر الصادق الانخراط في ثورة مجهضة مماثلة قام بها ابن عمه محمد بن عبد الله -الملقب بـ‘النفس الزكيّة‘- في المدينة على حكم المنصور العباسي (ت 158هـ) سنة 145هـ، وقد يكون من أسباب ذلك تحفظه على أهلية قائد الثورة المقدَّم للخلافة؛ فحين اجتمع بنو هاشم لعقد البيعة للنفس الزكية رفض الصادق حضور الاجتماع، وقال مخاطبا والد النفس الزكية حين جاءه يدعوه لحضور البيعة: "إنك شيخ، وإن شئتَ بايعتك، وأما ابنك فوالله لا أبايعه وأدعك"؛ كما يخبرنا أبو الفَرَج الأصفهاني (ت 356هـ) في ‘مقاتل الطالبيين‘. ويقول الذهبيّ -في ‘تاريخ الإسلام‘- عن موقف جعفر من ثورة ‘النفس الزكية‘ إنه كان يثبّط عنها كلَّ مَن أراد الالتحاق بها من أهل بيته و"يقول له: هو والله مقتول"! وحين اندلعت أحداث الثورة "اختفى جعفر الصادق وذهب إلى مال له بالفُـرُع (= بلدة كانت تابعة للمدينة) معتزلا للفتنة"، مع أنه حينها كان "سيد العلويين في زمانه"؛ وفق تعبير الذهبي في كتابه ‘العلوّ للعلي الغفار‘. كما يأتي موقفه هذا مخالفا لـ"جماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم" شاركت في هذه الثورة؛ حسبما يقوله الطبري (ت 310هـ) في تاريخه. وقد نقل الإمام الشافعيّ ما يشير إلى علاقة منهج جعفر الصادق -وهو أحد أئمة المدينة- بما كان يراه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر (ت 73هـ)، الذي يعدّ المؤسس للمدرسة المدنية ذات المنزع السلمي في التعامل مع السلطة؛ فقد قال الشافعي في كتابه ‘الأم‘: "وقد صلى أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- خلف من لا يحمدون فِعاله من السلطان وغيره. أخبرنا مسلم (بن خالد الزنجي المتوفى 180هـ) عن ابن جُرَيج (ت 151هـ) عن نافع (ت 117هـ) أن عبد الله بن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير والحَجّاج بمنى، فصلى مع الحَجّاج…، قال (= الشافعيّ): أخبرنا حاتم عن جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر] عن أبيه أن الحسن والحسين.. كانا يصليان خلف مروان (بن الحكم المتوفى 65هـ)، قال فقال: أما كانا يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ فقال: لا والله، ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة". وبقدر ما كان جعفر مناهضا للثورة المسلحة؛ كان كارها لمجرد الدخول على السلاطين حتى ولو لنصيحتهم. ويمكن القول إن مجانبة جعفر للسلطة نابع من الصدام المرير الذي وقع بين المسلمين، وقد أثر موقفه هذا في الاتجاه العام للأمة سنّةً وشيعةً بعد أن تبلور مساراهما المتمايزان بعد عصر جعفر الصادق بعقود، كما أن تعزيز جعفر لسلطة الفقهاء -في مقابل سلطة الحكام- ظل واضحا إلى عهد الإمام الجويني (ت 478هـ) الذي أعطى لهذا التوجه دفعا أكبر؛ فالذهبي يروي -في ‘السِّيَر‘- عن الإمام الصادق قوله: "الفقهاء أمناء الرُّسُل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتّهِموهم". ولذلك نجد أن أقران جعفر وتلامذته والمتأثرين بموقفه اتخذوا المنحى نفسه في العلاقة بالسلطة؛ فمعروف موقف الإمام أبي حنيفة (ت 150هـ) -وهو أحد تلامذة والده محمد الباقر- الرافض لتولي وظيفة القضاء للعباسيين أو أخذ أي من عطايا الدولة، ثم تعزز هذا الاتجاه أكثر حتى وجدنا الإمام الغزالي (ت 505هـ) ينتقد ارتياد علماء زمانه لقصور السلاطين، فيصف معظمهم -في ‘إحياء علوم الدين‘- قائلا: "أكَبّوا على علم الفتاوى، وعرضوا أنفسهم على الولاة، وتعرّفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصِّلات منهم، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم". حسم للغلو لقد رأينا في مسيرة جعفر الصادق أنّه كان رجل علم وتزكية وإصلاح، وهو ما ساهم في جعله مرجعية علمية في عصره، كما يفسر محاربته للغلوّ والغلاة الذين اتهمهم بوضع الحديث عليه وعلى علماء وأئمة آل البيت عموما؛ فكان يقول مخاطبا تلامذته ومرتادي مجالس علمه: "لا تقبلوا علينا حديثاً إلا ما وافقَ الكتاب والسنّة"؛ كما يروي عنه العلامة الشيعي أبو القاسم الخوئي (ت 1992م) في ‘معجم رجال الحديث‘. بل إن القاضي المؤرخ ابن خلدون (ت 808هـ) يقول -في تاريخه ‘العِبَر‘- إن بعض هؤلاء "الغلاة تجاوزوا حد العقل والإيمان في القول بألوهية هؤلاء الأئمة…، ولقد حرّق علي -رضي الله عنه- بالنار من ذهب فيه إلى ذلك منهم؛ وسخط محمد بن الحنفية (= محمد بن علي بن أبي طالب المتوفى 81هـ) المختار بن أبي عبيد (الثقفي المتوفى 67هـ) لما بلغه مثل ذلك عنه، فصرّح بلعنته والبراءة منه؛ وكذلك فعل جعفر الصادق -رضي الله تعالى عنه- بمن بلغه مثلُ هذا عنه". والواقع أن المصادر الشيعية نفسها طافحة بوصف العنت الذي ناله الإمام جعفر من الغلاة في آل البيت، وهنا نترك روايات أهل السنة ونذهب إلى المصادر المعتبرة عند الشيعة لتحدثنا عن الإرهاق الذي وجده الصادق من بعض أتباعه. فبسبب غضبه من الغلاة رُوي عنه -كما في كتاب ‘رجال الكَشِّي‘ للعلامة الكَشِّي الشيعي (ت 340هـ)- قوله: "إني والله ما وجدتُ أحداً يطيعني ويأخذ بقولي إلا رجلا واحداً رحمة الله عليه: عبد الله بن أبي يعفور (ت 131هـ)". وعبد الله بن أبي يعفور هذا كان رأس الاعتدال ضد الغلاة، وكانت مقولته المركزية حسب الكَشِّي: "إنّ الأئمة علماء أبرار أتقياء". وهو يقصد بذلك أنّ أئمة آل البيت كانوا علماء في الدين وأتقياء زاهدين، لكنهم ليسوا معصومين. كما اشتبك جعفر مع فرقة ‘الخطّابية‘ التي تـُنسَب إلى أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي (ت 138هـ) وكانت تزعم أنّ أئمة آل البيت "أنبياء"، بل ذهب بعضهم -كما سبق ذكره- إلى أن الأئمة "آلهة"؛ فقال الصادق: "أبرأ إلى الله ممن قال إنّا أنبياء"؛ كما يرويه الكَشِّي الذي نجد الحافظ ابن حجر (ت 852هـ) يكثر من النقل عنه في ‘لسان الميزان‘. ولا يزال الإصلاحيون الشيعة -حتى اليوم- يستقون من تلك الروايات المعبرة عن المنهج المعتدل للإمام التابعي جعفر الصادق؛ فقد صنّف مثلا حجّةُ الإسلام محسن كديور كتابه ‘القراءة المنسية‘ لإعادة إحياء مقولات الأئمة وعلماء التشيع القدامى، التي تعزز الاعتدال في النظرة إلى الأئمة كعلماء أتقياء أبرار فقط. ونجد هذا النفسَ المعتدل عند عدد لا بأس به من مراجع الشيعة المعاصرين، مثل آية الله حسين منتظري (ت 2009م) والعلامة حسين فضل الله (ت 2010م) وآية الله يوسف صانعي. وقد أدرك الإمام جعفر أيضا أن الغلاة سبب في تفريق الأمة الواحدة، بسبب كذبهم عليه ومهاجمتهم بعض الصحابة بزعم حبّهم لآل البيت، وهو ما استنفر طاقته في الردّ عليهم؛ فقد وردت روايات كثيرة تـُـظهر إجلال جعفر للصحابة كما كان يفعل والده محمد الباقر. فالإمام ابن الجوزي يروي -في ‘المنتظم‘- عن الإمام أبي حنيفة أنّه التقى الإمام الباقر فسأله له: "ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: رحم الله أبا بكر وعمر، فقلت (= أبو حنيفة): إنه يقال عندنا بالعراق إنك لتبرأ منهما، فقال: معاذ الله! كذب من قال هذا عني، أو ما علمتَ أن علي بن أبي طالب زوّج ابنتَه أمَّ كلثوم -التي من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سلم- عمرَ بن الخطاب، وجَدَّتُها خديجةُ وجدُّها رسولُ الله صلى الله عليه وآله سلم؟!". كما روى ابن الجوزي أن عروة بن عبد الله الكوفي -وهو "ثقة" كما قال الحافظ ابن حجر في ‘تقريب التهذيب‘- سأل شيخَه جعفر الصادق مرة عن حكم زخرفة السيوف؛ فقال: "لا بأس به، قد حلَّى أبو بكر الصدّيق سيفَه، قال [عروة]: قلتُ: وتقول الصديق؟! فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق؛ فمن لم يقل له الصديق فلا صدّق الله له قولا في الدنيا ولا في الآخرة". وجاء في قول آخر لجعفر رواه الذهبي في ‘سير أعلام النبلاء‘: "ما أرجو من شفاعة عليٍّ شيئا إلا وأنا أرجو من شفاعة أبي بكر مثلَه، لقد ولدني مرتين"!! ومجمل القول هنا هو أنّ تلك الروايات تثبت أنّ جعفرا حمل همّ الإصلاح الديني والسياسيّ؛ أمّا الديني فبإبعاده الغلاة عن تسوّر حرمات الشرع، وأمّا السياسيّ فبحفاظه على وحدة المسلمين خشية استئصال شأفتهم، لا سيما بعد إخفاق ثورات زمانه. ولذلك اكتفى بالعمل على مستويات علمية وثقافية وتزكوية، كما يخبرنا بذلك تلميذه الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ) بقوله الذي يرويه عنه القاضي عياض المالكي (ت 543هـ) -في ‘الشفا بتعريف حقوق المصطفى‘-: "لقد اختلفتُ (= جئتُه مرات) إليه (= جعفر الصادق) زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا وإما صامتا وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله". تلمذة ومشيخة كان جعفر الصادق إماما من أئمة المسلمين شهد بفضله جميعهم، والذي يُدقق في مروياته -أي فيمن روى عنهم ومَن رَوَوْا عنه- سيجد أنه رأى بعض الصحابة وتتلمذ على التابعين، وأخذ عن أئمة المدينة النبوية، والتقى علماء الإسلام في حَلّه وترحاله. ففي ‘السِّيَر‘؛ يقول الذهبيّ إن الصادق "رأى بعض الصحابة، أحسبه رأى: أنس بن مالك (ت 93هـ) وسهل بن سعد (ت 91هـ). وحدث عن: أبيه أبي جعفر الباقر، وعبيد الله بن أبي رافع، وعروة بن الزبير (ت 94هـ)، وعطاء بن أبي رباح (ت 114هـ) وروايته عنه في ‘[صحيح] مسلم (ت 261هـ)‘، وجده القاسم بن محمد، ونافع العمري (ت 117هـ)، ومحمد بن المنكدر (ت 130هـ)، والزهري (ت 124هـ)، ومسلم بن أبي مريم، وغيرهم. وليس هو بالمكثر إلا عن أبيه، وكان من جِلَّة علماء المدينة". وقول الذهبيّ: "وكان من جِلّة علماء المدينة" يؤكد ما مرّ معنا من أن منهج جعفر السياسيّ والفقهيّ كان تطبيقا عمليا للمنهج الغالب على أقرانه من أئمة التابعين وفقهاء المدينة، والذي تأسّس رسميا واستفاض بعد واقعة الحَرّة سنة 63هـ، حتى إن محمد النفس الزكية لم يجد سنة 145هـ -كما سبق قوله- من يقف معه في ثورته من علماء أهل المدينة إلا ثلة قليلة. وأما مَن رووا عن الصادق؛ فيأتي -كما يقول الذهبي- في طليعتهم الأئمة الكبار: أبو حنيفة، ومالك بن أنس، وعبد الملك بن جُريج (ت 151هـ)، وابنه موسى الكاظم (ت 183هـ)، وسفيان بن عيينة، ويحيى القطان (ت 198هـ)، وآخرون. وعن تلمذة أبي حنيفة للصادق -وقد وُلـِدا في سنة واحدة وكان تاريخ وفاتيهما متقاربا!- يقول ابن نصر الله القرشي الحنفي (ت 775هـ) -في ‘الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية‘- إنه "كان يسأله ويطارحه، وهو تابعي من أكابر أهل البيت، روى عن أبيه محمد الباقر وغيره، سمع منه الأئمة الأعلام.. وكذا أبو حنيفة..؛ فيكون من رواية الأقران" عن بعضهم. ومن تلامذته الكبار أيضا: المحدّث الثقة الضحاك بن مخلد البصري (ت 212هـ) الذي يقول عنه ياقوت الحموي (ت 626هـ) في ‘معجم الأدباء‘: "الحافظ الثبت النحوي اللغوي، كان إماما في الحديث، سمع من جعفر الصادق..، وأخرج له البخاري (ت 256هـ) في ‘صحيحه‘، وأجمعوا على توثيقه". أمّا عن فقهه؛ فقد نقل آراءَه الفقهية الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعيّ وغيرهم من كبار الأئمة، مما يدلّ على أنّ روايات جعفر ومقولاته ساهمت في تشكيل الشخصية العلمية لمؤسسي المذاهب الفقهية الكبرى، شأنه في ذلك شأن غيره من كبار أئمة التابعين. وهكذا اعتمد عليه الفقهاء كثيراً ونقلوا فتاويه في كتبهم الفقهية؛ فأبو حنيفة روى كثيرا عن جعفر واستدلّ برواياته في صياغة مسائله؛ فقد جاء في كتاب ‘الآثار‘ لأبي يوسف (ت 182هـ) وهو كبير تلامذة أبي حنيفة: "حدثنا يوسف عن أبيه عن أبي حنيفة، عن جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر] عن سعيد بن جبير (ت 95هـ)، عن ابن عمر.. قال: جاءه رجل فقال: إني قضيت المناسك كلها غير الطواف بالبيت، ثم واقعت أهلي، قال: فاقض ما بقي عليك وأهرق دما، وعليك الحج من قابل". وفي تلك الرواية دلالات بالغة؛ أهمها أنّ الإمام جعفر أخذ عن سعيد بن جبير وروى عنه، والرواية موقوفة على ابن عمر، وابن عمر من أعلام أهل المدينة، ومثله سعيد بن جبير وجعفر. ولا ننس أنه تتلمذ أيضا على جده لأُمّه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وهو أحد فقهاء المدينة السبعة كما ذكرنا، وقد كان علماء آل البيت حينئذ يسكنون المدينة عاكفين فيها على العلم والعبادة. فنحن إذن أمام فقيه من فقهاء أهل المدينة، لم يشتهر عنه الانفراد عن المدرسة المدنية. وثَمة لمحة أخرى مهمة التفت إليها العلامة محمد أبو زهرة (ت 1974هـ) في كتابه ‘الإمام جعفر‘؛ وهي أنّ تلك الرواية تدل على أنّ الصادق يأخذ بفتوى الصحابيّ، فالرواية موقوفة على عبد الله بن عمر ولم يسندها إلى النبيّ (ص)، فهي فتوى في موضع ليس للرأي فيه مجال، وبالتالي يترجح أن يكون سمعها من النبي (ص)، ولكن لا يخرجها ذلك عن كونها فتوى صحابيّ. والأخذ بفتوى الصحابي موضع اتفاق عند أكثر الفقهاء من الأئمة الأربعة وفقهاء الأمصار، ورواية جعفر هنا تدل على أن فقهه متلاقٍ مع فقههم في المرجعية. احتفاء كبير وبالنسبة للإمام مالك بن أنس؛ فإن جعفر الصادق كان مشايخه من علماء المدينة الكبار الذين تتلمذ عليهم، ولذلك نجده ينقل عنه -في كتابيْه الحديثي ‘الموطأ‘ والفقهي ‘المدونة‘- آراءه ومروياتِه عن آبائه من أهل البيت وغيرهم من الصحابة، ففي الكتابيْن المذكوريْن نلقى بكثرة أسانيد من قبيل: "عن مالك عن جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر] بن علي عن أبيه"، أو "عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه". بل إن مالكا تأثر بشيخه جعفر الصادق في سَمْته وهدْيه وما عُرف به من إجلال للسنة وإعظام للحديث النبوي في مجالسه العلمية. ومن ذلك ما يرويه عنه عياض -في ‘الشفا‘- حيث يقول: "كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يوما في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم عليّ ما ترون، لقد كنت.. أرى جعفر بن محمد -وكان كثير الدعابة والتبسم- فإذا ذُكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرَّ لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة". ويروي الإمام الشافعي كثيراً -في كتابه ‘الأمّ‘- عن الإمام جعفر بواسطة شيخه سفيان بن عيينة الذي هو من تلامذة الصادق الكبار. ومن ذلك مثلا أنه ينقل عنه في باب ‘من نسي المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة‘ قائلا: "أخبرنا سفيان بن عيينة عن جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر] عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يغرف على رأسه من الجنابة ثلاثا". وفي مسألة وقت الصلاة في السفر؛ يروي الشافعي بسنده عن جعفر عن أبيه عن جابر، ومثله في باب ‘الأذان والإقامة للجمع بين الصلاتين والصلوات‘. ونجد كذلك روايات جعفر عند الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) في ‘المسند‘، وفي ‘السنن‘ لكل من الترمذي (ت 279هـ) والنسائي (ت 303هـ) وغيرهما؛ فالترمذي عندما ينقل آراء الفقهاء يأتي ضمنها برأي جعفر الصادق كواحد من الأئمة الكبار المتبوعين، فيقول مثلا: "والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومَن بعدهم، وبه يقول: جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر]، وسفيان الثوري (ت 161هـ)، وابن المبارك (ت 181هـ)، والشافعي، وأحمد، وإسحق (بن راهويه المتوفى 238هـ)، رأوا مسح الرأس مرة واحدة". وينقل الترمذي بسنده عن سفيان ابن عيينة -وهو من أئمة الحديث الكبار- قوله: "سألت جعفر بن محمد عن مسح الرأس أيجزئ مرة؟ فقال: إي والله". بل ونرى الإمام ابن تيمية (ت 728هـ) ينقل بعض الآراء الفقهية لجعفر الصادق وأبيه الباقر مرجحا لها على ما سواها من الآراء؛ فها هو يقول في مباحث الطهارة من ‘مجموع الفتاوى‘: "وعن أبي جعفر الباقر ونافع مولى ابن عمر أنهـ[ـما سُئلا عمن] أصابت عمامته بول بعير فقالا: جميعا لا بأس؛ وسألهما جعفر الصادق، وهو أشبهُ بالدليل"، أي أن هذا القول هو الأقرب صحة لموافقته للدليل الشرعي. وفي مسألة اختلاف العلماء في حكم ‘الطلاق البدعي‘؛ يذكر ابن تيمية رأي الإمام جعفر ضمن القائلين -من أئمة السلف والمذاهب الفقهية- بأنه "محرّم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة. وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم..، وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم..، ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد [الباقر].. وابنه جعفر [الصادق]..، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل". ولم يقتصر الأخذ بمرويات جعفر الصادق على المذاهب الأربعة؛ بل تعداهم إلى مذهب أهل الظاهر، فها هو الناطق الأشهر باسمهم الإمام ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) ينقل روايته في أبواب من كتابه ‘المُحَلَّى‘، مثل قول: "ومن طريق سفيان بن عيينة عن جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر] عن أبيه قال: اعتلّ (= مرِض) عثمان وهو بمنى، فأتى عليّ فقيل له: صلِّ بالناس؟ فقال: إن شئتم صليتُ لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني ركعتين، قالوا: لا، إلا صلاة أمير المؤمنين -يعنون عثمان- أربعا، فأبى عثمان". حِكَم بليغة كانت الحكمة تتناثر من لسان جعفر الصادق ثمرة يانعة لزهده وعلمه وورعه، فكانت حِكَمه ووصاياه البليغة تنبت في القلب وتلتصق بالوجدان قبل بُدوّها على الجوارح. ومن وصاياه التي وصّى بها ابنَه موسى الكاظم تلك الوصيةُ الجامعة التي وثـّـقها الإمام الذهبي في ‘السِّيَر‘؛ وهي قوله: "يا بني! من قنع بما قُسم له استغنى، ومن مدّ عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يَرض بما قُسم له اتّهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه، ومن كشف حجاب غيره انكشفت عورته، ومن سلّ سيف البغي قـُتل به، ومن احتفر بئرا لأخيه أوقعه الله فيها، ومن داخل السفهاء حُقر، ومن خالط العلماء وُقِّر، ومن دخل مداخل السوء اتُّهِم. يا بني! إياك أن تُزري (= تستخفّ) بالرجال فيُزرَى بك، وإياك والدخول فيما لا يعنيك فتذلّ لذلك. يا بني! قل الحق لك وعليك تستشار من بين أقربائك، كن للقرآن تاليا، وللسلام فاشيا، وللمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا، ولمن قطعك واصلا، ولمن سكت عنك مبتدئا، ولمن سألك مُعطِيا، وإياك والنميمةَ فإنها تزرع الشحناء في القلوب، وإياك والتعرضَ لعيوب الناس فمنزلة المتعرض لعيوب الناس كمنزلة الهدف، إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه فإن للجود معادن، وللمعادن أصولا وللأصول فروعا، وللفروع ثمرا ولا يطيب ثمر إلا بفرع، ولا فرع إلا بأصل ولا أصل إلا بمعدن طيب، زرْ الأخيار ولا تزر الفجار فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها، وشجرة لا يخضرّ ورقها، وأرض لا يظهر عشبها". ومن حكمه التي لا تخرج إلا من صدور كبار النفوس الذين يترفعون عن زخرف العيش وأبّهة الحياة؛ أقواله التي تحث على نبذ الجدل والخصومة في الدين، ومما أورده الذهبي منها -في ‘تاريخ الإسلام‘- قوله: "إياكم والخصومة في الدين؛ فإنها تشغل القلب وتورث النفاق". وقوله: "لا زاد أفضل من التقوى، ولا شيء أحسن من الصمت، ولا عدوّ أضل من الجهل، ولا داء أدوى من الكذب". وفي خاتمة هذا التطواف في حياة الإمام جعفر الصادق وأثره في الحياة العقلية والتربوية في الإسلام؛ فإن خير ما ننهي به هذا المقال هو حكمته التي ختم بها الإمامُ شهاب الدين القرافي المالكي (ت 684هـ) كتابه العظيم في الفقه ‘الذخيرة‘، وهي: "عن جعفر الصادق رضي الله عنه (قال): ما كلُّ ما يُعلم يُقال، ولا كل ما يقال حَضَر أوانُه، ولا كل ما حضر أوانُه حضر إخوانُه، ولا كل ما حضر إخوانُه حضرتْ أحوالُه، ولا كل ما حضرت أحوالُه أُمِنَ عَوارُه؛ فحافظ لسانـَك ما استطعت، والسلام"!! المصدر : الجزيرة
  6. 16/6/2020 عز الدين عمر "الخلافة بعد مُنْقَرَضِ [الخلفاء] الأربعة الراشدين شابتها شوائبُ الاستيلاء والاستعلاء، وأضحى الحقُّ المحضُ في الإمامة مرفوضا، وصارت الإمامة مُلْكاً عضوضا"؛ تلك خلاصة تاريخية وفقهية مركّزة ومعبِّرة سطّرها الإمام الجويني (ت 478هـ) في كتابه ‘غياث الأمم‘ لتتبرز إحدى كبريات الحقائق التي انْبَنى عليها تاريخنا الإسلامي بحقبه المتطاولة ودوله المتعاقبة، وعلى أساس منها صارت عبارة "مات في السجن" ونظرائها دارجةً في بطون كتب التاريخ والتراجم تلقاك وأنت تبحث في سيرة فقيه أو معارض سياسي. فالموت في السجن من العقوبات التي تواترت في تاريخنا كثيرا؛ لكن العجيب أن تجد ذلك يتكرر عند تتبع سِيَر خلفاء وملوك وسلاطين حكموا ف تاريخ المسلمين. قبل عام بالضبط من الآن (17 يونيو/حزيران 2019م)؛ أعلـِنت وفاة الرئيس محمد مرسي -وهو أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر- داخل مجمع سجون طرة بجنوب القاهرة الخاضعة لسلطة المنقلبين عليه، بعد أن قضى خمس سنين متقلبا بين "محاكمات" في عدد من القضايا تحت ظروف مطعون فيها عدليا وإنسانيا بشهادة منظمات حقوقية دولية، وهو ما تُجدد ذكراه السنويةُ سيرةَ شجون سجون السياسة في تاريخنا. فقراءة قصص موت السلاطين المخلوعين في سجونهم وتاريخ السجناء السياسيين عموما تعطي فرصة مثلى للتعرف على جانب آخر من التاريخ السياسي الإسلامي، وإطلالة معرفية لتفحّص تاريخ المشروعية الدستورية ليس عبر الفقه السياسي فقط، بل ومن خلال قصص الخلع من السلطة عقب السطوة والنفوذ، وعتمة الزنازين بعد رفاهية الملك وأبهة السلطة. كانت العرب تقول إن "المُلْك عقيم"، أي قاطع للرحم الأسَري والأخلاقي طلبا للاستبداد بالملك وثمراته. والحقيقة أن أحوال التداول على الملك بالتغلب كانت قاطعة للمثُـل والقيم الإسلامية قبل أن تقطع القيَم الرَّحِمِية؛ إنه جانب شديد الضعف في تاريخنا ويجب أن نسلم به كأثر بالغ الأثر لغياب مبدأ تداول السلطة شرعيا وسلميا، ومن مظاهره قتل السلاطين المخلوعين بالموت البطيء في السجون وما في حكمها من إقامة جبرية أو حصار خانق لسلطان أعزل. في هذا المقال لا نعتمد المقايسات ومقارنة الملابسات بالملابسات أو الشخصيات بالشخصيات، فلكل حدث أو سجن حديثه الخاص وظرفه المشتق من بيئته وإن تطابقت الدوافع وتشابهت الآليات، ثم إن هؤلاء السلاطين -بغض النظر عن طريقة وصولهم للسلطة- كانوا متفاوتين في الأهلية للحكم والرشدية في ممارسته. لكننا هنا نطرح فكرة دوران السلطة بين الحكام في تاريخ المسلمين في ظل غياب الشرعية الدستورية، وسيادة إهدار مبادئ الشورى والعدالة؛ لنرى متى بدأت هذه الظاهرة المؤلمة؟ وما هي السياقات التاريخية التي تكررت فيها؟ وكيف تناولها المؤرخون والفقهاء بالدرس والتحليل؟ سابقة خطيرة رغم أن الإسلام جاء ليؤسِّس نظاما سياسيا قائما على البيعة والشورى واحترام شرعية الأمة، وطاعة قيادتها المختارة طالما ظلت مستمسِكَة بالحق ومنطلِقة منه؛ فإنه سرعان ما افترقت الأُسس والأخلاق السياسية عن الواقع، وظل التباعد بين الطرفين يتزايد حتى اتسع الخَرق على الراقع في العصور الحديثة. وكان من نتائج هذا التباعد ظاهرة قتل الخلفاء والأمراء والسلاطين المخلوعين؛ ومن أقسى صور هذه الظاهرة ما يكون منها أحيانا بعد القدرة على "الحاكم المخلوع"، فيقضي نحبه وهو في سجن -أو مقر إقامة جبرية- تابع لخصمه الذي أطاح به، وهو من بني جلدته ومنتسبي دينه! لقد كان مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان (ت 35هـ) -رضي الله عنه- محاصَرًا ببيته في وضعية السجين أولى صور هذه الظاهرة في تاريخ الإسلام؛ ذلك أن الخارجين على عثمان قد حاصروه لأسباب سياسية محضة. وفي ذلك يقول الطبري (ت 310هـ) -في تاريخه- إن هؤلاء المعارضين "جعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتُب يضعونها في عيوب وُلاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يُظهرون، ويُسرّون غير ما يُبدون". وكان من مطالبهم إقصاء عثمان لأقاربه الذين اتهموه بمحاباتهم بالوظائف على حساب المسلمين، كما زعموا ابتعاده في تسيير الشأن العام عن طريقة صاحبيْه أبي بكر الصديق (ت 13هـ) وعُمر بن الخطاب (ت 23هـ). لقد فنّد كبارُ الصحابة -مثل علي وطلحة والزبير رضي الله عنهم- هذه الاتهامات، وبالتالي فشلت خطة المحاصرين برفض عثمان لمبدأ التنازل عن الحكم حتى لا يؤسس بذلك سابقة لمن بعده "فتكون سُنّةً: كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه"؛ كما أورد الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) في كتابه ‘فضائل الصحابة‘. شدد المحاصِرون الطوق على بيت الخليفة لأسابيع كان فيها بمثابة السجين قبل مقتله في النهاية؛ ولم يقبل عثمان أي دفاع مُسلَّح عنه حتى لا تُهرق دماء المسلمين بسببه فتكون تلك سنةً جارية في الأجيال اللاحقة. فابن ابن عساكر (ت 571هـ) يروي -في ‘تاريخ دمشق‘- أن الحسن بن علي (ت 49هـ) -رضي الله عنهما- دخل بسلاحه على الخليفة عثمان، فقال له: "يا أمير المؤمنين، ها أنا ذا بين يديك فمُرني بأمرك؛ فقال له عثمان: يا ابن أخي وصَلتك رحِمٌ، إن القوم ما يريدون غيري، ووالله لا أتوقّى بالمؤمنين ولكن أُوقِي المؤمنين بنفسي". ثم زاد المحاصرون التضييق عليه إلى أن بلغ حد منع الطعام والشراب عنه؛ حتى إن علي بن أبي طالب (ت 40هـ) وقف فيهم يوما -حسب الطبري- فقال: "يا أيها الناسُ، إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين! لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة (= الطعام والشراب)، فإن الروم وفارس لتأْسِر فتُطعِم وتُسْقي، وما تعرَّض لكم هذا الرجل، فَبِمَ تستحلون حصره وقتله؟!". لقد كان القوم "يدًا واحدةً في الشرّ" -كما يصفهم ابن سعد (ت 230هـ) في ‘الطبقات الكبرى‘- فقتلوا عثمان (ض) حبيسا في مقر "إقامته الجبرية"، حيث أدخلوا عليه أحدهم "فخنقه وخنقه قبل أن يضربـ[ـه] بالسيف"؛ طبقا لرواية خليفة بن خياط البصري (ت 240هـ) في تاريخه. انفراط مبكر هكذا قضى الخليفة عثمان نحبه دفاعًا عن حق الأمة في بقاء شرعيتها الدستورية قائمةً ولو قُتل رمزها. ورغم ذلك كان مقتله رضي الله عنه "من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن بين الناس، وبسببه تفرّقت الأمة إلى اليوم"؛ كما يذكر ابن تيمية (ت 728هـ) في ‘مجموع الفتاوى‘. وكان من آثار هذا التفرق معارك الجمل وصِفِّين بعد انقسام عميق بين الصحابة والتابعين إلى معسكرين، أحدهما بقيادة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب والآخر بزعامة أمير الشام معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ)، ثم مقتل الخليفة علي سنة 40 من الهجرة. كان "عام الجماعة" سنة 41هـ لحظة فارقة في ذلك الانقسام الخطير؛ فقد تنازل فيه الحسن بن علي عن المطالبة بالخلافة وسلّمها إلى معاوية شريطة أن يعود الأمر شورى إلى الأمة بعد معاوية، ليختاروا لحكمهم من يرونه الأفضل والأرشد لذلك. لكن معاوية -بمرور الوقت- قرر إبقاء السلطة في بيته الأموي بتوليته ابنه يزيداً ولاية العهد، وقد علل ابن خلدون (ت 808هـ) ذلك -في ‘المقدمة‘- بقوله إن "الذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد -دون مَن سواه- إنّما هو مراعاة المصلحة في اجتماع النّاس، واتّفاق أهوائهم باتّفاق أهل الحلّ والعقد عليه حينئذ من بني أميّة؛ إذ بنو أميّة يومئذٍ لا يَرضون سواهم وهم عصابة قريش -وأهلِ الملّةِ أجمع- وأهلُ الغلَب منهم". وبغض النظر عن مدى سلامة تعليل ابن خلدون هذا؛ فإن ارتقاء يزيد -بعد وفاة أبيه سنة 60هـ- إلى منصب الخلافة لم يكن بموافقة جميع الصحابة، بل عارضه مشاهير منهم مثل عبد الله بن الزبير (ت 73هـ) والحسين بن علي (ت 61هـ) وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق (ت 58هـ). ولذلك شهد عهدُه أحداثًا ساخنة كان على رأسها استشهاد الإمام الحسين -رضي الله عنه- مطلع سنة 61هـ في كربلاء، ثم وقعة الحَرَّة بالمدينة المنورة حين ثار أهلها سنة 63هـ لإسقاط حكم يزيد. وفي أثناء ذلك؛ جاء إعلان عبد الله بن الزبير خروجه على حُكم الأمويين، ثم قرر اللجوء إلى مكة المكرمة حيث "جمَع.. إليه وجوهَ أهل تِهامة والحجاز، فدعَاهم الى بيعته فبايعوه جميعًا، وامتنعَ عليه عبد الله بن عباس (ت 68هـ) ومحمد بن الحنفية (= محمد بن علي بن أبي طالب المتوفى 81هـ)… [ثم] أمرَ بطرْد عُمال يزيد من مكة والمدينة، وارتحل [والي المدينة] مروان (بن الحكم المتوفى 65هـ) من المدينة بولده وأهل بيته حتى لحق بالشام"؛ طبقا لرواية أبي حنيفة الدينوَري (ت 282هـ) في ‘الأخبار الطوال‘. ومن هنا انطلقت شرارة معركة صراع على الشرعية ستستمر تسع سنوات (64-73هـ) بين ابن الزبير الذي استطاع السيطرة على معظم شبه الجزيرة العربية والعراق واليمن، والأمويين -بدءا من يزيد بن معاوية (ت 64هـ) وانتهاء بعبد الملك بن مروان (ت 86هـ)- المسيطرِين على الشام ومصر، لكن في النهاية استولى الأمويون على العراق سنة 71هـ، وحوصر ابن الزبير في مكة المكرمة سبعة أشهر كاملة كان طوالها في حكم السجين. شرعية واقعية وقد أثار صموده خلال هذه الفترة الطويلة إعجاب حتى خصومه الأمويين؛ فقد نقل ابن الأثير (ت 630هـ) -في كتابه ‘الكامل‘- أن طارق بن عمرو (ت 84هـ) -وهو والي الأمويين على المدينة المنورة وأحد المحاصرين لمكة المكرمة مع جيش الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ)- قال: "ما ولدت النساءُ أذكرَ من هذا! فقال الحجاج: أتمدحُ مخالِفَ أمير المؤمنين؟ قال: نعم هو أعذرُ لنا، ولولا هذا لما كان لنا عُذرٌ، إنّا محاصرُوه منذ سبعة أشهر وهو في غير جُند ولا حِصنٍ ولا مَنَعَةٍ فينتصفُ منّا، بل يفضُلُ علينا؛ فبلغ كلامهما عبد الملك فصوّب طارقًا". لقد كان مقتل عبد الله بن الزبير (ت 73هـ) وصلْبِه من قِبل الحجاج مشهدًا مكتملاً وواضحًا من مشاهد الصراع على الشرعية في ذلك التاريخ المبكر، وبحسمه لصالح الأمويين فـُتِح الطريقُ لترسخ شرعية "الأمر الواقع" التي صارت معها شهوة التغلب والقوة راجحة الكفة على منطق الحق التام القاضي بإخضاع المسألة السياسية والقوة العسكرية للشورى العامة، وحق الأمة في الاختيار؛ إذ عُد ذلك مستحيلا من الناحية العملية بعد استحكام نزعة التغالب واعتمادها وسيلة حصرية للوصول إلى السلطة. ولذلك نرى مؤرخ الأفكار الشهرستاني (ت 548هـ) يقول -في كتابه ‘الملل والنحل‘- إن "أعظم خلاف بين الأمة خلافُ الإمامة، إذ ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدةٍ دينية مثل ما سُلّ على الإمامة في كل زمان". وهكذا دخلت الأمة في طور "التغلب" فأصبحت ظاهرة التخلص من الحكام والأمراء والسلاطين -وهم في سجونهم- أمرًا عاديًا لكل من أطاح بخصمه من سدة الملك، ولم تحمله نفسه على "العفو عند المقدرة"؛ لا سيما أن شرعية "الأمر الواقع" التي اعتُمدت أساسا للحكم في الدولتين الأموية والعباسية -القائمتين على مبدأ توارث السلطة- فتحت الباب لوجود منافسين آخرين، حاولوا -معتمدين على القوة المجردة- الاستقلالَ عن السلطة المركزية للأمويين بدمشق والعباسيين ببغداد. ففي نهاية عصر الأمويين؛ دعا الثائر عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب (ت 129هـ) إلى البيعة لنفسه خليفة، مستغلا الاضطراب الذي كان يعيشه الأمويون جراء صراعهم على السلطة، فسيطر بالقوة على مناطق واسعة من فارس وجنوب العراق. ثم إنه -كما يروي ابن عساكر- "بويع له بالخلافة بأصبهان في سنة سبع وعشرين ومئة في خلافة مروان بن محمد (ت 132هـ وكان آخر حكام الدولة الأموية)..، وكثر تَبَعُه وجَبَى الأموال.. وقوِي أمرُه، وكانت بينه وبين عُمّال مروان وقائع وحروب كثيرة. ولم يزل هناك إلى أن جاءت الدولة العباسية، ثم حاربه مالك بن الهيثم (الخزاعي المتوفى بعد 137هـ) صاحب أبي مسلم (الخراساني المتوفى 137هـ)، فظفر به.. فحبسه وقتله، ويقال بل مات في سجنه". وينقل أبو الفرج الأصفهاني (ت 356هـ) -في كتابه ‘مقاتل الطالبيين‘- عن "بعض أهل السِّيَر أنه (= عبد الله بن معاوية) لم يزل محبوسًا حتى كتبَ إلى أبي مسلم رسالته المشهورة التي أولها: ”مِن الأسير في يديه المحبوس بلا جرم لديه…“ فلما كَتب إليه بذلك أمر بقتله". والغريب أن هذا الثائر العلوي كان قبل طلبه الملك شاعرا مشهورا يمدح الأمراء والولاة، وهو -كما يقول أبو نعيم الأصفهاني (ت 430هـ) في ‘تاريخ أصفهان‘- صاحبُ البيتين السائرين: أَأَنتَ أخي ما لم تكن ليَ حاجةٌ ** فإن عَرَضتْ أيقنتُ أنْ لا أخا ليا؟! كِلانا غنِـــيٌّ عن أخيه حيــاتَه ** ونحــــن إذا مِتْــــنا أشـــــدُّ تغانيا!! خطوة مغامرة جاء العباسيون إلى السلطة على متن ثورة مسلحة عارمة ومحكمة التنظيم، فأسسوا بدورهم شرعيتهم على التغلب والتخلص من المنافسين، حتى ولو كانوا أبناء عمومتهم ومشاركين لهم في الثورة على الأمويين، وكان أول ضحاياهم في ذلك -كما رأينا- عبد الله بن معاوية الهاشمي العلوي الذي قضى نحبه في سجنهم. على أن العباسيين شرعوا -منذ الخليفة المأمون (ت 218هـ) ثم تفاقم الأمر في عهد أخيه الخليفة المعتصم (ت 227هـ)- في استجلاب العناصر التركية ليكونوا حرسهم الخاص، والنواة الأبرز والأقوى في جيوش الخلافة فيما بعد، إقصاءً منهم لسُلطة العرب والفُرس الذين كانوا قد بلغوا القوة والغاية في مفاصل الدولة؛ لكن الذي حدث -كما يقول رشيد رضا (ت 1935هـ) في كتابه ‘الخلافة‘- هو أنه صار "جُند الترك في العباسيين كجُند الانكشارية في العثمانيين، كان قوةً لهم ثم صار قوةً عليهم ومُفسِداً لملكهم"! ونتيجة لسطوة النخبة العسكرية التركية وسيطرتها شبه المطلقة لهم على مقاليد السياسة والإدارة ومفاصل الدولة العباسية؛ برزت ظاهرة القبض على الخلفاء العباسيين وقتلهم أو حبسهم حتى يموتوا في غياهب الزنازين، بداية من مقتل الخليفة المتوكل (ت 247هـ) على يد ابنه المنتصر (ت 248هـ) وأعوانه من جند الترك، ومرورا بالمعتز بالله (ت 255هـ) الذي أطاح به القادة الأتراك متذرعين بضعفه وعدم قدرته على دفع رواتب العسكر. ويحدثنا الطبري عن النهاية البشعة للمعتز هذا فيقول إنه "دُفِع إلى مَن يعذبه، ومُنع الطعامَ والشراب ثلاثة أيام، فطلَبَ حُسْوَةً مِن ماء البئر فمنعوه، ثم جصَّصوا سِرداباً بالجِصّ الثخين، ثم أدخلوه فيه وأطبقوا عليه بابه فأصبح ميتا"!! وفعَل العسكر الأمر ذاته مع خلفه المهتدي بالله (ت 256هـ) الذي حاول وضع حدّ لاستضعاف الخلفاء عبر تشتيت الأتراك وضرب بعضهم ببعض، وفي سبيل تحقيق ذلك "جعل يركب في بني هاشم، ويدورُ في الأسواق ويسأل الناسَ النصرة، ويقول: هؤلاء الفُسّاق يقتلون الخلفاء.. وقد استأثروا بالفيء، فأعينوا أمير المؤمنين وانصروه"؛ حسبما يرويه الطبري. لكن دعوته لم تلْقَ صدىً؛ فقبض عليه الأتراكُ وأخضعوه للإقامة الجبرية وطلبوا منه الاستقالة فـ"أبى أن يخلع نفسه، فخلعوا أصابع يديْهِ ورجليه مِن كفيه وقدميه… حتى مات". وبالتزامن مع هذه الحالة من استضعاف النخبة العسكرية التركية للخلفاء في بغداد؛ كانت أطراف العالم الإسلامي تستغل أوضاع الاضطراب في مركز الخلافة لتكوين كيانات ودول مستقلة، أو توسيعها على حساب الجيران ولو كانوا مسلمين، وشرعت هي الأخرى في استخدام مبدأ "التغلب" لنيل السلطة، كما حدث بين عمرو بن الليث الصَّفّار (ت 289هـ) أمير الدولة الصَّفّارية في فارس خراسان (= معظم إيران وأفغانستان)، وإسماعيل بن أحمد الساماني (ت 295هـ) أمير السامانيين في إقليم ما وراء النهر (= أوزباكستان وما حولها). وفي نهاية المطاف؛ دارت بينهما معركة فاصلة انتهت بهزيمة ساحقة للصفّار "فأسروه فخيّره إسماعيلُ بين بقائه عنده والتوجيه إلى باب المعتضد بالله (العباسي المتوفى 289هـ) فاختار التوجيه. فبعثَه إلى باب الخلافة..؛ فوصل في أول جمادى الأولى من سنة ثمان وثمانين ومئتين…، وأركبه جملا وحملَه من المصلّى وشقَّ به بغداد من بِاب خراسان؛ وكان في حالِ إشهاره تدمعُ عيناه وهو رافع يديه يدعو، فرقَّ الناسُ له! وأمر المعتضدُ بحبسْه في القصر، فحُبِس إلى أن توفي في السجن" سنة 289هـ؛ وفقا لرواية ابن أيبَك الدَّوَادَاري (ت بعد 736هـ) في ‘كنز الدرر وجامع الغرر‘. استضعاف متكرر وفي العراق بقي استضعاف الخلفاء ظاهرةً تضرب أطنابها في أرجاء العاصمة المتأرجح مقرها بين بغداد وسامَرّاء؛ فقد خاف كبار القادة الأتراك من الخليفة القاهر بالله العباسي (ت 322هـ) لسماعهم شائعات تفيد بأنه يريد الفتك بهم، ويروي لنا أبو علي بن مسكويه (ت 421هـ) -في ‘تجارب الأمم وتعاقب الهمم‘- مشهد القبض على هذا الخليفة التعِس سنة 322هـ، حيث يقوله إنه "لمّا علم القاهرُ بحصول الغلمان في الدار (= قصره)؛ انتبه من سُكره وأفاق وهرب إلى سطح حمّام في دَور الحرم (= الحريم) فاستَتر فيه..، فدخلوا فوجدوه.. وفى يده سيف مُجرّد، واجتهدوا به -على سبيل الرفق- أن ينزل إليهم.. فأقام على الامتناع من النزول، إلى أن فَوَّقَ (= سدّد) إليه واحد منهم بسهم، وقال: إن لم تنْزِل وضعتُه في نحرك؛ فنزل حينئذ وقبضوا عليه.. وصاروا به إلى موضع الحبوس.. وحبسوه فيه". وأخرج القادة الأتراك أحد أمراء البيت العباسي من سجنه وهو محمـد بن الخليفة المقتدر ولقّبوه "الراضي بالله" (ت 329هـ)، الذي أراد أن يسبغ على المشهد الانقلابي الذي تم بالقوة غُلالةَ شرعيةٍ قانونيةٍ شكليةٍ، فأرسل جماعةً من كبار القضاة إلى سجن الخليفة المخلوع القاهر بالله ليشهدوا عليه بخلع نفسه من الخلافة لكنه رفض الاستقالة، وحينها قال أحد هؤلاء القُضاة -حسبما يرويه مسكويه- مقولةً تُلخّص جدلية السلطة منذ ذلك العهد: "بِنا (= القضاة) لا تُعقد الدولُ وإنّما يتمّ [ذلك] بأصحاب السيوف، ونصلحُ نحن ونُراد لشهادةٍ واستيثاقٍ" فقط! وبالفعل تدخّل العسكر وأنزلوا العقوبة بالخليفة المخلوع القاهر بالله، فـ"سُمِلت (= فُقِئَتْ) عيناه.. حتى سالتا جميعا فعَمِي، وارتُكب منه أمر عظيم لم يُسمَع بمثله في الإسلام..، وبقي القاهرُ محبوسًا في دار السلطان إلى سنة ثلاث وثلاثين [وثلاثمئة]..، فكان تارة يُحبس وتارة يخلى" حتى "توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة (= 339هـ)"؛ وفقا لما يرويه ابن الجوزي (ت 597هـ) في تاريخه ‘المنتظم‘. ثم تكرر الأمر ذاته مع الخليفة الذي جاء بعد وفاة الراضي بالله وهو المتقي لله (ت 357هـ) الذي تميز عهده بالصراعات المتلاحقة بين القادة العسكريين من العرب والترك؛ ففي سنة 333هـ تمرد "أمير الأمراء" التركي توزون (ت 334هـ) على هذا الخليفة وهو خارج العاصمة، فدبّر له حيلة حتى "قبض.. عليه وسَمَلَهُ وأدخِل بغدادَ أعمى..، [ثم] توفي المتقي في السجن" بعد 24 سنة قضاها سجينا؛ كما يروي الذهبي في ‘السِّيَر‘. جاءت سيطرة البويهيين على مقاليد السلطة العباسية ببغداد سنة 334هـ حلقة جديدة من حلقات التغلب وسيطرة سطوة القوة العسكرية وثقافة "الاستيلاء" على منطق الحق؛ لقد وافق الخليفة العباسي المستكفي بالله (ت 338هـ) على استقدامهم من إيران ليقضي بهم على تسلط الأتراك، لكنه لم يكن يدري أنه بخطوته تلك صار "كالمستجير من الرمضاء بالنار" لأنه سيكون أول ضحاياهم. ويقول أبو الحسن الهمذاني (ت 521هـ) -في ‘تكملة تاريخ الطبري‘- إن القائد البويهي معز الدولة (ت 356هـ) دخل على الخليفة "المستكفي بالله فَقبّل الأرض وَجلسَ على كرْسِي…، وَتقدم نفسان (= شخصان) إلى المستكفي، فظنّ أنهما يريدان تقبيل يده فمدّها؛ فجذباه وطرحاه إلى الأرض وحملاه إلى دار معز الدولة". وظل المستكفي بالله معتقلا فيها أربع سنوات بعدما فُقئت عيناه وأُعمِي، "فمات هناك بنفث الدم في هذه السنة (= 338هـ)"؛ حسبما يرويه ابن الجوزي في ‘المنتظم‘. مبادرة توفيقية ومرة أخرى تدخل الشرعية الحاكمة -التي قامت مع الأمويين والعباسيين والجامعة بين التغلب والقُرشية وضرورة "الأمر الواقع"- في طور جديد بتوالي الدول السلطانية، بويهيةً كانت أم سلجوقية أم مملوكية أم عثمانية. وهو ما جعل "أقضى القضاة" الإمام الماوردي الشافعي (ت 450هـ) يخرج -في كتابه ‘الأحكام السلطانية‘- بنظرية "وزارة التفويض"، التي قصد بها "أن يستوزر الإمامُ (= الخليفة) مَن يفوِّض إليه تدبيرَ الأمور برأيه وإمضاءها على اجتهاده"، موضحا أنه ما دام الدافع لذلك هو ضرورة سلطة الأمر الواقع فإن "وزارة التفويض تصح في إمارة الاستيلاء (= القوة والاضطرار)، ولا تصح في إمارة الاستكفاء (= قدرة الخليفة على تولية الأكفأ)". كان دافع الماوردي لطرح نظريته تلك تصحيح الوضع المختل في العلاقة بين خليفة يدعي الشرعية بـ"قوة الحق" وسلطان يمتلك واقعا "حقَّ القوة". ويبدو أن تكييفه للعلاقة بين الخلفاء المستضعَفين والسلاطين المتغلبين كان تمهيدًا لدخول السلاجقة بغداد في عام 447هـ قبل وفاة الماوردي بثلاث سنوات، بل وبإسهام منه في قدومهم حين قاد المفاوضات بينهم وبين الخليفة حينها القائم بأمر الله (ت 467هـ) "فراسلهم القائم بأمر الله بقاضي القضاة أبي الحسن الماوردي"؛ كما يقول الإمام الذهبي (ت 748هـ) في ‘سير أعلام النبلاء‘. ورغم ذلك؛ بقيت ظاهرة الحجر وقتل الخلفاء والأمراء المستقلين جلية في أرجاء العالم الإسلامي؛ كما وقع سنة 441هـ مع أمير الموصل قرواش بن مقلد العقيلي (ت 444هـ) حين "وثب على قرواش ابنُ أخيه بركةُ، وقبضَ عليه وسجنه في هذه السنة، وتملّك [مكانه] فمات في سنة ثلاث، فمَلَك بعده أبو المعالي قريش ابن بدران (ت 453هـ).. فذبح قرواش بن مقلَّد صبراً، وقيل بل مات في سجنه"؛ كما يخبرنا الذهبي في ‘العبر في خبر من غبر‘. ويروي الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- عن الأمير قرواش هذا قصصا تكشف جانبا مما كان عليه كثير من سلاطين تلك العصور من استهانة بالمحرمات وفي صدارتها الدماء؛ فقال إنه "كان على سَنَن العرب (= الأعراب)، فورد أنّه جمع بين أختين فلاموه، فقال: خبِّروني ما الذي نستعمل من الشَّرع حتّى تتكلموا في هذا الأمر؟! وقال مرّةً: ما في رقبتي غير دمِ خمسةٍ أو ستةٍ من العرب قتلْتُهم، فأمّا [أهل] الحاضرة فما يعبأ اللَّه بهم"!! كما كان قرواش شاعرا بارعا، وقد حكم أبو سعد السمعاني -في ‘الأنساب‘- بأن "لشعره ملاحة البداوة ورشاقة الحضارة"، ومن مُستجاد شعره: للهِ دَرُّ النائبــــــــــاتِ فإنها * صدأُ اللـــئامِ وصَيْقَلُ الأحرارِ مـا كنتُ إلا زُبْرَةً فَطَبَعْنَنِي * سَيْفاً وأطلقَ صرفُهُنَّ غِرارِي نماذج أندلسية وكما سادت في الشرق الإسلامي ظاهرةُ تصفية السلاطين جسديا بالموت البطيء في السجون بعد خلعهم، فإنها تكررت بصور شتى في مصر وعموم منطقة الغرب الإسلامي. فحين تفككت عُرَى الدولة الأموية بالأندلس نهائيا سنة 422هـ مفسحة المجال لبداية عصر "ملوك الطوائف" الذين توزعوا حواضر البلاد بالغلبة والاستيلاء؛ كانت العاصمة قرطبة والمناطق التبعة لها استثناء من ذلك، إذ حكمتها أسرة "آل جَهْوَر" -ذات الأصول الفارسية- بتراضٍ من أهلها. ويحدثنا الذهبي -في ‘السِّيَر‘- أنه في سنة 435هـ مات الأمير المؤسس جهور بن محمد، فآلت السلطة إلى ابنه أبي الوليد محمد (ت 462هـ) "فحكم على قرطبة..، فقصده [المعتمد] بن عباد (اللخمي أمير أشبيلية المتوفى 488هـ) وقهره وأخذ البلد (منه سنة 462هـ)، ثم سجن أبا الوليد في حصن..، فبقي في سجن ابن عباد إلى أن مات". هذا رغم أن ابن جهور كان -ويا للمفارقة- استنجد بابن عباد لحماية مملكته من جاره المسلم الآخر ملك طليطلة المأمون بن ذي النون (ت 467هـ)!! وما هما إلا عقدان ويلقى المعتمد بن عباد المصير نفسه الذي أذاقه لابن جهور. فحين قضى أمير دولة المرابطين يوسف بن تاشفين (ت 500هـ) على دويلات الطوائف في الأندلس سنة 484هـ، في تدخل المرابطين الثالث لإنقاذ الأندلس من اجتياحات القائد المسيحي ألفونسو السادس (ت 502هـ) المدمرة؛ قبض على المعتمد -وقد صار كبير ملوك الأندلس- بعد نقضه للطاعة ونكثه بالاتفاق المبرم بينه وبين المرابطين. وفي ذلك يقول المقّري التلمساني (ت 1041هـ) -في ‘نفح الطيب‘- إن ابن تاشفين "نقله إلى [بلدة] أغمات قُرب مراكش سنة أربع وثمانين وأربعمئة، واعتقله هنالك إلى أن مات" في محبسه بعد أربع سنوات. وقد روى لنا الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘ نقلا عن المؤرخ والعالم الأندلسي أبي يحيى إليسع بن حزم الغافقي الجياني (ت 575هـ)- ما يوضح جانبا من سياق المصير الذي آل إليه الملك ابن عباد؛ فقد خوّفه مستشاروه من الاستنجاد بالمرابطين (تدخلهم الثاني سنة 481هـ)؛ فأجابهم بأن "رَعْيَ الجمال [لابن تاشفين] خيرٌ من رَعْيَ الخنازير" لألفونسو! لكنه في آخر أمره تحالف مع المسيحيين ضد المرابطين –في تدخلهم الثالث والنهائي لإنقاذ الأندلس سنة 483هـ- فكان ذلك ذريعة لهم للإطاحة به وتقويض ملكه إلى الأبد. وقد علق قاضي القضاة المؤرخ ابن خلكان (ت 681هـ) -في ‘وفيات الأعيان‘- على نهاية ابن عباد المؤلمة قائلا: "ومن النادر الغريب أنه نودي في جنازته بـ‘الصلاة على الغريب‘، بعد عِظَم سلطانه وجلالة شانه!! فتبارك من له البقاء والعزة والكبرياء"! وقبل ابن خلكان؛ كان ابن عباد نفسه أول من أدرك مأساته التي إليها آل حاله بعد زوال ملكه العريض، فقال في قصيدته الطنانة بمناسبة حلول أحد الأعياد: فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا ** وكان عيدُك باللـــــذاتِ معمورا وكنتَ تحسب أن العيدَ مَسْـــــعـَدةٌ ** فساءَكَ العيدُ في أغماتَ مأسورا ترى بناتـِك في الأطــــمار جائعةً ** يَغْزِلْنَ للناس ما يَمْلِكْنَ قِـطميرا! عادة مملوكية وبالعودة لمنطقة المشرق الإسلامي؛ نجد أن الدولة الأيوبية (567-647هـ) -التي حكمت مصر والشام والحجاز واليمن- لم تكن استثناء من محيطها السياسي في آلية الوصول إلى السلطة، رغم التاريخ الجهادي العظيم لمؤسسها صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ). ولذلك رأينا هذه الظاهرة تتكرر مع عدد من أمرائها الصغار وأحد سلاطينها الكبار، وعلى رأسهم الملك العادل الثاني بن الكامل الأيوبي (ت 645هـ) الذي تولى سلطنة مصر بين عاميْ 635 و637هـ. فقد اشتُهر العادل الثاني بتهوّره ولهوه وعدم تقديره للمسؤولية الملقاة على عاتقه، واستطاع أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب (ت 647هـ) القبض عليه وسجنه؛ ليرتقي خلفًا له إلى عرش السلطنة بمصر. يقول ملك حماة المؤيد الأيوبي (ت 732هـ) في تاريخه ‘المختصر في أخبار البشر‘: "وكان [العادل الثاني] مسجوناً من حين قُبض عليه ببلبيس إلى هذه الغاية (= سنة 645هـ)، فكان مدة مُقامه بالسجن نحو ثمان سنين، وكان عُمره [يوم مات في حبسه] نحو ثلاثين سنة". وفي عصر المماليك (648–923هـ) -الذي تأسست السلطة فيه من أول يوم على جُرُفٍ هارٍ من القوة والصراع- برزت هذه الظاهرة على سطح الأحداث السياسية بجلاء تام، وذلك بالقبض على السلاطين الضعفاء وسجنهم وقتلهم فيها. فقد كان السلطان المملوكي بيبرس الجاشنكير (ت 709هـ) من جملة قتلى السجون؛ وسبب ذلك اضطهاده للسلطان الناصر محمد بن قلاوون (ت 741هـ) في سلطنة الأخير الثانية (698–708هـ)، حتى إنه اضطره إلى الخروج من مصر إلى الكَرَك -التي تقع اليوم جنوبي الأردن- يشتكي إلى الأمراء الموالين له في الشام ما "كان فيه من ضيق اليد وقلة الحُرمة، وأنه لأجل هذا ترك مُلك مصر وقنع بالإقامة في الكرَك"؛ حسبما يذكره المقريزي في ‘السلوك لمعرفة دول الملوك‘. أعلن بيبرس الجاشنكير -بتأييد من أمراء المماليك بمصر- توليه السلطنة، لكن الناصر قلاوون عاد -بعد أقل من سنة- مسنودا بدعم عارم من أمراء الشام، فدخل مصر وقبض على الجاشنكير فأودعه في سجن البرج الكبير بقلعة الجبل في القاهرة. ويصف المؤرخ ابن تغري بردي (ت 874هـ) -في ‘النجوم الزاهرة‘- لحظات نهاية السلطان الجاشنكير -وهو مخلوع مودَع في السجن- قائلا: "جاء السلطانُ الملك الناصرُ [إلى السجن] فخنق [بيبرس] بين يديه بـِوَتَرِ [قوْسٍ] حتى كاد يتلف، ثم سيَّبه حتى أفاق وعنّفه وزاد في شتمه، ثم خنقه ثانيا حتى مات"، فكان ثأره منه تعذيبًا وقتلا!! نكبة عائلية ولئن قـَتل الناصر قلاوون خصمَه الجاشنكير؛ فإن المصير ذاته آل إليه بعض ولده من بعده، وأولهم السلطان المنصور أبو بكر بن محمـد بن قلاوون (ت 742هـ). فقد ارتقى المنصور هذا سدة العرش بوصية من أبيه عند وفاته سنة 741هـ، ولكن حكمه لم يطُل نظرا لصغر سنه إذ كان في العشرين من عمره، ولتنازع الأمراء من حوله واستخدامهم له في الصراع على النفوذ والإقطاع، ثم إنه كان منهمِكا في "اللهو وشرب الخمور وسماع الملاهي، فشق ذلك على الأمير قوصون (الساقي الناصري المتوفى 742هـ) وغيره لأنه لم يُعْهَد مِن مَلِك قبْلَه شُربُ خمرٍ"؛ كما يقول المقريزي (ت 845هـ) في ‘السلوك‘. حاصر الأميرُ قوصون الناصري -الذي كان حينها أحدَ كبار الأمراء ومدبرَ الدولة بوصية من الناصر قلاوون- السلطانَ المنصور في قلعة الجبل بالقاهرة، ولما أيقن الجميع بقوة قوصون ومساندة الأمراء له صدر القرار بنفي المنصور إلى مدينة قوص في صعيد مصر تحت "الترسيم" أي الإقامة الجبرية، وبعد مدة قليلة صدر قرار التخلص منه وهو في سجنه. ويقول ابن تغري بردي -في ‘النجوم الزاهرة‘- إنه "دَسَّ عليه قوصون [الأميرَ] عبد المؤمن متوليّ قوص؛ فقتله [بمقرّ إقامته الجبرية] وحمل رأسه إلى قوصون سرّا..، وكتموا ذلك عن الناس". وكان هدف قوصون من ذلك القضاء على منافسه السلطان المخلوع مخافة أن يرجع إلى عرشه من جديد! واللافت أن قوصون -الذي صار مدبرَ أمر السلطنة وقائد الجيش فيها- عَيّن طفلا صغيرًا من أطفال الناصر قلاوون اسمه كُجُك (ت 746هـ) سلطانا يلقب بـ"الأشرف" وهو لا يزال في السابعة من عُمره، وبذلك أضحى الأمير قوصون السلطان الحقيقي للبلاد فـ"سكن بدار النيابة التي بالقلعة، وتصرّف في أمور المملكة بما يختار"؛ وفقا لتعبير ابن إياس الحنفي (ت 930هـ) في ‘بدائع الزهور‘. وقد عبر أحد شعراء مصر حينها -كما يرويه ابن تغري بردي في ‘النجوم الزاهرة‘- عن هذا الواقع المضحك المبكي بقوله: سلطانـُنا اليومَ طفلٌ والأكابرُ في ** خـُلْفٍ، وبينَهم الشيــطانُ قد نـَـزَغا فكيف يَطمع من تــُـغْشيه مَظلمةٌ ** أنْ يَبلُغَ السُّؤْلَ والسلطانُ ما بلغا؟! وبعد تمكنه من السلطة؛ عمل قوصون على إقصاء واضطهاد منافسيه من كبار الأمراء والقبض عليهم، ولذلك قرروا الانتقام منه فحاصروه في القلعة وقبضوا عليه وأرسلوه إلى سجن الإسكندرية شمالي مصر. ويقول ابن تغري بردي إن قوصون "استمرّ.. بسِجن الإسكندرية.. حتى حضر الملك الناصر أحمد [ابن قلاوون (ت 745هـ)] من الكَرَك، وجلس على كرسي المُلك بقلعة الجبل…، واتّفق آراء الأمراء على قتل قوصون فجهّزوا لقتله [الأمير الشامي] شهاب الدين أحمد بن صُبح (الكردي المتوفى بعد 759هـ) إلى الإسكندريّة فتوجّه إليها وخنق قوصون [في سجنه]" حتى مات. وبمقتله على تلك الحالة؛ شرب قوصون من كأس الاغتيال التي سقى منها غيره، كما شرب منها بعده الناصر أحمد حين عزله المماليك ونصبوا مكانه السلطان الصالح إسماعيل ابن قلاوون (ت 746هـ)، الذي جند جيوشا لمحاصرته بالكرك سنتين فقبضوا عليه وسجنوه، ثم أرسل من احتزّ له رأسه هناك وجاء به إليه وهو في القاهرة! بل إن السلطان الأشرف كُجُك -وهو ذلك الطفل الذي وافق اسمُه مسمّاه (كُجُك küçük بالتركية معناها: صغير) فلم يكن يدرك ولا يعلم ما يجري حوله!- قرر الأمراء الكبار خلعه، فعزلوه ووضعوه تحت الإقامة الجبرية في "الدُّور السلطانية تحت كنف والدته، وهو ووالدته في ذُلّ وصَغار وهوان" داخل قلعة الجبل، وظل بها حتى قرر السلطان الكامل شعبان (ت 747هـ) التخلص منه بعد أربع سنوات من تلك الإقامة الجبرية. ويقول المقريزي -في ‘السلوك‘- إن كُجُك مات "عن اثنتي عشرة سنة، واتُّهِم السلطان [الكامل] [بـ]ـأنه بعث مَن قتله في مضجعه على يد أربعة خُدّام". ولم يكن التخلص من هذا السلطان المخلوع -وهو لم يبلغ الحُلم- إلا خوفًا على العرش!! إرث مستمر وحين انتصر العثمانيون على المماليك في معركتيْ مرج دابق شمال حَلب سنة 922هـ ثم الريدانية بالقاهرة في العام التالي 923هـ، بعد سلسلة من معارك الفر والكر؛ سقط السلطان المملوكي الأخير طومان باي (ت 923هـ) في الأسْر، وتوجّهوا به إلى السلطان العثماني سليم شاه الأول (ت 926هـ) الذي أمر بسجنه في "خيمة، فأقام بها وأحاط به الإنكشارية بالسيوف لأجل الحفظ"؛ كما يذكر ابن إياس في ‘بدائع الزهور‘، وهو المؤرخ الشاهد على أحداث تلك المرحلة الفاصلة. ثم أنزِلت بطومان باي عقوبة الإعدام خلال نحو ثلاثة أسابيع من أسره، ليكون بذلك آخر سلاطين المماليك وتتبع مصر للعثمانيين -حقيقة أو شكلا- منذ ذلك التاريخ (923هـ/ 1517م) وحتى إعلانها سلطنة مستقلة سنة 1914م. وحين استولت البحرية العثمانية بقيادة سنان باشا (ت 1004هـ) على تونس سنة 981هـ، وطردوا منها الاحتلال الإسباني الذي خضع له نفرٌ من آخر سلاطين الحفصيين؛ كان "مصير محمـد بن الحسن الحفصي [-وهو آخر سلطان حفصي- أنْ] حملَه معه سِنان باشا إلى إسطنبول، واعتُقل هناك خشية فِراره واستنجاده بالإسبان مرّة أخرى، وظلَّ في اعتقاله هناك إلى وفاته"؛ كما يقول محمد العروسي المطوي في كتابه ‘السلطنة الحفصية‘. ولقد شهدت الدولة العثمانية ذاتها أحداثًا مشابهة مثلما وقع مع السلطان عثمان الثاني (ت 1031هـ)؛ فقد حاول هذا السلطان الشاب أن يُدخل في بنية الدولة إصلاحات جذرية أملتها الضرورة حينذاك، بما فيها إقامة نظام عسكري جديد تكون نواته فرقة عسكرية من غير جنود الإنكشارية الذين أصبحوا عبئا على الدولة، وتقاعسوا عن أداء واجبهم في بعض الحملات العسكرية. لكن الإنكشارية عرفوا بالأمر فحاصروا عثمان الثاني، وفي نهاية الأمر أخذوه "من أورطة (= ثُكنة) جامع في السليمانية وتوجهوا به إلى [سجن] يدي كولة (= الأبراج السبعة Yedi kule)، وهناك حمل عليه عشرة جلادين، ورغم أنه كان أعزل [فقد] قتل ثلاثة منهم، ثم قُتل خنقًا بخيط من حرير، وذلك مساء يوم 22 مايو/أيار [1622م]"؛ وفقا لما أورده يلماز أوزتونا في ‘تاريخ الدولة العثمانية‘. ونصب الإنكشارية من بعده عمه السلطان مصطفى الأول (ت 1049هـ) -الذي عُرف بالجنون والخرف- مما أتاح لهم أن يحكموا من وراء ستار إلى حين. بين رؤيتين وفي ختام هذا الرصد التاريخي لظاهرة قتل الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء في سجونهم وإقاماتهم الجبرية، إما بالفعل المباشر أو بالإهمال ليعانوا موتا "طبيعيا" بطيئا؛ يمكننا أن نرى -في استمرارية هذه الظاهرة المؤلمة التي وقفنا على بعض نماذجها الشهيرة دون استقصاء مستوعِب- سيادةً لمبدأ القوة وهيمنته المطلقة على مبدأ احترام الشرعية الدستورية للأمة، في جميع أنحاء الرقعة الجغرافية للعالم الإسلامي، وعبر هذا التاريخ الطويل الذي بدأ مع الخليفة الراشد عثمان بن عفان (ض) وحتى نهايات عصر العثمانيين. كما نستطيع رؤية أن مصير كثير من هؤلاء السلطين إنما كان "جزاءً وفاقا" لما فعلوه هم بسلاطين آخرين خلعوهم بالقوة واحتلوا السلطة بعدهم إلى حين! ورغم ترسخ هذه الظاهرة الغريبة؛ فإنه جدير بالذكر الإشارة إلى أن هؤلاء السلاطين -سواء الغالب منهم والمغلوب- ظلوا حتى نهاية عصر العثمانيين يحكمون في دول خاضعة -ولو شكليا- لشريعة الإسلام ونظمها ومقاصدها العليا، ومُقرّين لمبدأ التقاضي إليها، ومشاركة النخبة المدنية من الفقهاء في الحكم وإدارة المؤسسات العلمية والتعليمية والعدلية، وإن اعتُبر قبول "التغلب" أمرًا أملته ضرورة احتكام ذوي السلطة إلى القوة فإنه لم يُسلَّم فقهاً بصوابيته من حيث المبدأ؛ وهو ما يباين القطيعة الكبيرة مع الإقرار بالمرجعية الحصرية لأحكام الإسلام في الدولة الحديثة. والحق أن النخبة المدنية من الفقهاء والعلماء كانت شاهدة على تلك الأحداث في عصر المماليك وما سبقه ولحقه من عهود سادتها الانقلابات العسكرية المسماة بلغة الفقهاء "التغلب" و"الاستيلاء". ويبدو أن الفقه السياسي في تلك الأزمنة اتخذ -في مساره الأعم- منحىً شديد الواقعية عبّر عنه قاضي القضاة في مصر بدر الدين ابن جماعة الشافعي (ت 733هـ) -في عبارة واضحة- حين رأى "شرعية اضطرارية" لمنطق التغلب في صورته المملوكية، وذلك بقوله -في كتابه ‘تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام‘- إنه "إذا انعقدَت الإمامةُ بالشوكة والغلبة لواحدٍ ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده، انعزل الأول وصار الثاني إمامًا؛ لما قدّمنا من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم". على أنه ظل يوجد في صفوف العلماء من يرفض شرعية "الأمر الواقع" لسلاطين التغلب، مهما قال بها بعضهم وخضع له الناس ضعفا و"ارتكابا لأخف الضررين"؛ فهذا الإمام الزمخشري الحنفي (ت 538هـ) يسمّي هؤلاء السلاطين "اللصوص المتغلبة"، ويقول عنهم في تفسيره ‘الكشاف‘: "لمّا أمَرَ [الله] الولاةَ بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم…، والمراد بـ«أولي الأمر» منكم: أمراء الحق.. كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان…، وأمراء الجور لا يؤدون أمانة ولا يحكمون بعدل..، إنما يتبعون شهواتهم..، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند الله ورسوله، وأحقُّ أسمائهم: اللصوصُ المتغلبة"!! المصدر : الجزيرة
  7. عبد الله الطحاوي 9/6/2020 في عام 1948م التحق الشاب الأميركي الأسود جورج ما كلوين بجامعة أوكلاهوما فكان أول طالب من أصول أفريقية يلتحق بها، كانت قوانين الفصل العنصري تعزل تعليميا الطلاب البيض عن السود، لكنه ناضل حتى دخل الجامعة التي خصصت له دورة مياه ومكانا منفردا في المطعم وزاوية بعيدة في قاعة التدريس حتى لا يختلط بالطلاب؛ وهو ما جعل ماكلوين يتصدر طليعة الرواد الذين ناهضوا التمييز اللوني في المعرفة والتعليم داخل المجتمع الأميركي. لكن بعيدا عن ولاية أوكلاهوما وضيق التنفس المعرفي فيها، بل والوجودي في بلادها الذي عانى منه قبل أيام مواطنه وسميُّه الآخر جورج فلويد على أيدي شرطي أميركي أبيض؛ نعود مئات السنين إلى "ولاية" مكة المكرمة التي كان وُلاتها "زمان بني أمية يأمرون [في] الحاج صائحا يصيح: ألّا يُفتي الناسَ إلا عطاءُ بن أبي رباح (ت 115هـ)"؛ كما يقول الفاكهاني (ت 272هـ) في ‘أخبار مكة‘. لقد كان عطاء هذا عبدا أسود لامرأة من أهل مكة ومع ذلك نال لقب "سيد فقهاء أهل الحجاز". ويروي الخطيب البغدادي (ت 463هـ) -في كتابه ‘الفقيه والمتفقه‘- أن هذا "الفقيه الأسود" جاءه الخليفة الأموي سيلمان بن عبد الملك (ت 95هـ) ومعه ابناه فأشاح عطاء بوجهه عنه، "فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حوّل قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيْه: قوما فقاما، فقال: يا بني لا تَـنِيَا (= تُقصِّرا) في طلب العلم، فإني لا أنسى ذلّنا بين يديْ هذا العبد الأسود"!! هذه المفارقة الشديدة الدلالة بين الموقفين السابقين تكشف عن مقاربة الثقافة الإسلامية لقيمة المساواة الإنسانية، وتقنيات تذويب الفوارق التي طرحها الإسلام بين الأعراق والأجناس مع صيانة قيمة الاختلاف والتنوع، حيث نجح الإسلام ليس في الانقلاب على معيار السيادة في المجتمع العربي البدوي فقط، بل وعلى معايير التفاضل داخل الثقافات المحيطة مثل اليهودية والمسيحية واليونانية والفارسية، فبات فقيه من أصول خضعت للرق والعبودية ينفر من تعليم الملوك! وصارت معايير التفاضل تزكوية روحية لا تنكشف حقيقتها إلا أمام الله وحده في الآخرة. وهذا المقال يتطرق لبعض أدوار السُّود وإسهاماتهم في التاريخ الإسلامي، ويحاول أن يتيح مداخل متعددة لرصد جوانب من جهود جمع كبير من أعلام السود أسهموا بأدوار علمية ونضالية وأدبية وسياسية في دفع حركة المسلمين على صُعُد شتى وطوال قرون، مع تقييد رصد هذه الأدوار بالمنطقة العربية من المشرق الإسلامي التي كان السود فيها يمثلون "أقلية" يلفت تصدُّرها النظرَ ويثير الإعجاب. بين منظومتين كانت أغلبيةُ الطليعةِ المسلمةِ الأولى من الفقراء والعبيد، وهذا كان طبيعيا مع دعوة كانت تقدم فضائل وأخلاق الإنسان على مركزه الاجتماعي والمالي، وكانت الفرصة مهيَّأة للجِلَّة التقية من المظلومين في الصحراء العربية لأن يكونوا قادة في الدعوة الدينية الجديد. كان أبرز هؤلاء النفر الصحابي الجليل بلال بن رباح (ت 20هـ)، ولذلك "كان عمر يقول: أبو بكر سيدُنا، وأعتقَ سيدَنا، يعني بلالا"؛ (صحيح البخاري). وبلال هو "السيد المتعبد المتجرد"؛ كما يصفه أبو نعيم الأصفهاني (ت 430هـ) في ‘حلية الأولياء‘. ويبدو لحرص عمر على استخدام "سيدنا" دلالته التعبيرية البليغة حول القيم الجديدة الصاعدة. كان بلال ذو البشرة السوداء نموذجا لحركية وتمثل تلك القيم؛ إذ لم ينِ جهدا في تمثيلها إيماناً وتضحيةً وتعبيراً عنها بأتم صيغ التعبير في صحبته للنبي (ص) ثم مع خلفائه من بعده؛ ولذا كان موقفه التفاوضي مع الروم -سنة 13هـ أثناء حصار قيسارية بفلسطين التي يقع مكانها الأثري حوالي 37 كم جنوب حيفا- يجسد نوعا من المواجهة القيمية بين ثقافة صاعدة هي رسلة الإسلام وأخرى آفلة هي ثقافة الروم. فقد مثَّـل المسلمين رجلٌ أسود كان عبدا بالأمس القريب، بينما مثـّل الرومَ ابنُ ملِكِهم العظيم وبدعوة للتفاوض يحملها قسٌّ كبير أبيض هو الخلاصة المركزة للثقافة المسيحية حينها، وكان يحمل "بيده صليبا من الجوهر". فقد جاء في ‘فتوح الشام‘ للواقدي (ت 207هـ) أن زعيم الروم فلسطين بن هرقل "دعا بقسٍّ عظيم القدر عند النصرانية -وهو قسُّ قيسارية وعالمها- وقال له: اركب إلى هؤلاء القوم وكلمهم بالتي هي أحسن، وقل لهم إن ابن الملك يسألكم أن تُنْفِذوا إليه أفصحكم لسانا وأجرأكم جنانا..، ولا يكون من طَغام (= أراذل) العرب. فركب القس.. وسار حتى وصل إلى المسلمين فوقف بحيث يسمعون كلامه، وأبلغهم رسالة زعيمه". تقدم بلال إلى قائد جيش المسلمين عمرو بن العاص (ت 43هـ) بطلب تمثيل المسلمين في مفاوضة قائد جيش الروم، فكان رد قائده: "اذهب واستعن بالله ولا تَهَبْه في الخطاب، وأفصح في الجواب وعظِّم شرائع الإسلام؛ فقال بلال ستجدني إن شاء الله حيث تريد". ويضيف الواقدي أنه لما "برز بلال من عسكر المسلمين ونظر إليه القس أنكره؛ وقال إن القوم قد هُـنّا عليهم، فإنا دعوناهم نخاطبهم فبعثوا إلينا بعبيدهم لصغر قدرنا عندهم، ثم قال: أيها العبد أبلغ مولاك وقل له إن الملك يريد أميرا منكم حتى يخاطبه بما يريد؛ فقال بلال أيها القس أنا بلال مولى رسول الله (ص) ومؤذنه، ولست بعاجز عن جواب صاحبك؛ فقال له القس: قف مكانك حتى أعلِم الملك بأمرك، وعاد القس إلى الملك يبلغه ما وقع، ثم عاد إليه فرجع الترجمان إلى بلال وقال له: يا أسود! إن الملك يقول لك: لسنا ممن نخاطب العبيد بل يأتينا صاحب جيشكم أو المؤمَّر عليكم، فرجع بلال وهو منكسرٌ"!! كانت اندفاعات الفقراء والمستضعفين مثالا تطبيقيا للقيم الجديدة، وتجلى ذلك في أولى معارك الإسلام الفاصلة وهي غزوة بدر الكبرى سنة 2هـ، بما تعنيه من رمزية شديدة في مسيرة الإسلام، وبما يحتله أبطالها من مكانة في وجدان المسلمين. ومن رموز السود المشاركين فيها الصحابي الجليل مهجع (ت 2هـ) الذي كان مولى لعمر الفاروق (ت 23هـ)، وصار "أول قتيل في سبيل الله" يوم بدر؛ كما يقول الإمام الذهبي (ت 748هـ) في ‘سير أعلام النبلاء‘. ومنهم أيضا الصحابي الفارس المقداد بن الأسود (ت 33هـ) الذي نقل الذهبي -في ‘السِّيَر‘- رواية تفيد بأنه "كان عبدا.. أسود اللون"، وكان يوم بدر الوحيد من الصحابة الذي معه فرس، فقد روى الذهبي أن "عليا رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا ليلة بدر.. وما منا أحد فارس يومئذ إلا المقداد". وقد شهد الغزوات كلها وكان يلقَّب "فارسَ رسول الله (ص)". معيارية جديدة استمرت تلك العقيدة الكفاحية لتلك الجمهرة الطيبة تغذي عنفوان الدين الجديد فيما توالى بعد بدر من المواطن المجيدة. ولم يكن كل الصحابة السود من أصول عرقية أفريقية؛ فهناك صحابة من العرب الصرحاء كانوا ذوي بشرة سوداء، وأضافوا لمساتهم على منتخب التنوع الذي مثل قاعدة الإسلام التأسيسية. ومن أبرز هؤلاء الصحابي البارز عُبَادة بن الصامت الخزرجي (ت 34هـ) الذي كان أسود اللون، ومثّل إطلالة الدين الجديد على أرض مصر مجدِّدا موقف بلال في الشام، ولكن هذه المرة مع المُقَوْقِس عظيم القبط. فقد بعث قائدُ جيش فتح مصر عمرو بن العاص عُبادةَ على رأس وفد لمفاوضة المقوقس، فلما دخل عليه عبادة "هابه المقوقس لسواده فقال [للمسلمين]: نحُّوا عني هذا الأسود وقدّموا غيره يكلمني، فقالوا جميعا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما، وهو سيدنا وخيرنا والمقدَّم علينا، وإنما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره به، وأمرنا بألا نخالف رأيه وقوله. قال: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم؟ قالوا: كلا، إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعا وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا، وليس يُنكَر السواد فينا. فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق"!!؛ كما جاء في ‘فتوح مصر والمغرب‘ للإمام ابن عبد الحكم (ت 257هـ). والحقيقة أنه إذا كانت ثمة نقطة فارقة بين ثقافة الغزو وقيم الفتح؛ فإنها هي تلك النقطة التي انطلق منها الصحابيان الأسودان بلال وعُبادة رضوان الله عنهما في مفاوضتهما لزعيميْ الروم والقبط، وتجسيد المسلمين عمليا في الموقفين مقولتَهم إنه "ليس يُنكَر السواد فينا"! منذ بداية الإسلام؛ كان السود في مجتمع المدينة قريبين من النبي (ص) إلى الدرجة التي كانوا يمارسون بها ألعابهم الشعبية في مسجد النبوي؛ كما في ‘صحيح ابن حبان‘. وقام العديد من الصحابة السود بأعمال مهمة في خدمة الدولة الناشئة؛ ومن هؤلاء رباح مولى النبي (ص) الذي نال أحيانا شرف شغل مهمة "حاجب النبي"؛ ويقول الحافظ ابن عبد البر (ت 463هـ) -في ‘الاستيعاب في معرفة الأصحاب‘- إنه "كان أسود وربما أذِن على النبي (ص) أحيانا إذا انفرد رسول الله (ص)"؛ حتى إن ابن الأثير (ت 630هـ) يذكر -في ‘أُسْد الغابة‘- أنه "استأذن لعمر بن الخطاب.. على النبي (ص)". ومنهم أيضا الصحابي جُليْبيب الذي قال عنه الرسول (ص) يوم قـُتل: "قَتَل سبعةً ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه"؛ (صحيح البخاري). وكذلك الصحابي الفقيه سالم مولى أبي حذيفة (ت 12هـ) الذي كان "يؤمُّ المهاجرين.. من مكة حين قدم المدينة، لأنه كان أقرأهم". وعند ذكر فُضليات الصحابيات تأتي في مقدمتهن أم أيمن الحبشية (توفيت في خلافة عثمان بن عفان)، وهي حاضنة رسول الله (ص) ووالدة أسامة بن زيد (ت 54هـ) الذي ورث منها سواد لونه، وهي التي كان الخليفتان أبو بكر (ت 13هـ) وعمر يزورانها بعد وفاة رسول الله (ص) فكانت تبكي أمامهما وتقول: "إنما أبكي على الوحي إذ انقطع عنا من السماء"!! مجد متاح مثلت الطليعة السوداء التأسيسية موقدا لأكبر اندفاعة للسود في التاريخ؛ فلم تعرف حضارة حضورا لهذا اللون الطيب الزكي مثلما حدث مع الإسلام، حيث سكنت القوى السوداء صميم الحضارة الإسلامية، وكان لفضلاء الصحابة السود -بجهادهم وعلمهم وأدبهم- تأثير كبير على جمهرة كبيرة من الأرقاء والموالي -من أجيال التابعين ومن بعدهم- لكي يكتسبوا وسائل السيادة الاجتماعية والثقافية والمعرفية؛ فقد كان العلم ميزانا مَرْضِيا داخل المجتمع المسلم الجديد، وسلّمًا حركيا تُتسوَّر به قلاع القيادة. ومن أشهر رجال العلم والفكر في الثقافة الإسلامية يزيد بن أبي حبيب النوبي (ت 128هـ) الذي يصفه الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- بأنه "أحد الأعلام.. وكان أسود حبشيا..، وكان مفتي أهل مصر.. حليما عاقلا"؛ فهل كان يزيد هذا صدى لنداء عُبادة بن الصامت القِيَمِي في لقائه مع المقوقس؟ تذكر كتب التاريخ أن يزيدا النوبي هذا قلب مزاج مصر وأحدث تحولا معرفيا كبيرا في اهتمامات المصريين العلمية، حين دفع المعرفة عندهم في اتجاه العقل والعلم الرصين، بعد أن كانت روحها العلمية عالقة بما كان يسود مصر من تأثر بالثقافات القديمة المولعة بالغرائب والحكايات ونهايات التاريخ؛ فيزيد النوبي "هو أول من أظهر العلم والمسائل [الفقهية] والحلال والحرام بمصر، وقبل ذلك كانوا يتحدثون في الترغيب والملاحم والفتن". وقد تخرجت على يديه طائفة من أئمة العلم بمصر؛ من أبرزهم المحدِّث عبد الله بن لَهِيعة (ت 174هـ) وإمام مصر الأكبر ومفتيها الأشهر الليث بن سعد (ت 175هـ)، الذي كان يقول عن يزيد: "هو عالمنا وسيدنا". ولنتأمل مرة أخرى هذا اللقب التشريفي البالغ الدلالة من رجل عالي المكانة مثل الإمام الليث!! كما قام يزيد النوبي بحسم سياسي في موقف المصريين من حكم الأمويين وكسب ولائهم للدولة الجديدة؛ ولنترك الحديث ليزيد يكلمنا عن هذا التحول حسبما يرويه عنه الذهبي: "كان أبي من أهل دُنقلة (تقع اليوم في السودان)، ونشأت بمصر وهم علوية فقلبتُهم عثمانية". ورغم تلك النزعة الأموية ليزيد فإنه عُرف بصرامته مع وُلاة الأمويين على مصر؛ فتلميذه ابن لهيعة يخبرنا أنه "مرض يزيد بن أبي حبيب فعاده حَوْثرة بن سُهيل (الباهلي المتوفى 132هـ) أمير مصر، فقال: يا أبا رجاء! ما تقول في الصلاة في ثوب فيه دمُ البراغيث؟ فحوّل [يزيد] وجهه ولم يكلمه، فقام فنظر إلى يزيد؛ فقال [له يزيد]: تقتل خلقا كل يوم وتسألني عن دم البراغيث"!! وكان يزيد مظهرا لمكانة العلماء عند أصحاب السلطة والنفوذ متمسكا باستقلاليتهم عنهم وبمهابة العلم، كيف لا وهو "أحد الثلاثة الذين جعل عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) إليهم الفتيا بمصر". ومن ذلك أن زيادا نجل الأمير الأموي عبد العزيز بن مروان (ت 85هـ) أرسل إليه يوما قائلا: "ائتني لأسألك عن شيء من العلم..، فأرسل إليه [يزيد]: بل أنت فائتني، فإن مجيئك إليّ زينٌ لك ومجيئي إليك شَيْنٌ عليك"!! إمامة للأمة لقد أسَّس يزيد بما فعله لموقف التابعي عطاء بن أبي رباح -المشار إليه في صدر المقال- الحامي لمكانة العلم وحملته أمام كبرياء أصحاب السلطة، وكأنهما قد شربا من ماء واحد!! كان عطاء هذا أسود ولم يمنعه ذلك من تحصيل مجد جعل الإمام أبو الحسن العجلي (ت 261) يقول عنه -في كتاب ‘معرفة الثقات‘- إنه "كان مفتي أهل مكة في زمانه"، ويصفه الذهبي -في السِّيَر- بـ"شيخ الإسلام مفتي الحرم". ولم يكن عطاء نموذجا فقط في تصدر السود من أهل الثقافة لإمامة المسلمين بجميع ألوانهم وأعراقهم، بل كان أيضا من ذوي الاحتياجات الخاصة من أصحاب الإعاقات؛ فقد كان "أعور أشلّ أفطس أعرج، ثم عمي بعد ذلك"؛ كما في كتاب ‘المعارف‘ لابن قتيبة الدينَوَري (ت 276هـ). وحين أثبت له تلك الصفاتِ المؤرخُ ابن قنفذ القسنطيني (ت 810هـ) -في كتابه ‘الوفيات‘- علّق عليها -بعبارة مدهشة موصولة تمام الوصل بالقيم الجديدة- قائلا: "فالعلم ليس بالجمال ولا بالمال وإنما هو نور يضعه الله في صدر من يشاء"!! ومن رموز تلك النخبة الرفيعة من المسلمين السود إمامُ التابعين سعيد بن جُبير (ت 94هـ) الذي حاز مكانة علمية بالغة العلو؛ فالذهبي يقول في ‘تذكرة الحفاظ‘: "كان يقال لسعيد بن جبير ‘جهبذ العلماء‘"، ويضيف أنه "كان أسود اللون، وكان ابن عباس (ت 68هـ) إذا حج أهل الكوفة وسألوه يقول: أليس فيكم سعيد بن جبير؟!". ومع مكانته العلمية تولى ابن جبير وظيفة القضاء في الكوفة والكتابة لقضاتها من أمثال أبي بُردة الأشعري (ت 103هـ)؛ حسبما يورده ضمن ترجمته الدينوري في ‘المعارف‘. وحين قامت ثورة الفقهاء على الحجاج بن يوسف (ت 95هـ) -حاكم الأمويين في العراق- شارك فيها سعيد بن جبير. ورغم فشل هذه الثورة؛ ظل سعيد متمسكا بموقفه المؤيد لها حتى قتله الحجاج في القصة المعروفة. ومن علماء السود البارزين في مجال القراءات القرآنية صاحب مَقْرَأِ مدينة رسول الله (ص): أبو رُوَيْم نافع بن عبد الرحمن المدني (ت 170هـ)، الذي يصفه الإمام ابن الجَزَري (ت 833هـ) -في ‘غاية النهاية في طبقات القراء‘- بأنه كان "أحد القراء السبعة والأعلام..، وكان أسود اللون حالكا صبيح الوجه، حسن الخلق فيه دُعابة، أخذ القراءة عرْضاً عن جماعة من تابعي أهل المدينة، [وكان] يقول: قرأت على سبعين من التابعين". ومن أعلام الصوفية السود أبو الخير حماد بن عبد الله التيناتي (ت 349هـ) الذي أطراه الإمام الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- فقال إنه "صاحب الكرامات..، وكان أسود اللون سيدا من سادات الكون…؛ وقال القشيري: كان كبير الشأن له كرامات وفراسة حادة". وترجم الذهبي كذلك لعالم أسود آخر هو "أبو صالح (ت 328هـ) مولى عبد الله بن يحيى التغلبي…، وكان أسود.. ثقة تقبله القضاة". شعر وبيان لم يكن حضور السود منحصرا فقط في فضاء معارف القرآن والحديث والفقه، بل كانت لهم أيضا إسهاماتهم البديعة في دروب الأدب والشعر وميدان الفصاحة والبيان. وقد رصد إمام اللغة والأدب الأصمعي (ت 216هـ) -في كتاب ‘فحولة الشعراء‘- عددا من السود شهد لهم بالفصاحة وتميز الشاعرية، من أمثال الشاعر نُصَيب بن رباح أبو مِحْجِن النوبي (ت 108هـ)، والشاعر الفكاهي أبي دلامة (ت 161هـ)، والشاعر أبي عطاء السندي (ت بعد 180هـ). ثم إن من السود إمام البيان والتبيين أبو عثمان الجاحظ (ت 255هـ) صاحب الموسوعية العلمية الفذة والمصنفات المشرقة، فقد "كان جَدُّ الجاحظ أسودَ يُقال له فَزارة"؛ كما يقول ياقوت الحموي (ت 626هـ) في ‘معجم الأدباء‘. ومن أقدم الشعراء السود وأشهرهم سُحَيم المعروف بـ"عبد بني الحسحاس" الذي يقول عنه عبد القادر البغدادي (ت 1093هـ) -في ‘خزانة الأدب‘- إنه كان "من المخضرمين: قد أدرك الجاهلية والإسلام، و[لكن] لا يُعرف له صحبة. وكان أسود شديد السواد"؛ ومن شعر سحيم بيته السائر: إن كنتُ عبداً فنفسي حُرّةٌ كَرَماً ** أو أسودَ اللونِ إني أبيضُ الخُلُقِ! ومن شعرائهم أيضا مولى العباسيين وشاعرُهم أبو فَنَن أحمد بن صالح (ت 270هـ) الذي ذكره أبو عُبيد البكري الأندلسي (ت 487هـ) -في ‘سمط اللآلي‘- فقال إنه "كان أسود، وهو شاعر مُجيد من شعراء بغداد، وكانت له أغراض مستطرَفة ومعانٍ مستحكمة"، وأضاف أنه "شُهر بالشعر في أيام المتوكل (ت 247هـ)، واستفرغ شعره في [وزيره] الفتح بن خاقان (ت 247هـ)". ومن شعره المستجاد: ولما أبَتْ عينايَ أن تملِكا البُكا ** وأن تحبِسا سَحَّ الدموع السواكِبِ تثاءبتُ كــيلا يُنكرَ الدمعَ مُنكِرٌ ** ولكن قلـــيلا ما بقــاءُ التثـــاؤب وكذلك الشاعر نُصَيب بن رباح أبو مِحْجِن -وكان أسود من النوبة- الذي يخبرنا إمام الأدب المبرد -في ‘الكامل‘- أنه "مدَح عبدَ الله بن جعفر (ت 80هـ) فأمر له بخيل وإبل وأثاث ودنانير ودراهم، فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟ فقال له عبد الله [بن جعفر]: إن كان أسود فإن شعره لأبيض وإن ثناءه لعربي، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال"!! ومن شعره الذي تناقله الرواة: وإنْ أكُ حالـــكاً لوني فإني ** لِعَــــــــقْلٍ غيرِ ذي سَقَطٍ وِعاءُ وما نزلتْ بي الحاجاتُ إلا ** وفي عِرضي من الطمعِ الحَياءُ ومثله سميُّه نُصَيب الأصغر المعروف بأبي الحَجْناء (ت 175هـ)، ويبدو أنه أضاف إلى الشعر مكانة سياسية لدى السلطة العباسية؛ فقد ذكر ابن المعتز (ت 296هـ) -في ‘طبقات الشعراء‘- أن "الرشيد (ت 193هـ).. ولّاه بعض كُوَرِ (= مناطق) الشام، وكان أسود…؛ فأفاد من ذلك مالا جزيلا. وكان الرشيد يقدمه على أكثر شعرائه وكذلك الفضل بن يحيى (ت 192هـ)، وكانت صِلاتُ البرامكة [المالية] لا تنقطع عنه البتة. قال الهلالي: قلت يوما للأصمعي: ما تقول في شعر الأسود؟ قال: هو في عصرنا هذا أشعر من عبد الحسحاس في عصره. قلت: فأين شعره من شعر نُصيب [الأكبر]؟ قال: هما في قَرَن واحد لأن نمطهما واحد، وكان ذاك متقدمُ الزمانِ وهذا مُحدَث"! ومنهم الشاعر علي بن جبلة المعروف بالعَكَوَّك (ت 213هـ) الذي لقبه الذهبي -في ‘السِّيَر‘- بـ"فحل الشعراء"، ثم أضاف: "قال الجاحظ: كان أحسن خلق الله إنشادا، ما رأيت مثله بدويا ولا حضريا. وكان من الموالي وقد وُلد أعمى، وكان أسود أبرص، وشعره سائر"! ومن شعر العَكَوَّك في مدح الأمير أبي دُلَف العِجْلي (ت 225هـ) قصيدته الذائعة التي أثارت غضب الخليفة المأمون العباسي (ت 218هـ): إنما الدنيا أبو دلف ** بين مغزاه ومُحْتَضَرِهْ فإذا ولّى أبو دلف ** ولّتْ الدنيا على أثـَـِرهْ! ومن هؤلاء الشعراء كافور النبوي (ت 503هـ) الذي ذكره المؤرخ الصفدي (ت 764هـ) -في ‘الوافي بالوفيات‘- فقال إنه "سيِّدٌ أسود شاعر مجوِّد"، ومن شعره: حتّامَ همُّك في حَلٍّ وترحــــــــــالِ ** تبغي العُلى والمعالي مهرُها غـالِ يا طالبَ المجدِ دون المجدِ ملحمةٌ ** في طــــيِّها تلفٌ بالنــــفس والمال ولليالي صُروفٌ قلّما انجــــــذبتْ ** إلى مرادِ امرئٍ يســــــــعى لآمال وكذلك كافور بن عبد الله الليثي الحبشي المعروف بـ‘كافور الصوري‘ (ت 521هـ)، وقد ذكره أبو سعد السمعاني (ت 562هـ) -في كتاب ‘الأنساب‘- فقال إنه "كان مصري المولد والمنشأ، سكن صور فنُسب إليها، طاف في البلاد وجال في الآفاق، وكانت له معرفة تامة باللغة والأدب والشعر، كتب الكثير من الحديث"، وتوفي ببغداد. ومن شعره لما دخل بيهق يمدح رئيسها محمد بن منصور البيهقي (ت 494هـ): هل من قِرَى يا أبا سعد ابن منصور ** لخادمٍ قادمٍ وافــاكَ من صور شعــــــارُه إن دنتْ دارٌ وإن بَعُدَتْ: ** اللهُ يُبقي أبا سعد ابن منصور! نشاط سياسي لم يقتصر حضور السود في المشهد التاريخي على الجهاد والعلم والفصاحة والشعر؛ وإنما تجاوز ذلك بعيدا حتى وصل إلى التأثير في المجال السياسي إلى حد تسنّم ذرى السلطة وزارةً وإمارةً، بل وكان لطوائفهم ممثلون أمام السلطة في مصر يسمون "عُرَفاء السودان"، على شاكلة رؤساء القبائل والعشائر العربية وزعماء المجموعات غير العربية. ومن أشهر شخصيات السود التي ارتبطت بالسلطة في ذهن الزمان أميرَ مصر كافور الإخشيدي (ت 356هـ) الذي جمع إلى السلطة حظا مذكورا من العلم والأدب؛ فقد ترجم له الصفدي فنعته بأنه "السلطان المصري الشهير…، وكان أسود.. ولم يبلغ أحدٌ من الخَدَم ما بلغه، وكان ذكيا له نظر في العربية والأدب والعلم". ولعل في هذا الثناء تصحيحا للصورة السلبية التي رسمها لكافور أبو الطيب المتنبي (ت 354هـ) بشعره القادح فيه بعد قصيده المادح له. وإلى جانب كافور الإخشيدي؛ ذكر الصفدي شخصيات أخرى من سادة السود اشتركت معه في الاسم وأحيانا في العلم والقرب من أصحاب السلطة، ومنهم "كافور شبل الدولة (ت 623هـ)… [الذي] كان من خدام القصر [الأيوبي] بالقاهرة..، دينا صالحا مهيبا..، وكان حنفيا فبنى المدرسة والخانقاه (= زاوية الصوفية)". ونجد الذهبي يترجم -في ‘تاريخ الإسلام‘- لأحد أعلام السود ذوي المكانة العلمية والسياسية البارزة، وهو الأمير بدر الدين الحبشي الصوابي العادلي (ت 698هـ)؛ فيخبرنا بأنه "كان موصوفا بالشجاعة والرأي في الحرب، والعقل والرزانة والفضل والديانة، والبر والصدقة والإحسان إلى أصحابه وغلمانه، وكان أميرا مقدَّما من أكثر من أربعين سنة…، وقد حج بالناس غير مرة". ثم يورد الذهبي ما يفيد بأن هذا الأمير الأسود كان أحد شيوخه، فيقول: "قرأتُ عليه جزءا سمعه من ابن عبد الدائم (المقدسي المتوفى 726هـ)". ومع انخراط السود في لعبة السياسة خِدمةً وإمرةً؛ نجد لهم مشاركة متعددة الأوجه في وقائعها ثوراتٍ واضطرابات وصراعات. فقد شارك السود سنة 145هـ في أحداث المدينة المنورة الناجمة عن ثورة محمد بن عبد الله بن الحسن المشهور بـ‘النفس الزكية‘ (ت 145هـ). فابن كثير (ت 776هـ) يخبرنا -في ‘البداية والنهاية‘- بأنه حين قُـتل هذا الثائر العلوي بالمدينة على أيدي جيش العباسيين؛ بعث الخليفة المنصور (ت 158هـ) عبد الله بن الربيع الحارثي واليا عليها "فعاث جنده في المدينة فسادا…، فثار عليهم طائفة من السودان واجتمعوا ونفخوا في بوق لهم، فاجتمع على صوته كل أسود في المدينة، وحملوا عليهم (= الجنود) حملة واحدة وهم ذاهبون إلى الجمعة، وكان رؤساء السودان: وثيق ويعقل ورمقة وحديا وعنقود ومسعر وأبو قيس وأبو النار. فركب عبد الله بن الربيع في جنوده والتقى مع السودان فهزموه". وبعد ذلك بقرن يزيد قليلا؛ شارك السود في ثورة عارمة كانت منطقة جنوب العراق مسرحها الأبرز، وكان السود وقودها الأكبر حتى إنها ارتبطت باسمهم فعرفت بـ"ثورة الزنج"، وامتدت طوال سنوت 255-270هـ. وبعد قرنين من نهاية ثورة الزنج؛ تلاقينا محاولة السود اليائسة لحماية نفوذهم القوي في الدولة الفاطمية المهددة بالسقوط حينها في أيدي الزنكيين بقيادة قائد جيشهم بمصر صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ) وكان وقتها وزيرا للفاطميين. وهي المحاولة التي عُرفت في كتب التاريخ بـ"واقعة السودان"، وقادها "خصيٌّ يدعى ‘مؤتمن الخلافة‘ متحكم في القصر" الفاطمي بالتعاون سراًّ مع الصليبيين؛ حسب رواية المؤرخ أبي شامة (ت 665هـ) في ‘كتاب الروضتين‘. وجاء في خلاصة هذه الواقعة عند أبي شامة؛ أن ‘مؤتمن الخلافة‘ هذا أحس بخطر سقوط الدولة على يد صلاح الدين "فأجمع هو ومن معه على أن يكاتبوا الفرنج ويقبضوا على.. الصلاح، فأنهض إليه صلاح الدين من أخذ رأسه…؛ ولما قـُـتل غار السودان وثاروا وكانوا أكثر من خمسين ألفا، وكانوا إذا قاموا على وزير قتلوه واجتاحوه…، فثار أصحاب صلاح الدين.. واتصلت الحرب بين القصرين.. ودام الشر يومين"، ثم انتهت المعركة بهزيمة ساحقة للسودان بطوائفهم الثلاث المعروفة آنذاك -حسب المقريزي (ت 845هـ) في ‘المواعظ والاعتبار‘- وهي: الفرحية والحسينية والميمونية. كتابات مناقبية لم يكن حضور السود وإسهامهم في الحضارة الإسلامية واقعا محسوسا فقط، بل صار واقعا منظَّرا ومسطّرا في أدبيات فريدة خُصِّصت لرصد أنماط وسمات هذا الحضور. وعندما نجول بين ضفاف ما وصلنا من الكتب المصنفة عن جهود السود في حركة المجتمع الإسلامي؛ لا يسعنا إلا الاندهاش من الكم والجودة والإحكام في تناول معظمها لهذا الموضوع، فضلا عن الحس الإنساني العالي والمفارق حتى لكتابات أوروبية عريقة سطرتها أيدي فلاسفة بارزين، نظّروا لتقسيم البشر وفق معايير عنصرية متوهمة وغير علمية لتعريف الإنسان المتحضر والإنسان الهمجي. وذلك مثل كتابات الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (ت 1804م) الذي وضع العرق الأبيض في المرتبة الأولى من سلّم المواهب، ثم جعل السود في المرتبة الثالثة بعد الهنود؛ كما يقول محمود حيدر في دراسته ‘فلسفة الإنكار‘. وكذلك موقف الفيلسوف هيجل (ت 1830م) العنصري من السود. وكل هذه الكتابات وقعت في إطار الحتمية الدونية للعرق والجغرافيا، وهو ما تحررت منه الكتابات الإسلامية. إن أهم المؤلفات المستقلة التي تحدثت عن حضور السود داخل الثقافة العربية هي تلك التي ذكرها حاجي خليفة (ت 1068هـ) في كتابه ‘كشف الظنون‘، وهي حسب ترتيب وفيات مؤلفيها: ‘فخر السودان على البيضان‘ للجاحظ (ت 255هـ)، و‘في تفضيل السود على البيض‘ لأبي العباس الناشئ المعروف بـ‘ابن شرشير‘ (ت 293هـ)، وقد وصف حاجي خليفة هذا الكتاب بأنه "كتاب لطيف جامع"؛ مما يدل على أنه رآه وإن لم يصلنا. ثم يأتي كتاب ‘السودان وفضلهم على البيضان‘ لابن المَرْزُبان (ت 309هـ)، و‘زهد السودان‘ لابن السراج القاري (ت 500هـ)، و‘تنوير الغبش في فضل السودان والحبش‘ لابن الجوزي (ت 597هـ)، و‘نزهة العمر في التفضيل بين البياض والسود والسمر‘ و‘رفع شأن الحبشان‘ كلاهما للسيوطي (ت 911هـ)، و‘الطراز المنقوش في محاسن الحُبوش‘ لعلاء الدين البخاري (ت بعد 991هـ). جاءت رسالة الجاحظ -المعنونة بـ‘فخر السودان على البيضان‘- في سياق فترة برزت فيها خيارات لدى بعض السود سعوا فيها لتقديم هوُّيتهم العرقية بشكل أضيق مما يقرّه المنظور القيمي الإسلامي؛ فتم إبراز هويتهم الخاصة في سياق مفاضلة مع المحيط الاجتماعي العام. وهو ما يذكرنا -في عصرنا- بالحركات التي أعقبت حركة الحقوق المدنية بأميركا بزعامة مارتن لوثر كينغ (ت 1968م)، التي كانت تطالب المجتمع الأميركي بمعاملة السود بالطريقة التي يعامل بها البيض، ولكن بحلول نهاية الستينيات ظهرت جماعات مثل "الفهود السود" و"أمة الإسلام" جادلت بأن للسود تقاليدهم ووعيهم الخاص، وأنهم بحاجة إلى الفخر بأنفسهم وبما هم عليه؛ حسب فرانسيس فوكوياما في كتابه ‘الهوية‘. وهذا تقريبا ما وقعت فيه رسالة الجاحظ التي أضاءت -رغم نزعة محتواها الخاصة- جانبا مهمًّا من حياة السود المسلمين وإسهاماتهم في الحضارة الإسلامية، رغم سعي بعض السود في زمن الجاحظ إلى تخطي قيمة المساواة نحو نزعة التفاضل. والحقيقة أن العنوان المتبادر من رسالة الجاحظ هذه يقطع الشك باليقين بشأن رغبة كاتبها في تفضيل جنس على آخر، وقد يكون سبب ذلك عاطفته الحارة تجاه أصوله العرقية. تمهيد ثوري ويبدو أن السياق كان يختمر بشيء ما يوقد تلك العواطف، مضافا إلى النزعة الاحتجاجية التي طغت على معظم السود بمن فيهم أكابر فقهائهم كعطاء ويزيد النوبي وابن جبير؛ فقد أعقبت ظهورَ الرسالةِ -التي كانت من أواخر إنتاج صاحبها- ثورةُ الزنج المذكورة سابقا، والتي اندلعت في البصرة مدينة الجاحظ في رمضان 255هـ، أي بعد وفاته بستة أشهر فقط. وهو ما يفتح الطريق لاحتمال أن تكون هذه الرسالة أحد العوامل التي شجعت السود -في معقل كثرتهم بالجنوب العراقي- على الانخراط في الثورة، استجابة لوعود قائدها علي بن محمد "العلوي" (ت 270هـ) في نيلهم الانعتاق والعدالة الاجتماعية، وبذلك يكون الجاحظ صاغ -ولو من حيث لا يدري- مضمون "البيان الأول" لهذه الثورة. الرسالة -حسبما يفهم من مقدمتها- جاءت إجابة على شخص مجهول قال الجاحظ إنه طلب منه الكتابة عن مفاخر وفضائل السود لأنه تجاهلهم في رسالة أخرى. وقد بدأت الرسالة بحديث عن بلاغة كلام منسوب "لأمة سوداء بالبادية"، والبدء بامرأة من البادية فيه دلالة على ما يريد الجاحظ أن يرمي إليه من أن نجابة السود ليست مقتصرة على رجالهم. واللافت أن الجاحظ حينما حاول أن يسرد أسماء السود من الصحابة نجده يغلّب أهل الفروسية مثل مهجع والمقداد ووحشي وجليبيب وفرج الحجام، أما بلال فلم يذكر له إلا فضيلة أنه "سيدنا"؛ كما قال عمر. ويبدو أن الجاحظ حاول أن يجعل لفكرته أساسا تفاضليا أعمق حيث أشار إلى الشاعر الأموي الأسود الحَيْقُطان (= اسم طائر) الذي قال "قصيدة تحتج بها اليمانية على قريش ومضر، ويحتج بها العجم والحبش على العرب"، والقصيدة تتحدث عن النجاشي بوصفه الملك الوحيد الذي أسلم وسط ملوك من بني البيض مثل المقوقس وكسرى وقيصر وابني الجلندَى في عُمان "لكن النجاشي أسلم قبل الفتح، فدام له ملكه ونزع الله من هؤلاء النعمة". تطعن قصيدة الحيقطان في مكانة قريش التي هي قلب العرب؛ فقد جاءت مثلا في أحد مقاطعها إشارة إلى غزو الحبشة لمكة وانهزام قريش أمامهم؛ وذلك في قوله: ولقمانُ منــــــهم وابنُه وابنُ أمِّه ** وأبرهةُ المَــلْك الذي ليس يُنكَرُ غزاكم أبو يَكْـسومَ في أمّ دارِكم ** وأنتمْ كقبض الرمل أو هو أكثرُ يقول الجاحظ معلقا: "فإنه يعني صاحب الفيل حين أتى ليهدم الكعبة، يقول: كنتم في عدد الرمل فَلِمَ فررتم منه ولم يلقه أحد منكم حتى أفضى إلى مكة.. أم القرى ودار العرب؟.. فإذا غُزِيت -وهي أم القرى وفيها البيت الحرام الذي هو شرفكم- فقد غُزي جميعكم". ثم يشير الجاحظ إلى اتصاف أبناء الزنجيات من العرب -وكان منهم شجعان مشاهير يسمونهم "أغْرِبَة العرب"- بالفروسية "حين نزعوا إلى الزنج في البسالة والأنفة؛ فذكر خُفاف بن نُدْبة (وهو صحابي توفي 20هـ)، وعباس بن مرداس (صحابي توفي نحو 18هـ)، وابن شداد: عنترة الفوارس". رد اعتبار ويرى الجاحظ أن الناس مجمعون على تحلي الزنج بطائفة من "خصال الشرف" حازوا منها ما لم تحُزْه أمة أخرى؛ إذ "ليس في الأرض أمّة السخاء فيها أعمّ وعليها أغلب من الزنج، وهاتان الخَلّتان لم توجدا قط إلا في كريم…، وليس في الأرض أحسن حلوقا منهم، وليس في الأرض لغة أخف على اللسان من لغتهم…، والرجل منهم يخطب عند الملك بالزنج من لدن طلوع الشمس إلى غروبها فلا يستعين بالتفاتة ولا بسكتة حتى يفرغ من كلامه. وليس في الأرض أمة في شدة الأبدان وقوة الأسر أعم منهم فيهما". وبمطالعة شرحه لآداب السود تجد فيها تصحيحا مسبقا لبعض وجهات النظر التي ظلت سائدة عند فلاسفة في الغرب -مثل هيجل (ت 1830م) وكانط- حول السود وقدراتهم العقلية، وقد قدم تفنيدا قويا لقول من يرد سخاءهم إلى ضعف عقولهم وجهلهم بالعواقب، فلو صدق ذلك لكان "أوفرَ الناس عقلا وأكثر الناس علما [هم] أبخلَ الناس..، وقد رأينا الصقالبة (= الشعوب السلافية) أبخل من الروم (= البيزنطيين)، والروم أبعد روية وأشد عقولا. وعلى قياس قولكم.. كان ينبغي أن تكون الصقالبة أسخى أنفسا وأسمح أكفا منهم…؛ فكيف صار قلة العقل هو سبب سخاء الزنج؟!". ويعكس الجاحظ -في رسالته- موقفا ثوريا لزنج زمانه تجاه العرب؛ فيقول على لسانهم: "ومن جهلكم أنكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في نسائكم، فلما جاء عدلُ الإسلام رأيتم ذلك فاسدا… مع أن البادية منا ملأى ممن قد تزوج ورأس وساد، ومنع الذمار (= الشرف) وكنفكم (= حماكم) من العدو". وهذا الكلام يدعم بقوة السياق الثوري الكبير الذي خرجت فيه تلك الرسالة، إذا أخذنا في الاعتبار أمرين: أولهما محاولة الجاحظ أن يجعل الهاشميين في صفوف السود، فـ"آل أبي طالب أشرف الخلق وهم سود". وثانيهما ادعاء قائد ثورة الزنج أنه من السلالة العلوية الهاشمية، وجمعه الزنج الذين كانوا يسكنون السباخ. بعد ثلاثة قرون من رسالة الجاحظ تلك؛ جاء الإمام ابن الجوزي فوضع كتابه ‘تنوير الغبش في فضل السودان والحبش‘ لأجل هدف محدد، يوضحه المؤلف بقوله: "إني رأيت جماعة من أخيار الحُبشان (= الحبشة) تنكسر قلوبهم لأجل اسْوداد الألوان، فأعلمتهم أنّ الاعتبار بالإحسان لا بالصور الحسان، ووضعت لهم هذا الكتاب في ذكر فضل خلق كثير من الحبش والسودان". ففي هذا الكاتب يحرص ابن الجوزي -وهو واعظ بغداد الأشهر- على أن يجدد تأكيد المعيار الإسلامي القائل بأن ميزان التفاضل هو العمل الصالح الذي يحاسب عليه الله تعالى، وبالتالي فإن التفاضل بين الأجناس -مثل التفاضل بين الأفراد في كل جنس- هو أمر مرجعه إلى الآخرة ولا علاقة له بالدنيا. وهذا البيان القيمي يمثل قفزة إنسانية هائلة وانعتاقا من أسْر الثقافات المحيطة بالدعوة الإسلامية، سواء كانت اليونانية أو الفارسية أو الرومية فضلا عن الواقع العربي حينها؛ والتي وضعت تقسيمات صارمة تحول بين الأجناس والأعراق وتمثّل قيم المساواة والعدالة والإنصاف. وقد أورد الإمام ابن الجوزي الكثير من المأثورات النبوية التي تدعم هذه الفلسفة التي تنقل التفاضل بين الناس من الدنيا إلى الآخرة. كذلك حاول الكاتب أن يوسع مجال النقاش في هذه المسألة؛ فنقل الظاهرة من التفاضل البشري إلى المعاني الكونية والوجودية لوجود اللون الأسود، ثم أقام سردية قد لا تكون دقيقة في معناها التاريخي لكنها دقيقة في دورها القيمي، بما تقوم به من دعم وتفعيل لما يقترحه الإسلام من أفكار المساواة. فقد عزا المؤلف تعدد الألوان بين البشر إلى سبب موضوعي هو طبيعة البيئة الجغرافية التي تسكنها كل أمة، مع ثبوت الأخوة والأصل البشري الواحد المشترك بين جميع أجناس البشرية. فضائل جامعة وقد أجمل ابن الجوزي -في الباب الخامس من كتابه- طباع السود؛ فقال وهو يعيد صياغة ما ذكره الجاحظ متحدثا عن "فضائل اجتمعت في طباع السودان، منها: قوة البدن وقوة القلب وذلك يثمر الشجاعة، ويذكر الحبشة بالكرم الوافر، وحسن الخلق وقلة الأذى، وضحك السن وطيب الأفواه، وسهولة العبارة وعذوبة الكلام". وألمح إلى فكرة ذكية وهي حضور اللون الأسود في الطبيعة، واعتبار ذلك من جماليات وتنوعات الحياة؛ فذكر -في الباب السادس- بعض الفضائل التي وردت للون الأسود لكنها في الطبيعة، ومنها "سواد العين" وهو موضع النظر، و"سواد الكبد" وهي أشرف الأعضاء، وسواد الشَّعَر وهو "تاج جمال الآدمي". ثم نقل الحديث الى عالم السواد في النبات والحجارة موظفا رمزية "الحجر الأسود" الدينية. وتحدث ابن الجوزي عن بلاد الحبشة -وهي أرض أمم من السود- باعتبار أنها أرض ذات مكرمة عظيمة؛ فقد آوت المضطهدين من المسلمين الأوائل من ظلم الأهلين في مكة، ذاكرا ما جاء في الأثر النبوي من أن سبب الهجرة إلى الحبشة هو أن "بها ملكا لا يُظلم الناس ببلاده فتحرزوا عنده حتى يأتيكم الله بفرج منه". والحقيقة أن العلاقة الجيدة بالحبشة -وهي موطن اللون الأسود عند العرب- ترك في الذاكرة الإسلامية انطباعا إيجابيا في التاريخ الإسلامي عن بلاد الحبشة وملكها، وبالتالي عن نظرة غالبيتهم إلى اللون الأسود عموما. فالعرب "البيض" -كما يوضح ابن الجوزي- ليسوا هم جماع الفضائل، بل ينافسهم في ذلك أقوام وألوان وأولهم أهل الحبشة، بل فاقهم النجاشي كرامة وجوارا كما تجلى في حواره مع مبعوثيْ قريش لاستعادة المسلمين من أرضه بالقوة: عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وعمرو بن العاصي؛ إذ رفض النجاشي تسليم المستضعفين قائلا: "لا أسلمهم إليهما..، جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم وأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون سلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم، وأمنت جوارهم ما جاوروني". ظلت ذكريات إقامة المسلمين في الحبشة لا تنقطع في أحاديث المسلمين؛ فكان النبي (ص) يطلب سماع نوادرهم ويخاطب المهاجرين العائدين من الحبشة قائلا: "ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم في الحبشة؟!"؛ (صحيح ابن ماجه). وكذلك لا يمكن إغفال العلاقة الخاصة التي ربطت النبي (ص) بالنجاشي وتبادلهما للرسائل، وأن النجاشي أسلم لما بلغه كتاب النبي (ص)؛ إذ "أخذ كتاب رسول الله فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض تواضعا". بل إن النجاشي هو خاطب أم حبيبة بنت أبي سفيان (ت 44هـ) للنبي (ص)، وكانت قد هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عُبيد الله بن جحش الأسدي (ت نحو 6هـ) الذي يقال إنه ارتد عن الإسلام فتنصّر ومات هناك، وكان النبي (ص) قد طلب ذلك من النجاشي فتولى تزويجها له ودفع صداقها ثم جهزها وأرسلها إليه. وكان من العجيب إيراد ابن الجوزي لبعض الألفاظ المعروفة في لغة الحبشة وقد وردت في القرآن الكريم مثل "كفلين" و"مشكاة"، وأشار إلى أن "طه" بلسان الحبشة تعني: قل يا رجل، و"أوّاهٌ" معناها بلغتهم: المؤمن. والحقيقة أن هذه الظاهرة القرآنية جزء من ظاهرة كبرى تحدث عنها السيوطي -في ‘الإتقان في علوم القرآن‘- حين عزا إلى ابن النقيب المقدسي (ت 698هـ) قوله في تفسيره إن "من خصائص القرآن على سائر كتب الله تعالى المنزلة أنها نزلت بلغة القوم الذين أنزِلت عليهم، ولم ينزل فيها شيء بلغة غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم -من الروم والفرس والحبشة- شيء كثير". ولعل القصد من ذلك هو تحرير رسالة القرآن وعالمية الإسلام من أي حصرية لغوية أو لونية تكون مانعة من الوحدة. وهذه الشراكة الإسلامية بين الأمم ليست شراكة لغوية فقط، بل إنها أيضا وظيفية؛ فقد أورد ابن الجوزي قول رسول الله (ص): "الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، والأمانة في الأَزْد" (رواه الترمذي). وهذا نموذج للتفكير في توزيع الأدوار يبقى سُنّة وقيمة لا تتوقف ويبنى على أساسه لضمان ترسيخ الشراكة بين البشر. المصدر : الجزيرة
  8. إبراهيم الدويري 2/6/2020 "ما لكم تعزلونني؟! إنما أنا قاصٌّ (= واعظ)، فإن قلتم لي زد في قصصك زدتُ، وإن قلتم قصّر قصرتُ؛ فما لكم تعزلونني؟!". هكذا صاح محتجاًّ أبو الهيثم سليمان بن عمرو العُتْواري (ت بعد 91هـ) الذي كان أحد أشهر الوعاظ في مصر أيام بني أمية، كان يجيد التأثير والتجييش، ونزع العَبَرات والآهات، يفهم حدود دوره، ويقدم خدماته لقاء المال والحظوة، ولذلك "قدم مصر فأقام بها يلتمس الرزق والمعاش"؛ كما ذكر الفسوي (277هـ) في ’المعرفة والتاريخ’. والحقيقة أنه إذا كان في التاريخ الإسلامي تحول اجتماعي عجيب في سرعته وغرابته فهو أمر القصاص والوعاظ؛ تلك الفئة التي لم تكن موجودة زمن النبي صلى الله وسلم وخليفته الأول أبي بكر الصديق (13هـ) وجزء من خلافة عمر الفاروق (ت 23هـ)، لكنها سرعان ما انتشرت بعد حصول أول قاصٍّ على الإذن بالقص من الخليفة عمر، فاشتبكوا مع الحكام وتدخلوا في أحابيل السياسة، ونالوا المال الوفير من تجارة الوعظ والترغيب في الآخرة. وهذا المقال يرصد حركة الوعظ والقصص تاريخيا؛ فيقف على بعض ما عرفته من أطوار وأدوار، ونماذج من أشهر ما ارتبط بها من أعلام وشخصيات، وما اكتنفها من توظيف انحرف بها عن هدفها الأصلي، وما شابها من عادات في الممارسات والآليات أدت بها إلى أن أصبحت صناعة مجتمعية للكسب أكثر من كونها وسيلة للتزكية والتصحيح والتقويم؛ فمن المهم رصد "وعاظ الخبز" هؤلاء ومد خيوطهم حتى اللحظة، حيث يحيا المسلمون بين زوايا دعاة الضمير ودعاة الخبز. بداية منضبطة كان إذنُ الخليفتين عمر الفاروق وعثمان بن عفان (ت 35هـ) للقصاص والوعاظ مقتصرا على التذكير بالقرآن، "وقد نهى علي بن أبي طالب (ت 40هـ).. أبا يحيى عن القص في مسجد الكوفة لأنه لا يعرف الناسخ والمنسوخ"؛ كما ذكر ابن الجوزي (ت 597هـ) في ’نواسخ القرآن’. ولما جاء بنو أمية انتبهوا بدهائهم السياسي للقيمة الدعائية للوعاظ فوظفوهم في الترويج لرؤاهم السياسية ونشر مناقبهم، وتشويه خصومهم والخارجين على حكمهم من مختلف الطوائف. ومن جهود معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) في ترسيخ ضبط الحاكم للوعاظ والقصاص؛ ما رواه ابن حجر (ت 852هـ) -في ’الإصابة’- من أن معاوية عندما كان واليا على الشام لعثمان "أتى على كعب (= كعب الأحبار التابعي المتوفى 34هـ) وهو يقصّ، فقال: سمعت رسول اللَّه (ص) يقول: «لا يقصّ على النّاس إلّا أمير أو مأمور أو متكلّف»، فأمسك كعب عن القصص حتى أمره به معاوية". وبشأن إقحام الوعظ في المعترك السياسي؛ يفيدنا ابن حجر أيضا -في ’رفع الإصر عن قضاة مصر’- بأن "السبب في ذلك أن علياً لما رجع من [معركة] صفِّين قَنَتَ، فدعا على مَن خالفه؛ فبلغ ذلك معاوية فأمر من يقص بعد الصبح وبعد المغرب أن يدعو له ولأهل الشام، وكتب بذلك إلى الأمصار" التابعة له. وهذا التحول الخطير والمبكر في مسار الوعظ رصد نشأتَه ورسالته الإمامُ الليث بن سعد (ت 175هـ) فقال: "هما قَصَّان: قصص العامة، يجتمع إليه النفر من الناس يعظهم ويذكرهم؛ وقصص الخاصة وهو الذي أحدثه معاوية، ولَّى رجلا على القصص إذا سلم الإمام من صلاة الصبح جلس فذكر الله وحده ومَجَّده، وصلى على نبيه وسلم، ودعا للخليفة وأهله ولأهل ولايته وجنوده، وعلى أهل حربه، وعلى الكفار كافة". ولم يكن العباسيون بأقل توظيفا من الأمويين لمجالس الوعظ والقصص للدعاية السياسية؛ إذ أزاح بنو العباس الوعاظ والقصاص الأمويين كما ذكر الفسوي في خبر أبي الهيثم العُتْواري الذي صدّرنا به الحديث؛ فقد كان "قاصَّ الجماعة بمصر أيام بني أمية، فلما جاء عمال بني العباس عزلوه عن القصص، فاشتد ذلك عليه". وشدة العزل على نفس أبي الهيثم رافقها تعليقه الطريف والكاشف -بدلالة بالغة- لجاهزية كثير من الوعاظ والقصاص لتقديم ما يطلبه الحاكمون! توظيف منحرف وكان للقائد العسكري العباسي القوي أبي مسلم الخراساني (ت 137هـ) طقس طريف في التوظيف الدعائي للقصص في حربه على الأمويين، وسعيه لإقامة الدولة الهاشمية؛ فعندما تحول إلى الماخوان (= بلدة كانت تقع بما يسمى اليوم تركمانستان) استعمل النقيبَ القاسم بن مجاشع التميمي (ت بعد 158هـ) على القضاء، فـ"كان القاسم يصلي بأبي مسلم فيقص القصص بعد العصر، فيذكر فضل بني هاشم ومعايب بني أمية"؛ كما جاء في ’الكامل‘ لابن الأثير (ت 630هـ). ولم يقتصر توظيف العباسيين للدعاية الوعظية على فترة تأسيسهم لدولتهم بل تواصل كلما تطلبته الضرورة السياسية؛ فالطبري (ت 310هـ) يذكر في تاريخه ضمن أحداث سنة 284هـ أن الخليفة المعتضد (ت 289هـ) عزم "على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يُقرأ على الناس، فخوفه [الوزير] عبيد الله بن سليمان بن وهب (ت 288هـ) اضطرابَ العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة؛ فلم يلتفت إلى ذلك من قوله". ولأسباب سياسية واجتماعية لم يُقرأ كتاب المعتضد الذي تجمهر أهل بغداد لسماعه بعد خطبة الجمعة؛ فقيل إن "المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون (ت 218هـ) أمر بإنشائه بلعن معاوية، فأخرِج له من الديوان (= أرشيف الوثائق)، فأخذ من جوامعه نسخة" الكتاب الذي أذاعه في الآفاق. وحفظ كتاب المأمون هذا المحفوظ في "الديوان" للتوارث يدل على أهمية هذا البعد الدعائي للوعظ عند العباسيين. وقد استخدم متأخرو الخلفاء العباسيين الدعاية الوعظية في حربهم السياسية والمذهبية على الفاطميين في مصر، وتطورت الدعاية السياسية الدينية في زمنهم إلى تأليف الكتب نصرة للولاة ودحضا للخصوم؛ فقد أورد ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) -في ’ذيل طبقات الحنابلة’ ضمن ترجمة الواعظ الكبير أبي الفرج ابن الجوزي (ت 597هـ)- أنه في "خلافة المستضيء (ت 575هـ) قوي اتصال الشيخ أبي الفرج [به]، وصنف له الكتاب الذي سماه ‘المصباح المضيء في دولة المستضيء‘". فلا غرابة إن أذن المستضيء لابن الجوزي سنة 568هـ بـ"أن يجلس للوعظ في باب بدر بحضرة الخليفة، وأعطاه مالا". ولم يكن كل الوعاظ دائرا في فلك الحكام؛ فقد سجل زهاد الإسلام مواقف خالدة في نصح السلاطين وتعكير أمزجتهم بقوارع الوعظ وزواجر الوعيد، مثل أبي مسلم الخولاني (ت 62هـ) -الذي وصفه الذهبي (ت 748هـ) في ‘سير أعلام النبلاء‘ بأنه "سيد التابعين وزاهد العصر"- مع خلفاء بني أمية؛ والإمام المعتزلي عمرو بن عبيد (ت 144هـ) وشبيب بن شيبة (ت 170هـ) مع المنصور العباسي (ت 158هـ)؛ وابن السماك (ت 183هـ) والفضيل بن عياض (ت 187هـ) مع هارون الرشيد (ت 193هـ). فهؤلاء وأمثالهم يصدق فيهم قول الذهبي في ’السير’: "كان القاص في الزمن الأول يكون له صورة عظيمة في العلم والعمل"!! دعايات مذهبية من الأمور التي يلاحظها راصد حركة الوعظ والقصص تاريخيا أن الوعاظ كثيرا ما استغلوا مواهبهم الكلامية، وخبراتهم التأثيرية ولقاءاتهم المستمرة مع الجماهير في نشر مذاهبهم الفقهية والعقدية، أو الهجوم الشرس على الخصوم المذهبيين، وهو خروج خطير عن رسالة الوعظ الجامعة بطبيعتها ومهمة الواعظين الإصلاحية في غايتها؛ فكانت تنشأ عن ذلك فتن تستدعي تدخل الحكام والولاة لإيقاف مجالس الوعظ، أو اعتقال بعض مثيري الشغب من الوعاظ والقصاص. فأبو القاسم القشيري (ت 514هـ) الذي ينعته ابن شاكر الكتبي (ت 764هــ) -في ’فوات الوفيات’- بأنه "كان من أئمة الدين وأعلام المسلمين"؛ لَمَّا عقد "مجلس الوعظ ببغداد وظهر له القبول العظيم وأظهر مذهب الأشعري، قامت سوق الفتنة بينه وبين الحنابلة وثار العوام إلى المقاتلة، وكوتب الوزير نظام الملك (ت 485هـ) بأن يأمره بالرجوع إلى وطنه، فأحضره وأكرمه وأمره بلزوم وطنه.. إلى أن توفي". وذكر ابن الجوزي -في ’المنتظم’ ضمن أحداث سنة 516هـ- أن الواعظ أبا الفتوح الإسفراييني الشافعي (ت 538هـ) "دخل بغداد فأقام بها مدة يتكلم بمذهب الأشعري ويبالغ في التعصب، وكانت الفتن قائمة في أيامه واللعنات في الأسواق، وكان بينه وبين الغزنوي (الحنفي الواعظ المتوفى 551هـ) معارضاتُ حسدٍ، فكان كل منهمـ[ـا] يذكر الآخر على المنبر بالقبيح"!! ومن علاقات مجالس الوعظ بالتجييش العاطفي ما ذكره ابن الأثير -في أحداث سنة 554هـ- من أنه "وقع في أَسْتراباذ (= جرجان بإيران) فتنة عظيمة بين العلويين ومن يتبعهم من الشيعة، وبين الشافعية ومن معهم، وكان سببها أن الإمام محمدا الهروي وصل إلى أستراباذ فعقد مجلس الوعظ، وكان قاضيها أبو نصر.. النعيمي شافعي المذهب أيضا، فثار العلويون ومن يتبعهم من الشيعة بالشافعية ومن يتبعهم بأستراباذ". وفي ’تاريخ الإسلام’ للذهبي كثير من الأخبار ذات الدلالة العميقة على دور الوعاظ المحوري في نشر المذاهب وإيقاظ الفتن الطائفية؛ فمن ذلك ما ذكره من أن الواعظ سلامة المنبجي (ت نحو 580هـ) "كان قد لزم بيته وترك الخروج إلى الجماعة، لأن أهل منبج كانوا قد صاروا ينتحلون مذهب الأشعري، ويبغضون الحنابلة بسبب واعظ قدم [مدينتهم] يسمى الدماغ، فأقام بها مدة وحسّن لهم ذلك؛ وكان البلد خاليا من أهل العلم فشربت قلوبهم ذلك". وذكر أيضا أن الواعظ أبا عثمان الصابوني (ت 449هـ) "كان أبوه.. من كبار الواعظين بنيسابور ففُتك به لأجل المذهب". وفي كتب التاريخ وحوادث السنين كثير من الوقائع التي تسببت في منع القصاص من الوعظ أو أن يُشترَط عليهم تجنب ما يثير البلابل؛ ففي سنة 389هـ حدثت في بغداد "وقعة عظيمة بين السنة والشيعة" مُنع بسببها "القُصَّاصُ من الوعظ"، وبعد هدوء الأمور أُذِن لهم "وشُرط عليهم ألا يتكلَّموا فيما يوجب الفتنة، واستقامت الأمور"؛ وفق ما يرويه سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) في ‘مرآة الزمان‘. وفي مصر؛ ذكر المقريزي -في ‘السلوك لمعرفة دول الملوك‘- أنه في سنة 760هـ عُقدت محكمة للفقيه الشافعي شمس الدين الدكالي المعروف بـ‘ابن النقاش‘ (ت 763هـ)، بعد أن "ادّعى عليه زين الدين عبد الرحيم العراقي (ت 806هـ) أنه يُفتي بغير مذهب الشافعي؛ فمُنع من الإفتاء وألا يتكلم في مجالس الوعظ إلا من كتاب، فامتنع بعد ما حُبس ثم أفرِج عنه". وأحيانا ينصّب الولاة "محاكم تفتيش" عن عقائد الوعاظ خوفا من بثهم "الفتنة"؛ كما فعل السلطان محمود الغزنوي (ت 421هـ) "لما دخل الري (كانت تقع قرب طهران) وقـَتل بها الباطنية منع الكل من الوعظ غير أبي حاتم (ابن خاموش الرازي المتوفي 445هـ)، وكان من دخل الري يعرض اعتقاده عليه، فإن رضيه أذن له في الكلام على الناس وإلا منعه"! وقد كان ابن خاموش يقول إن "من لم يكن حنبليا فليس بمسلم"! وهو ما جعل الذهبي يصفه -في ‘السير‘- بأنه كان "صاحب سُنّة واتباع، وفيه يُبْسُ وزَعارةُ العَجَم"!! وعظ للطلب لم يكن قول العُتْواري الواعظ المصري المتقدم نشازا في الحركة الوعظية؛ فقد كان بعض الوعاظ دوما على أهبة الاستعداد لتقديم ما يطلبه المستمعون حكاما كانوا أو محكومين، كما أن مجالس الوعظ شهدت أحيانا إقبالا جماهيريا منقطع النظير. يقول ابن الجوزي -في ’المنتظم’- عن الواعظ أبي الفتح الفراوي (ت 514هـ) "وكان مليح الإيراد حلو المنطق، ورأيت من مجالسه أشياء قد علّقتُ (= دوّنت) عنه فيها كلمات، ولكن أكثرها ليس بشيء، فيها أحاديث موضوعة وهذيانات فارغة يطول ذكرها"، ومثله وعاظ آخرون سمّاهم وذكر أن مجالسهم "فيها العجائب والمنقولات المتخرَّصة (= المكذوبة) والمعاني التي لا توافق الشريعة". ثم علل هذا المنزع الذي غلب على الوعاظ بقوله: "وهذه المحنة تعم أكثر القصاص بل كلهم، لبعدهم عن معرفة الصحيح، ثم لاختيارهم ما يَنفُق على العوام كيفما اتفق"! ومن طريف مراعاة الوعاظ لما يطلبه المستمعون ما يرويه لنا الأديب الباخرزي (ت 467هـ) -في ’دمية القصر‘- من أنه حضر مجلس وعظ القاضي أبي منصور السمعاني (ت 450هـ) "على حين غفلة منه، وهو يعظ الناس بألفاظ تُهدي إلى السامعين هُدُوَّ الجوانح، وسكونَ الجوارح، وتُحِلُّ العُصْم سهلَ الأباطح". وبعد حديث مجاملة بين الأديب والقاضي الواعظ؛ قال الأخير: "لو علمتُ بحضورك لحبّرتُ المجلس تحبيرا"! وقد ذكر الإمام السيوطي (ت 911هـ) -في ’حسن المحاضرة’- قصةً من قصص "حِلْم" والي مصر كافور الإخشيدي (ت 357هـ)، توضح لنا مدى استعداد الوعاظ لقلب موجات البث حسب ترددات المقصودين بالكلام؛ قال: "كان بمصر واعظ على الناس، فقال يومًا في قصصه: انظروا إلى هوان الدنيا على الله تعالى، فإنه أعطاها لمقصوصيْن ضعيفيْن: ابن بُوَيْه (= معز الدولة المتوفى 356هـ) ببغداد وهو أشلُّ، وكافور عندنا بمصر وهو خَصِيٌّ"! ويبدو أن الواعظ لم يقصد النكاية بالتعرض لكافور وإنما حاول لفت الانتباه إليه، وهو ما فهمه الوالي الفَطِن، ولذلك لما رفعوا إلى كافور قوله "ظنوا أنه يعاقبه؛ فتقدم له بخلعة ومئة دينار، وقال: لم يقل هذا إلا لجفائي له! فكان الواعظ يقول بعد ذلك في قصصه: ما أنجب من وَلَدٍ حامٍ إلا ثلاثة: لقمان، وبلال المؤذن، وكافور"!! مراعاة الوعاظ لنفسيات الجماهير وحرصهم على العناية بما يطلبونه من قصص جعلت مجالس الوعظ تزدحم بالرواد من الرجال والنساء ازدحاما لفت انتباه المؤرخين؛ ففي ترجمة الذهبي -في ‘السِّيَر‘- للإمام الواعظ الوسيم علي بن محمد البغدادي المصري (ت 338هـ) أنه كان "يحضر مجلسه رجال ونساء، فكان يجعل على وجهه بُرْقُعاً خوفا أن يفتتن به الناس من حسن وجهه"! تنافس وتكاثر يُظهر كثير من كتب التراجم الجماهيرية العريضة التي حظي بها الوعاظ تاريخيا؛ فمثلا الفقيه الواعظ رزق الله التميمي الحنبلي (ت 488هـ) كان يجتمع في مجلس وعظه "الخلقُ الكثير والجَمُّ الغفير لاستماع كلامه"؛ كما يقول ابن العديم (ت 660هـ) في ’بغية الطلب’. ويذكر الذهبي -في ’تاريخ الإسلام’- أن الواعظ أبا حفص التركستاني (ت 602هـ) كان من "بيت وعظ وتصوف"، وكان يحضر مجلس وعظه الغربي المعقود "عند تُربة.. أم الخليفة.. خلق عظيم". وجرّاء كثرة ازدحام جماهير الوعظ؛ قد يضطر الواعظ أحيانا إلى تغيير مكان وعظه إلى موضع آخر أرحب؛ فالفقيه الحنبلي عَبْد المنعم بْن عليّ (ت 601هـ) كان يعقد "مجلس الوعظ بمسجد ابن الواسطي، ثم كثر الناس فانتقل إلى المسجد الكبير بشارع الظفرية"؛ كما في ‘ذيل تاريخ بغداد‘ لابن النجار (ت 643هـ). وقد يجمع الواعظ -بقوة تأثيره ونفاذ قوله في القلوب- بين الكمية في الجماهير والنوعية في الحضور؛ فالذهبي يخبرنا في ترجمة الفقيه الشافعي الواعظ أبي الخير الطالقاني القـَـزويني (ت 590هـ) أنه حين عقد مجلس الوعظ "صارت وجوه الدولة ملتفتة إليه، وكثر التعصب له من الأمراء والخواص، وأحبه العوام، وكان يجلس بالنظامية، وبجامع القصر، ويحضر مجلسه أُمم". والواعظ القزويني هذا من "أول من تكلم بالوعظ بباب بدر الشريف"، ويوضح لنا الذهبي القيمة الرمزية لهذا الموضع في تاريخ الوعظ الإسلامي؛ فيقول إنه "مكان كان يحضر.. وعظَه الإمامُ (= الخليفة) المستضيء من وراء حجاب، وتحضر الخلائق، فكان يعظ فيه القزويني مرة، وابن الجوزي مرة". ويرى الإمام الذهبي أن سبب إقبال رجال الدولة والعوام على مجالس القزويني ورواج كلامه على الناس يعود "لحسن سمته، وحلاوة منطقه، وكثرة محفوظاته"، رغم أنه كان يعظ "من غير سجع ولا تزويق عبارة ولا شعر". ويصف مجلسه بأنه كان "كثير الخير، مشتملا على التفسير والحديث والفقه، وحكايات الصالحين". وفي عصر القزويني؛ كان مجلس الشيخ الصوفي الكبير السُّهْرَوَرْدي (ت 632هـ) أيضا يجذب الخلق الكثير من الخواص والعوام، فقد ذكر الذهبي أنه عقد "مجلس الوعظ بمدرسة عمه على دجلة، فكان يتكلم بكلام مفيد من غير تزويق ولا تنميق، وحضر عنده خلق عظيم، وظهر له قبول عظيم من الخاص والعام، واشتهر اسمه، وقُصد من الأقطار". رصد وإحصاء ومن دقة اعتناء الوعاظ وكتّاب تراجمهم بأعداد الجماهير التي ترتاد مجالس وعظهم أنهم نقلوا لنا تفاصيل تلك الجماهير بالأرقام؛ فالواعظ المظفر ابن أردشير العبّادي المعروف بـ‘الأمير‘ (ت 496هـ) كان "يحضر مجلسه من الرجال والنساء ثلاثون ألفا"، وقد "أحبه الناس ولم يزل التعصب له يزداد والعلوّ في محبته يتصاعد حتى مُنع من الجلوس". وقد بلغ مجلسُ وعظ العبادي هذا من الجلالة أن الإمام الغزالي (ت 505هـ) كان "يحضره ويذاكره"؛ كما في ’الوافي بالوفيات’ للصفدي (ت 764هـ). ويحدثنا الشيخ عبد القادر الجيلاني (ت 561هـ) عن تجربته مع الجماهير ونمو أعدادها في مجالس الوعظ؛ فيقول حسبما نقله الذهبي في ’تاريخ الإسلام’: "كان يجلس عندي رجلان وثلاثة يسمعون كلامي، ثم تسامع الناس بي، وازدحم عليّ الخلق حتى صار يحضر المجلس نحو من سبعين ألفا"! وكان يقول: "أتمنى أن أكون في الصحاري والبراري كما كنت في أول الأمر، لا أرى الخلق ولا يروني"! ويبقى الإمام ابن الجوزي أشهرَ من وصلتنا أرقام الحاضرين لمجالس وعظه الحاشدة؛ كما أن تاريخه الوعظي رُوي لنا بالتفصيل من عدة أوجه؛ إذ حدث هو به في كتبه، ونقله معاصروه من البغداديين أو ممن زار بغداد من غير أهلها، كالرحالة ابن جبير الأندلسي (ت 616هـ). بدأ ابن الجوزي مساره مع الوعظ وهو طفل ابن عشر سنين (فقد وُلد 510هـ) كما يحدثنا في هذا النص؛ قال: "حملني ابن ناصر (= أبو الفضل محمد بن علي السَّلامي البغدادي المتوفى 551هـ) إلى أبي القاسم العلوي الهروي (ت 527هـ) في سنة عشرين (= 520هـ)، فلقَّنني كلمات من الوعظ، وجلس لوداع أهل بغداد..، ورقّاني يومئذ المنبر فقلت الكلمات [التي لقنني إياها]، وحُزِر الجَمْع بخمسين ألفا". ويوضح هذا النص أن بداية واعظ بغداد الكبير مع تليين قلوب الناس كانت جماهيرية بامتياز؛ فخمسون ألفا ليست عددا سهلا، كما وُجد له تأليف في الوعظ كتبه قبل بلوغه سنَّ العشرين. و"لما تُوفي ابن الزاغوني في سنة سبع وعشرين (= 527هـ) طَلب [ابنُ الجوزي] حلقتَه فلم يُعْطَها لصغره"، ومع ذلك "أذن له الوزير أنوشروان [ابن خالد الكاشاني المتوفى 532هـ] في الوعظ، فتكلم في هذه السنة على الناس في أماكن متعددة من بغداد، وكثرت مجالسه وازدحم عليه الناس"؛ كما يقول ابن كثير (ت 774هـ) في ‘البداية والنهاية‘. وقد بدأت الجماهير تتزاحم على مجلس ابن الجوزي منذ أُذن له بالوعظ في جامعيْ المنصور والقصر، وحضر مجلسه كبار الأعيان من الفقهاء؛ وعن ذلك يحدثنا قائلا: "وكان يُحزَر جمع مجلسي على الدوام بعشرة آلاف، وخمسة عشر ألفا"، ويحضر إغواء الجماهيرية وتشجيع السلطان عند ابن الجوزي حين يقارن نفسه بالواعظ القزويني المتقدم فيقول: "وكنت أتكلم أسبوعا وأبو الخير القزويني أسبوعا، وجمعي عظيم وعنده عدد يسير، ثم شاع أن أمير المؤمنين لا يحضر إلا مجلسي"! حشود هائلة وينقل ابن الجوزي مشاهد مهولة من حضور مجالس وعظه، خاصة بعد إذن الخليفة له بالجلوس عند "باب بدر"؛ فيخبرنا عن شدة ازدحام الناس وانتظارهم له في الحر أوقاتا ممتدة من الضحى لما بعد العصر، وعن تأجيرهم الأماكن المسقوفة للوقوف بحيث يسمعون وعظه. وتبلغ جماهيرية ابن الجوزي أوْجَها حين عقده مجلسا "بجامع المنصور يوم عاشوراء، وحضر من الجمع ما حُزر بمئة ألف، وجرى في سنة تسع مثل ذلك أيضا". لم يقف ابن الجوزي عند هذا العدد الضخم؛ بل أخذته الحماسة لمضاعفته عند حديثه عن دعوة "أهل الحربية" (= منطقة ببغداد) إياه ليعقد لهم مجلس وعظ ليلياً، فوعدهم ليلة معينة فاستقبلوه بعد المغرب بالشموع الكثيرة في طقس احتفالي بديع، وتزاحم الناس لحضور مجلسه كالعادة حتى جزم هو بأنه "لو قيل: إن الذين خرجوا يطلبون المجلس وسعوا في الصحراء بين باب البصرة والحربية مع المجتمعين في المجلس كانوا ثلاثمئة ألف، ما أبعد القائل"!! وقد بلغ هذا الواعظ الكبير مجده الوعظي حين ختم تفسير القرآن الكريم كاملا في مجالس وعظه لأول مرة في تاريخ الإسلام؛ وفي ذلك يقول: "وفي هذه السنة (= 570هـ) انتهى تفسيري في القرآن في المجلس على المنبر إلى أن تم، فسجدت على المنبر سجدة الشكر، وقلت: ما عرفتُ أن واعظا فسّر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن؛ ثم ابتدأتُ في ختمة أفسرها على الترتيب". وقد وصف لنا الرحالة ابن جبير (ت 614هـ) -في رحلته- مجلس الواعظيْنِ القزويني وابن الجوزي؛ فعن الأول قال: "حضرنا مجلسه بالمدرسة المذكورة (= النِّظامية) إثر صلاة العصر من يوم الجمعة..، فصعد المنبر وأخذ القراءُ أمامه في القراءة على كراسي موضوعة، فتوّقوا وشوّقوا، وأتوا بتلاحين معجبة، ونغمات محرجة مطربة، ثم اندفع الشيخ الإمام المذكور فخطب خطبة سكون ووقار، وتصرف في أفانين من العلوم". ثم وصف طريقة افتتاح مجلس وعظ ابن الجوزي فقال: "ومن أبهر آياته وأكبر معجزاته أنه يصعد المنبر ويبتدئ القرّاء بالقرآن، وعددهم نيف على العشرين قارئا؛ فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية من القراءة يتلونها على نسق بتطريب وتشويق، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة، وقد أتوا بآيات مشتبهات، لا يكاد المتقد الخاطر يحصيها عددا، أو يسميها نسقا". وعن كيفية تناول ابن الجوزي لما تُلي في مجلسه من القرآن؛ يقول الرحالة الأندلسي: "فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن في إيراد خطبته عجِلاً مُبتدِراً، وأفرغ في أصداف الأسماع من ألفاظه دُررا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فِقَراً، وأتى بها على نسق القراءة لها لا مقدما ولا مؤخرا. ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها". وقد حضر ابن جبير عدة مجالس لابن الجوزي وبالغ في وصفها وقوة تأثيرها. مواعظ مميتة ينقل لنا المؤرخون أخبارا طريفة من مظاهر تأثير الوعاظ في الجماهير، وتوبة عصاة المسلمين منهم ودخول غير المسلمين منهم في الإسلام؛ فالشيخ عبد القادر الجيلاني يقول فيما يرويه عنه الذهبي في ‘تاريخ الإسلام‘: "أراد الله مني منفعة الخلق، فإنه قد أسلم على يدي أكثر من خمسمئة، وتاب على يدي من العيارين (= اللصوص).. أكثر من مئة ألف، وهذا خير كثير". ومثله الشيخ السُّهْرَوَرْدي الذي "ظهرت بركات أنفاسه على خلق من العصاة فتابوا..، وصار له أصحاب كالنجوم". وكان الواعظ محيي الدّين ابن الهواري (ت 676هـ) يعقد مجلس وعظ فكتب الله "له القبول التّامّ، وأسلم على يده خلق كثير من المغول والترك، وتابوا على يده وصاروا يخرجون الزكوات ويواظبون على الصلوات"؛ كما أفادنا ابن الفُوَطي (ت 723هـ) في ’مجمع الآداب’. وأحيانا يكون نصيب الواعظ من التأثير في جمهوره ضئيلا؛ فقد تحدث الغزالي -في ‘المنخول‘- عمن "يحضرون مجالس الوعظ فينغمسون.. في الغفلات والواعظ يعظهم على رؤوس المنابر مع الزعقات"!! وكما وقع للواعظ شرف الدين شوروه عبد المؤمن بن هبة الله الأصفهاني الحنفي (ت بعد 570هـ)، الذي يقول الصفدي -في ’الوافي بالوفيات‘- إنه عقد مجلس وعظ بدمشق "حضره [السلطان] نور الدين (محمود زنكي المتوفى 569هـ)، وأسلم على يده أول يوم طفل نصراني فقال بديهاً: نصبنا فخّا وأصبنا فرخا"!! ومن الطقوس التي يقوم بها التائبون في مجالس الوعظ أنهم يحلقون رؤوسهم بمشاركة من الواعظ؛ فابن الجوزي يقول -كما جاء في ’ذيل طبقات الحنابلة‘- إنه تكلم مرة "يوم عرفة بباب بدر، فكان مجلسا عظيما تاب فيه خلق كثير، وقُطعت شعور كثيرة". ويصف لنا الرحالة ابن جبير الأثر النفسي الكبير لابن الجوزي في جمهور مجالس وعظه؛ فيقول إنه لما اشتد وعظه "علا الضجيج، وتردد بشهقاته النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفَراش على المصباح، كل يلقي ناصيته (= شعر مُقدَّم الرأس) بيده فيجزّها، ويمسح على رأسه داعيا له، ومنهم من يُغشى عليه فيُرفع في الأذرع إليه، فشاهدنا هولاً يملأ النفوس إنابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة"! وكذلك يقول ابن جبير عن القزويني صنو ابن الجوزي في الوعظ إنه: قد "سَرَتْ حُميّا وعظه إلى النفوس حتى أطارتها خشوعا، وفجرتها دموعا، وبادر التائبون إليه سقوطا على يده ووقوعا، فكم ناصية جَزَّ، وكم مفصل من مفاصل التائبين طبّق بالموعظة وحَزَّ؛ فبمثل مقام هذا الشيخ المبارك تُرحم العصاة، وتتغمد الجناة". وقد يكون التأثر وحلق الشعور لسبب بسيط في الظاهر لكنه نفسيا يفعل فعله في الجماهير؛ كما حكى لنا قاضي القضاة ابن خلّكان (ت 681هـ) -في ’وفيات الأعيان’- عن أن السُّهْرَوَرْدي "أنشد يوماً على الكرسي: لا تسقني وحدي فما عوّدتني ** أني أَشِحّ بها على جُلّاسي أنت الكريم ولا يليق تكرُّماً ** أن يَعْبُرَ النُّدَماءَ دَوْرُ الكاسِ فتواجد (= تمايلوا تأثرا) الناس لذلك، وقُطعت شعور كثيرة وتاب جمع كبير". إن أشدّ الوعاظ تأثيرا وأخطرهم على البشر هم أولئك الذين يموت بسبب وعظهم ناسٌ من سامعيهم؛ ويبدو أن الحوادث في ذلك كثرت حتى أصبح أمرا مألوفا، بحيث وجدنا المقريزي (ت 845هـ) يتحدث -في ‘إمتاع الأسماع‘- عن "أن خلقا من هذه الأمة ماتوا في مجالس الوعظ، كما هو معروف في كتب الأخبار"!! ويحكي المقري التلمساني (ت 1041هـ) -في ’نفح الطيب’- أن الشيخ أبأ مدين الغوث (ت 594هـ) كان له "مجلس وعظ يتكلّم فيه، فتجتمع عليه الناس من كل جهة…، وكثيراً ما يموت بمجلسه أصحاب الحُب"! ومثل ذلك ما يذكره ابن كثير -في ‘طبقات الفقهاء الشافعيين‘- من أن الفخر الرازي (ت 606هـ) "كان له مجلس كبير للوعظ، وكان يتكلم كلامًا جيدًا، وله تمكن من الوعظ باللسانين العربي والتركي، وكان يحضره الناس على اختلاف أصنافهم ومذاهبهم، ويجيء إلى مجلسه الأمراء والأكابر والملوك، ويحصل له مكان مجلسه رقة، ويُظهر خشوعًا مات بسببه أناس كثير"!! مواعيد أسبوعية أخذ المسلمون من بنود التأسيس العمري للوعظ والقصص الالتزام بيوم محدد يناسب أزمنتهم وأمكنتهم، ومن شدة التزامهم بيوم ووقت معيّنيْن للوعظ صار يُطلق على المواعظ اسم "المواعيد" و"الميعاد"؛ فكثيرا ما يتكرر في تراجم الأعلام أن فلانا كان يعمل "المواعيد"، أي يعقد مجالس الوعظ والتحديث في أيام معينة ومواضع محددة. ومن الطبيعي أن يكون يوم الجمعة هو الأنسب لمواعيد الوعظ؛ ولذلك كان ابن الجوزي يعظ العوام فيه بدار الوزير ابن هبيرة (ت 560هـ)، وابن العكبري البغدادي (ت 599هـ) -وهو تلميذ لابن الجوزي في الوعظ- اعتاد أن "يعقد مجلس الوعظ بجامع ابن بهليقا [غربي بغداد] في كل جمعة، فبقي على ذلك مدة طويلة ثم انقطع"؛ كما في ’ذيل طبقات الحنابلة’. وربما رأى بعض الوعاظ أن خطبتيْ الجمعة تكفيان الناس وعظاً في يومها فجعلوا مواعيدهم الوعظية في يوم آخر؛ فالواعظ سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) "قدم دمشق في حدود الستمئة وحظي عند ملوك بني أيوب وقدموه وأحسنوا إليه، وكان له مجلس وعظ كل يوم سبت بكرة النهار…، وقد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع ويتركون البساتين في الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذكرون ما قاله من الفوائد والكلام الحسن على طريقة جده" أبي الفرَج ابن الجوزي؛ كما يقول النعيمي (ت 927هـ) في ’الدارس في تاريخ المدارس’. وكذلك كان قاضي القضاة نظام الدين ابن مفلح المقدسي ثم الصالحي (ت 909هـ) ممن "يعمل الميعاد يوم السبت بكرة النهار على طريقة والده". وكان بعض الوعاظ يعتني بإعداد دروسه كتابة في صورة بحوث منهجية مكتوبة، يعدّها بجدولة أسبوعية فيحفظها بإتقان ويلقيها أمام جمهوره بتمكّن عن ظهر قلب؛ فالحافظ ابن حجر يذكر -في ’الدرر الكامنة’- أن ابن أبي مهْدي القهري البستي (ت 719هـ) كان "سريع الحفظ يعمل مجلس الوعظ -في شهر رجب وشعبان ورمضان- في كل سبت، فيرتبه ويكتبه نَحواً من سبعمئة سطر وينظر فيه في يوم ترتيبه (= إعداده) يوم الأربعاء، ثم يكرر عليه في يوم الخميس والجمعة، ثم يمليه من صدره في يوم السبت". ووجدنا أن عوائل اعتنت بصنعة الخطابة فتوارثتها أجيالها وفق خطة تدريبية لأبنائها على الخطابة منذ صغرهم، ولذا وُصف كثير من الأعلام بأنه من "بيت وعظ" أو "بيت خطابة"؛ كما سبق ذكره عن الواعظ التركستاني، وكما نجده في ترجمة القاضي الواعظ عبد السلام بن يحيى التغلبي التكريتي (ت 616هـ) الذي كان "من بيت القضاء والخطابة ببلده"؛ وفقا للمؤرخ ابن الشعار الموصلي (ت 654هـ) الذي يفيدنا -في كتابه ‘قلائد الجمان‘- بأن التكريتي هذا "حفظ فصولا وعظية، ورتب له والده مجالس الوعظ..، وتكلم في دارهم حتى تمرّن وصارت له فيه دُرْبَة جيدة..، فعقد له المجلس في بعض مشاهد تكريت حيث يتكلم الوعاظ، وتكلم ووعظ الناس وعمره يومئذ تسع سنين"!! ويبدو أنه وُجدت كذلك جماعة من "الوعاظ الرحالين" الذين كانوا يجوبون البلدان لنشر رسالة الوعظ أينما حلوا، ومنهم محمد بن عبد الوهاب الأنصاري الدمشقي الحنبلي (ت 657هـ) الذي كان تلميذا لابن الجوزي واعظ بغداد، وتحدث عنه ابن عبد الملك المراكشي (ت 703هـ) -في ‘الذيل والتكملة‘- فقال إنه لقيه بمراكش التي وصلها سنة 652هـ، ومنها عبر البحر إلى "الأندلس مطوِّفا على البلاد يعقد فيها مجالس الوعظ"، رغم أنه "كان لا يكاد يفقه ما يقول لإفراط عُجمة كانت في لسانه"؛ ومن الأندلس اتجه إلى مصر التي بها توفي!! مشاركة نسائية لم تكن صنعة الوعظ حكرا على الرجال بل كان للنساء فيها موقع ونصيب، ولذلك كثر لقب "الواعظة" في تراجم الشيخات والعالمات. وقد ترجم الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- لأكثر من عشر واعظات، بينهن الواعظة: خاصةُ بنت أبي المعمر الأنصاري (ت 585هـ) فقال "إنها صاحبة الشيخ أبي النجيب السُّهْرَوَرْدي (ت 563هـ)، كانت تعظ برباطها على النساء". ومن أشهر الواعظات أم زينب فاطمة بنت عباس البغدادية (ت 714هـ) التي سُمي بها "رباط البغدادية" بالقاهرة عند تأسيسه سنة 684هـ، وذكر المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) -في ‘أعيان العصر‘- أنها "كانت تصعد ‏المنبر وتعظ النساء… [و] انصلح بها جماعة نساء في دمشق…، [ثم] تحولت ‏بعد السبع مئة إلى مصر، وانتفع بها في مصر من النساء جماعة، وبعُد صيتها". وقبل هذه الواعظة البغدادية؛ نجد شيخة دمشقية أخرى كان صعود المنبر سببا في اشتهارها ‏بـ‘العالمة‘، وهي أم الفقيه الشافعي شهاب الدين الأنصَارِيّ المعروف بِـ"ابْن العالمة"؛ فقد روى قطب الدين اليونيني (ت 726هـ) -في ‘ذيل مرآة الزمان‘- أنه لما توفي الملك ‏العادل الأيوبي سنة 615هـ بحثوا عن "امرأة تتكلم في العزاء، فذكروها ‏وأنها من الصلحاء، فأتوا في طلبها فتبرأت من ذلك لعدم خبرتها بما يليق بذلك الحال، ‏فألزموها وأخذوها مكرَهة، وكانت تحفظ كثيراً من ‘الخُـطَب النُّـباتية‘ (= خُطب الشيخ ابن نُباتة الفارقي المتوفى سنة 374هـ)؛ قالت: وكنت أسأل الله ‏تعالى في الطريق ألا يفضحني في ذلك المحفل وأنا أرجف فَرَقاً من ذلك.‏ قالت: فلما حضرتُ وصعدت المنبر سُرّيَ عني، فقرأت شيئاً من القرآن وخطبت بـ‘خطبة الموت‘…؛ فاتفق في ‏ذلك المجلس من البكاء.. ما لم يتفق في غيره. واشتهرت تسميتها بالعالمة..، وحصّلت.. دنيا طائلة". ومن غرائب التنظيم الإداري للوعظ النسائي بمصر أن الواعظات كنّ يتبعن لإدارة ما يمكن تسميته "نقيبة المغنيات" التي كانت تـُـدعى حينها ‘ضامنة المغاني‘ وكانت تدفع ضرائب لدولة المماليك من عائدات قطاع حرفة الغناء! ويحدثنا الإمام ابن الحاج المالكي (ت 737هـ) -في كتابه ‘المدخل‘- عن اشتهار هذا الأمر في مصر، فيقول إنه من "العجب العجيب.. اعتقاد بعضهن في هؤلاء الشيخات من النسوة، وهنّ -كما قد عُلم في هذا الزمان- لا يمضين لموضع يعملن فيه إلا بعد إطلاقهن (= الترخيص لهن) عن ‘ضامنة المغاني‘…، فتجيء -بعد إطلاقها من الضامنة- ومعها حفَدَتها ويرفعن عقيرتهن بالقراءة والذكر جماعة"!! قلوب وجيوب من طرائف الملاحظات التي لا تخطئها عين الراصد لأدوار الوعاظ والقصّاص في التاريخ الإسلامي؛ أن بعضهم جعل الوعظ -الذي يُقصد به أصلا التزهيد في الدنيا والترغيب فيما عند الله- وسيلةً لجمع المال والإثراء، فكأن هؤلاء سعوا لترقيق القلوب وتضخيم الجيوب؛ وهي مفارقة لطيفة! فها هو الإمام الذهبي يخبرنا -في ’تاريخ الإسلام’- أن الفقيه الحنفي أبا سعد الغياثي الماهاني (ت 554هـ) "واعظ كثير المحفوظ، كثير الرغبة في تحصيل المال"! ويقول إن الواعظ ابن نجية الأنصاري (ت 599هـ) اقتنى "أموالا عظيمة، وتنعم تنعما زائدا، بحيث أنه كان في داره عشرون جارية للفراش تساوي كل واحدة ألف دينار (= اليوم 167 ألف دولار تقريبا للواحدة!!) وأكثر، وكان يعمل له من الأطعمة ما لا يعمل للملوك، وأعطاه الخلفاء والملوك أموالا عظيمة، ومع هذا مات فقيرا، كفنه بعض أصحابه"؛ كما في ’تاريخ الإسلام’ للذهبي. ويفيدنا السخاوي (ت 902هـ) -في ’الضوء اللامع’- بأن الفقيه الشافعي الواعظ أبا العباس القدسي (ت 870هـ) دأب على عقْد مجلس الوعظ "وساد فيه وتمول منه جدا وتخطى الناس فيه لكونه غايةً في الذكاء". ويذكر أيضا أن الفقيه الشافعي الواعظ عبد الرحيم ابن الموفق الزين الحموي (ت 848هـ) عقد "مجلس الوعظ فبرع وراج أمره فيه وصار له صيت وجلالة وأثْرَى". وهذا الفقيه الشافعي الواعظ شهاب الدين ابن عبِّية المقدسي (ت 905هـ) يقول السخاوي إنه "أقام بالشام يسترزق من الوعظ"، وهو الذي وصفه نجم الدين الغزي (ت 1061هـ) -في ‘النجوم السائرة‘- بأنه "شيخ العالَم الواعظُ المذكور"!! وقد تقدم معنا خبر أبي الهثيم المدني وأن مقامه بمصر كان للاسترزاق بالوعظ!! وقد يطلب الواعظ المال لمساعديه في تنظيم مجلس الوعظ؛ فالذهبي يقول -في ’تاريخ الإسلام’- إن الواعظ أبا بكر ابن عبد الجبار السمعاني (ت 510هـ) "طلب مرة للذين يقرؤون في مجلسه، فجاءه لهم ألف دينار من الحاضرين". وفي ’مرآة الزمان‘ لسبط ابن الجوزي؛ أن الواعظ عبد الرحمن بن مروان التَّنوخي المَعَرِّي (ت 559هـ) كان "شحّاذًا نتّاشًا حَوَّاشًا، قلما يخلو يوما شَرَكُه من صيد، حتى لو رآه الحريري (= صاحب ‘المقامات‘) لم يذكر أبا زيد [السروجي]"!! وكان هذا الواعظ في بداية مساره الوعظي "ينشد في صباه في الأسواق ويمشي على الدَّكاكين، وكان في صوته شجًى…، ورُزِق قَبولًا واكتسب من الوعظ مالًا". احتساب ورقابة تقدم معنا أن بعض الوعاظ اتخذ مهنة الوعظ سبيلا لجمع المال، ولن نستغرب إذن أن يكون بين الوعاظ فسقة يقولون ما لا يفعلون، أو مبتدعون يجعلون من المحْدَثات عبادات. وقد لاحظ ذلك ابن الجوزي نفسه فدعا -في كتابه ‘صيد الخاطر‘- إلى التصدي له بقوله: "تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ يعتقدها العوام وجهال العلماء قُرْبة، وهي منكرٌ وبُعدٌ [عن الشرع]؛ وذاك أن المقرئ يطرب ويخرج الألحان إلى الغناء، والواعظ ينشد بتطريب أشعار المجنون وليلى، فيصفق هذا! ويحرق ثوبَه هذا! ويعتقدان أن ذلك قربة! ومعلوم أن هذه الألحان كالموسيقى توجب طربا للنفوس؛ فالتعرض بما يوجب الفساد غلط عظيم، وينبغي الاحتساب على الوعاظ في هذا". وقد استدعى هذا التحولُ أن يُبوَّب في كُتب وظيفة "الحِسبة" للاحتساب على الوعاظ، للأخذ على أيديهم وإلزامهم بسلوك جادة الطريق التزكوي الصحيح. ومن نماذج ذلك ما يورده الحافظ ابن حجر -في ’إنباء الغُمْر’- من أن المحتسب نجم الدين الطُّنْبُذِي (ت بعد 794هـ) اتخذ في عام 790هـ "مِن فقراء الفقهاء مَن يعلّم أصحابَ الدكاكين من العامة الفاتحة وفرائض الصلاة، ونهى قرّاء المواعيد والوعاظ عن التهتك وأمرهم أن يبدلوه بالصلاة والسلام على النبي (ص)". وقد وُصف بعض الوعاظ بالمجون مثل مفتي القدس عبد المؤمن بن عمر الرهاوي الشافعي (ت 845هـ) الذي يقول العُلَيْمي الحنبلي (ت 928هـ) -في ‘الأنس الجليل‘- إنه كان "خيِّرا عالما فاضلا مفتيا واعظا متفننا، يعظ بلطافة ومجون وجد وهزل". وجاء في ’الوافي بالوفيات’ للصفدي أن الواعظ محمد بن عبد الله الظريف (ت 576هـ) كان "يُرمَى بأشياء منها شرب الخمر وشَرْي الجواري المغنيات وسماع الملاهي المحرمة، وأخرِج عن بغداد مرارا لأجل ذلك"؛ كما رُمي بمثل ذلك الواعظ المظفر ابن أردشير المتقدم ذكره. وفي مجال رمْي مؤرخين لوعّاظٍ معينين بالمجون لا يمكن أن نغفل أن للمعاصرة أحكامها التي لا تخلو من التحامل والتنافس؛ لكن تبويب كتب "الحسبة" على الاحتساب على الوعاظ ومجالسهم يدل على ما كان يقع فيها أحيانا من مخالفات شرعية، ولذا نجد أن ابن الأخوة (ت 729هـ) -وهو من العلماء الذين انخرطوا في الحسبة مدارسةً وممارسةً- خصص الباب الثامن والأربعين من كتابه ‘معالم القربة في طلب الحسبة’ للحديث عن الاحتساب على الوعاظ، وبيان شروط من يحق له الوعظ. وقد مهد ابن الأخوة حديثَه ذلك بخلاصة لمسيرة رسالة الوعظ وسلوك الوعاظ تبين البون الشاسع بين ما كان وما وهو كائن في زمنه؛ فلنسمعه يقول: "كان العصر الأول لا يصعد فيهم المنبرَ إلا أحدُ رجلين: خطيب في جامع يوم الجمعة أو يوم العيد، أو رجل عظيم الشأن يصعد المنبر يعظ الناس ويذكّرهم الآخرة، وينذرهم ويحذرهم ويخوفهم ويحثهم على العمل الصالح، وكان للناس بذلك نفع عظيم. وفي زماننا هذا لا يُطلب الواعظ إلا لتمام شهر ميت أو لعقد نكاح أو لاجتماع هذيان، ولا يجتمع الناس عنده لسماع موعظة ولا لفائدة، وإنما صار ذلك من نوع الفرح واللعب والاجتماع، ويجري في المجلس أمور.. لا يليق ذكرها، وهذا من البدع المضلة". وقبل ابن الأخوة؛ ألّف المحتسب الشيزري (ت 590هـ) كتابه ’نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة’، وقال فيه إن على المحتسب أن يتفقد "مجالس الوعاظ، فلا يدع الرجال يختلطون بالنساء ويجعل بينهم ستارة، فإذا انفضّ المجلس خرج الرجال وذهبوا في طريق، ثم تخرج النساء ويذهبن في طريق آخر؛ فمن وقف من الشباب في طريقهن لغير حاجة عزره". المصدر : الجزيرة
  9. محمد الصياد 26/5/2020 قد لا يكون الحضور الشبابي في أروقة التراث أمرا عجبا في ظل حضارة شابة ظلت قرونا تسير على ظهر الزمان بقوة وحركة تحبس الأنفاس، ليس على الصعيد الجغرافي فقط بل والمعرفي والفكري أيضا. فبدءا من زهاء سن العاشرة؛ تنجم بواكير النبوغ عند الكثير من مفكري الإسلام، مما يفسّر عظمة العطاءات العلمية والمشروعات الفكرية التي قدمها الكثير من العلماء الأوائل؛ فقد كانت أعمارهم كلها تقريبا -إلا بضع سنين للنشأة الأولى- مبذولة للمحبرة والدواة. ورغم أن علماء فن "أصول الفقه" وضعوا شروطا للمشتغل بالعلم عامّة والفتوى والاجتهاد خاصة؛ فإنهم لم يجعلوا من بينها شرطا متعلقا بالسنّ، فلا عُمْر محددا للتصدّر إفتاءً وتدريسا عند المسلمين. وهذا المقال يتقصى تاريخ شبابية المعرفة الإسلامية، فيبحث في سرٍّ من أسرار خصوبة وكثافة المنتج العلمي في الحضارة الإسلامية، ونبوغ أعلامه وهم في مرحلة مبكرة من حياتهم العلمية والفكرية. شروط مرنة أول ما يلفت النظر في أمر السن هو اشتراط الأصوليين بعض النضج السيكولوجي الذي يعبرون عنه بـ"البلوغ"، وإدراك بعض الأحاسيس الفارقة بين الطفولة وبقية مراحل عمر الإنسان، وهو شرط موضوعي يتماشى مع شروط وضعوها كالورع والصدق والبعد عن مخالطة السلطان؛ فعلى فرض تصدر العالم -دون توفر تلك الشروط- فإنه سيُنبذُ علمائياً. ذلك أن جمهور الأصوليين يرون أن المفتي يجب أن يكون "بالغاً" فقط، مع تقريرهم لإمكانية إحراز الصبيّ غير البالغ رتبة الاجتهاد في إصدار الفتوى وتقرير الأحكامِ، وهنا يأتي تعليل الإمام الجوينيّ (ت 478هـ) -في كتابه ‘البرهان‘- لذلك مؤيدا الخلاصة السابقة التي تربط حركة العلم بالوعي لا بالسن، فيقول: "يُشترَط أن يكون المفتي بالغاً، فإنّ الصبيّ -وإن بلغ رتبة الاجتهاد وتيسر عليه دَرْكُ الأحكامِ- فلا ثقة بنظره وطلبه، فالبالغُ هو الذي يُعتمد قوله". ونلحظُ أنّ علماء كباراً تصدّروا للتدريس والفتوى بعد بلوغهم مباشرة، أي بعد مرحلة الصبا. ومن اللافت أنّ أولئك الذين تصدروا وهم صغار لم يفرضوا أنفسهم على الجماعة العلمية، بل ولا على العامّة. وهنا تواجهنا آلية مهمة أسهمت في حراك شباب العلماء وهي ديمقراطية الانتخاب الطبيعي؛ فجماعة العلماء انتُخِبوا انتخابا طبيعياً بما يمكن تسميته "قانون الانتقاء المجتمعي"؛ فالعامّة يستفتون مَن يثقون في دينهم وورعهم، والجماعة العلمية والمتفقهة يحضرون دروس من يرونه أهلاً للتدريس والتصدر. وليس انتخاب العلماء فقط هو المحدد الرئيسي، وإنما ثمة أيضا مقبوليةُ المؤمنين المعتبرة شرعاً في السياسةِ والفقه وسائر شؤون الدين والدنيا، والمؤمنون هنا هم العامّة، فلا تنعقد إمامة إلا باختيارهم أو اختيار ممثليهم ووكلائهم. وقد جعلَ الأصوليون لهم حقّ اختيار الفقيه الذي سيقلدونه، بل وأوجبوا على العامّة النظر والاجتهاد في تلك المسألة. وفي ذلك يقول الجويني: "لا يخفى أنّ المقلِّد ليس له أن يقلد غيره إلا بعد نظر واجتهاد، وقد اختلفوا فيما عليه"؛ فقال بعضهم بأنّ من حقّ العامّة -بعد أن تتلقف مسائل من كل فنّ- أن تسأل المفتي وتمتحنه في بعض تلك المسائل، وقال آخرون يكفي إقرار المفتي لنفسه بالاجتهاد. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) -في كتابه ‘قاعدة في المحبة‘- إلى أن "اجتهاد العامة هو طلبهم للعلم من العلماء بالسؤال والاستفتاء بحسب إمكانهم". لم يكن التصدر العلمي في القرون الأولى يحتاج لأكثر من العصامية وشهادة الشيوخ بأهلية صاحبه العلمية (الجزيرة) إمامة مبكرة في رصدنا لظاهرة تصدّر كبار الأئمة للساحة العلمية وهم في ريعان الشباب؛ يعترض طريقَنا شيخُ الإسلام وعالم الأُمّة مالك ابن أنس (93-179هـ) الذي أخذ عن تلامذة الصحابة من التابعين، وبدأ الطلب وعمره سبع سنين ليتصدر للإفادة والتدريس والفتوى في حياة مشايخه وهو ابن سبع عشرة سنة، ثم زادت حلقته اتساعاً حتى فاقت حلقات أقرانه وأساتذته. فقد جاء عند القاضي عياض (ت 544هـ) في ‘ترتيب المدارك‘: "قال سفيان بن عيينة: جلس مالك للناس وهو ابن سبع عشرة سنة، وعُرفت له الإمامة وبالناس حياة إذ ذاك. وقال ابن المنذر: أفتى مالك في حياة نافع [مولى ابن عمر] وزيد بن أسلم (ت 136هـ)…، وقال أيوب السختياني (ت 131هـ): قدمت المدينة في حياة نافع ولمالك حلقة". وقد جزم الذهبي (ت 748هـ) -في سير أعلام النبلاء‘ بعد ذكره الاختلاف في تاريخ وفاة الإمام نافع- بأن "الأصح وفاة نافع سنة سبع عشرة ومئة". ويشير الذهبيّ أيضا إلى صغر سنّ مالك عند تصدره العلمي فيقول: "طلب مالك العلم وهو ابن بضع عشرة سنة، وتأهل للفتيا وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وحدث عنه جماعة وهو.. شاب طريّ، وقصده طلبة العلم من الآفاق في آخر دولة أبي جعفر المنصور (ت 158هـ) وما بعد ذلك، وازدحموا عليه في خلافة الرشيد (ت 193هـ)، وإلى أن مات". ولم يتصدر مالك للفتوى إلا بعد إجازة المشايخ الكبار من أهل الفنّ له، على نحو ما ذكرنا آنفا من قوانين التصدر المتواضع عليها عند العلماء؛ وفي ذلك يحكي الخطيب البغدادي (ت 463هـ) -في كتابه ‘الفقيه والمتفقه‘- بسنده عن "مالك بن أنس [أنه كان] يقول: ما أفتَيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهلٌ لذلك". ويقول الإمام الذهبي: "قال مالك: ما أجبتُ في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعا لذلك؟ سألت ربيعة [بن عبد الرحمن المتوفى 136هـ]، وسألت يحيى بن سعيد [الأنصاري المتوفى 143هـ]؛ فأمراني بذلك. فقيل له: فلو نهوك؟ قال: كنت أنتهي، لا ينبغي للرجل أن يبذل نفسه حتى يسأل من هو أعلم منه". وفيه إشارة إلى مسألة شهادة "أهل الاستحقاق والرتبة" التي تحدث عنها الشاطبيّ (ت 790هـ) -في ‘الموافقات‘- كشرط من شروط أهلية العالم المجتهد. وجاء عند عياض: "قال مالك: ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفُتيا جلس، حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد"؛ ويقصد بهؤلاء أهل العلم في زمانه ومكانه. ولذلك تلقته الأُمّة عِلمَ مالك بالقبول حتى رَوى عنه في عصره مَن هو أسنّ منه: " فضُربت إليه أكباد الإبل من الآفاق، واعترفوا له، وروت الأئمة عنه ممن كان أقدم منه سنًّا، كالليث [بن سعد الفارسي المتوفى 175هـ] عالم أهل مصر والمغرب، وكالأوزاعي (ت 157هـ) عالم أهل الشام ومفتيهم، و[سفيان] الثوري (ت 161هـ) وهو المقدَّم بالكوفة، وشعبة [بن الحجّاج المتوفى 160هـ] عالم أهل البصرة"؛ كما يقول الذهبي. في العصور الزاهرة كان الأطفال يتلقون في الكُتّاب أساسيات معرفية تساعدهم في النبوغ العلمي والتصدر المبكر (الجزيرة) نبوغ شافعي وعلى خُطى شيخه مالكٍ؛ بدأ الإمام الشافعيّ (150-204هـ) مرحلة التعليم وهو صغير، وارتحل كثيراً في طلب العلم، وبدت منه في تحصيله الهمّة والشغف، فحفظ القرآن وهو في السابعة من عمره، وتصدّر للإفتاء وهو في سنّ الخامسة عشرة. فالخطيب البغدادي يروي -في ‘تاريخ بغداد‘- أن الإمام إسماعيل المُزَني (ت 264هـ) سمع شيخه الشافعي يقول: "حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت ‘الموطأ‘ وأنا ابن عشر". وينقل الإمام ابن الجوزيّ (ت 597هـ) -في ‘المنتظم‘- عن الشافعي قولَه: "حفظتُ القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين، وما أفتيتُ حتى حفظت عشرة آلاف حديث…، وأفتى وله خمس عشرة سنة". ويقول الذهبيّ -في ‘السِّيَر‘- إن الشافعي "ارتحل -وهو ابن نيف وعشرين سنة وقد أفتى وتأهل للإمامة- إلى المدينة، فحمل [الموطأ] عن مالك بن أنس [حتى] عرضه من حفظه". وقد نشأ الشافعي فقيراً لا مال له؛ فها هو يقول كما جاء في ‘السِّيَر‘ للذهبي: "كنت يتيما في حِجر أمي، ولم يكن لها ما تعطيني للمعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب وأخفف عنه". ومع ذلك لم يمنعه فقره من التصدر والنبوغ، والتأهل للفتوى والتدريس وشهادة العلماء له بالأهلية لذلك؛ فالفقر ليس عائقا أمام العلم والتحصيل، بل وفي سنّ مبكرة أيضا. ولذا بات الشافعي "مجدِّدا" على رأس المئة الثالثة للهجرة؛ كما قال الذهبيّ. وفي أقصى الشرق الإسلامي؛ يخبرنا إمام المحدّثين محمد بن إسماعيل البخاريّ (194- 256هـ) عن نفسه بأنّه بدأ حفظ الحديث وهو صبي في الكُتّاب وعمره عشر سنين، ثمّ حفظ بعض الكتب العلمية وعمره ست عشرة، ولما بلغ ثماني عشرة سنة بدأ في تصنيف بعض كتبه. ولنستمع إليه وهو يقول فيما ينقله ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- بسنده إلى محمد بن أبي حاتم الورّاق (= "ورّاق البخاري" أي كاتبه الخاص الذي كان ينسخ له كتبه، وله في سيرته كتاب سماه ‘شمائل البخاري‘)؛ أنه قال: "قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهِمت حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب؛ قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي (= أحمد بن حفص البخاري المتوفى 217هـ) وغيره. فقال (= الداخلي) يوما فيما كان يقرأ للناس: [روى] سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم؛ فانتهرني. فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي [اليامي المتوفى 131هـ] عن إبراهيم [النخعي المتوفى 96هـ]، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه، وقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة..، فلما طعنتُ في ثمانية عشرة سنة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب ‘التاريخ‘.. عند قبر رسول (ص) في الليالي المقمرة". كان القبول المجتمعي شرطا أساسيا لتصدر العلماء وهم شباب وتلقي الفتاوى منهم (مواقع التواصل الاجتماعي) فيلسوف فقيه لم يكن النبوغ والتصدر في الصغر منحصرا في علماء الشريعة فقط، بل كان في الأطباء والفلاسفة وشمل طلاب أكثر الفنون حينئذ؛ فقد عكف الشيخ الرئيس ابن سينا (370-428هـ) -وهو أحد فلاسفة العالم- على العلم وهو صغير، وحفظ القرآن وتعاهد حلقات الفقه في سنّ مبكرة. وفي ذلك يقول عن نفسه موضحا مسيرته التعليمية فيما حكاه عنه ابن أبي أصيبعة (ت 668هـ) في ‘عيون الأنباء في طبقات الأطباء‘: "وأحضِرتُ معلّمَ القرآن ومعلمَ الأدب، وأكملت العشر من العمر وقد أتيت على القرآن وعلى كثير من الأدب؛ حتى كان يُقضى مني العجب…، ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي وأطالع الشروح حتى أحكمت علم المنطق…، ثم رغبت في علم الطب وصرت أقرأ الكتب المصنفة فيه، وعلم الطب ليس من العلوم الصعبة فلا جَرَمَ (= لا عَجَبَ) أني برزت فيه في أقل مدة، حتى بدأ فضلاء الطب يقرؤون علي علم الطب". ولكن العجيب أنّ ابن سينا -مع تصدره في الفلسفة والمنطق والطب- لم يترك الفقه أو ينساه، بل تعاهده حتى أحكمه؛ فلنسمعه يقول: "وتعهدت المرضى فانفتح عليّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف، وأنا مع ذلك أختلف إلى الفقه وأناظر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء سِتّ عشرة سنة. ثم توفرت على العلم والقراءة سنةً ونصفا فأعدت قراءة المنطق وجميع أجزاء الفلسفة". وهذا النصّ مهمّ جدا؛ إذ يفيدنا بأن بروز ابن سينا وتصدره في كل هذه العلوم كان وهو ابن ست عشرة سنة، ثمّ لمّا بلغ الثامنة عشرة بات من المُحْكِمين لها: "فلما بلغتُ ثماني عشرة سنة من عمري فرغت من هذه العلوم كلها". ومع ذلك فإنه لم يكتف ببعض العلوم دون بعض، فقد زاد نهمه المعرفي وعلت همّته للاطلاع على سائر العلوم: "وأتيت على سائر العلوم -سوى الرياضي- ولي إذْ ذاك إحدى وعشرون سنة من عمري". ويقول عن تحصيله وملكته في فترة شبابه: "وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ ولكنه اليوم معي أنضج، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء". وهذه لفتة تربوية مهمة في منهجية التحصيل العلمي؛ فمرحلة الشباب هي مرحلة الحفظ والنهم والانكباب والعكوف على التكوين، أما مرحلة الشيخوخة فهي مرحلة التفكر والتدبر والنضج واكتساب المَلَكة. حفظت كتب التاريخ والتراجم قصصا عديدة لمواقف صحح فيها طلاب صغار السن مرويات شيوخهم ومحفوظاتهم (الجزيرة) تدريس للشيوخ وغير بعيد من زمن ابن سينا؛ ظهر حُجّة الإسلام أبو حامد الغزاليّ (450-505هـ) الذي سلك طريق العلم وهو صغير، وواصل مسيره فيه حتى ذاع صيته وتلقته الناس بالقبول، لكنه سُرْعان ما اعتزل الحياة العامة، وانكبّ على شأنه مؤثِرا الخلوةَ على الظهور والخمولَ على البروز. ولم يشتهر علمه في صغره فحسب، بل باتت له السيادة العلمية على أقرانه؛ فابن كثير يخبرنا -في ‘البداية والنهاية‘- أن الغزالي "تفقه على إمام الحرمين [الجويني]…، فكان من أذكياء العالم في كل ما يتكلم فيه، وساد في شبيبته حتى إنه درّس بالنِّظامية ببغداد في سنة أربع وثمانين وله أربع وثلاثون سنة، فحضر عنده رؤوس العلماء". وقد كانت "المدرسة النظامية" -التي درّس فيها الغزالي وله أربع وثلاثون سنة فقط- أهمَّ مدرسة في العالم الإسلامي حينئذ؛ وهو لم يجلس للتدريس فيها إلا وهو عالِمٌ متصدّرٌ متينٌ بداهةً، ولم يكن حينها في بدايات تحصيله العلمي بدليل أن رؤوس العلماء حضروا دروسه الأولى فيها، وبالتالي يمكن القول إنه كان عالما متمكنا ذائع الصيت ومتصدراً قبل ذلك، أي وهو في العشرينيات من عمره. ويحكي الغزالي -في ‘المنقذ من الضلال‘- عن نفسه أنّه نفض عنه غبار التقليد مبكرا، وراح قبل بلوغه سنّ العشرين يقتحم لُجّة "البحر العميق" ويفتش في مقولات الفرق والمذاهب: "ولم أزل في عنفوان شبابي وريعان عمري -منذُ راهقتُ البلوغَ قبل بلوغِ العشرين إلى الآن (وقد تجاوزت سنُّه الخمسين حينها)- أتقحّمُ لُجّة هذا البحر العميق، وأخوضُ غَمْرَته خَوْضَ الجَسور لا خوضَ الجبان الحَذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة". وعن انحلال رابطة التقليد عنه وهو في سنّ الصبا؛ يقول الغزالي: "انحلّت عني رابطة التقليد، وانكسرت عليَّ العقائدُ الموروثة، على قربِ عهدٍ بسنّ الصبا". وعن دعوته للاجتهاد والنظر ونبذ التقليد كعادة الأئمة الكبار؛ يقول إنه "لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته". وبتواصل هذا النبوغ المبكر؛ انتهى الحال بالغزالي إلى أن بات مجدد قرنه وعلى رأس المئة السادسة للهجرة، كما يقول هو عن نفسه كما سنورده هنا لاحقا، وكما يقوله عنه أهل التراجم؛ حسبما جاء في ‘المقامات‘ لجلال الدين السيوطي (ت 911هـ). كثير من الأئمة كانوا أيتاما فطلبوا العلم برعاية وتشجيع من أمهاتهم حتى نالوا الصدارة العلمية وهم شباب (الجزيرة) موهبة متمردة بعد وفاة الفقيه والقاضي الحنبلي الشهير القاضي أبي يَعْلَى سنة 458هـ؛ جلس تلميذه أبو الوفاء ابن عقيل (431-513هـ) على كرسي التدريس الذي طالما شغله شيخُه في "جامع المنصور" ببغداد. وبذلك تصدّر صفوفَ شيوخ المذهب الحنبلي وهو في سنّ السابعة والعشرين، رغم أنّ الشريف أبا جعفر بن أبي موسى الهاشمي (ت 470هـ) كان أكبر منه سنّاً وأطول ملازمةً لشيخهما أبي يعلى، كما أنه هو الذي تولى -عند وفاته- غسله وتكفينه، وذلك إشارة إلى كونه الأحقّ بميراث الشيخ ومكانته العلميّة بعد رحيله. وقد ساعد أبو منصور ابن يوسف –وهو تاجر حنبلي كبير ومستشار للخليفة العباسي القائم بأمر الله (ت 467هـ)- ابنَ عقيل في هذا التصدّر الذي حظي به بعد أبي يعلى. يقول ابن عقيل عن نفسه في تلك الفترة حسبما نقله ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) في ‘ذيل طبقات الحنابلة‘: "وأقبل عليَّ أبو منصور ابن يوسف فحظيتُ منه بأكبر حظوة، وقدّمني على الفتاوى مع حضور من هو أسنُّ مني (= منافسه الهاشمي)، وأجلسني في حلقة البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخي (= أبو يعلى) سنة ثمان وخمسين [وأربعمئة]، وقام بكل مؤنتي وتجملي". وفي نص لدى ابن الجوزي -في ‘المنتظم‘- يقول ابن عقيل مثمنا صنيع هذا التاجر الحنبلي الذي رعى موهبته: "ورباني وآواني إلى أن صلحتُ للحلقة فصدُّوني، وقام بمئونة حلقتي حتى الحُصُر..، هذا وأنا ابن نيف وعشرين"!! ورغم أهليته المبكرة هذه؛ فإن ابن عقيل لم يسع لكرسي التدريس بل سيق أمره إليه؛ فها هو يقول عن نفسه: "ولم أزاحم فقيهاً في حلقة، ولم تطلب نفسي رتبة من رُتَب أهل العلم القاطعة لي عن الفائدة". وقبل وفاة ابن عقيل بثلاث سنوات؛ وُلد ابن الجوزيّ (510-597هـ) ليبدأ تعلمه وتحصيله صبيا فيقرأ القرآن وله ست سنين، ويسمع الحديث النبوي وعمره سبع سنين. ويقول ابن الجوزيّ عن نفسه في ‘لفتة الكبد‘: "فإنّي أذكرُ نفسي ولي همّة عالية وأنا في المكتب ابن ست سنين، وأنا قرينُ الصبيان الكبار، قد رُزقتُ عقلا وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر أني لعبتُ في طريق مع الصبيان قطّ، ولا ضحكتُ ضحكا خارجاً [عن الحدّ]، حتى إني كنت -ولي سبع سنين أو نحوها- أحضر رحبة الجامع، فلا أتخير حلقة مُشَعْبِذ (= المشعوذ) بل أطلب المحدِّث، فيتحدث بالسِّيَر فأحفظ جميع ما أسمعه، وأذهب إلى البيت فأكتبه". وإذا كان ابن عقيل قد وفّق الله له التاجر أبا منصور ليتولى رعايته علميا؛ فإنّ أحد المشايخ الكبار تولى ابن الجوزيّ أيضا، وفي ذلك يقول في ‘لفتة الكبد‘: "ولقد وُفّق لي شيخنا أبو الفضل ابن ناصر (= محمد بن علي السَّلامي البغدادي المتوفى 551هـ)..، وكان يحملني إلى الشيوخ فأسمعني ‘المسند‘ (= مسند الإمام أحمد) وغيره من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يُراد منّي، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت فناولني ثَبَتَها (= سِجِلّها)، ولازمته إلى أن تُوفي رحمه الله، فنِلتُ به معرفة الحديث والنقل". رعاية المحسنين من العلماء والتجار للموهوبين من الطلاب الصغار كانت ظاهرة شائعة في التاريخ الإسلامي (الجزيرة) طفولة واعظة ويقول ابن الجوزيّ -في ‘المنتظم‘- عن بداياته المبكرة: "وفي هذه السنة (= 520هـ) حُملتُ إلى أبي القاسم علي بن يعلى العلوي (ت 527هـ) وأنا صغير السن فلقنني كلمات من الوعظ، وألبسني قميصا من الفُوَط، ثم جلس لوداع أهل بغداد عند السور (= سور بغداد) مستندا إلى الرباط الذي في آخر الحلبة، ورقّاني إلى المنبر فأوردت الكلمات [التي لقنني إياها]، وحُزِر الجَمْع يومئذ فكانوا نحو خمسين ألفا، وكان يورد الأحاديث بأسانيدها وينصر أهل السنة". ونلحظُ هنا أنّ ابن الجوزيّ كان صغير السنّ حين حُمل إلى الشيخ الهروي، وأن هذا الشيخ كان له قبول بين الناس كما يُصرّح بذلك ابن الجوزيّ، وهو ما عنيناه آنفاً بانتخاب العامّة وانتقائهم. ولعل ابن الجوزي استفاد من تقديم الهروي له في محفل وعظه الوداعي؛ فها هو ابن رجب يقول -في ‘ذيل طبقات الحنابلة‘- إنه "لما تُوفي ابن الزاغوني في سنة سبع وعشرين طَلب [ابنُ الجوزي] حلقتَه فلم يُعْطَها لصغره"، ومع ذلك فقد "أذن له الوزير أنوشروان [ابن خالد الكاشاني المتوفى 532هـ] في الوعظ، فتكلم في هذه السنة على الناس في أماكن متعددة من بغداد، وكثرت مجالسه وازدحم عليه الناس"؛ كما يقول ابن كثير. ويذكر بعض مترجميه أنه صنّف في الوعظ قبل بلوغه العشرين. وقد تربى ابن الجوزيّ يتيما حسبما يقوله الذهبي في ‘السِّيَر‘؛ إذ "توفي أبوه وله ثلاثة أعوام فربته عمته، وأقاربه كانوا تجارا في النحاس. ثم لما ترعرع حملته عمته إلى ابن ناصر فأسمعه الكثير، وأحب الوعظ ولهج به وهو مراهق فوعظ الناس وهو صبي". وفي نهايات القرن السابع؛ يلقانا نموذج شيخ الإسلام ابن تيمية (661-728هـ) الذي خلف أباه -وهو إمام حنبلي- على كرسيّ التدريس وهو في سنّ الواحدة والعشرين، وأفتى وصنَّف قبل ذلك وله تسع عشرة سنة؛ فقد "كان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، فأفتى وله تسع عشرة سنة بل أقلّ، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت..، ومات والده -وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم- فدرس بعده بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتُهر أمره وبعُد صيته في العالم"؛ كما يقول الذهبي في كتابه ‘ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية‘. وعن بداياته المحرقة في طلب العلم وذكائه؛ يقول ابن كثير في ‘البداية والنهاية‘: "وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديث من جماعة وقرأ بنفسه الكثير..، وقلّ أن سمع شيئا إلا حفظه، ثم اشتغل بالعلوم -وكان ذكيا كثير المحفوظ- فصار إماما في التفسير وما يتعلق به، عارفا بالفقه فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذين كانوا في زمانه وغيره، وكان عالما باختلاف العلماء..، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما قُطع (= غُلِب) في مجلس [مناظرة]، ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظَنّ أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفا به متقنا له". ومقتضى كلام ابن كثير أنّ ابن تيمية بعد ذهابه إلى دمشق -وهو في عمر ست سنوات- شرع في تحصيل فنون العلم دون توقف. وكانت أولى مِحَنِ ابن تيمية سنة 698هـ بسبب "الفتوى الحموية" وعمره حينها 37 سنة، ولو لم يكن متصدراً وذائع الصيت لما تصدى له أحدٌ من فقهاء عصره، الذين أثاروا عليه السلطة في تلك السنّ المبكرة من حياته العلمية. كان السيوطي من آخر الأئمة الذين نالوا الصدارة العلمية صغارا وبلغوا مرتبة الاجتهاد وحازوا لقب "المجدد المئوي" (الجزيرة) الشاب المجدد وتتواصل ظاهرة النبوغ قبل البلوغ؛ فها هو الجلال السيوطيّ (849-911هـ) يسجل اسمه ضمن الذين اشتغلوا بالعلم حتى تصدروا فيه في سنّ صغيرة؛ فقد حفظ القرآن وهو دون ثماني سنين، ثمّ حفظ كتبا في الفقه والأصول والنحو، وشرع في الاشتغال بالعلم بداية سنة 864هـ وعمره 15 سنة، وألّف أول رسالة علمية له في مستهل سنة 866هـ وعمره حينها 17 سنة. ثم إنه تصدّر للإفتاء وله من العمر 22 عاماً فقط، وفي ذلك يقول هو في كتابه ‘التحدث بنعمة الله‘: "وتصدّيتُ للإفتاء من سنة إحدى وسبعين [وثمانمئة]، فلا يَعلم مقدارَ ما كتبتُ عليه من الفتاوى إلا اللهُ"! ومقتضى ذلك أنّ تصديه للتدريس والفتوى لم يكن مجرد دعوى وتصدُّر دون أهلية علمية ومقبولية جماهيرية، فلو كان كذلك لما أتته الاستفتاءات من كل حدب وصوب حتى قال عن كثرتها: "فلا يعلم مقدار ما كتبت عليه من الفتاوى إلا الله"!! ولو كان كذلك أيضا لناهضه علماء عصره وفقهاء مذهبه، وهو ما لم يحدث؛ إذ لم يزعم أحدٌ أن السيوطيّ ليس فقيها، أو ليس مؤهلا للفتوى في تلك السنّ. كما عقد السيوطيّ مجالسَ إملاءِ الحديث النبوي سنة 872هـ بالجامع الطولوني وعمره 23 سنة، وهي سنّ صغيرة قياسا بغيره من الأقران ومقارنة بسنّ التصدرّ الطبيعي، وخاصة في تلك العصور المتأخرة نسبيا؛ ولذا دانت له الديار المصرية وهو في سنّ مبكرة، رغم وجود من هو أسنّ منه كالحافظ السخاويّ (ت 902هـ) وغيره. وبعقده مجالس الإملاء الحديثي؛ كان السيوطي أول من أحيا هذا التقليد العلمي العريق بعد انقطاعه إثر وفاة الحافظ ابن حجر سنة 852هـ، ثم توقف الإملاء بعد انتشار الطاعون. ويقول في ذلك: "فأمليت أربعة عشر مجلسا مطلقةً، ثم أمليت ستة وستين مجلساً على الفاتحة ونصف حزب من سورة البقرة، ثمّ وقع الطاعون بالديار المصرية فاشتغلَ كلٌّ بنفسه، فقطعتُ الإملاء في شعبان سنة 873هـ". لقد نشأ السيوطيّ يتيماً فقيراً، وكان يعتزّ بفقره ويفتخر بعصاميته؛ فها هو يقول -في مقاماته المسامة ‘طرز العمامة‘- لأحد خصومه: "وأمّا ازدراؤك لي بالفقرِ فإنّه عند الله من المكرُمات، وقد قال العلماء: المالُ لا يتفاخر به ذوو المروءات". ورغم فقره الشديد؛ فقد وصل إلى درجة الاجتهاد المطلق كما يقول عن نفسه: "وأما الاجتهاد؛ فقد بلغت -ولله الحمد والمنة- رتبة الاجتهاد المطلق في الأحكام الشرعية، وفي الحديث النبويّ، وفي العربية..". والمراد بـ"المجتهد المطلق" العالمُ المؤهَّل معرفيا لاستنباط الأحكام مباشرة من أدلتها الشرعية العامة المبينة في علم "أصول الفقه"، وعكسه "المجتهد المقيَّد/ المنتسِب" الذي يكون استنباطه للأحكام محكوما بأصول إمامِ مذهبٍ فقهي معيَّن. لم يقتصر النبوغ المبكر على المشتغلين بعلوم الشرع ومتعلقاتها بل حازه كذلك طلاب الفلسفة والطب وغيرهما (الجزيرة) وللأطباء نصيب وقد جعل السيوطيّ نفسه مجدد المئة التاسعة، وردّ على من اعترضه بقوله: "فإنْ قالَ قائلٌ: إنّ [الأئمة] الثمانية المتقدمين لم يدّعوه، وإنّما ادّعاه لكلٍّ منهم أصحابُه الذين اتبعوه، قلنا: قد ادّعاه الغزاليّ لنفسه وهو من أئمة الكمال، وصرّح به في كتابه ‘المنقذ من الضلال‘". وصدق السيوطي في قوله إن الغزاليّ قد ادّعى لنفسه بلوغ مرتبة المجددين للدين، فهو يقول في ‘المنقذ من الضلال‘: "نشهدُ بأنّ هذه الحركة مبدأُ خيرٍ ورشدٍ، قدَّره الله تعالى على رأسِ هذه المئة، وقدْ وعدَ الله سبحانه بإحياء دينه على رأسِ كلّ مئة". ولم يكن أمر التصدر العلمي المبكر منحصرا في هؤلاء الأئمة الكبار ممن ذكرناهم، ولم يكن كذلك منحصرا في عِلمٍ دون علم وفنّ دون فنّ؛ بل ناله كذلك الأطباء والفلاسفة والمتكلمون والوعاظ وغيرهم. فهذا الطبيب الأندلسي أبي العلاء ابن زهر (ت 525هـ) يقول عنه ابن أبي أصيبعة -في ‘عيون الأنباء‘- إنه "اشتغل بصناعة الطب وهو صغير في أيام [أمير إشبيلية] المعتضد بالله أبي عمرو عباد ابن عباد (ت 461هـ)، واشتغل أيضا بعلم الأدب، وهو حَسَن التصنيف جيد التأليف، وفي زمانه وصل كتاب ‘القانون‘ لابن سينا إلى المغرب..، وكان مع صغر سنه تصرخ النجابة بذكره وتخطب المعارف بشكره، ولم يزل يطالع كتب الأوائل متفهما ويلقى الشيوخ مستعلما.. حتى برز في الطب إلى غاية عجز الطب عن مرامها، وضعف الفهم عن إبرامها". لكنْ جديرٌ بالإشارة أنّ العلوم في تلك الأزمان كانت متشابكة وغير منفصلة بصورة دقيقة ولا مُسوَّرة، بمعنى أنّ كثيراً من العلماء كانوا فقهاء وأطباء وفلاسفة في نفس الوقت؛ فابن الجوزيّ على سبيل المثال لم يكن محدثا وواعظا وفقيها حنبليا فقط، بل كان أيضا بارعاً في الطب، أو بعبارة الذهبيّ في ‘السِّيَر‘: "كان بحرا في التفسير، علامة في السير والتاريخ، موصوفا بحسن الحديث ومعرفة فنونه، فقيها عليما بالإجماع والاختلاف، جيد المشاركة في الطب". كما كان ابن سينا فيلسوفا وطبيباً ومشاركا في الفقه إلى درجة أنه كان مناظِرا فيه وهو دون سن العشرين!! وفي ترجمة ابن حجر -من كتابه ‘إنباء الغُمْر‘- لتاج الدين السبكي (ت 776هـ)؛ نجده يقول إنه "وَلِيَ خطابة الجامع الأموي بعد أبيه وله عشر سنين، وقد درّس في حياة أبيه بالأمينية وعمره سبع سنين"!! وجاء في ترجمته لابن العجمي (ت 833هـ) أنه "اعتنى به أبوه في صغره، وصلى بالناس التراويح بالقرآن أول ما فُتحت [المدرسة] الظاهرية في سنة ثمان وثمانين [وسبعمئة] وهو ابن إحدى عشرة سنة لم يكملها". تناقصت ظاهرة النبوغ المبكر لعوامل عديدة بعضها يرجع للوسط العلمي وبعضها فرضه نمط التعليم الحديث (الجزيرة) خلاصات ودلالات هنا عدّة دلالات مهمّة يمكن الوقوف عندها بتأمل ونحن نرصد هذه الظاهرة العلمية البديعة، أي تصدر الأئمة في كل الفنون وهم في سن مبكرة جدا، والتي هيمنت على المشهد العلمي والثقافي عند المسلمين في القرون الثلاثة الأولى تقريبا، ثم ظلت موجودة طوال بقية القرون وإن بوتيرة أقل من السابق. الدلالة الأولى: تلك المرونة الواضحة في التكوين العلمي خلال القرون الأولى، والتي انتفت فيما بعد نتيجة لتعقيد اشتراطات منح الأهلية للفتوى أو الاجتهاد؛ فالجوينيّ والغزاليّ وغيرهما صرّحوا ببلوغهم درجة الاجتهاد المطلق مثل الأئمة الأربعة، دون نكير من أهل زمانهم من المتخصصين العارفين. بل إن علماء -منهم ابن القيم والسيوطيّ- صرّحوا بصحة تبعيض الاجتهاد المطلق، بمعنى أن يصل العالم إلى رتبة الاجتهاد المطلق في باب من الفنّ دون باب آخر، فيكون عندنا مجتهد في جانب فقهي دون جوانب أخرى. وهذه لفتة مهمة جديرة بالاستحضار في عصرنا اليوم، نتيجة تعقد العلوم وتشعبها وتعدد فروعها. الدلالة الثانية: منهجُ الأساتذة تجاه تلامذتهم في إجازتهم بالتصدر والتدريس والإفتاء، وذلك يرجع إلى عدّة عوامل نفسية وأخلاقية وعلمية توفرت في هؤلاء الأساتذة. ومع انتفاء تلك العوامل أو بعضها في العصور المتأخرة؛ بات تصدر التلميذ مقلقا ومزعجا لبعض الأساتذة، وصارت نصيحة الأستاذ كذلك ثقيلة على بعض طلبة العلوم. الدلالة الثالثة: تتعلق بأسباب انعدام هذه الظاهرة العجيبة في العالم الإسلاميّ اليوم، أو على الأقل في معظم بقاعه ومناطقه. والحقيقةُ أنّ الاهتمام بالعلوم بدءا من مرحلة الصغر ليس مهمّة الصبيّ المتعلم فحسب، بل تدخل فيه عوامل كثيرة فيها السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعي والمكانيّ وغير ذلك. فالمكاتب/ الكتاتيب كمثال ما عادت مألوفة أو موجودة في بلدان كثيرة، وقد كانت -بلا شكّ- من عوامل نبوغ الطلاب، بتعلمهم المبكر للقراءة والكتابة وحفظ القرآن والحديث النبوي، ومن ثمّ الانتقال إلى مراحل عليا مبكراً. ثمّ إن الدولة الحديثة -بطبيعتها وتضخم صلاحياتها وهيمنتها على مناحي الحياة- تسببت في انعدام مثل تلك الحالة التاريخية. وبطبيعة الحال؛ فإنّ النظام التعليمي الحديث -الذي ربط الطالب منذ صغره بمواد علمية محددة، ونظام صارم لا يُخرج عنه، ويعدّ شرطا في التوظيف والترقي فيه وذيوع الصيت- حال أيضا دون الانفكاك عن منهجيته وإلزاميته، مع ما صاحبه من ارتزاق وحرص على الوظيفة والراتب في ظل التحولات المعاصرة التي حصلت بحكم الحداثة ومقتضياتها. والدليل على ذلك أنّ تقلص هذه الظاهرة الفريدة للنبوغ قبل البلوغ بدأ مع المدارس النظامية المبكرة التي أنشأها المسلمون بكثرة بدءا من منتصف القرن الخامس الهجري وتوسعت فيما بعد، ثم جاء النظام التعليمي الحديث فأنهاها تقريباً. ويبقى العامل السياسيّ حاضرا بلا شكّ؛ فتلك الحالات من النبوغ العلمي لا يُعقل بُدُوُّها في فترات الاستبداد والانهيار المجتمعي، لا سيما أن المستبد عادة ما يعمد جاهدا لإفناء التعليم أو إضعافه، والسخرية من أهله وإفقارهم بشتى الطرق، لصالح عساكره وقواته التي تحفظ عرشه وتصون ملكه. ومجمل القول أنَّ الذي يجمع بين هؤلاء الأئمة الكبار هو العصامية في تكوين الشخصية، والمتانة في الإمامة العلمية، رغم تصدرهم المبكر للتدريس والفتوى والاجتهاد والتأليف، وشظف حياتهم وربما يُتْم بعضهم كالشافعيّ والبخاري وابن عقيل. واللافتُ أيضاً أنّ هذه الحالات تظهر في أوقات النهضات الكبرى للأُمم، لا في أوقات الانهيار السياسيّ والثقافيّ الذي هو مظهر من مظاهر الشيخوخة الحضارية، التي تعبّر عنها شيخوخة عُمْرية في المتصدرين مع نبذٍ لطاقات الشباب ونبوغهم!! المصدر : الجزيرة
  10. إبراهيم الدويري 19/5/2020 يحتدم الجدل بين الفينة والأخرى في البلاد العربية والإسلامية بشأن تعيين دُورِ ومؤسساتِ الإفتاء الرسمية نساءً "مفتياتٍ" بين مؤيد ومعارض؛ وهو جدل عززته عوامل متعددة بينها تحكّم سلطان العادة باعتبار أغلب المفتين ‏والفقهاء عبر التاريخ كانوا رجالا؛ والخلط في أذهان الناس بين ‏وظيفتيْ الإفتاء والقضاء، حيث دار خلاف بين الأقدمين في جواز تولي المرأة منصب ‏القضاء، ولم تكن الفتوى كذلك. وهذا ما يجعل الحاجة قائمة إلى التطرق لعلاقة النساء ‏بالإفتاء والفقه والعلم الشرعي عموما، للكشف عن مظاهر تلك العلاقة تنظيرا وممارسة؛ وهو ما نسعى إليه في هذا المقال. إفتاء نسوي مبكر‏ يطلق الإمام ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) مصطلح "التوقيع عن الله" على ‘صناعة الفتوى‘ التي أشبعها بحثا في كتابه ‘إعلام الموقعين عن رب العالمين‘. وللفتوى وممارستها شروط لخصها لنا الإمام النووي (ت 676هـ) بقوله في ‘آداب الفتوى والمفتي والمستفتي‘: "شَرط الْمُفْتِي كَونه مُكَلّفا مُسلما ثِقَة ‏مَأْمُونا، متنزِّها عَن أَسبَاب الْفسق وخوارم الْمُرُوءَة، فقيهَ النَّفس سليمَ الذِّهْن رصينَ الفِكر ‏صَحِيح التَّصَرُّف والاستنباط متيقظاً، سواءٌ فِيهِ الحرُّ وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة". فمدار الفتوى إذن في الإسلام يرجع فقط إلى ‏الملكة العلمية، والوازع الأخلاقي، وصحة النظر والاستنباط. ولم يكن التصدي للإفتاء في التاريخ الإسلامي يحتاج إلى قرار سياسي ‏بالتعيين عكس القضاء، لأن الفتوى في تعريفات الفقهاء هي: "الإخبار بالحكم الشرعي لا على وجه ‏الإلزام"‏، كما لم يكن الإخبارُ بالحكم الشرعي يحتاج إلى إذنٍ إلا من علماء يشهدون للتلميذ و‏التلميذة باستحقاقهما لهذه الدرجة العلمية، التي يطلق على صاحبها في اصطلاحهم لقب ‏‏"المفتي" أو "العالم" أو "الفقيه". ولم يكن إطلاق الألقاب عند الأقدمين سهلا، خصوصا ‏الألقاب التي تترتب عليها مسؤوليات بحجم الفتوى التي يتحمل صاحبها مسؤولية "التوقيع عن رب العالمين". ولذا نجد الإمام القاضي عياض اليحصبي (ت 544هـ) يقول في ‘ترتيب المدارك‘: "لا نرى أن يُسمَّى طالبُ العلم فقيهاً حتى يكتهل، ويكمل ‏سنه، ويقوى نظره، ويبرع في حفظ الرأي، ورواية الحديث وتبصُّره، ويميز طبقات رجاله، ‏ويحكم عقد الوثائق، ويعرف عللها، ويطالع الاختلاف، ويعرف مذاهب العلماء والتفسير ‏ومعاني القرآن؛ فحينئذ يستحق أن يسمى فقيهاً، وإلا فاسم ‘الطالب‘ أليق به". ومن هذا ‏نعلم أن كل امرأة موصوفة بالفقه في كتب التراجم تستحق الإفتاء، كما نصت هذه الكتب على ‏أن نساء كثيرات تولين الإفتاء. ‏ وقد ذكر العلامة ابن القيم أن "الذين حُفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول ‏الله (ص) مئة ونيف وثلاثون نفسا، ما بين رجل وامرأة"، وذكر منهم نحو اثنتين وعشرين مفتية، وهن حسب ترتيب فتاواهن قِلةً وكثرةً: أم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين أم ‏سلمة، وأم عطية، وأم المؤمنين صفية، وأم المؤمنين حفصة، وأم المؤمنين أم حبيبة، وليلى بنت قانف الثقفية، وأسماء بنت ‏أبي بكر، وأم شَريك، والحولاء بنت تُوَيْتْ الأسدية، وأم الدرداء الكبرى، وعاتكة بنت زيد بن عمرو، ‏وسهلة بنت سهيل، وجويرية أم المؤمنين، وميمونة أم المؤمنين، وفاطمة ‏بنت رسول الله (ص)، وفاطمة بنت قيس، وزينب بنت أم ‏سلمة، وأم أيمن الحبشية حاضنة رسول الله (ص)، وأم يوسف وهي حبشية كانت تخدم رسول الله (ص)، والغامدية. والباحث في تاريخ الإفتاء عبر العصور الإسلامية يدرك أن هذا العدد -بنسبته المئوية المرتفعة- ‏من "الموقعات عن رب السماوات" يعكس مدى حضور المرأة ودورها فقها وإفتاءً في العصر ‏النبوي، وهذا الحضور أو الازدهار يؤكد لنا مقولة عبد الحليم أبي شقة (ت 1995م) التي جعلها عنوانا ‏لموسوعته الرائدة: ‘تحرير المرأة في عصر الرسالة‘. عائشة وصناعة الفتوى تجلى حضور النساء النوعي بين ممارسي الإفتاء في ‏القرن الأول في فقه أم المؤمنين عائشة (ت 58هـ) التي عدها مؤرخو الفتاوى ضمن الصحابة ‏السبعة المكثرين في "التوقيع عن الله"، وذلك لأنها كانت "أفقه نساء الأمة على الإطلاق"؛‏ كما وصفها ابن القيم في ‘إعلام الموقعين‘، وقال عنها الإمام الذهبي (ت 748هـ) في ‘سير أعلام النبلاء‘: "لا أعلم في أمة محمد (ص) -بل ولا في النساء مطلقا- امرأة أعلم منها". ‏ولأنها أيضا حسبما أثبته صاحب ‘الطبقات الكبرى‘ ابن سعد البصري (ت 230هـ) "استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلمّ جرا إلى أن ماتت‏‏"‏، و"كان الأكابر من أصحاب رسول الله (ص) عمر وعثمان ‏بعده يرسلان إليها فيسألانها عن السُّنن"‏. ‏ كان لقرب عائشة (ض) من رسول الله (ص) دور كبير في كثرة مروياتها حديثا وإفتاء، ‏وقد أكثرت من رواية الأحكام الفقهية حتى قال الحاكم النيسابوري (ت 405هـ) -فيما ينقله عنه الإمام بدر ‏الدين الزركشي (ت 794هـ) في كتابه الآتي ذكره- أنها "حُمل عنها ‏رُبع الشريعة"، ومجمل مرويات عائشة من صحيحيْ البخاري ومسلم حوالي "مئتين ونيفا وسبعين حديثا لم ‏تخرج غير الأحكام منها إلا يسيرا"‏، وجمع الشيخ سعيد فايز الدخيل فقهها وفتاواها في مجلد ‏ضخم سماه: ‘موسوعة فقه عائشة أم المؤمنين.. حياتها وفقهها‘. وقد اشتهرت عائشة بفتاوى استقلت بها وآراء فقهية انفردت بها، ومن ذلك انفرادها بفتوى عدم التفريق بين ولد الزنا وغيره في إمامة الصلاة ما دام هو الأقرأ لكتاب الله والأفقه في الشرع، إذْ "ليس عليه من خطيئة أبويه شيء، [و] لا تزر وازرة وزر ‏أخرى"‏. ومن انفراداتها النسوية قولها بجواز سفر المرأة بدون محرم مطلقا إذا أمنت على ‏نفسها من الفتنة، فـ"عن الزهري قال: ذُكر عند عائشة المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم، ‏فقالت عائشة: ليس كل النساء تجد محرما"‏. ويلاحظ الشيخ سعيد الدخيل -في كتابه عن فقه عائشة المذكور سابقا- أن كثيرا من فتاواها "ينطلق منها ‏بصفتها أنثى فقيهة متميزة، لأنها عاشت مع الرسول صلى الله عليه وسلم تحت سقف واحد، ‏وعلمت منه ما لم يعلمه غيرها من الرجال"‏. ‏ لم يكن دور عائشة الفقهي مقتصرا على الإفتاء والتحديث بالسنن فحسب؛ بل كانت تناظر الصحابة ‏وتستدرك على فتاوى كبارهم مثل أبيها أبي بكر الصديق وعمر الفاروق؛ وقد جمع الإمام الزركشي استدراكاتها على الصحب الكرام في سفر ممتع بعنوان: ‘الإجابة ‏لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة‘‏. كما خرَّجت عائشة مفتياتٍ مارسن الإفتاء بعدها، ‏وأخذ عنها الفقه والعلم خلق كثير بعضه من نساء أهل بيتها مثل: أختها أم كلثوم ‏وحفصة بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر (ت 58هـ). وممن تخرجن على يد عائشة وحملن راية الإفتاء بعدها: "عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية… تريبة عائشة وتلميذتها…، وكانت عالمة فقيهة حجة ‏كثيرة العلم"؛ ‏و"صفية بنت شيبة أم منصور الفقيهة ‏العالمة.. القرشية"‏؛ و"أم الدرداء ‏الصغرى.. الفقيهة (ت بعد 81هـ)، واشتهرت ‏بالعلم والعمل والزهد"‏، وقد اتفق العلماء "على وصفها بالفقه والعقل والفهم ‏والجلالة"؛ كما يقول الإمام النووي في ‘تهذيب الأسماء واللغات‘‏. ‏عالمات يخرّجن المشاهير‏ في عهد التابعين اشتهر في المدينة النبوية سبعة علماء أجلاء بلقب فقهاء المدينة السبعة، ‏وتفيدنا كتب التراجم بأخذ كل واحد من هؤلاء السبعة المشاهير العلمَ عن فقيهات؛ فأولهم ‏سعيد بن المسيب (ت 94هـ) أخذ عن عائشة وأم سلمة؛ وعروة بن الزبير (ت 93هـ) أخذ عن أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وعن خالته أم المؤمنين عائشة التي "لازمها ‏وتفقه بها"؛ والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ت 107هـ) تربّى "في حِجر عمته أم المؤمنين عائشة وتفقه منها وأكثر عنها"‏؛ وسابعهم الفقيه الشاعر عُبيد ‏الله بن عبد الله الهذلي (ت 98هـ) أخذ العلم عن عائشة ‏وأم سلمة.‏ لم يُؤثر عن الأئمة ‏الأربعة تعلمٌ ذو بال على أيدي النساء؛ إلا أن إمام المدينة مالك بن أنس (ت 179هـ) أخذ عن عائشة بنت ‏سعد بن أبي وقاص (عائشة الصُّغرى)، وأخذت عنه هو ابنته فاطمة التي ذكرها الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842هـ) في رواة ‘موطأ‘ أبيها، وقال: "كانت لمالك ابنة تحفظ علمه…، وكانت تقف خلف الباب فإذا غلط القارئ [من طلبته] نقرتْ الباب فيفطن مالك فيرد عليه". وكان سبب انصراف الإمام الأعظم أبي حنيفة إلى الفقه ‏والفتوى سؤال وجهته إليه امرأة. وفي العصور اللاحقة نجد أن شخصية فقهية عظيمة مثل الإمام أبي محمد ابن حزم الأندلسي (ت ‏‏456هـ) -الذي عُرف بمذهبه الظاهري وتفننه في سائر العلوم- يقول عن دَور النساء في تكوينه العلمي الأولي: "ولقد شاهدتُ النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه ‏غيري، لأني ربيت في حجورهن، ونشأت بين أيديهن، ولم أعرف غيرهن…؛ وهن علمنني القرآن، وروينني كثيراً من ‏الأشعار، ودربنني في الخط"‏. وهذه الصحبة المبكرة ‏من هذا العلَم الفذ للنساء جعلته أحد أكابر محللي النفس البشرية في التاريخ القديم، وخصوصا الأمور المرتبطة بالنساء. وحين نتّجه شرقا -في القرن الخامس نفسه- نجد رجلا بحجم ‏"حافظ المشرق" الإمام الخطيب البغدادي (ت 463هـ) يسمع الحديث من الفقيهة المحدثة طاهرة بنت أحمد التنوخية (ت 436هـ)، وقد ترجم الإمام ابن عساكر (ت 571هـ) -في كتابه ‘معجم النسوان‘- لـ80 شيخة تتلمذ عليهن. وقال الذهبي -في ‘السِّيَر‘- إن الحافظ السِّلَـفي (ت 576هـ) "سمِع من النساء بأصبهان… ولم يسمع ببغداد من النساء سوى ثماني شيخات"، وجمع ‏أحد طلابه معجما لشيخاته؛ والإمام الذهبي نفسه روى عن عدة نسوة ذكرهن في معجم ‏شيوخه. كما صرّح الإمام نجم الدين ابن فهد المكي (ت 885هـ) بالأخذ عن 130 شيخة، وترجم الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) لـ170 ‏محدثة في كتابه ‘الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة‘ منهن 54 شيخة له، وفي كتابه ‘التقريب‘ ‏ترجم لـ824 امرأة ممن اشتهرن بالرواية. ولتلميذه السخاوي (ت 902هـ) حوالي 85 شيخة ذكرهن في ‏‘الضوء اللامع‘، وشيخات معاصره الحافظ السيوطي (ت 911هـ) يصلن 44 شيخة. وإذا كان اشتُهر عن الإمام ابن شهاب الزهري (ت 124هـ) قولُه: "الحَدِيث‎ ‎ذَكَرٌ ‏يُحِبُّهُ‎ ‎ذكور‎ ‎الرِّجَالُ‎ ‎وَيَكْرَهُهُ مُؤَنَّثُوهُمْ"؛ فإن الإمام الذهبي رسّخ في أذهان الناس مقولته في ‘ميزان الاعتدال‘:"وما ‏علمت في النساء من اتـُّهِمتْ [بوضع الحديث] ولا من تركوها" في روايته‏. وهاتان المقولتان تعبّران عن زمانيْ قائليْهما ثقافيا؛ ‏ففي زمن الزهري كان الحديث صنعة متمحّضة للرجال، وفي زمن الذهبي انتشرت المحدِّثات ‏في العالم الإسلامي، وخصوصا في الأسَر العلمية لأن الرحلة في طلب العلم والحديث لم تكن ‏متاحة لربات الخدور. ولغة الأرقام تقول إن عدد المحدثات في القرنين السابع والثامن وصل ‏في مصر والشام حوالي 334 محدِّثة، أخذ عنهن مشاهير المحدّثين في ذلك العصر ممن ضربنا لهم الأمثال بابن عساكر وابن ‏حجر وغيرهما؛ وعموما لا يوجد مشتغل بالحديث في تلك العصور إلا وأخذ -على الأقل- عن امرأة محدّثة. مفتيات عبر القرون وإذا تطرقنا إلى مجال الفقه وصناعة الفتوى تحديدا؛ فسنجد أنه لم يخلُ قُطر من أقطار الإسلام في عصر من العصور من وجود نساء "موّقعات عن الله"؛ ففي القرن ‏الثالث الهجري نلاقي في القيروان "فقيهتَيْ تونس" -حسب تعبير المؤرخ للثقافة التونسية ‏حسن حسني عبد الوهاب الصمادحي (ت 1968م)- الأولى: أسماء بنت أسد بن الفرات (توفيت نحو 250هـ) ‏التي تعلمت على يد أبيها وكان عالما إماما وقاضيا عظيما، وشاركت في مجالس المناظرة والسؤال التي كان يعقدها، وتفقهت على مذهب أبي حنيفة الذي كان أبوها خبيرا به رغم شهرة في المذهب المالكي. أما فقيهة ‏تونس الثانية فهي خديجة بنت الإمام سحنون (توفيت نحو 270هـ) المؤسس الثاني ‏للمذهب المالكي وناشره في الغرب الإسلامي، وصفها مترجم رجال الفقه المالكي ‏القاضي عياض -في ‘ترتيب المدارك‘- بأنها: "من خيار الناس". وغير بعيد عن تونس وفي العصر نفسه؛ نجد في مصر الفقيهة أخت إسماعيل بن يحيى المُزَني (توفيت 264هـ) -ناصر المذهب ‏الشافعي (ت 204هـ)- التي كانت تنافسه وتناقشه، ومن طريف أثر منافستها له أنه أغفل ذكرها فكانت لا تُعرف إلا بـ"أخت المزني". وأفاد السيوطي (ت 911هـ) -في ‘حسن المحاضرة‘- بأنها "كانت تحضر مجلس الشافعي"؛ فقد علق الفقيه الشافعي أبو القاسم الرافعي (ت 623هـ) -في ‘العزيز شرح الوجيز‘- على قولٍ "رواه المزني في ‏‘المختصر‘ عمن يثق به عن الشافعي"؛ بقوله: "وذكر بعض الشارحين أن ‏أخته روت له ذلك عن الشافعي… فلم يحب تسميتها"‏. وكما أغفل أخوها المزني ‏اسمها؛ فإن كتب التراجم أهملت أخبارها وتاريخ وفاتها، سوى ما قاله السيوطي من أنها "ذكرها ابن السبكي والإسنوي في الطبقات". والظاهر أنها هي والدة الإمام أبي جعفر الطحاوي الأزدي (ت 321هـ)؛ إذ إن المزني خاله ولم يُذكر له غيرها من الأخوات. ‏وفي الأندلس؛ ذكر مؤرخها ابن عُميرة الضبي (ت 599هـ) -في ‘بُغْية الملتمِس‘- فاطمة بنت يحيى بن يوسف المُغامي (ت ‏‏319هـ) فوصفها بأنها "عالمة فقيهة ورعة، استوطنت قرطبة وبها توفيت…، ولم يُرَ على نعش امرأة ما رُئي على نعشها" من كثرة المشيعين. وفي العراق؛ يترجم ابن الحوزي -في ‘المنتظم‘- لأم عيسى بنت ‏إبراهيم الحربي (ت 328هـ) التي "كانت عالمة فاضلة تفتي في الفقه"‏، ويقول الذهبي -في ‘العِبَر‘- إن أمة الواحد ابنة القاضي الحسين المحاملي (ت 377هـ) "برعت في مذهب الشافعي، وكانت تفتي ‏مع أبي علي بن أبي هريرة"‏ شيخ الشافعية (ت 345هـ)‏.‏ وفي خراسان بأقصى الشرق؛ تخبرنا كتب التراجم عن أم الفضل عائشة بنت ‏أحمد الكُـمْساني المروزية (ت 529هـ) التي وصفها أبو سعد السمعاني (ت 562هـ) -في ‘التحبير في المعجم الكبير‘- بأنها ‏‏"امرأة عالمة فقيهة…، سمعت جدتها عيني بنت زكريا المكي ‏الهلالي"‏. وفي ‏القرن نفسه نقرأ عن "العالمة.. التقية شهدة بنت أحمد" الإبَري (ت 574هـ)، وقد "برعت في العلوم…، اشتهر فضلها في الآفاق ونما بالعراق، ‏ولها مشاركة في كثير من العلوم ولا سيما الفقه..، وكانت تجلس ‏من وراء حجاب وتقرئ الطلاب، وتتلمذ عليها خلق كثير".‏ ومن أشهر الفقيهات اللاتي مارسن الفتوى وتركن بصمات في المذهب الحنفي: المفتية فَاطِمَة ‏بنت علاء الدين السَّمرقَنْدِي (توفي والدها نحو 540هـ) مؤلف كتاب ‘تحفة الفقهاء‘، وزَوْجَة الإِمَام عَلَاء الدّين الكاساني (ت 587هـ وتوفيت هي قبله) صَاحب كتاب ‘بدائع الصنائع‘. فقد "تفقهت على أَبِيهَا وحفظت مصنفه ‘التُّحْفَة‘.. [و] كَانَت تنقل الْمَذْهَب نقلا جيدا، وَكَانَ زَوجهَا الكاساني رُبمَا يهم ‏في الْفتيا فَتَردهُ إِلَى الصَّوَاب وتعرّفه وَجه الخطأ فَيرجع إِلَى قَوْلهَا.. وَكَانَت تُفْتِي… وَكَانَت الْفَتْوَى أَولا يخرج عَلَيْهَا خطها وَخط أَبِيهَا السَّمرقَنْدِي، فَلَمَّا تزوجت ‏بالكاساني صَاحب ‘الْبَدَائِع‘ كَانَت الْفَتْوَى تخرج بِخَطِّ الثَّلَاثَة"‏‏، أي توقيعاتهم. ‏ألقاب ذات مغزى وفي القرن السابع تصادفنا فاطمة بنت الإمام السيد أحمد الرفاعي الكبير (ت ‏‏607هـ) كانت "فقيهة في دين الله"‏، والعالمة الفاضلة "زينب ابنة أبي القاسم الشهيرة بأم ‏المؤيد… أدركت جماعة من أعيان العلماء، وأخذت عنهم رواية وإجازة…،‏ وممن أجازها.. ‏الزمخشري (ت 539هـ) مؤلف [تفسير] ‘الكشاف‘، وممن أجازتهم من أكابر العلماء العلامة المؤرخ.. ‏قاضي القضاة ابن خلّـكان‏ (ت 681هـ)"؛ كما تقول الأديبة اللبنانية العصامية زينب فواز العاملي (ت 1332هـ) في كتابها ‘الدر المنثور في طبقات ربات الخدور‘. ‏ وقد اشتهر القرن الثامن بكثرة المحدثين والفقهاء الموسوعيين، وتسعفنا الموسوعة التي ترجم فيها ‏الحافظ ابن حجر لأعيان هذا القرن -وهي كتابه ‘الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة‘- ‏بتراجم لكثير من الفقيهات والعالمات والمحدّثات، كما تقدم. وقد شاع في هذا العصر إطلاق أسماء وألقاب على العالمات ذات دلالة طريفة، ومن تلك الأسماء والألقاب: سِتُّ العلماء، وست الفقهاء، ‏وست القضاة، وست الكَتَبة، وست الوزراء، وست الملوك. وممن أطلِقت عليهن تلك الألقاب: سِتّ الْعلماء بنت شيخة رِبَاط درب المهراني ‏‏(ت 712هـ)؛ وسِتّ الْفُقَهَاء أمة الرَّحْمَن ابْنة إِبْرَاهِيم ‏الصالحية الحنبلية (ت 726هـ)؛ وسِتّ الْفُقَهَاء بنت الْخَطِيب شرف الدّين العباسي (ت 765هـ)، حدثت هِيَ وأخوها عَلَاء الدّين مَعَ الْحَافِظ أبي الْحجَّاج ‏الْمزي (ت 742هـ) بأجزاء من ‘أمالي الْجَوْهَرِي‘؛ وأختها سِتّ الْقُضَاة بنت الْخَطِيب. كما ذكر الحافظ الذهبي كلا من: ست الوزراء بنت عمر بن المُنجى (ت 716هـ) فوصفها بأنها "مسندة الوقت"؛ وست الملوك ‏فاطمة بنت علي بن أبي البدر‏ (ت 710هـ). ‏ وقد حصر بعض الباحثين ‏عدد الفقيهات اللائي لهن علاقة بمكة المكرمة ‏إقامة أو جوارا أو زيارة -خلال القرن التاسع- فبلغن زهاء 270 فقيهة، كما ذكرت إحدى الكاتبات‏ أن عدد ‏النساء اللاتي ترجم لهن السخاوي في كتابه ‘الضوء اللامع لأهل القرن التاسع‘ ‏يصلن لـ1080 سيدة، معظمهن من الفقيهات المحدثات. وهذا يدل على أن الجهد ‏النسائي في جانب الفقه والفتوى يحتاج لإعادة تدوين وتقييم. ‏ ومن بين أعيان القرن العاشر الهجري؛ تبرز لنا "الشيخة.. العالمة العاملة" أم عبد الوهاب بنت الباعوني الدمشقية (ت 922هـ)، التي وصفها نجم الدين الغزي (ت 1061هـ) -في ‘الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة‘- بأنها من "أفراد الدهر.. حُملت إلى القاهرة ونالت من العلوم حظاً وافراً، وأجيزت ‏بالإفتاء والتدريس". وفي القرن الحادي عشر؛ ‏تلاقينا بمكة المحدثة قريش بنت عبد القادر الطبري (ت 1107هـ) التي كانت "فقيهة.. ‏من بيت علم كبير..، كانت تُقرَأ عليها كتب الحديث في منزلها"؛ كما يقول الزركلي في ‘الأعلام‘. وقد ذكر أيضا أن العلامة المغربي محمد عبد الحي الكتاني (ت 1382هـ) عدّها -في ‘فهرس الفهارس والأثبات‘- من "مسانيد الحجاز السبعة الذين قويت بهم شوكة الحديث في ‏القرن الحادي عشر وما بعده"‏. واعظات يعتلين المنابر توقف مؤرخو القرن الثامن الهجري كثيرا عند حياة أم زينب فاطمة بنت عباس البغدادية (ت 714هـ) التي سُمي بها "رباط البغدادية" بالقاهرة عند تأسيسه سنة 684هـ؛ فوصفها الذهبي -في ‘السِّيَر‘- بأنها "الشيخة المفتية الفقيهة العالمة.. الحنبلية"، وقال -في كتابه ‘العِبَر‘- إنها كانت "سيدة نساء زمانها". وذكر المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) -في ‘أعيان العصر‘- أنها "كانت تصعد ‏المنبر وتعظ النساء… [و] انصلح بها جماعة نساء في دمشق…، [ثم] تحولت ‏بعد السبع مئة إلى مصر، وانتفع بها في مصر من النساء جماعة، وبعُد صيتها". ومن وظائف ذلك الرباط الذي سُمي باسمها أنه كانت "تُودَع فيه النساء اللاتي طُـلّقن أو هُجرن، حتى يتزوّجن أو يرجعن إلى أزواجهنّ صيانةً لهنّ، لما كان فيه من شدّة الضبط وغاية الاحتراز والمواظبة على وظائف العبادات". وعن علاقة هذه المفتية الحنبلية البغدادية بالفقه؛ يقول الصفدي: "تفقهت عند المقادسة (= عائلة حنبلية توارثت أجيالها العلم) بالشيخ شمس الدين (المقدسي أبو محمد "شيخ الحنابلة" المتوفى 682هـ) وغيره… وكانت ‏تدري الفقه وغوامضه الدقيقة ومسائله العويصة". ‏وقد بلغت من حضورها العلمي والفقهي أن رجلا بحجم الإمام ابن تيمية (ت 728هـ) كان "يتعجب ‏من علمها وذكائها"، كما يفيدنا تلميذه الذهبي الذي ورث عنه الإعجاب بهذه السيدة العالمة حتى قال عنها في ‘العِبِر‘: "وكان لها قبول ‏زائد ووقْع في النفوس"، وقال في ‘السير‘: "وقد زرتها وأعجبني سمتها وتخشعها". أما الحافظ ابن حجر فجزم -في ‘الدرر الكامنة‘- بأنها "قلّ من أنجب من النساء مثلها"!! وقبل هذه الجليلة البغدادية؛ نجد شيخة دمشقية أخرى كان صعود المنبر سببا في تسميتها ‏بـ"العالمة"، وهي أم الفقيه الشافعي شهاب الدين الأنصَارِيّ قاضي الخَلِيل المعروف بِـ"ابْن العالمة"، وكان سبب تسميتها ‏بالعالمة كما روى قطب الدين اليونيني (ت 726هـ) "أن الملك ‏العادل الكبير لما توفي (سنة 615هـ) نظروا امرأة تتكلم في العزاء فذكروها ‏وأنها من الصلحاء، فأتوا في طلبها فتبرأت من ذلك لعدم خبرتها بما يليق بذلك الحال، ‏فألزموها وأخذوها مكرَهة، وكانت تحفظ كثيراً من ‘الخُـطَب النُّـباتية‘ (= خُطب الشيخ ابن نُباتة الفارقي المتوفى سنة 374هـ)؛ قالت: وكنت أسأل الله ‏تعالى في الطريق ألا يفضحني في ذلك المحفل وأنا أرجف فَرَقاً من ذلك.‏ قالت: فلما حضرتُ وصعدت المنبر سُرّيَ عني، فقرأت شيئاً من القرآن وخطبت بـ‘خطبة الموت‘…، وهي من طنّانات الخُطب؛ فاتفق في ‏ذلك المجلس من البكاء.. ما لم يتفق في غيره. واشتهرت تسميتها بالعالمة". ويقول الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- إنه قد اشتهر بلقب ‘ابن العالمة‘ عَلَم ‏آخر هو "أبو الفضل ابن العالمة عُرف بالإسكاف (ت ‏‏530هـ)"‏، ‏وكذلك أحْمَد بن أسعد أَبُو الْعَبَّاس الشهير بابن العالِمة "دُهْن اللّوز الّتي كانت عالمة دمشق"‏‏. ‏زهد في التأليف‏ رغم هذا الحضور العلمي اللافت للنساء في مختلف العصور؛ فإن كتب الفقه أهملت ذكر ‏أقوال هؤلاء العالمات الفقهية ما عدا أقوال أمهات المؤمنين وبالأخص عائشة، كما تجاهلت ذكر مذاهب كثير منهن. وذلك راجع -في ‏رأينا- إلى أربعة أمور؛ الأول: أن الفقهاء اعتمدوا في نقل الأقوال على شهرة القائل وتصدره، ‏ولذا لم ينقلوا في كتب الخلاف إلا عن "مشاهير أئمة الأمصار". والثاني: أن أغلب الفقيهات كُنّ في كنف والد أو زوج عالميْن كبيرين، فكانت شهرتهما ومكانتهما تيغطي على ذلك التميز النسوي. الأمر الثالث: أن النساء العالمات نادرا ما ألّـفن كتبا، ‏وللكتب وحدها القدرة على إبقاء الأقوال حية وخالدة. والرابع: أن المرأة -في ثقافة الاجتماع ‏العربي- تعتبر "عورة"، ويرى بعض الدارسين أن العرب سرعان ما استعادوا عادات ما قبل الإسلام في قضايا ‏المرأة والاجتماع، ولذا وجدنا الإمام المزني -كما سبق القول- لم يصرح باسم أخته، وهو رجل من قبيلة مُزينة المضرية. ‏ وقد استطاع بعض الباحثين‏ -بعد جهد جهيد- أن يحصر فقط اسم 36 مؤلِّفة منذ القرن الثاني ‏الهجري وحتى القرن الثاني عشر، وأغلب تلك المؤلفات غير موجود وإنما ذَكرت عناوينَه كتبُ التراجم ‏استطرادا. وهذا العدد الضئيل جدا يعكس زهد العالمات في كتابة مؤلفات تحفظ علمهن، ‏وقد جعل ذلك الزهدُ كتبَ التراجم -وخصوصا كتب طبقات الفقهاء- تهمل ذكرهن. وقد تعجب ‏الباحث محمد خير رمضان يوسف -بعد جولاته في كتب تراجم فقهاء المذاهب- من إهمالها ‏للنساء الفقيهات وأخبارهن؛ ففي كتاب ‘الجواهر المضية في تراجم الحنفية‘ -الذي يحتوي حوالي 2115 ‏ترجمة- لم يجد من تراجم النساء سوى خمس فقيهات؛ وفي كتب التراجم المالكية لم يجد ترجمة ‏لأي امرأة؛ وكذلك كتاب ‘طبقات الشافعية الكبرى‘ للسبكي (ت 771هـ) فإنه ضاق بمجلداته العشرة عن ذكر ‏أي فقيهة شافعية، ووحده الإسنوي ذكر "أخت المزني" التي لا يُعرف اسمها. وليس في ‘طبقات الحنابلة‘ ‏لابن أبي يعلى (ت 526هـ) ذِكرٌ لأي فقيهة حنبلية، وقد عوّض عن ذلك بذكر النساء اللواتي كُنّ يسألن ‏الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) تحت عنوان: "ذكر النساء المذكورات بالسؤال لإمامنا أحمد". ‏ وهذا الإهمال للتاريخ العلمي للنساء نلمحه أيضا في عدة قضايا أندلسية؛ الأولى: خبر أم أبي الوليد ‏الباجي (المتوفى 474هـ)، فقد كانت فقيهة ولم تـُذكر في كتب التراجم إلا بعلاقتها بابنها الذي صححت تاريخ ‏مولده، كما نقل ذلك ابن عساكر الدمشقي في ‘تاريخ دمشق‘. والقضية الثانية: نجدها في التراجم التي خص بها المقري التلمساني (ت 1041هـ) -في ‘نفح ‏الطيب‘- حوالي عشرين سيدة من مشهورات الأندلس. ففي تلك التراجم الأندلسية تتجلى صور الإهمال ‏بكل وضوح وأسف باستثناءات قليلة؛ فغالب من ذكرهن المقري كان يورد اسمها مفردا بما يشبه اللقب مع نسبتها لإحدى المدن ‏الأندلسية، مع إغفال كامل لبقية المعلومات المتعلقة بالاسم الثلاثي، وتاريخ الميلاد، وعلى من ‏تأدبن وتعلمن، ومتى توفين. وأغرب شيء في ذلك الإهمال تلك الحكاية التي حكاها المقري بصيغة التمريض في نهاية ‏ذكره للمشهورات الأندلسيات، قال: "وحُكي أن بعض قضاة [مدينة] لوشة كانت له زوجة فاقت ‏العلماء في معرفة الأحكام والنوازل…، وكان في ‏مجلس قضائه تنزل به النوازل فيقوم إليها فتشير عليه بما يحكم به"!! وأما القضية الثالثة؛ فتتجلى في الميزة التي اشتهر بها أهل الغرب ‏الإسلامي وهي جمعهم لمختلف فتاوى علمائهم في كتاب واحد، مثل ‘المعيار المعرب والجامع ‏المُغرب عن فتاوي أهل إفريقية والأندلس والمَغرب‘ لأبي العباس الونشريسي (ت ‏‏914هـ)، ولم تذكر مجلداته الاثنا عشر أي فتوى لأي فقيهة، وهكذا ‏اقتدت به موسوعات الفتاوى التي جُمعت بعد عصره!! المصدر : الجزيرة
  11. براء نزار ريان 12/5/2020 أحب المسلمون -منذ فجر الإسلام- النور فأضاؤوا أحياءهم ومساجدهم، وتفننوا في صناعته وتشكيلات قوالبه، وإذا حضرتهم المناسبات الدينية تضاعفت الإنارة والأضواء حتى يتسنى للناس الحركة ليلا إلى مساجدهم، ولذلك لا نبالغ إن قلنا إن القناديل المعلقة في المساجد قديمةٌ قِدم الإسلام! وفي هذا المقال؛ سنتقصّى آثار ظاهرة إضاءة المساجد في تاريخ المسلمين، فنقف على بداياتها الأولى أيام الصحابة وزيادتهم العناية بها في ليالي رمضان المعظم، ونرصد ما خضعت له من تطور وشهدته من احتفاء بلغ حد تنافس الملوك والتجار في توفيرها -إنشاءً وإهداءً- للمساجد والجوامع التاريخية في حواضر الإسلام الكبرى مشرقا ومغربا، كما نتطرق لما كانت تصاب به أحيانا من آفات اللصوصية الخفية والسطو العلني والتلف بالحرائق. مبادرة شخصية تفيدنا الروايات التاريخية بأن مسجد النبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يُضاء "بسَعَف النخل"، حتى قدم تميم بن أوس الداريّ (ت 40هـ) ذات يوم إلى المدينة النبوية "فحمل معه من الشام إلى المدينة قناديل وزيتًا ومُقْطًا (= حَبْل)، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك يوم الجمعة، فأمر غلاما له يقال له أبو البَرّاد فقام فشدّ المُقْط.. وعلق القناديل وصب فيها الماء والزيت، وجعل فيها الفُـتُلَ (= جمع فتيلة)، فلما غربت الشمس أسرجها (= أوْقَدَها)، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فإذا هو يُزهر (= يضيء بشدة)؛ فقال: «من فعل هذا»؟ قالوا: تميم يا رسول الله. قال: «نورتَ الإسلام، نور الله عليك في الدنيا والآخرة»! ذكَرَ قصةَ تميم الداري هذه -بصِيَغٍ مختلفة- الحافظُ ابن عبد البر الأندلسي (ت 463هـ) في كتابه ‘الاستيعاب‘، والإمام المؤرخُ ابن الأثير (ت 630هـ) في مواضع من كتابه ‘أسد الغابة في معرفة الصحابة‘، ونصُّها الذي أثبتناه هنا أورده ابنُ حجر (ت 852هـ) في ‘الإصابة‘ قائلا إن سندها "ضعيف"، دون أن يمنعه ذلك من إيرادها كرواية تاريخية تتعلق بحياة أحد مشاهير الصحابة. وقد سبقه الذهبي (ت 748هـ) -في ترجمة تميم الداري من ‘سير أعلام النبلاء‘- إلى إيراد مضمونها رغم تضعيفه إياها؛ فقال: "أخرج ابن ماجه (ت 273هـ) -بإسناد ضعيف- عن أبي سعيد قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري". ومما يشدّ الانتباه أن وصلات النور واكبت إطلالات رمضان -بوصفه شهر تنزّل أنوار القرآن- منذ خلافة عمر بن الخطاب (ت 23هـ)؛ فقد خرج الفاروق "ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع (= جماعات) متفرقون، يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: «إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل»، ثم عَزَم فجمعهم على أبَيِّ بن كعب (ت 22هـ)" فصلّى بهم. فكان هذا أول جمع للناس كلهم على صلاة التراويح؛ كما روى البخاريّ (ت 256هـ) في صحيحه، وغيرُه من أئمة الحديث. وبتحوُّل إحياء ليل رمضان إلى نشاطٍ جماعيّ؛ احتاج الناسُ إلى إضاءة استثنائية فأشرق ليلُ المدينة النبوية بنور لم تعهده في سائر الشهور. فقد روى الإمام ابن الجوزي (ت 597هـ) -في كتابه ‘المنتظم‘- بإسناده إلى أبي إسحق الهمدانيّ: "قال: خرج علي بن أبي طالب (ت 40هـ) في أول ليلة من شهر رمضان، فسمع القراءة في المساجد ورأى القناديل تُزهِر، فقال: نوَّر الله لعمر بن الخطاب قبرَه كما نوَّر مساجد الله تعالى بالقرآن". فيكون فعل عمر هذا أولَ ربطٍ بين الإضاءة الاستثنائية بالقناديل المعلقة وبين ليالي رمضان؛ ولذلك قال السمهودي (ت 911هـ) في ‘خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى‘: "وأمّا مصابيح المسجد فقيل أوّل من علق المصابيح بالمسجد عمر بن الخطاب لما جمع الناس في التراويح على إمام واحد". وفي سياق أوليات إضاءة الحرمين الشريفين تاريخيا؛ يقول الأزرقي (ت 250هـ) في ‘أخبار مكة‘: "أول من استصبح (= أوقد المصابيح) لأهل الطواف وأهل المسجد الحرام جَدِّي عقبة بن الأزرق بن عمرو الغساني، كان يضع على حرف (= جانب) داره مصباحا عظيما فيضيء لأهل الطواف وأهل المسجد، وكانت داره لاصقة بالمسجد..، فلم يزل يضع ذلك المصباح.. حتى كانـ[ـت ولاية] خالد بن عبد الله القسري [على مكة]، فوضع مصباح زمزم مقابل الركن الأسود في خلافة عبد الملك بن مروان (ت 86هـ)، فمنعنا أن نضع ذلك المصباح فرفعناه". ذكرت روايات تاريخية أن الصحابي تميم الداري كان أول من أضاء القناديل في المسجد النبوي (مواقع التواصل الاجتماعي) تقليد ثابت ثم على منوال كثيرٍ من عادات البشر؛ تحوّلت القناديل الرمضانية من تصرُّفٍ دفعت إليه الحاجة إلى تقليدٍ ثابتٍ، فصارت الإضاءة الاستثنائية في ليالي رمضان جزءْاً من تقاليد هذا الشهر الفضيل التي يُعرف بها. ولذلك نقل الإمام القرطبي (ت 671هـ) -في تفسيره- عن العلماء قولهم إنه "يُستحب أن.. ‎‎يُزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد". ثم لم تلبث القناديل أن صارت جزءًا من نفقات المسجد التي تُصرف من خزينة الدولة؛ فقد قال ابن الفقيه الهمذاني (ت 365هـ) -في كتابه ‘البلدان‘- إن الخليفة الأموي "معاوية (ت 60هـ) أولُ من طيَّب الكعبة بالخَلوق (= طِيبٌ زعفراني) والمُجْمَر (= البخور)، وأجرى الزيت لقناديل المسجد من بيت مال المسلمين". وفي أوائل الدولة العباسية؛ بدأ الناسُ يتوسعون في تعليق القناديل في المساجد بمناسبة دخول رمضان، وبرعاية رسمية من كبار رجال الدولة؛ فـ"كان أولَ من أمر بقناديل في المساجد في شهر رمضان هو الفضل بن يحيى البرمكي (ت 192هـ)" لما كان واليا للعباسيين على الجناح الشرقي من دولتهم؛ حسبما ذكره النرشخيّ (ت 348هـ) في ‘تاريخ بخارى‘. وليس واضحا ما إن كان النرشخيّ يعني بالأولية هنا أوليّة عامّة أم باعتبار مدينة بخارى (تقع اليوم بأوزبكستان) وما يليها من بلاد الشرق الإسلامي، فالأزرقيّ يقول إن "الثريات التي يُستصْبَح (= يُستضاء) بها في شهر رمضان.. ثماني ثريات: أربع صغار وأربع كبار، يُستصبح بالكبار منها في شهر رمضان". فيُحتمل أن تكون عادة تخصيص قناديل كبيرة لرمضان قديمة في مكة سبقت صنيع الفضل بن يحيى، كما رأينا زيادة أنوار المسجد النبوي في رمضان أيام خلافة الفاروق؛ وقد تكون انتقلت إليها من بخارى. ويبدو أن البرامكة كانوا مشهورين بالاهتمام بأمر إضاءة المساجد وخاصة في المواسم ذات الرمزية الخاصة شعبيا، ولذا لم يكن إيقادهم القناديل مقتصرًا على رمضان؛ فابن دحية الكلبي الأندلسي (ت 633هـ) يقول -حسبما يرويه ابن مُفلح الحنبلي (ت 763هـ) في ‘الفروع‘- إن "أول من أحدث ليلة الوقود (= النصف من شعبان) التي تسميها العامة ‘ليلة الوقيد‘ [هم] البرامكة، لأن أصلهم مجوس عبدة النار"! وقد خالف بعض العلماء ابنَ دحية في رأيه هذا؛ فدافع عن البرامكة واصفا إياهم بأنهم "حنفية [المذهب]، سيرتهم جميلة ودينهم صحيح، [وإنما] أمروا بذلك إظهارا لشعار الإسلام". وأيًّا كان هذا أو ذاك؛ فإنّ ذكر قناديل رمضان في ذلك الزمان المتقدم دليلٌ على بُطلان الرواية المتناقلة في كلام كثير من الباحثين المعاصرين، والقائلة إنّ أصل فوانيس رمضان بدأ مع دخول الخليفة الفاطمي المعزّ لدين الله عاصمته القاهرة بمصر، ذلك أنّ إشعال القناديل في رمضان بدأ منذ زمن عمر كما سبق بيان ذلك، وتخصيص قناديل معيّنة برمضان مذكورٌ في كتابيْ ‘أخبار مكة‘ للأزرقيّ و‘أخبار مكة‘ للفاكهيّ (ت 272هـ)، وكلاهما تُوفي قبل ميلاد المعزّ بدهر. وإذا اعتمدنا قول النرشخيّ بأن الفضل البرمكي هو أول من أمر بقناديل رمضان فإنّ بينه وبين دخول المعز القاهرة نحو قرنين! حسب مصادر تاريخية فإن بخارى كانت أولى الحواضر الإسلامية بآسيا الوسطى التي أعطت اهتماما خاصا لتنوير المساجد في رمضان (الصحافة الأجنبية) خصوصية مصرية ورغم هذه الدلائل القاطعة على أن قناديل رمضان كانت منتشرةً في العالم الإسلاميّ، وفي القلب منه مكة المكرمة والبيت الحرام قبل نشأة الدولة الفاطمية من الأصل؛ فإنّ لمصر خصوصيّة لا تُنكر فيما يتعلق بالأنوار الرمضانيّة، وخاصّة منها "الفانوس". والفرقُ بين "الفانوس" و"القنديل" أن القنديل يوقد بالزيت (أو النفط حديثًا)، وغالبا ما تصفه المصادر بأنه مصنوع من الزجاج؛ بينما يوقد "الفانوس" بالشمع، وقد عرّفه المستشرق الهولندي رينهارت دوزي (ت 1883م) -في ‘تكملة المعاجم العربية‘- بأنه "مصباح سهل الطيّ، معمول من قماش مشمّع، مربوط بحلقات من الأسلاك بالقصدير". وبشأن إيقاد الفانوس بالشمع؛ يقول المؤرخ المقريزيّ (ت 845هـ) -في ‘المواعظ والاعتبار‘- متحدثا عن أعياد الميلاد المسيحية: "أدركْنا الميلادَ بالقاهرة.. -وسائر إقليم مصر- موسمًا جليلًا، يباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة، والتماثيل البديعة، بأموال لا تنحصر، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله، وكانوا يسمونها: الفوانيس -واحدُها فانوس- ويعلّقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئا يخرج عن الحدّ في الكثرة والملاحة، ويتنافس الناس في المغالاة في أثمانها، حتى لقد أدركتُ شمعة عُملت فبلغ مصروفُها ألفَ درهم وخمسمئة درهم فضة (= قيمتها اليوم 2000 دولار تقريبا)". وقد سبق المقريزيَّ إلى ذكر استعمال القبط للشمع والمشاعل في أعيادهم المؤرخُ المسعوديُّ (ت 346هـ)؛ فذكر -في ‘مروج الذهب‘- حضوره بمصر "عيدَ الغِطَاس" (يُقام سنويا في يناير/كانون الثاني) سنة 330هـ، ومشاركة المسلمين للأقباط احتفالاتهم به رسميًّا وشعبيًّا. يقول المسعودي إن أمير مصر حينها الإخشيد محمد بن طغج (ت 334هـ) "أمر فأُسرِج (= أُشعِل).. ألفُ مشعل غير ما أسرَج أهلُ مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر النيلَ في تلك الليلة مئاتُ آلاف من الناس من المسلمين والنصارى.. لا يتناكرون الحضور، ويُحضِرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب.. والملاهي والعزف..، وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سروراً، ولا تُغلق فيها الدروب". فيبدو من نص المسعودي هذا أن مسلمي مصر زادوا على إضاءة قناديل رمضان الزيتية إيقاد الفوانيس الشمعيّة تأثّرًا بجيرانهم الأقباط، وصاروا يتنافسون في عملها وشرائها وتحصيلها -قُبَيل رمضان كما يفعل أولئك قُبَيل الميلاد والغطاس- مثل تنافس القبط. ولما كانت على هذا النحو من الجودة والإتقان والجمال الذي وصفه المقريزي؛ فلا عجب أن تلقى الرواج والانتشار والتطوّر عامًا بعد عام، ثم غلب المسلمون على الاسم حتى اقترن برمضان حصرًا أو كاد. وقد سجل لنا المقريزيّ تزامن احتفالات المسلمين والأقباط كل بعيده وموسمه بالشمع والفوانيس؛ فقال في ‘المواعظ والاعتبار‘: "وكان يُعلق بهذا السوق (= سوق الشماعين) الفوانيس في موسم الغطاس، فتصير رؤيته في الليل من أنزه الأشياء، وكان به في شهر رمضان موسم عظيم لكثرة ما يُشترى ويُكترى من الشموع الموكبية، التي تزن الواحدة منهنّ عشرة أرطال فما دونها، ومن المزهرات العجيبة الزيّ المليحة الصنعة، ومن الشمع الذي يُحمل على العَجَل (= العربات)، ويبلغ وزن الواحدة منها القنطار (= بمصر 44.9 كغ) وما فوقه". تدل وقائع تاريخية مبكرة على أن المسلمين استخدموا الفوانيس في إضاءة المساجد برمضان قبل نشأة الدولة الفاطمية (مواقع التواصل الاجتماعي) شعار رمضاني وبالعودة إلى قناديل رمضان بالمساجد؛ فإنّها عَبْر الأزمان صارت شعارًا لرمضان يميزه عن شهور السنة ومواسمها. ومن ذلك ما ذكره ابن جبير الأندلسي (ت 614هـ) -في رحلته- ناقلا مشاهداته الرمضانية بالمسجد الحرام حين زار مكة، فوصف لنا احتفال أهلها بدخول رمضان سنة 579هـ بقوله: "ووقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك.. من تجديد الحُصُرِ وتكثير الشمع والمشاعيل.. حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضياءً". وذكر ابن جبير تنافس جماعات المصلين من أتباع المذاهب الفقهية الأربعة في إيقاد الشموع في الليالي الرمضانية، وغلبة مذهب المالكية في هذه المنافسة؛ فقال: "وأما المالكية فاجتمعت على ثلاثة قرّاء يتناوبون القراءة، وهي في هذا العام أحفلُ جمعًا وأكثر شمعًا لأن قومًا من التجار المالكيين تنافسوا في ذلك، فجلبوا لإمام الكعبة شمعًا كثيرًا، من أكبره شمعتان نصبتا أمام المحراب فيهما قنطار، وقد حفّت بهما شمع دونهما صغار وكبار، فجاءت جهة المالكية تروق حُسنا". وممن ذكر استقبال رمضان بالمشاعل والفوانيس والشمع ابنُ بطوطة (ت 779هـ) في رحلته؛ فحين حطّ رحاله بمدينة أبيار شمالي مصر شهد معهم ما يسمونه "يوم الركبة"، وهو يوم يركب فيه قاضي المدينة وأعيانها ويتبعهم "جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة.. وقد فُرِش.. بالبُسُط والفُرُش، فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون (= يتحرَّوْن) الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، ويوقِد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع…، هكذا فعلهم كل سنة"! وهكذا صارت الأنوار علامة صادقة على ابتداء رمضان وانقضائه، فإذا دخل أضاءت وأزهرت وإذا غاب خمدت وانطفأت؛ يذكر شمس الدين ابن خُمارَويْه (ت 953هـ) -في ‘مفاكهة الخلان في حوادث الزمان‘- أنه في الليلة الأخيرة من شعبان سنة 895هـ "تهيأ الناس بدمشق لصوم الغد، وعملوا الأقراص المشبكـ[ـة] والبسيس (= كعك) وغير ذلك، وعُلقت القناديل المشعولة بعد المغرب خلا الجامع الأموي، وقال المؤقِّتون (= الفلكيون): رؤية هلال رمضان حينئذ عَسِرة..، فحضر القضاة بالجامع -على العادة- فلم يره أحد، فأنكروا على من شعل القناديل كأهل ‘جامع يَلْبُغا‘، فبلغهم [ذلك] فأطفوها. ثم أتى رجل وشهد أن أول شعبان السبت وأنه رأى هلاله ليلة السبت، وجاء آخر وشهد أنه رأى هلال رمضان بعد المغرب من هذه الليلة وزُكِّي؛ فحُكم بقبول شهادته وأعيدت القناديل، وأصبح الناس صيامًا". وأضاف أن ذلك تكرر أيضا في دمشق سنة 923هـ في الليلة الأخيرة من شعبان، فقد "وقع اختلاف في أن غدا من رمضان، فلم يشهد أحد فأُطفِئت قناديل ‘مئذنة العروس‘ بالجامع الأموي بعد إيقادها، ثم ثبت [الهلال] على [حُكم] بعض القضاة، فأعيدت وأصبح الناس صياما". و‘مئذنة العروس‘ هذه إنما سُميت بهذا الاسم لكثرة ما يكون عليها من الشموع وأنوار الزينة!! وقبل ابن خُمارويْه بقرنين؛ يفيدنا ابن كثير (ت 774هـ) -في ‘البداية والنهاية‘- بأن تعليق القناديل كان علامة متعارَفا عليها بين الناس؛ ففي سنة 702هـ "أثبَتَ الشهرَ (= رمضان).. القاضي تقيُّ الدين الحنبلي (ت 715هـ)، فإن السماء كانت مغيمة، فعُلّقت القناديل وصُليتْ التراويح، واستبشر الناس بشهر رمضان وبركته". وقد أفتى غيرُ واحدٍ من الفقهاء بوجوب الصيام على من رأى إضاءة القناديل باعتبارها علامة إشعار عُرْفية بإثباته، ولذلك عدّوا "رؤية القناديل المعلقة بالمنائر في آخر شعبان في حكم الرؤية [لهلال رمضان]"؛ كما نقل الشربيني الشافعي (ت 977هـ) في ‘مغني المحتاج‘. كانت القناديل والفوانيس تعلق في أعلى مآذن المساجد لإعلام الصائمين بثبوت هلال رمضان ومواعيد السحور (الجزيرة) عادة موسمية ولم تقتصر عادة إشعال القناديل على رمضان، بل امتدّ إلى الاحتفالات بغيره من "المواسم" بتعبير الأزرقيّ في ‘أخبار مكة‘، وقد جاء من نماذج ذلك: إشعال القناديل في ليالي النصف من رجب وشعبان، وغيرها من الليالي الموسمية. وكان لليلة النصف من شعبان في الجامع الأمويّ شأن عظيم، إذ كانت -كما ذكرنا- تُسمّى "ليلة الوقيد"، وقد رصد ابن كثير -في ‘البداية والنهاية‘- تواصل إشعال القناديل في تلك الليلة نحوًا من ثلاثمئة سنة! ورأى أن العامّة بالغوا في شأنها حتى "استقرّ في أذهانهم [أنه] إذا أبطِل هذا الوقيد في عام يموت سلطان الوقت (= السلطان الحاكم وقتَها)، وكان هذا لا حقيقة له ولا دليل عليه إلا مجرد الوهم والخيال"! وفي مصر؛ ذكر المقريزي -في ‘اتّعاظ الحُنَفا‘- أنه "في ليلة النصف من شعبان (سنة 402هـ) كثُر إيقاد القناديل في المساجد، وتنافس الناس في ذلك". وقال في أخبار رجب سنة 415هـ: "وكانت ليلة النصف من رجب ليلةً مشهودة، حضرها [الخليفة] الظاهر (ت 427هـ) والسيدات وخَدَمُ الخاصة.. وسائر العوام والرعايا، وكان مجْمعاً لم يُشهد مثله من أيام العزيز بالله (ت 386هـ)، وأُوقِدت المساجد كلها أحسن وقيد". وقال أيضا إنه "جرت الأمور في هذه الشهور المباركة على ما كان الرسم جرى به من عمارة المساجد والجوامع، وتكثير القناديل والزيت وكثرة الوقيد". ويبدو أن عادة زيادة إضاءة قناديل المساجد في الليالي الموسمية كانت منتشرة في البلاد الإسلامية على اختلاف الأزمان، لا سيّما أيام العثمانيين حيث زاد الاحتفاء بها كثيرا؛ فقد ذكر ابن خُمارويْه -في ‘مفاكهة الخلان‘- أنه "في.. ليلة النصف من شعبان [سنة 926هـ] أوقِدت قناديل العمارة الخَنْكارية (= جامع ابن عربي بدمشق) والجامع الأموي جميعها، كما جرت به العادة في هذه الدولة الرومية (= العثمانية)، ولكن لم توقد مآذنهما إلا في هذه الليلة". ولذلك لا عجب أن الأتراك ما زالوا يُسمّون ليالي المواسم -كليلة المولد والنصف من شعبان وليلة الإسراء- باسم "ليالي القنديل" (Kandil Geceleri)، لأن القناديل توقد فيها بكثرة زائدة! أما أغربُ سببٍ لإيقاد قناديل المساجد فهو ما صنعه متولي أوقاف الجامع الأموي الشيخ إبراهيم الجباوي (ت 1170هـ)، إذ إنه لما وقع عرس أحد أحفاده يوم 10 شعبان 1161هـ "أمر أن تُزين الأسواق بالقناديل والشمع، وأمر أن تُشعل منائر (= منارات) الجامع الأموي فشُعلت، وهذا شيء ما سمعناه أنه سبق لغيره"! على حد قول البُدَيري الحلاق (ت بعد 1175هـ) في مذكراته ‘حوادث دمشق اليومية‘. الجامع الأموي في دمشق من أقدم الجوامع التي حظيت بنظام إنارة فائق الفخامة والضخامة (مواقع التواصل الاجتماعي) قناديل السحور لم تقتصر وظيفة قناديل رمضان على إضاءة المساجد وتزيينها بل أضحت لها فوائدُ واستعمالات أخرى، من أهمّها الاستعانة بها على معرفة وقت السحور كما استُعين بها لإعلام الناس بثبوت رؤية هلال رمضان. ومن ذلك قول ابن جُبير في رحلته: "والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير (= نداء المسحراتي) في الصومعة (= المئذنة) التي في الركن الشرقي من المسجد بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكِّرا ومحرضا على السحور ومعه أخوان صغيران يجاوبانه (= يرددان ما يقوله)..، وقد نُصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع، وفي طرفيه بكَرتان صغيرتان يُرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يقدان مدة التسحير، فإذا قرب تبيين خيطيْ الفجر ووقع الإيذان بالقطع (= الإمساك) مرةً بعد مرة، حَطّ المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالأذان..، فمن لم يسمع نداء التسحير -ممن يبعد مسكنُه من المسجد- يُبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة، فإذا لم يُبصرهما عَلِم أن الوقت قد انقطع". ويوضح لنا ابن الأخوة القرشي المحتسب (ت 729هـ) -في ‘معالم القربة في طلب الحسبة‘- شدة ارتباط ضوء الفانوس لدى الصائمين بالدلالة على مواعيد الإمساك؛ فيقول إن مؤذن مسجد الحي إذا "تعذّر عليه طفيُ الفانوس كَسَره، فإنّ من لا يسمع الأذان لبُعده إنما اعتماده في أكله وشربه على رؤية الفانوس وإيقاده وطفيه". وهكذا كان ضوء القناديل إحدى وسائل تنبيه الناس إلى السحور ووقته بقاءً أو انقضاءً، بالإضافة إلى النداء بالتسحير الذي كان يقوم به المؤذنون. ويعود تاريخ التسحير إلى زمن ولاية خالد بن عبد الله القسري (ت 126هـ) على مكة وفقا لما ذكره الفاكهيّ -في ‘أخبار مكة‘- الذي يقول: "فإذا كان بعد القيام بليلٍ -وذلك مقدار الأذان الأول أو أرجح- جاء المؤذن إلى المنارة التي تلي أجياد (= مكان بمكة)، وقد جمع مؤذني الجبال قبل ذلك تحت المنارة من خارج في الوادي، فصاح بأعلى صوته: السحور رحمكم الله، اشربوا رحمكم الله، فيفعل ذلك مرتين أو ثلاثا، فيجيبه مؤذنو الجبال الذين تحت المنارة ويصيحون: اشربوا، ويتفرقون في فجاج مكة يُؤْذِنون الناس بالسحور إلى قريب من الفجر". تطورت صناعة الفوانيس والقناديل جراء الاحتفاء الكبير الذي أولاه الملوك وكبار التجار بإضاءة المساجد وخاصة الجوامع العظيمة (الجزيرة) علامة مستفيضة أما استعمال القناديل في الدلالة على وقت السحور فلم أقع على وقت ابتدائه، غير أنّه لم يكن مقتصرًا على مكة، بل كان معروفًا في مصر وغيرها من بلاد المسلمين، حتى إنه أصبح عندهم ما يسمونه ‘فانوس السحور‘. وقد ذكره ابن ظافر الأزدي المصري (ت 613هـ) في كتابه ‘بدائع البدائه‘؛ فقال: "اجتمعنا ليلةً في رمضان بالجامع فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقدْ وُقِدَ (= أضيء) ‘فانوس السحور‘"، فصنع هو وأصحابه -على البديهة- شعرًا بديعًا في ‘فانوس السحور‘ هذا، ولهذه القصة نظائر مذكورة في كتب الأدب. وذكر الحافظ ابن حجر محادثة بينه وبين السلطان الأشرف برسباي (ت 841هـ) تدل على رسوخ عادة الاستدلال بالفانوس على وقت السحور بين الناس؛ فقال: "تكلمتُ مع السلطان في ألا يُطفأ القناديل في رمضان إلا قـُبيل طلوع الفجر، لما يحصل للناس من الإجحاف ممن ينام ثم يستيقظ عطشان فلا يجد القناديل تقِد، فيظن أن الأكل والشرب حَرُم، وليس كذلك؛ فوافق السلطان على ذلك". ومما يدل على قوة رسوخ هذه العادة أن المصادر تذكر استعمال الفوانيس في الدلالة على السحور حتى في الصيام خارج رمضان؛ فقد جاء عند تاج الدين الفاكهاني (ت 734هـ) في كتابه ‘رياض الأفهام‘: "وقد بلغني أن بعض بلاد العجم يتسحرون لها (= الأيام الستة من شوال) كما يتسحرون لرمضان، والفوانيس على حالها كما هي في رمضان، وأنهم يعملون في اليوم السابع عيدا ويسمونه: عيد الستة"!! وقطْع أنوار فوانيس السحور مرةً بعد مرّة -الذي ذكره ابن جبير في رحلته- فصّله ابن الحاج المالكي (ت 737هـ) في كتابه ‘المدخل‘؛ فذكر أن الناس اعتادوا "تعليق الفوانيس التي جعلوها علَمًا على جواز الأكل والشرب وغيرهما ما دامت معلقة موقودة، وعلى تحريم ذلك إذا أنزلوها سبع مرات، ثم بعده يضربون بالأبواق سبعًا أو خمسًا، فإذا قطعوا حرُم الأكل إذ ذاك عندهم". وقد بقي استعمال القناديل في الدلالة على وقت السحور إلى زمنٍ قريب، فقد ذكره علي بن موسى الأفندي في كتابه ‘وصف المدينة‘، الذي ألفه سنة 1303هـ/ 1886م حين كان "رئيس القلم العربي" بديوان محافظ المدينة المنورة أواخرَ زمن العثمانيين. قال الأفندي: "وأما المنارة الرئيسية فقد بُنى فوقها مجمرة من جنس بناء المنارة، ووضع فوق المجمرة العلَم، ومن دون العلم بكرات ثلاث لرفع القناديل الثلاثة وإنزالها، وهذه القناديل تُرفع على المئذنة إشارة إلى أن وقت السحور لا يزال باقيا، فإذا أُنزِلت أطلقت ‘مدافع الإمساك‘ في رمضان". كانت "صاحب القناديل" هو متولي وظيفة العناية بإنارة المساجد وقد حفظت لنا كتب التاريخ أسماء بعض متوليها (الجزيرة) ثروةٌ حقيقية وقناديل المساجد الرمضانية والدائمة لم تكن مجرّد وسيلة إضاءة، بل كانت زينة عظيمة خرجت من معنى الزينة المجرّد إلى معنى المال والنقد! ولعل الأمويين كانوا أسرع حكام المسلمين إلى بذل الزينة الفاخرة في المساجد، ومن ضمنها القناديل اقتداءً بمؤسس دولتهم معاوية كما رأينا. وربّما كان منشأ ذلك أن ملكهم تأسس في منطقة الشام التي هي أقرب إلى حضارات من سبقهم من الملوك، أو لأنهم كانوا أوائل ملوك الإسلام المترفين في حياتهم، فلم يبخلوا على المساجد بما يليق بها من تنوير وتزيين. وما يؤكّد علاقة الزينة بهذا الروح المترف أن عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) باع شيئًا من ذهب زينة الجامع الأمويّ وأرجع ثمنه إلى خزينة الدولة؛ فابن خلدون (ت 808هـ) يقول -في تاريخه- إن الجامع الأموي بدمشق "كانت فيه ستمئة سلسلة من الذهب لتعليق القناديل، فكانت تغشى عيون الناظرين وتفتن المسلمين، فأزالها عمر بن عبد العزيز وردّها إلى بيت المال". أما ابن كثير في ‘البداية والنهاية‘؛ فتوسع في بيان تفاصيل زينة الجامع الأمويّ وزخرفته التي بلغت أنهم "صوّروا بها سائر البلدان المشهورة: الكعبة فوق المحراب وسائر الأقاليم يمنة ويسرة، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة"! ثم ذكر أن "سقفه مُقَرْنَص (= القرنصة: تجاويف زخرفية معمارية) بالذهب، والسلاسل المعلقة فيه جميعها من ذهب وفضة، وأنوار الشموع في أماكنه مفرقة..، وكان في محراب الصحابة بُرنية حجر من بلُّور.. وكانت إذا طُفئت القناديل تضيء لمن هناك بنورها"!! ويذكر شمس الدين الأسيوطي (ت 880هـ) -في ‘إتحاف الأخصّا بفضائل المسجد الأقصى‘- أن فيه "من السلاسل للقناديل أربعمئة سلسلة إلا خمس عشرة، منها مئتا سلسلة وثلاثون سلسلة في المسجد والباقي في قبة الصخرة، وذرْعُ السلاسل أربعة آلاف ذراع، ووزْنها ثلاثة وأربعون ألف رطل بالشامي (= نحو 1900 غرام)، ومن القناديل خمسة آلاف قنديل، وكان يُسرج فيه مع القناديل ألفا شمعة في ليال الجمع، وفي ليلة نصف رجب وشعبان ورمضان، وفي ليلتيْ العيدين". وقبل إنشاء الجامع الأمويّ بدمشق؛ بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة بالمسجد الأقصى "فجاءت من أحسن البناء"، وخَصَّص "لها سَدَنَةً وخُدَّاماً بأنواع الطيب والمسك والعنبر والماوَرْد والزعفران، ويعملون منه غاليةً (= طِيب) ويبخرون القبة والمسجد من الليل، وجعل فيها من قناديل الذهب والفضة والسلاسل الذهب والفضة شيئا كثيرا"؛ وفقا لابن كثير. كانت القناديل ثروة حقيقية وكثيرا ما احتاج المسؤولون عن المساجد لبيعها للإنفاق منها على مصالح المسجد (الجزيرة) احتفاء عظيم وفي قرون الدولة العباسية؛ يقدم لنا المؤرخون رصدا وافيا للاهتمام بزينة المساجد وإنارتها، وخاصة الحرمين المكي والمدني؛ فالمؤرخ الأندلسي أبو عُبيد البكري (ت 487هـ) يفيدنا بأن "عدد قناديل المسجد [النبوي] مئتا قنديل وتسعون قنديلا". ولم تزل إنارة المسجد النبويّ في ازدياد، فإلى عهد قريب كانت قناديله وإضاءته من الضخامة والجمال بما يفوق الوصف. وفي ذلك يقول الأفندي في كتابه ‘وصف المدينة‘ المتقدم ذكره: "ومجموع ما يوقد كل ليلة في الحرم النبوي الشريف وعلى أبوابه -داخلا وخارجا- نحو ستمئة قنديل وثلاثمئة شمعة، هذا عدا شمع الفوانيس الملاصقة للدرابزين الصفر، وشمع المحاريب، والشمع الذي يوقد لمن يقرأ في مصاحف الروضة وغيرها، وقناديل الحجرة المعطرة وشمعها"! أما المسجد الحرام بمكة؛ فقد سبق أن نقلنا عن الأزرقي أن عدد قناديله أربعمئة وخمسة وستون قنديلًا، ولكن يبدو أن عددها نقص فيما بعدُ. وقد لاحظ ذلك ابن الضياء المكي (ت 854هـ) -في ‘تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام‘- فقال إن "عدد قناديل المسجد الحرام الآن المرتبة فيه غالبا فثلاثة وتسعون قنديلا..، ويُزاد في القناديل في شهر رمضان خصوصا في العشر الآخر منه وفي الموسم، وعدد قناديل المسجد الحرام الآن وسلاسله تنقص كثيرا عما ذكره الأزرقي في قناديل المسجد". وفي الأندلس بالغرب الإسلامي؛ كان جامع قرطبة العظيم الذي يحدثنا الجغرافي الإدريسي (ت 560هـ) -في ‘نزهة المشتاق‘- عن فخامة عمارته وضخامة إنارته؛ فيقول: "وفيها (= قرطبة) المسجد الجامع الذي ليس بمساجد المسلمين مثله بنيةً وتنميقا وطولا وعرضا، وفيه مئة وثلاث عشرة ثريا للوقيد، أكبر واحدة منها تحمل ألف مصباح وأقلها تحمل اثني عشر مصباحا"! ولما ترجم المحبّي الدمشقي (ت 1111هـ) -في ‘خلاصة الأثر‘- للسلطان العثماني أحمد الأول (ت 1027هـ)؛ ذكر أن "من آثاره التي بقسطنطينية (= إسطنبول) الجامع الذي لم يُعمل مثله في إنشائه وإحكام بنائه ودقة صنائعه..، وله ست منارات حسنة الوضع إلى الغاية، وداخله مزيَّن بأنواع القناديل من البلُّور والقاشاني..، ولما تم وضعه (افتُتح سنة 1026هـ) هادتْه ملوكُ الأقاليم بالتُّحَف من قناديل الذهب وغيرها لتعلق فيه"! مع ازدهار الدولة العباسية تطورت صناعة القناديل والفوانيس المخصصة لإنارة المساجد وخاصة في رمضان وتعددت أشكالها (الجزيرة) مهنة منظمة وكان الملوك والولاة والأمراء يُهدون القناديل إلى المسجد الحرام والمسجد النبوي فتُعلَّقُ في سقوفهما، وتصبح منقبة تُذكر لمُهديها منهم؛ فقد ذكر السمهودي أن هذه القناديل كانت "تنفذ من البلدان من الملوك وأرباب الحشمة والأموال.. واستمر عمل الملوك وأرباب الحشمة -إلى زماننا هذا (= القرنان 9-10 الهجرييْن)- على الإهداء إلى الحجرة الشريفة قناديل الذهب والفضة". وحين ترجم ابن شاهين المَلَطي (ت 920هـ) -في كتابه ‘نيل الأمل‘- لسلطان الدولة الجلائرية بالعراق أويس بن حسن الجلائري (ت 776هـ) قال إنه: "خُطب له بمنبر مكة المشرّفة، وله عدّة قناديل ذهب معلّقة بالكعبة المشرّفة". وكانت بالمسجدين المكي والمدني خزانة خاصّة لحفظ القناديل والفوانيس؛ فقد وصف الرحالة الفارسي ناصر خسرو (ت 481هـ) -في رحلته ‘سفر نامه‘- أنه رأى في شرق المسجد الحرام بمكة "بناءً مستطيلًا عليه ثلاث قباب يُسمى ‘خزانة الزيت‘، به الشمع والزيت والقناديل". وبعده بأربعة قرون يخبرنا السمهودي أنه "في جهة المشرق [من المسجد النبوي].. خزانتان إحداهما بيد من تكون له النَّوْبة (= وقت العمل/الوردية) من الفراشين، يضع فيها فوانيس المسجد ونحوها". وبلغت العناية بإضاءة المساجد أنْ خُصِّص لقناديلها وفوانيسها من يرعاها ويزودها بالزيت ويصونها بالنظافة، وكانوا يسمونه: "صاحب القناديل" أو "صاحب زيت المسجد"؛ وقد احتفظت لنا كتب التراجم بأسماء بعض من تولوا هذه "المهنة" منذ عهد الصحابة مما يدل على قِدمها. فالذهبي يترجم -في ‘تاريخ الإسلام‘- لتابعيٍّ تتلمذ على أبي هريرة (ت 59هـ) اسمه "أبو مريم الأنصاري.. الشامي (ت بعد 111هـ)"، ويصفه بأنه "صاحب القناديل وقَيِّم مسجد حمص". وأما ابن حجر -في ‘تقريب التهذيب‘- فقال عنه: "قيل اسمه عبد الرحمن بن ماعز، ويقال: هو مولى أبي هريرة، وهو ثقة". كما ترجم ابن عساكر (ت 571هـ) -في ‘تاريخ دمشق‘- لأحد شيوخ الإمام الأوزاعي (ت 158هـ) اسمه خالد بن دِهْقان القرشي، وقال إنه "كان على قناديل المسجد" الأموي بدمشق. وكان لمتولي رعاية قناديل إضاءة المساجد راتبٌ شهريٌّ مجزٍ مقابل عمله، فمؤرخ المدينة النبوية السمهودي يخبرنا -في ‘خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى‘- بأنه "لم يزل رِزْقُ (= راتب) صاحب زيت المسجد ثلاثة دنانير (= اليوم 500 دولار أميركي تقريبا) تُجرَى عليه في كل شهر من بيت المال، وعليه فيها ما تكسّر من القناديل". كما رُصدت مصاريف لصيانة هذه الإنارة، حتى إن المقريزي يورد -في ‘الخطط والآثار‘- بنود إحدى الوقفيات المسجدية وتضمن مبلغا "لمسح القناديل [مقداره] نصف دينار". إنارة القناديل كانت جزءا رئيسا في المنظومة الجمالية لعمارة المساجد بجانب النقوش وقوالب البناء (مواقع التواصل الاجتماعي) عدوان آثم على مرّ العصور؛ مثّلت قناديل المساجد المعظّمة ثروةً كبيرة، استعملها الحكام حين ضاقت بهم السبل وأفلست خزائنهم، واستثمرها خُدّامُها في عمارتها حين ألجأتهم الحاجة إليها، واعتدى عليها اللصوص مرةً بعد مرة! لقد نص الفقهاء على حرمة التصرّف في قناديل المساجد وتوظيفها في الاستغلال الشخصي، حتى إن ابن نُجيم الحنفي (ت 970هـ) يقول -في ‘البحر الرائق‘- إنه "ليس لمتولي المسجد أن يحمل سراج المسجد إلى بيته". بل إن تقي الدين السبكي (ت 756هـ) ذهب -في فتاواه- إلى أن بيعها لا يجوز حتى ولو كان ثمنها سيُصرف على مصالح المسجد نفسه، إذ "ليست القناديل كالمال المصكوك المعد للصرف الذي في الكعبة، لأن ذاك إنما أعِدّ للصرف، وأما القناديل فما أعدت للصرف وإنما أعدت للبقاء". ومع ذلك؛ فإنّ ضغط الواقع -قبْل السبكيّ وبعده- ألجأ الحكام وخدام الجوامع إلى التصرّف فيها؛ فقد ذكر سبط ابن الجوزي (ت 654هـ) -في ‘مرآة الزمان‘- أنه بسبب المجاعة العظيمة في مصر -التي تواصلت سبع سنين شداد (457-464هـ)- انقطع ما كان يُرسله سلاطين الفاطميين إلى مكة والمدينة، "وضاقت يد [ابن] أبي هاشم محمد (ت 487هـ) أمير مكّة بانقطاع ما كان يأتيه من مصر، فأخذ [سنة 462هـ] قناديل الكعبة"، وتصرف فيها بالبيع مثل بقية مقتنياتها من معادن وستائر، ولذلك عدّ المؤرخون أخذه قناديل الكعبة وزينتها من مثالبه. وقد حذا حذوه ابن عمه أمير المدينة الحسين بن مهنّا (ت بعد 469هـ) "فأخذ قناديل وآلات فضة كانت هناك فسبكها"؛ وفق ما ذكره ابن الجوزي (ت 597هـ) في ‘المنتظم‘. وإن يكن هذان الأميران غير مرضيَّيْ السيرة؛ فقد وقع استثمارٌ لقناديل الحرم النبويّ في زمن الناصر ابن قلاوون (ت 741هـ)، ولعلّه رأى أن ذلك يصب في مصلحة المسجد. فقد ذكر ابن كثير -في ‘البداية والنهاية‘- أنه "في شهر رمضان (سنة 705هـ) جاء كتاب من مُقدّم الخُدّام بالحرم النبوي يستأذن السلطان [الناصر] في بيع طائفة من قناديل الحرم النبوي، لينفق ذلك ببناء مئذنة عند باب السلام الذي عند المطهرة، فرَسم له بذلك، وكان في جملة القناديل قنديلان من ذهب زنتهما ألف دينار (= قيمتها اليوم 167 ألف دولار تقريبا)، فباع ذلك وشرع في بنائها". الدولة العثمانية اشتهرت مساجدها تاريخيا بفخامة العمارة وتميز الإنارة (غيتي إيميجز) سطو مسلح ويبدو أن قيمة قناديل المساجد المعظّمة لم تكن محطّ اهتمام الأمراء والسلاطين وخدام المسجد فحسب، بل فطن لضخامتها كثيرٌ من الغزاة واللصوص، ولذلك سجلت كتب التاريخ العديد من قصص سرقة قناديل المساجد والعدوان عليها. ولعل أول ذلك ما حدث في كارثة اقتحام قائد القرامطة أبي طاهر الجنّابي (ت 332هـ) للمسجد الحرام بمكة سنة 317هـ، وما ذكره المؤرخ ابن فضل الله العمري (ت 749هـ) -في ‘مسالك الأبصار‘- من أنه "حمل معه الحجر الأسود وقناديل الكعبة، وكانت من ذهب وفضة". ومن أهمّ ما يُذكر في ذلك أيضا العُدوان على قناديل المسجد الأقصى بعد احتلاله من الصليبيين سنة 492هـ؛ فبعد أن فصّل ابن الأثير -في كتابه ‘الكامل‘- خبر المجزرة العظيمة التي ارتكبها الصليبيون في ساحات الأقصى تطرق إلى نهبهم لقناديل المسجد، فقال إنهم "أخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا من الفضة، وزْن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمئة درهم (= قيمتها اليوم 4500 دولار تقريبا)، وأخذوا من القناديل الصغار مئة وخمسين قنديلا نُقْرًةً (= فضة)، ومن الذهب نيفا وعشرين قنديلا، وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء". ونلاحظ هنا أن ابن الأثير كان يذكر وزن القناديل وكأنها نقدٌ أو في حكم النقد!! ومن العُدوان المشهود على قناديل المسجد النبويّ ما ذكره السخاوي (ت 902هـ) -في ‘التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة‘- في ترجمة أمير المدينة حسن بن زبيري (ت بعد 901هـ)، من أنه في سنة 901هـ "جمع جماعة مستعدين بالأسلحة ودخل المسجد النبوي قبل الظهر، وأحضر خازندار (= أمين الخزانة) الحرم، وطلب منه مفاتيح القبة وحاصل الحرم (= مقتنياته من الهدايا)..، وعمد إلى باب الحاصل المشار إليه فكسره بالفأس، فأخذ ما به من النقود وجميع قناديل الذهب والفضة، ثم أحضر الصُّوّاغ (= الصاغة) لحصنه فسبك تلك القناديل"!ٍ ولئن كانت فعلة ابن زبيري سطوًا مسلّحًا في وضح النهار على ممتلكات المسجد النبوي؛ فقد سلك أمراء آخرون مسلك السطو الليلي الخفيّ، فقد أورد المَلَطي -في ‘نيل الأمل‘- أنه في سنة 861هـ "ورد الخبر من المدينة الشريفة بنادرة غريبة، وهي أنّ شخصًا من الأشراف يقال له الشريف برغوث (= برغوث بن بتير الحسيني) تسلّق ومعه [آخر اسمه دبوس بن سعد الحسيني] إلى سطح الحجرة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، واختلس عدّةً من قناديلها الذهب والفضّة، ثم ظُفِر به بالينبوع (= مدينة ينبع 230كم غرب المدينة)، وعُدّت هذه من نوادر الجسارات ومن أكبر الخسارات ومن أسمج الفعلات وأقبح العملات". وقد شُنق برغوث هذا بفعلته الشنيعة كما ذكر السخاويّ في ‘التحفة اللطيفة‘، وذكر أن قريبًا لبرغوث اسمه "ركاب" صنع مثل صنيعه بعده بشهور فشُنق هو الآخر! تتحدث كتب التاريخ عن حوادث سطو وسرقة تعرضت لها خزائن القناديل في المساجد وكانت عقوبة أصحابها الإعدام شنقا (الجزيرة) عقوبة صارمة ويبدو أن الشنق كان عقوبةً دارجةً لمن يسرق قناديل المساجد والمشاهد المعظمة! فقد ذكر ابن دُقماق (ت 809هـ) -في ‘نزهة الأنام‘- أنه في سنة 638هـ نزل "خمسة نفر من الحرامية ليلًا إلى مشهد السيدة نفيسة.. [بمصر]، وأخذوا منه ستة عشر قنديل فضة، وكان نزولهم من الطاقات الزجاج". فلوحِق اللصوص وقُبض عليهم بالفيوم "فأحضروهم إلى مصر.. وصحبتهم القناديل، فاعترف أحدهم بأنه هو الذي نزل وأخذ القناديل وأبرأ الباقين، فشُنق على خشبة.. قُبالة المشهد"! ولم يسلم الجامع الأمويّ بدمشق من حوادث سرقة القناديل؛ فابن كنان الحنبلي (ت 1153هـ) يروي -في ‘يوميات شامية‘- أنه في سنة 1134هـ "سُرِق من [الجامع] الأموي أربعة قناديل من النحاس الأصفر كانت فوق محراب المقصورة..، [وهي] من غرائب الصنعة من جهة التخريم (= نقش أو تجويف)، لا مثيل لها في الإتقان والتخاريم". ومن عجائب ألوان العُدوان على قناديل إنارة المساجد قولُ ابن الحاج المالكي -في كتابه ‘المدخل‘- إن مِن عامّة الناس "مَن يفعل ما هو أشد مما ذُكر (= نقل القناديل من مسجد لآخر)، وهو أن من كان عنده فرح في طول السنة استعار القناديل من مسجد، واستعملها في بيته للسماع والرقص وما شاكل ذلك"!! وقد أفتى ابن الحاج هذا بحُرمة نقل القناديل من مسجد إلى آخر، لأنها وقفٌ عليه عينًا. ولا عجب إذن أن تحصل أيامها مشكلة كبيرة حين عُلم أن جماعةً من "النصارى قد استعاروا من قناديل جامع عمرو بن العاص (ت 43هـ) بمصر شيئا وعلقوه في مجمع كان بالكنيسة المعلقة". وكان ذلك في محرم سنة 714هـ وفق ما ذكره الحافظ ابن حجر في ‘الدرر الكامنة‘؛ فحصلت معركة كبيرة بقيادة أحد الفقهاء، لم يسلم منها الأقباط الذين استعاروا القناديل، ولا خطيبُ جامع عمرو الذي أعارهم القناديل، ولا خُدّام المسجد الذين اتهِموا بالتواطؤ معه. ومن أكثر وأخطر الآفات التي كانت تصيب قناديل المساجد حوادث الحريق؛ ومن أكبرها أنه في أول أيام رمضان المبارك سنة 654هـ وقع حريقٌ كبير بالمسجد النبوي الشريف، وكان سببه -كما قال السمهودي في ‘خلاصة الوفا‘- أن "أبا بكر بن أوحد الفرّاض [دخل خزانة] الحاصل الذي في الزاوية الغربية الشمالية لاستخراج قناديل لمناير المسجد، وترك الضوء الذي كان في يده على قفص من أقفاص القناديل..، فاشتعلت النار فيه وأعجزه طفؤها، وعَلِقت بِبُسُطٍ وغيرها مما في الحاصل، وعلا الالتهابُ حتى علقت [النارُ] بالسقف مسرعة..، وأعجلت الناس عن إطفائها بعد أن نزل أمير المدينة واجتمع معه غالب أهلها فلم يقدروا على طفئها، وما كان إلا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد، وما احتوى عليه من المنبر النبوي والأبواب والخزائن والمقاصير والصناديق، ولم يبق خشبة واحدة -أي كاملة- وكذا الكتب والمصاحف وكسوة الحجرة الشريفة"!! المصدر : الجزيرة
  12. عبد القدوس الهاشمي 5/5/2020 المطبخ في حضارة الإنسان مرآة للوضع الاقتصادي؛ فكلما مالت الحياة إلى البدائية والبساطة أثّر ذلك في مطاعم الناس، وكلما مالت الحياة إلى التعقيد تلوّنت موائدهم. ولقد كان طعام العرب في البادية مشابهًا لحياتهم البريّة جافًّا وقاسيًا، قليل التزويق والمعالجة خاليا من التعقيد، فقائمة طعام العربي في باديته ليست إلا إحصاء لما يحيط به من النباتات والحيوان. وفي هذا المقال؛ ندعو القارئ ليذوق معنا -بلسان عقله- طيبات ما وقفنا عليه من مطالعات فنون الطهي عند المسلمين، ندعوه إلى مائدة تضم ألوانًا من الأخبار والأفكار المتعلقة بالمطبخ العربي وتطوره عبر القرون، من أيام الجاهلية وصولًا إلى آخر ما طالعناه من كتب الطبيخ في القرن السابع الهجري. مائدة فقيرة عاشت أغلبية العرب في بيئة صحراوية مجدبة؛ ولذلك فإن غاية ما عرفوه من صنعة الطعام "الثريدُ" وهو خبز يُفتّ ويبلّ بالمرق ويوضع فوقه اللحم؛ و"المَضيرة" وهي طبخ اللحم باللبن الماضر أي الحامض؛ والهريسة، والعصيدة؛ والشواء الذي منه ما يُشوى على الحطب والفحم، وما يُشوى على الحَجَر المُحْمَى بالنار، وهذا الأخير يسمونه "المرضوف". وكذا "الحريرة" وهي حساء من الدسم والدقيق، وقد تطورت الحريرة مع التحضّر حتى أصبحت بصورتها الحالية التي يتفنن فيها المغاربة ويقدمونها على موائد إفطارهم الرمضانية. ولم يكن العرب يعدلون باللحم شيئًا إذا توفروا عليه، ويرون أن تناوله مع غيره تطويلٌ لا موجب له؛ فقد جاء في ‘محاضرات الأدباء‘ للراغب الأصفهاني (ت 502هـ) أنه "قُدّم إلى أعرابي خبز عليه لحم، فأكل اللحم وترك الخبز وقال: خذوا الطبق"! ويروي ابن قتيبة الدِّينَوري (ت 276هـ) -في ‘عيون الأخبار‘- أنه "قيل لأعرابي: ما لكم تأكلون اللحم وتدعون الثريد؟ فقال: لأن اللحم ظاعن (= راحل) والثريد باقٍ"!! وكان أطيب اللحم لديهم ما اختلط بعظم، حتى قال قائلهم إن "أطيب اللحم عُوّذُه، أي أطيبه ما ولي العظم كأنه عاذ به"؛ كما يقول الدينوري. ثم اعلم أن ما قدمنا ذكره من الأطعمة ليس من القائمة المعتادة وإنما هو طعام الموسرين من الحضر ومَن أخصبَ من أهل البادية، فإذا أجدبوا فإنهم يأكلون كلّ ما دبَّ ودَرَج؛ ففي ‘عيون الأخبار‘ أيضا أن مدنيا سأل أعرابيًا: "ما تأكلون وما تدَعُون؟ قال الأعرابي: نأكل ما دبّ ودَرَج، إلا أم حُبَيْن (= الحِرْباء)"! يقال إن الجوع أطيب التوابل؛ ولذلك ففي حالة الجدب يأكل العربي ما تيسر له، حيث يكون تناول الطعام سبيلًا للنجاة لا مادة للتفكّه. ولتكرر مواسم الجدب؛ اكتسب العربي عاداتٍ غذائية فريدة، أولاها المبادرة في اللقم؛ فالدينوري يروي أنه سُئل أعرابي: "ما تُسمُّون المرق؟ قال السخين، قيل له فإذا برد، قال لا نتركه يبرد"! كما أنهم كانوا يستقبحون أطعمة أنَفَةً منهم، ومن ذلك مخّ الخروف؛ فقد "قيل لأعرابيّ أتُحسِن أن تأكل الرأس؟ فقال: نعم، أبخص (= أقتلع) عينيه، وأسحي (= أقشّر) خديْه، وأفكّ لحييْه (= فكّيْه)، وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج مني إليه"! فإن أدركتكَ شفقةً عليهم –عزيزي القارئ- فأبشّرك بأنهم لم يكونوا يشعرون بتعاستهم، لأنهم لم يعرفوا غيرها، وإنما تجري التعاسة مع المقارنة ووجود البديل. وقد سُئل أحد بني أسد عن معيشتهم في البادية، فأجاب سائله جواب الراضي: "طعامنا أطيب طعام وأهنؤه وأمْرَؤه (= أطيبه)، الغثّ (= نوع من الخبز)، والهَبِيد (= حب الحنظل)، والفَطْس (= حبّ الآس)، والعَنْكَثُ (= نبات)…، والعِلْهِز (= دم الجمل ووبره المشوي)، والعراجين (= نوع من الكمأة)، والضِّباب (= جمع ضبّ)، واليرابيع والقنافذ والحيات؛ فما أرى أن أحدًا أحسن منا عيشًا وأرضى بالًا"!! وقد وجد الشعوبيون من الفرس في هذا مطعنًا على العرب، حتى قال كاتبهم الوزير الساماني أحمد بن محمد الجيهاني (ت 375هـ) إن العرب "يأكلون اليرابيع والضِّباب والجرذان والحيات..، وكأنهم قد سُلخوا من فضائل البشر، ولبسوا أُهُبَ (= جلود) الخنازير، ولهذا كان كسرى يسمّي مَلِكَ العرب ‘سَكَان شاه‘، أي ملك الكلاب. وهذا لشبههم بالكلاب وجرائها والذئاب وأطلائها (= أولادها)". لم يعرف معظم العرب في الجاهلية وبداية الإسلام ثقافة غذائية غنية بسبب شظف العيش ببلادهم (مواقع التواصل الاجتماعي) ردود مفحمة وقد سطر لنا أبو حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ) ردًّا مُفحِمًا على صاحبنا الجيهانيّ الشعوبي؛ فقال: "أتُراه لو نزل ذلك القفر وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوي وتلك الفيافي الموامي كلُّ كسرى في الفرس، وكل قيصر في الروم، وكل بلهور كان بالهند، وكل خاقان بالترك، ما كانوا يعدون هذه الأحوال، لأنه من جاع أكل ما وجد، وطعِم ما لحق، وشرب ما قدر عليه، حبًا للحياة وطلبًا للبقاء، وجزعًا من الموت وهربًا من الفناء…؛ أترى [كسرى] أنوشروان (ت 579م) إذا وقع إلى فيافي بني أسد وبَرّ وَبَارٍ (= قبيلة يمنية) وسفوح طيبة ورمْل يَبْرين..، وجاع وعطش وعري، أما كان يأكل اليربوع والجرذان، وما كان يشرب بول الجمل.. وما أسِنَ في تلك الوهْدات؟!"؛ قلنا: بلى والله! وقد سبق أبا حيان وعيُ بعض الأعراب بالزمن الحضاري في الجواب على هذه المقولات؛ ففي أدب الكاتب لأبي بكر الصولي (ت 339هـ) خبر مناظرة بين فارسيّ وعربيّ عند الوزير العباسي الفارسي يحيى بن خالد البرمكي (ت 190هـ)، حيث يقول الفارسيّ: "ما احتجنا إليكم قطُّ في عمل ولا تسمية، ولقد ملكْتم فما استغنيتم عنا في أعمالكم ولا لغتكم، حتى إن طبيخكم وأشربتكم ودواوينكم وما فيها على ما سمّينا، ما غيرتموه! فقال الأعرابي: اصبر لنا نملك كما ملكتم ألف سنة بعد ألف سنة كانت قبلها، [فإننا بعدها] لا نحتاج إليكم ولا إلى شيء كان لكم"! ومع ذلك كله كان العربيّ عنيدًا كعادته في الدفاع عن ذائقته في الطعام، لا يعدم حيلة في الذبّ عنها؛ فقد حكى الدينوري أنه "أُدخِل أعرابي على كسرى ليتعجب من جفائه وجهله، فقال: له أي شيء أطيب لحمًا؟ فقال: الجمل..، فقال كسرى: كيف يكون الجمل أطيب من البط والدجاج والفراخ والدُّرّاج والجِداء (= جمع جَدْي)؟ فقال الأعرابي: يُطبخ لحم الجمل بماء وملح، ويُطبخ ما ذكرتَ بماء وملح؛ حتى يُعرف فضل ما بين الطعمين"! وأنت إذا أكلت لحم الجمل بانت لك حجة صاحبنا الأعرابيّ، فإنه من أطيب اللحوم ويستقلُّ بنفسه عن التوابل والمطيبات. وقد يلين مزاج العربيّ فيُفيد من زيارته لقصور الملوك، ويعود لقومه بوصفة طيّبة كحلوى "الفالوذج"؛ فأول من نقلها إلى العرب -بعد أن تناولها على مائدة كسرى- الزعيم القرشي عبد الله بن جدعان (ت 592م)، فأخذ معه غلامًا من الفرس ليصنعها له في مكة فكان يعدّها ويدعو الناس إليها. وقد حفظ لنا وصفتها الشاعر أمية بن أبي الصلت (ت 5هــ) في قوله في شعره إنها "لُباب البُرّ يُلبك بالشهاد"؛ فهي بُرّ يُخلط به العسل. بيد أنه لم يكن يتقدم التمرَ عندهم شيءٌ من الحلويات لأنه لا توجد حلوى تتجاوز البطن وتصل إلى الكعب سواه، قال بعضهم: "تمرنا جرد فطس، يغيب فيه الضرس، كأن نواه ألسنة الطير، تضع الثمرة في فيك فتجد حلاوتها في كعبيْك"! وقد بقيت هذه العقيدة الذوقية لدى الأعراب راسخة لا يزحزحها شيء؛ ففي ‘عيون الأخبار‘ عن الإمام اللغوي أبي عمرو بن العلاء البصري (ت 158هـ) أن الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95هـ) قال "لجُلّاسه: ليكتب كل رجل في رقعة أحب الطعام إليه، ويجعله تحت مصلّاي (= سجادتي)؛ فإذا في الرقاع كلّها: الزبد بالتمر"! وكان الإصرار على أكل بعض ألوان الطعام واعتيادها يوجب سخرية من أصحابها، وقد تشتهر قبيلة بأكلة فتعيَّر بها؛ فقد كانت قبيلة مُجاشع بن دارم تعاب بـ"الخزيرة" وهي حساء من دسم ودقيق ولحم، كما عُيّرت قريش بـ"السخينة" (= نوع من الحساء) حتى هجاهم حسان بن ثابت (ت 50هـ) بقوله: زعمتْ سخينةُ أنْ ستَغلِب ربَّها ** ولَيُغْلَبَنّ مُغالِبُ الغَلّابِ! تمحور المطبخ العربي قبل الفتوح حول منتجات البيئة النباتية المحيطة وهيمنت على مائدته اللحوم (مواقع التواصل الاجتماعي) نباتي فريد لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم مولعًا بالطعام لكنه كان يستحسن بعض ألوانه كالدُّبّاء (= القرع)، فيما أخبر عنه أنس بن مالك رضي الله عنه (ت 93هـ)؛ وكان يحب البطيخ والرُّطَب وربما جمع بينهما. فقد نقل ابن حجر العسقلاني (ت852هـ) -في ‘فتح الباري‘ بسند وصفه بالضعف وعزاه لأبي نعيم الأصفهاني (ت 430هـ)- حديث أنس أن النبي (ص) "كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه". وذهب ابن حجر إلى أن البطيخ المقصود في الحديث هو البطيخ الأصفر المسمى في الحجاز "الخِرْبِزَ"، وليس البطيخ الأخضر. ويرجّح ما ذهب إليه ابن حجر ما رواه أحمد (ت 241هـ) -في مسنده- عن أنس رضي الله عنه بإسناد صحيح قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرطب والخربز". ولم يكن الطعام لديهم لسد الجوع والتفكّه فحسب، وإنما يدخل في بعض المعالجات الطبية والتجميلية، فربما استخدموا التمر مع بعض الثمار الأخرى لأغراض تسمين البنات، إذ كان من قواعدهم ما حكاه الإمام عامر الشَّعبي (ت 103هـ) من أن "حلي النساء الشحم"؛ وفقا لياقوت الحموي (ت 626هـ) في ‘معجم الأدباء‘. فقد أخرج ابن ماجه (ت 273هـ) عن أم المؤمنين عائشة (ت 58هـ) أنها قالت: "أرادت أمي [أن] تعالجني للسُّمنة لتُدخلني على النبي صلى الله عليه وسلم، فما استقام لها ذلك حتى أكلتُ الرطب بالقُـثّاء، فسمنتُ كأحسن سُمْنة". وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم سيرة العرب الأولى فلم يتكثّروا من الطعام، ولم يتفننوا في الطبيخ، وإنما كانوا يألفون ما يعتادونه؛ فالدينوري يروي عن أنس بن مالك أنه قال: "رأيت عمر بن الخطاب (ت 23هـ) يُلقى إليه الصاع من التمر فيأكله حتى حشفه"، أي رديئه. وفي ‘الطبقات الكبرى‘ لابن سعد (ت 230هـ) عن عبد الله بن عمر (ت 73هـ): "رأيت عمر يتحلّب فُوه (= فمه) يقول: أشتهي جرادًا مقليًّا"! ووجدنا عند بعض أعلامهم برنامجًا غذائيًا خاصًا بهم؛ ففي ‘عيون الأخبار‘ أن سيّد بني العنبر عبد الله بن حبيب العنبري كان يقال له "آكل الخبز"، لأنه كان لا يستسيغ أكل التمر ولا يحب شرب اللبن. ومثله الصحابي عبد الله بن عبد الملك الغفاري (ت 8هـ) الذي كان يُسمّى "آبي اللحم لأنه كان.. لا يأكل اللحمَ"، وهو أول من عرفناه من النباتيين العرب، فلم يكن يأكل اللحم كما يشير إلى ذلك اسمه. توسعت وصفات المطبخ العربي أيام الأمويين بروافد حضارية ثرية في مجال ثقافة الطعام (الجزيرة) قفزة الفتوح كان للفتوح الإسلامية لبلاد الشام والعراق وما تبعها من احتكاك بالحضارات القديمة أثر كبير على ثقافة الطعام وطرق الطبيخ لدى العرب؛ فقد فتح العربي فمه -بعد فتحه لهذه الأمصار- ليطعم من طيبات ما فيها، وأخذت تتنامى ظاهرة جديدة هي الشَّرَه في الطعام. ويرصد لنا كمال الدين الدَّمِيري (ت 808هـ) -في ‘حياة الحيوان الكبرى‘- هذه الحركة في عصر بني أمية فيقول: "لقد أخذوا بأطراف الحضارة منذ أيام بني أمية، وأولُ من قلّد الأعاجم بأسباب الترف والنعيم معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ)، فقد تنعّم فيما تنعم بمأكله ومشربه.. واحتذى به خلفاؤه من بعده". ونقل لنا المسعودي (ت 346هـ) -في ‘مروج الذهب‘- عددَ وجبات أول ملوك بني أمية فقال: "كان معاوية يأكل في كل يوم خمس أكلات وآخرهن أغلظهن، ثم يقول يا غلام ارفع، فوالله ما شبعت ولكن مللت"! ويزيد الإمام المحدّث ابن كثير (ت 774هـ) -في ‘البداية والنهاية‘- عدد وجبات معاوية بقوله إنه "لمّا صار إلى الشام أميرا كان يأكل في اليوم سبع مرات، يُجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا"! ثم يعلق الإمام قائلا: "وهذه نعمة ومَعِدة يرغب فيها كل الملوك"!! وقد كانت لمعاوية قصص طريفة مع شهيته المفتوحة وضيوفه؛ فمن ذلك ما يحكيه الجاحظ (ت 255هـ) -في ‘البخلاء‘- من أن معاوية كان يحب القبة (= الكبّة الأكلة السورية المعروفة)، وتغدى معه ذات يوم صعصعة بن صوحان (ت 60هـ) فتناولها من بين يديْ معاوية، فقال معاوية: إنك لبعيد النُّجعة (= طلب الكلأ)، فقال صعصعة: من أجدب انتجع"! وقد أورثت هذه الشهية ضررًا بصاحبها وغيّرت في رسوم الأمراء؛ فكان معاوية أول من يخطب جالسًا لزيادة وزنه، كما أنه أول من استحضر الأطباء على مائدته للإشراف الطبي عليها وتقديم المشورة الصحية، فكان طبيبه الخاص يقف بين يديه ويعاين الطعام وينهاه عمّا فيه مضرة له، ولكن شهية أمير المؤمنين لم تكن تحبّ الالتزام بالتعليمات الطبية باستمرار. يروي أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني (ت 390هـ) -في ‘الجليس الصالح الكافي‘- أنه "حجَّ معاوية وكان عامله على المدينة مروان (بن الحكم المتوفى 65هـ)؛ فلما ورد المدينة هيأ له مروان طعاماً فأكثر وجوّده، فلما حضر الغداء جاء متطببٌ نصراني لمعاوية فوقف وجعل إذا أتى لونٌ قال: كُلْ يا أمير المؤمنين من هذا، وإذا أتى لونٌ ظن أنه لا يوافقه، قال: لا تأكل من هذا. فلما كان في بعض غدائهم، أقبل زنجيان مؤتزران بربطتين بيضاويْن يَدْلَحانِ (= يمشيان متثاقليْن) بجفنةٍ لها أربع حلقات مترعةً حيساً، فلما رآها معاوية استشرف (= تطلّع) لها وحسر عن ذراعيه، فقال له الطبيب: أي شيءٍ تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد والله أن أواقع ما ترى، قال الطبيب: أمزق ثيابي! فقال معاوية: ولو مزقت بطنك، فجعل.. يقذف في جوفه حتى إذا نهل، قال: يا مروان! ما حيسكم هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، عجوةٌ ناعمة، وإقطةٌ مُزَنية، وسَمْنةٌ جُهَنية، قال: هذه والله الأشفية (= جمع شِفاء) جُمعت، لا كما يقول هذا النصراني". وكان هذا حنينًا من معاوية إلى طعامه الذي ألفه في شبابه، ونوعا من نوستالجيا العربي بعد أن ملّ من ألوان الطبيخ الرومي في دمشق! وكان من أعلام "الأَكَلة في صدر الإسلام" -كما سماهم المسعودي في ‘مروج الذهب- كلٌّ من: الخليفتين سليمان بن عبد الملك (ت 99هـ) وهشام بن عبد الملك (ت 125هـ)، والوالييْن عُبيد الله بن زياد (ت 67هـ) والحجاج بن يوسف (ت 95هـ). وكان أعتاهم في ذلك سليمان بن عبد الملك؛ فقد ذكر الذهبي (ت 748هـ) -في ترجمته له في ‘سير أعلام النبلاء‘- أنه "كان من الأكَلة حتى قيل إنه أكل مرة أربعين دجاجة، وقيل أكل مرة خروفا وست دجاجات وسبعين رمانة، ثم أتِي بمكُّوكِ (= مكيال) زبيبٍ طائفي فأكله". وفي ‘ربيع الأبرار‘ للزمخشري (ت 538هـ): "كان سليمان بن عبد الملك ثعباني الالتهام لقماني الالتهام، على أن جميع المروانية كانوا أمثالا في الأكل"!! وربما نكّد عليه بعض ضيوفه خلوته بطعامه؛ ففي ‘العقد الفريد‘ لابن عبد ربه (ت 328هـ): "نزل أعرابي على سليمان بن عبد الملك وأخذ يأكل معه، فلما جاء الفالوذج أخذ يُسرع فيه، فقال سليمان: أتدري ما تأكل يا أعرابي؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأجد ريقًا هنيًا ومُزْدَرَدًا (= ابتلاعا) لينًا، وأظنه الصراط المستقيم الذي ذكره الله في كتابه"! وقد مات سليمان هذا بالتخمة فيما يقال. العصر العباسي شهد أوج ازدهار ثقافة الطبخ فتعددت مكونات الطعام وصنفت الكتب في صناعته (مواقع التواصل الاجتماعي) اقتباس حضاري أما ما استفاده المطبخ العربي من الانفتاح على الحضارتين الرومانية والفارسية؛ فيلخصه لنا ما يرويه الدينوري عن الأصمعي حاكيا لنا حكم شيخ عربي كان متورطا في مفاضلة ذوقيّة بين مطبخ فارس ومطبخ الروم؛ فيقول: "اختصم رومي وفارسي في الطعام فحكّما بينهما شيخًا قد أكل طعام الخلفاء، فقال: أما الرومي فذهب بالحشْو والأحشاء، وأما الفارسي فذهبَ بالبارد والحلواء"! ومن هذا يتحصل لدينا أن المطبخ الشامي متأثر بالرومي في كببه ومحاشيه، وأما الحلوى والبارد فهما إرث فارسي. ولذلك تجد معجم الحلويات العربي مليئا بالكلمات الفارسية؛ مثل: الجلاب (بالجيم المصرية) وهو الورد المعقود بالسكر، واللوزينج (= حلوى كالقطائف تحشى بدهن اللوز)، والخُشكَنان وهو كعك من خالص الحنطة محشي بالسكر والجوز أو اللوز. انتقل المطبخ العربي نقلة نوعية مع خلافة العباسيين ليشهد أوج تميّزه وتفننه، ولئن كانت علاقة الأمويين مع الطعام علاقة المنهوم المقبل على ما لم يعهده لبساطة البيئة التي جاؤوا منها، فإن سلوك العباسيين كان أكثر تركيبًا مع محافظتهم على قوة الشهيّة، فقد توجّه خلفاء بني هاشم إلى مقاربة الطعام مقاربة طبيّة بعد أن رأوا مصارع سليمان بن عبد الملك والأكَلة من بني مروان، وحفظوا قول الطبيب اليوناني جالينوس (ت 210م): "إن العلم بقُوى الأغذية قريب من أن يكون أنفع علوم الطب كلها". وهكذا أخذوا يستكتبون الأطباء؛ فقد ذكر النديم (ت 384هـ) -في ‘الفهرست‘- عناوين 12 مؤلفا من كتب الطبخ، وأشار إلى أن هذا النوع من الكتب أُلِّف في القرنين الثاني والثالث إجابة لرغبة بعض الخلفاء، لفهم علاقة الأغذية بصحة الجسم. ومن أوائل الكتب الشاملة التي تناولت هذا الموضوع كتاب ‘منافع الأغذية ودفع مضارها‘ للرازي (ت 311هـ)، الذي لم يكن راضيًا عن إنتاج كلّ مَن سبقه مِن المؤلفين في هذا الباب، فانتقد الكتب المؤسسة له مثل كتابٍ "عمِلَه الفاضل جالينوس، فإنه سها وغلط في كثير من كتابه". وقد سبقه كتاب الطبيخ لابن ماسويه الصيدلاني (ت 243هـ) ولكنه كان كتابًا تقليديًا لم يتجاوز عقلية الناقل الحافظ لما وجده من كتب يونان، فعرّض به الرازي في كتابه الذي أشرنا إليه آنفًا. ثم كتاب ابن سيار الوراق (القرن الرابع الهجري) المسمى ‘كتاب الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات وطيبات الأطعمة المصنوعات مما استُخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل اللب‘؛ وقد وصلنا وطُبع. ثم جاءت من بعد ذلك مجموعة صالحة من كتب هذا الفن ككتاب ابن جزلة البغدادي (ت 493هـ) ‘منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان‘ (مطبوع)، وهو كتاب في الطب يتناول خصائص الطعام؛ و‘الجامع لمفردات الأدوية والأغذية‘ (مطبوع) لابن البيطار الأندلسي (ت 646هـ)، وهو معجم طبي علاجي احتوى على 1400 مادة غذائية ودوائية؛ و‘منهاج الدكان ودستور الأعيان في أعمال وتراكيب الأدوية النافعة‘ لابن أبي نصر العطار اليهودي (القرن السابع الهجري). يقدم المؤرخون أرقاما مثيرة عن موائد الخلفاء والوزراء وما احتوت عليه من بذخ كبير في أصناف طعامها (الجزيرة) حاضنة فنية وقد فات ابن النديم أن يشير إلى أن المؤلفين في فن الطبيخ كانوا يتعاملون معه تعاملا فنيًا، لاشتغال كثير من مؤلفيه بالفنون الجميلة، وهذا ما نجده عند سرد أسمائهم؛ فهذا ‘كتاب الطبيخ‘ للحارث بن بُسْخُنَّر وهو من مغني الخليفة المأمون (ت 218هـ)، و‘كتاب الطبيخ‘ لعلي بن يحيى المنجم الأديب (ت 215هـ)، و‘كتاب الطبيخ‘ لإبراهيم بن المهدي (223هـ) وهو أخو هارون الرشيد (ت 193هـ) لأبيه وكان من كبار الموسيقيين، و‘كتاب الطبيخ‘ لإبراهيم الصولي الكاتب والشاعر (243هـ)، وكتابا الطبيخ والسكباج لجحظة البرمكي (ت 324هـ) وهو شاعر ومغنٍّ. بلغ الترف والسرف غايتهما في الموائد وإعداد الطعام أيام حكم بني العباس؛ فكانت نفقة بعضهم على مطبخه تقارب ميزانية بعض وزاراتنا العربية اليوم، حيث كانت "قائمة الطعام" (Menu) لدى الرشيد تشتمل على ثلاثين لونًا من الطعام في اليوم الواحد، وكان ينفق عليها يوميا 10 آلاف درهم (= اليوم 12000 دولار أميركي تقريبا)؛ حسبما ذكره المسعودي في ‘مروج الذهب‘. ولما تزوج الرشيد ابنة عمه زبيدة بنت جعفر (ت 216هـ)؛ أنفق خمسة وخمسين مليون درهم (= اليوم 68 مليون دولار أميركي تقريبا) على وليمة العرس؛ كما يقول قاضي القضاة المؤرخ ابن خلّكان (ت 681هـ) في ‘وفيات الأعيان‘. وكانت نفقة المأمون (ت 218هـ) اليومية ستة آلاف دينار (= اليوم مليون دولار أميركي تقريبا) ينفق منها مبلغًا كبيرا على مطابخه، ويكفي أن تعرف أن مائدته ربما احتوت على 300 نوع من الطعام. فقد نقل مؤرخ الخلفاء العباسيين ابن طيفور المروزي (ت 280هـ) -في تاريخه ‘كتاب بغداد‘- عن عالم بغدادي اسمه جعفر بن محمد الأنماطي أنه تغدى يوما مع المأمون بحضرة عشرات من العلماء؛ ووصف مائدته قائلا: "فظننتُ أنه وُضع على المائدة أكثر من ثلاثمئة لون، فكلما وُضع لون نظر المأمون إليه فقال: هذا يصلح لكذا وهذا نافع لكذا"!! وابن طيفور هذا يصفه الحافظ الخطيب البغدادي (ت 463هـ) -في ‘تاريخ بغداد‘- بأنه "من أهل الفهم المذكورين بالعلم". وينقل لنا مؤلف ‘الرسالة البغدادية‘ صورة واضحة وشاعريّة لموائد بغداد في القرن الرابع الهجري؛ فيقول: "فنرى الرغيف الذي رُشّت عليه الحبة السوداء حتى أصبح كالبدر منقطًا بالنجوم، واللقمة منه تُبلغ القلبَ مُنى شهوته، والجبن الذي تدمع عين آكله من حرافته كأنه فارق أحبابه، والجوز الذي طعمه أحلى وألذّ من العافية في البدن، والمائدة التي كأنها عروس مجليّة". وقد صرت -بعد قراءة هذا الوصف- ألتمس العذر لوالي البصرة ابن دهقانة العباسي (القرن الثالث الهجري) في قوله الذي أورده الشابشتي (ت 388هـ) في ‘الديارات‘: "قد أكَلتُ حتى زَمِنْتُ (= ضعفتُ)، وأريد [أن] آكل حتى أموت"! وعلى سعة الخيارات كان اختلاف الأذواق؛ فوجدنا المأمون يميل إلى لحم الغنم، وقد قال لكاتبه الحسن بن سهل (ت 236هـ) يوماً: نظرت في اللذات فوجدتها كلها مملولة، سوى سبعة. قال الحسن: وما السبعة يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة، ولحم الغنم، والماء البارد.."؛ وفقا للإمام الطرطوشي المالكي (ت 520هـ) في ‘سراج الملوك‘. وكان المأمون متشبعًا بثقافة الطعام وخصائصه الصحية كما مرّ في خبر الأنماطي، وكان خبيرا بالأوقات المناسبة لتناول أصنافه؛ قال ابن طيفور: "بلغني أن المأمون قال لأبي كامل الطباخ يوماً..: اتخذ لنا رؤوس حملان تكون غداءنا غداً…، وقال: إن من آيين (= قواعد تناولها) الرؤوس أن تؤكل في الشتاء خاصة، وأن يُبكِّر آكلها عليها، وألا يُخلط بها غيرها، ولا يُستعمل بعقبها الماء". كما هيمنت لحوم الإبل والغنم على المطبخ العربي القديم فإن لحوم الدجاج والسمك كانت سيدة المائدة في العصور اللاحقة (الجزيرة) ذوق خاص ويبدو أن المأمون كان مختلفًا عن أسرته وذوق الطبقة المترفة بتفضيله للحم الغنم؛ فالجاحظ يقول -في ‘الحيوان‘- إن "ملوكنا [العباسيين] وأهل العيش منا لا يرغبون في شيء من اللُّحمان رغبتهم في الدجاج..، وهم يأكلون الرواعي كما يأكلون المسمَّنات"؛ ولعل رغبتهم في الدجاج لأنه أكثر اللحوم تصرّفا، فهو يدخل في وصفات مطبخية كثيرة. وقد بالغوا في استجادة الدجاج واستطعامه، حتى إن فراريجهم كانت "تُعلَف الجوزَ المقشَّر وتُسقى اللبنَ الحليب" ليكون ذلك زيادة في جودة لحمها؛ كما يخبرنا ابن أبي أصيبعة (ت 668هـ) في ‘طبقات الأطباء‘. ولم يكن بعض الوزراء يحتكر لذة الطعام دون الناس؛ فكان بعضهم يستلذّ بإطعامه كما يلتذّ بتناوله. نقل أبو إسحق الصابئ (ت 384هـ) -في ‘كتاب الوزراء‘- أن الوزير العباسي ابن الفرات (ت 327هـ) كان عنده مطبخان أحدهما للخاصة والآخر للعامة، ويقدَّم للأخير تسعون رأسًا من الغنم وثلاثون جديًا ومئات الدجاج. ونقل الذهبي -في ‘تاريخ الإسلام‘- عن ملِك فارس عمرو بن الليث الصفار (ت 289هـ) قوله: "كان مطبخي يُحمل على ستمئة جمل"! وأما أخوه -الذي تولى المملكة قبله- يعقوب بن ليث الصفّار (ت 256هـ) فكانت القدور في مطبخه تتسع إحداها لأربع من الماعز! ومن طقوس الطعام التي تفنن فيها ملوك بني العباس إجراؤهم لمسابقات الطبيخ ومشاركتهم فيها، ويحكي لنا المسعودي -في ‘مروج الذهب‘- مسابقة طريفة في ذلك كان من المشاركين فيها المأمون وولي عهده المعتصم (ت 227هـ). وقد يشتهي أحدنا "طعام الشوارع" (STREET FOOD) ويرى له مزيّة على طبخ البيت أو المطعم مع ورود مخاطر عدم النظافة فيه، لكنْ ثمة سرٌّ في أكل الشوارع قديم لم نهتدِ إليه منذ أيام المتوكل (ت 247هـ) وإلى اليوم. فقد حكى المسعودي عن الوزير العباسي الفتح بن خاقان (ت 247هـ) أنه قال: "كنت عند المتوكل وقد عزم على الصبوح بالجعفري (= أحد قصوره)، وقد وَجَّه خلف الندماء والمغنين، قال: فجعلنا نطوف وهو متكئ علي وأنا أحادثه، حتى وصلنا إلى موضع يشرف منه على الخليج، فدعا بكرسي فقعد عليه وأقبل يحادثني، إذْ بصُر بسفينة مشدودة بالقُرْب من شاطئ الخليج، ومَلّاح بين يديه قدر كبيرة يطبخ فيها سكباجاً (= لحم يُطبخ بالخلّ) من لحم بقر، وقد فاحت روائحها، فقال: يا فتحُ، رائحة قِدر سكباج واللّه! ويحك، أما ترى ما أطيب رائحتها! عليَّ بها على حالها. فبادر الفراشون فانتزعوها من بين يدي الملاحين..، وجاءوا المتوكل بالقدر تفور كهيئتها، فوُضعت بين أيدينا، فاستطاب ريحها واستحسن لونها، ودعا برغيف فكسر منه كسرة ودفعها إليَّ، وأخذ هو منه مثلها، وأكَل كل واحد منا ثلاث لُقم، وأقبل الندماء والمغنون، فجعل يلقم كل واحد منهم لقمة من القدر، وأقبل الطعام ووُضعت الموائد. فلما فرغ [المتوكل] من أكله أمر بتلك القدر ففرغت وغُسلت بين يديه، وأمر أن تُملأ دراهم، فجيء بَبَدرة (= مبلغ كبير) ففُرغت فيها، فَفَضَلَ من الدراهم مقدار ألفيْ درهم، فقال لخادم كان بين يديه: خذ هذه القدر فامض بها حتى تدفعها لأصحاب السفينة، وقل لهم: هذا ثمن ما أكلنا من قدركم، وادفع إلى مَنْ طبخها ما فضل من هذه البَدْرَة منِ الدراهم هِبَةً له على تجويده طبخها. قال الفتح: فكان المتوكل كثيراً ما يقول إذا ذُكر قِدر الملّاح: ما أكلتُ أحسن من سكباج أصحاب السفينة في ذلك اليوم"!! وجلس الخليفة المستكفي (ت 338هـ) يومًا فجعل "منيو" (Menu) مائدته ما يرد في محفوظ جلسائه من أوصاف الطعام في الشعر، وقال هاتوا فليس نأكل اليوم إلا ما تصفون؛ فوُصفت له كوامخ (= نوع من الإدام) من شعر ابن المعتز (ت 296هـ)، وسلّة بَوارِد (= بُقول تطبخ بمواد حامضة) من شعر أبي الفتح الرملي المعروف بـ‘كَشاجم‘ (ت 360هـ)، وسنبوسج (أو السنبوسك/ السنبوسق = السنبوسة) من شعر لإبراهيم الموصلي (ت 188هـ). وقد جدّت أمور أيام العباسيين في المطبخ وتنوّعت المواد المحضّرة للأكل، مثل زيت النارجيل الذي كان يطيّب به الأرز؛ كما يفيدنا الثعالبي (ت 429هـ) في ‘يتيمة الدهر‘. ويحكي لنا ابن بطوطة (ت 779هـ) -في رحلته- عن طريقة استخراج هذا الزيت؛ فيقول: "يأخذون النارجيل بعد نضوجه وسقوطه من شجره فيزيلون قشره ويقطعونه قطعا ويُجعل في الشمس، فإذا ذبُل طبخوه في القدور واستخرجوا زيته". إضافة لوجود محلات المطاعم يقدم المؤرخون قصصا تفيد بوجود ظاهرة ما يسمى اليوم "أطعمة الشوارع" (الصحافة الأجنبية) نظافة غذائية وقد اهتموا ببيئة صنع الطعام ونظافة العاملين فيها؛ فأوجبوا على الطباخ قص أظافره وغسل يديه على الدوام، وغسل قدوره مرات حتى بلغ الحال ببعضهم ألا يرى الطبخ في قِدر الفخار مرتين، ويرى استبدالها كل يوم لتنقيتها من رواسب الطعام المفسدة للطبخ والضارة بالصحة؛ كما يقول ابن سيار في ‘كتاب الطبيخ‘. وحكى علاء الدين الغزولي (ت 815هـ) -في ‘مطالع البدور‘- أن أحدهم كان يطيل غسل يده ويقول: "حُكم اليد أن يكون زمانُ غسلها بمقدار زمان أكلها". وموضوع النظافة ينقلنا إلى الهيئة الرسمية التي كانت تخصَّص لمراقبة الجودة والنظافة في أسواق المسلمين، وهي جهاز "الحسبة". وفي كتب أصحابها تفاصيل وافية عن أحوال المطاعم العامة والأفران التي يطعم منها عوام الناس، ومنهم جلال الدين الشيزري الشافعي (ت 590هـ) الذي تولى رئاسة الحسبة في وقته، وكتب كتابه الماتع ‘نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة‘، الذي يضعنا في قلب أسواق الشام في القرن السادس الهجري وخاصة المطاعم، إذ خصص قرابة نصف أبواب الكتاب (15 بابا) لأصحاب المهن المرتبطة بالطعام صناعةً وتمويناً. يذكر لنا الشيزري شروط الجودة والنظافة لدى الخبازين فيقول: "ينبغي أن تُرفع سقائف حوانيتهم، ويُجعل في سقوف الأفران مَنافِس (= مداخن) واسعة يخرج منها الدخان لئلا يتضرر بذلك المسلمون، وإذا فرغ الخبّاز من إحمائه مسح داخل التنور بخرقة نظيفة..، ويأمرهم المحتسب بنظافة أوعية الماء وتغطيتها، وغسيل المعاجن ونظافتها، وما يغطى به الخبز، وما يُحمل عليه، ولا يعجن العجّان بقدميه ولا بركبتيه ولا بمرفقيه لأن في ذلك مهانة للطعام، وربما قطر من عرقه.. فلا يعجن إلا وعليه مِلْعَبَةٌ (= ثوب بلا كُمٍّ) أو بِشْتٌ (= عباءة صوف) مقطوع الأكمام، ويكون ملثّمًا (= يلبس كمّامة) لأنه ربما عطس أو تكلم فسقط شيء من بصاقه في العجين، ويشدّ على جبينه عصابة بيضاء لئلا يعرق فيسقط شيء منه في العجين، ويحلق شعر ذراعيه لئلا يسقط منه شيء في العجين…". وقد كانت الرقابة دقيقة على المطاعم فشملت مكافحة أنواع الغش في الغذاء، وفرض إجراءات نظافة صارمة للأواني التي يحضّر فيها الطعام، ونظافة صانعه، وسلامة المواد والمكونات من الغش والخلط، وتخصيص الأفران والتنانير لكل نوع من الطعام، فلا يخبز الخبز في تنور يُشوى فيه السمك، وأوجبوا تغيير زيت القلي. كما فرضوا على الخبازين الذين يوفرون خدمة "توصيل الخبز" إلى المنازل (Delivery) أن "يكون غلمانهم وأجراؤهم صبيانا دون البلوغ، لأنهم يدخلون بيوت الناس وعلى نسائهم"؛ وفقا للشيزري. ويظهر لنا من كتاب الشيزري أن عموم الأطعمة من خبز وحلويات ولحوم كانت تباع بالوزن، ولذلك كانوا يشدّدون الرقابة على دقة الموازين؛ ففي باب الحسبة على الشوائين يقول: "ينبغي على المحتسب أن يزن عليهم الحملان قبل إنزالها [في] التنور ويكتبها في دفتره، ثم يعيدها إلى الوزن بعد إخراجها، فإن كان الشواء قد نقص منه الثلث فقد تناهى نضجه..، ويعتبره (= يختبره) عند وزنه وهو لحمٌ لئلا يُخْفوا فيه صنج الحديد وثقاقيل الرصاص، وعلامة نضج الشواء أن يجذب الكتف بسرعة فإن جاءت فقد انتهى في النضج، وأيضًا يُشقّ الورك فإن ظهر فيه عروق حمر ونزل منها ماء اللحم فهو نيْءٌ". كما ينبّه الشيزري إلى منع الخلط في طبخ اللحوم "فلا تطبخ لحوم الضأن ولا لحوم الإبل مع لحوم البقر، لئلا يأكلها ناقِهٌ (= متماثل للشفاء) من المرض فتكون سببًا لنكسه (= انتكاس صحته)". كما ينبّه المحتسبَ إلى أساليب غش صنّاع النقانق الذين يخلطون اللحم بالكلى والبصل والتوابل، "ومنهم من يحشو السنبوسك بلحوم السمك المشوية والتوابل، ومنهم من يغشها بالباقلا.. المقشور وبياض البصل. ويُعرف جميع ذلك بأن يشق [المحتسب] النقانق قبل قليها، فيظهر ما فيها للعين". جهاز "الحسبة" كان يتولى مهمة الإشراف الدقيق على صحة ونظافة صناعة الطعام في جميع مراحلها (الجزيرة) غش كيميائي ويشير الشيزري إلى نوع متقدّم من الغشّ تدخل فيه صنعة الكيمياء الغذائية التي ذكرها يعقوب الكندي (ت 256هـ) في كتابه الغريب العنوان في زمانه ‘كيمياء الطبائخ‘. ومن ذلك "ألوان لحم تُبطخ من غير لحم، وقلْيْ كبود من غير كبود، ونقانق من غير لحم، وعجّة من غير بيض، وحلاوة من غير عسل ولا سكّر، وأنواع من غير عناصرها يطول شرحها". وقد أضرب الشيزري عن ذكرها مبررًا ذلك بقوله: "ولولا أني أخاف أن أنبّه من لا دين له على غشّ الأطعمة لذكرتُ من ذلك جُمَلًا كثيرة". ولم يكن الطبخ مقتصرًا على الذكور فحسب، وإنما كانت الجواري يبرعن فيه ولا سيما في عهد الفاطميين؛ حيث يذكر لنا المقريزي (ت 845هـ) -في ‘السلوك في أخبار الملوك‘- وجود الجواري الطباخات في قصورهم، ويقول: "ولهنّ في الطبخ صناعة عجيبة ورئاسة متقدمة". ويضيف أنه كانت في دار أحد أصدقائه جاريتان "تُحسن كل واحدة منهما ثمانين لونًا من التقالي سوى بقية ألوان الطعام"! ويشهد على تميز الطباخات المصريات وتفننهن أيضا أنه لما أراد ملك ديار بكر نصر الدولة ابن دوستك الكردي (ت 453هـ) أن يبلغ طهاته مستوى رفيعًا في إجادة صنعة الطِّباخة لم يرسل إلى بغداد مع قربها من بلاده، بل أرسل طباخيه إلى مصر ليتعلموا أنواع الأطعمة. بيد أن أبا العلاء المعري (ت 449هـ) كان يرى ألا مزيد على طهاة حلب؛ فقد ذكر -في ‘رسالة الغفران‘- أنهم سيتكفلون بمطبخ الجنة حين ينادي المنادي فيها: "أحضِروا في الجنة من الطهاة الساكنين في حلب على مرّ الأزمان"! وتخبرنا كتب الطبيخ أن موائدنا الرمضانية عريقة النسب في مطابخ المسلمين؛ حيث نجد في كتاب ‘الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب‘ لابن العديم (ت 660هـ) ذكرا لمكونات السُّفْرة الرمضانية، مثل القطايف والحريرة والكسكس المغربي والسنبوسة ولقمة القاضي (= اللقيمات)، و"السوبية" التي قال عنها مجد الدين ابن الأثير (ت 606هـ) -في كتابه ‘النهاية‘- إنها "نبيذ.. يُتخذ من الحنطة، وكثيرا ما يشربه أهل مصر". وهي مشروب رمضانيّ ما زال عند أهل الحجاز إلى اليوم. أما في ‘كتاب الطبيخ‘ لمحمد بن حسن البغدادي (ت 637هـ) فنجد وصفة قديمة لما يسمى اليوم في المطبخ الحديث "الطبخ البطيء" (SLOW COOKING)، وهو ترك الطبق فترة طويلة على النار أو في الفرن. وأطرف ما وقفت عليه -عند البغدادي هذا- أن الطبخة الفرنسية المسماة "لحم البقر بالبورغينيون" (bœuf bourguignon) والتي يُطبخ فيها لحم العجل بالطريقة الفرنسية لمدة ست ساعات، كانت معروفة في وطننا العربي منذ ما قبل القرن السابع الهجري، مع أنها لم تصل إلى العالم الجديد (الأميركتين) إلا في نهايات القرن العشرين، عندما أدخلتها للمطبخ الأميركي عميلة وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) جوليا تشايلد (ت 2004م) حين توجهت للطبخ في آخر حياتها. ويطلعنا البغدادي على الاسم القديم لهذه الأكلة وهو "سكباج تنوري"، وطريقة تحضيرها: "أن يقطع اللحم ويُلقى في القِدر، وتجعل معه الأبازير (= البهارات) والتوابل، ويُحَلّ الدِّبس بالخل (الغربيون اليوم يضعون فيه نبيذ العنب بدلًا من الخلّ)، ويُصبغ ذلك جميعه بالزعفران، ثم يُعدل ملحها، وتُحط في التنور مغطاةَ الرأس من أول الليل إلى بكرة، ثم تُرفع". المائدة الرمضانية ظلت حاضرة طوال التاريخ الإسلامي وبكثير من مكوناتها الحالية (مواقع التواصل الاجتماعي) مطبخ زريابي وفي المطبخ الأندلسي خلال القرن السادس الهجري؛ نجد وصفة "الدجاج المُسحّب" (Boneless chicken) التي جاءت إشارة لها في مخطوط أندلسي مجهول المؤلف يعود إلى القرن السادس الهجري، وقد نشره المستشرق الإسباني أمبروزيو ميراندا تحت عنوان ‘كتاب الطبيخ في المغرب والأندلس في عصر الموحدين‘. ففي هذا الكتاب ورد ذكر للآلات التي ينبغي أن تتوفر لدى الطباخ، مثل: المِهراس الذي يُستحسن أن يكون من الرخام أو الخشب، أما النحاس فإنه يُفسد بعض المدقوقات من الطعام كالملح والثوم والكزبرة الرطبة والبصل والخردل.. لأن النحاس عرضة للصدأ والتغيّر. كما يُتخذ من الخشب الصلب المغارف والملاعق، واللوح الذي يقطّع عليه اللحم، ولوح الحلوى والكعك، وينبغي أن يكون أملس في غاية الصقالة. كما نجد في هذا المخطوط الأندلسي تفضيل الأندلسيين لطريقة تقديم الطعام منجَّمًا أي طبقًا بعد الطبق، دون أن تجمع كل الأطباق والأصناف على المائدة مرة واحدة. ويذكر أن الألوان المقدمة على المائدة الأندلسية كانت تصل إلى سبعة ألوان وخاصة في ولائم الأعراس؛ وكانت يبتدأ فيها بالبقوليات، ويتوسط بالمخلل والمعسل، ثم يفصل بينها لون آخر، ويُختَم بالمعسّل. ثم يقول: "وقد كان كثير من أكابر الناس وأتباعهم رسموا أن يوضع على كل مائدة بين يديْ الرجال ألوان مفردة لون بعد لون آخر مرتبة، وهو لعمري أحسن من أن يجعل أغضِرة (= أواني خزفية) كثيرة كلها على المائدة، وأجمل وأكثر تأدبًا وأطرف، وهي طريقة أهل الأندلس والغرب ورؤسائهم وخواصهم وذوي الفضل من أهلها، من أيام عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) وبني أمية إلى هلم". ونحن نرى أن هذا التقليد لم يزل معمولًا به في بلاد المغرب، مع اختلاف في عدد الأصناف. ولا ينبغي أن نغادر المطبخ الأندلسي والغربي -الذي سنختم به هذه الجولة التاريخية داخل عالم الطبيخ في الحضارة الإسلامية- قبل أن نأتي على ذكر الدور التأسيسي في تطوير هذا المطبخ وتأثيثه بأفانين الطهي، وهو الدور الذي اضطلع به الموسيقار العراقي زرياب الموصلي (ت 243هـ) منذ وصوله إلى الأندلس سنة 206هـ، وربما يكون هو أصل ترتيب المائدة الذي ذكره المؤلف الأندلسي المجهول. فقد قال المقري (ت 1041هـ) -في ‘نفح الطيب‘- إن زرياب أجاد من "مهارة الخدمة الملوكية ما لم يُجده أحد من أهل صناعته [الغنائية]، حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنّه لهم من آدابه واستحسنه من أطعمته، فصار إلى آخر أيام أهل الأندلس منسوبا إليه معلوما به: فمن ذلك… مما اخترعوه من الطبيخ: اللونُ المسمى عندهم بالتفايا، وهو مصطنع بماء الكزبرة الرطبة محلى بالسنبوسق والكباب، ويليه عندهم لون التقلية المنسوبة إلى زرياب. ومما أخذه عنه الناس بالأندلس تفضيله آنية الزجاج الرفيع على آنية الذهب والفضة، وإيثاره فرْشَ أنطاع الأديم اللينة الناعمة على ملاحف الكتان، واختياره سُفَر الأديم لتقديم الطعام فيها على الموائد الخشبية، إذ الوَضَر (= الوسخ) يزول عن الأديم بأقل مسحة". وعدّد لنا المستشرق ليفي بروفنسال (ت 1956م) -في كتابه ‘تاريخ إسبانية المسلمة‘- عددًا من "آيين الطعام" وآداب المائدة التي جاء بها زرياب معه من بغداد؛ فقال: "علَّم زرياب أهالي قرطبة إعداد المآكل البغدادية الأكثر تعقيدًا، وترتيب أطباق الوجبة على الموائد الأنيقة، فأفتى بألا يقدم الطعام دفعة واحدة، أو كيفما اتفق، بل يجب البدء بالحساء، وتتبعه أطباق اللحوم والطيور المطيبة بالتوابل الحارة، ثم الأطباق المحلّاة، فالحلوى المصنوعة من الجوز واللوز والعسل، أو الفاكهة المجففة المعطرة المحشوة بالفستق والبندق، ونصح بتغطية موائد الطعام بأغطية من الجلد الناعم الرقيق بدلًا من شراشف الكتان الخشنة، وبيّن أن الكؤوس الزجاجة الفاخرة آنق من آنية الذهب والفضة". المصدر : الجزيرة
  13. محمد شعبان أيوب 28/4/2020 كان استعداد المسلمين لمقدم رمضان على مرّ تاريخهم أمرا لافتا للنظر؛ فقد ارتبط شهره عندهم بالنور مبكرا حين بدأ المسلمون بإنارة المساجد والشوارع في رمضان توخيًّا للأنس بالشهر، وانطلقت العادات الرمضانية تترسخ من مراسم تحري مطالع الهلال إلى انعقاد مجالس الذكر والتعلم، وصولا إلى تمدد الموائد وتعدد مظاهر التواصل الاجتماعي، فضلا عن الألق الروحي الذي اشتهرت به حياة المسلمين في هذا الشهر القرآني. وحتى اللحظة التي ينشر فيها هذا المقال؛ ما زال الوصل قائما بين مواطن الأنس الرمضاني قديما وحديثا، فكل مدينة عربية أو إسلامية لا تحرم نفسها من نصيبها في عادات رمضان المميزة له. وهذا المقال يحاول أن يمزج بين المأثور الديني والاجتماعي والثقافي الذي ساد شهور رمضان طوال القرون، عبر رصد واسع يحشد عددا من القصص والروايات التي يمكن من خلالها أن ننفذ إلى السلوكيات الرمضانية التي عاشها المسلمون في أقطار العالم مشرقًا ومغربًا. مراسم التحري يرتبط الشهر العربي بمقدم الهلال وظهور علاماته، وكذا صومُ رمضان لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في صحيحيْ البخاري ومسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ». ولهذا كان المسلمون يتحرّون رؤية هلال رمضان بصورة دقيقة وبحسب إمكانياتهم في كل بلدة وقُطر، واختاروا لذلك العدول من المسلمين الذين لا يُتهمون بالكذب والتدليس، ثم تطور الأمر مع مجيء العصر العباسي حتى أصبح القضاة من جملة الحاضرين على رأس مراسم رؤية الهلال والشهادة عليه. فقد أخبرنا ابن خلّكان (ت 681هـ) -في ‘وفيات الأعيان‘- أن محدّث مصر عبد الله بن لهيعة الحضرمي (ت 172هـ) -الذي عينه الخليفة العباسي المنصور (158هـ) سنة 155هـ قاضيًا بمصر- كان "أول قاضٍ حضر لنظر الهلال في شهر رمضان، واستمر القُضاة عليه إلى الآن". واستمرت تلك العادة -على الأقل- حتى أواسط القرن الثامن الهجري؛ فقد جاء الرحالة المغربي ابن بطوطة (ت 779هـ) إلى مصر عام 725هـ فشاهد المراسيم الخاصّة بظاهرة تحري هلال رمضان في مدينة أبيار شمالي مصر، حين نزل في ضيافة قاضي تلك المدينة عز الدين المليجي الشافعي (ت 793هـ). يقول في رحلته: "حضرتُ عنده مرة ‘يوم الركبة‘ وهم يُسمون بذلك يوم ارتقاب هلال رمضان. وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي…، فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب مَن معه أجمعين، وتبِعهم جميع مَن بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مُرتقب الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسط والفُرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمعُ والمشاعل والفوانيس، ويُوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويَصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فِعلهم كل سنة". على أن قُضاة بغداد مثلا كانوا يعتمدون على شهود العيان ولا يخرجون بأنفسهم لتحري الهلال كما يفعل غيرهم؛ فقد ذكر الذهبي (ت 748هـ) -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه في 624هـ اعتمد قاضي القضاة عماد الدين أبو صالح نصر بن عبد الرزاق الجيلي البغدادي (ت 633هـ) على شهادة اثنين من أهل بغداد، وفي "ثاني ليلة رُقب الهلال فلم يُرَ، ولاح خطأ الشهود، وأفطر قومٌ من أصحاب أبي صالح [القاضي]، فأمسكوا ستّة من أعيانهم فاعترفوا، فعُزّروا بالدِّرة وحُبسوا، ثم أُخذ الذين شهدوا فحُبسوا وضُرب كل واحد خمسين". وبسبب هذا الخطأ ثارت الجماهير على القاضي حتى "احتمى أبو صالح بالرُّصافة [ببغداد] في بيت حائكٍ، واجتمع عنده خلقٌ من باب الأزَج فمُنعوا من الدخول إليه، ثم أُطلق بعد انسلاخ شوّال". وقد يترافق مقدم رمضان مع ظروف جوية شديدة الغيم تحجب رؤية هلاله فتوقع الناس في إشكال وارتباك، ومن أغرب نماذج ذلك ما حكاه المقريزي (ت 845هـ) -في ‘السلوك لمعرفة دول الملوك‘- من "أن أهل مدينة غرناطة بالأندلس صاموا شهر رمضان (سنة 702هـ) ستة وعشرين يوما، وذلك أن الغيوم تراكمت عندهم عدة أشهر قبل رمضان، فلما كانت ليلة السابع والعشرين طلعوا المأذنة ليوقدوها على العادة، فإذا الغيوم قد أقلعت وظهر الهلال فأفطروا"! وكانت بعض المواقف الطريفة تقع عند رؤية الهلال، فمن جملة ما وقع فيها ما أورده ابن خلكان من أن الصحابي الجليل أنس بن مالك (ت 93هـ) خرج مع جماعة من الناس لتحري الهلال، وكان قد بلغ من العمر مئة عام حينذاك؛ "فقال أنس: قد رأيتُه، هو ذاك! وجعل يشير إليه فلا يَرونه، ونظر إياس (بن معاوية المزني قاضي البصرة المتوفى 122هـ) إلى أنس وإذا شعرة من حاجبه قد انثنَت [على عينه فظنها من أمارات الهلال]، فمسحها إياس وسوّاها بحاجبه، ثم قال له: يا أبا حمزة، أرنا موضع الهلال! فجعل ينظرُ ويقول ما أراهُ"! وروى أيضا أن رجلا حادّ البصر رأى هلال رمضان في البصرة حتى "رآه معه غيره وعاينوه، فلما كان هلال الفطر جاز الجمّاز (= محمد بن عمرو البصري المتوفى 250هـ) صاحب النوادر (= الطرائف) إلى ذلك الرجل، فدّق عليه الباب فقال: قُم أخرجنا مما أدخلتنا فيه"!! منذ حقبة مبكرة من التاريخ الإسلامي صارت عملية تحري رؤية الهلال تجري وفق رقابة رسمية (الجزيرة) زينة وتجمّل وكان من عادة الناس في استقبال الشهر الكريم تزيين بيوتهم ومدنهم والتجمّل الزائد له؛ فالرحالة المقدسي البشاري (ت نحو 380هـ) يخبرنا -في ‘أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم‘- أن أهل عدن باليمن "يزيّنون السطوح قبل رمضان بيومين، ويضربون عليها الدبادب (= الطبول)؛ فإذا دخل رمضان اجتمع رُفُقٌ (= جماعات) يدورون عند السحر يقرؤون القصائد إلى آخر الليل". ويفيدنا نص البشاري هذا بأن الاحتفاء بمقدم الشهر الكريم وصل إلى حد ضرب الطبول، ثم تطور ذلك -في القرون الأخيرة مع العثمانيين- إلى ما أصبح يُسمى "مدفع رمضان" الذي تُضرب طلقاته عند وقت الإفطار. ويبدو أنه كان يطلق أيضا في أوقات السحور؛ فشهاب الدين الحلاق البديري (ت بعد 1175هـ) يخبرنا -في كتابه ‘حوادث دمشق اليومية‘ أنه في سنة 1155هـ "كان هلال رمضان.. وأشعلِت القناديل في سائر مآذن الشام، وضُربت ‘مدافع الإثبات‘ في منتصف الليل، وحصل للناس زحمة في حركة السحور، حتى فُتحت دكاكين الطعام ليلا كالخبازين والسمانين". وكانت أهم تلك العادات تزيين وإنارة المساجد والجوامع؛ فقد ذكر ابن عساكر (ت 571هـ) -في ‘تاريخ دمشق‘- أن عمر رضي الله عنه كان أول من أنار المساجد للقناديل في الإسلام، فقد "مرّ علي بن أبي طالب على المساجد في شهر رمضان وفيها القناديل، فقال: نوّر اللهُ على عُمر في قبره كما نوّر علينا مساجدنا". كما جرت العادة بتطييب المسجد النبوي وتبخيره؛ يقول ابن سعد (ت 230هـ) في ‘الطبقات الكبرى‘: "إن الولاة قبل عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) كانوا يجرون على إجمار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للجُمع وتطييبه في شهر رمضان من العُشر والصدقة"، إلا أن عمر بن عبد العزيز قرر قطع هذه العادة توفيرًا لأموال المسلمين. ومنذ أيام الصحابة؛ ارتبط رمضان أيضا بالموعد السنوي لتغيير كساء الكعبة المشرفة، فكانت العادة -كما يقول الأزرقي (ت 250هـ) في ‘أخبار مكة‘- أن "تُكسى الكعبة القَباطي في آخر شهر رمضان"، منذ زمن معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ)، و"القباطي" نوع من الثياب كان يُحاك في مصر منذ عصر الخليفة الفاروق. وحرص الخلفاء والولاة على عادة تزيين المساجد وزيادة أنوارها وشموعها وطيبها في رمضان؛ إذ أمر الخليفة العباسي المأمون (ت 218هـ) في مستهل رمضان كاتبه أحمد بن يوسف أن يكتب على لسانه رسالة إلى ولاته وعُماله في الأقاليم. يقول ابن يوسف فيما يحكيه عنه ابن طيفور (ت 280هـ) في ‘كتاب بغداد‘: "أمرني المأمون أن أكتب لجميع العمال في أخذ الناس بالاستكثار من المصابيح في شهر رمضان، وتعريفهم ما في ذلك من الفضل، فما دريت ما أكتب ولا ما أقول في ذلك؛ إذ لم يسبقني إليه أحد فأسلكُ طريقه ومذهبه…، فأتاني آتٍ فقال: قل: فإن في ذلك أُنسًا للسائلة، وإضاءة للمجتهدين، ونفيًا لمظان الريب، وتنزيها لبيوت الله من وحشة الظّلمة. فكتبت هذا الكلام وغيره مما هو في معناه". وفي ‘زهر الآداب‘ للحُصْري القيرواني (ت 453هـ) أنه كتب: "فإنها إضاءة للمتهجدين..، وأنْسا للسابلة..، فأخبرت بذلك المأمون فاستظرفه، وأمر أن تُمضى الكتب عليه". الإفطارات الجماعية في المساجد بدأ العمل بها في عهد الخلفاء الراشدين (الجزيرة) قناديل وطبول أما وزير الأندلس الأشهر ومدبر أمرها للأمويين المنصور بن أبي عامر (ت 392هـ) فكانت عادته الاهتمام بجامع قرطبة الكبير في رمضان، فكان يرسل إليه كما يقول ابن عذاري (ت نحو 695هـ) في ‘البيان المُغرب‘: "من الكتَّان للفتائل في كُل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار؛ وجميع ما يحتاج إليه الجامع من الزيت في السنة خمسمئة ربع أو نحوها؛ يصرف منه في رمضان خاصة نحو نصف العدد. ومما كان يختص برمضان المعظم ثلاثة قناطير من الشمع، وثلاثة أرباع القنطار من الكتان المقصر لإقامة الشمع المذكور؛ والكبيرة من الشمع تُوقد بجانب الإمام؛ يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلا (من 22 إلى 32 كغ)، يحترق بعضها بطُول الشهر، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة". كما حرص الفاطميون على إضاءة الجوامع الكبيرة في القاهرة -مثل الأزهر والمسجد الحاكمي وجامع راشدة- لا سيما في رمضان المبارك، حتى إن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (ت بعد 411هـ) كان مما جاء في وقفيته على الأزهر التي حفظ لنا مضمونها المقريزي في ‘المواعظ والاعتبار‘: "فللجامع الأزهر تَنّوران وسبعة وعشرون قنديلاً، ومنها لجامع راشدة تنور واثنا عشر قنديلا، وشرط أن تُعلق في شهر رمضان وتُعاد إلى مكان جرت عادتها أن تُحفظ به". وتأتي عادة الفاطميين في إنارة الجوامع في رمضان ضمن تقليدهم السنوي الذي يسميه المقريزي -في ‘الخطط‘- "كشف المساجد" الذي ينفذ قُبيل دخول رمضان، ووصفه ابن حجر (ت 852هـ) -في ‘رفع الإصر‘ بأنه "يوم طواف المساجد والجوامع قبل رمضان بيومين". وكان هذا التقليد يشهد احتفاء شعبيا به لكونه يختتم بوليمة فاخرة؛ فقد قال إن "القضاة بمصر إذا بقي لشهر رمضان ثلاثة أيام، طافوا يوما على المشاهد والمساجد بالقاهرة ومصر، فيبدؤون بجامع المقس، ثم بجوامع القاهرة…، لنظر حُصُر ذلك، وقناديله، وعمارته، وإزالة شعثه. وكان أكثر الناس ممن يلوذ بباب الحكم والشهود، والطفيليون يتعينون لذلك اليوم والطواف مع القاضي لحضور السماط". وقد أضحت عادة تجديد صيانة المساجد وتعميرها وإمدادها بكل ما تحتاجه في رمضان من العادات اللازمة الجارية في أقطار الإسلام المختلفة، حتى إن الرحالة الأندلسي الشهير ابن جبير البلنسي (ت 582هـ) يقول -في رحلته- عن مظاهر ذلك في المسجد الحرام: "ووقع الاحتفالُ في المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك، وحق ذلك مِن تجديد الحُصر، وتكثير الشمع والمشاعيل، وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نورًا، وسطع ضياءً". وتواصلت تلك العادة حتى رصدها لاحقا ابن بطوطة -في رحلته- بقوله: "إذا أهلَّ هلال رمضان تُضرب الطبول والدّبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام مِن تجديد الحُصر، وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرام نورًا، ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقا، وهم الشافعية والحنفية والحنبلية والزيدية، وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء: يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع، ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يُصلي بجماعته، فيرتجّ المسجد لأصوات القراء، وترقّ النفوس، وتحضر القلوب، وتهْمِل (= تدمع) الأعين". كثير من العلماء كانوا يوقفون أنشطة التدريس مفضلين التفرغ للصلاة والتلاوة طوال شهر رمضان (الجزيرة) تلاوة وتفرّغ ولئن تنافس الخلفاء والولاة في تزيين وإضاءة الجوامع وتهيئتها للقائمين والراكعين؛ فقد تسابقت الأمة جيلاً بعد جيل في عمل الطاعات والصالحات لاسيما في رمضان استنانا بفعل النبي (ص) والصحابة، وعلى رأس ذلك قراءة القرآن الكريم. فقد نقل أبو عثمان الجوزجاني (ت 227هـ) -في كتابه ‘التفسير من سنن سعيد بن منصور‘- عن التابعي الأسود بن يزيد النخعي (ت 75هـ) أنه كان "يختم القرآن في شهر رمضان في كل ليلتين، وينام فيما بين المغرب والعشاء"، ثم يستكمل برنامجه اليومي الحافل بأعمال الخير والبر. وفي رحلة ابن بطوطة أنه جرت العادة في مكة المكرمة بأنه "في كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء، ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة فاذا ختم نُصب له منبر مُزيَّن بالحرير، وأوقد الشمع وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات، وكذلك يصنعون في جميع ليالي الوتر، وأعظم تلك الليالي عندهم ليلة سبع وعشرين، واحتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي، ويُختم بها القرآن العظيم خلف المقام الكريم". وكثير من هؤلاء السلف والعلماء الكبار كانت لهم في رمضان أحوال خاصة، وبعضهم كان يترك كل شيء متفرغًا لهذا الشهر الفضيل؛ مثلما أورده ابن عساكر (ت 571هـ) -في ‘تاريخ دمشق‘- قال: "كان الحنيني إذا دخل شهر رمضان ترك سماع الحديث، فقال له مالك (بن أنس إمام المالكية المتوفى 179هـ): يا أبا يعقوب، لمَ تترك سماع الحديث في رمضان؟ إن كان فيه شيء يُكرَه فهو في غير رمضان يكره. فقال له الحنيني: يا أبا عبد الله، شهر أُحب أن أتفرغ [فيه] لنفسي". وجاء في كتاب ‘ربيع الأبرار‘ للزمخشري (ت 538هـ): "كان سفيان الثوري (ت 161هـ) إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن". ويروي الحافظ ابن كثير (ت 774هـ) -في ‘البداية والنهاية‘- أن الإمام اللغوي أبو عمرو بن العلاء التميمي البصري (ت 157هـ) "كان إذا دخل شهر رمضان لا ينشد فيه بيتا من الشعر حتى ينسلخ". ويقول المقريزي -في ‘المواعظ‘- إنه في مصر الفاطميين "كانت العادة جارية من الأيام الأفضلية (= نسبة إلى الوزير الأفضل الجمالي المتوفى 515هـ) في آخر جمادى الآخرة من كل سنة: أن تُغلق جميع قاعات الخم~ارين بالقاهرة ومصر وتُختم، ويحذّر من بيع الخمر" حتى ينقضي رمضان! كما يذكر حرصهم على زيادة رواتب القرّاء والمؤذنين في نهاية هذا الشهر الكريم، فإذا "كان في التاسع والعشرين من شهر رمضان خرجت الأوامر بأضعاف ما هو مستقرّ للمقرئين والمؤذنين في كل ليلة برسم السحور بحكم أنها ليلة ختم الشهر". وكان من عادة المحد~ث العلامة سويد بن عمرو الكوفي (ت 204هـ) أنه "لا يُحدِّث في رمضان، فقيل له، فقال: لعلَّنا نسلمُ منكم، لا نذكر أحدًا في رمضان"؛ حسب جمال الدين المزي (ت 742هـ) في ‘تهذيب الكمال‘. وعلى الدرب نفسه سار قاضي الأندلس أبي بكر ابن زَرْبٍ الأندلسي (ت 381هـ)؛ يقول عنه النبّاهي (ت 792هـ) -في ‘تاريخ قضاة الأندلس‘- إنه "كان لا يحكم في شهر رمضان ويُفرّغ فيه نفسه للعمل والعبادة، لم يزل مواظبًا على ذلك إلى أن مات". وبعض هؤلاء العلماء كان يتفرّغ لكتابة المصاحف، مثل محمد ابن العديم الحنفي الحلبي (ت 626هـ) -وهو عم الوزير والمؤرخ كمال الدين ابن العديم (ت 660هـ)- الذي يقول عنه المؤرخ صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ) في ‘الوافي بالوفيات‘: "كان يكتبُ في رمضان -إذا اعتكف- مُصحفًا أو مُصحفين"!! حصن المنستير بشمالي تونس كان منذ الفتح الإسلامي رباطا للعلماء طوال رمضان (مواقع التواصل الاجتماعي) رباط وجهاد وكان بعض كبار علماء تونس يحب أن يقضي شهر رمضان مرابطًا في الثغور أمام العدو، مثل الإمام المالكي سحنون التنوخي (ت 240هـ) وصديقه العالم موسى بن معاوية الصُّمادحي (ت 225هـ). وفي ذلك يقول سحنون حسبما يرويه عنه أبو العرب التميمي (ت 333هـ) في ‘طبقات علماء أفريقية‘: "كُنّا نُرابط بالمُنستير (= حصن دفاعي شمالي تونس على ساحل البحر المتوسط) في شهر رمضان ومعنا جماعة من أصحابنا، فكان موسى بن معاوية أطولهم كلّهم صلاة وأدومهم عليها، فإذا كانت ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان طبَّقها من أولها إلى آخرها" ويأتي على رأس هؤلاء العلماء المرابطين الإمامُ العلامة المجاهد عبد الله بن المبارك (ت 181هـ)، الذي اشتُهر باشتراكه الدائم في معارك العباسيين وجهادهم ضد البيزنطيين، ومكوثه فترات طويلة مرابطًا أمام العدو في ثغور الشام الشمالية، حتى إنه "مات منصرفا من طَرَسوس (تقع جنوبي تركيا اليوم) في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة"؛ حسب الدارمي في ‘مشاهير علماء الأمصار‘. وكانت مدينة طَرَسوس هذه ثغرا خطيرا ورباطا عظيما للجهاد مع البيزنطيين حتى استولوا عليها سنة 354هـ. ومثل ابن المبارك في ذلك؛ المحدث العراقي الحسين البيروذي الأهوازي (ت 261هـ) الذي قال عنه الخطيب البغدادي (ت 463هـ) -في ‘تاريخ بغداد‘- إنه "مات في النفير بمَلَطْيَة (وسط تركيا اليوم) في شهر رمضان سنة إحدى وستين ومئتين". وبرزت هذه الظاهرة عند علماء الأندلس أيضًا؛ فابن الفرضي (ت 403هـ) يقول -في ‘تاريخ علماء الأندلس‘- إن عبد الله بن هرثمة بن ذكوان (ت 370هـ) -وهو أحد كبار علماء وقضاة الأندلس الأموية، وكان يتولى وظيفة "صاحب الرد" في قرطبة، وهي منصب قضائي جليل يشبه راسة "محكمة التمييز/ النقض" في عصرنا- كانت "وفاته بكركي (= حصن شمالي الأندلس) في غزاة الصائفة (= الصيف)، وذلك في صدر شهر رمضان سنة سبعين وثلاثمئة". والتماسا للأجر المضاعف الذي قرنه النبي (ص) برمضان حين قال إن «عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً» (صحيح البخاري)؛ كان عدد من كبار علماء وقرّاء مكة المكرمة يحرصون سنويا على أداء عمرة رمضان. فقد حكى محمد بن إسحق الفاكهي (ت 272هـ) -في ‘أخبار مكة‘- أن عبد الله ابن خُثيم (ت 132هـ) قال: "أدركتُ عطاءً (ت 114هـ) ومُجاهدًا (ت 104هـ) وعبد الله بن كثير الدّاري (ت 120هـ) وأُناسًا من القراء إذا كان ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان خرجوا إلى التنعيم فاعتمروا من خيمتيْ جُمانة، من حيث اعتمرت عائشة (ت 58هـ) رضي الله عنها". ويقول الصفدي -في ‘نكث الهميان في نكت العميان‘- إن الفقيه الضرير محمد البندنيجي الشافعي (ت 495هـ) "يعتمرُ في شهر رمضان ثلاثين عُمرة"! طبقة الفقراء كانت تعيش أفضل أيامها خلال رمضان لما يشهده من أوجه الإنفاق والصدقة (مواقع التواصل الاجتماعي) إطعام وإنفاق أما عادة الإقبال على الإنفاق في أوجه الخير خلال رمضان، وصنع الطعام للمحتاجين تصدقًا وبرّا بهم؛ فهي تقليد إسلامي قديم يعود إلى عصر الخلفاء الراشدين بعد أن أخذه الصحابة عن النبي (ص) حين وصفوا كرمه في هذا الشهر الفضيل، فقالوا إنه كان «أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ»؛ (صحيح مسلم). بل إن ابن الأثير (ت 630هـ) -في تاريخه ‘الكامل‘- يرجع هذه العادة إلى العصر الجاهلي، حيث قال إن عبد المطلب بن هاشم (جد النبي ص) هو "أول من تحنّث بحراء، فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين جميع الشهر". وعن عمل الصحابة في هذا المجال؛ جاء في تاريخ الطبري (ت 310هـ): "كان عمر يجعلُ لكل نفس من أهل الفيء في رمضان درهمًا في كل يومٍ، وفرضَ لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمين درهمين، فقيل له: لو صنعتَ طعامًا فجمعتهم عليه! فقال: أُشبعُ الناس في بيوتهم. فأقرّ عثمان الذي كان صنع عمر وزاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمتعبّد الذي يتخلّف في المسجد وابن السبيل والمعترّين بالناس في رمضان". وقد خُصص للصائمين شراب عند فطرهم في المسجد النبوي الشريف، إذ روى ابن سعد -في ‘الطبقات الكبرى‘- عن التابعي عمران بن عبد الله الخُزاعي (ت بعد 93هـ) أنه "كان في رمضان يُؤتى بالأشربة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم". وسار الأمويون على درب الخلفاء الراشدين في عادة إطعام الصائمين، فالأزرقي يفيدنا -في ‘أخبار مكة‘- بأن مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ) اشترى -من آل المؤمل العدويين- دارًا في مكة المكرمة وسماها "دار المراجل" أي قدور الطعام؛ "لأنها كانت فيها قُدور من صُفْر (= نُحاس) يُطبخُ فيها طعام الحاجّ (= الحُجّاج) وطعام شهر رمضان" الذي يفرق على الفقراء والمعتمرين وغيرهم من الصائمين. ودأب بعضُ الأمراء على الإكثار من الإنفاق والتصدق على الرعية في شهر رمضان، مثل أمير تونس العادل أحمد بن محمـد بن الأغلب (ت 249هـ) الذي كان من عادته -حسب ابن عذاري في ‘البيان المُغرب‘- أن يركب كل ليلة في رمضان "وبين يديه الشمع فيخرج من القصر القديم ويمشي حتى يدخل من باب أبي الربيع ومعه دوابّ [محمّلة] بالدراهم، فكان يعطي الضعفاء والمساكين حتى ينتهي إلى المسجد الجامع بالقيروان فيخرج الناس إليه يدعون له". وفي ‘تاريخ دمشق‘ لابن عساكر أن أمير دمشق والأردن للعباسيين مالك بن طوق (ت 260هـ) كان "من الأسخياء المشهورين"؛ فكان "إذا جاء شهر رمضان نادى منادي مالك بن طوق بدمشق كل يوم على باب ‘الخضراء‘ -بعد صلاة المغرب- وكانت دارُ الإمارة في ‘الخضراء‘ في ذلك الزمان: الإفطار رحمكم الله، الإفطار رحمكم الله؛ والأبواب مفتحة فكل من شاء دخل بلا إذن، وكان لا يمنع أحدًا من ذلك". ولقد ساهم أهل الخير واليسار وصغار الأمراء والوزراء في إطعام الصائمين؛ فهذا حماد بن أبي سليمان الكوفي (ت 120هـ) -وهو شيخ الإمام أبي حنيفة النعمان (ت 499هـ)- كان "يُفطّر كل ليلة في شهر رمضان خمسمئة إنسان، فإذا كان ليلة الفطر كساهم ثوبًا ثوبًا، وأعطاهم مئة مئة"؛ طبقا لما أورده الشجري الجرجاني (ت 499هـ) في ‘ترتيب الأمالي الخميسية‘. ويحدث أبو منصور الثعالبي (ت 429هـ) -في ‘يتيمة الدهر‘- عن أن الوزير البويهي الصاحب ابن عبّاد (ت 385هـ) كان "لا يدخل عليه في شهر رمضان بعد العصر أحد -كائنا من كان- فيخرج من داره إلا بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من ألف نفس مفطرة فيها، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته في هذا الشهر تبلغ مبلغ ما يُطْلق (= يُنفق) منها في جميع شهور السنة". كثير من سلاطين ووزراء وتجار المسلمين اشتهروا بتنافسهم في أعمال البر خلال رمضان (مواقع التواصل الاجتماعي) حفاوة فاطمية وسار بعض قضاة وعلماء الأندلس على الدرب ذاته، مثل قاضي مالقة محمد بن الحسن النُّباهي (ت 463هـ) الذي يقول عنه أبو الحسن النُّباهي (ت 793هـ) في ‘تاريخ قضاة الأندلس‘: "كان في كل رمضان يحذو حذو صهره القاضي بقرطبة أحمد بن زياد، فيدعو بدار له تُجاور المسجد عشرةً من الفقهاء في طائفة من وجوه الناس، يفطرون كل ليلة عنده، ويتدارسون كتاب الله بينهم ويتلونه". واستمر جريان هذه العادة الحميدة حتى إن ابن الأثير يقول -في تاريخه- إن الخليفة الناصر لدين الله العباسي (ت 622هـ) أمر في شهر رمضان "ببناء دُور في المحالِّ (= الأحياء) ببغداد ليُفطر فيها الفُقراء، وسُميت ‘دُور الضيافة‘، يُطبخُ فيها اللحم الضأن، والخُبز الجيد، عمل ذلك في جانبيْ بغداد (= الرصافة والكرخ)، وجعل في كلّ دارٍ من يُوثقُ بأمانته، وكان يُعطي كلّ إنسانٍ قدَحًا مملوءًا من الطبيخ واللحم، ومنًّا (‘المَنُّ‘ كيلٌ قديم يساوي 40 غراما تقريبا) من الخُبز، فكان يُفطرُ كلَّ ليلةٍ على طعامه خلقٌ لا يُحصون كثرة". وكذلك فعل بعده حفيدُه الخليفة المستنصر (ت 640هـ)؛ فقد قال ابن شمائل البغدادي الحنبلي (ت 739هـ) -في ‘مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع‘- إنه كانت له أوقاف "على ‘آدُرِ المضيف‘ (= دُور الضيافة) التي أنشأها في محالّ بغداد لفطور الفقراء في شهر رمضان". ولئن دعا الراشدون والأمويون والعباسيون الناسَ إلى طعامهم وشرابهم؛ فقد كانت عادة الفاطميين العُبيديين تفريق الطعام على طبقات الناس في القاهرة من المطابخ المخصصة التي أنشؤوها لذلك. وقد بدأت هذه العادة منذ عصر المعز لدين الله الفاطمي (ت 365هـ)؛ يقول المقريزي -في ‘المواعظ‘- نقلا عن المؤرخ ابن أبي طي (ت 630هـ): "عمِل المعز لدين الله دارا سماها: ‘دار الفَطرة‘، فكان يعمل فيها من الخشكنانج (= خبز يُعمل بالزبد والسكر واللوز)، والحلواء… والكعك والتمر والبندق شيء كثير، من أوّل رجب إلى نصف رمضان، فيفرّق جميع ذلك في جميع الناس الخاص والعام على قدر منازلهم في أوانٍ لا تُستعاد". ويحدثنا المقريزي أيضا عن صنائع القائد العسكري الفاطمي ثم الأيوبي لؤلؤ الحاجب الأرمني (ت 598هـ) قبل رمضان وفيه؛ فيقول إنه "كان يفرق في كل يوم اثني عشر ألف رغيف مع قُدور الطعام، وإذا دخل شهر رمضان أضعف ذلك، وتبتل للتفرقة من الظهر في كل يوم إلى نحو صلاة العشاء الآخرة، ويضع ثلاثة مراكب طول كل مركب أحد وعشرون ذراعا مملوءة طعاما، ويدخل الفقراء أفواجا وهو قائم مشدود الوسط كأنه راعي غنم، وفي يده مغرفة وفي الأخرى جَرّة سمن، وهو يصلح صفوف الفقراء ويقرب إليهم الطعام والودك، ويبدأ بالرجال ثم النساء ثم الصبيان، وكان الفقراء -مع كثرتهم- لا يزدحمون لعلمهم أن المعروف يعمّهم، فإذا انتهت حاجة الفقراء بسط سماطا للأغنياء تعجز الملوك عن مثله"! وقد لفت نظرَ ابن بطوطة بعض عادات أهل دمشق في شهر رمضان، لا سيما في تشاركهم الطعام؛ حيث يقول: "ومن فضائل أهل دمشق أنه لا يُفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتة؛ فمَن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يُفطرون عنده، ومَن كان من التجار وكبار السُّوقة صنع مثل ذلك، ومَن كان من الضعفاء والبادية فإنهم يجتمعون كلّ ليلة في دار أحدهم أو في مسجد، ويأتي كل أحد بما عنده فيفطرون جميعا". وفي مصر؛ يخبرنا المقريزي كذلك -في ‘السلوك لمعرفة دول الملوك‘- أن السلطان الظاهر برقوق (ت 801هـ) اعتاد "طوال أيام إمارته وسلطنته في كل يوم من أيام شهر رمضان [ذبح] خمسة وعشرين بقرة، يتصدّق بها -بعدما تُطبخ ومعها آلاف من أرغفة الخبز النقي- على أهل الجوامع والمشاهد والخوانك والرُّبُط وأهل السجون؛ لكل إنسان رطل لحم مطبوخ وثلاثة أرغفة من نقيّ البُرّ (= القمح)، سوى ما كان يُفرّق في الزوايا [للصوفية] من لحم الضأن، فيُعطي في كل يوم لكل زاوية خمسون رطلاً وعدة أرغفة خبز، وفيهم من يُعطى أكثر من ذلك بحسب حالهم". مصر الفاطمية والأيوبية والمملوكية كانت مركزا لكثير من العادات الشعبية والرسمية التي ميزت رمضان (الجزيرة) عمارة وأوقاف وقد حرص كثير من الخلفاء والملوك والسلاطين على رفع المظالم وإقامة العدل، والتيسير على الناس في رمضان، والسير على درب من سبقوهم في الإنشاء والتعمير لمؤسسات البِرّ في هذا الشهر المبارك. فقد ذكر المؤرخ ابن طيفور -في ‘كتاب بغداد‘- أن الخليفة العباسي المأمون رُفعت إليه شكوى "في شهر رمضان أن التُّجار يعتدون على ضعفاء الناس في الكيل، فأمر بقفيزٍ (= مكيال) يسعُ ثمان مكاكيك (= جمع مَكُّوكٍ: مكيال قديم لأهل العراق) مُرسل، وصيّر في وسطه عمودًا وسُمي الملجم، وأمر التّجار [أن] يُعيّروا (= يضبطوا) مكاكيكهم عليها صغارها وكبارها، ففعلوا ذلك ورضي الناس". ومن القصص الدالة هنا ما يحكيه المقريزي -في ‘المواعظ‘- من أن أمير مصر أحمد بن طولون (ت 270هـ) رأى "الصنّاع يبنون في الجامع (= جامعه الشهير في مصر) عند العشاء، وكان في شهر رمضان فقال: متى يشتري هؤلاء الضعفاء إفطارا لعيالهم وأولادهم، اصرفوهم العصر. فصارت سُنّة إلى اليوم (= عصر المقريزي في القرن التاسع الهجري) بمصر. فلما فرغ شهر رمضان، قيل له: قد انقضى شهر رمضان فيعودون إلى رسمهم؛ فقال: قد بلغني دعاؤهم، وقد تبرّكت به، وليس هذا مما يوفِّر العمل علينا. وفرغ منه (= الجامع) في شهر رمضان سنة خمس وستين ومئتين". ومن المعروف أن أقدم جامعة أنشئت في العالم الإسلامي كانت ‘مسجد القرويين‘ الشهير في فاس بالمغرب، والذي بُني من حُرّ مال المرأة الصالحة فاطمة بنت محمد الفِهري (ت نحو 265هـ)، وقد أمرت بأن تكون بداية تأسيسه في رمضان رغبة في مضاعفة الأجر. وفي ذلك؛ يقول المؤرخ ابن أبي زرع (ت 726هـ) -فيما يعزوه إليه أبو العباس الناصري (ت 1315هـ) في ‘الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى‘- إن فاطمة هذه "مات زوجها وإخوتها فورثت منهم مالاً جسيمًا، وكان من حلال، فأرادت أن تنفقه في وجوه الخير، وكانت لها نيّة صالحة، فعزمت على بناء مسجد تجد ثوابه عند الله، فاشترت البقعة من ربّها، وشرعت في حفر أساس المسجد وبناء جدرانه، وذلك يوم السبت فاتح رمضان المعظم سنة خمس وأربعين ومئتين". ولقد سار السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ) على درب هؤلاء، فكان آية في النشاط والعمل طوال العام وفي رمضان أيضًا؛ ففي عام 588هـ رحل "إلى القدس في رابع شهر رمضان، وتفقد أحواله وأمر بتشييد أسواره، وزاد في وقف المدرسة التي عملها بالقدس"؛ وفقا لرواية ابن فضل الله العمري في ‘المسالك‘. كما بنى الأمير المملوكي سيف الدين صُرْغَتمُش الناصري (ت 759هـ) مدرسته التي لا تزال شاهدًا على الإتقان والإبداع في العمارة المملوكية بالقاهرة؛ يقول المقريزي في ‘المواعظ‘: "وابتدأ في بناء المدرسة يوم الخميس من شهر رمضان سنة ست وخمسين وسبعمئة، وانتهت في جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، وقد جاءت من أبدع المباني وأجلّها وأحسنها قالبا وأبهجها منظرا". أغلبية العلماء كانت تفضل مواصلة أنشطة التدريس في رمضان على التفرغ لغيرها من العبادات (الجزيرة) دروس ومناظرات ولئن انشغل العلماء والفقهاء بأعمالهم وعبادتهم وتنافسوا فيها خلال رمضان؛ فقد تنوعت مجالس الأمراء فيه فكان بعضهم يحب قضاء يومه الرمضاني في سماع قصص الأولين وأخبارهم الغريبة والمستطرفة من الأخباريين والمؤرخين، فقد "كان أمراء بني الأغلب [في تونس] يرسلون إلى إسحق (بن عبد الملك المشلوني أحد العارفين بأخبار الأولين) فيكون عندهم في رمضان، فيُحدّثهم بتلك العجائب حتى يقطع بهم طول النهار"؛ حسب تعبير أبي العرب التميمي في طبقاته. ويذكر المقريزي -في ‘الخطط‘- أن خليفة الفاطميين كان يجلس بعد انتهاء الآكلين من "أسمطة رمضان.. في الروشن (= شرفة القصر) إلى وقت السحور، والمقرئون تحته يتلون عشرا، ويطربون بحيث يشاهدهم الخليفة، ثم [إذا انتهوا] حضر بعدهم المؤذنون، وأخذوا في التكبير وذِكْر فضائل السحور، وختموا بالدعاء، وقُدِّمت المخادُّ للوعاظ فذكروا فضائل الشهر". وقد دأب سلاطين المماليك وأمراؤهم في مصر والشام على إقامة مجالس الحديث النبوي الشريف في رمضان، ولعل بداية ذلك كانت على يد السلطان الأشرف شعبان (ت 775هـ) كما قد يُفهم من قول المقريزي في ‘السلوك‘: "وفيه (= رمضان سنة 774هـ) استجدّ السلطان [الأشرف شعبان] عنده بالقصر -من قلعة الجبل- قراءة كتاب صحيح البخاري في كل يوم من أيام شهر رمضان، بحضرة جماعة القضاة ومشايخ العلم؛ تبرّكًا بقراءته". ويقول الرحالة المقدسي إن ملوك السامانيين في خراسان كان من عادتهم في ليالي رمضان عقد "مجالس… للمُناظرة بين يدي السلطان، فيبدأ هو فيسأل مسألة ثم يتكلّمون عليها". كما ينقل الثعالبي -في ‘يتيمة الدهر‘- عن الوزير البويهي الصاحب ابن عبّاد أنه قال: "حضرت مجلس ابن العميد (ت 360هـ) عشية من عشايا شهر رمضان وقد حضره الفقهاء والمتكلمون للمناظرة، وأنا إذ ذاك في ريعان شبابي". ومثلهم في ذلك سلاطين المماليك الغورية في الهند، فقد اعتاد السلطان محمد بن تغلق شاه (ت 752هـ) مسامرةَ العلماء في هذا الشهر، يقول عنه العُمري في ‘مسالك الأبصار‘: "والعلماء تحضرُ مجلسه، وتُفطر في شهر رمضان عنده، ويأمر صدر جهان كل ليلة واحدًا ممن يحضر بأن يذكر نُكتة (= قضية علمية أو أدبية)؛ ثم تتجاذب الجماعة أطراف البحث فيها بحضرة السلطان، وهو كواحدٍ منهم، يتكلم معهم، ويبحث بينهم، ويردّ عليه". واللافت أننا نجد مجالس للمحدّثات والشيخات العالمات كانت مفتوحة للطلبة في هذا الشهر الكريم؛ إذ يُخبرنا المحدّث والمؤرخ علم الدين البِرزالي (ت 739هـ) أنه سمع الحديث من شيخته أسماء بنت محمـد الدمشقية (ت 733هـ). وفي ذلك يقول الصفدي -في ‘أعيان العصر وأعوان النصر‘- نقلا عن البرزالي: "قرأتُ عليها مجلس شهر رمضان في رمضان سنة ثلاث وثمانين [وستمئة]، وقرأتُ عليها قبل موتها بأربعة أيام. فبين التاريخين أكثر من خمسين سنة. وكانت امرأة مُباركة متيقظة، كثيرة البر والصدقة والمعروف". جلسات الأدب والمناظرة الليلية من أكثر ما ميز رمضان في حياة الأمراء والوزراء (مواقع التواصل الاجتماعي) وعظ وأدب كما كانت حلقات العلم والتدريس والتأليف والوعظ على حالها من النشاط والتوقد في هذا الشهر الفضيل؛ فقد كان عبد الله بن عباس (ت 68هـ) يصوم ويُفطر في مدينة البصرة في بعض السنين، وكان من عادته أن يقوم في الناس خطيبًا يُلقي فيهم كلمة موجزة بعد صلاة العشاء، فقال لهم ليلة فيما أورده الحافظ ابن عساكر في ‘تاريخ دمشق‘: "مِلاك أمركم الدين، ووصْلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم الحِلم، وطولكم المعروف؛ إن الله كلفكم الوسع، اتقوا الله ما استطعتم". ثم سأله أحد الحاضرين عن أشعر الناس في زمنهم، فاسترسل ابن عباس في الحديث معهم حول الشعر والشعراء. ويبدو أن عادة تناول الشعر والأدب في الجوامع في ليالي رمضان ظلت باقية على مرّ الزمان؛ إذ حكى المؤرخ والأديب المصري جمال الدين بن ظافر (ت 613هـ) أنهم اجتمعوا "ليلة من ليالي رمضان بالجامع، وجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث، وقد وُقد فانوس السحور، فاقترح بعض الحضور على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي بن الرقاب -المنبوز بـ‘النعجة‘- أن يصنع قطعة في فانوس السحور، وإنما طُلب بذلك إظهار عجزه، فصنع من [بحر] الطويل: وَنجم من الفانوس يشرق ضـوؤه ** وَلكـــــــنه دون الْكَوَاكِب لَا يسري وَلم أر نجماً قطّ قبل طـــــــلوعه ** إِذا غَار يُـنْهَى الصائمين عَن الفِطر فانتدبت لَهُ من بَين الْجَمَاعَة وَقلت لَهُ: هَذَا التَّعَجُّب لَا يَصح لِأَنِّي والحاضرين قد رَأينَا نجومًا لَا تدخل تَحت الْحصْر وَلَا تُحصى بِالْعدَدِ إِذا غارت نُهي الصائمون عَن الْفطر وَهِي نُجُوم الصَّباح. فأسرف الجماعَة بعد ذلك في تقريعة وَأخذُوا فِي تمزيق عِرضه وتقطيعه، فَصنعَ أيضا من [بحر] البسِيط: هَذَا لِوَاء سحور يُستضاء بِهِ ** وعسكر الشُّهب فِي الظلماء جرار". وكان أمراء دولة الأراتقة التركمان -في ديار بكر وماردين ومناطق شمال الموصل- يحبون سماع الأدب، وقراءة الأشعار بعد إفطارهم؛ فابن شاكر الكتبي (ت 764هـ) يروي -في ‘فوات الوفيات‘- عن الشيخ الواعظ ناشب بن هلال الحرّاني (ت 591هـ) قوله: "قصدتُ ديار بكر مكتسباً بالوعظ، فلما نزلتُ قلعة ماردين دعاني صاحبها تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق للإفطار عنده في شهر رمضان، فحضرت عنده فلم يرفع مجلسي ولا أكرمني، وقال بعد الإفطار لغلام عنده: آتنا بكتاب، فجاء به، فقال: ادفعه إلى الشيخ ليقرأ فيه، فازداد غيظي لذلك وفتحت الكتاب وإذا هو ديوان امرئ القيس (ت 540م)، وإذا في أوله: ألا عم صباحًا أيها الطَّلل البالي ** وهل يعمن من كان في العصر الخالي فقلتُ في نفسي: أنا ضيف وغريب وأستفتح ما أقرأه على سلطان كبير وقد مضى هزيع من الليل: ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي!!…، فقلتُ [على البديهة]: ألا عم مساءً أيها الملكُ العالي ** ولا زلتَ في عزّ يدومُ وإقبالِ ثم أتممتُ القصيدة، فتهلّل وجه السلطان لذلك ورفع مجلسي وأدناني إليه، وكان ذلك سبب حظوتي عنده". تلك بعض مشاهد وعادات استقبال المسلمين -بمختلف أجيالهم وأحوالهم- لشهر رمضان المبارك على مرّ العصور والأزمان، وهي تكشف لنا أن هذه الأمة لم تعرف الكلل والمللفي هذا الشهر الفضيل، فقد كان بنوها -في غالب أحوالهم- ما بين عبادة وإنفاق وتعليم وإنشاء وتعمير وتنافس على الصالحات، بين مختلف طبقاتهم وألوانهم وأمصارهم وأعصارهم. المصدر : الجزيرة
  14. إبراهيم الدويري 14/4/2020 دوّن المؤرخون تراجمَ العلماء ومناقبَهم وأذواقهم؛ فذكروا لنا ما كان يفضله كبار الأئمة والفقهاء من الألبسة والألوان والمآكل والمشارب والأثاث والمراكب، ونقلوا مذاهب العلماء في "الأناقة" واختياراتهم في شتى المقتنيات المادية، بالدقة نفسها التي ذكروا بها أقوالهم في الدين والفقه والآداب. وفي الحقيقة؛ فإن ما جاء في آداب اللباس والتأنق والتمتع بعموم الطيبات في الإسلام عند هؤلاء الأئمة لم يخرج عن الروح العام للتشريع الإسلامي، الذي يرجّح أن الأصل في الأشياء الإباحة وأن الممنوعات استثناء، وهذا ما يلخصه القول المأثور عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس (ت 68هـ) الذي رواه ابن أبي شيبة (ت 235هـ) في ‘المصنَّف‘: "كُلْ ما شئتَ والْبَسْ ما شئتَ ما أخطأتْك خصلتان: سَرَفٌ ومَخِيلَةٌ (= خيلاء)". وهذا التوجه للأخذ بأسباب التزين والتأنق إنما يعكس عدة حقائق؛ في مقدمتها التوازن الكبير الذي أقامه الإسلام بين المادة والروح، والوقوف على أسباب الحياة والتعامل مع الأنصبة من سعة الرزق وضيقه بمنطق التحدث بالنعم وإظهارها، دون إسراف ولا مباهاة. وهكذا؛ لم تكن رثاثة الملبس أو إهمال الاعتناء بالشكل والمسكن من الطقوس التي يحبّها الإسلام، وهو الذي دعا إلى الأخذ بالنصيب الدنيوي وفق ما قسَم الله تعالى، بعكس ديانات أخرى. وهو ما نسعى للوقوف على كثير من تفاصيل تطبيقاته المثيرة في هذا المقال، عبر جولة في جوانب من الحياة الخاصة لأئمة المذاهب الفقهية المتبوعة. اقتداء نبوي جاء في ‘التفسير الكبير‘ للفخر الرازي (ت 606هـ) أن الزينة المأمور -في سورة الأعراف- باتخاذها عند المساجد تشمل "جميع أنواع الزينة، فيدخل تحت الزينة جميع أنواع التزيين، ويدخل تحتها تنظيف البدن من جميع الوجوه، ويدخل تحتها المركوب، ويدخل تحتها أيضا أنواع الحلي؛ لأن كل ذلك زينة. ولولا النص الوارد في تحريم الذهب والفضة والإبْريسَم (= أجود الحرير) على الرجال لكان ذلك داخلا تحت هذا العموم". وقبل أن نتوقف مع "أناقة" أئمة المذاهب الفقهية المتبوعة؛ يحسُن أن نعرّج قليلا على بعض مظاهر تطبيقاتها لدى الصحابة والتابعين؛ فقد كان اهتمام كتاب التراجم بمقتنياتهم الشخصية -وكذلك نظائرها لدى العلماء من بعدهم- فرعا عن اهتمامهم بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ومختلف مقتنياته الشريفة من ثياب ومسكن وخواتم وسلاح ونعل وخُفّ ومُكْحُلَة ومرآة؛ ففي الجزء الأول من ‘الطبقات الكبرى‘ لابن سعد (ت 230هـ) نجد تفصيلا وافيا لكل ذلك، وكذلك في كتب السيرة النبوية الأخرى. ولئن كان غلب على الصحابة الزهد في الدنيا فإنه قد عُرف عن بعضهم اعتناءٌ بالأناقة، وأحصِيت أثواب بعضهم ولا سيما الخلفاء الراشدين. وقد نقل ابن سعد ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف (ت 32هـ) -وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة- في لبس الحرير بسبب "شَرًى (= بُثُور جلدية) كان به"، وروى عن الحسن البصري (ت 110هـ) أن المسلمين "كانوا يلبسون الحرير في الحرب"، بالعلة التي أجاز بها الشرع مِشية الخيلاء في الحرب وهي إظهار القوة للأعداء. وجاء أن سعد بن أبي وقاص (ت 55هـ) كان يخضب بالسواد ويلبس "الخَزَّ" (= نوع من حرير) ويتختَّم بالذهب، و"كان طلحة بن عُبيد الله (ت 36هـ) يلبس المعصفَرات" أي الثياب المصبوغة بلون نبات العُصْفُر، وقد "قـُتل يومَ الجمل وعليه خاتم من ذهب.. فيه ياقوتة حمراء"؛ وسعد وطلحة كلاهما من العشرة المبشرين بالجنة. وقد رُئِي على "عمران بن حصين (ت 52هـ) مُطْرَف خَزّ"، والمطرف الرداء المربَّع. ولم يقتصر لباس الخز على أغنياء الصحابة بل رُوي أن أبا هريرة (ت 59هـ) "كان يلبس الخز"؛ كما في ‘الطبقات الكبرى‘. البساطة التي طبعت حياة الصحابة الأولى تغيرت بعد الفتوح إلى تأنق في التمدن ولوازمه (الجزيرة) نهج تابعي وفي عهد التابعين؛ نجد أن سيدهم سعيد بن المسيِّب (ت 94هـ) -وهو أحد فقهاء المدينة النبوية السبعة الكبار- كان "يلبس ملاءً شرقية"، ويعتمّ "في الفطر والأضحى عمامة سوداء، ويلبس عليها بُرْنُسًا (= غطاء للرأس) أحمر أرجوانا"، كما ارتدى "البرود الغالية البيض" و"الخز"، و"طيلسانا (= رداء للكتفين والرأس) أزراره ديباج"، وكان "لا يُحفي شاربَه جدًّا، يأخذ منه أخذا حسنا". وهذا صنوه عروة بن الزبير (ت 94هـ) -وهو أيضا من الفقهاء السبعة- كان مثل سعيد في تخفيف شاربه وعدم إحفائه، و"كان يغتسل كل يوم مرة"، و"يلبس رداء مُعَصْفَراً" و"كساء خز"، وارتدى "الطيلسان المزرَّر بالديباج فيه [صُوَرُ] وجوه الرجال". ولبس "في الحر قَباءَ (= قفطان) سُنْدُسٍ مبطنا بحرير" و"كان يصلي في قميص ومِلحفة مشتملا بها على القميص". ويبدو أن أغلب الفقهاء السبعة كان يرى أن إحفاء الشارب مُثْلَةٌ؛ فهذا القاسم بن محمد بن أبي بكر (ت 107هـ) كان مثل سابقيْه "لا يُحفي شاربه"، ورأوا "عليه جُبّة خز وكساء خز وعمامة خز"، وكانت له "قلنسوة من خز أخضر، ورداء سابري (= رقيق جيد) له عَلَم ملوَّن مصبوغ بشيء من زعفران"، وكان "يخضب رأسه ولحيته بالحناء". ومن طريف اعتناء علماء الإسلام -في الصدر الأول- بالأناقة وحثهم عليها أنهم ربطوها بمقتضيات الرقي الإنساني المعبَّر عنه في عصرهم بـ"المروءة"، وقرنوها بزيادة الذكاء وطرد الهموم؛ فقد روى ابن مفلح الحنبلي -في ‘الآداب الشرعية‘- عن الصحابي عبد الله بن عمر (ت 73هـ) أنه قال: "من مروءة الرجل نقاءُ ثوبه". ويرى الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ) -فيما يحكيه عنه القاضي عياض (544هـ) في ‘ترتيب المدارك‘- أن "نقاء الثوب وحسن الهيئة وإظهار المروءة جزء من بضع وأربعين جزءا من النبوة". وفي علاقة الأناقة بزيادة الذكاء والراحة النفسية؛ يروي إسماعيل المُزَني (ت 264هـ) أنه سمع شيخه الإمام "الشافعي (ت 204هـ) يقول من نظّف ثوبه قلّ همُّه، ومن طاب ريحه زاد عقله"؛ حسبما يحكيه عنه ابن الجوزي في ‘صفة الصفوة‘. ويقاوم الإمام مالك -كما ورد عند عياض في ‘ترتيب المدارك‘- دعوات الزهد المظهري فيعلن أن "التواضع في التقى والدين وليس في اللباس"، بل رُوي عنه اعتبار الأناقة علما، فقد قال أبو قرة سمعت مالكاً يقول: "تعلموا من العلم حتى لبس النعل"! بدأت مظاهر الأناقة في الملبس تترسخ في جيل علماء التابعين (الجزيرة) تأريخ للموضة من لطيف اهتمام مؤرخي الإسلام بالأناقة أنهم رصدوا بدقة تواريخ بدء استعمال بعض الأزياء وأول من سنّ "موضتها" في الجزيرة العربية والأمصار الإسلامية؛ فابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ) يذكر -في ‘المعارف‘- أن "أول من لبس طيلسانا بالمدينة جبير بن مطعم (ت 59هـ)، وأوّل من لبس الخِفَاف الساذجة (= غير ملونة ولا مزينة) بالبصرة وثياب الكتان زياد بن أبي سفيان (ت 53هـ)، وأوّل من لبس الخَزَّ.. من العرب عبد الله بن عامر (ت 57هـ)، وأوّل من لبس الدّراريع السُّود المختار بن أبي عبيد" الثقفي (ت 67هـ). ومِن رصْدهم لبدء تاريخ ارتداء بعض الأثواب قول الإمام السيوطي (ت 911هـ) -في ‘الحاوي للفتاوي‘- معلقا على قِصَرِ قلنسوة الصحابي أنس بن مالك (ت 93هـ): "وإنما حدثت القلانس الطوال في أيام الخليفة المنصور في سنة ثلاث وخمسين ومئة أو نحوها. وفي ذلك يقول الشاعر: وكنا نرجِّي من إمام زيادة ** فزاد الإمام المصطفى في القلانس". كما نقل لنا ابن خلّكان (ت 681هـ) -في ‘وفيات الأعيان‘- ضمن أوّليّات القاضي أبي يوسف (ت 180هـ) أنه "أول من دُعي بـ‘قاضي القضاة‘، ويقال إنه أول من غيّر لباس العلماء إلى هذه الهيئة التي هم عليها في هذا الزمان، وكان ملبوس الناس قبل ذلك شيئاً واحداً، لا يتميز أحد عن أحد بلباسه". وكان هذا اللباس -الذي صار زيًّا رسميا للعلماء منذ أيام أبي يوسف- يتكون من طيلسان ومُبَطَّنة (= ثوب مغلف من داخله)، بدليل القصة الطريفة التي رواها أبو الفرج الأصفهاني (ت 356هـ) في ‘الأغاني‘؛ قال: "كان إسحق الموصليّ (ت 235هـ) يدخل في مبطّنة وطيلسان مثل زيّ الفقهاء على المأمون؛ فسأله أن يأذن له في دخول المقصورة (= مكان بمقدمة المسجد مخصص للخليفة وحاشيته) يوم الجمعة بدرّاعة سوداء وطيلسان أسود؛ فتبسّم المأمون وقال له: ولا كلّ هذا بمرّة يا إسحق! ولكن قد اشترينا منك هذه المسألة (= الطلب) بمئة ألف درهم حتى لا تغتمّ، وأمر بحملها إليه فحُمِلت". وعلينا ألا نستغرب لبس الموصلي لزي الفقهاء؛ فقد وصفه الذهبي (ت 748هـ) -في ‘سير أعلام النبلاء‘- بأنه "الإمام العلامة الحافظ.. صاحب الموسيقى". وقد استحسن السيوطي -في ‘الحاوي‘ أثناء نقاشه لجواز تخصيص الأشراف بالعمامة الخضراء- استدلالَ بعض العلماء بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} على "تخصيص أهل العلم بلباس يختصون به من تطويل الأكمام وإدارة الطيلسان ونحو ذلك؛ ليُعرَفوا فيُجَلّوا تكريما للعلم، وهذا وجه حسن". ويرى نجم الدين الغزي (ت 1061هـ) -في ‘حسن التنبُّه لما ورد في التشبه‘- أن من أمارات حمق المرء خروجه "كل ساعة في طور غير الطور المتقدم من حيث الأخلاق، أو من حيث الحركة، أو من حيث الزي؛ فتارة يلبس لباس الأجناد، وتارة لباس الفتيان (= جماعات الفتوة)، وتارة لباس الفقهاء، وتارة يتكلم بالشيء ويناقضه في المجلس، ويقوم ويقعد في المجلس كثيراً، ويخرج منه ويعود كثيراً، إلى غير ذلك من الاختلافات والتطورات". حلقات التدريس في المساجد خلال القرن الثاني شهدت طيفا واسعا من أنواع الملابس الغالية والزاهية (الجزيرة) مجاراة ذوقية لم تتطرق التراجم السنية والشيعية -في حدود بحثنا واطلاعنا- لما يتعلق بأناقة وملابس الإمام زيد بن علي زين العابدين (ت 120هـ)؛ حتى إن أبا القاسم عبد العزيز بن إسحق البغدادي (ت 363هـ) لم يتطرق لذلك في كتابه ‘مختصر مناقب الإمام زيد‘، وإنما اقتصر على ذكر صفاته، وركز على جهاده وزهده وورعه. وجاء في مختصره من صفته أنه كان "مُبدَّنا وسيما جسيما، وكان من أجمل بني هاشم جمالا، وأعظمهم نبلا وكمالا، وأفصحهم لسانا، وأوضحهم بيانا، وأثبتهم جنانا، وأشدهم أركانا، واسع العلم، عظيم الحلم، تجاوز أهل عصره في الزهد والسماحة بالرقة، ولا يمنّ بجوده، ولا يخلف وعده". وفي ‘الطبقات الكبرى‘ لابن سعد أن الإمام زيدا حين غاضب بني أمية "خرج من عند هشام وهو يأخذ شاربه بيده ويفتله ويقول: ما أحب الحياة أحد قطّ إلا ذلّ"! وفتـْـلُ الشارب يدل على أنه كان على مذهب أهل المدينة في عدم جواز استئصاله، وهذه الخرجة هي التي استُشهد فيها وصُلب، ولم يطل عمره فقد عاش اثنين وأربعين عاما، ولم يكن حينها تبلور مذهبه ولا كثر أتباعه، ولعل ذلك هو السبب في عدم حفظ كثير من مناقبه وملابسه ومقتنياته. أما الإمام جعفر الصادق (ت 148هـ) فقد نقلت لنا المراجع السنية والجعفرية نُتَفًا تتعلق بأناقته وآرائه فيها؛ فقد أورد أبو نعيم الأصفهاني (ت 430هـ) -في ‘حلية الأولياء‘- عن سفيان الثوري (ت 161هـ) أنه قال: "دخلت على جعفر بن محمد (= جعفر الصادق) وعليه جبة خز دكناء، وكساء خز إيرجاني، فجعلتُ أنظر إليه معجَباً، فقال لي: يا ثوري ما لك تنظر إلينا؟ لعلك تَعْجب مما رأيتَ؟ قال: قلت: يا ابن رسول الله ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك، فقال لي: يا ثوري، كان ذلك زمانا مُقْفِراً مُقْتِراً، وكانوا يعملون على قدر إقفاره وإقتاره، وهذا زمان قد أقبلَ كلُّ شيءٍ فيه عِزٌّ إليه، ثم حسر عن ردن جبته، وإذا تحتها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل، والردن عن الردن، فقال لي: يا ثوري لبسنا هذا لله، وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه"! وجاء في ’الكافي’ للكُلَيني (ت 329هـ) أن جعفر الصادق قال لعُبيد بن زياد: "إظهار النعمة أحب إلى الله من صيانتها، فإياك أن تتزين إلا في أحسن زي قومك، قال: فما رُئِي عُبيد إلا في أحسن زي قومه حتى مات". وفيه -بعد أن ذكر ما كان الإمام علي يعتاد لباسه- أنه لبس يوما لباسا غيره، ثم قال: "هذا اللباس الذي ينبغي أن تلبسوه، ولكن لا نقدر أن نلبس هذا اليوم، لو فعلنا لقالوا: مجنون! أو لقالوا: مُراءٍ! فإذا قام قائمنا كان هذا اللباس". الإمام أبو حنيفة كان تاجر حرير كبيرا فمكنه ذلك من معرفة واسعة بأنواع الثياب ذات الجودة (الجزيرة) إمام عطِرُ كان لأخبار أناقة الإمام أبي حنيفة (ت 150هـ) حضور مطَّرد في جُلّ الكتب التي سجلت مناقبه؛ فتارة جعلته تحت عنوان: "هَيْئَة أبي حنيفة وصفته وحسن زيه"، كما عند أبي عبد الله الصَّيْمَري (ت 436هـ) في ‘أخبار أبي حنيفة وأصحابه‘؛ أو في "ملبسه" فقط حسب اختيار ابن حجر الهيتمي الشافعي (ت 974هـ) مؤلف كتاب ‘الخيرات الحسان في مناقب أبي حنيفة النعمان‘. لفت انتباهَ مدوني حياة الإمام أبي حنيفة وناقلي أخبار أناقته اهتمامُه الكبير بالعطور وشهرته بذلك؛ فهو حسب الصيمري "كثير التعطر، يُعرَف برِيح الطّيب إِذا أقبل وَإِذا خرج من منزله قبل أَن ترَاهُ" عيون الناس. كما لفت انتباههم كثرة تعهده لنفسه حتى إنه كان "يتعهد شِسْعَه حتى لا يُرَى منقطِعَ الشِّسْع"؛ حسب صاحب ‘الخيرات الحسان‘. وبسبب التعهد المستمر لنفسه وملبسه ومظهره؛ لاحظ جميع من نقل صفته أنه "كان حَسَن الوجه والثوب والنعل والبِرّ والمواساة لكل من أطاف به". وفي رواية أخرى -عند الصيمري- أجملت وصفه أنه "كان لبَّاساً حسن الهيئة"، وثالثة أنه كان "جميل الوجه، سَرِي الثوب"، أي حسن الثياب نظيفها. كما نقلوا احترامه للآداب الاجتماعية في تفاصيل حياته اليومية، فكان حسبما يرويه الخطيب البغدادي (ت 463هـ) في ‘تاريخ بغداد‘ "يُتبيَّنُ عقلُه في: منطقه ومِشيته ومدخله ومخرجه". كما كان للأناقة حضورها البارز في عبادته حتى وهو في خلوات الظلمات، فـ"كان إذا أراد أن يصلي من الليل تزيّن حتى [إنه] يسرح لحيته". ومن طريف اهتمام تلاميذ الإمام الأعظم بنقل تفاصيل أناقته إخبارُهم عن عدد ملابسه وأسعارها؛ فقد نقل ابن البزاز الكردري (ت 827هـ) -في ‘مناقب الإمام الأعظم‘- عن تلميذ أبي حنيفة القاضي أبي مطيع البلخي (ت 199هـ) أنه قال: "رأيتُ عليه (= أبو حنيفة) يوم الجمعة قميصا ورداء قوّمتُهما بأربعة مئةٍ دراهمَ"، أي ما يعادل اليوم 500 دولار أميركي تقريبا. وكأن ابن البزاز -وهو الفقيه الحنفي- خشي أن يظن معاصروه -الذين غلب عليهم التصوف- بإمامه الترفَ والسرفَ؛ فعلّق على قول أبي مطيع: "اعلم أن بعض المتقشفة اختاروا البذاذة (= الرثاثة) في اللباس، وأنه مخالف للنص قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ}". وفي قصة طريفة تنقل لنا أجواء ذلك العصر وعلاقة علمائه فيما بينهم؛ يقول النضر بن محمد (ت 183هـ) وكان صديقا لأبي حنيفة: "قال لي [أبو حنيفة] وقد أراد الركوب: أعطني كساءك وخذ كسائي، ففعلت؛ فلما رجع قال لي: أخجلتني بغلظ كسائك! وكان بخمسة دنانير، ثم رأيت عليه كساء قوّمته بثلاثين دينارا (= 5000 دولار أميركي تقريبا)، وقُوّم رداؤه وقميصه بأربعمئة درهم..، وكان له.. سبع قلانِس"؛ كما في ‘الخيرات الحسان‘. الإمام مالك عُرف بتأنقه في السمت والملبس والمسكن وكانت مقتنياته الثمينة غالبا ما تأتيه هدايا (الجزيرة) تربية جمالية ولم يقتصر أبو حنيفة في مجالسه العلمية على بثّ مباحث الفقه وإنضاج الملكات الإفتائية، بل كان يهتم أيضا بمظاهر طلابه وأناقتهم، وينهاهم عن التقشف. قال الحسن بن زياد (ت 204هـ) فيما يرويه الخطيب في ‘تاريخ بغداد‘: "رأى أبو حنيفة على بعض جلسائه ثيابا رَثَّة، فأمره فجلس حتى تفرق الناس وبقي وحده، فقال له: ارفع المصلى (= السجادة) وخذ ما تحته، فرفع الرجل المصلى فكان تحته ألف درهم، فقال له: خذ هذه الدراهم فغيّر بها من حالك، فقال الرجل: إني موسر وأنا في نعمة ولست أحتاج إليها! فقال له: أما بلغك الحديث: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»؟! فينبغي لك أن تغير حالك حتى لا يغتمّ بك صديقك"!! وإن تساءلنا عن سبب اهتمام أبي حنيفة بأناقته وسرّ خبرته بمراتب الثياب وأسعارها؛ فسنجد الإجابة عند ابن البزاز بأنه "تواتر أنه.. كان يتّجِرُ في الخَزّ مسعودا (= محظوظا) ماهرا فيه، وله دكان في الكوفة، وشركاء يسافرون له في شراء ذلك، ويبيعه مستغنيا بنفسه لا يميل إلى طمع". وذكر لنا الخطيب البغدادي مكان دكان أبي حنيفة فقال إنه "معروف في دار عمرو بن حريث" المخزومي (ت 85هـ) الذي يعدّ من صغار الصحابة، وداره هذه كانت أشهر دار بالكوفة، وحدّد الطبري (ت 310هـ) -في تاريخه- بدقة موقعها فقال إنها كانت "إلى جانب القصر (= قصر الوالي) وسط السوق"، وكان فيها دكاكين التجار. ويبدو أن دكان أبي حنيفة هذا كان عنوان شركة كبرى لتوزيع الخَزّ؛ والدليل على ذلك وجود الشركاء المذكورين، والثراء الذي اشتهر به الإمام الأعظم، والخبرة المالية التي انتشرت عنه في الآفاق؛ حتى أراد أمير الأمويين على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة (ت 132هـ) أن يوّلّيَه "على بيت المال فأبى فضربه أسواطا"، حسبما في ‘تاريخ بغداد‘؛ كما وُجد عنده يومَ وفاته "ودائع بخمسين ألفا ما ضاع منها ولا درهم واحد". استغنى أبو حنيفة بأرباح تجارته الرائجة، وحجزته قناعته الثابتة عن أموال الأمراء والحكام "فما قبِل لأحد منهم جائزة ولا هدية"؛ وفقا لصاحب ‘الخيرات الحسان‘. بل إنه كان يحتال لرفض الجوائز والهدايا؛ فقد رُوي "أن أبا جعفر المنصور (ت 158هـ) أجاز أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم (= 37000 دولار أميركي تقريبا) في دفعات، فقال: يا أمير المؤمنين، إني ببغداد غريب وليس لها عندي موضع، فأجعلها [وديعةً] في بيت المال، فأجابه المنصور إلى ذلك؛ قال: فلما مات أبو حنيفة أخرِجت ودائع الناس من بيته، فقال المنصور: خدعنا أبو حنيفة"!! وكان لأبي حنيفة فلسفة نبيلة في كسب المال وإنفاقه على المحتاجين من زملائه العلماء؛ فقد جاء -في ‘تاريخ بغداد‘- أنه "كان يبعث بالبضائع إلى بغداد فيشتري بها الأمتعة ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح عنده من سنة إلى سنة، فيشتري بها حوائج الأشياخ المحدِّثين وأقواتهم وكسوتهم وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير من الأرباح إليهم، فيقول: أنفقوا في حوائجكم ولا تحمدوا إلا الله، فإني ما أعطيتكم من مالي شيئا، ولكن من فضل الله عليَّ فيكم، وهذه أرباح بضائعكم، فإنه هو والله مما يجريه الله لكم على يدي، فما في رزق الله حول لغيره". وقد رُويت عدة قصص عن رُقِي تعامله مع زبائنه وتطبيقه لمبدأ السماحة الإسلامي في البيع والشراء، فمن نبله التجاري أنه كان يقول: "وما كنت لأربح على صديق"! ولم يهمل المترجمون ذكر منزل أبي حنيفة وأثاثه ومعاشه وعبادته؛ فقد قال الذهبي ‘تاريخ الإسلام‘: "وله دار وصُنّاع (أو ضِياع = مزارع) ومعاش متّسِع". كثير من العلماء كانوا يمارسون التجارة أو يمتهنون حرفة يصرفون منها على مظهرهم المتأنق (الجزيرة) أناقة مؤصلة تناول مترجمو إمام المدينة أخبار أناقته تحت عناوين مختلفة؛ منها عند الإمام عياض في ‘ترتيب المدارك‘: "باب في ملبسه وطيبه وحليته ومسكنه ومطعمه ومشربه"، وعند ابن المِبْرَد الحنبلي (ت 909هـ) في كتابه ‘إرشاد السالك إلى مناقب الإمام مالك‘: "الباب الخامس والثلاثون في صفته وهيئته وتجمله". وفي طي تلك الفصول؛ اهتمَّ الآخذون عن مالك وزواره -من مختلف الأمصار- كثيرا بوصف أناقته وملابسه وطيبه، ومتاع بيته، ورأيه وذوقه في مختلف الألبسة وألوانها، مما يوحي بتبريزه في ذلك. فقد نقلوا أنه كان "جميل الوجه، نقي الثوب رقيقه، يكره أخلاق اللباس"، أي البالية منها. وكانت ثيابه في غاية النظافة فما رأى أحدهم "في ثوب مالك حِبراً قَطّ"، رغم أن طلابه يعدّون بالمئات. وروَوْا أنه كان "لا يلبس الخز ولا يرى لبسه، ويلبس البياض" من الألون، ولعل ترك مالك للباس الخز راجع لاتباعه الشديد لفتاوي عبد الله بن عمر الذي كان "لا يلبس الخز، وكان يراه على بعض ولده فلا ينكره". وحسب عياض؛ فإن من الملابس التي رُئيت عليه "الثياب العدنية الجياد والخراسانية والمصرية المرتفعة (= الثمينة)"، وكان يرتدي "طيلساناً طرازياً وقلنسوة". ومن مظاهر أناقة مالك التي سجلها مترجمو سيرته أنه كان "يُكثر اختلاف اللبوس"؛ فكان "يغيّر ثيابه يوم الجمعة حتى نعله"؛ كما في ‘إرشاد السالك‘. ولاحظوا أن العمامة من لوازم أناقته فكان "إذا أصبح لبس ثيابه وتعمّم، ولا يراه أحد من أهله ولا أصدقائه إلا متعمماً لابساً ثيابه"، ونقل لنا تلمذيه أشهب (ت 204هـ) صفة لبسه عمامته فقال إنه كان "إذا اعتمّ جعل منها تحت ذقنه، ويسدل طرفها بين كتفيه". وقد نقل لنا تلميذه بشر الحافي (ت 227هـ) ثمنا لأحد أثوابه؛ فقال: "دخلت على مالك فرأيت عليه طليساناً يساوي خمسمئة [درهم]، قد وقع جناحاه على عينيه أشبهَ شيء بالملوك"! وكان يؤثر البياض و"يقول: أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب". الإمام الشافعي بلغ من اهتمامه بالذوق الرفيع أنه كان يطيب الأسطوانة التي يلقي عندها دروسه في المسجد (الجزيرة) عناية منزلية ويفيدنا الإمام مالك بتاريخ لبس العلماء هذه الثياب وأول من لبسها منهم، فيقول: "ما أدركت أحداً [من العلماء] يلبس هذه الثياب الرقاق، إنما كانوا يلبسون الصِّفاق (= الغليظة) إلا ربيعة (= شيخه ربيعة الرأي المتوفى 136هـ) فإنه كان يلبس مثل هذا؛ وأشار إلى قميص عليه عدني رقيق". ومن التفاصيل الدقيقة التي أتحفنا بها أصحاب مالك موقفه الرافض للكحل، وأنه كان "إذا اكتحل لضرورة جلس في بيته وكان يكرهه إلا لعلة". أما العطر؛ فذكروا أنه كان "يستعمل الطِّيب الجيد: المسك وغيره". كما نقلوا لنا خبر خاتمه ونقشه؛ فخاتم مالك "الذي مات وهو في يده فَصُّه حجرٌ أسود نقشه سطران فيهما: {حسبنا الله ونعم الوكيل}، بكتاب جليل، وكان يحبسه في يساره وربما خرج علينا وهو في يمنيه، لا نشك أنه إذا توضأ حوَّله في يمينه". وقد سأل مُطَرِّفُ بن عبد الله الهلالي (ت 220هـ) شيخَه وخالَه مالكا عن سبب اختياره لنقش خاتمه؛ فأجابه: "سمعت الله يقول: {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}، قال مطرف: فحوّلت خاتمي وصيرته كذلك". ولمثل هذا التأصيل القرآن حضور كبير في تفاصيل اختيارات مالك في هيئته وأحواله المعيشية، كما نجد في خبره عن الآية المكتوبة على باب بيته، فقد "كان على باب مالك مكتوب": {ما شاء الله}! فقيل له في ذلك، فقال: قال الله: {ولولا إذْ دخلتَ جنتَكَ قلتَ ما شاء اللهُ} الآية، والجنة: الدار". ومن غريب أمر دار الإمام مالك أنها لم تكن ملكا له؛ فقد أخبرنا تلميذ تلامذته أحمد بن صالح المصري (ت 248هـ) أن مالكا "لم يكن له منزل، وكان يسكن بكراء إلى أن مات، وسأله [الخليفة] المهدي (ت 169هـ): ألك دار؟ فقال: لا". وكان بيت مالك المؤجر في الأصل بيتَ الصحابي عبد الله بن مسعود (ت 32هـ) رضي الله عنه. ويؤصل مالك أهمية العناية بالمنزل والاهتمام به بما قال له شيخه ربيعة الرأي من أن "نسب المرء داره"، ولذلك نُقلت لنا تفاصيل أثاثه الفخم؛ فابن عبد البر الأندلسي (ت 463هـ) ينقل -في ‘الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء‘- عن الواقدي (ت 207هـ) ما كان يحتوي عليه بيت مالك من "ضِجاعٍ (= متَّكَآت) ونمارق مطروحة يمْنةً ويسْرةً في سائر البيت لمن يأتيه من قريش والأنصار ووجوه الناس (= وجهاؤهم)". كما كان في "بيته وسائد وأصحابه عليها قعود"، وقد سأله تلميذه خالد بن خداش المهلبي (ت 223هـ) عن هذه الوسائد والأثاث: هل رأى الناس تستعمل ذلك قبله أو إنه شيء أحدثه هو؟ فأجابه مالك: "رأيت الناس عليه". قاضي القضاة أبو يوسف هو أول من حدد زيا خاصا بالعلماء في أواخر القرن الثاني الهاجري (الجزيرة) هندام مرتب ولم يُهمل أصحاب مالك حفظ صورة شيخهم وعنايته بشعره؛ فقالوا إنه "كان طويلا جسيماً عظيم الهامة، أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الصفرة، أعْيَن (= واسع العينين) حسن الصورة أصلع أشمّ (= قائم الأنف)، عظيم اللحية تامّها تبلغ صدره ذات سعة وطول، وكان يأخذ إطار شاربه ولا يحلقه ولا يُحفيه ويرى حلقه من المُثْلة، وكان يترك له سَبَلَتَيْن ويحتجّ [لهما] بفتلة عمر لشاربه إذا همّه الأمرُ". ورغم أن أصحاب مالك رووا أنه "ما رآه أحد قط أكل أو شرب حيث يراه الناس، ولا يضحك، ولا يتكلم فيما لا يعنيه"؛ فإنهم نقلوا لنا بعض الأطعمة التي كان يفضلها، فـ"كان في كل يوم لحمه درهمان، وكان يأمر خبّازه (= طبّاخه) سَلَمَة في كل يوم جمعة أن يعمل له ولعياله طعاماً كثيراً"؛ كما يرويه عياض في ‘ترتيب المدارك‘. وقال تلميذه مطرف: "لو لم يجد مالك كل يوم درهمين يبتاع بهما لحماً إلا أن يبيع في ذلك متاعه لفعل، كانت وظيفته في لحمه"، وكان "فطره خبزا وزيتا" تعده أخته المقيمة معه في بيته. أما عن شرابه وفاكهته المفضلة؛ فكانت تحلية شرابه "في الصيف السكر وفي الشتاء العسل"، وكان "يعجبه الموز ويقول: لم يمسّه ذباب ولا يد…، ولا شيء أشبه بثمر الجنة منه: لا نطلبه في شتاء ولا صيف إلا ووجدته"! وهنا يحضر القرآن فيستدل الإمام على فضل الموز المتوفر في كل الفصول بقول الله تعالى: {أُكْلُها دائِمٌ وظِلُّها}. وثمة رواية تتعلق بمركوب الإمام مالك وهيئة دخوله لمنزله نقلها طلق بن السمح اللخمي (ت 211هـ) فقال: "رأيت مالكاً على بغلة سَرِيّة، بسرج سَرِيّ عليها، وعليه ثياب سَرِيّة، وغلام يمشي خلفه حتى إذا أتى باب داره فدخل راكباً إلى موضع معرسه (= موقفه) فنزل وقعد، فأخذ الغلام منديلاً فمسح خفه ونزعه". وقد أنكر القاضي عياض -في ‘ترتيب المدارك‘- هذه القصة لمخالفتها ما ثبت من ترك مالك الركوب "بالمدينة إكراماً لتربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفون". ولعل التركة التي خلّفها إمام المدينة تنبئنا عن مجمل مقتنياته وطبيعتها، وكانت في معظمها من هدايا الأمراء والتجار والأثرياء من إخوانه العلماء؛ فقد رحل "عن مئة عمامة فضلا عن سواها"، وكان "جميع ما في منزله -يوم مات رحمه الله تعالى- من منصات (= الكراسي) وبرادع وبُسُط ومَخادِدَ (= جمع مـِخدة) محشوّة بريش وغير ذلك، ينيف على خمسمئة دينار". ولعلنا لا نستغرب عدد العمائم -وهي محورية في أناقة مالك- إذا علمنا أنه ترك وراءه عند وفاته "خمسمئة زوج من النعل"! وفقا لرواية عياض، على ما قد توحي به الرواية من مبالغة في العدد! تقدم لنا المصادر اهتماما كبيرا بالأناقة بين العلماء في قرون ازدهار الحضارة الإسلامية (الجزيرة) ذوق شافعي رغم ما صُنف في مناقب الإمام الشافعي من كُتُب ناهزت الأربعين، وما ختم به الخطيب البغدادي ترجمته له -في ‘تاريخ بغداد‘- حين قال: "لو استوفينا مناقب الشافعي وأخباره لاشتملت على عدة من الأجزاء"، واعدا باستيفائها في كتاب مستقل لم تصله أيدينا بعدُ؛ فإن كتب مناقبه الموجودة لم تُطنب في ذكر تفاصيل أناقته، ولعل لقصر عمر الشافعي دورا في ضمور هذا الجانب من حياته، عكس مالك وأبي حنيفة اللذين طالت حياتهما بما يكفي لينعما بحياة ثرية ومرصودة التفاصيل. وقد نقلوا من صفاته الشخصية أنه كان "رجلا طُوَالاً (= طويلا) حسن الخلق محبَّبا إلى الناس، نظيف الثياب فصيح اللسان شديد المهابة، كثير الإحسان إلى الخلق". وحين سُئل تلميذه الربيع المرادي (ت 270هـ) عن لباس الشافعي؛ قال: "كان لباسه مقتصداً، ليس يلبس الثياب الرفيعة: يلبس الكتان والقطن البغدادي، وربما لبس قَلَنْسُوةَ ليسـ[ـت] بمُشْرِفة (= طويلة) جدا، وكان يلبس كثيراً العمامةَ والخُفّ". وعن علاقته بالطيب والعطر؛ روى الإمام البيهقي (ت 458هـ) -في ‘مناقب الشافعي‘- عن حفيده "قال: سمعت أمي تقول: كان أبي لا يتطيّب بالماوَرْد لموضع نكهته، وقال: إنه يشبه المُسْكِر". وجاء في ’ترتيب المدارك’ لعياض "أن الشافعي كان عطِّيراً، وكان غلامه يأتيه كل يوم بغالية (= نوع من الطيب) يمسح بها الأسطوانة التي يجلس إليها" لتدريس طلابه بمسجد عمرو بن العاص (ت 43هـ) في مصر. واحتفظوا لنا بنقش خاتمه الذي كان نَصّه: "اللهُ ثقةُ محمد بن إدريس"؛ حسبما ما جاء في ‘آداب الشافعي ومناقبه‘ لابن أبي حاتم الرازي (ت 327هـ). وبشأن اختيارات الشافعي المتعلقة بالمائدة وذوقه في الطعام؛ يتحفنا القاضي عياض -في ’ترتيب المدارك’- بهذه القصة التي جمعت بين الطرافة وعمق الدلالة في "حداثة" ذلك العصر، حتى في أمر تفصيلي كنا نحسبه من محدثات عصرنا كعادة إعداد "قوائم الطعام" مثلا، أو ربما تخصيص كل يوم في الأسبوع بوصفة طبخ معينة! تقول هذه القصة: "لما قدم الشافعي على [أبي علي] الزعفراني (كان أوثق طلابه بالعراق وتوفي 260هـ) نزل عليه، فكان الزعفراني يكتب للجارية بما يصلح من الألوان (= الوجبات) كل يوم لطعامه. فدعا الشافعي يوماً الجارية ونظر في الكتاب فزاد بخطه لوناً اشتهاه، فلما حضر الطعام أنكر الزعفراني اللون الذي لم يأمر به فسأل الجارية، فأخبرته. فلما نظر في الرقعة (= قائمة الطعام) ووجده بخط الشافعي أعتق الجارية فرحاً بذلك"! بعض العلماء اتخذ التربية الجمالية في الملبس وغيره منهجا يعلمه لأبنائه وطلابه (الجزيرة) سخاء غامر لم يكن الشافعي من وسط تجاري كسابقيْه الإمامين أبي حنيفة ومالك، بل عاش يتيما وخَبَر الفقر حتى ألفه، وكان يقول: "أَنِسْتُ بالفقر حتى صرتُ لا أستوحش منه"، وفي رواية: "ما فزعت من الفقر قَطُّ، ولقد مّر بي بُرْهةٌ من دهري آكل الرَّخْف (= العجين) وأشرب عليها الماء"، و"كان يرى أن طلبَ فُضول الدنيا عقوبةٌ عاقب الله بها أهل التوحيد"؛ كما يروي عنه البيهقي. وحين قال له عبد الله بن عبد الحكم (ت 214هـ): "إن عزمت أن تسكن البلد -يعني مصر- فليكن لك قوت سنة، ومجلس من السلطان تَتَعَزَّزُ به"؛ أجابه قائلا: "يا أبا محمد، من لم تُعِزَّه التقوى فلا عِزَّ له، ولقد وُلدت بغزة ورُبِّيت بالحجاز وما عندنا قوت ليلة، وما بتنا جياعاً". ولخص الشافعي لطلابه تجربته مع الفقر وضيق ذات اليد؛ فقال: "لا يستوحش أحدكم من الإفلاس؛ فإني قد أفلست ثلاث مرات ثم أَيْسَرْتُ"! لم يطل يسار الشافعي الذي أعقب إفلاسه؛ فقد حدّث تلميذُه أبو ثور (ت 246هـ) أن الشافعي أراد "الرجوع إلى مكة ومعه مال، قال: فقلت له وكان قلَّما يُمسك شيئا من سماحته: ينبغي أن تشتري بهذا المال ضَيعة تكون لك ولولدك من بعدك، قال: فخرج ثم قدم علينا فسأَلته عن ذلك المال، فقال: ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها؛ أكثرها قد وُقِفتْ، ولكن قد بنيت بمنًى مَضْرباً (= مسكنا) يكون لأصحابنا إذا حجّوا ينزلون فيه". ولشهرة كرم الشافعي المفرط اهتمت به كتب مناقبه اهتماما كبيرا؛ ومن صوره المعبرة أن هذا الإمام خرج "إلى اليمن مع بعض الولاة، ثم انصرف إلى مكة بعشرة آلاف درهم (= 12000 دولار أميركي تقريبا)، فضرب خباءً في موضع خارج من مكة فكان الناس يأتونه، فما برح من موضعه ذلك حتى فرقها كلها"؛ كما يقول ابن عبد البر في ‘الانتقاء‘. كثير من العلماء حافظوا على البساطة في مظهرهم ومسكنهم وحياتهم الشخصية بشكل عام (الجزيرة) بساطة أنيقة لم تكن أناقة الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) بعيدة من أناقة شيخه الشافعي؛ فعلى كليهما غلب الزهد وانتميا إلى أسرتين فقيرتين، ولذا نجد ابن الجوزي (ت 597هـ) يقول في كتابه ‘مناقب الإمام أحمد‘: "كانت ثياب أحمد بن حنبل بين الثوبين، تساوي ملحفته خمسة عشر درهمًا، وكان ثوب قميصه يؤخذ بالدينار ونحوه، لم تكن له رقّة تُنكر؛ ولا غِلَظٌ يُنكر، وكانت ملحفته مهدّبة". وينقل لنا أن أحمد "لم يكن لباسه بذاك؛ إلا أنه قطن نظيف، وكان بأَخَرَة في لباسه أجودَ لما كان يستعين بالغلة لما استغنى ولده عنها". وكون لباس الإمام أحمد لم يكن متصفا بالجودة العالية؛ لم يمنع ابن الجوزي من تقصي ذكر كل ما رُئي عليه من ملابس في مختلف الفصول، فقد كان يلبس "في الشتاء قميصين وجُبة ملونة بينهما؛ وربما لبس قميصًا وفَرْوًا ثقيلًا"، أو "عمامةً فوق القلنسوة وكساءً ثقيلًا". وكان أصحابه يعجبون من لباسه، حتى قال له مرة جارُه المحدِّث أبو عمران الوَرَكاني (ت 228هـ): "ما هذا اللباس كله؟ فضحك [أحمد] ثم قال: يا أبا عمران، أنا رقيقٌ في البرد"!ٍ وفي فصل الصيف رأوا عليه "قميصًا وسراويل ورداءً، وربما لبس قميصًا ورداءً، واتّـشح بالرداء، وكان كثيرًا ما يتّـشح فوق القميص"، وما رُئي عليه "طيلسان قطّ، ولا رداء، وإنما هو إزار صغير". وأطنب ابن الجوزي في الاستدلال على زهد الإمام أحمد بلبسه الثياب المرقَّعات، وعدم رؤيته مرخيّ الكُمّيْن، وروى عن حفيده زهير بن صالح (ت 303هـ) أن أباه رأى جدّه أحمد يلبس "قلنسوة وقد خاطها بيده فيها قطن، فإذا قام بالليل لبسها". ويورد -في رواية أخرى- قول تلميذه المخلص -الذي لازمه أكثر من عشرين سنة- عبد الملك الميموني (ت 274هـ): "ما أعلم أني رأيتُ أحداً أنظفَ ثوباً ولا أشدَّ تَعاهداً لنفسه في شاربه وشَعر رأسه وشَعر بدنه، ولا أنقى ثَوباً وشِدةَ بياضِ، من أحمد بن حنبل". وعند الذهبي -في السِّيَر- أنه إذا رأيتَ أحمد "تعلَم أنه لا يُظهر النُّسُكَ، رأيت عليه نعلا لا يشبه نعال القُرّاء (= العلماء)..، ورأيت عليه إزارا وجبّة برد مخططة". وثمة روايات أخرى تنقل لنا جانبا من المكانة الكبيرة التي اكتسبها الإمام أحمد ببساطته هذه حتى عند غير المسلمين من أهل الكتاب؛ يقول ابن الجوزي: "قال المروذي: رأيت طبيبا نصرانيا خرج من عند أحمد ومعه راهب، فقال [الطبيب]: إنه (= الراهب) سألني أن يجيء معي ليرى أبا عبد الله. وأدخلتُ نصرانيا على أبي عبد الله، فقال له: إني لأشتهي أن أراك منذ سنين، ما بقاؤك صلاح للإسلام وحدهم، بل للخلق جميعا، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك"! ولذلك لما مات الإمام أحمد خرج في جنازته أتباع الديانات كلها؛ فقد ذكر الخطيب البغدادي أنه لما توفي "وقع المَأْتَمُ والنَّوْحُ في أربعة أصناف من الناس: المسلمين واليهود والنصارى والمجوس"!! الكتب المخصصة لمناقب العلماء احتوت على تفاصيل كثيرة ومثيرة عن أذواقهم في شؤون الحياة المختلفة (الجزيرة) أسانيد السَّمت في تصفحنا هذا لأخبار أناقة أئمة الإسلام واعتناء كتاب المناقب بتفاصيل أخبار حياتهم؛ يتبين لنا زيف ادعاء بعض المستشرقين -مثل الألماني فرانز روزنتال (ت 2003م) في كتابه ‘علم التاريخ عند المسلمين‘- أنه في مؤلفات التراجم الإسلامية "الأحداث الخارجية لحياة صاحب الترجمة لا تظفر إلا بقليل من الاهتمام، اللهم إلا في بعض الحالات المتعلقة بتراجم الولاة والسياسيين". وتكشف لنا هذه الجولة التاريخية في حياة الأئمة المذكورين فيها مدى المكانة التي نالوها في وجدان أتباعهم، بحيث صار رصد تفاصيل يومياتهم جزءا لا يتجزأ من برنامجهم اليومي في طلب العلم و"الهَدْي والدَّلِّ والسَّمْت"، كما تكشف لنا ثراء كتب المناقب والطبقات والتراجم في القضايا التي صارت فيما بعدُ آراء مذهبية في الأخلاق والسلوك، من خلال مباحث الآداب الجامعة التي يذيل بها بعض فقهاء المذاهب كتبهم الفقهية، وخصوصا في المذهبين المالكي والحنبلي. وتفيدنا كتب التراجم أن المناقب التي رواها تلامذة الأئمة صارت سلوكا لبعضهم، بل سندا يتسلسل بين الفقهاء وتلامذتهم، كما تتسلسل أسانيد العلوم إماما عن إمام وجيلا بعد جيل! ونكتفي هنا من ذلك بهذه القصة الدالة التي ذكرها عياض في ‘ترتيب المدارك‘، والحافظ ابن عساكر (ت 571هـ) في ‘تاريخ مدينة دمشق‘، ونصها هنا من المصدر الأخير. فقد قيل لأبي بكر بن إسحق الصبغي (ت 342هـ): "ألا تنظر إلى تمكّن أبي علي الثقفي (ت 328هـ) من عقله، فقال: ذلك عقل الصحابة والتابعين من أهل مدينة رسول الله (ص)! قيل: وكيف ذاك؟! قال إن مالك بن أنس كان أعقل أهل زمانه، وكان يقال إنه قد صار إليه عقول من جالسهم من التابعين؛ فجالسه يحيى بن يحيى (التميمي المتوفى 226هـ) فأخذ من عقله وسمته، حتى لم يكن بخراسان في وقته [أحد] في عقله وسمته، فكان يقالك هذا سمت مالك بن أنس وعقله؛ ثم جالس محمدُ بن نصر (المروزي المتوفى 294هـ) يحيى بن يحيى سنين حتى أخذ من سمته وعقله، فلم يُرَ -بعد يحيى بن يحيى- من فقهاء خراسان أعقلَ منه؛ ثم إن أبا علي [الثقفي] جالس محمدَ بن نصر أربع سنين فلم يكن بعدَه أعقل منه"!! المصدر : الجزيرة
  15. محمد الصياد 14/4/2020 أورد ابن كثير (ت 774هـ) -في ‘البداية والنهاية‘- أن سكرتير السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ) الفاضل البيساني (ت 596هـ) "اقتنى… من الكتب نحواً من مئة ألف كتاب، وهذا شيء لم يفرح به أحدٌ من الوزراء ولا العلماء ولا الملوك ولا الكتّاب" في عهده. مئة ألف كتاب في بيت كاتب السلطان!! ذاك ما يعطيك -أيها القارئ- انطباعا عن سمات الرجال المتنفذين في العصور الزاهرة للحضارة العربية الاسلامية. عرف المسلمون مبكرا المكتبات وصناعة الكتاب، وزينت المكتبات بيوتهم، وكان أهم ما يميز تلك المكتبات هو تنوع محتوياتها وغناها بمختلف مصادر المعرفة، فقامت نهضتهم منذ الصدر الأول على العلوم والمعارف والفلسفات، ولم ينحصروا في علوم الشريعة فحسب، بدليل ما احتوته خزائن كتبهم الخاصة والعامة من مؤلفات متنوعة، وترجمات دقيقة ومتنوعة لفلسفات ومعارف الحضارات القديمة؛ وهو ما يسعى هذا المقال لكشف جوانب منه والبرهنة عليه. اهتمام مبكر كان الأمراء والملوك في الصدر الأوّل يتنافسون في اقتناء الكتب وتأسيس خزائنها، وتقريب العلماء بمختلف فنونهم وتوجهاتهم وتشجيعهم على الكتابة والتأليف ونشر العلم، باعتبار ذلك جزءا لا يتجزأ من تعزيز شرعية الدولة القائمة؛ علاوة على أنّ الحكام -بدءا من الملوك والأمراء الأمويين- أبدوْا رغبة مبكرة في نقل علوم الآخرين بالترجمة، لرفد خزائن كتبهم بتصانيف الثقافات الأخرى. وثمة نصوص متناثرة -في كتب التراجم والطبقات- تلمّح كثيراً إلى وجود مبكر لـ"خزائن الكتب"؛ ومن تلك النصوص ما ذكره جمال الدين القفطي (ت 646هـ) -في ‘إخبار العلماء بأخبار الحكماء‘- من أن الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) لما ذُكر له "كتاب أهرن القس" في علم الطب أراد الاطلاع عليه فـ"وجده.. في خزائن الكتب، وأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه، واستخار الله في إخراجه للمسلمين ليُنتفع به، فلما تم له في ذلك أربعون يوما أخرجه إلى الناس وبثّه في أيديهم". ويذكر ابن عبد البر الأندلسي (ت 463هـ) -في ‘جامع بيان العلم وفضله‘- عن الزهري (ت 124هـ) قوله: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً". ونلحظُ هنا أن الخليفة كان مهتما بكتب الطب التي كانت حينها لصيقة بالفلسفة، وفي نفس الوقت كان معتنيا بجمع السنن المرتبطة بالتفقه في الدين، فلم ير تعارضاً بينهما كما تضخم فيما بعدُ. إلا أنه في عهد الأمويين عموماً ظلت أغلبية الكتب في العلوم النقلية/ الدينية؛ رغم أنه شهد نماذج ريادية لافتة في تأسيس المكتبات الشخصية والعامة بجانب "خزائن الكتب" المملوكة لحكام الدولة. فياقوت الحمويّ (ت 626هـ) يفيدنا -في ‘معجم الأدباء‘- بأن الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية (ت 90هـ) كان "علّامة خبيراً بالطبّ والكيمياء، شاعراً…، قيل عنه: قد علِمَ عِلْم العرب والعجم"، ويضيف ابن خلّكان (ت 681هـ) أنه "كان بصيرا بهذين العلمين (الطبّ والكيمياء) متقنا لهما، وله رسائل دالة على معرفته وبراعته…، وله فيها ثلاث رسائل" من تأليفه. ومع انتقال الدولة إلى العباسيين سنة 132هـ، وتحديدا منذ عهد المنصور (ت 158هـ)؛ كانت البداية الرسمية والمنتظمة لدخول العلوم العقلية والحكمة والفلسفة. يقول حاجي خليفة في ‘كشف الظنون‘: "واعلم أنّ علوم الأوائل كانت مهجورة في عصر الأمويين. ولما ظهر آل عباس كان أول من عُني منهم بالعلوم الخليفة الثاني.. المنصور، وكان مع براعته في الفقه مقدما في علم الفلسفة.. محبا لأهلها". رغم اهتمام المسلمين المبكر بتحصيل العلوم فإن سعيهم لتكوين المكتبات ظل محدودا للغاية (الجزيرة) قفزة تاريخية ويقدم لنا ابن العبري (ت 685هـ) -في ‘تاريخ مختصر الدول‘ نقلا عن القاضي صاعد الأندلسي (ت 462هـ)- تلخيصا جيدا لتطور اهتمام العباسيين بحيازة الكتب وتحصيل العلوم؛ فيقول إنه "كان أول من عُني منهم بالعلوم الخليفة الثاني.. المنصور، وكان مع براعته في الفقه كلفا في علم الفلسفة.. ثم لما أفضت الخلافة فيهم إلى.. المأمون (ت 218هـ).. تمّم ما بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، وداخل ملوك الروم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلسفة، فبعثوا إليه منها ما حضرهم، فاستجاد لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها، فتُرجمت له على غاية ما أمكن؛ ثم حرّض الناس على قراءتها ورغّبهم في تعليمها". أما أن ابن خلدون (ت 808هـ) فيؤكد أن المنصور -وقد كان عالما فقيها- سبق المأمون إلى ذلك "فبعث.. إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة، فبعث إليه بكتاب أوقليدس وبعض كتب الطبيعيات، فقرأها المسلمون واطلعوا على ما فيها وازدادوا حرصا على الظفر بما بقي منها". وهذا يدل على أنّ حركة الترجمة وتعزيز حضور الفلسفة في الحياة العلمية -بجانب علوم الشرع- كان بعناية الدولة وملوكها العلماء، فلم تُحارَب تلك العلوم على غرار ما حدث في أوروبا في العصر الوسيط. وقد شجّع المنصور -حسبما يرويه الخطيب البغدادي (ت 463هـ) في ‘تاريخ بغداد‘- العلماءَ على تأليف الكتب الشرعية، كما حصل مع مالك بن أنس (ت 179هـ) حين أشار عليه بجمع ‘الموطأ‘، وكذلك أمر محمد بن إسحق (ت 213هـ وهو صاحب السيرة النبوية) بأن يصنّف له كتاباً يؤرخ للبشرية منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام؛ فذهب فصنّفه ثم "ألقي الكتاب في خزانة أمير المؤمنين". وفي هذا العصر تعززت صناعة الكتاب وحركة تكوين المكتبات بظهور ورق "الكاغد" في بغداد وبدأ صناعته بعد نقل تقنيته من سمرقند بآسيا الوسطى، فأمر هارون الرشيد (ت 193هـ) ألا يكتب الناس إلا في الكاغد، لأنّ "الجلود ونحوها تقبل المحو والإعادة فتقبل التزوير، بخلاف الكاغد فإنه متى مُحي منه فسد، وإن كُشط ظهره كشطه"؛ كما يقول القلقشندي (ت 821هـ) في ‘صبح الأعشى‘. واستمرت حركة التأليف والترجمة أيضا في عهد الرشيد الذي نجد اسمه يقترن بأول ذكر صريح لـ"خزانة كتب" مضافة ملكيتها إلى خليفة؛ فالمؤرخ النديم (ت 384هـ) عندما تحدث -في ‘الفهرست‘- عن المترجم الكبير أبي سهل بن نوبخت (ت بعد 170هـ)، قال إنه "كان [يعمل] في خزانة الحكمة لهارون الرشيد"، وبذلك يكون أبو سهل هذا هو أول مدير مكتبة معروف لنا اسمه في التاريخ الإسلامي. و"خزانة الحكمة" هذه هي أهمّ خزانة للكتب في العصر الأول للإسلام، ولعلها أول "دار كتب" حكومية في الحضارة الإسلامية؛ يقول القلقشندي محددا أهم هذه المكتبات الحكومية: "أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن: إحداها، خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد، فكان فيها من الكتب ما لا يُحصى كثرة ولا يقوم عليه نفاسة…؛ الثانية، خزانة الخلفاء الفاطميين بمصر وكانت من أعظم الخزائن وأكثرها جمعا للكتب النفيسة من جميع العلوم…؛ الثالثة، خزانة خلفاء بني أمية بالأندلس وكانت من أجلّ خزائن الكتب أيضا". الوراقون الذين امتهنوا نسخ الكتب وتجليدها وزخرفتها أعطوا دفعة كبيرة لنمو المكتبات بشكل سريعة (الجزيرة) توظيف سياسي لقد أصبحت خزائن الكتب تلك أحد أوجه التنافس المحموم على الشرعية الشعبية والدينية بين ثلاثةِ أنظمةِ خلافةٍ، ظهرت متزامنة في القرن الرابع في ثلاثة من أقطار العالم الإسلامي الكبرى: الأسرة العباسية ببغداد وما يتبعها من مناطق ويمثلها "بيت الحكمة" الذي كان من أمنائه سهل بن هارون (ت 215هـ)؛ والأسرة الفاطمية في مصر والشام وبعض الغرب الإسلامي، وترمز لها "دار العلم" التي نعرف من أمنائها الشابشتي (ت 388) صاحب ‘الديارات‘؛ والأسرة الأموية في بلاد الأندلس وبعض مناطق الغرب الإسلامي، وقد أسست لها "خزانة العلوم والكتب" التي وصلنا من أسماء أمنائها تليدُ الخصي الصقلبي، مولى الخليفة الأموي الحكم المستنصر (ت 366هـ). وقد نقل لنا المقري (ت 1041هـ) -في ‘نفح الطيب‘- معطيات بالغة الأهمية عن حجم خزانة كتب الأمويين هذه وكيف تكوّنت؛ فقال إن المستنصر هذا "كان محبًّا للعلوم مكرِما لأهلها، جمّاعا للكتب في أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله. قال أبو محمد بن حزم (ت 456هـ): أخبرني تليد الخصي -وكان على ‘خزانة العلوم والكتب‘ بدار بني مروان (= قصر الخلافة)- أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، وفي كل فهرسة عشرون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين لا غير، وأقام للعلم والعلماء سوقا نافقة جلبت إليها بضائعه من كل قُطر…؛ وكان يبعث في [طلب] الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار، ويرسل إليهم الأموال لشرائها، حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه…، واجتمعت بالأندلس خزائن من الكتب لم تكن لأحد من قبله ولا من بعده". أما مكتبة الفاطميين فيحدثنا عن ضخامتها المؤرخ ابن أبي شامة (ت 665هـ) -في ‘الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية‘- قائلا إنها "كانت من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان بها ألف ومئتان وعشرون نسخة بتاريخ الطبري، ويقال إنها كانت تحتوي على ألفيْ ألف وست مئة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة (= المتقَنة) أشياء كثيرة". وتأثراً بهؤلاء "الخلفاء الكبار"؛ زاد حرص سلاطين وملوك الدول الصغيرة الأقل شأنا على إنشاء "دور الكتب"، حتى أصبح ذلك تقليدا شائعا يعزز استقطاب بلاطاتهم للعلماء والمثقفين الكبار، ويدفع بالحركة العلمية في بلدانهم برعاية رسمية ترسخ شرعية السلطة في نفوس شعبها. ومن نماذج مكتبات السلاطين الصغار هذه ما ذكره المؤرخ الصفدي (ت 764هـ) -في ‘نكث الهميان في نكت العميان‘- من أن "طرابلس [بلبنان] كانت بها خزائن كتب موقوفة"، أسستها أسرة بني عَمّار الكتامية التي كانت تحكم المنطقة وتتبع للدولة الفاطمية. وكذلك ما يذكره ابن أبي أصيبعة (ت 668هـ) -في ‘عيون الأنباء‘- نقلا عن الفيلسوف والطبيب ابن سينا (ت 428هـ) في وصف خزانة كتب سلطان بخارى نوح بن منصور الساماني (ت 387هـ)؛ فيقول -واصفا ضخامتها ودقة تصنيف وترتيب كتبها- إن السلطان مرض مرة "فأجروا ذكري بين يديه وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركتهم في مداواته، وتوسمت خدمته فسألته يوما الإذن لي في دخول دار كتبهم ومطالعتها..، فأذن لي فدخلت دارا ذات بيوت كثيرة، في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على بعض، وفي بيت فيها كتبُ العربية والشعر، وفي آخر الفقه، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد، فطالعت فهرست كتب الأوائل..، ورأيت من الكتب ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس قطّ، وما كنت رأيته من قبل، ولا رأيته من بعد". وعن خزائن كتب معاصره السلطان البويهي عضد الدولة (ت 372هـ) ومرافقها وحسن تنظيمها ودقة إدارتها؛ يقول المقدسي البشاري (ت 380هـ) في ‘أحسن التقاسيم‘: "وبنى بشيراز دارا لم أرَ في شرق ولا غرب مثلها…، وسمعت رئيس الفراشين يقول: فيها ثلاثمئة وستون حجرة…، وخزانة الكتب على حدة، وعليها وكيل وخازن ومشرف من عدول البلد. ولم يبق كتاب صنّف إلى وقته من أنواع العلوم كلها إلا وحصله فيها". حركة الترجمة لكتب الثقافات الأخرى إلى العربية زادت تنوع المكتبات الإسلامية وغناها بمختلف الأفكار (الجزيرة) وجاهة سلطانية وتأثر بالسلاطين وزراؤهم وكتّابهم فسعوا مثلهم لرسم صورة زاهية عنهم في عيون الناس وخاصة العلماء؛ فكان مثلا للوزير البويهي الكبير الفضل بن العميد (ت 360هـ) خزانة كتب كبيرة أسند إدارتها للفيلسوف مسكويه (ت 421هـ)، الذي يروي لنا بنفسه -في ‘تجارب الأمم‘- ضخامة تلك الخزانة وتعرضها للاعتداء؛ فقال: "واشتغل (الجنود) الخراسانية بنهب داره واصطبلاته وخزائنه..، وكان إليَّ خزائن كتبه فسلِمت من بين خزائنه ولم يُتعرض لها…، واشتغل قلبه بدفاتره (= كتبه) ولم يكن شيء أعز عليه منها، وكانت كثيرة فيها كل علم، وكل نوع من أنواع الحكمة والأدب، تُحمل على مئة وِقْرٍ (= حِمْل دابة) وزيادة". وجريا في هذا المضمار؛ أسّس الوزير البويهي الصاحب ابن عباد (ت 385هـ) مكتبة ضخمة قال عنها بنفسه وفق ما يرويه الحموي في ‘معجم الأدباء‘: "اشتملت خزائني على مئتين وستة آلاف مجلد". ويضيف الحموي أن الملك نوح الساماني "أرسل إلى الصاحب [ابن عباد] في السر يستدعيه إلى حضرته ويرغّبه في خدمته..، فكان من جملة اعتذاره [له] أن قال: كيف يحسن بي مفارقة قوم بهم ارتفع قدري، وشاع بين الأنام ذكري، ثم كيف لي بحمل أموالي مع كثرة أثقالي، وعندي من كتب العلم خاصة ما يُحمل على أربعمئة جمل أو أكثر"!! ولعل هذه المكتبة هي التي قصدها الحموي حين تحدث عن مخطوطة بمدينة الريّ (= طهران اليوم) رآها أحدهم في "دار كتبها التي وقفها الصاحب ابن عباد". وفي الأندلس تغالى عِلّية الناس في تكوين المكتبات الشخصية وبالغوا في تميّز محتوياتها وجودة مخطوطاتها؛ فها هو المقري يصف لنا العاصمة قرطبة فيقول إنها "أكثر بلاد الأندلس كتبا و[أهلها] أشد الناس اعتناء بخزائن الكتب، صار ذلك عندهم من آلات التعيّن (= الوجاهة الاجتماعية) والرياسة، حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، وينتخب فيها ليس إلا لأن يقال: فلان عنده خزانة كتب! والكتاب الفلاني ليس هو عند أحد غيره! والكتاب الذي هو بخط فلان قد حصّله وظفر به"!! ومن نماذج كتّاب السلاطين ذوي المكتبات الكبيرة؛ ما أورده الإمام ابن كثير (ت 774هـ) -في ‘البداية والنهاية‘- من أنّ الفاضل البيساني كاتب السلطان صلاح الدين (ت 589هـ): "قد اقتنى… من الكتب نحواً من مئة ألف كتاب، وهذا شيء لم يفرح به أحدٌ من الوزراء ولا العلماء ولا الملوك ولا الكتّاب" في عهده! ويقول القلقشندي إنه حين أطاح صلاح الدين بحكم الفاطميين عُرضت مكتبتهم للبيع "فاشترى القاضي الفاضل أكثر كتب هذه الخزانة، ووقفها بمدرسته الفاضلية بدرب ملوخيا بالقاهرة، فبقيت فيها إلى أن استولت عليها الأيدي فلم يبق منها إلا القليل". وكذلك الأديب بهاء الدين زهير الأزدي (ت 656هـ) وكان كاتبا لسلطان مصر الصالح أيوب (ت 647هـ)؛ فقد زار بيتَه الأديبُ علي بن سعيد المغربي (ت 685هـ) فقال عن مكتبته وفق ما أورده الصفدي (ت 764هـ) في ‘الوافي بالوفيات‘: "وصلتُ إلى ميعاده فوجدته بخزانة كتبه، فكانت أول خزانة ملوكية رأيتها لأنها تحتوي على خمسة آلاف سفر ونيف"!! رغم اقتصار إنتاج الكتاب على النسخ اليدوي طوال ألف سنة فقد امتلكت المكتبات الشخصية والعامة مئات الآلاف من المصنفات (مواقع التواصل) مكتبات علمائية جاء اقتناء الفقهاء والعلماء للكتب تأسِّياً بالبذرة التي بذرها الصحابة والتابعون في هذا الشأن، إذ كانت لكلّ صحابي صحائف وكتب خاصة به، وربما كتب فيها أحاديث عن النبي (ص). ويروي ابن سعد (ت 230هـ) -في ‘الطبقات الكبرى‘- عن عروة بن الزبير تحسّره على ما أحرِق له من كتب في معركة الحَرَّة سنة 63هـ، فقال: "لأن تكون عندي أحبّ إليّ من أن يكون لي مثل أهلي ومالي". وواقعة الحرة شهدها كثير من الصحابة والتابعين، ويلزم من ذلك أنّ الصحابة عرفوا الكتب وحرصوا عليها خشية اندراس العلم. ويذكر ابن عبد البر -في ‘جامع بيان العلم وفضله‘- قولَ الإمام يونس بن يزيد الأيلي (ت 160هـ): "قلت للزهري أخرج إليّ كتبك، فأخرج إلي كتباً فيها شعر"؛ وهو مما يعني أنّ كتبهم لم تكن دينية فقط. ويذكر النديم أنّ الواقديّ (ت 207) ترك بعد وفاته مكتبة كبيرة فيها "ستمئة قِمَطْرٍ (= وعاء للكتب) كُتُباً، كل قِمَطْر منها حِمْلُ رجلين، وكان له غلامان مملوكان يكتبان الليل والنهار، وقبل ذلك بيع له كتب بألفيْ دينار"! ثم تطور اهتمام العلماء بتكوين مكتباتهم الشخصية وبذلهم نفائس ما يملكونه في ذلك، حتى صار حجم بعضها يقارن بمكتبات الوزراء والأمراء بل والملوك، فكانوا يصفون العالم بأنه صاحب "خزانة ملوكية" إذا بلغ عدد كتبه خمسة آلاف؛ كما يُفهم من رواية ابن سعيد المغربي المتقدمة. ومنهم الفقيه أحمد ابن الذويد الصعدي اليمني (ت 1020هـ) الذي "اجتمع له من الكتب خزانة ملوكية"؛ كما يقول ابن زبارة الصنعاني (ت 1381هـ) في كتابه ‘الملحق التابع‘. تتنوع المكتبات إلى خاصة وعامة، وأخرى وقفية تكون عادة في المساجد والزوايا والمدارس ونحو ذلك؛ فمن أمثلة المكتبات الخاصة ما ذكرناه عن المكتبات العلمائية والسلطانية، إضافة إلى المكتبات التي كانت تزود بها قصور الأمراء والسلاطين، وهناك المكتبات العامّة المفتوحة أمام الجمهور. ومن الأمثلة المبكرة للأخيرة مكتبة عبد الحكم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي التي أنشأها -في نهاية القرن الأول الهجري- بمكة المكرمة قرب الحرم، وكانت أشبه بناد ثقافي متعدد الأنشطة ذُكر لنا من رواده الشاعر الأحوص الأنصاري (ت 105هـ). يقول المؤرخ القرشي الزبير بن بكار -في كتابه ‘جمهرة نسب قريش وأخبارها‘- إن الجمحي هذا "اتّخذ بيتا فيه شترنجات (= شطرنج) ونَرْدات (= لعبة الطاولة) وقِرْقات (= ألعاب أطفال)، ودفاتر فيها من كل علم، وجعل في الجدار أوتادا فمن جاءه علق ثيابه على وتد منها، ثم جرّ دفتراً فقرأه، أو بعض ما يُلعب به فيلعب مع بعضهم". وكانت ثمة مكتبات عامة ملحقة بالمساجد، وبأبنية المدارس العلمية والمستشفيات، وزوايا الصوفية ونحوها؛ ومن هذا القبيل ما يحكيه ياقوت الحموي -في ‘معجم البلدان‘- عن خزائن كتب مساجد مَرْوَ بخراسان، التي يجعلها من أسباب حبه لتلك البلاد وعزمه المكوث فيها لولا غزو التتار لمدنها؛ يقول: "ولولا ما عرا من ورود التتر (= التتار) إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات، لما في أهلها من الرِّفد ولين الجانب وحسن العشرة، وكثرة كتب الأصول المتقنة بها، فإني فارقتها وفيها عشر خزائن للوقف لم أرَ في الدنيا مثلها كثرة وجودة"! ثم يأخذ الحموي في تعداد وتسمية هذه الخزائن مقدما لمحة عن نظام إعارة الكتب فيها، فيقول: "منها خزانتان في الجامع إحداهما يقال لها العزيزية…، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكمالية..، وبها خزانة شرف الملك المستوفي (ت 494هـ).. في مدرسته…، وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحق في مدرسته، وخزانتان للسمعانيين، وخزانة أخرى في المدرسة العميدية، وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها، والخزائن الخاتونية في مدرستها، والضميرية في خانكاه (= مدرسة صوفية) هناك. وكانت [كتبها] سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مئتا مجلّد وأكثر بغير رهن، تكون قيمتها مئتيْ دينار؛ فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها، وأنساني حبها كل بلد وألهاني عن الأهل والولد، وأكثر فوائد هذا الكتاب (= ‘معجم البلدان‘) وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن". تفنن الملوك والوزراء والتجار وأصحاب النفوذ في تأسيس المكتبات الفخمة والغنية في الحواضر الكبرى من العالم الإسلامي (الجزيرة) خزائن وقفية ويروي ابن الجوزي أنه في سنة 515هـ شبّ حريق في جامع أصفهان وهو "جامع كبير أنفِقت الأموال في العمارة له، وكان فيه من المصاحف الثمينة نحو خمسمئة مصحف، من جملتها مصحف ذُكر أنه بخط أبيِّ بن كعب" (ت 30هـ) رضي الله عنه. ويذكر ابن عساكر (ت 571هـ) -في ‘تاريخ دمشق‘- أن زميله في الرحلة لطلب العلم أبا بكر ابن ياسر الجياني الأندلسي (ت 566هـ) لما جاء إلى حلب "سُلّمت إليه ‘خزانة الكتب النورية‘ بها فأجرِي عليه جراية (= راتب شهري)…، ووقف كتبه على أصحاب الحديث". وينقل المقري عن ابن سعيد المغربي وصفه ‘المدرسة العادلية‘ التي بناها السلطان الأيوبي العادل (ت 615هـ) في دمشق للشافعية؛ بأنها "في نهاية الحسن، وبها خزانة كتب فيها تاريخ ابن عساكر". وكانت في "مسجد عقيل" بنيسابور (تقع اليوم شمال شرقي إيران) مكتبة ضخمة كما هو مقتضى ما أورده ملك حماة المؤرخ أبو الفداء (ت 732هـ) في ‘المختصر في أخبار البشر‘، قال: "في هذه السنة (= 556هـ) تقدم المؤيد أيْ بَهْ (السجْزي المتوفى 568هـ) بإمساك أعيان نيسابور لأنهم كانوا رؤساء للحرامية والمفسدين..، فخربت نيسابور وكان من جملة ما خرب مسجد عقيل، وكان مجمعاً لأهل العلم، وكان فيه خزائن الكتب الموقوفة، وخرب من مدارس الحنفية سبع عشرة مدرسة، وأحرق ونهب عدة من خزائن الكتب". وضمن المكتبات الضخمة التي بناها السلاطين ملحقةً بمدارس العلم التي كانوا ينشئونها؛ يأتي النموذج البارز ممثلا بالمدرسة المستنصرية ببغداد التي بناها الخليفة العباسي المستنصر (ت 640هـ)، وافتتحها سنة 631هـ. ويصف ابن الفُوَطي (ت 723هـ) -في ‘الحوادث الجامعة‘- مكتبة المستنصرية قائلا: "نُقل.. إلى المدرسة من الرَّبعات الشريفة والكتب النفيسة -المحتوية على العلوم الدينية والأدبية- ما حمله مئة ستون حمالا، وجُعلت في خزانة الكتب، وتقدم إلى.. ضياء الدين أحمد -الخازن بخزانة كتب الخليفة التي في داره-.. فحضر.. ورتبها أحسن ترتيب مفصِّلا لفنونها ليَسْهُل تناولُها ولا يتعب مُناولُها…، ثم خلع على… المعينين للخدمة بخزانة الكتب، وهم الشمس علي بن الكتبي الخازن"، الذي يفيدنا هذا النص الثمين بأنه كان أول مدير لهذه المكتبة العظيمة، التي لم تلبث سوى ربع قرن حتى دمرها المغول باجتياحهم بغداد سنة 656هـ. إن أكثر ما كان يشغل العالم بعد موته هو كتبه، فيخشى أن تقع في أيدي من لا يعرف قيمتها، علاوة على ألم الفقد في ذاته، ولذا فقد لجأ كثير من العلماء إلى وقف كتبهم بعد موتهم أو حتى في حياتهم. وقد تكررت كثيراً في كتب تراجم العلماء عبارة أن فلانا "وَقَفَ كُتبَه" ونحوها، مما يعني أن ذلك كان ثقافة شائعة لدى العلماء في تلك العصور، كما يشير إلى أهمية دَوْر الوقف في تشكّل خزائن الكتب عبر التاريخ الإسلامي. فهذا الإمام المحدّث ابن حبان البستي (ت 354هـ) وضع "خزانة كتبه في يديْ وصيٍّ سلّمها إليه، ليبذلها لمن يريد نسخ شيء منها.. من غير أن يخرجه" من دار المكتبة؛ حسب الحموي في ‘معجم البلدان‘. ووقف يحيى ابن جزلة الطبيب (ت 473هـ) كتبه على مشهد الإمام أبي حنيفة (ت 150هـ)، وأوصى الخطيبُ البغدادي بوقف كتبه بعد موته، وتحصَّل محمد ابن البندهي (ت 584هـ) على كتب لم تحصل لغيره وأوقفها جميعها بخانقاه السميساطي بدمشق. وترجم السمعاني (ت 562هـ) -في كتابه ‘الأنساب‘- لأبي المعالي الرشيدي (توفي أوائل القرن السادس) فقال إنه "وقف كتبه في الجامع المنيعى (بنيسابور)، واحترق جميع كتبه في الخزانة التي في الجامع في فتنة الغُزِّ (= قبائل تركية)" الأولى سنة 548هـ. وهو ما يعني وجود خزائن كتب عامّة بهذا الجامع العظيم الشهير، الذي بناه التاجر الكبير أبو علي المنيعي المخزومي (ت 463هـ)، وكان من خطبائه الإمام الجويني (ت 478هـ). المكتبات الإسلامية حاطها العلماء بضوابط تنظم الاستفادة من محتوياتها مطالعة وإعارة وصيانة (الجزيرة) تحريق وتغريق وقام رشيد الدين الوطواط (ت 573هـ) بوقف ألف مجلد على خزائن الكتب، وقال في رسالة له حسبما نقله الحموي في ‘معجم الأدباء‘: "وها أنذا قد أتاني الله من الوجه الحلال قريبا من ألف مجلد من الكتب النفيسة، والدفاتر الفائقة، والنسخ الشريفة، ووقفت كلها على خزائن الكتب المبنية في بلاد الإسلام -عمرها الله- لينتفع المسلمون بها". وفي ترجمة الخليفة العباسي المستنصر لدى ابن كثير -في ‘البداية والنهاية‘- قال إنه "وضع ببغداد المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة…، ووقف فيها كتبا نفيسة ليس في الدنيا لها نظير". وبعضهم بيعت كتبه بعد موته؛ فقد ترجم ابن حجر (ت 852هـ) -في ‘الدرر الكامنة‘- لابن القيم (ت 751هـ) وقال إنه "كان مُغْرًى بجمع الكتب فحصّل منها ما لا يُحصر، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلاً، سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم". وبعضهم باع كتبه بسبب فقره، وكان هذا أشدّ على نفسه من فقده أحبابه وخِلّانه. وبعضهم أحرق كتبه بنفسه نزوعا إلى الزهد والعزلة للتعبد أو احتجاجا على إهمال المجتمع إياه وخذلانه له. ولعل من أقدم نماذج الفريق الأول الإمام اللغوي أبو عمرو بن العلاء البصري (ت 158هـ) الذي يقول الجاحظ عنه (ت 255هـ) -في ‘البيان والتبيين‘- إنه "كانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتاً له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرّأ (= تزهّد) فأحرقها كلها؛ فلمّا رجع بعدُ إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه". ومن الفريق الثاني الفقيه الشافعي والأديب الكبير أبو حيان التوحيدي (ت بعد 400هـ) الذي يقول عارضا أسباب حرقه للكتب بعبارة حزينة مؤلمة: "ثمّ اعلم أنّ هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته..، على أني جمعت أكثرها للناس…، فما صحّ لي من أحدهم ودٌّ…؛ فها قد أصبحتُ في عشر التسعين وهل لي بعد الكبر والعجز أملٌ في حياة لذيذة؟". ثم يخبرنا بأن حرق الكتب ظاهرة معروفة بين العلماء، فيقول: "ولي في إحراق الكتب أسوة بأئمة يُقتدى بهم ويؤخذ بهديهم"!! وبعضهم احترقت كتبه كُرهاً؛ فقد قال الذهبيّ (ت 748هـ) -في ‘تذكرة الحفّاظ‘- إنّ قاضي مصر ومُحدّثها عبد الله بن لَهِيعة (ت 174هـ) احترقت كتبه سنة 169 فكثُر الوهم في حديثه. وفي ترجمة الإمام الخِرَقي الحنبلي (ت 334هـ) من ‘البداية والنهاية‘ لابن كثير: "وكان الخرقي هذا من سادات الفقهاء والعبّاد..، خرج من بغداد مهاجرًا لما كثر بها الشر والسبُّ للصحابة، وأودع كتبه في بغداد فاحترقت الدار التي كانت فيها الكتب، وعُدمت مصنفاته". وجاء في ‘معجم الأدباء‘ للحموي ضمن ترجمة أبي عليّ الفارسيّ (ت 377هـ): "قال عثمان بن جِنّي (ت 392هـ): حدثني شيخنا أبو عليّ أنه وقع حريق بمدينة السلام (= بغداد) فذهب به جميع علم البصريين…، وسألته عن سلوته وعزائه، فنظر إليّ عاجباً ثم قال: بقيت شهرين لا أكلّم أحداً حُزناً وهمّا"!! وذكر المقريزي (ت 845هـ) -في ‘المواعظ والاعتبار‘- أنه في سنة 691هـ وقع حريق في خزانة الكتب بقلعة الجبل في القاهرة "فأتلف بها من الكتب -في الفقه والحديث والتاريخ وعامة العلوم- شيء كثير جدًّا كان من ذخائر الملوك، فانتهبها الغلمان وبيعت أوراقًا محرقة، ظفر الناس منها بنفائسَ غريبةٍ ما بين ملاحمَ وغيرها، وأخذوها بأبخس الأثمان". وبعضهم غرقت كتبه؛ قال ابن الجوزي (ت 597هـ) في ‘المنتظم‘: "لما وقع الغرق سنة أربع وخمسين وخمسمئة غرقتْ كتُبي، وسَلِم لي مجلَّد فيه ورقتان بخط الإمام أحمد" بن حنبل (ت 241هـ). ومن طرائف إتلاف الكتب بالغرق ما أورده ابن أبي أصيبعة من أن الأمير أبا الوفاء المُبشِّر بن فاتك (ت 500هـ) كان "محبا لتحصيل العلوم وكانت له خزائن كتب، فكان في أكثر أوقاته إذا نزل من الركوب لا يفارقها وليس له دأب إلا المطالعة والكتابة، ويرى أن ذلك أهم ما عنده. وكانت له زوجة كبيرة القدر أيضا من أرباب الدولة، فلما توفي رحمه الله نهضت هي وجوارٍ معها إلى خزائن كتبه -وفي قلبها [غِيرة] من الكتب وأنه كان يشتغل بها عنها- فجعلت تندبه، وفي أثناء ذلك ترمي الكتب في بركة ماء كبيرة في وسط الدار هي وجواريها، ثم شيلت الكتب بعد ذلك من الماء وقد غرق أكثرها". كثير من العلماء وقفوا كتبهم على المكتبات العامة في المساجد والمدارس أو حرقوها لأسباب مختلفة بينها اعتزال المجتمع زهدا أو احتجاجا (الجزيرة) إتلاف عقابي وهناك أحداث سياسية -كحروب الغزو الأجنبي وفتن الاقتتال الداخلي ونكبات الأنظمة الحاكمة لمن تسخط عليهم سياسيا أو فكريا- أدت إلى إفناء الكتب بالحرق أو الغرق ونحوهما. وقد أشار القلقشندي إلى هذه الأسباب حين ذكر مصير المكتبات الثلاث الكبرى بالحضارة الإسلامية؛ فقال إن مكتبة الفاطميين "لم تزل.. إلى أن انقرضت دولتهم بموت.. آخر خلفائهم، واستيلاء السلطان صلاح الدين.. على المملكة"؛ وكذلك خزانة الأمويين بالأندلس "لم تزل إلى انقراض دولتهم باستيلاء ملوك الطوائف على الأندلس، فذهبت كتبها كلَّ مذهب"؛ وأما مكتبة العباسيين فظلت قائمة "إلى أن دهمت التتر بغداد.. فذهبت خزانة الكتب فيما ذهب". وذكر ابن الأثير (ت 630هـ) -في ‘الكامل‘- أنه في أحداث سنة 555هـ "قُبض على القاضي ابن المرخم.. وأخذت كتبه فأحرِق منها في الرحبة ما كان من علوم الفلاسفة". وعن حرق المغول لخزائن كتب مدينة ساوة (تبعد اليوم عن طهران نحو 140 كم) سنة 619هـ؛ يقول ياقوت في ‘معجم البلدان‘: "فجاءها التتر الكفار الترك فخُبِّرتُ أنهم خربوها…، وكان بها دار كتب لم يكن في الدنيا أعظم منها، بلغني أنهم أحرقوها"! لم يكن اقتناء العلماء والفقهاء للكتب أمراً سهلاً بسبب الفاقة والعوز، ومع ذلك فقد قدموا الكتب على المال والطعام والمبلس، وآثروا حياة التقشف من أجل العلم والتعلم والتعليم. فقد نقل النووي (ت 667هـ) -في ‘تهذيب الأسماء واللغات‘- أن إمام المحدِّثين علي بن المديني (ت 234هـ) قال إن معاصره يحيى بن معين (ت 233هـ) -وهو أيضا أحد أئمة الحديث- قال: "ما أعلم أحدا كتب من الحديث ما كتب يحيى بن معين، وخلف والده معين ليحيى ألف ألف درهم وخمسين ألف درهم (= قرابة 1.3 مليون دولار) أنفقها كلها في الحديث، حتى لم يبق له نعل يلْبَسُها". وفي الإنفاق على الكتب وخزائنها يقول ابن الجوزيّ في رسالته إلى ولده: "اعلم يا ولدي أن أبي كان موسراً، وخلَّف ألوفا من المال، فلمّا بلغتُ دفعوا لي عشرين ديناراً، ودارين، وقالوا لي: هذه التركةُ كلُّها، فأخذتُ الدنانير واشتريتُ بها كتباً من كتب العلم، وبعتُ الدارين وأنفقت ثمنها في طلب العلمِ، ولم يبق لي شيءٌ من المالِ، وما ذَلَّ أبوك في طلب العلم قطّ". وجاء في ‘ذيل طبقات الحنابلة‘ لابن رجب الحنبلي (ت 795هـ) ضمن ترجمة ابن الخشاب الحنبلي (ت 567هـ) أنه "لم يمت أحد من أهل العلم وأصحاب الحديث إلا وكان يشتري كتبه كلها، فحصلَتْ أصولُ المشايخ عنده، وكان لا يخلو كُمّه من كتب العلم…؛ ولمّا مرض أُشهد بوقف كتبه فتفرقت وبيع أكثرها ولم يبق إلا عشرها، فتُركت في رباط المأمونية [ببغداد] وقفاً". ووصف الذهبي -في ‘تذكرة الحفاظ‘- أبا العلاء الهمذاني (ت 569هـ) بأنه "الحافظ العلامة المقرئ شيخ الإسلام…، عمل داراً للكتب وخِزانة [في همذان]، ووقَفَ جميع كتبه فيها، وكان قد حصّل الأصول الكثيرة، والكتب النادرة الكبارَ الحسان، بالخطوط المعتبَرة، وأرْبى على أهل زمانه في كثرة السماعات، مع تحصيل أصول ما سَمِعَ، وجودة النُّسخ وإتقان ما كتبه بخطّه، فإنّه ما كان يكتب شيئا إلا منقَّطاً مُعْرَباً". المكتبات الإسلامية كانت تسند إدارتها إلى موظف اسمه "الخازن" وغالبا ما يكون من ذوي المعرفة بفن من الفنون أو أكثر (الجزيرة) آداب وضوابط وإذا كان بذل المال لشراء الكتب يأتي في مقدمة طرائق جمع المكتبات وتأسيسها ولا سيما الخاصة منه؛ فإن هناك طرقا أخرى ساهمت في تكوين المكتبات العامة والخاصة وإثرائها، منها الوقف -كما رأينا في نماذج سابقة- والإهداء والاستنساخ. ومن أمثلة شراء الكتب لتأسيس مكتبة شخصية ثم توقيفها لإثراء مكتبة عامة؛ ما ذكره الحافظ ابن حجر -في ‘إنباء الغُمر‘- من أن قاضي الديار المصرية والشامية إبراهيم ابن جماعة الكناني الحموي (ت 790هـ) "خلّف من الكتب النفيسة ما يعزّ اجتماع مثله، لأنه كان مغرماً بها، فكان يشتري النسخة من الكتب التي إليها المنتهى في الحسن، ثم يقع له ذلك الكتاب بخط مصنفه فيشتريه ولا يترك الأولى، إلى أن اقتنى بخطوط المصنِّفين ما لا يُعبَّر عنه كثرةً، ثم صار أكثرها لجمال الدين محمود الأستادار (ت 799هـ)، فوقفها لمدرسته بالموازنيين (تُعرف الآن بـ"جامع الكردي" في القاهرة) وانتفع بها الطلبة إلى هذا الوقت". ولأهمية الكتب لديهم؛ أفتى العلماء بحرمة سرقتها؛ يقول ابن الجوزي: "كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة وهي تقدح في الأصول، كاستعارة طلاب العلم جزءاً لا يردونه..، ونحو ذلك مما يُظنّ صغيراً وهو عظيم". وغالبا ما يشترط الواقف شروطا ليصون كتبه فيُفاد منها غاية الاستفادة، وفي ذلك يقول التاج السبكي (ت 771هـ) في ‘معيد النعم‘: "وكثيراً ما يشترط الواقف ألا يخرج الكتاب إلا بِرَهْنٍ يحرز قيمته؛ وهو شرط صحيح معتبر، فليس للخازن (= أمين/مدير المكتبة) أن يعير إلا برهن". وأيضا هناك مسألة نسخ الكتب أو استنساخها بالإجارة على نسخها، التي كان يُلجأ إليها لتكوين مكتبة إذا تعذر امتلاك الكتاب بالشراء والإهداء ونحوهما، ويقول ابن جماعة (ت 733هـ) -في ‘تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم‘- مبينا ضابط ذلك: "وإذا أمكن تحصيلها شراءً لم يشتغل بنسخها، ولا ينبغي أن يشتغل بدوام النسخ إلا فيما يتعذر عليه تحصيله لعدم ثمنه، أو أجرة استنساخه". عرفت المكتبات الإسلامية ضوابط صارمة لتنظيم مطالعة الكتب في قاعاتها، أو إعارتها لقراءتها في المنازل، كما امتازت بدقة ترتيب رفوف الكتب وفهرسة محتوياتها حسب حقول المعرفة وموضوعاتها، إضافة إلى توفير جُلّ ما يتعلق بالكتب مما فيه خدمة قرائها ومطالعيها، وقد مرّت هنا بنا نصوص تشير لبعض ذلك. ففي الأندلس غربا؛ يحدثنا مؤرخ ثقافتها المقري -في نفح الطيب- بأن المستنصر الأموي "جمع بداره (= خزانة كتبه بقرطبة) الحُذّاق في صناعة النسْخ، والمَهَرَة في الضبط والإجادة في التجليد، فأوعى من ذلك كله". وفي العراق شرقا؛ يخبرنا المعري (ت 449هـ) -في ‘رسالة الغفران‘- عن مشاركة نسوية في العمل بالمكتبات، فيذكر لنا الجاريةَ "توفيق السوداء التي كانت تخدم بدار العلم ببغداد" أيام البويهيين، وكان من مهمتها مساعدة الوراقين بأن تُخرِج "الكتبَ للنُّسّاخ". وعن طريقة تصفح الكتب وضوابطه؛ يقول ابن جماعة إن المطالع "إذا نسخ من كتاب أو طالعه فلا يَضَعُهُ على الأرض مفروشاً منشوراً، بل يجعله بين كتابين أو شيئين، أو كرسي الكُتُب المعروفِ، كيلا يسرع تقطيع حبكه". وقد رجّح العلماء جواز استعارة الكتب وإعارتها وبينوا آداب الاستعارة وضوابط الإعارة؛ فقال ابن جماعة: "وينبغي للمستعير أن يشكر للمعير ذلك ويجزيه خيرا، ولا يطيل مقامه عنده من غير حاجة. بل يرده إذا قضى حاجته، ولا يحبسه إذا طلبه المالك. ولا يجوز أن يصلحه بغير إذن صاحبه، ولا يحشِّيه (= يكتب في هوامشه)". وعن احترام الكتاب يقول: "ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس أو غيرها، ولا مخدة ولا مروحة.. ولا مستَندا ولا متكَئأً". بعد تراجع الحضارة الإسلامية في القرون الثلاثة الأخيرة انتقل كثير من كنوز مكتباتها إلى خزائن ومتاحف الغرب بالشراء تارة والنهب تارات (الجزيرة) أمناء علماء وكما رأينا سابقا؛ فإنه على الأقل منذ عصر الرشيد العباسي ظهرت وظيفة "خازن الكتب" أو مدير المكتبة بمصطلحنا اليوم، وكان من ضمن وظائفه الإشراف على وضع فهرسة دقيقة لكتبها، وترتيبها وتصنيفها وتعهدها بالصيانة، وقد ذكرنا فيما سبق أسماء شخصيات بارزة تولت وظيفة "خازن الكتب" في أهم مكتبات الحواضر الإسلامية. ونضيف إليهم هنا المحدّث أبا صالح النيسابوري (ت 470هـ) الذي وصف ياقوت الحموي -في ‘معجم الأدباء‘- مهامه ووظيفته بقوله: "الحافظ الأمين.. كان عليه الاعتماد في الودائع من كتب الحديث المجموعة في الخزائن الموروثة عن المشايخ، الموقوفة على أصحاب الحديث، وكان يصونها ويتعهّد حفظها ويتولّى أوقاف المحدثين من الحبر والكاغد وغير ذلك، ويقوم بتفرقتها عليهم وإيصالها إليهم". وكذلك تاج الدين ابن الساعي البغدادي (ت 674هـ) الذي وصفه الصفدي بأنه "المؤرخُ خازنُ [كُتُب المدرسة] المستنصرية" ببغداد التي تقدم الحديث عنها. والملاحظُ أنّ كافة من تولوا منصب "خازن الكتب" كانوا من العلماء العارفين ببعض العلوم؛ فكان مثلا أبو صالح النيسابوري محدثا كبيرا، وكذلك أبو يوسف الخازن الإسفراييني (ت 488هـ) الذي يصفه ابن شاكر -في ‘فوات الوفيات‘- بقوله: "كان خازن الكتب بالنظامية (= المدرسة النظامية ببغداد)، وهو فقيه فاضل حسن المعرفة بالأصول (= العقائد)..، وله معرفة بالأدب، وكان يكتب خطا جيدا". وقد تكلم الفقهاء على وظيفة "خازن الكتب" هذه فبينوا واجباتها وآدابها؛ فيقول التاج السبكي: "وحقٌّ عليه (= الخازن) الاحتفاظ بها وترميم شعثها، وحبكُها عند احتياجها للحبك، والضِّنّة بها على من ليس من أهلها، وبذلها للمحتاج إليها، وأن يقدم في العارية الفقراء الذين يصعب عليهم تحصيل الكتب على الأغنياء". وتفيدنا المصادر بأن هؤلاء الخزنة كانوا يستخدمون "دواء البراغيث" لصيانة الكتب وترميمها إذا "هلكت الكتب.. بالبراغيث وعيثهم فيها وعبثهم بها"؛ كما نجد في حكاية طريفة أوردها الصابئ (ت 480هـ) في ‘الهفوات النادرة‘. وأخيراً وبعهد عهود زاهرة بالعطاء المعرفي؛ كمُنت الحضارة الإسلامية نتيجة انشغال الناس عن تحصيل العلم، وضعف حرصهم على بذل الغالي والنفيس من أجل الكتب. وتوازى ذلك مع تحول الملوك والأمراء من محبين للقراءة وخزائن الكتب إلى مراحل من الملك الجبري غير المستند على أي من أنواع المعرفة. يقول القلقشندي -في ‘صبح الأعشى‘- بعد أن ذكر مكتبات العالم الإسلامي الثلاث الكبرى: "أما الآن فقد قلّت عناية الملوك بخزائن الكتب، اكتفاءً بخزائن كتب المدارس التي ابتنوها من حيث إنها بذلك أمسّ". فلم يعد يعني السلاطين تقريب الفلاسفة والعلماء والأدباء كما كانوا سابقا، لأسبابٍ كثيرة متعلقة بما هو داخل الجماعة العلمية، وما هو داخل إدارة الدولة، وأخرى متعلقة بالخارج وتعرض دولة الإسلام لهجماتٍ مميتة من الشرق والغرب كادت أن تودي بالإسلام كلّه، ثمّ حدث التحول العميق إثر نشوء الدولة الحديثة فتبدلت مناطات تعزيز شرعية الحاكم، وقاد ذلك إلى تغيّر شديد في ثقافة العلماء وثقافة الأمراء والعلاقة بين الطرفين! المصدر : الجزيرة
×
×
  • Create New...