Jump to content

خديجة محمد

الأعضاء
  • Content Count

    4
  • Joined

  • Last visited

About خديجة محمد

  • Rank
    عضو جديد
  1. بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :- (( المرأة في السنة النبوية الشريفة / تعليم المرأة )) أما عن تعليم المرأة فقد وردت آيات القرآن الكريم أول ما أنزلت تحض على العلم لكل مؤمن ومؤمنة فكانت أول آية نزلت على رسول الله صل الله عليه وسلم هي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[1]. كما قال تعالى: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾[2]. ويقول أيضًا: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾[3] كذلك قال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾[4] ويقول أيضًا ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾[5]. إذن كان العلم هو أساس من الأسس التي قام عليها الإسلام ونادى بها، وقد ذكر عن الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: «يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الله الأرض الميتة بوابل السماء»[6]. وقد وردت عدة أحاديث عن رسول الله صل الله عليه وسلم تنادي بأهمية العلم وحق العلم كفريضة على الرجل والمرأة سواء بسواء، من ذلك قوله صل الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»[7]. كما أخرج البخاري في كتاب العلم حديث رسول الله صل الله عليه وسلم عن أبي بردة عن أبيه عن رسول الله صل الله عليه وسلم: «ثلاثة لهم أجران رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وحق مواليه. ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران»[8]. كما أخرج البخاري في كتاب العلم أيضًا حديثا عن ابن عباس قال: أشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صل الله عليه وسلم خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يأخذ في طرف ثوبه»[9]. كما كان النبي صل الله عليه وسلم يحرص على أن يجعل للمرأة يومًا يعظها فيه ويعلمها. من ذلك ما ذكر في كتاب العلم للبخاري[10] عن أبي سعيد الخدري قالت النساء للنبي صل الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يومًا من نفسك فوعدهن يومًا لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن: «ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار. فقالت امرأة: واثنتين فقال: واثنتين». وبذلك كانت المرأة تحضر مجالس العلم لرسول الله صل الله عليه وسلم وتسأله وتناقشه وتتفهم وتعي لكل ما يقال لها ويُدّرس لها. كذلك كان رسول الله صل الله عليه وسلم يأمر المرأة، مثلها في ذلك مثل الرجل أن تقوم الليل تطلب العلم والعظة، فعن أم سلمة أم المؤمنين «رضي الله عنها» «قالت: استيقظ النبي صل الله عليه وسلم ذات ليلة فقال سبحانه الله ماذا أنزل الله من الفتن وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صواحبات الحجر قرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة»[11]. وقد قدر النبي صلى الله عليه وسلم العلم أيما تقدير حتى أنه أمر النساء بالتفقه في العلم دون حياء. فقد أخرج البخاري عن مجاهد أنه قال «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين»[12] حتى أن أم سليم بنت ملحان الأنصارية كانت تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسل المرأة فيجيبها ولا يجعل الحياء مانعًا عن التفقه في العلم والدين[13]. كما أمر صل الله عليه وسلم الرجال أن يتركوا النساء يخرجن إلى المساجد بعد استئذانهن لأزواجهن كما ذكرنا سابقًا، وذلك للعلم والتعلم وتلقي العظة[14]. وقد أمر صل الله عليه وسلم بتعليم المرأة واهتم بذلك، فقد طلب من الشفاء بنت عبد الله من بني كعب بن عدي القرشية أن تعلم زوجته حفصة رضي الله عنها القراءة والكتابة كما علمتها «رقية النملة». وكانت الشفاء بنت عبد الله من فضليات النساء وعقلائهن، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدمها في الرأي ويرعاها حتى ولاها شيئًا من أمر السوق[15]. كذلك كانت النساء الصحابيات يحفظن الكثير من الأحاديث عن رسول الله صل الله عليه وسلم ويروين عنه صل الله عليه وسلم[16]. كما أن النبي صل الله عليه وسلم لم يمنع نساءه من أن يجلسن للفتيا ورواية الحديث. فقد ورد عنه صل الله عليه وسلم أنه قال عن عائشة رضي الله عنها: «خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء» كما قال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مؤمن ومؤمنة». وقد عقب الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت على ذلك بقوله: إن الإسلام قد أوجب على المرأة مثلها مثل الرجل معرفة العقائد والعبادات والحلال والحرام في التكليف، سوى أن الإسلام رفع عنها الإلزام في بعض التكاليف لا لأنها غير أهل لها، ولو فعلتها لم تقبل منها ولم تثبت عليها، ولكن أبيح لها تركها تخفيفا عنها وترخيصًا لها، وبعدًا بها عن مزاحمة الرجال، وتفريغًا لها في خدمة البيت والإشراف عليه ورعاية الأبناء، وذلك كما في صلاة الجمعة والجهاد، ولو أنها آثرت حضور الصلاة الجامعة أو أدخلت في الصفوف المحاربة لما كان عليها من خرج في الدين[17]. لذلك كان رسول الله صل الله عليه وسلم يأمر بخروج النساء حتى القواعد لشهود صلاة العيدين كما كانت نخرج لصلاة الجمعة، إلا أن ذلك لم يكن واجبًا عليها نظرا لتبعات الأسرة والأمومة المنوطة بها. وقد كان صل الله عليه وسلم يهدف من وراء ذلك إلى تعليم المرأة أمور دينها والإجابة عن كل ما يخص المرأة من أمور خاصة بدينها أو حياتها الخاصة أو العامة، فقد ود حديث عن أم عطية الأنصارية عن رسول الله صل الله عليه وسلم قالت «أمرنا أن نخرج الحيض يوم العيدين، وذوات الخدور، فيشهدن جماعة المسلمين دعوتهم يعتزل الحيض عن مصلاهن. قالت امرأة: يا رسول الله إحدانا ليس لها جلباب، قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها»[18]. بعد أن يخطب رسول الله صل الله عليه وسلم في الرجال، ينزل إلى النساء فيعظهن، ويرد على استفساراتهن في أخص حياتهن بما يفهمن من خلاله حقيقة دينهن وواجباتهن وحقوقهن[19]. ومن النساء اللائي وقفن يسألن عن حقيقة دينهن ويتعلمن من معلمهن الأكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يترك صل الله عليه وسلم سؤالًا إلا ويجيب عليه. من ذلك أن نسيبة بنت كعب الأنصارية سألت رسول الله صل الله عليه وسلم عن وضع المرأة في الإسلام فردت السماء مجيبة عليها بذلك بما أثلج صدور كل المؤمنات[20]. كما جاءت أم رعلة القشيرية من بني صعصعة - وهي امرأة فصيحة - إلى رسول الله صل الله عليه وسلم فقالت له: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته إنا ذوات الخدور، ومحل أزر البعول، ومربيات الأولاد، وممهدات المهاد، ولا حظ لنا في الجيش الأعظم فعلمنا شيئًا يقربنا إلى الله عز وجل» فقال صل الله عليه وسلم: «عليكن بذكر الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، وغض البصر، وخفض الصوت - الحديث»[21]. وبذلك كانت المرأة في عهد رسول الله صل الله عليه وسلم حريصة حرصًا شديدًا على التقرب إلى الله عز وجل وألا تكون في ذلك أقل قدرًا من الرجل. كذلك كانت المرأة في عصر الرسالة تفد مندوبة عن النساء إلى رسول الله صل الله عليه وسلم تسأله عما يحيك في صدر النساء تجاه قضية معينة، فيعجب رسول الله صل الله عليه وسلم أيما إعجاب بقولها، ويرد عليها بما يثلج صدورهن جميعًا من ذلك أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأشهلية، وهي المشهورة بأم عامر الأنصارية كانت امرأة فصيحة ذات رأي صائب، وكانت خطيبة النساء إلى رسول الله صل الله عليه وسلم، جاءت إليه فقالت له: «يأبى أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، ومن ورائي جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي، وعلى مثل رأيي، أن الله تعالى بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل، وإن الرجل إذا خرج حاجًا أو معتمرًا، أو مجاهدًا، حفظنا لكم أموالكم وغزلنا لكم أثوابكم وربينا أولادكم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله» فالتفت رسول الله صل الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال: «هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالًا عن دينها من هذه؟» فقالوا: بلى يا رسول الله. فقال صل الله عليه وسلم: «انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته واتباعها موافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال» فانصرفت أسماء تهلل وتكبر استبشارًا بما قاله رسول الله صل الله عليه وسلم لها [22]. وقد تمخضت هذه اللقاءات برسول الله صل الله عليه وسلم عن علم غزير للصحابيات فروى عدد كبير منهن الحديث كما جلس عدد أيضًا للفقه وعلى رأسهن «أمهات المؤمنين» رضي الله عنهن[23]. كما حرصت المرأة على أن تستخلص من خلال لقاءاتها ومناظراتها مع رسول الله صل الله عليه وسلم أحكامًا روتها من خلال أحاديثها من ذلك نجد أم الفضل بنت الحارث روت حديثًا أن أناسًا تماروا[24] عندها يوم عرفة في صوم النبي صل الله عليه وسلم. فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه[25] وأم الفضل هذه هي لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صل الله عليه وسلم، وقد كان هذا العمل من أم الفضل ذكاء علميًا ودينيًا حيث حرصت على معرفة حقائق دينها بفطنة هدتها إلى الحكم الشرعي بوسيلة لطيفة لائقة في يوم كان شديد الحر بعد الظهيرة[26]. هذا وقد أدى حرص المرأة على طلب العلم إلى أن تطلب من رسول الله صل الله عليه وسلم أن يجعل لهن يومًا مثلهن في ذلك مثل الرجال لينهلن العلم عنه صل الله عليه وسلم فقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله صل الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، وفي رواية: غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله فقال: اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا. فاجتمعن فأتاهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمهن مما علمه الله، ثم قال: «ما منكن امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كان لها حجابًا من النار. فقالت امرأة منهن: يا رسول الله اثنين؟ قال: فأعادتها مرتين ثم قال: واثنين، واثنين واثنين»[27]. ومن مجادلة هذه المرأة لرسول الله صل الله عليه وسلم ما يبين حرص المرأة على تعلم أمور دينها. بالإضافة إلى طلبها بيوم آخر زائد عن الأيام التي شاركن فيها الرجال في سماع خطب رسول الله صل الله عليه وسلم في المسجد[28]. وقد تواردت أحاديث كثيرة روتها النساء عن رسول الله صل الله عليه وسلم كلها تدل على حرص المرأة على تعلم شؤون دينها وأحكامه. منقول [1] العلق/ 1 - 5. [2] طه/ 114. [3] المجادلة/ 11. [4] آل عمران/ 18. [5] القلم/ آية 1. [6] موطأ مالك، كتاب الجامع، ما جاء في طلب ص 848 ط بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط 1405هـ/ 1985م. [7] البخاري: كتاب العلم «باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». [8] انظر: باب تعليم الرجل أمته وأهله. [9] انظر: كتاب العلم: باب عظة الإمام النساء وتعليمهن. [10] باب: هل يجعل للنساء يوم على حده في العلم. [11] انظر صحيح البخاري/ كتاب العلم/ باب العلم والعظة بالليل. [12] كتاب العلم/ باب الحياء في العلم. [13] انظر البخاري: كتاب العلم/ باب الحياء في العلم. [14] انظر: البخاري: كتاب النكاح، باب استئذان المرأة زوجها في الخروج إلى المسجد وغيره. [15] انظر: ابن عبد البر: الاستيعاب ج 4 ص 332 - ص 335، ابن حجر: الإصابة ج 4 ص 333 - ص 334، ابن الأثير: أسد الغابة مج 7 ص 162 - ص 163. [16] انظر الجزء الخاص بروايات الحديث. [17] الإسلام عقيدة وشريعة ص 228. [18] أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب وجوب الصلاة في الثياب، وانظر أيضا صحيح مسلم: كتاب صلاة العيدين، باب إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى وشهود الخطبة مقارنة للرجال. [19] أخرجه مسلم في كتاب صلاة العيدين: باب موعظة الإمام للنساء يوم العيد وانظر أيضًا اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان كتاب صلاة العيدين. [20] انظر: المرأة في التشريع الإسلامي – في القرآن الكريم وانظر أيضًا طبقات ابن سعد ج 8 ص 301 – 304، أبو نعيم: حلية الأولياء ج 2 ص 64 – 65، ابن الأثير: أسد الغابة مج 7 ص 33، ص 255، 280 - 281، ص 371 - 372. [21] انظر: أسد الغابة لابن الأثير: مج 7 ص 331، ابن حجر: الإصابة ج 4 ص 431 – 432. [22] انظر طبقات ابن سعد ج 8 ص 233، ابن عبد البر الاستيعاب ج 4 ص 233، أبو نعيم حلية الأولياء ج 2 ص 76 - 77، ابن الأثير أسد الغابة مج 7 ص 18... 2، 343، ابن حجر الإصابة ج 4 ص 229، ص 441، ابن الجوزي فهوم الأثر ص 316 - 317. [23] انظر الفصل الخاص بروايات الحديث والفقيهات. [24] أي تجادلوا. [25] انظر: صحيح البخاري: كتاب الصوم باب صوم يوم عرفة، صحيح مسلم: كتاب الصوم باب استحباب الفطر للحاج بعرفات يوم عرفة. [26] انظر ترجمتها في الإصابة لابن حجر ج 4 ص 461، وانظر أيضًا: عبد الحليم أبو شقة: تحرير المرأة في عصر الرسالة ج 2 مشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية، دار القلم بالكويت، 1410هـ/ 1990م ص 205. [27] انظر صحيح البخاري: كتاب العلم، باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم، كتاب الاعتصام، باب تعليم النبي صل الله عليه وسلم أمته من الرجال والنساء مما علمه الله ليس برأي ولا تمثيل انظر أيضًا: صحيح مسلم باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه. [28] انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ج 1 ص 207 وشرحه عند هذا الحديث وانظر أيضًا: عبد الحليم أبو شقة: تحرير المرأة في عصر الرسالة ج 2 مشاركة المرأة المسلمة في الحياة الاجتماعية ص 205. §§§§§§§§§§§§§§§§
  2. مستغلاً فوضى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، أعلن تنظيم داعش خراسان، الفرع الإقليمي لتنظيم داعش، حضوره في المشهد الجديد، بتفجير انتحاري في الحشود عند أحد بوابات مطار كابول، متسبباً في حصيلة قتلى بلغت 13 جندياً أمريكياً، و90 أفغانياً، من بينهم 28 من طالبان، إضافة إلى 150 مصاباً. ونجح التنظيم في تسليط الضوء على نفسه، وهو الهدف الذي رام إليه في المقام الأول، ليطرح أسئلة عديدة حول مستقبل التنظيم في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي الغربي، وتفكك الجيش الأفغاني، ومستقبل التعاون الأمني الأمريكي مع حركة طالبان لمواجهة التنظيم، الذي بات لواشنطن ثأر معه، لن تتنازل عنه. في أواخر عام 2014 أعلنت مجموعة منشقة عن حركتَي طالبان باكستان وأفغانستان، مبايعة تنظيم داعش، بعد قليل من إعلان التنظيم عن خلافته الإسلامية في سوريا العراق، بعد سيطرته على مناطق واسعة في البلدين، ومطلع عام 2015 أعلن داعش قبوله البيعة، وتأسس بذلك رسمياً تنظيم داعش خراسان، ونشط التنظيم في قتال القوات الأمريكية والجيش الأفغاني وحركة طالبان على السواء، ونفّذ عمليات دموية ضدّ المدنيين، في الولايات والعاصمة كابول، خصوصاً بحقّ الشيعة، ومنها الهجوم على شيعة خلال حفل زفاف في كابول، أسفر عن مقتل 91 شخصاً، عام 2019، والهجوم على مستشفى للتوليد في حي تقطنه أغلبية شيعية في كابول، وأسفر عن مقتل 25 شخصاً، من بينهم 16 أماً ورضيعاً، في 2020. ومنذ عام 2015، شنّت الولايات المتحدة والقوات الأفغانية هجمات متتالية ضدّ معاقل التنظيم، خصوصاً في ولاية ننغرهار، شرق أفغانستان، والقريبة من الحدود مع باكستان، وألقت القوات الجوية الأمريكية القنبلة المعروفة باسم "أم القنابل"، من طراز "جي بي يو-43/بي"، وهي قنبلة عصف هوائي جسيمة، على مناطق تضم شبكة كهوف وأنفاق يتحصن فيها التنظيم عام 2017، ولم تصدر بيانات حول نتائج القصف. وخسر التنظيم الآلاف من مقاتليه في المواجهات، وبلغت خسائره على يد القوات الأمريكية والأفغانية، حتى عام 2019، مقتل واعتقال أربعة أمراء للتنظيم، ومقتل 11.700 مقاتل، وأسر 686 مقاتلاً، واستسلام 375 آخرين، وهي حصيلة كبيرة تسببت في انحسار نشاط التنظيم، إلا أنّها كشفت من جهة أخرى القدرات العالية التي مكنته من تجنيد هذا العدد الكبير، ومدى إمكانية تكرار ذلك بعد الانسحاب الأمريكي. ويقول الباحث في الحركات الإسلامية المسلحة، أحمد سلطان إنّ "تنظيم داعش خراسان نوع من الانشقاقات على طالبان؛ لأنّ المجموعة القيادية التي أسست التنظيم وبايعت البغدادي، تشكّلت من ثلاثة من طالبان أفغانستان، وتسعة من طالبان باكستان، كما ضمّ التنظيم المنشقين عن طالبان، من الغاضبين على سياستها، والمختلفين عنها عقائدياً. وأردف سلطان، في حديثه لـ "حفريات": "حركة طالبان لا تبدي تسامحاً مع المنشقين، واتبعت مقاربة استئصالية، وهاجمت معاقل التنظيم"، وردّ الأخير بعمليات ضدهم، وعدّهم حركة وطنية مرتدة، متحالفة مع واشنطن. وبدأ انحسار التنظيم بعد الضربات التي تلقاها عام 2018، وانزوى في معاقله النائية في ولاية ننغرهار، وبعض الجيوب في الشمال، إلى جانب الخلايا النائمة داخل العاصمة والمدن، وقدّرت الأمم المتحدة عدد أعضائه بحوالي 2000 فرد، كما ضمّ التنظيم عناصر منشقة عن القاعدة، وتزامن صعوده وانحساره مع صعود التنظيم المركزي في سوريا والعراق ثم انحساره ويرى الباحث سلطان؛ أنّ القيادة المركزية لداعش تولي اهتماماً خاصاً بفرعها في افغانستان، باعتباره ركيزة أساسية، تعتمد عليها في ترويج سرديتها الجهادية، وضمن مقاربتها للاستثمار في الفروع بعد هزيمة المركز، وقدمت دعماً مالياً كبيراً للتنظيم الإقليمي، وأرسل زعيم داعش السابق، أبو بكر البغدادي، مندوبين عنه إلى أفغانستان لتقييم أداء القيادة المحلية، وبناء على التوصيات قام بعزل الأمير الداعشي هناك، المعروف بـ "مولوي ضياء الحق"، أو "أبو عمر الخراساني"، وتولية عبد الله أوركزاي خليفةً له، واعتقل الأخير في أيار (مايو) 2020. ورغم الخسائر التي مُني بها التنظيم، على مستوى القيادات والأفراد، إلا أنّه حافظ على قوة مقاتلة تتراوح بين ألفين إلى ثلاثة آلاف فرد، بجانب وجود شبكات وخلايا نائمة، ومصادر تمويل ودعم، وأثبتت هجمات التنظيم بعد عام 2019 فعالية خلاياه النائمة، منها؛ الهجومان على الشيعة، والهجوم على سجن جلال أباد، عاصمة ولاية ننغرهار، ومحاولة اغتيال النائب الأول للرئيس ورئيس جهاز الاستخبارات السابق، أمر الله صالح، وقصف محيط القصر الرئاسي مطلع العام الجاري. ويرى الباحث أحمد سلطان؛ بأنه رغم النزيف القيادي الذي أصاب داعش في أفغانستان، أثبت التنظيم الإرهابي قدرته على التكيف والبقاء في بيئة عملياتية وتنظيمية مضطربة، بل وضاعف عدد وحدة الهجمات الإرهابية التي ينفذها، ليثبت أنه ما يزال رقماً صعباً في المعادلة الأفغانية، وينجح في فرض حضوره على الساحة، خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي. وإذا كان التنظيم نجح في البقاء وتنفيذ عمليات في ظلّ وجود التحالف الدولي والجيش الأفغاني، فمن المرجح بقوة أن يستفيد من الفراغ الناتج عن الانسحاب وانهيار الجيش الأفغاني، وما تبع ذلك من فوضى أمنية في الولاية الحدودية مع مناطق القبائل في باكستان، التي تضمّ العديد من الحركات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش وشبكة حقاني. ويتوقع الباحثون أن تتزايد قوة التنظيم ما بعد الانسحاب الأمريكي، ليصبح رقماً صعباً في معادلة افغانستان الجديدة، وإذا دخلت حركة طالبان في صراعات داخلية بين أجنحتها المعتدلة والمتشددة، سيمثّل ذلك فرصة للتنظيم لاستقطاب المتشددين، الذين سيكونون عائقاً أمام الحركة في وضع تسويات محلية وإقليمية ودولية، ضمن وضعها الجديد، كالسلطة الحاكمة في البلاد. يضاف إلى ذلك تدعيم صفوف التنظيم بالعناصر التي هربت من السجون الأفغانية، وتلك التي أطلقت حركة طالبان سراحها، ضمن جملة السجناء الذين أفرجت عنهم، وهو ما يجعل الحركة أكثر عرضة لهجمات داعش خراسان، سواء باستهداف تمركزاتها وحلفائها المحليين مباشرة، أو بالضغط عليها كسلطة حاكمة عبر استهداف المدنيين، وهو وضع مختلف عما سبق بالنسبة للحركة، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية على الحركة لضمان عدم تمدد خطر التنظيم إلى دول الجوار. ورداً على تفجيرات كابول، شنّت الولايات المتحدة هجوماً بطائرة مسيّرة على منزل في ولاية ننغرهار، وأعلنت عن مقتل أحد المسؤولين عن التخطيط في داعش خراسان، وقالت مصادر عسكرية أمريكية أنّه "مرتبط بالتخطيط للهجوم الانتحاري على مطار كابول". وصرّح قائد القيادة المركزية الأمريكية، كينيث ماكينزي، أنّ بلاده تمدّ طالبان بمعلومات استخباراتية محددة، حول تنظيم داعش خراسان، منذ 14 آب (أغسطس) الجاري، ضمن خطتها لتأمين عملية الانسحاب والإجلاء. وذكر ماكينزي؛ أنّ حركة طالبان استفادت من هذه المعلومات في إحباط هجمات لداعش، وألمح إلى إمكانية البناء على هذا التعاون في مكافحة داعش. ويقول الباحث أحمد سلطان إنّ هناك تفاهمات بين طالبان والدول الإقليمية حول الأمن، خاصة أنّ داعش يعادي الجميع ويحاربهم، وربما تواصل الولايات المتحدة ودول إقليمية الهجمات بطائرات بدون طيار على داعش، وربما يحدث بتنسيق مع طالبان، بل ربما تطلب الحركة ذلك لتحييد خطر التنظيم الإرهابي. ولا تقتصر عمليات داعش خراسان على أفغانستان، فاسم خراسان يحمل دلالة تاريخية لمنطقة جغرافية واسعة، في وسط آسيا حتى إيران، ويقول سلطان؛ داعش خراسان قيادة إقليمية لداعش في جنوب آسيا، ويدير عمليات في باكستان وإيران والهند وبنجلاديش وجزيرة سريلانكا، وله صلات بمجموعات جهادية طاجيكية وأوزبكية، ما يتطلب تعاوناً إقليمياً لمكافحته.
  3. مع سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية، كابول، في 15 أغسطس 2021، وهروب رئيس الدولة أشرف غني إلى خارج البلاد، أعلن حامد كرزاي، الذي قاد أول حكومة أفغانية بعد الإطاحة بطالبان عام 2001 وشغل منصب الرئيس حتى عام 2014، تشكيل "مجلس تنسيق" مكون من ثلاثة أشخاص لتأمين انتقال سلمي للسلطة مع عبدالله عبدالله، نائب الرئيس السابق أشرف غني، ومبعوث السلام في الحكومة السابقة، وقلب الدين حكمتيار الذي يُعتبر بأنه أحد أشرس أمراء الحرب في البلاد لقصفه كابول خلال الحرب الأهلية (1992 – 1996). ملامح حكم طالبان الأولية: يتم تداول معلومات، بناء على تصريحات من مسؤولين مرتبطين بطالبان، حول شكل حكومة طالبان الجديدة، والتي يمكن توضيح أبرز ملامحها في التالي: 1- تأسيس إمارة إسلامية: أكدت طالبان أنها سوف تتجه إلى تأسيس إمارة إسلامية، وهو أمر بدهي، في ظل إصرار الحركة على هذا المطلب أثناء مفاوضاتها في قطر، مع الحكومة الأفغانية السابقة. ومع ذلك، تسعى طالبان للتأكيد على أنها تختلف عن طالبان التي تأسست قبل عقدين من الزمان، إذ إنها أكثر انفتاحاً وسعياً للحصول على الاعتراف الدولي، ولذلك يتوقع أن تقدم نموذجاً لإمارة إسلامية معتدلة. 2- مجلس وليس رئيس: تتجه طالبان لتأسيس مجلس مكون من 12 شخصاً لإدارة أمور أفغانستان، بعد انهيار الحكومة السابقة، وسوف يضم هذا المجلس بعض قيادات طالبان إلى جانب المسؤولين السابقين في الحكومة الأفغانية، الأكثر انفتاحاً على التعاون مع طالبان. 3- مشاركة ثلاث قيادات من طالبان: تتمثل أبرز القيادات من طالبان، التي سوف تنضم إلى هذا المجلس في عبدالغني برادر، القائد العسكري في حركة طالبان، والرجل الثاني في الحركة بعد صهره الملا محمد عمر، والملا محمد يعقوب، ابن الملا محمد عمر، مؤسس الحركة، وخليل حقاني، القيادي في شبكة حقاني المتحالفة مع طالبان، والمصنفة على قوائم الإرهاب التابعة للولايات المتحدة والأمم المتحدة. 4- تعيين محافظ البنك المركزي: عينّت طالبان حجي محمد إدريس، القيادي بطالبان، كمحافظ للبنك المركزي الأفغاني خلفاً لأجمل أحمدي، والذي كان من ضمن المسؤولين الأفغان الذين فروا إلى خارج البلاد في 15 أغسطس، وهو ما يعكس رغبة طالبان في السيطرة على إدارة الملف الاقتصادي. 5- الانفتاح على المجتمع الدولي: تبدي طالبان رغبة في نيل الاعتراف الدولي، وهو ما وضح في إعلان الحركة التأمين الكامل للسفارات والبعثات الدبلوماسية، مع عدم تعرض ممثليهم لأي أذى من قبل أعضاء الحركة، بالإضافة إلى تأكيد الحركة أن الأراضي الأفغانية لن تستخدم من أجل إلحاق الضرر بالآخرين، في إشارة إلى عدم تحويل أفغانستان لملاذ آمن للتنظيمات الإرهابية، والتي يتم فيها التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية ضد الدول الأخرى، وذلك على الرغم من تأكيد الأمم المتحدة، استقبال أفغانستان في الأشهر الأخيرة حوالي عشرة آلاف إرهابي منتمين لداعش والقاعدة. كما دعت الحركة المجتمع الدولي للمساعدة في النهوض بالاقتصاد الأفغاني عبر توجيه الاستثمارات الأجنبية لها، وتقديم المنح والمساعدات، حتى تتمكن البلاد من الحصول على إيرادات إضافية لإنهاء تجارة وزراعة المخدرات. ويلاحظ أن المجتمع الدولي سوف ينتظر ثلاثة أشهر قبل منح طالبان الاعتراف الدولي، وذلك للنظر في مدى التزام الحركة بالجمهورية وإجراء الانتخابات، وكذلك احترام حقوق الإنسان والمرأة والحق في التعبير، ولذلك، فإن طالبان تبدي تجاوباً كبيراً مع هذه الضغوط لنيل الاعتراف الدولي. 6- العفو عن الجميع: أعلنت طالبان إصدار عفو شامل لا يتضمن فقط المواطنين الأفغان الذين تعاملوا مع الحكومة الأمريكية، مثل المترجمين وغيرهم، أو الجنود الذين حاربوا الحركة، ولكن كذلك جميع مسؤولي الحكومة الأفغانية السابقة، بمن فيهم الرئيس أشرف غني، وأكدت طالبان أنه يمكنهم العودة والعيش في أفغانستان. وعلى الرغم من هذا الإجراء الذي يكشف عن وجود تسامح من جانب الحركة، فإن هناك معلومات تتواتر من داخل أفغانستان، تكشف عكس ذلك، إذ إن هناك حديثاً عن بحث طالبان عن أشخاص بعينهم وتصفيتهم، وتداول معلومات في ولايات هيرات وغزني وفرياب وبلخ تتحدث عن تصفية المدنيين الذين انضموا لميليشيات مناوئة لطالبان، كما أن اتجاه وسائل الإعلام الأجنبية لمغادرة أفغانستان يجعل من الصعب التأكد مما إذا كانت الحوادث سابقة الذكر مجرد حوادث منفصلة، أم أنها سياسة متعمدة من جانب طالبان. 7- التأكيد على احترام حقوق المرأة: أكدت طالبان في مؤتمر صحفي أنه سيسمح للنساء بالعمل والتعلم في إطار الشريعة الإسلامية. وكانت طالبان متهمة بارتكاب تجاوزات واسعة ضد النساء خلال فترة حكمها الأولى (1996 – 2001)، غير أن بعض السيدات كشفت في حديث لقنوات التلفزيون الأجنبية أنه في العديد من الأماكن، منع مسلحوها النساء من الذهاب إلى العمل، بينما فضلت نساء آخريات البقاء في المنزل خوفاً على حياتهن. سيناريوهات الحكومة الإسلامية: يلاحظ أن ممارسات طالبان، حتى الآن، في بعض جوانبها، تعاني تضارباً بين الأقوال والأفعال، على نحو ما سلف توضيحه، وليس من الواضح ما إذا كان ذلك نابعاً من ممارسات فردية لأشخاص داخل الجماعة تناقض توجهاتها العامة، أم أن خطاب الجماعة يهدف فقط إلى طمأنة الخارج، في الوقت الذي تنصرف فيه ممارستها إلى تكريس سيطرتها على كامل الدولة الأفغانية. ومع الأخذ في الاعتبار هذا العامل، يمكن القول إن سيناريوهات حكومة طالبان المستقبلية تتمثل في التالي: 1- السيناريو الأول: حكومة ذات تمثيل واسع: يتوقع أن تقدم حركة طالبان على تبني هذا الخيار في المدى القصير، أي أن تتجه إلى التفاوض مع مجلس التنسيق، والاستجابة لبعض طلباته، ومحاولة تأسيس مجلس لإدارة أفغانستان يضم مكونات مختلفة، بما في ذلك أعضاء من الحكومة السابقة. وتسعى طالبان من خلال ذلك إلى نيل الاعتراف الدولي، وهو ما يتضح في تطمينها هواجس القوى الكبرى، مثل تأكيدها للصين وروسيا، عدم تحويل أفغانستان إلى بؤرة للجماعات الإرهابية، وتعهدها للدول الغربية بالحفاظ على حقوق المرأة، والإعلان عن العفو الشامل عن موظفي الحكومة السابقة والمتعاونين مع القوات الأمريكية، وإعلانها عن تشكيل لجنة جديدة معنية بـ"طمأنة وسائل الإعلام وحل مشاكلها"، وهي كلها مؤشرات تكشف عن رغبة الجماعة في نيل الاعتراف من المجتمع الدولي. ويحقق هذا السيناريو عدداً من الفوائد لحركة طالبان، منها الحصول على التمويل الدولي، إذ إن ثلثي إيرادات الحكومة الأفغانية تعتمد على المنح والمساعدات الدولية. وكان من المقرر أن تتسلم أفغانستان حوالي 440 مليون دولار من حقوق السحب الخاصة من صندوق النقد الدولي في 23 أغسطس الماضي، وهو ما لم تحصل عليه طالبان، بسبب عدم حصولها على اعتراف دولي بعد، كما أن الاحتياطي النقدي لأفغانستان، والبالغ حوالي 9 مليارات دولار، موجود خارج البلاد في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وتم تجميده من قبل الولايات المتحدة. وبالتالي، فإن التوصل لتسوية سياسية، وتشكيل حكومة ذات تمثيل واسع سوف يكون ضرورياً لإنقاذ الاقتصاد الأفغاني المنهار، وتأمين الحصول على الموارد المالية سابقة الذكر. ومن المتوقع أن تستوعب هذه الحكومة شخصيات، مثل قلب الدين حكمتيار، زعيم الحزب الإسلامي، الذراع السياسية للإخوان المسلمين في أفغانستان، والمقرب من باكستان، غير أنه من المستبعد أن تضم قائد الأوزبك، عبد الرشيد دوستم، أو عطا محمد نور، نظراً لأنهما خاضا حروباً مستعرة ضد طالبان بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان. ومن جهة أخرى، فإنه يتوقع أن تسعى طالبان لاستقطاب أحمد مسعود، ابن الزعيم الأفغاني أحمد شاه مسعود، قائد المقاومة ضد طالبان والسوفييت، وأمر الله صالح، نائب الرئيس الأفغاني السابق، واللذين تحصنا في إقليم بنجشير، ويقودان مقاومة مسلحة ضد طالبان هناك. وقد اعترف مسعود بأن هناك مفاوضات مع طالبان لخلق نظام عادل. 2- السيناريو الثاني: إمارة إسلامية متطرفة: يُعد هذا السيناريو الأقل احتمالاً، على المدى القصير، والذي من خلاله تتبنى حركة طالبان مرة أخرى نهجها المتشدد، كما كانت في عام 1996، وتقصي الأطراف الأخرى كافة، وتتفرد بحكم أفغانستان، بالإضافة إلى تحول الدولة لتكون ملاذاً آمناً للجماعات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش، وهو ما سيفرض العزلة الدولية على الدولة الأفغانية. ويبرز هذا السيناريو في ظل ورود مزاعم بشأن اتباع حركة طالبان نهجها المتشدد مع المرأة في بعض المناطق التي تسيطر عليها بالفعل على الرغم من تصريحاتها المؤيدة لحقوق المرأة، علاوة على تصفيتها بعض العناصر المناوئة لها، على الرغم من إعلانها العفو العام. وعلى الرغم من أن هذا السيناريو، سيحرم طالبان الاعتراف الدولي والحصول على التمويل، فإنها، في النهاية، لديها مصادر التمويل الخاصة بها، إذ حققت الحركة إيرادات تقدر بحوالي 464 مليون دولار عن طريق التعدين المباشر، أو فرض ضرائب على عمال مناجم النحاس والكوبالت والذهب والحديد والليثيوم واللازورد في المناطق التي تسيطر عليها، بالإضافة إلى حوالي مليار ونصف المليار من تجارة الأفيون والميثامفيتامين، و160 مليون دولار جراء الإتاوات التي تفرضها طالبان على المتاجر، وأخيراً، عائدات الضرائب التي تفرضها من سيطرتها على حدود أفغانستان مع دول الجوار. ومن جهة أخرى، فإنه إذا أقدمت الولايات المتحدة والدول الغربية على قطع المساعدات المالية عن أفغانستان، فإن طالبان سوف تكون أمامها خيارات أخرى، أبرزها الحصول على دعم مادي من دول أخرى، على غرار الصين وروسيا، خاصة أن لبكين مصالح اقتصادية واسعة في أفغانستان. 3- السيناريو الثالث: حدوث حرب أهلية: يقوم هذا السيناريو على افتراض إخفاق طالبان في السيطرة على كامل الأراضي الأفغانية، وبروز حركة تمرد مناوئة لحكمهم، تعجز طالبان عن قمعها، وتتوسع تدريجياً، وتجد دعماً من إحدى الدول الأجنبية. ولعل أحد المؤشرات على إمكانية حدوث مثل هذا السيناريو، تمكن القائد العسكري، أحمد مسعود، ونائب الرئيس الأفغاني السابق، أمر الله صالح، من تعبئة بعض مقاتلي الجيش الأفغاني السابق، وبعض العناصر المناوئة لطالبان في منطقة وادي بنجشير الجبلية، وذلك تمهيداً لإعادة تشكيل التحالف الشمالي ضد طالبان. والجدير بالذكر أن القائم بأعمال وزير الدفاع في الحكومة المنهارة، بسم الله محمدي، قد أعلن أن "قوات المقاومة الشعبية" انتزعت السيطرة على ثلاث مناطق في ولاية بغلان شمال البلاد من حركة "طالبان. ووفقاً لهذا السيناريو، يتوقع أن تفشل طالبان في التوصل معهم لتسوية مقبولة، أو إخضاعهم عسكرياً، وهو أمر محتمل بالنظر إلى أن الاتحاد السوفييتي، وكذلك طالبان خلال الفترة من 1996، وحتى 2001، عجزا عن السيطرة على وادي بنجشير، الذي يقطنه أثنية الطاجيك، نظراً لوقوعه في سلسلة جبال هندوكوش الوعرة. ولكن على الجانب الآخر، يقع وادي بنجشير في وسط أفغانستان، ومن دون تمكن القوات المناوئة لطالبان من توسيع سيطرتها شمالاً باتجاه الحدود الدولية، وحصولها على دعم خارجي، فإن الحركة لن تصمد كثيراً، خاصة أن طالبان قد أرسلت عناصرها لمحاصرة الإقليم. 4- السيناريو الرابع: انقسام حركة طالبان: تتكون طالبان من جماعات مختلفة، فإلى جانب تحالفها مع شبكة حقاني، والتي تهيمن عسكرياً على العاصمة كابول، فإن الحركة نفسها، قد توسعت في السنوات الأخيرة، لتضم قيادات ممثلة لإثنيات، مثل الطاجيك والأوزبك، وسوف يكون لزاماً على طالبان، إرضاء مختلف الفصائل المنضوية تحتها بالمناصب، وذلك لتجنب حدوث صراع داخلي بين مكوناتها الرئيسية. وفي حالة إخفاقها في القيام بذلك، فإن فرص تحقق هذا السيناريو تزداد. كما يلاحظ أن هناك أجنحة معتدلة وأخرى متطرفة داخل طالبان، وذلك الانقسام قد يكون مصدراً إضافياً للتوتر. وتعتبر فرص حدوث هذا السيناريو بصفة عامة ضعيفة. وفي التقدير، فإن المجتمع الدولي يترقب الخطوات المستقبلية لحركة طالبان، وكيفية إدارتها للدولة الأفغانية. وعلى الرغم من أن حركة طالبان تسعى لتقديم وجه معتدل، داخلياً وخارجياً، فإن الممارسة العملية لحركة طالبان هي الفيصل الأساسي في تحديد ما إذا كانت شهدت تغييرات جوهرية في فكرها وأسلوب حركتها، أم أنها مجرد تغييرات شكلية موجهة لنيل اعتراف المجتمع الدولي وتعزيز سيطرتها على أفغانستان، بما يمكنها، في مرحلة تالية، من فرض نمط الحكم الذي تفضله، بغض النظر عن توجهات المجتمع الدولي.
  4. أجرى رئيس وكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND) مقابلة صحفية نادرة من أجل التحذير من الإرهاب، والذى لا يزال يشكل تهديدا حقيقيا للنظام العالمى حتى بعد مضى عشرين عاما على هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. ونقلت الإذاعة الألمانية «دويتشه فيلله» تصريحات برونو كال لصحيفة «زود دويتشه تسايتونج» الألمانية، والتى قال فيها إنه على الرغم من عدم وقوع هجمات إرهابية كبيرة في أوروبا والولايات المتحدة مثل الهجمات الدامية التي هزت البلدان الغربية قبل عقدين، إلا أن «إرهاب الإسلاميين قد تطور وكلف حياة الكثير من البشر، كما ازداد عدد الإرهابيين والخطر الذي يشكلونه». يشار إلى أنه تحقق الكثير من النجاحات الكبيرة في مكافحة تنظيم داعش في السنوات القليلة الماضية، خاصة مقتل زعيم التنظيم أبوبكر البغدادى عام 2019، وسقوط «خلافة» داعش المزعومة في سوريا والعراق. ووفقا لرئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية فإن تنظيم داعش منذ ذلك الوقت تحول إلى «شبكة لا مركزية» مثل تنظيم القاعدة، حيث «تنتشر تنظيماته الفرعية». من جانبها، ترى ميرنا المصرى، الباحثة المختصة في شؤون الإرهاب والتطرف في المعهد الألمانى للدراسات العالمية والإقليمية (GIGA) ومقره في هامبورج، إن هذا الأمر ليس بجديد. وفى مقابلة مع الإذاعة الألمانية، قالت «كانت هناك مؤشرات في عام 2019 على أن تنظيم داعش عمد إلى تقوية صفوفه بشكل كبير عقب خسارته مناطق نفوذه. لكن من ناحية أخرى، أدت الظروف الجديدة خلال العام الماضى إلى تفاقم الوضع وهذا ما يفسر سبب تحدث برونو كال عن هذا الأمر الآن». فعلى سبيل المثال، تفشى جائحة كورونا في الشرق الأوسط أدى إلى إضعاف الحكومة العراقية، فضلا عن أن الوباء أدى إلى تزايد الشعور بالإحباط بين الكثيرين، إذ تحولت مخيمات اللاجئين في شمال سوريا إلى مراكز تجنيد جيدة لتنظيم داعش لاستقطاب عناصر جديدة. وفى ذلك، تقول المصرى «كلما طال أمد جائحة كورونا، ساعد هذا تنظيم داعش». وتضيف «المصرى» أن تنظيم داعش تعلم كيفية تغيير استراتيجياته، فعلى سبيل المثال انقسمت قيادته إلى مجموعات عملياتية محددة في المنطقة تتولى مسؤوليات اتخاذ القرارات. وأشارت تقارير مؤخرا إلى أن مسلحى داعش قد انسحبوا بشكل كامل من المناطق الحضرية في سوريا، لكنهم كانوا قادرين على التحرك بحرية تامة في المناطق المفتوحة، عن طريق تجنب القوات الحكومية خاصة قرب مدينة هجين القريبة من مدينة دير الزور السورية. وطور تنظيم داعش أساليب جديدة لجنى الأموال، إذ تبنى تكتيكات الجريمة المنظمة، مثل فرض ضرائب غير قانونية على طرق نقل النفط والطرق التجارية واستخدام الفنادق والعقارات، وحتى فرض إتاوات على تجار السيارات الذين يقومون بتبييض الأموال بين العراق وسوريا وتركيا والإمارات. وفى هذا السياق، قال إريك شتولنفيرك، الباحث المختص في شؤون الإرهاب ومنطقة الساحل فى معهد«جيجا»، إن هذه التكتيكات «جعلت من الصعب جدا على أجهزة الاستخبارات الألمانية وباقى دول العالم مراقبته». ويتفق شتولنفيرك مع الرأى بأن تنظيم داعش لا يزال قويا جدا في سوريا والعراق. ويضيف: «علاوة على ذلك، فإنه يمتلك روابط قوية مع مناطق أخرى في العالم مثل منطقة الصحراء الكبرى في إفريقيا وخاصة منطقة الساحل». وفى المقابلة الصحفية، قال رئيس وكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية برونو كال، إن هناك طريقة وحيدة يمكن من خلالها وقف تنامى قوة وتطوير التنظيمات الإرهابية مثل داعش. وأضاف: «فرض سلطة الدولة وإرساء مؤسسات وهياكل الدولة وضمان الأمن»، مشيرا إلى أنه من خلال هذه الطريقة يمكن للدول الأوروبية والغربية مساعدة دول مثل بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا. وقال: «يتعين علينا دعم الدول في استعادة سيطرتها أو على الأقل الحفاظ على سيطرتها عندما يمكن القيام بالأمر على أقل تقدير». وتتفق ميرنا المصرى مع هذا الرأى والتقييم الذي ذهب إليه برونو كال. وتقول إن «الدافع الأساسى للتنظيمات الإرهابية هو ضعف الدولة»، وذلك لأن «تنظيم داعش يمكن أن يتصرف وكأنه بديل للدولة عن طريق تقديم الأموال وتوفير الأمن وإمكانية التنقل لعناصره. بعبارة أخرى، داعش يمكن أن يقوم بدور الدولة». لهذا يتعين على الاتحاد الأوروبى المساعدة في تعزيز سلطات الدول، حسب «المصرى». أما الباحث إريك شتولنفيرك فيؤكد أن هناك أشياء يمكن القيام بها أكثر من الطرح الأمنى. ويقول إن «تقوية الدولة لن تهزم تنظيم القاعدة أو داعش. فهناك مناطق تسود فيها أنظمة استبدادية بشكل نسبى. وإذا كان التركيز سينصب على تقوية سلطات الدولة التي تقمع شعوبها، فإن هذا سيكون له مردود عكسى، بمعنى أن هذا سيصب في صالح هذه التنظيمات». ويرى شتولنفيرك أن الأهمية تكمن في إرساء هياكل الدولة ومؤسساتها داخل مجتمع ديمقراطى ومدنى، ويضيف: «هذا ينطبق على المؤسسات والمنظمات غير الحكومية المحلية والأجنبية، وأيضا يدخل في هذا السياق دعم المنظمات الدينية على الأرض». ويعتقد أن «الشىء الذي أهمله برونو كال في المقابلة هو أن غالبية المسلمين في هذه المناطق يرون أن تنظيمات مثل داعش تمثل مشكلة كبيرة. هناك إمكانية كبيرة للتعبئة ضد التنظيمات الإرهابية بين السكان المدنيين». بيد أن هذا لا يعنى محاولة فرض الديمقراطية، فقد كشفت الحرب في العراق وأفغانستان عن كارثية مثل تلك الممارسات، وهو درس لم يغب عن بال برونو كال، وقال: «يتعين علينا ألا نعد بآمال من المستحيل تحقيقها مثل تصدير الديمقراطية وسيادة القانون وغيرها من الأشياء المثالية. الشيء الرئيسى هو تنظيم الأمن». ووصفت ميرنا المصرى هذا الطرح بأنه شديد الواقعية، مضيفة أنها تعتقد أننا «بعيدون كل البعد عن النموذج الديمقراطى الأوروبى في منطقة الساحل». وتضيف أن «الأمر يبدأ بتعزيز الأمن ثم يعقب ذلك أشياء أخرى». أما هورجان أصلى أكسوى، نائبة رئيس قسم دراسات تركيا التطبيقية في المعهد الألمانى للشؤون الدولية والأمنية (SWP) فتعتقد أن الانخراط الأوروبى «بثقل سياسى واستراتيجيات واضحة وعرض واضح للأطراف المتصارعة بتقديم المساعدة»، سيكون أمرا حيويا وحاسما في احتواء الضرر الناجم عن هذه الصراعات. بيد أنها غير مقتنعة بأن الحل يمكن تحقيقه ببساطة من خلال التركيز على الجانب الأمنى، وتقول: «يتعين إنهاء النزاعات ومعالجتها من خلال استراتيجيات متوسطة وطويلة المدى وفقا لنظام متعدد الأطراف قائم على الحقوق». وتضيف أن هذا الأمر يتطلب أكثر من مجرد نشر قوات على الأرض، وهو ما تؤكد عليه ميرنا المصرى أيضا بأن هذا يعنى إرسال المزيد من وحدات للتدريب ودعم القوات الأمنية المحلية وتقديم الدعم الإنسانى في مخيمات اللاجئين في سوريا والعراق. أما شتولنفيرك فيرى أن تصدير الديمقراطية قد يكون وهما، مضيفا: «لكن من الوهم أيضا الاعتقاد بأنه عن طريق دعم الدولة يمكن ضمان الأمن بشكل تلقائى». لم تحذر وكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية وحدها من خطر تنامى قوة داعش، وإنما أيضا المخابرات الداخلية (المكتب الاتحادى لحماية الدستور) قد حذرت من الأمر ذاته. فقد ذكرت في تقرير نشر الشهر الماضى، أن التهديد الإرهابى أصبح مرتفعا في الوقت الحالى كما كان الحال قبل سنوات قليلة ماضية. وأشارت في التقرير إلى وقوع هجمات محدودة من متشددين إسلاميين في ألمانيا العام الماضى، وكان أبرزها عملية الطعن في دريسدن في أكتوبر عندما أقدم شخص يعتقد أنه متشدد إسلامى على طعن شخصين مثليى الجنس بسكين ما أسفر عن مقتل أحدهما.
×
×
  • Create New...