Jump to content

كمال الدين الفاتح

الأعضاء
  • Content Count

    32
  • Joined

  • Last visited

About كمال الدين الفاتح

  • Rank
    عضو متميز
  1. تداعيات عودة طالبان على أمن أوروبا: يشدد الاتحاد الأوروبي على الأهمية القصوى لسلامة وأمن جميع مواطني الاتحاد في أفغانستان، وأثار استيلاء طالبان على البلاد القلق بعد انتشار الفوضى والتى قد تدفع بموجة من اللاجئين، ولابزال مكافحة الإرهاب ومنع استخدام الأراضي الأفغانية من قبل الجماعات الإرهابية الدولية في صميم المشاركة الجماعية للاتحاد، وتخشى الدول الأوروبية من أن القاعدة والجماعات الإسلاموية المتطرفة الأخرى ستجد مرة أخرى ملاذًا آمنًا هناك. عودة الجماعات المتطرفة والراديكالية – طالبان: تؤكد التقارير الاستخباراتية أن حركة طالبان لا تزال على ارتباط وثيق مع القاعدة ومجموعة من الجماعات الإرهابية التابعة للقاعدة العاملة في أفغانستان، وتخشى بريطانيا من أن عودة حركة طالبان والفراغ الذي خلفه انسحاب الغرب الفوضوي سيتيح لمتشددين من تنظيم القاعدة اكتساب موطئ قدم في أفغانستان مما يشكل تهديدا على أمن دول أوروبا. يؤكد التحذير الأخير من المدير العام لجهاز MI5"كين ماكالوم” بأن انتصار طالبان في أفغانستان سيلهم الجهاديين الشباب في الغرب، والمخاوف من أن موجة أخرى من الإرهاب ستتبع سقوط كابول، وكانت وكالات الاستخبارات الغربية تتحدث عن أن الجماعات الإرهابية الدولية تسعى إلى إعادة البناء في ظل طالبان في أفغانستان، مما يعزز المتطرفين في أوروبا. ايديولوجية حركة طالبان: واقع طالبان الفكرى هو واقع المجتمع التقليدي المحافظ ـ الإسلامي في أفغانستان فالحركة هي انتظام عفوي خلف شعارات دينية، وكما يقول مولوي حفيظ الله حقاني “ليس لحركة طالبان لائحة مكتوبة لتنظيم أمورها وعلاقاتها، ولا يوجد لديها نظام للعضوية ولا علاقة منظمة، وتتضمن أسس رؤيتهم الأيديولوجية تحقيق عدة أهداف وأهمها: 1ـ إقامة الحكومة الإسلامية على نهج الخلافة الراشدة. 2ـ أن يكون الإسلام دين الشعب والحكومة جميعا. 3ـ أن يكون قانون الدولة مستمدا من الشريعة الإسلامية. 4ـ اختيار العلماء والملتزمين بالإسلام للمناصب الهامة في الحكومة…إلخ الفرق بين إمارة طالبان و خلافة داعش- طالبان: يمكن تلخيص أوجه الشبه و الاختلاف بين طالبان و داعش في النقاط التالية : 1 - العقيدة: ولدت كل من حركة طالبان وتنظيم داعش على مرجعيات ومؤلّفات متشددة. 2 - المدارس والتعليم: كانت طالبان معادية بشدة للتعليم خلال فترة حكمها، فقد ألغت المدارس تماماً في بعض الأحيان، أما تنظيم “داعش” فلم يعارض التعليم الحديث ولم يلغيه، بل ألغى بعض المواد التي لا تناسب أفكارهم مثل الموسيقى وأبقى على المواد الضرورية كالعلوم واللغة وغيرها. 3 - منطقة العمليات: منطقة العمليات الجغرافية لداعش تتكون من العراق وسوريا والأردن ولبنان وتجمع المقاتلين من جميع أنحاء العالم بما في ذلك أوروبا وأمريكا وباكستان والهند، باستثناء بلدان الشرق الأوسط، بينما تقوم طالبان بتجنيد كوادر من أفغانستان وباكستان والمناطق القبلية. 4 - من حيث الرأي: هناك جدول أعمال رئيسي لإقامة حكم الخلافة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وتنتهج طالبان نهجا متشددا فهي لا تعتبر المرأة إنسانا. التخادم بين حركة طالبان و تنظيم القاعدة – طالبان: وجد تقرير حديث للأمم المتحدة بناءً على معلومات استخباراتية للدول الأعضاء أنه على الرغم من وعود قادة طالبان الأفغانية بقطع العلاقات مع القاعدة، يبدو أن العكس هو الصحيح، وخلص التقرير إلى أن نواة طالبان والقاعدة “لا تظهر أيّ مؤشرات على قطع العلاقات”، وأن طالبان تستضيف ربما المئات من عناصر القاعدة في شبه القارة الهندية في مقاطعات قندهار وهلمند ونمروز، وأن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين جزء لا يتجزأ من تمرد طالبان وسيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، فصله عن حلفائه من طالبان، كما أن طالبان لن تمنح دعما مطلقا لـتنظيم القاعدة لكنّها لن تتوانى عن حماية التنظيم الذي أسسه أسامة بن لادن. لا تزال العلاقة وطيدة بين طالبان والقاعدة، حسب ادموند “فيتون براون” رئيس بعثة الأمم المتحدة لمراقبة المجموعات الإرهابية “داعش” و”القاعدة” يقول “براون” “نعتقد أن قيادة تنظيم القاعدة لا تزال تحت حماية حركة طالبان”. ويضيف “فاغنر” الخبير في شؤون جنوب آسيا بأن “الجماعتين (طالبان والقاعدة) مرتبطتان ببعضهما من خلال الكفاح المشترك في أفغانستان، وإلى حد ما يصعب الفصل بينهما”، ويرى أن هذا ما يصعب على طالبان تحديد علاقتها مع القاعدة بعد عودتها إلى السلطة، ولذلك فإن توضيح الكثير من الأمور سيتم على المستوى المحلي أكثر من المستوى الوطني، ويضيف “سيعتمد الأمر كثيرا على العلاقات الشخصية”. و أكد سابقا المسؤولون الأفغان أن الجماعة الإرهابية تتمتع في نفس الوقت بمأوى مريح في المناطق التي تسيطر عليها طالبان، وأشار مسؤول أفغاني إلى أن القاعدة كانت على بعد 18 شهرا من إمكانية شن هجمات على الغرب، وتنفيذ هجمات إقليمية انطلاقا من أفغانستان بحلول نهاية العام، وقال المسؤول الرفيع إن رسائل عثر عليها في حاسوبه الشخصي، أظهرت أن عبد الرؤوف أخبر نظراءه في القاعدة أن أفغانستان قد تعود قريبا إلى وضعها قبل 11 سبتمبر كمحور رئيسي للجماعة الإرهابية. التقييم: أصبح من المتوقع أن يطرق المهاجرون الأفغان أبواب دول الاتحاد الأوروبي بسبب تدهور الوضع الأمني في البلاد، وأعلنت المفوضية الأوروبية تسريع عمليات استضافة اللاجئين الأفغان مما أثار انقسامات بين الدول الأوروبية، وكالعادة لايخلو ملف اللاجئين بين دول الاتحاد الأوروبي من التعقيد، لاسيما أن بعض رؤساء الاتحاد الأوروبي في صدد صياغة استراتيجيات لتجنب تكرار أزمة الهجرة عام 2015 و2016. بات عودة تنظيم القاعدة إلى أفغانستان شيئا حتميا، وترى الحكومات الأوروبية أن وصول حركة طالبان إلى السلطة يعد خطرا على أوروبا، وتخشى الدول الاوروبية من أن تصبح كابول قاعدة للإرهاب الدولي وملاذا للجماعات الإرهابية يتم من خلالها التخطيط لهجمات إرهابية عابرة للحدود يتم تنفيذها على الأراضي الأوروبية. يعتقد بمجرد أن تبدأ الدول الأوروبية في الضغط على حركة طالبان وتضييق الخناق عليها بالعقوبات، فمن المحتمل جدًا أن تسمح طالبان للقاعدة بإقامة وجود أقوي في البلاد مرة أخرى، وتحريض أنصارها على تنفيذ هجمات إرهابية على المصالح الأوروبية، إذن فالأمر مجرد مسألة وقت قبل أن نرى الهجمات تنطلق إلى الخارج، ما يحتاجه الاتحاد الأوروبي هو التحرك ككتلة واحدة باستخدام كافة الأدوات الدبلوماسية والجيوسياسية المتاحة لحماية أمن دول التكتل. أن التعاون مع أي حكومة أفغانية مستقبلية مشروطًا بتسوية سلمية وشاملة واحترام الحقوق الأساسية لجميع الأفغان، بما في ذلك النساء والشباب والأشخاص المنتمين إلى الأقليات، واحترام التزامات أفغانستان الدولية ومنع استخدام الأراضي الأفغانية من المنظمات الإرهابية. وعلى المدى الطويل يجب أن تكون هناك استراتيجية وأدوات أوروبية ملموسة تجاه تمدد حركة طالبان، والعقوبات هي واحدة من الأدوات القليلة المتبقية. يمكن لأفغانستان أن تصبح مرة أخرى “مرتعا” للإرهاب، وتوفر ملاذا للمتطرفين، ولم تكسر طالبان ابدا تحالفها مع تنظيم القاعدة على مدى العقدين الماضيين على الرغم من الضغوط العسكرية والمفاوضات التي استمرت عامين في قطر. يمكن أن يرفع صعود طالبان في أفغانستان معنويات مختلف الجماعات المتطرفة في المنطقة، كما أنه يجب توقع أنه ليس فقط تنظيم داعش، بل أيضا تنظيم “القاعدة” والجماعات المتطرفة الصغيرة الأخرى في أفغانستان وباكستان سيصبحون أقوى، ومع ذلك ففي حين يهدف “داعش” لإقامة خلافة خارج حدود الشرق الأوسط، من المقرر أن تبني “طالبان” إمارة داخل أفغانستان فقط، ويصح هذا مع تصورهم لأنفسهم باعتبارهم من السكان الحقيقيين للبلد. ويثير استيلاء طالبان على الحكم في افغانستان مخاوف كبيرة بين جيرانها، لا سيما مع وصول تهديدات التشدد عبر الحدود والاتجار بالمخدرات إلى حدودها والتأثير على الأمن والاستقرار الداخليين، والجهات الفاعلة الإقليمية في آسيا الوسطى على حافة الهاوية بوجه خاص، حيث تؤثر الزيادة الأخيرة في أعمال العنف و التطرف في أفغانستان على بعض المناطق الحدودية في المقاطعات الشمالية للبلد. قد يلهم نجاح طالبان الجماعات الإرهابية في الشرق الاوسط لتعزيز قوتها والسعي إلى الشرعية الدولية، والمستوى الدولي وخاصة الأوروبي ستضطر القدرة الضاربة الخارجية لطالبان إلى أن تكون عن طريق تنظيم “القاعدة” وفروعه في جميع أنحاء العالم، وبمجرد أن يبدأ الغرب في الضغط على النظام الجديد في كابول، فمن المرجح أن تسمح طالبان لتنظيم القاعدة بإقامة وجود قوي في البلاد، ثم انها مجرد مسألة وقت قبل أن نرى الهجمات المنبثقة إلى الخارج، ومن غير المرجح أن تشارك حركة طالبان الساعية للظهور كتنظيم شرعي مشاركة مباشرة، ولكنها بالتأكيد ستوفر التشجيع الضمني للمنظمات الارهابية، وقد تشهد القارة الاوروبية هجمات إرهابية منظمة مرة أخرى على المدى المتوسط و الطويل.
  2. وكالات إنفاذ القانون في العديد من دول جنوب شرق آسيا في حالة تأهب قصوى ضد الجماعات الإرهابية التي يحتمل أن تتجرأ بعد استيلاء طالبان على أفغانستان، وفي أعقاب الهجوم الدموي لتنظيم داعش في مطار كابول، ويثير إجلاء الأفغان مخاوف في جنوب شرق آسيا من انتشار التطرف، حيث أفادت صحيفة جاكرتا بوست أن الأفغان أصبحوا أكبر مجموعة من اللاجئين تستقبلهم إندونيسيا، وان هناك 7490 لاجئًا أفغانيًا يقيمون في البلاد. في إندونيسيا: بدأت مفرزة مكافحة الإرهاب التابعة للشرطة الوطنية والمعروفة باسم Densus 88 في مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من المصادر بحثًا عن المتعاطفين مع طالبان، حيث تخشى السلطات من الآثار غير المباشرة لعدم الاستقرار في أفغانستان، خاصة مع وجود مجموعات في هذا البلد تتعاطف مع طالبان، كما تلقى أعضاء الجماعة المتطرفة في إندونيسيا تدريبات عسكرية في أفغانستان خلال التسعينيات، ويُزعم أن الجماعة لها صلات بالقاعدة. كما القت الشرطة الوطنية الإندونيسية القبض على 58 من أعضاء الجماعة المتشددة المرتبطة بالقاعدة في جنوب شرق آسيا فى الفترة من 12 حتى 20 أغسطس للاشتباه فى تخطيطهم لهجوم إرهابى فى يوم استقلال إندونيسيا. الفلبين: في الفلبين قال وزير الدفاع إن بلاده تراقب باستمرار الجماعات المتطرفة المحلية، وأنه مع وجود طالبان أو مع عدم وجودها، لطالما اعتبرنا التطرف المحلي مصدر قلق كبير". "أفغانستان ليست البلد الوحيد الذي يمكن أن يوفر التشجيع أو الإلهام للإرهابيين المحليين"، وان بلاده دخلت في اتفاقيات لتبادل المعلومات مع إندونيسيا وماليزيا المجاورة للحماية من الأنشطة الإرهابية. ماليزيا: تحذر السلطات الماليزية من خطر عودة المواطنين الذين يسافرون إلى أفغانستان إلى ديارهم لشن هجمات إرهابية. سنغافورة: تحدث رئيس الوزراء السنغافوري عن الروابط بين طالبان والقاعدة في أفغانستان خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع نائب الرئيس الأمريكي كامالا هاريس يوم 23 أغسطس، وقال أنه "تم تصدير الأفكار والقدرات المتطرفة من هناك إلى جميع أنحاء منطقتنا، وهي تشكل تهديدًا أمنيًا لسنغافورة أيضًا".
  3. المفاهيم السبعة الخاطئة للمتطرفين مواجهة الإرهاب تحتاج إلى تفكيك فكر الجماعات يدور مشروع الجماعات المتطرفة، التي توظّف الدين في تحصيل السلطة السياسية، وحيازة الثروة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية، حول سبعة مفاهيم أساسية.. يحتاج ما تنطوي عليه هذه المفاهيم من خطأ وزلل وخلل، إلى مواجهة وتفكيك، ثم بناء مشروع سياسي عصري، تكون وظيفة الدين فيه هي تحقيق الامتلاء الروحي، والسمو الأخلاقي، والخيرية أو النفع العام والصالح المشترك. وهذه المفاهيم الخاطئة هي: أولًا – الحاكمية: فقد ورد لفظ الحكم في القرآن الكريم تعبيرًا عن التقاضي، وليس تولي الإدارة السياسية.. ومع هذا وظفته الجماعات المتطرفة في صناعة تصور لدولة دينية، زحف من مثل هذه التنظيمات إلى الدول مثل ما رأيناه، متجسدًا في حكم «طالبان» بأفغانستان، وحكم الملالي بإيران.. وفي هذا ترفع شعارًا براقًا هو «الحاكمية لله»، لكن في التطبيق تصير لبشر، يزعمون أنهم وكلاء الله. ثانيًا – الجاهلية: أطلق سيد قطب، مُنظر جماعة «الإخوان»، مفهوم الجاهلية الجديدة، مستعيرًا إياه من الهندي أبي الأعلى المودودي، كي يضفي على نفسه ومن معه، ما كان لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى لو جعل سائر المسلمين، رغم تمسكهم بدينهم، أشبه بمشركي مكة، الذين تجب هجرتهم، ثم العودة إلى فتح بلادهم، مثلما جرى في الزمان الأول، وفي كل هذا تأسيس للشقاق والتفكك الاجتماعي والعنف والاضطراب والفوضى. ثالثًا – التكفير: فتح حسن البنا، مؤسس جماعة «الإخوان»، باب التكفير، وإنْ لم يقل هذا صراحةً، من خلال إدخاله لأمور هي من قبيل المباح والمندوب والعفو في قلب الاعتقاد، وجاء سيد قطب ليعطي التكفير دفعة قوية، عبر كتابه «معالم في الطريق»، الذي صار بمنزلة البيان التأسيسي لمختلف التنظيمات المتشددة والإرهابية، وذلك في معرض تفسيره لعبارة «لا إله إلا الله»، وشرحه لمسائل الربوبية والوحدانية، خارجاً في كل هذا عما اتفق عليه علماء الأمة وفقهاؤها عبر تاريخ الإسلام والمسلمين كله. رابعًا – الجهاد: رغم أن القرآن الكريم لم يتحدث سوى عن «جهاد الدفع»، وحدد شروطًا للقتال أو الحرب، تفرض أن تكون عادلة ودفاعية، فإن بعض الفقهاء اخترعوا «جهاد الطلب» ليبرروا التوسع والغزو باسم الدين.. ثم جاءت فتاوى التكفير والقتل، لتكون هي أبرز مخرجات الجماعات الدينية السياسية للعالمين العربي والإسلامي على مر العصور، والمتشددون يؤمنون بأن العنف هو أفضل طريقة لإحلال شرع الله في الأرض، وأنه لا ضير إذا قتل في الصراع، من أجل ذلك جموع من المسلمين. خامسًا – الخلافة: ليست الخلافة أصلًا من أصول العقيدة، إنما طريقة في الإدارة والحكم، أبدعها الصحابة لتسيير دفة المجتمع المسلم الذي اتسعت أرجاؤه، لكن جماعة «الإخوان» ربطت لحظة انطلاقها بسقوط الإمبراطورية العثمانية، رغم أنها كانت «رجل أوروبا المريض»، وزعمت أنها ستعمل على استعادتها، متناسية أن التاريخ قد تقدم، ولن يعود إلى الوراء، وأن الوحدة السياسية والجغرافية، التي ترتضيها الأغلبية الكاسحة من المسلمين، هي الدولة الوطنية الحديثة. سادسًا – الولاء والبراء: رغم أن مفهوم الولاء والبراء كما يقصده القرآن الكريم، يعني بوضوح موالاة المسلمين والتبرؤ من الكفار، فإن الجماعات المتطرفة والإرهابية تطبقه بين المسلمين أنفسهم، فتضعهم في جرأة على الله، والحق محل الكافرين، وبذا تفتح الباب واسعًا أمام القتل، واستحلال الأموال والأعراض. سابعًا – الحسبة: رغم أن فقهاء المسلمين قد انتهوا، إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بيد الدولة تضع له القوانين وتخصص الرجال، فإن أفرادًا متطرفين، وجماعات وتنظيمات متطرفة وإرهابية، تريد أن تغتصب هذا الحق، وتفرض وصاية على الناس، في حركاتهم وسكناتهم، تحت دعاوى «إقامة الحسبة»، وهو ما فتح طريقًا واسعًا للعنف على يد أتباع هذه التنظيمات، بدءًا من الزجر، وانتهاءً بالقتل. المصدر: https://altanwer.com/
  4. تمتع غير المسلمين – المقيمون في بلاد المسلمين – بسلسلة من الضمانات التي منحها لهم المجتمع المسلم بهدي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . ولسوف نعرض لأهم هذه الضمانات، ونوثقها بشهادة التاريخ ونصوص الفقهاء، حراس الشريعة، ورثة النبي صلى الله عليه وسلم . ومن هذه الضمانات: أولاً : ضمان حرية المعتقد يعتقد المسلمون أن دينهم هو الحق المبين، وأن ما عداه إنما هي ديانات حُرفت ونُسخت بالإسلام أو ضلالات وقع فيها البشر جهلاً منهم بحقيقة الدين والمعتقد. وقد عمل المسلمون على استمالة الأمم والشعوب التي اختلطوا بها إلى الإسلام، وذلك بما آتاهم الله من حجة ظاهرة وخلق قويم ودين ميسر تقبله الفطر ولا تستغلق عن فهم مبادئه العقول. ولم يعمد المسلمون طوال تاريخهم الحضاري العظيم إلى إجبار الشعوب أو الأفراد الذين تحت ولايتهم، وذلك تطبيقاً لمجموعة من المبادئ الإسلامية التي رسخت فيهم هذا السلوك: أً. حتمية الخلاف وطبيعته إن التعدّد في المخلوقات وتنوّعها سنة الله في الكون وناموسه الثابت، فطبيعة الوجود في الكون أساسها التّنوّع والتّعدّد. والإنسانية خلقها الله وفق هذه السنة الكونية، فاختلف البشر إلى أجناس مختلفة وطبائع شتى، وكلّ من تجاهل وتجاوز أو رفض هذه السُّنة الماضية لله في خلقه، فقد ناقض الفطرة وأنكر المحسوس. واختلاف البشر في شرائعهم هو أيضاً واقع بمشيئة الله تعالى ومرتبط بحكمته، يقول الله: [لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً] (المائدة: 48). قال ابن كثير : "هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث اللّه به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد ". وقال تعالى: [ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين # إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ] ( هود : 118– 119). قال ابن حزم: "وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به، وإنما أراده تعالى إرادة كونٍ، كما أراد الكفر وسائر المعاصي". وقال ابن كثيرعن قول الله [ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك] : "أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .. قال الحسن البصري: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف". ولما كان الاختلاف والتّعدّد آية من آيات الله، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد كلية، فإنما يروم محالاً ويطلب ممتنعاً، لذا كان لابد من الاعتراف بالاختلاف. ب. مهمة المسلمين الدعوة إلى الله لا أسلمة الناس أدرك المسلمون أن هداية الجميع من المحال، وأن أكثر الناس لا يؤمنون، وأن واجب الدعاة الدأب في دعوتهم وطلب أسباب هدايتهم. فإنما مهمتهم هي البلاغ فحسب، والله يتولى حساب المعرضين في الآخرة، قال الله مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم : [فإن تولوا فإنما عليك البلاغ[ (النحل: 82). وقال تعالى: [فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد] (آل عمران: 20). قال القرطبي: " فإن تولوا أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان؛ فإنما عليك البلاغ، أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا". قال الشوكاني في سياق شرحه لقول الله تعالى: [ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب] (الرعد: 40): " أي: فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول الإجابة منهم، لما بلّغته إليهم، [وعلينا الحساب] أي: محاسبتهم بأعمالهم ومجازاتهم عليها، وليس ذلك عليك". وقال تعالى: [فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر] (الغاشية: 21-22). ولذلك فإن المسلم لا يشعر بحالة الصراع مع شخص ذلك الذي تنكب الهداية وأعرض عن أسبابها، فإنما حسابه على الله في يوم القيامة ، فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: [ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ] (البقرة: 272). وقال له وللأمة من بعده: [فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير] (الشورى: 15). ج. التكريم الإلهي للإنسان، ومبدأ عدم الإكراه على الدين خلق الله آدم عليه السلام، وأسجد له ملائكته [ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طيناً [ (الإسراء: 61)، وندبه وذريته من بعده إلى عمارة الأرض بمنهج الله: ] إني جاعل في الأرض خليفة] (البقرة: 30). ووفق هذه الغاية كرم الله الجنس البشري على سائر مخلوقات الله [ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً ] (الإسراء: 70). وأكد نبينا صلى الله عليه وسلم وصحبه احترام النفس الإنسانية ، ففي الخبر أن سهل بن حنيف وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة فقالا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي؟! فقال: ((أليست نفساً)). ومن تكريم الله للجنس البشري ما وهبه من العقل الذي يميز به بين الحق والباطل {وهديناه النجدين } (البلد: 10) ، وبموجبه وهبه الحرية والإرادة الحرة لاختيار ما يشاء { إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً } (الإنسان: 3) { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } (يونس: 99). وعليه فالإنسان يختار ما يشاء من المعتقد{ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} (البقرة: 256) ، والله يتولى في الآخرة حسابه {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها} (الكهف: 29). قال ابن كثير : "أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته؛ دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره؛ فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً". و يقول تعالى: {قل الله أعبد مخلصاً له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم و أهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين} (الزمر: 14- 15)، ويقول: [وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون] (الحج: 68-69). وقد امتثل سلفنا هدي الله، فلم يلزموا أحداً بالإسلام إكراهاً، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب قال لعجوز نصرانية: أسلمي تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق قالت: أنا عجوز كبيرة، والموت أقرب إليّ! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا: [ لا إكراه في الدين] (البقرة: 256). والإيمان ابتداء هو عمل قلبي، فليس بمؤمن من لم ينطو قلبه على الإيمان، ولو نطق به كرهاً فإنه لا يغير في حقيقة قائله ولا حكمه، وعليه فالمكره على الإسلام لا يصح إسلامه، ولا تلزمه أحكامه في الدنيا، ولا ينفعه في الآخرة. قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة: "لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه؛ أنه أجبر أحداً من أهل الذمة على الإسلام … وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً؛ مثل أن يثبت على الإسلام بعد زوال الإكراه عنه، وإن مات قبل ذلك فحكمه حكم الكفار، وإن رجع إلى دين الكفر لم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام .. ولنا أنه أكره على ما لا يجوز إكراهه عليه، فلم يثبت حكمه في حقه، كالمسلم إذا أكره على الكفر والدليل على تحريم الإكراه قول الله تعالى : [ لا إكراه في الدين ] (البقرة: 256)". وبمثله قال الفقيه الحنبلي ابن قدامة: "وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم؛ لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً". وهذا ما حصل بالفعل زمن الحاكم بأمر الله الذي يصفه ترتون بالخبل والجنون، وقد كان من خبله أن أكره كثيرين من أهل الذمة على الإسلام، فسمح لهم الخليفة الظاهر بالعودة إلى دينهم، فارتد منهم كثير سنة 418هـ. ولما أُجبر على التظاهر بالإسلام موسى بن ميمون فر إلى مصر، وعاد إلى دينه، ولم يعتبره القاضي عبد الرحمن البيساني مرتداً، بل قال: "رجل يكره على الإسلام، لا يصح إسلامه شرعاً"، وعلق عليها الدكتور ترتون بقوله: "وهذه عبارة تنطوي على التسامح الجميل". لقد فقه المسلمون هذا ووعوه، فتركوا لرعاياهم من غير المسلمين حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر التعبدية، ولم يأمروا أحداً باعتناق الإسلام قسراً وكرهاً. ثانياً: حرية ممارسة العبادة وضمان سلامة دورها وإذا لم يجبر الإسلام من تحت ولايته على الدخول فيه؛ فإنه يكون بذلك قد ترك الناس على أديانهم، وأول مقتضياته الإعراض عن ممارسة الآخرين لعباداتهم، وضمان سلامة دور العبادة. وهذا – بالفعل – ما ضمنه المسلمون في عهودهم التي أعطوها للأمم التي دخلت في ولايتهم أو عهدهم، فقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران أماناً شمل سلامة كنائسهم وعدم التدخل في شؤونهم وعباداتهم ، وأعطاهم على ذلك ذمة الله ورسوله، يقول ابن سعد: "وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته". ووفق هذا الهدي السمح سار الخلفاء الراشدون من بعده صلى الله عليه وسلم ، فقد ضمن الخليفة عمر بن الخطاب نحوه في العهدة العمرية التي كتبها لأهل القدس، وفيها: "بسم الله الرحمن الرحيم ؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان ، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم . ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم .. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين ". وبمثله كتب عمر لأهل اللُد. وبمثله أيضاً كتب عياض بن غنم رضي الله عنه لأهل الرقة، ولأسقف الرها. وقد خاف عمر من انتقاض عهده من بعده فلم يصل في كنيسة القمامة حين أتاها وجلس في صحنها، فلما حان وقت الصلاة قال للبترك: أريد الصلاة. فقال له البترك: صل موضعك. فامتنع عمر رضي الله عنه وصلى على الدرجة التي على باب الكنيسة منفرداً، فلما قضى صلاته قال للبترك: (لو صليتُ داخل الكنيسة أخذها المسلمون بعدي، وقالوا: هنا صلى عمر). وكتب لهم أن لا يجمع على الدرجة للصلاة، ولا يؤذن عليها، ثم قال للبترك: أرني موضعاً أبني فيه مسجداً فقال: على الصخرة التي كلم الله عليها يعقوب، ووجد عليها دماً كثيراً، فشرع في إزالته". وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها : "بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم ، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله eوالخلفاء والمؤمنين". وتضمن كتابه رضي الله عنه لأهل عانات عدم التعرض لهم في ممارسة شعائرهم وإظهارها: "ولهم أن يضربوا نواقيسهم في أي ساعة شاءوا من ليل أو نهار، إلا في أوقات الصلاة، وأن يخرجوا الصلبان في أيام عيدهم". وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: "لا تهدموا كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار". قال أبو الوليد الباجي: " إن أهل الذمة يقرون على دينهم ويكونون من دينهم على ما كانوا عليه لا يمنعون من شيءٍ منه في باطن أمرهم، وإنما يمنعون من إظهاره في المحافل والأسواق". وقال الفقهاء المسلمون بتأمين المسلمين لحقوق رعاياهم في العبادة، فقرروا أنه "يحرم إحضار يهودي في سبته، وتحريمه باق بالنسبة إليه، فيستثنى شرعاً من عمل في إجازة، لحديث النسائي والترمذي وصححه: ((وأنتم يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت)). ويمتد أمان الذمي على ماله ، ولو كان خمراً أو خنزيراً ، وينقل الطحاوي إجماع المسلمين على حرية أهل الذمة في أكل الخنازير والخمر وغيره مما يحل في دينهم، فيقول: "وأجمعوا على أنه ليس للإمام منع أهل الذمة من شرب الخمر وأكل لحم الخنازير واتخاذ المساكن التي صالحوا عليها، إذا كان مِصراً ليس فيه أهل إسلام (أي في بلادهم التي هم فيها الكثرة)". قال مالك: "إذا زنى أهل الذمة أو شربوا الخمر فلا يعرض لهم الإمام؛ إلا أن يظهروا ذلك في ديار المسلمين ويدخلوا عليهم الضرر؛ فيمنعهم السلطان من الإضرار بالمسلمين". وحين أخل بعض حكام المسلمين بهذه العهود اعتبر المسلمون ذلك ظلماً، وأمر أئمة العدل بإزالته وإبطاله، ومنه أن الوليد بن عبد الملك لما أخذ كنيسة يوحنا من النصارى قهراً، وأدخلها في المسجد، اعتبر المسلمون ذلك من الغصب، فلما ولي عمر بن عبد العزيز شكا إليه النصارى ذلك، فكتب إلى عامله يأمره برد ما زاد في المسجد عليهم، فاسترضاهم المسلمون، وصالحوهم، فرضوا. كما شكا النصارى إلى عمر بن عبد العزيز في شأن كنيسة أخرى في دمشق كان بعض أمراء بني أمية أقطعها لبني نصر، فردها إليهم. ومن أمارات تسامح المسلمين مع غيرهم أنهم لم يتدخلوا في الشؤون التفصيلية لهم ، ولم يجبروهم على التحاكم أمام المسلمين وإن طلبوا منهم الانصياع للأحكام العامة للشريعة المتعلقة بسلامة المجتمع وأمنه. وينقل العيني عن الزهري قوله: "مضت السنة أن يرد أهل الذمة في حقوقهم ومعاملاتهم ومواريثهم إلى أهل دينهم؛ إلا أن يأتوا راغبين في حكمنا، فنحكم بينهم بكتاب الله تعالى". كما ينقل عن ابن القاسم: " إن تحاكم أهل الذمة إلى حاكم المسلمين ورضي الخصمان به جميعاً؛ فلا يحكم بينهما إلا برضا من أساقفهما، فإن كره ذلك أساقفهم فلا يحكم بينهم، وكذلك إن رضي الأساقفة ولم يرض الخصمان أو أحدهما لم يحكم بينهما". وقد بين المرداوي المراد من التزام الأحكام الإسلامية فقال: "لا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين : بذل الجزية والتزام أحكام الملة من جريان أحكام المسلمين عليهم .. يلزم أن يأخذوهم بأحكام المسلمين في ضمان النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه". شهادات المؤرخين الغربيين على سماحة المسلمين مع غيرهم وإن خير شاهد على التزام المسلمين بهذه المبادئ، تلك الشهادات التاريخية المتتابعة التي سجلها مؤرخو الغرب والشرق عن تسامي المسلمين عن إجبار أحد – ممن تحت سلطانهم – في الدخول في الإسلام. يقول ول ديورانت: "لقد كان أهل الذمة، المسيحيون والزرادشتيون واليهود والصابئون يستمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح، لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم". ويقول: "وكان اليهود في بلاد الشرق الأدنى قد رحبوا بالعرب الذين حرروهم من ظلم حكامهم السابقين .. وأصبحوا يتمتعون بكامل الحرية في حياتهم وممارسة شعائر دينهم .. وكان المسيحيون أحراراً في الاحتفال بأعيادهم علناً، والحجاج المسيحيون يأتون أفواجاً آمنين لزيارة الأضرحة المسيحية في فلسطين .. وأصبح المسيحيون الخارجون على كنيسة الدولة البيزنطية، الذين كانوا يلقون صوراً من الاضطهاد على يد بطاركة القسطنطينية وأورشليم والاسكندرية وإنطاكيا، أصبح هؤلاء الآن أحراراً آمنين تحت حكم المسلمين". يقول توماس آرنولد : "لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي". وينقل معرب "حضارة العرب" قول روبرتسن في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وإنهم مع امتشاقهم الحسام نشراً لدينهم، تركوا مَن لم يرغبوا فيه أحراراً في التمسك بتعاليمهم الدينية". وينقل أيضاً عن الراهب ميشود في كتابه "رحلة دينية في الشرق" قوله: "ومن المؤسف أن تقتبس الشعوب النصرانية من المسلمين التسامح ، الذي هو آية الإحسان بين الأمم واحترام عقائد الآخرين وعدم فرض أي معتقد عليهم بالقوة". وينقل ترتون في كتابه "أهل الذمة في الإسلام" شهادة البطريك " عيشو يابه " الذي تولى منصب البابوية حتى عام 657هـ:" إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون. إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية ، بل يمتدحون ملتنا ، ويوقرون قديسينا وقسسنا، ويمدون يد العون إلى كنائسنا وأديرتنا ". ويقول المفكر الأسباني بلاسكوا أبانيز في كتابه "ظلال الكنيسة" متحدثاً عن الفتح الإسلامي للأندلس: "لقد أحسنت أسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الإفريقية، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء، فما هو إلا أن تقترب كوكبة من فرسان العرب من إحدى القرى؛ حتى تفتح لها الأبواب وتتلقاها بالترحاب .. كانت غزوة تمدين، ولم تكن غزوة فتح وقهر .. ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمناً عن فضيلة حرية الضمير، وهي الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب، فقبلوا في المدن التي ملكوها كنائس النصارى وبيع اليهود، ولم يخشَ المسجد معابد الأديان التي سبقته، فعرف لها حقها، واستقر إلى جانبها، غير حاسد لها، ولا راغب في السيادة عليها". ويقول المؤرخ الإنجليزي السير توماس أرنولد في كتابه "الدعوة إلى الإسلام": " لقد عامل المسلمون الظافرون العرب المسيحيين بتسامح عظيم منذ القرن الأول للهجرة ، واستمر هذا التسامح في القرون المتعاقبة ، ونستطيع أن نحكم بحق أن القبائل المسيحية التي اعتنقت الإسلام قد اعتنقته عن اختيار وإرادة حرة ، وإن العرب المسيحيين الذين يعيشون في وقتنا هذا بين جماعات المسلمين لشاهد على هذا التسامح ". وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه : " العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام، فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصب الديني وأفظعها؛ سمح لهم جميعاً دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى، أو ليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال؟ ومتى؟". يقول المـؤرخ الإسباني أولاغي: "فخلال النصف الأول من القرن التـاسع كـانت أقـلية مسيحية مهمة تعيش في قرطبة وتمارس عبادتها بحرية كاملة". يقـول القس إيِلُوج : "نعيش بينهم دون أنْ نتعرض إلى أيّ مضايقات، في ما يتعلق بمعتقدنا". بل ينقل المؤرخون الغربيون باستغراب بعض الحوادث الغريبة المشينة في تاريخنا، وهي على كل حال تنقض ما يزعمه الزاعمون المفترون على الإسلام، تقول المؤرخة زيغرد: "لقد عسّر المنتصرون على الشعوب المغلوبة دخول الإسلام حتى لا يقللوا من دخلهم من الضرائب التي كان يدفعها من لم يدخل في الإسلام". ويبين لنا توماس أرنولد أن خراج مصر كان على عهد عثمان اثنا عشر مليون دينار، فنقص على عهد معاوية حتى بلغ خمسة ملايين، ومثله كان في خراسان، فلم يسقط بعض الأمراء الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، ولهذا السبب عزل عمر بن عبد العزيز واليه على خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي ، وكتب: "إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً" . إذا كان الحال كما عرفنا، فما السر في تقبل الشعوب للإسلام وإقبالها عليه؟ وينقل الخربوطلي عن المستشرق دوزي في كتابه "نظرات في تاريخ الإسلام" قوله: "إن تسامح ومعاملة المسلمين الطيبة لأهل الذمة أدى إلى إقبالهم على الإسلام وأنهم رأوا فيه اليسر والبساطة مما لم يألفوه في دياناتهم السابقة ". ويقول غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" : " إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار القرآن ، فقد ترك العرب المغلوبين أحراراً في أديانهم .. فإذا حدث أن انتحل بعض الشعوب النصرانية الإسلام واتخذ العربية لغة له؛ فذلك لما كان يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس عهد بمثله، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى". ويقول: "وما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحاتهم وفي سهولة اقتناع كثير من الأمم بدينهم ولغتهم .. والحق أن الأمم لم تعرف فاتحين رحماء متسامحين مثل العرب ، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم ". ويوافقه المؤرخ ول ديورانت فيقول: "وعلى الرغم من خطة التسامح الديني التي كان ينتهجها المسلمون الأولون، أو بسبب هذه الخطة اعتنق الدين الجديدَ معظمُ المسيحيين وجميع الزرادشتيين والوثنيين إلا عدداً قليلاً منهم .. واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلدان الممتدة من الصين وأندنوسيا إلى مراكش والأندلس، وتملك خيالهم، وسيطر على أخلاقهم، وصاغ حياتهم، وبعث آمالاً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها". ويقول روبرتسون في كتابه "تاريخ شارلكن": "لكنا لا نعلم للإسلام مجمعاً دينياً، ولا رسلاً وراء الجيوش، ولا رهبنة بعد الفتح، فلم يُكره أحد عليه بالسيف ولا باللسان، بل دخل القلوب عن شوق واختيار، وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالأسباب ". ويقول آدم متز: "ولما كان الشرع الإسلامي خاصاً بالمسلمين، فقد خلَّت الدولة الإسلامية بين أهل الملل الأخرى وبين محاكمهم الخاصة بهم، والذي نعلمه من أمر هذه المحاكم أنها كانت محاكم كنسية، وكان رؤساء المحاكم الروحيون يقومون فيها مقام كبار القضاة أيضاً، وقد كتبوا كثيراً من كتب القانون، ولم تقتصر أحكامهم على مسائل الزواج، بل كانت تشمل إلى جانب ذلك مسائل الميراث وأكثر المنازعات التي تخص المسيحيين وحدهم مما لا شأن للدولة به". ويقول أيضاً: "أما في الأندلس، فعندنا من مصدر جدير بالثقة أن النصارى كانوا يفصلون في خصوماتهم بأنفسهم، وأنهم لم يكونوا يلجؤون للقاضي إلا في مسائل القتل". لكن الخربوطلي ينقل عن الدكتور فيليب في كتابه "تاريخ العرب" حديثه عن رغبة أهل الذمة في التحاكم إلى التشريع الإسلامي، واستئذانهم للسلطات الدينية في أن تكون مواريثهم حسب ما قرره الإسلام. ثالثاً : حسن العشرة والمعاملة الحسنة أمر الله في القرآن الكريم المسلمين ببر مخالفيهم في الدين، الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] (الممتحنة: 8). قال الطبري: "عنى بذلك لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم .. وقوله: { إن الله يحب المقسطين } يقول : إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم". والبر أعلى أنواع المعاملة ، فقد أمر الله به في باب التعامل مع الوالدين ، وقد وضحه رسول الله eبقوله : (( البر حسن الخلق )). قال القرافي وهو يعدد صوراً للبر أمر بها المسلم تجاه أهل الذمة: " ولين القول على سبيل اللطف لهم والرحمة، لا على سبيل الخوف والذلة، واحتمال إذايتهم في الجوار مع القدرة على إزالته، لطفاً منا بهم، لا خوفاً وتعظيماً ، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، نصيحتهم في جميع أمور دينهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد لأذيتهم .. وكل خير يحسُن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله، ومن العدو أن يفعله مع عدوه، فإن ذلك من مكارم الأخلاق .. نعاملهم – بعد ذلك بما تقدم ذكره – امتثالاً لأمر ربنا عز وجل وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم . وقد تجلى حسن الخلق عند المسلمين في تعاملهم مع غيرهم في كثير من تشريعات الإسلام التي أبدعت الكثير من المواقف الفياضة بمشاعر الإنسانية والرفق. فقد أوجب الإسلام حسن العشرة وصلة الرحم حتى مع الاختلاف في الدين ، فقد أمر الله بحسن الصحبة للوالدين وإن جهدا في رد ابنهما عن التوحيد إلى الشرك، فإن ذلك لا يقطع حقهما في بره وحسن صحبته: [وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً] (لقمان: 15). قال ابن كثير: " إن حرصا عليك كل الحرص، على أن تتابعهما على دينهما؛ فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك أن تصاحبهما في الدنيا [معروفاً] أي محسناً إليهما". وقد جاءت أسماء بنت الصديق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: يا رسول الله ، قدمت عليّ أُمّي وهي راغبة ، أفأَصِلُ أُمي؟ فأجابها الرحمة المهداة : (( صِلِي أُمَّك)). قال الخطابي: "فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر والأم الكافرة؛ وإن كان الولد مسلماً". قال محمد بن الحسن: "يجب على الولد المسلم نفقة أبويه الذميين لقوله تعالى: [وصاحبهما في الدنيا معروفا ] (لقمان: 15)، وليس من المصاحبة بالمعروف أن يتقلب في نعم الله، ويدعهما يموتان جوعاً، والنوازل والأجداد والجدات من قبل الأب والأم بمنزلة الأبوين في ذلك، استحقاقهم باعتبار الولاد بمنزلة استحقاق الأبوين". وفي مثل آخر لصلة الرحم – وإن كانت كافرة – يقول عبد الله بن مروان: قلت لمجاهد: إن لي قرابة مشركة، ولي عليه دين، أفأتركه له؟ قال: نعم. وصِله. ويمتد البر وصلة الرحم بالمسلم حتى تبلغ الرحم البعيدة التي مرت عليها المئات من السنين، فها هو صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بأهل مصر خيراً ، براً وصلة لرحم قديمة تعود إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حيث قال صلى الله عليه وسلم : ((إنكم ستفتحون مصر .. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها؛ فإن لهم ذِمة ورحِماً)). قال النووي: " وأما الذمة فهي الحرمة والحق , وهي هنا بمعنى الذمام ، وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم". ومن البر وصلة الأرحام عيادة المريض ، فقد عاد النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب في مرضه ، وعاد أيضاً جاراً له من اليهود في مرضه، فقعد عند رأسه. ومن صور البر التي تهدف إلى كسب القلوب واستلال الشحناء؛ الهدية، وقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخالفيه في الدين، من ذلك ما رواه ابن زنجويه أن رسول الله أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة، وهو بمكة، وكتب إليه يستهديه أدماً، فأهدى إليه أبو سفيان. وقبِل صلى الله عليه وسلم في خيبر هدية زينب بنت الحارث اليهودية، لكنها هدية غدر لا مودة، فقد أهدت له شاة مشوية دست له فيها السم. وفي مرة أخرى دعا يهودي النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه صلى الله عليه وسلم . كما قبِل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا الملوك إليه، فقِبل هدية المقوقس، وهدية ملك أيلة أكيدر، وهدية كسرى. قال ابن قدامة : "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب لأن النبي eقبل هدية المقوقس صاحب مصر". وأهدى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب tحُلّةً ثمينة، فأهداها عمر tأخيه بمكة كان يومئذ مشركاً. قال النوويّ: " وفي هذا دليل لجواز صلة الأقارب الكفار , والإحسان إليهم, وجواز الهدية إلى الكفار". ويروي البخاري في الأدب المفرد عن مجاهد أنه سمع عبد الله بن عمرو رضي الله عنه يقول لغلام له يسلخ شاة: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي. فقال رجل من القوم : اليهودي أصلحك الله!؟ فقال : سمعت النبي eيوصي بالجار، حتى خشينا أنه سيورثه. وحين تحدث الفقهاء عن حقوق الضيف رأوا وجوبها لكل ضيف، سواء كان مسلماً أم غير مسلم، قال أبو يعلى: "وتجب الضيافة على المسلمين للمسلمين والكفار لعموم الخبر، وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل، وقد سأله إن أضاف الرجل ضيفان من أهل الكفر؟ فقال: قال صلى الله عليه وسلم : ((ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم))، دل على أن المسلم والمشرك مضاف .. يعم المسلم والكافر". ومن حق الضيافة إكرام الضيف على قدر الاستطاعة ، وقد صنعه النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه عدي بن حاتم، يقول عدي: "أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، فقال القوم: هذا عدي بن حاتم. وجئتُ بغير أمان ولا كتاب، فلما دُفعتُ إليه أخذ بيدي .. حتى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها". ومن أعظم أنواع البر وصوره؛ دعاءُ النبي صلى الله عليه وسلم لغير المسلمين، وهو بعض رحمته صلى الله عليه وسلم للعالمين، ومنه دعاؤه لقبيلة دوس ، وقد قدم عليه الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله إن دوساً قد كفرت وأبت ؛ فادع الله عليها، فقيل : هلكت دوس – أي ستهلك بدعائه عليها – فقال صلى الله عليه وسلم : (( اللهم اهد دوساً، وائت بهم)). ولما قيل له صلى الله عليه وسلم في موطن آخر: يا رسول اللّه، ادع على المشركين .. قال: ((إنّي لم أبعث لعّاناً، وإنّما بعثت رحمةً)). رابعاً : العدل في معاملتهم ورفع الظلم عنهم إن من أهم المُثل ومكارم الأخلاق التي جاء الإسلام لحمايتها وتتميمها؛ العدل، والعدل غاية قريبة ميسورة إذا كان الأمر متعلقاً بإخوة الدين أو النسب، وغيرها مما يتعاطف له البشر. لكن صدق هذه الخُلة إنما يظهر إذا تباينت الأديان وتعارضت المصالح، وهو ما يعنينا في هذا المبحث، فما هو حكم الإسلام في العدل مع غير المسلمين، وهل حقق المسلمون ما دعاهم إليه دينهم أم خالفوه؟ لقد أمر القرآن الكريم بالعدل، وخصَّ – بمزيد تأكيده – على العدل مع المخالفين الذين قد يظلمهم المرء بسبب الاختلاف والنفرة، قال تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى] (المائدة: 8). قال القرطبي: " ودلت الآية أيضاً على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يُقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المُثلة بهم غير جائزة ، وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا، وغمّونا بذلك؛ فليس لنا أن نقتلهم بمثله قصداً لإيصال الغم والحزن إليهم ". وقال البيضاوي: "لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمُثلة وقذف وقتل نساء وصِبية ونقض عهد، تشفياً مما في قلوبكم [اعدلوا هو أقرب للتقوى] أي: العدل أقرب للتقوى ". وأعلم الله تعالى المؤمنين بمحبته للذين يعدلون في معاملتهم مع مخالفيهم في الدين الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: [لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين] (الممتحنة: 8). فالعدل مع الآخرين موجب لمحبة الله. وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم، وجعل نفسه الشريفة خصماً للمعتدي عليهم، فقال: ((من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة)). وأكد أن ظلم غير المسلم موجب لانتقام الله الذي يقبل شكاته ودعوته على ظالمه المسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم ((اتقوا دعوة المظلوم – وإن كان كافرًا – فإنه ليس دونها حجاب)). ولمزيد التأكيد يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بعدم التعرض للمستضعفين من غير المسلمين بالظلم والتسلط، فيقول: ((لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم، فيتقوكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم، فيصالحونكم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك ، فإنه لا يصلح لكم)). لذا لما سأل رجل ابن عباس فقال: إنا نمر بأهل الذمة، فنصيب من الشعير أو الشيء؟ فقال الحبر ترجمان القرآن: (لا يحل لكم من ذمتكم إلا ما صالحتموهم عليه). ولما كتب النبي كتاب صلحه لأهل نجران قال فيه: ((ولا يغير حق من حقوقهم ، ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه، ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم ولا ظالمين)). أما منتهى الظلم وأشنعه، فهو قتل النفس بغير حق، لهذا جاء فيه أشد الوعيد وأعظمه، يقول صلى الله عليه وسلم : ((من قتل معاهَداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً )). قال ابن حجر: "المراد به من له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم". ومن الطريف أن الخوارج الذين استباحوا دماء المسلمين وأوغلوا فيها توقفوا عن قتل أهل الذمة خشية نقض عهدهم. قال ابن حجر: " الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذمة فقالوا: نفي لهم بعهدهم". وقال صلى الله عليه وسلم : ((أيما رجل أمّن رجلاً على دمه، ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافراً)). قال ابن القيم: " المستأمن يحرم قتله، وتضمن نفسه، ويقطع بسرقة ماله". ويقول القرطبي: "الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم كذلك، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقِق ذلك: أنّ المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أنّ مال الذمي قد ساوى مال المسلم، فدل على مساواته لدمه، إذ المال إنّما يحرم بحرمة مالكه". وقد ذهب جمع من العلماء على أن المسلم يقتل بقتله النفس المعصومة من غير المسلمين، وتأولوا الحديث الوارد في النهي عن ذلك. ويروي عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي أن رجلاً مسلماً قتل رجلاً من أهل الذمة من أهل الحيرة على عهد عمر، فأقاد منه عمر. ويروي الشافعي في مسنده أن رجلاً من المسلمين أُخذ على عهد علي رضي الله عنه وقد قتل رجلاً من أهل الذمة، فحكم عليه بالقصاص، فجاء أخوه، واختار الدية بدلاً عن القود، فقال له علي: "لعلهم فرقوك أو فزّعوك أو هددوك؟" فقال: لا ، بل قد أخذت الدية، ولا أظن أخي يعود إلي بقتل هذا الرجل، فأطلق علي القاتل، وقال: "أنت أعلم، من كانت له ذمتنا، فدمه كدمنا، وديته كديتنا". ويحدث ميمون بن مهران أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض أمرائه في مسلم قتل ذميّاً، فأمره أن يدفعه إلى وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه. يقول ميمون: فدفع إليه، فضرب عنقه، وأنا أنظر.[ ولئن اختلف الفقهاء في مسألة قتل المسلم بالذمي؛ فإنهم لم يختلفوا في عظم الجناية وشناعة الفعل، كما لم يختلفوا في وجوب العدل مع مخالفيهم في الدين ووجوب كف الأذى والظلم عنهم. قال صلى الله عليه وسلم : (( إن الله عز وجل لم يُحِلَّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ، ولا ضَرْبَ نسائهم ، ولا أكلَ ثمارهم ، إذا أعطوكم الذي عليهم )). ويرى ابن عابدين في حاشية الدر المختار وجوب " كف الأذى عن الذمي، وتحرم غيبته كالمسلم". ويفسر ابن عابدين ذلك بقوله: "لأنه بعقد الذمة وجب له ما لنا، فإذا حرمت غيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد". قال القرافي: "عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم، لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عِرْض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام". وشواهد عدل المسلمين مع أهل ذمتهم كثيرة، منها العدل معهم في خصومتهم مع الخلفاء والأمراء، ومنه خصومة الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع يهودي في درعه التي فقدها ثم وجدها عند يهودي، فاحتكما إلى شريح القاضي، فحكم بها لليهودي، فأسلم اليهودي وقال: "أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء! أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه، فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق". فقال علي كرم الله وجهه: أما إذ أسلمت فهي لك. ومنه أيضاً قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر وابنه، وقد اقتص الخليفة للقبطي في مظلمته، وقال مقولته التي أضحت مثلاً: "يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟". ولما كان ابن رواحة tيخرص ليهود خيبر حاولوا رشوته فأبى، وقال: (وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي). فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا، فاخرجوا عنا. ومن عجيب الأخبار، أخبار عدل الخلفاء مع أهل ذمة الله ورسوله والمؤمنين ؛ أن عمير بن سعد tترك ولاية حمص لإساءته إلى ذمي، فقد قال للخليفة مستعتباً عن الرجوع إلى الإمارة: (إن ذلك لسيء، لا عملت لك، ولا لأحد بعدك، والله ما سلِمت، بل لم أسلم، قلت لنصراني: أخزاك الله، فهذا ما عرضتني به يا عمر، وإن أشقى أيامي يوماً خلفت معك يا عمر) ولم يجد الخليفة بُداً من قبول هذه الاستقالة. وفي تاريخ دمشق أن عميراً tقال للخليفة عمر: " فما يؤمنني أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خصمي يوم القيامة ومن خاصمه خصمه". ولما ولي أمير العدل عمر بن عبد العزيز أمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي يشكو الأمير العباس بن الوليد بن عبد الملك في ضيعة له أقطعها الوليد لحفيده العباس، فحكم له الخليفة بالضيعة، فردها عليه. وفي أحيان أخرى لم يأخذ المسلمون العدل من خصومهم، بل عفوا وتجاوزوا كما جرى زمن معاوية بن أبي سفيان حين نقض أهل بعلبك عهدهم مع المسلمين، وفي أيدي المسلمين رهائن من الروم، فامتنع المسلمون من قتلهم، ورأوا جميعاً تخلية سبيلهم، وقالوا: "وفاء بغدر خير من غدر بغدر". قال هشام: وهو قول العلماء، الأوزاعي وغيره. ولم يخلُ تاريخنا – على وضاءته – من بعض المظالم التي وقعت للمسلمين ولغيرهم، وقد استنكرها فقهاء الإسلام، ورأوا فيها جوراً وخروجاً عن رسوم الشريعة، ومنه أن هشام بن حكيم بن حزام tمرّ على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله eيقول: ((إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا)). قال: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه، فحدثه، فأمر بهم فخُلوا. ولما خاف الخليفة الوليد بن يزيد من نصارى قبرص أجلاهم منها، فاستفظع المسلمون ذلك، واعتبروه من الظلم ، يقول إسماعيل بن عياش : "فاستفظع ذلك المسلمون، واستعظمه الفقهاء، فلما ولي يزيد بن الوليد ردهم إلى قبرص ، فاستحسن المسلمون ذلك من فعله، ورأوه عدلاً". كما حطَّ عمر بن عبد العزيز عن أهل قبرص ألف دينار زادها عبد الملك عما في عهد معاوية رضي الله عنه لهم، ثم ردها عليهم هشام بن عبد الملك، فلما كانت خلافة أبي جعفر المنصور أسقطها عنهم، وقال: "نحن أحق من أنصفهم، ولم نتكثر بظلمهم". ومثله صنع الأوزاعي فقيه الشام حين أجلى الأمير صالح بن عليٍّ بن عبد الله بن عباس أهل ذمة من جبل لبنان، فكتب إليه الأوزاعي: "فكيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يُخرَجوا من ديارهم وأموالهم؟ وحكم الله تعالى: [ألا تزر وازرة وزر أخرى] (النجم: 38)، وهو أحق ما وقف عنده واقتدي به ، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال: ((من ظلم ذميًا أو كلَّفه فوق طاقته فأنا حجيجه)) ... فإنهم ليسوا بعبيد، فتكونَ في حِلٍ من تحويلهم من بلد إلى بلد، ولكنهم أحرار أهلُ ذمة". وما زال العلماء والخلفاء يتواصون بحقوق الذمة، كل يحذر أن تخفر ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم وهو شاهد، لأجل ذلك حرصوا على تفقد أحوالهم ومعرفة أمورهم، ومن ذلك أن وفداً من أهل الذمة جاء إلى عمر، قال عمر للوفد: (لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم؟) فقالوا: ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة". ويرسل عمر كتاباً إلى عامله أبي عبيدة، فيقول موصياً بأهل الذمة: "وامنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم، وأكل أموالهم إلا بحلها، ووف لهم بشرطهم الذي شرطت لهم في جميع ما أعطيتهم". ولما جاءه مال الجباية سأل رضي الله عنه عن مصدره مخافة العنت والمشقة على أهل الذمة، ففي الأثر عنه t"أنه أتي بمال كثير، أحسبه قال: من الجزية. فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس؟ قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفواً صفواً. قال: بلا سوط ولا نوط؟ قالوا: نعم. قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني ". ولما جاء عمر رضي الله عنه الشام تلقاه المقلسون من أهل أذرعات بالسيوف والريحان‏ يلعبون بين يديه.‏ فكره عمر لعبهم، وأمر بمنعهم‏.‏ فقال له أبو عبيدة‏:‏ يا أمير المؤمنين هذه سُنتهم، وإنك إن منعتهم منها يروا أن في نفسك نقضاً لعهدهم‏.‏ فقال عمر‏:‏ دعوهم‏. وفي رواية ابن زنجويه أنه قال: (دعوهم ، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة). فقد كره رضي الله عنه مساءتهم، وأن يظنوا به النقض، فأذعن لقول أبي عبيدة. ولما تدانى الأجل به tلم يفُته أن يوصي المسلمين برعاية أهل الذمة فقال: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيراً، وأن يوفي لهم بعهدهم ، وأن يقاتلوا من ورائهم ، وألا يكلفوا فوق طاقتهم). وكتب إلى واليه في مصر: "واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك، فإنه قال تبارك وتعالى في كتابه : [ واجعلنا للمتقين إماماً ] (الفرقان: 74) يريد [أي من المؤمن] أن يُقتدى به، وأن معك أهل ذمة وعهد، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، وأوصى بالقبط فقال : ((استوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً))، ورحِمُهم أن أم إسماعيل منهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((من ظلم معاهداً أو كلفه فوق طاقته؛ فأنا خصمه يوم القيامة)) احذر يا عمرو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لك خصماً، فإنه من خاصمه خَصَمه". وكتب علي بن أبي طالب tبلسان الوجِل من ربه إلى عماله على الخراج: "إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة، شتاءً ولا صيفاً، ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحداً منهم سوطاً واحداً في درهم، ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عَرَضاً في شيء من الخراج، فإنا إنما أمرنا الله أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني، وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتُك . ولما فتح المسلمون دمشق ولي قسم منازلها بين المسلمين سبرة بن فاتك الأسدي، فكان ينزل الرومي في العلو، وينزل المسلم في السفل؛ لأنْ لا يضر المسلم بالذمي. ويدخل فقيه عصره أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة على الخليفة هارون الرشيد يذكره برعاية أهل الذمة وتفقد أحوالهم، ويستميل قلبه بذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب ذمتهم، فيقول: "وقد ينبغي يا أمير المؤمنين – أيدك الله – أن تتقدم بالرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم ، والتفقد لهم حتى لا يظلموا، ولا يؤذوا، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم". وقد شهد المؤرخون بسمو حضارتنا في هذا الباب، فقد اعترف بريادتنا له نصارى حمص حين كتبوا إلى أبي عبيدة بن الجراح t: " لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم"، ثم أغلقوا أبواب المدينة في وجه الروم إخوانهم في العقيدة. وتنقل المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها الماتع " شمس العرب تسطع على الغرب" شهادة مهمة من بطريك بيت المقدس، فتقول: " فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: إنهم يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنف". خامساً : التكافل الاجتماعي لعل من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين – الذين يقيمون في المجتمع المسلم – كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي. فإن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين [وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ] (الأنبياء: 107)، وقد أمر صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتصفوا بصفة الرحمة، في تعاملهم فيما بينهم ومع غيرهم، بل وحتى مع الحيوان ، فقال صلى الله عليه وسلم (( لا يرحم الله من لا يرحم الناس)) ،وكلمة الناس لفظة عامة تشمل كل أحد ، دون اعتبار لجنس أو دين . قال ابن بطال: "فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق , فيدخل المؤمن والكافر والبهائم والمملوك منها وغير المملوك ". وحث الإسلام أيضاً المؤمنين وألزمهم بالإحسان والبر في معاملة من لا يعتدي على المسلمين، فقال تبارك وتعالى: [ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ] (البقرة: 195). وقد جعل الإسلام دفع الزكاة إلى مستحقيها من المسلمين وغيرهم ركناً من أركان الإسلام، فقال تعالى: [ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ](التوبة: 60) قال القرطبي: " ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة .. وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين فقراء أهل الكتاب". ويقول السرخسي: "لنا أن المقصود سد خلة المحتاج ودفع حاجته بفعل هو قربة من المؤدي، وهذا المقصود حاصل بالصرف إلى أهل الذمة، فإن التصديق عليهم قربة بدليل التطوعات، لأنّا لم ننه عن المبرة لمن لا يقاتلنا، قال الله تعالى : [ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ] (الممتحنة: 8)". ولئن كان الخلاف بين الفقهاء قوياً في بر أهل الذمة من أموال الزكاة المفروضة، فإنهم أجازوا دفع الكفارة الواجبة إلى أهل الذمة، بل قدمهم الكاساني فيها حتى على المسلم ، لأنها " وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم، كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى، لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه". وأمر القرآن الكريم ورغَّب بالصدقة على غير المسلمين، فقد روى أبو عبيد أن بعض المسلمين كان لهم أنسباء وقرابة من قريظة والنضير، وكانوا يتقون أن يتصدقوا عليهم، يريدوهم أن يسلموا ، فنزلت : [ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم] (البقرة: 272). وقد جاء في مراسيل سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تجري عليهم ". وعليه قد أجاز فقهاء الشريعة التصدق على أهل الذمة، يقول أبي رزين قال كنت مع سفيان بن سلمة فمر عليه أسارى من المشركين، فأمرني أن أتصدق عليهم، ثم تلا هذه الآية: [ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً] (الإنسان: 8). كما أجازوا الوقف لهم، واعتبروه من وجوه البر التي يحبها الله، يقول محمد بن الحسن الشيباني: " ويصح [الوقف] على أهل الذمة؛ لأنهم يملكون ملكاً محترماً، وتجوز الصدقة عليهم .. وإذا جازت الصدقة عليهم جاز الوقف عليهم كالمسلمين، وروي أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم وقفت على أخ لها يهودي، ولأن من جاز أن يقف عليه الذمي جاز أن يقف المسلم عليه كالمسلم، ولو وقف على من ينزل كنائسهم وبيعهم من المارة والمجتازين من أهل الذمة وغيرهم؛ صح". وهذا كما رأينا بعض البر والعدل الذي حثَّ عليه القرآن الكريم ، حين ذكر أهل الذمة المسالمين الذين لا يعتدون على المسلمين، فقال: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } ( الممتحنة: 8). ويفصل الإمام القرافي في شرحه للبر والعدل المأمور به في معاملة غير المسلمين، فيقول: "وأما ما أمر به من برِّهم من غيرمودة باطنية، فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم ، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم .. وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم…". ويقول القرشي المالكي في شرحه على مختصر خليل: "دفع الضرر وكشف الأذى عن المسلمين أو ما في حكمهم من أهل الذمة من فروض الكفايات، من إطعام جائع وستر عورة، حيث لم تفِ الصدقات ولا بيت المال بذلك". ووفق هذا الهدي سلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من بعده ، فكتب خالد بن الوليد رضي الله عنه لنصارى الحيرة : " وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله". وروى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من أهل الجزية يسأل الناس فقال: (ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير). وفي رواية أن عمر أخذ بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال : (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم [ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ] والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب)، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. وكان مما أمر به رضي الله عنه : "من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه". ومر tفي الجابية على مجذومين من أهل الذمة، فأمر أن يعطوا من صدقات المسلمين، وأن يجرى عليهم القوت من بيت المال. وكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن أرطأة : "وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه". وقد سجل هذه الرعاية الفريدة المستشرق بارتولد في كتابه "الحضارة الإسلامية"، فقال :" إن النصارى كانوا أحسن حالاً تحت حكم المسلمين، إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل ". المصدر https://quran-m.com/
  5. حاول المفكر المصري فؤاد زكريا (1927-2010) أن يقيم حواراً فعالاً مع توجهات الإسلام السياسي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتحديد الأسباب التي أدّت إلى تنامي وتصاعد حدّة تواجده في تلك الفترة، وفي سعيه إلى تفكيك فكره، أرجع انتشاره إلى "واقع التخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي"، وانتشار الإسلام الطقوسي الذي يهتم بالمظهر، والفصل بين الرجل والمرأة، والتحريمات، والمخاوف الجنسية، بغضّ النظر عن المضمون السلوكي والاجتماعي الكامن وراءه. مرتكزات الإسلام السياسي يرى فؤاد زكريا أنّ ثقافة هذه الجماعات التراثية الجامدة، وعجزها عن توظيف التراث بشكل مستنير، أدّت إلى تعطيل ملكات العقل والنقد لديهم، ما جعل بعضها تسلك سلوكاً متطرفاً، استخدمت فيه العصا وقبضة اليد، أكثر مما استخدمت العقل والمنطق، وهو ما أدّى إلى إثارة القلاقل في العالم العربي. فؤاد زكريا مؤذّن العقل في مالطا التعصب كما يرى فؤاد زكريا: أنّ "العنف ليس ظاهرة طارئة على هذه الجماعات المتطرفة، وإنما هو شيء ينتمي إلى تركيبها ذاته، وهو جزء لا يتجزأ من تكوينها النفسي والذهني، وهو وسيلتها الوحيدة لتحقيق أهدافها". ويحاول زكريا أن يناقش المرتكزات التي تقوم عليها دعوة الإسلام السياسي، للجمع بين الدين والسياسة؛ فيقول إنّ هذه الدعوة يستند فيها الداعون إلى الجمع بين الدين والدنيا، ومن ثم بين العقيدة والسياسة، على مبدأ صلاحية النصّ الديني لكلّ زمان ومكان، وهذا المبدأ ذاته يولّد تناقضاً أساسياً؛ هو أنّ الدنيا متطورة والنصّ ثابت، والمخرج الوحيد من هذا التناقض هو الاقتصار على تأكيد الجوانب العامة فقط في النصوص الدينية، وترك التفاصيل لاجتهادات كلّ عصر، وفي إطار هذه الكليات العامة يظهر النصّ الديني في حاجة دائمة إلى البشر؛ كي يصبح حقيقة واقعة، ويطبق في مجال إنسانيّ ملموس، وهكذا يبدو من الضروري وجود توسط بشريّ من نوع ما، بين النصّ والواقع، وفي عملية التوسّط؛ تظهر التحيزات، ويتجلّى مدى الصراع على ملكية حقيقة الدين. تجاهل متطلبات التطور يذهب اعتقاد فؤاد زكريا إلى أنّ شمول أية عقيدة سينكمش مع حدوث تطور في المجتمع، ومن ثم؛ يبدو أنّ طموح أية عقيدة دينية يتجه إلى شمول كافة مرافق حياة الإنسان، وأنّ انكماش هذا الطموح، أو التزامه حدوداً أكثر حكمة وتعقلاً، هو أقرب إلى إدراك متطلبات التطور الإنساني الحرّ؛ ففي البداية يكون الاتجاه إلى الشمول هو السائد، وبقدر ما يتحقق من تطور وتقدم في المجتمع يتراجع هذا الشمول، وتفرض متغيرات الحياة نفسها؛ أي إنّ الاجتماع البشريّ في تطوّره، قد يخلق قوانينه الخاصة. يذهب اعتقاد فؤاد زكريا إلى أنّ شمول أية عقيدة سينكمش مع حدوث تطور في المجتمع وينظر فؤاد زكريا إلى دعوة الإسلام السياسي للجمع بين الدين والدولة؛ بأنّها رؤية لاتاريخية، تؤدّي إلى اغتراب الإنسان عن الزمان والمكان الذي يعيش فيهما؛ فالإسلام السياسي ينظر إلى التاريخ نظرة دائرية ارتدادية، ترى أنّ المستقبل لا يتحقق إلا بالماضي المجيد، في حين أنّ النظرة التقدمية للتاريخ والزمن تركّز على كون التاريخ يسير في خطّ مستقيم، ولهذا كان من الضروري مراعاة المستجدات التي تحدث في المجتمع، والتعايش مع هذه المستجدات بأطروحات مستقبلية، لا أطروحات ماضوية ارتدادية، ولهذا يقول فؤاد زكريا: إنّ دعوة الإسلام السياسي للجمع بين الدين والدولة، يسود فيها نوع من الشمولية المتزمتة، التي تجمد التاريخ عند مرحلة واحدة من مراحله، وتصمّ آذانها عن هدير الإنجازات الباهرة، التي تتلاحق يوماً بعد يوم، في العصر الذي يعيش فيه، وتعتمد حركات الإسلام السياسي على رسم صورة للماضي، مشتقة من النصوص، دون تقديم اجتهاد حقيقي، أو برنامج عمل متكامل، تراعي فيه التطور الذي يحدث في حركة التاريخ، ومصالح البشر المتغيرة في الاجتماع. جدل الشريعة والتاريخ وهناك بعض من دعاة الإسلام السياسي يرون أنّ مرجعية القانون هي التي تحدّد صبغة الدولة وهويتها؛ فإذا قلنا لهم إنّ مبادئ الحكم الإسلامي قد انتهكت عبر التاريخ الإسلامي، وأهمها مبدأ الشورى؛ حيث قامت الخلافة على الشوكة والقهر والتغلب، يردّون بالقول إنّ المهمّ هو تطبيق الشريعة، بصرف النظر عن شكل الحكم، سواء كان ملكياً أم جمهورياً. هل أنهى حزب العدالة والتنمية مرحلة الإسلام السياسي بالمغرب؟ ويرى فؤاد زكريا؛ أنّ دعاة الإسلام السياسي، لو استطاعوا السيطرة، سيتخذون من تطبيق الشريعة وسيلة لإدانة كلّ مظاهر الحياة البشرية؛ من فنون وآداب، وقد خدمت بعض نماذج تطبيق الشريعة المعاصرة مخاوف فؤاد زكريا، خاصة تجربة السودان، ولهذا نجده يقول: إنّ التجارب المعاصرة في تطبيق الشريعة كانت كلّها فاشلة؛ بل أسفرت، في آخر الأمر، عن نظم في الحكم مضادة لما تدعو إليه جميع الشرائع السماوية. الشعبوية ويمين الإسلام السياسي وبالتالي؛ إذا كان دعاة الإسلام السياسي يدعون إلى أنّ الإسلام دين ودولة، فإنّهم يتجاهلون حركة التاريخ حين يتغافلون عن النماذج الفاشلة لتطبيق الشريعة في حياتنا المعاصرة، وكذا يتجاهلون تطبيق الشريعة على مدار التاريخ الإسلامي، وهم يستشهدون بعهد الخلفاء الراشدين، وبعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بوجه خاص، وهذا دليل على أنّهم لم يجدوا ما يستشهدون به طوال التاريخ التالي، الذي ظلّ الحكم فيه يمارس باسم تطبيق الشريعة، في حين أنّ التطبيق الذي دام ما يقرب من ثلاثة عشر قرناً، كان في الواقع نكراناً لأصول الشريعة، وخروجاً عنها. علاقة الإسلام السياسي بسايكس بيكو لذلك فإنّ دعاة تطبيق الشريعة يرتكبون خطأً فادحاً حين يركزون جهودهم على الإسلام، كما ورد في الكتاب والسنّة (الإسلام النظري)، متجاهلين الإسلام كما تجسّد في التاريخ (الإسلام التاريخي والحضاري)؛ حين يكتفون بالإسلام كنصوص، ويغفلون الإسلام كواقع، ويزداد هذا الخطأ فداحة إذا أدركنا أنّ محور دعوتهم هو مشكلات الحكم والسياسة، وتطبيق أحكام الشريعة، وكلّها مشكلات ذات طابع عملي، لا يكفي فيها الرجوع إلى النصوص، إنما ينبغي أن يكمله، على الدوام، الاسترشاد بتجربة الواقع. العنف ليس ظاهرة طارئة لدى الجماعات المتطرفة وإنما هو شيء ينتمي إلى تركيبها ذاته ولا شكّ في أنّ أزمة الإسلام السياسي في الهوة الواسعة بين قيم الإسلام السامية، كما وردت في الكتاب والسنّة، وممارسات الحكم الواقعية؛ فالممارسات الواقعية تجسّد العديد من صور الفشل في تطبيق هذه القيم. ويرى فؤاد زكريا؛ أنّ عملية الحكم بشرية، حتى إن كانت الأحكام التي ترجع إليها إلهيّة، ومن ثمّ يحمل فؤاد زكريا على فكرة الحاكمية؛ التي تتبنّاها شرائح من الإسلام السياسي، ويرى أنّ تعبير "الحاكمية لله" تعبير متناقض؛ لأنّ البشر هم دائماً الذين يحكمون، وهم الذين يحولون أيّة شريعة إلهية إلى تجربة بشرية، تصيب وتخطئ؛ من خلال ممارستهم للحكم. 5 اغتيالات دموية نفذتها جماعات الإسلام السياسي ومن ناحية أخرى؛ فإنّ فكرة الحاكمية لله تؤدّي إلى تكريس الاستبداد في الحكم؛ لأنّ الحاكم فيه يزعم أنّه ناطق بلسان الوحي الإلهي، ومن ثمّ؛ فإنّ أفدح أنواع الخطأ هو ما يرتكبه حاكم يتصوّر أنّ أهواءه ومصالحه الضيقة، إنما هي تجسيد للإرادة الإلهية، ويوهم الناس بأنّ كلّ ما يفعله مستلهَم من وحي الشريعة التي يحكم بمقتضاها، وقد أثبتت التجارب المريرة التي خاضها عالمنا الإسلامي، في تاريخه القريب والبعيد؛ أنّ أمثال هؤلاء الحكام كانوا في معظم الأحيان الأكثر دموية، والأشدّ استخفافاً بمصائر البشر. المصدر: https://hafryat.com/ar
  6. يُنسب مصطلح "التجديد الديني" إلى الترجمة الحرفية لـ(Renewal of Religious discourse)؛ ولهذا يُوصف التجديد الديني بأنّه "عبارة مستوردة من الغرب". تبدو عبارة "تجديد الخطاب أو الفكر الديني" مستساغة لمن يبحث عن مخرج للتأويلات والتفاسير المتشددة إلّا أنّ كلمة التجديد في حدّ ذاتها، لها أصل في التراث الإسلامي، يمكن رصده في الحديث النبوي: "إنّ الله يبعث لهذه الأمة في رأس كلّ مئة سنة من يجدّد لها دينها" رواه أبو داود (رقم/4291)، وصحّحه السخاوي في المقاصد الحسنة (149)، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/599). كما يستند كثير من المجددين إلى كتاب "التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كلّ مائة" لجلال الدين السيوطي (849-911هـ)، وكتاب "بغية المقتدين ومنحة المجددين على تحفة المهتدين"، للشيخ حامد المراغي الجرجاوي (1361 – 1282هـ)، واللافت للانتباه؛ أنّ التجديد الديني في هذا السياق ارتبط بمنصب اجتماعي يشبه منصب الإمامة العظمى (راجع: المجددون في الإسلام، أمين الخولي، 1926م). مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال والإمامة منصب سياسي سلطوي، ولهذا نجد كثيراً من الجهاديين لا يعترفون بالتجديد الديني النابع من المؤسسات الدينية الحكومية في التاريخ المعاصر، على اعتبار أنّه خطاب مدعوم من السلطة لأسباب سياسية وليست شرعية بحتة. التجديد في مواجهة البدعة في الوقت ذاته، يواجه التجديد الديني بحديث نبوي آخر، ألا وهو: "إياكم ومحدثات الأمور فإنّ كلّ بدعة ضلالة" (رواه أبو داود 4607، وابن ماجة 42، والترمذي 2676). هنا أصبحت معادلة الإصلاح الديني أشبه بالسير في الهواء الطلق؛ فمَن يحدّد ما هو التجديد؟ وما هي البدعة؟ شباب مغاربة من التشدد والتطرف إلى الإلحاد لنوضح ونبسط هذه الفلسفة، يمكننا أن نضرب مثلاً بسيطاً؛ في فتاوى التجديد لا يعدّ المذياع حراماً، بل حلالاً، إن أذاع ما لا يخالف الشرع، وهي القاعدة التي سيستند إليها شيوخ الصحوة الإسلامية في فتاواهم ضدّ الفنون والسينما فيما بعد، هنا أصبحت الفتوى مجددة وحداثية؛ لأنّها لم تحرّم الفنون؛ بل حرمت المحتوى المخالف للشرع بحسب تأويلات بعينها. المجدّدون في التشدّد الديني تبدو عبارة "تجديد الخطاب أو الفكر الديني" مستساغة لمن يبحث عن مخرج للتأويلات والتفاسير المتشددة، لكنّها في الوقت ذاته مصطلحات تحمل مجالاً واسعاً للجدل؛ لأنّ التجديد لم يرتبط فقط بالأسماء التي سعت إلى ربط الخطاب الديني بالحداثة المجتمعية، وإنما ارتبط المصطلح لدى البعض بتجديد نبرة التشدّد في الخطاب الديني أو بالتجديد في إستراتيجية العمليات الجهادية بما يتناسب مع التقدم التقني. سلفية فركوس.. الجزائر في مرمى التشدد لنا أن ندرك مثلاً؛ أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب لُقب بـ"الإمام المجدّد" في القرن الثامن عشر ميلادي، كونه حارب الصوفية في شبه الجزيرة العربية؛ حيث ظهرت دعوة ابن عبد الوهاب في فترة سيطرت عليها الطرق الصوفية بتقاليدها وثقافتها على المجتمعات الإسلامية؛ لهذا شنّ الشيخ هجوماً على التقاليد الدينية الشعبية الرائجة ونبذ البدع، فقام بهدم الأضرحة، في سبيل رؤيته في التجديد الديني. الصراع بين أقطاب الجهاديين مجرد محاولة من كلّ طرف فيهم لاحتكار صحيح التكفير وصحيح الجهاد الذي يتبعه كما لُقب الشيخ ابن تيمية (661-728 هـ) كذلك بـ"الإمام المجدّد"، وعدّ أتباعه من السلفية؛ أنّ فتواه بعدم جواز تهنئة المسيحيين بأعيادهم جزء من تجديد الخطاب الديني (مجموع الفتاوى، ج 13/175). أما في التاريخ المعاصر؛ لُقب أسامة بن لادن من مناصريه بـ"الإمام المجدّد"؛ لتبنّيه مساراً جهادياً يتناسب مع الظروف المعاصرة، وفي هذا الصدد، يقول الباحث السياسي والاقتصادي الأمريكي من أصول يابانية، فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، في كتابه "الإسلام والحداثة والربيع العربي": "لا يمكن ببساطة أن ندعو أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة، بالأصولي الإسلامي، إن الفهم الأفضل لهذه الحركات لا يكون باعتبارها حركة تقليدية، بل حركة غاية في الحداثة" (حوار فوكوياما مع د. رضوان زيادة، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2015). نموذج أبو مصعب السوري أبو مصعب السوري؛ هو مصطفى بن عبد القادر الرفاعي (من مواليد حلب 1958)، سافر إلى بريطانيا في التسعينيات ومكث فيها، وعمل هناك ضمن الخلية الإعلامية الداعمة للجهاد في الجزائر، وكتب منشورات لصالح المجاهدين هناك، واشترك في كتابة نشرات عديدة لصالح الجماعات الجهادية في العالم العربي، وكانت تلك المنشورات تصدر من أوروبا، كما ورد في كتابه "مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر". عنف التشدد الديني في مصر... سنوات ما قبل 25 يناير كذلك أسّس أبو مصعب السوري في لندن، فيما بعد، مكتب دراسات صراعات العالم الإسلامي، وفي فترة لاحقة؛ اشترك مع المجاهدين في أفغانستان، وبايع الملا عمر (1960-2013)، الزعيم الروحي لطالبان الأفغانية في قندهار؛ بعدما أسست حركة طالبان الإمارة الإسلامية هناك، وكتب في صحيفة "الشريعة" الرسمية في الإمارة. أما المفارقة في خطاب أبو مصعب السوري؛ هي أنّه تبنى تجديد الخطاب الديني ضدّ ما أسماه "الغلوّ في التكفير"؛ حيث اختلف مع أبو قتادة الفلسطيني، مؤلف كتاب "الجهاد والاجتهاد"؛ كون الأخير كان يؤصل شرعياً لفتاوى الجماعات الجهادية في الجزائر، التي اتهمها أبو مصعب بالغلو في التكفير، وهو ما يلفت انتباهنا إلى أنّ الصراع بين أقطاب الجهاديين ما هو إلا محاولة كلّ طرف فيهم لاحتكار صحيح التكفير وصحيح الجهاد الذي يتبعه، وعدّ ذلك جزءاً من تجديد الخطاب الديني في أعراف الجهاديين. كتاب "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية"، لأبو مصعب السوري، ارتكز على تجديد الخطاب الديني المنوط بالجهاد، ورأى أنّ الجهاد فرض عين على جميع المسلمين، فليس من الضروري أن يكون الجهادي المسلم فرداً فاعلاً في تنظيم جهادي ليجاهد في سبيل الله؛ فالجهاد هو الغاية، حتى وإن لم تنتج عنه حكومة إسلامية شرعية، وقد يُعدّ هذا الخطاب أخطر أنواع الأدبيات الجهادية، كونه يرتكز على الفردانية؛ أي العمل الفردي الجهادي الذي يصعب تتبع أثره. المغرب: التصوف في مواجهة التطرف.. لمن الغلبة؟ ومن الجدير بالإشارة؛ أنّ كتابه "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية"؛ هو دراسة متأنية أشبه بأبحاث الدراسات العليا، ويختلف عن كثير من كتب السلفية الجهادية التي يعتمد فيها أصحابها على الخواطر الدينية. يعدّ أبو مصعب السوري الجهاد فرضَ عينٍ على الأعداء الكفار وأوليائهم المرتدين، ويتهم كلّ من يثني المسلمين عن الجهاد بالتواطؤ في مخطط التلاعب بمفاهيم الدين الإسلامي. ويؤكد كذلك، أبو مصعب السوري، على ضرورة التربية العسكرية القتالية لأولاد المسلمين، على اعتبارها جزءاً من التربية النفسية التي تؤهلهم للقتال في سبيل الله؛ لهذا فإنّ ظهور الجهاديين الذين يحملون أطفالاً رضّعاً معتصبين بعصابات مكتوب عليها كلمات دالة على الجهاد والاستشهاد؛ هو جزء من تجديد الخطاب الديني في إطاره الجهادي. باسم التجديد اعتبر أبو مصعب السوري الجهاد فرضَ عينٍ على الأعداء الكفار وأوليائهم المرتدين كما يستخدم أبو مصعب السوري مصطلح "النخب الجهادية"، ومصطلح النخب كان دوماً يستخدم من ِقبل المثقفين، ولكنّ أبو مصعب السوري يستخدم المصطلح ويطوعه، وكأنه يتقمص دور التنويري الذي ينير العقول بفقه الجهاد. يحدّد أبو مصعب في كتابه أيضاً مقومات الجهاد، وما يتبعها من محرمات، فيحكم بتحريم الانتساب إلى الأجهزة السلطوية والمؤسسات الحكومية، ويحرّم التشنيع على الجهاديين (نقدهم) بحجّة الاعتدال والوسطية؛ فهو يرى أنّ الذين يتقمصون دور الاعتدال والوسطية، ويعملون على إثناء المسلمين عن الجهاد؛ تنطبق عليهم الآية القرآنية: ]وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ[ (التوبة: الآية 46). يعد كتاب "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية"، دستور العقيدة الجهادية العصرية في إطار الخطاب الديني المتجدّد، بحسب رؤيته، والذي صاغه في ست وثلاثين مادة ، وأهم ما جاء فيه؛ أنّ "المقاومة الإسلامية ليست حزباً ولا دستوراً ولا جماعة، وإنما دعوة مفتوحة لجموع المسلمين؛ لأنّ الجهاد هو عقيدة أهل السنّة والجماعة"، وأكد فيه مشروعية الجهاد ضدّ كلّ فاجر من أمراء المسلمين وشعوبهم، وتعدّ كلمة "فاجر" هنا كلمة مبهمة، وتتضمن أحكاماً مطاطية قد تطال قطاعاً كبيراً من المواطنين، كما أنها تترك للمجاهدين حق الحكم بارتداد الحكام من عدمه واستحلال دماء كلّ "فاجر". المصدر: https://hafryat.com/
  7. تبدو صورة المجتمع الإسلامي تاريخياً، في كتب التراث، على غير ما ينقلها دعاة الإسلاموية في أدبياتهم؛ فالمتتبع لكتب الأدب العربي، وكتب التاريخ، يجد وصفاً وانعكاساً، حقيقيَّين لما كانت عليه حياة المجتمع آنذاك؛ حيث عاش أبناء المجتمع الحياة وفق شروطها الإنسانية، لا وفق محددات وضعها رجال دين، أو فقهاء نصوص، فعلى سبيل المثال: إذا أمعنا النظر في أحد أهم المراجع التراثية، وهو كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، الذي وصفه ابن خلدون بقوله: "وقد ألّفَ القاضي أبو الفرَج الأصفهاني، وهو ما هو، كتابه (الأغاني) جمع فيه أخبارَ العرب وأشعارَهم وأنسابَهم وأيامَهم ودُولهَم، وجعل مبناه على الغناء في المائة صوت التي اختارها المُغنّون للرّشيد، فاستوعب فيه ذلك أتمّ استيعاب وأوفاه. ولعمري إنّه ديوان العرب وجامع أشتات المحاسن التي سلفت لهم في كلّ فنّ من فنون الشّعر والتّاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو إليها الأديبُ ويقفُ عندها، وأنّى له به". تضمن كتاب الأغاني مرويات تاريخية عن الأحوال الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده ولقد تضمن كتاب الأغاني مرويات تاريخية عن الأحوال الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، في تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده، وصولاً إلى عصر الأصفهاني، في القرن الرابع الهجري؛ حيث يلحظ الدارس لهذه الموسوعة، أنّها ترسم صورة تاريخية بشرية، لتجربة إنسانية خالصة للمجتمع العربي والإسلامي حينذاك، كما أنّها تُظهر لنا طبيعة الحياة التي عاشها أسلافنا، وهي على ما يبدو أفضل من اليوم؛ بسبب انسجامهم مع ذاتهم، التي لم تكن تعاني من ذهنية التحريم، أو ثنائية الحلال والحرام التي أقحمها، وبأسلوب فِجّ، الناطقون بلسان السماء في عصرنا الراهن. ورغم الجهد الخلّاق في هذا السفر الكبير، إلّا أنّه لم يُعجب الموقّعين عن ربّ العالمين، في الماضي والحاضر؛ فقد هاجم هؤلاء الأصفهاني، واتّهموه بالفسق وتسويغ شرب الخمر، ونقل أخبار المجون والمنكَرات..إلخ، وذلك كلّه؛ لأنّهم لم يتقبلوا فكرة وصف أحوال المجتمع العربي والإسلامي (كمجتمع بشري)؛ فهم يظنون، أنّ هذا المجتمع كان ملائكياً، ليس فيه فرح بالحياة أو ولع بها، على النحو الذي عاشته بقية المجتمعات البشرية، لذلك رفض هؤلاء كل الكتب والمؤلفات التي سطرها جهابذة الحضارة العربية والإسلامية، عن أحوال مجتمعات هذه الحضارة، ومسيرتهم في التاريخ. رغم الجهد الخلّاق في سِفر الأغاني للأصفهاني إلّا أنّه لم يُعجب الموقّعين عن ربّ العالمين في الماضي والحاضر فالصورة التي أراد، ويريد، حراس الاعتقاد تكريسها، تتمثل في الأطروحة الآتية: إنّ المجتمع العربي، بعد ظهور الإسلام، تحوّل إلى كائنات نورانية، لا تنتمي لعالم البشر؛ حيث أصبح أفراده لا يسمعون الموسيقى، ولا يخالطون النساء، ولا يتقاتلون على الحكم، فهم رُهبان بالليل فرسان بالنهار!، وقد انتقلت هذه الأدلجة وراثياً، إلى الإسلامويين في عصرنا، فقاموا بتأليف الأدبيات الدينية التي تحث على التربية الطهرانية، التي تلغي نوازع الإنسان، وحقّه في مباهج الحياة، وذلك كله في سبيل الآخرة؛ لأنّ الدنيا جنة الكافر! ولا يعدّ كتاب الأغاني الوحيد الذي يصور أحوال المجتمع العربي والإسلامي على حقيقتها وصورتها؛ بل أغلب المؤلفات التي نقلت أخبار حركة ذلك المجتمع، تحدثت باللسان ذاته، والحال نفسها، التي نقلها الأصفهاني، وهي على النقيض ممّا ورد في كتب الوعَّاظ والمتفقّهين، الذين رسموا صورة مغايرة، تتمثل في مجتمع عربي وإسلامي، ملائكي لا بشري. المسلم اليوم يعاني، بسبب التربية والبرمجة الأيديولوجية التي رسّخها الإسلامويون، وعلى رأسهم جماعة الإخوان وهذا كله، يطرح مسألة التزييف الذي مارسه، ويمارسه، الناطقون بلسان المقدس قديماً وحديثاً، وأثر ذلك في مجتمعاتنا التي أصبحت تعاني من الفصام النكد، بين الواقع المعيش الذي نتج عن التطور التاريخي، وتقدم الحضارة الإنسانية، والمثال الذي نسجه هؤلاء في عقولهم وكتبهم. فالمسلم اليوم يعاني، بسبب التربية والبرمجة الأيديولوجية التي رسّخها الإسلامويون، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمون، عندما تحكّموا في تأليف المناهج التربوية المدرسية والجامعية، وكتب الوعظ والزهد الدينية التي تذمّ الدنيا، وذلك كلّه في سبيل الاستحواذ على الدنيا والآخرة معاً. إنّ حجم التزييف والتدليس كان كبيراً، وأدلجة التاريخ وتديينه، وصلا إلى مستويات غائرة في الوعي واللاوعي، بحيث تشكّل عقلاً جمعياً، على مقاس ومقاصد حرّاس الاعتقاد، أعاق مجتمعاتنا عن تحقيق مشروعات التحديث في المجال الاجتماعي والثقافي؛ بل وأبقاها محكومة بسيرة السلف، التي اخترعها لنا الوعاظ والمتفقهون، على مدى قرون من الهندسة العقلية والبرمجة الذهنية. المصدر https://hafryat.com/ar
  8. كشفت تقارير أمنية، ومصادر برلمانية ليبية، عن معلومات تثبت تورّط جماعة الإخوان في تمكين عناصر من تنظيم داعش الإرهابي، من السيطرة على مدينتي صبراتة والزاوية الواقعتين في غرب البلاد، خاصّة عند المنطقة الحدودية المتاخمة لحدود تونس، بعد رصد عربات تحمل رايات داعش السوداء، وهي تتجول في المنطقة الواقعة تحت سيطرة الميليشيا الإخوانية. رايات داعش ترفرف غرب ليبيا أوضح برلماني ليبي، عضو لجنة الأمن القومي، أنّ عناصر تنظيم داعش تتواجد بشكل مكثف في منطقة الخطاطبة بصبراتة وفي الزاوية، حيث تنشط حركة التنظيم ليلاً، وتظهر السيارات التي تحمل الأعلام السوداء، قرب الحدود التونسيّة، تحت سمع وبصر ميليشيا الإخوان. عضو مجلس النواب الليبي قال، في منشور له على "فيسبوك"، إنّ عناصر داعش تتجول بحرية في المنطقة، "وهم يحملون بنادق الكلاشينكوف والمسدسات، وحتى رشاشات بعيدة المدى"، كاشفاً عن وجود "عملاء يحمونهم، ويزودونهم باحتياجاتهم، وبالمعلومات في كل المدن الغربية الساحلية". كشف البرلمانى كذلك أنّ "عناصر من تنظيم أنصار الشريعة، كانوا يدربون الدواعش القادمين من تونس، في مقر الغرفة التي تركها الجيش الليبي في منطقة الدحمان، بعد القصف التركي، وبعد أن افتضح أمرهم، انتقلوا إلى خارج المدينة". كما أوضح أنّ "القيادات الإخوانية، تتواصل بشكل وثيق مع المتطرف، شعبان مسعود خليفة، المكنى بــ "أبو عبيدة الزاوي"، وأيضا بـمحمد سالم بحرون، المكنى بــ"الفار"، وكلاهما ينتميان لداعش". معلومات عن تورّط جماعة الإخوان في تمكين عناصر من تنظيم داعش من السيطرة على مدينتي صبراتة والزاوية وفيما يبدو، فإنّ تركيا ليست بعيدة عن هذه المناورة، التي ربما تهدف إلى تقويض مسار التسوية، وكذلك الضغط على الرئيس التونسي، قيس سعيّد، بتسهيل تسلل عناصر داعش إلى تونس، للقيام بعمليات انتقامية، رداً على الإجراءات الجديدة التي اتخذتها السلطات التونسيّة، في مجال محاربة الإرهاب، وكذلك إقصاء حركة النهضة من حكم البلاد، حيث تزامن ظهور داعش في الغرب الليبي، مع قيام تركيا بنشر وحدة عسكرية للرصد، تدعمها طائرات المراقبة، قرب حدود تونس. وتدعم تصريحات التكبالي، هذا الاتجاه، حيث أشار في تصريحات صحفية، إلى أنّ نحو 1500 عنصر من المنتمين إلى تنظيم داعش تمكنوا من الدخول إلى دولة عربية مجاورة، لم يسمها، ويرجح أنّها تونس، حيث لفت إلى أنّ جبل الشعابي، أصبح مقراً دائماً لداعش، والمعروف أنّ هذا الجبل يقع بين ليبيا وتونس. انفلات أمني غير مسبوق وبالتزامن مع حراك داعش في الزاوية، تشهد المنطقة الواقعة غربي طرابلس حالة غير مسبوقة من الانفلات الأمني، مع استمرار الاشتباكات بين الميليشيات المسلحة في الزاوية وورشفانة، بسبب التنافس على تهريب الوقود، حيث قامت ميليشيات تتخذ من الزاوية نقطة تمركز لعناصرها، بقصف وتفجير مناطق سكنية في بئر سردين، انتقاماً من ميليشيات ورشفانة، باستخدام قاذفات مضادة للدروع، ما أحدث حالة من الفوضى في المنطقة، مكنت عناصر تنظيم داعش من تكوين ملاذات آمنة، وفق تقارير أفادت باحتمال عبورها للحدود التونسيّة. السياسي البرقاوي، محمود الكزة، قال إنّه "خلال الأشهر الثلاثة الماضية، نشطت خلايا الجماعات المتطرفة، أمثال تنظيم الدولة، والقاعدة، وتوقع أن تقوم تلك الجماعات ببناء مستعمرات لها في الجنوب الليبي، متهماً في تصريحات لـ"حفريات"، حكومة الوحدة الوطنية بـ"إهمال هذا الملف، ربما عن عمد، لرغبتها في عرقلة الانتخابات المقبلة، كما اتهم الإخوان بدعم رؤوس الجماعات الإرهابية في صبراتة، التي أصبحت تجني أموالاً هائلة، من خلال تنظيم رحلات الهجرة الغير شرعية، وتساعدها تلك الأموال على شراء السلاح والعتاد". يبدو أنّ تركيا ليست بعيدة عن هذه المناورة التي ربما تهدف إلى تقويض مسار التسوية الكزة لفت إلى أنّ "مدينة الزاوية باتت مركز الثقل لهذه التنظيمات الإرهابية، حيث يتم وضع الخطط تحت إشراف أبو عبيدة الزاوي، أحد أبرز قادة الجماعات الإرهابية، من أجل أن تعمل هذه الجماعات كجدار صد، أمام قوات الجيش الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر". تقويض مسار التسوية وبحسب الكزة، فإنّ ما يقوم به الإخوان، هو "اختراق واضح للنص الختامي لقمم برلين والقاهرة، ونتائج حوار 5+5، ونتائج حواري تونس والمغرب، والجميع يعلم أنّ جميع الميليشيات في الغرب الليبي، تأتمر من تركيا، وتنفذ أوامرها، وتتحرك وفق رؤية أنقرة الاستراتيجية، وأطماعها السياسيّة". وهو ما يتضح في رد تركيا على الأصوات المطالبة برحيل قواتها من ليبيا، حيث قال وزير دفاع الاحتلال التركي، خلوصي آكار: "قواتنا في ليبيا ليست قوات أجنبية، وستواصل نشاطها هناك ولن تخرج أبداً"، الأمر الذي يكشف، وفق الكزة، عن حقيقة المخطط التركي، والتواطؤ الإخواني، وربما كذلك يزيح مزيداً من الغموض، بحسب الكزة، عن موقف حكومة الدبيبة من أنقرة، حيث لم يظهر أيّ اعتراض رسمي على هذه التصريحات، الأمر الذي فسره العديد من المتابعين، بأنّ صفقة ربما تلوح في الأفق، بين تركيا وحكومة الوحدة الوطنية، حيث تحتفظ تركيا بقواتها، وتحتفظ الحكومة بوجودها، ما يعني عدم الوفاء بوعود إجراء الانتخابات في موعدها، المحدد له نهاية هذا العام. الكزة أوضح كذلك أنّ "سياسة فرض الأمر الواقع لن تفلح، ومن يقدمون أنفسهم كحكام، يجب أن يتعاملوا كرجال دولة، فالقضية الليبية أرهقت دول الجوار، بحسب تعبيره، وأصبح خيار قيام فيدرالية من إقليمين، أمراً مطروحاً على طاولة الدول الساعية إلى إحلال السلام، وإنهاء الحرب في ليبيا"، مؤكّداً أنّ "مبادرة القاهرة ستبقى هي الحل الجذري الأكثر واقعية؛ لتفادي دخول البلاد إلى منزلق خطير، ربما يجر ليبيا مرة أخرى إلى سيناريو الحرب الشاملة، والتي إن إندلعت فستطال أثارها جميع دول الجوار". علي التكبالي: عناصر داعش يتجولون بحرية في المنطقة وهم يحملون أسلحتهم جدير بالذكر أنّ الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، شرع في عملية عسكرية شاملة في جنوب البلاد، تستهدف مواقع تنظيم داعش، وذلك في أعقاب هجوم سبها، حيث تمكن الجيش الوطني من قطع خطوط الإمداد عن عناصر التنظيم الإرهابي، وحصارهم في مناطق التهريب في منطقة رمال زلاف.
  9. جددت محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت الرئيس التونسي قيس سعيد، وأُعلن عنها الأحد الماضي، الجدل حول عمليات محتملة لـ "الذئاب المنفردة"، وعلاقتها بالحركات المتطرفة في البلاد، خاصة بعد اتهامات القوى السياسية بتورط حركة النهضة الإخوانية بدعمها، والدفع بإعادتها إلى المشهد في ظل حالة التوتر السياسي بين النهضة والرئيس منذ قرارات 25 يوليو الماضي. وكشفت صحيفة "الشروق" التونسية، الأحد، أنّ أجهزة الأمن أحبطت مخططاً إرهابيا كان يستهدف الرئيس قيس سعيّد، وقالت "أحد الذئاب المنفردة كان سينفذ العملية في مدينة ساحلية، وهو رهن التحقيق"، مشيرة إلى أنّ الإرهابي خطط لاغتيال الرئيس قيس سعيّد". وتعليقاً على المحاولة، قال سعيّد: "من يريد الحوار لا يذهب للخارج سراً للبحث عن إزالة رئيس الجمهورية بأي شكل من الأشكال حتى بالاغتيال". النهضة في مرمى الاتهام اتهمت قوى سياسية تونسية حركة النهضة الإخوانية، بالوقوف خلف محاولة اغتيال الرئيس قيس سعيد، معتبرين أنّ ما حدث هو مجرد رد سريع من الحركة على إجراءات ٢٥ تموز (يوليو) الماضي. يقول المحلل السياسي التونسي، نزار الجليدي، إنّ "حركة النهضة تحاول توظيف بعض اعناصر الإرهاب من مجموعة الذئاب المنفردة، وكذلك العائدين من بؤر الصراعات، لاستهداف الخصوم السياسيين وتصفية المعارك لصالحها، خاصة في ظل تأزم وضعها الحالي في البلاد وغيابها عن المشهد السياسي بفعل الرفض الشعبي للحركة، وفشل رئيسها راشد الغنوشي في احتواء الموقف". وأضاف، في تصريحه لـ"حفريات"، أنّ "النهضة ستلجأ إلى العنف كخيار متاح من أجل العودة إلى المشهد السياسي في تونس، وهو أمر ليس بعيداً عن أدبياتها، بالعكس؛ فتاريخ النهضة مليء بالوقائع السياسية التي تشهد بأنها استخدمت العنف والإرهاب لتصفية الخصوم، مشيراً إلى تورط الحركة بحادث اغتيال السياسيين التونسيين؛ شكري بلعيد ومحمد البراهيمي". عمليات محتملة وشدد الجليدي على ضرورة التعامل اليقظ من جانب الأجهزة التونسية لـ"الخطر" القادم من الخارج، في إشارة إلى خطورة محاولات تسلل عدد من العناصر الإرهابية عبر الحدود الشرقية للبلاد من ليبيا، بمساعدة قيادات بارزة داخل النهضة، مشيراً إلى ما أكدته مصادر مسؤولة، نقلت عنها وكالة أخبار "ليبيا 24"، بشأن صحة التعميم الصادر من قبل وزير الداخلية الليبي اللواء خالد مازن إلى عدد من رؤساء ومديري الأجهزة الأمنية بشأن التحقق من إخطار من قبل رئيس مكتب الشرطة الجنائية العربية والدولية موجه من "إنتربول تونس" يفيد باعتزام نحو 100 عنصر إرهابي موجودين بالقاعدة الجوية الوطية، التسلل إلى الأراضي التونسية عبر منطقة بنقردان. جددت المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس التونسي الجدل حول عمليات محتملة لـ "الذئاب المنفردة" وتوقع الجليدي أن تشهد البلاد تصعيداً من جانب العناصر المتطرفة المدعومة من النهضة خلال الأيام القليلة المقبلة، خاصة بعد قرارات الرئيس التونسي بتمديد تجميد عمل البرلمان، واستمرار الملاحقات القضائية للعناصر الفاسدة من مختلف القوى السياسية وفي القلب منها حركة النهضة. تحذيرات من توغل داعش في تونس وبحسب دراسة منشورة للباحث معاذ سعد بمركز إضاءات، يلعب تنظيم داعش دائماً على استغلال الأزمات، لذا فإنّ الوضع الحالي في تونس يعد بيئة مناسبة له، حيث كشفت وزارة الداخلية التونسية في 20 شباط (فبراير) الماضي عن اعتقال المسؤول عن الجناح الإعلامي للتنظيم في تونس، وأكدت أنّه كان يعد مخططاً إرهابيّاً يستهدف البلاد، مستغلاً في ذلك الوضع السياسي المتأزم. حينها أكدت قوات مكافحة الإرهاب تفاصيل العملية الأمنية، وأن هذا العنصر كان يتولى استقطاب مجموعة من الشباب التونسي لتنفيذ أعمال إرهابية على طريقة ما يعرف بـ"الذئاب المنفردة"، وتدريب عدد منهم عبر الشبكات الإلكترونية، ما قد يشير إلى أنّ داعش قد يستغل الأزمات والاحتجاجات التي تشتعل في تونس، وغضب شباب حركة النهضة خاصة، في استقطاب العديد من الشباب عبر الفضاء العنكبوتي. اتهمت قوى سياسية تونسية حركة النهضة الإخوانية بالوقوف خلف محاولة اغتيال الرئيس وتشير الدراسة التي تحمل عنوان "داعش في تونس: غواية السلاح في أزمة الديمقراطية"، إلى أنه "على وقع الأحداث التي شهدتها تونس، في 26 تموز (يوليو) الماضي، وقرارات الرئيس قيس سعيّد التي أطاحت بالبرلمان الذي تحوز حركة النهضة التونسية ذات الخلفية الإسلامية أغلبيته، حاول تنظيم داعش استغلال الأمر بغرض استقطاب عناصر جديدة. وأوردت الدراسة، أنّ المرصد العالمي للإفتاء ذكر في ورقته البحثية التي حملت عنوان "العائدون من داعش"، الصادرة العام 2017، أن "تونس تأتي كأعلى دولة من حيث عدد المقاتلين المنضمين إلى داعش منها بتعداد وصل إلى 6000 مقاتل". حتمية المواجهة شددت عدة تقارير على ضرورة المواجهة الصارمة للخلايا التي تشكل الذئاب المنفردة في كل دول العالم، وإن كانت "معقدة" بسبب قدرتهم على التخفي وعدم الاندماج تحت هيكل تنظيمي واحد يمكن تعقبه ومحاصرته. وقال مرصد الأزهر لمكافحة الإرهاب والتطرف إنّ التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها داعش يحاول، "استهداف الهوية الوطنية لدى الشباب يُعد جزءاً من (الخطاب التحريضي) للتنظيم، الذي يسعى إلى (تشويه) الواقع في أعين الشباب، وهذه هي الخطوة الأولى على طريق تحويل الشباب إلى (ذئاب منفردة). نزار الجليدي: تاريخ النهضة مليء بالوقائع السياسية التي تشهد بأنّها استخدمت العنف والإرهاب لتصفية الخصوم وقال المرصد في تقريره الصادر في 11 تموز (يوليو) الماضي إنّ "داعش يسعى إلى استهداف الهوية الوطنية لدى الشباب من خلال وضع حاجز من الفوارق بين الهويتين (الوطنية) و(الدينية)، ومحاولة إثبات أنه لا يمكن أن يجتمع حب الوطن والإيمان في قلب واحد" . وأكد المرصد أنّ "مكافحة كافة التنظيمات المتطرفة واتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون انتشار فكرها المتطرف في المجتمعات بات ضرورة ملحّة، خصوصاً مع استغلال هذه التنظيمات لرموزها في استقطاب الشباب والتأثير على أفكارهم وتحويلهم إلى (قنابل موقوتة) تهدد أمن واستقرار المجتمعات وتشوه الصورة السمحة للإسلام بما يؤثر سلباً على كافة المسلمين في المجتمعات الغربية على وجه الخصوص". المصدر https://hafryat.com/
  10. المتابع لما تقوم به الجماعات الإرهابية والتكفيرية من تجنيد للنشء والأطفال للانضمام لصفوفها سيكتشف أن عقول وأفكار وأخلاق، بل ودين أطفالنا ونشئنا، أصبحت كلها كميادين السباق يسابقنا فيها التكفيريون والإرهابيون للنيل من أبنائنا والوصول إليهم بهدف تجنيدهم لاعتناق الأفكار الضالة، خاصة في ظل هذا الانفتاح التقني وإدمان نشئنا وأطفالنا للتبحر عبر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من علوم الميديا بمختلف أشكالها وقراءة في الأرقام التي تتحدث عنها تقارير أجهزة المخابرات العالمية ستكشف لنا أن الجماعات التكفيرية بدأت فعلاً حرب شرسة معنا من أجل الفوز بعقول أطفالنا، وهو ما يعني ضرورة أن نستيقظ قبل فوات الأوان لنحصنهم في مواجهة هذا الطوفان الغادر. قضية هامة يقول الدكتور الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، إن قضية تحصين النشء والأطفال في مواجهة الفكر التكفيري والمتشدد في غاية الأهمية، خاصة وأن هؤلاء النشء في حال إهمالنا لهم سيتحولون في المستقبل لمشروع متشددين بسهولة إذا استغلت الجماعات التكفيرية جهل هؤلاء الصغار ونفثت في عقولهم سمومها التكفيرية والإرهابية. ويضيف لا بد من تكاتف جهود الأسرة والمدرسة والمسجد على التوالي من أجل تربية الأطفال وتوجيههم بشكل صحيح فلابد على الأسرة أن تسعى لمنح الطفل السلامة النفسية والطمأنينة بحيث يكون الأب والأم قدوة لأبنائهم في التمتع بخصال الإسلام الصحيحة البعيدة عن التطرف الشديد أو الإفراط في أمور الدين فالطفل يصلي مثلما يشاهد والده يصلي ويصوم مثلما يجد والده يصوم، وكذلك الأمر في كل العبادات والشعائر الدينية، فإذا تمتع الأب بالوسطية، فسوف يتمتع الابن بالوسطية أيضاً وإذا وجد الطفل والديه لاهيين يبحثان فقط عن متع الحياة ويهملان الدين فسوف ينشأ كذلك، وإذا وجد الطفل والده متشدداً فسوف ينشأ كذلك لهذا فعلى الآباء والأمهات أن يتقوا الله في الأطفال ويعلموا على أن يكونوا قدوة حسنة بحيث ينشأ الطفل صالحاً نافعاً لوطنه ودينه والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في حديثه الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، ويوضح استمرار وتوسع الأثر وعدم اقتصاره على مرحلة الصغر وذلك في حديثه القائل: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»، ولا بد أن ندرك أن توعية الآباء والأمهات لأبنائهم بمخاطر الإرهاب وآثاره المدمرة عامل مهم جداً في بناء جيل قوي متسلح بالأفكار الصحيحة التي تحميه من الإرهاب ومخاطره، كما أن الحوار الهادف والهادئ من الآباء والأمهات مع أبنائهم من خلال التأكيد لهم على الدور البارز الذي تقوم به القوات المسلحة في حربها ضد الإرهاب وتضحيات الشهداء من أجل الحفاظ على أمن واستقرار الوطن، تعطي صورة ذهنية رائعة، وتجعلهم يشعرون أن الدولة تهتم بسلامتهم وأمنهم وكرامتهم ومستقبلهم. ويقول: المدرسة عليها عبء كبير ومن هنا فلابد من إعادة صياغة العديد من المقررات الدراسية وتطويرها لتسهم في تعزيز الانتماء الديني الصحيح، وكذلك تعزيز الانتماء الوطني في نفوس الأطفال والنشء كل ذلك إلى جانب تعزيز المواد الدينية، وتوضيح صورة الإرهابيين والتكفيريين فهو أمر مهم للغاية بحيث يدرك الطفل منذ الصغر أخطاء الإرهاب والتكفير دينياً وتاريخياً وفكرياً على اعتبار أن هذه الفئة هي سبب الفتنة في كل زمان ومكان، ومصدر اختطاف الإسلام، وتضليل الشباب برفع الشعارات فدور المدرسة كبير في توجيه الطلاب وإرشادهم وحماية أفكارهم، وهو دور لن يتأتى من دون أن يتحمل المعلمون والمعلمات مسؤولياتهم، وتحديداً نشر ثقافة الوسطية والتسامح بين الطلاب والطالبات ولابد هنا من التأكيد على أهمية دور المؤسسات التعليمية تتحمل العبء الأكبر في مواجهة ظاهرة الإرهاب الفكري فهي تمثل الخط الأول في المواجهة مع تلك الجماعات التي تتبنى الفكر الإرهابي. يقظة المجتمع ويقول الدكتور عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر، إن التنظيمات الإرهابية فطنت للأطفال قبلنا والدليل أن هناك تقارير تؤكد أن داعش أكبر تنظيم إرهابي على الساحة يسعى للسيطرة على أدمغة النشء والأطفال حتى يكونوا في المستقبل جيل الخلافة بحسب زعم الدواعش طبعاً وهو أمر في غاية الخطورة ويستلزم منا اليقظة بسرعة والعمل بكافة السبل على تحصين الأطفال المسلمين في مواجهة هذا الغزو الفكري خاصة في عصر يعتمد فيه الأطفال على مواطن أخرى غير المنزل والمدرسة للحصول على المعلومة ومنها مواقع التواصل الاجتماعي والتي يسيطر عليها بوضوح التكفيريون من الدواعش وغيرهم لذلك فلو أهملنا تربية نشئنا وأطفالنا فسوف لن يمر وقت طويل إلا ونجد أنفسنا أما متطرفين يدينون بالولاء للتكفيريين وللإرهابيين وقد نشأ هذا الجيل للأسف الشديد في أوساطنا دون أن ندري ووقتها لن يستطع أحد الوقوف في طريقهم. ويضيف: لا بد أن نعي جيداً أن أن التحصين المبكر للأطفال والناشئة والحرص على عدم وقوعهم في أيدي المتشددين والمتطرفين وبخاصة في مرحلة الطفولة والنشء وهنا من الممكن استخدام وسائل عصرية حديثة متنوعة تتفق ومتطلبات تلك المرحلة العمرية المهمة لتحقيق ذلك ومنها القنوات التي تقدم الرسوم المتحركة على سبيل المثال، وكذلك استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لتقديم صفحات هادفة تقدم الفكر الإسلامي المستنير بلغة مبسطة تتفق وأعمار أطفالنا، بحيث نستثمر هذا كله في صناعة وتأليف حكايات وأفلام الكرتون من إبداعنا نحن وليس واردا إلينا من عقول غربية تتصادم مع قيمنا وعقيدتنا، وبهذا المنتج تكون لدينا وسيلة فعالة وناجعة في مواجهة الفكر المنحرف سواء كان متطرفاً أو منحلاً، مما يعد حصانة لعقول أطفالنا ليس في مصر وحدها ولكن في الوطن العربي والإسلامي كله. صورة الإسلام الدكتورة وجيهة مكاوي أستاذ الفقه الإسلامي بجامعة الأزهر، تقول: نعيش الآن في وقت كشف فيه الإرهاب عن وجهه القبيح مدعياً أنه صحيح الإسلام، وهذه النظرة السوداوية لها عدة ضحايا أولها صورة الإسلام نفسه وهذه الصور من التشوية من قتل وتدمير قد أدت إلى الانحراف الفكري والتشوية مما أثر على النشء والأطفال سلباً، فهؤلاء يتلقون الإسلام بصورة غير صورته للأسف الشديد، فيتلقونه بصورة تتسم بالسوداوية والإيمان الخاطئ النظرة الأحادية الضيقة ولابد أن نعي هنا أن من أهم الأسباب التي تؤدي للتطرف هو النظرة الأحادية لأحكام الدين بطريقة تجعل صاحب تلك النظرة الأحادية يظن أن كل من يخالفه هو منحرف يستحق القتل، وبالتالي يتحول صاحب النظرة الأحادية إلى إرهابي يمارس العنف وهو ما يحدث اليوم من خلال تلك المنظمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم داعش وغيره من التنظيمات التي ظهرت على الساحة ولهذا فلا بد من أن تعي المجتمعات الإسلامية جيداً أن تحصين الأطفال منذ نعومة أظفارهم ضد الفكر التكفيري ضرورة كالتحصين ضد الأمراض المستعصية فلا بد أن نعلمهم أن الإسلام هو دين الرحمة والوسطية وأن الدين الإسلامي مليء بقيم الرحمة والتسامح وليس قيم التشدد والغلو، كما يروج لهذا الإرهابيون ولابد في هذا الإطار من إعادة النظر في محتوى العنف الذي تقدمه الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال، ومن الممكن هنا أن نستغل أفلام الرسوم المتحركة في تقديم القيم الإسلامية الصحيحة من خلال أفلام مشوقة تقدم تفسيرا صحيحا للمفاهيم الإسلامية التي قام الإرهابيون بتشويهها وبدلا من أن يسعى الطفل للحصول على التفسير من أماكن لا نثق فيها فلنمنحها نحن له عن طريق الأفلام التي يقبل على مشاهدتها وبهذا نخلق جيلا متعلما ومثقفا ولديه المعلومة الصحيحة. تضيف د. مكاوي: أيضاً لا بد أن تلتفت المنظومة التعليمية في المجتمعات الإسلامية خاصة التي تعد المناهج للمراحل الابتدائية والمتوسطة إلى أهمية أن يضم المنهج الذي يدرسه الأطفال والنشء على توجه إسلامي صحيح بحيث نربي هؤلاء النشء والأطفال على المنهج الوسطي وينشأ الطفل متقبلاً للآخر، مع التحصين المبكر للأطفال ضد التطرف لأن الأطفال هم دائماً هدف المتشددين في كل زمان ومكان. يرى د. عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الأزهر، إنه لابد أن تستيقظ كل أسرة مسلمة وتعمل على متابعة أبنائها بمنتهى الدقة، خاصة في ذلك العصر الذي يمتلك فيه كل طفل آلة تمكنه من التجول عبر شبكة الإنترنت والدردشة مع كثير من الغرباء عنه، وبالتالي، فإن سقوطه في فخ الجماعات التكفيرية والإرهابية ليس صعباً، لذا على الأسرة أن تتابع وتحذر الطفل من الحديث مع الغريب ولو تحدث عليه ألا يثق في كل حديثه، لأن هناك الكثير من خفافيش الظلام من العناصر التكفيرية الذين يكتبون خلف جدران مظلمة وينفثون سموم حقدهم وكيدهم وغدرهم وخيانتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي خصوصاً ما يطرح بـ «تويتر» مع التأكيد على أبنائها وتنبيههم إلى عدم صحة كل ما يكتب في «تويتر» أو غيره من وسائل التواصل، كما أن هناك أسراً أدى انشغالها إلى ترك أبنائها دون متابعة أو رقابة، حتى تسللت إلى عقولهم وقلوبهم أفكار هدامة تحت لباس النصح الكاذب والحق المزعوم. المصدر https://www.alittihad.ae/
  11. مناطق نفوذ داعش والقاعدة في إفريقيا بعد الهزائم التي تكبدتها المجموعات الإرهابية المسلحة في منطقة آسيا وخاصة في العراق وسوريا، تحولت مطامع هذه الجماعات إلى القارة الافريقية التي غدت الحاضنة الأولى لها والمكان للمناسب لإعادة جمع الشتات، حيث يتصارع كل من تنظيم داعش وتنظيم القاعدة حول إعادة لم الشمل وعلى بسط نفوذهما في كافة أنحاء القارة مستغلين عدم استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في مختلف الدول الافريقية، بعد تنصيب أبو عبيدة يوسف العنابي زعيما جديدا للقاعدة في شهر نوفمبر 2020 خلفا لعبد المالك دروكدال الذي قتل في جويلية 2020 في مالي. ففي منطقة شمال افريقيا تحديدا في بلاد المغرب العربي، يراهن تنظيم داعش على إقامة إمارة في شمال افريقيا من خلال بوابة ليبيا حيث حاول إرهابيو تنظيم الدولة التمركز في مدينة درنة التي تبعد 1300 كيلومترا شرق العاصمة طرابلس لإنشاء مركزا للتجنيد إلا أنهم لقوا صدا مسلحا منيعا من جماعة أنصار الشريعة الموالية للقاعدة مما جعل داعش تتراجع وتتحول إلى مدينة السرت للتموقع فيها. ففرضية امتداد داعش في ليبيا باتت ضئيلة لأنها ستتورط في مواجهات عسكرية من كل صوب وحدب ذلك أنها تواجه قوات فجر ليبيا غربا وقوات الجيش الليبي شرقا والقاعدة جنوبا. لكن هذا لم يمنع داعش من إستهداف جنود ومعدات عسكرية تابعة لقوات الجيش الليبي في بنغازي. أما في تونس، نجد كتيبة عقبة ابن النافع المنشقة عن تنظيم القاعدة قي بلاد المغرب الإسلامي والتي بايعت داعش والتي لا تزال تستهدف قوات الجيش الوطني التونسي من خلال جبال الشعانبي حيث تبنت هذه الجماعة هجمات إرهابية جدت في باردو وفي نزل سوسة سنة 2014. كذلك فرع داعش الجديد المسمى بجند الخلافة و الذي يتموقع في جبل المغيرة و سيدي بوزيد و مرتفعات الشمال الغربي في الكاف و غابات جندوبة. ولعل مبايعة كتيبة عقبة ابن نافع المتواجدة غرب الأراضي التونسية لتنظيم الدولة قد يمثل ضربة موجعة للقاعدة وإيذان لها بالتشتت و إنعدام الثقة والولاءات. ويؤكد الباحث المصري المتخصص في الشؤون الليبية عبد الستار حتيتة أن داعش والقاعدة إتفقا حاليا على تعاون مسلح ولوجيستي متمثل في الطعام والذخيرة ووقود السيارات على أمل إستهداف الجيش الليبي بمساندة تركيا الداعمة لحكومة الوفاق الليبية ، و هذا ما يبين لنا أنه في كل الحالات المرجعية واحدة و الالتقاء بينهما عندما يفرض عليهما الواقع نفسه و خاصة عندما يكونان في خطر فيصبح العدو واحد و الحرب واحدة و الهدف واحد. وفي الجزائر تعددت التنظيمات الإرهابية المتواجدة خاصة في منطقتي البويرة وسكيكدة والموالية لتنظيم القاعدة وهذا ما نلاحظه من خلال رفض مبايعة كتيبة عقبة ابن نافع في الجزائر لداعش، فالمجموعات الإرهابية المتواجدة على التراب الجزائري عديدة منها كتائب الموقعون بالدم، جند الخلافة، حركة التوحيد والجهاد التي لا تزال تتحرك في الخفاء. بالنسبة إلى دولة المغرب الأقصى فالظاهرة نفسها، فقد أجهضت محاولات عديدة لتجنيد الشباب تحت راية جند الخلافة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لإكتساب حاضنة شعبية. وقد نجحت السلطات المغربية في إلقاء القبض على الإرهابي الجزائري حسين دحوس الذي حاول إستقطاب بعض الشباب إلى التنظيم. و بالنسبة لموريتانيا فالقاعدة هي المتجذرة و لها حواضن و ارضية شعبية كبيرة و في وقت ما فقد ارتكبت العديد من المجازر و العمليات الارهابية و الى الان فموريتانيا تعاني من تواجد القاعدة و تحركاتها و كذلك خلاياها المتحركة من وقت الى آخر و لهذا فان مجموعة 5 اختارت أن تكون نواك شط هي المقر الرسمي لها. أما في مصر فتجد داعش و القاعدة معا، و بالرغم من حزم الدولة المصرية في موضوع الارهاب و خاصة في سيناء الاّ أن المجموعات الارهابية لا تزال تتحصن في الكثير من المناطق منها، و هذا لا يمنع بأن مصر قد أفشلت محاولات ما يسمى بتنظيم أنصار بيت المقدس الموالية لداعش التي تضم حوالي 5 ألاف مقاتل والتي إرتكبت تقريبا 50 هجوما مسلحا على سيناء. وتتفاوت نسبة نفوذ هذين التنظيمين في غرب إفريقيا وجنوب الصحراء، حيث تعاني مالي من تنظيم المرابطون التابع للقاعدة والذي يعمل شمال مالي، ومن تنظيم الملثمون المنشق عن تنظيم المرابطون والذي بايع داعش كذلك. ويشترك التنظيمين في إستهداف قوات الجيش الفرنسي المتواجدة في مالي التي نجحت في التخلص من زعيم القاعدة في افريقيا عبد المالك دروكدال في جويلية 2020. في حين يفرض تنظيم القاعدة تواجده في النيجر والتشاد و يحاول اعادة بسط نفوذه. وفي نيجيريا غرب القارة الافريقية، يقود أبي بكر شيكاو تنظيم بوكو حرام الذي بايع تنظيم الدولة الإسلامية والذي يستهدف المدنيين وقوات نظامية مسيطرا على 20٪ من مساحة نيجيريا منافسا تنظيم جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد التابع للقاعدة. أما في منطقة الساحل الشرقي لأفريقيا، يمثل تنظيم الشباب المجاهدون في الصومال المنشق عن القاعدة والذي بايع داعش سنة 2014 من أقوى الجماعات الإرهابية المسلحة بالمنطقة، في حين لا تزال السودان تعاني من هجمات حركات إرهابية متمركزة في دارفور يشتبه بعلاقتها بالقاعدة. ويعتبر جيش تحرير أوغندا المسلم من أقوى المنظمات الإرهابية المسلحة في قلب وسط القارة حيث يتمركز في سلسلة جبال روينزوري وبايع داعش سنة 2015. لكن لم تسجل جنوب افريقيا إلا وجود جماعات إرهابية صغيرة ومشتتة موالية لداعش. ومن خلال هذا، يمكن إعتبار أن نسبة نفوذ كل من التنظيمين متفاوتة بحسب المنطقة وبحسب الوعي الاجتماعي لسكان البلد. الإختلافات الإيديولوجية بين تنظيم القاعدة و داعش اعتبر العديد من المحللين السياسيين أن الانقسامات التي عاشها تنظيم القاعدة وولادة مجموعة إرهابية جديدة تحت اسم تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام (داعش) تعود بالأساس إلى إختلافات إيديولوجية ومؤسساتية بين عناصر تنظيم القاعدة. فرغم جملة المعارك التي خاضها التنظيمين من أجل نشر الإسلام وحماية المسلمين حد اعتباريهما، إلا أن أدبيات كل منهما تختلف إختلافا جليًا، ولهذا الغرض كان لابد من إماطة اللثام على مواطن الإختلاف بين تنظيم القاعدة وتنظيم داعش. وقد مثل مقطع فيديو مدته 52 دقيقة نشره تنظيم داعش تحت عنوان “إنحرافات تنظيم القاعدة” الشرارة الأولى التي أوحت بتعارض أدبيات التنظيم مع المناهج الجهادية التي تتبناها القاعدة وهو ما إعتبره توماس جوسلين عضو بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات “كرهًا مؤسساتيًا معلنًا تجاه القاعدة”. حيث يعتبر تنظيم القاعدة أن الحرب ضرورية قبل نشر وإرساء الدين الإسلامي ومبايعة خليفة، في حين أن داعش يرى أنه من الضروري مبايعة خليفة للمسلمين يقود العمليات الجهادية لنشر الإسلام في جميع أنحاء العالم universalisation de l’Islam حتى أن الصحفي والمحلل السياسي محمد بركاني ذهب إلى تشبيه المنهج الذي يتبناه القاعدة هو منهج شبيه بالطريقة التروتسكية التي تقل حدة من المنهج الستاليني المعتمد من قبل داعش. فالقاعدة لا ينبني هدفها الأساسي على إحتلال أراضي أو التمدد في مناطق وعزلها بل يسمح بالتعامل مع السكان والجماعات الأخرى وحتى الدول، على النقيض من داعش الذي يريد أن يتشبه بالدولة من خلال إقامة مؤسسات سياسية ومالية وقضائية وفرض مجموعة من القوانين الجامدة على السكان تصل حد معاقبة من يعتبروه كافرا بالقصاص منه. وهو ما سيترتب عنه بالتالي رفض أي تعامل مع الدول الأجنبية. زد على ذلك، يحدد تنظيم القاعدة أعداءه بصفة حصرية ويعتبر أن أولى الطرق لنشر الإسلام والدفاع على أراضي المسلمين هي التخلص من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الذين يمثلون تهديدا حقيقيا لوجود المسلمين حسب اعتبارهم ولذلك يجب تدمير الغرب وأمريكا كشرط مسبق لإرساء الدين الإسلامي. وعلى العكس من ذلك، يتعدد ويختلف أعداء داعش بحسب السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي بمعنى أنه لا يوجد عدو محدد لداعش فيمكن أن يمثل مجموعة من المواطنين المسلمين غير المواظبين على الصلاة أعداءًا بالنسبة إلى هذا تنظيم، فتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق و الشام يعادي كل من يختلف عن منهجهم لدرجة أنه قام بإرتكاب فضائع ضد قوات النظام السوري (إختلاف طائفي) و ضد الأكراد في العراق و الشام (إختلاف عرقي) و ضد المسيحيين و الأقليات الدينية كالدروز في ليبيا و الشرق الأوسط (إختلاف ديني). وتختلف الاستراتيجية الحربية بين هذين تنظيمين حيث تحبذ القاعدة قيادة حركات التمرد والضربات المنقطعة والمباغتة للعدو لتشتيت جهوده، في حين تختار داعش شن هجومات شاملة وإطلاق ضربات من مواقع ترابية معينة ضد مواقع الجيوش النظامية لإضعافها وبغية الدخول إلى المنطقة. كما يمكن لنا أن نلاحظ هذا الإختلاف على مستوى السياسة الاتصالية، فيهدف تنظيم القاعدة إلى إبلاغ العامة برسائله وخطاباته عن طريق نشر فيديوهات تحمل خطب دينية طويلة أو مواعظ تتميز بدرجة قليلة من التهديد والعنف رغبةً فب عدم تنفير السكان المحليين وكسب القلوب والعقول. وهي سياسة اتصالية تختلف أي إختلاف مع داعش الذي يعتمد استراتيجية تواصل موحدة حيث ينشر مقاطع فيديو لعمليات إعدام عنيفة يقوم بها الإرهابيون ضد مواطنين عزل أو جنود نظاميين تحتوي تهديد بالقتل وبالدمار للعالم. يمكن القول إذا أن التنافر بين القاعدة وداعش يعود إلى إختلافات كبيرة على مستوى الإيديولوجي، المؤسساتي، الميداني و الإتصالي . التنافس .. كانت بداية قطع العلاقات بين داعش و تنظيم القاعدة مع بداية عام 2011 عندما أخذت الحرب موطئ قدم على الأراضي السورية و قد تواكب ذلك مع رغبة أبو بكر البغدادي في نهاية عام 2010 ـ تحديدا مع بروز أوجه الصّراع و اللاّستقرار في سوريا ـ في توسيع أنشطته و مشاريعه في هذه المنطقة و ما كان له إلاّ أن وضع عددا هامّا من مقاتليه لخوض الحرب ضد النّظام السّوري . تراوح موقف زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بين القبول في البداية والرّفض في نهاية المطاف، ويعود ذلك تحديدا لجماعته الموجود في سوريا بقيادة سورية أيضا والمستقلّة بذاتها عن داعش وهي “جبهة نصرة الإسلام “، حيث تشبّث ايمن الظواهري بهذا الفرع التّابع له. كان داعش يحمل موقفا بارزا ضد السياسات المعتمدة من تنظيم القاعدة، حيث كانت برامج وأهداف الأخير تتمحور على وجه الأساس حول القتال في سوريا، في حين كانت داعش تهتمّ كثيرا بالعراق وهو ما أفضى إلى صراع بين الطّرفين استمرّ إلى غاية 2013 عندما أمر الظواهري زعيم داعش بالإمتثال، وقد ردّ عليه بأن افتكّ ” جبهة نصرة الإسلام ” للعمل بها في الأراضي العراقية وتحويل برامجها نحو المنطقة. كانت اواخر سنة 2014 هي بداية الحرب بين الطّرفين تمّ الإعلان بعدها عن قطع الصّلة بين تنظيم القاعدة و داعش، و يجدر الإشارة انّ إعلان التّسمية الكاملة المتمثّلة في ” الدّولة الإسلامية في العراق و الشّام ” ( داعش ) تلت تحديدا الإنقطاع الحاصل بين التنظيمين . وإن كان الهدف واضحا لجلّ التنظيمات و الجماعات الإرهابية ، فإنه يجب الإهتمام بالضّرورة و التّركيز على الإختلافات الفرعية ، فهي ليست كذلك بمعنى أنّها ليست مؤثّرة بل تكون لها فاعلية كبيرة جدّا في العلاقة بين هذه التّنظيمات و مدى انسجامها أو التّعارض فيما بينها، و هو ما يمكن تبيّنه بشدة بين تنظيم القاعدة و داعش، إذ تختلف تصوراتهم و استراتيجياتهم المتبعة في تحقيق أهدافهم فضلا عن أعدائهم أيضا، إذ يركّز تنظيم القاعدة تحديدا على مواجهة وقتال المتدّخلين الأجانب و القوى الأجنبية بصفة عامة والولايات المتحدة الأمريكية خصوصا فضلا عن الحكومة و البيروقراطيين في سوريا، في حين أنّ داعش يعتمد في تحقيق أهدافه على النّيل من الأعداء المحليين بصفة رئيسية قبل التوجه نحو العدو الخارجي، لذلك كانت ضحايا داعش اغلبها من المسلمين نتيجة لسيرها بمبدا ” تطهير المجتمع الإسلامي ” المخالف لشعائرها و افكارها و تحريره من الأنظمة المحلية الكافرة المؤثرة على العامة المسلمة و التّي ترا داعش أنّها سبب رئيسي في توجيه فكر المسلمين و مخالفتهم لها على مختلف الأصعدة ، و يجدر القول كذلك عن الفكر الدّاعشي مرتكز بالأساس على إنشاء ” الخلافة ” . تبدو استراتيجيّة داعش اكثر صداما من نظيرتها التّي يتبعها تنظيم القاعدة ، حيث أن الأخير لم يعتمد على سياسية توسيع مناطق نفوذه في دولة عربية او إسلامية او السعي إلى السيطرة على منطقة تمثل إيديولوجيته و أفكاره و فرض ذلك على سكانها و فد اقتصرت ممارساته على الدعاية و الترويج لفكره من خلال أشرطة صوتية و مصورة تحث فيها مواطنين على الإنضمام إليها و اعتناق أفكارها . كان ذلك خلافا للفكر الدّاعشي المبني على امتلاك دولة خاصة بيهم يحكمونها و يعيش فيها سكّان يعتنقون فكرهم الخلافي ، مع الإشارة جيّدا أنهم لن يقفوا عند ذلك الحد فبعد تكوينهم لمساحتهم الخاصة سيسعون إلى مزيد التمدد و الإستلاء على أراضي و ضم أكثر عدد من المعتنقين لفكرهم . فضلا عن الصراع حول النفوذ ، تبدو المعركة بين التّنظيمين ترتكز أساسا على الإستراتيجيات المعتمدة ، حيث يتهم داعش تنظيم القاعدة بالضعف و الخروج عن طريق الجهاد ، بينما يرا تنظيم القاعدة أنّ داعش يبالغ في دمويته خاصة مع إنضمام الكثير من التنظيمات و الجماعات الثانوية إليه ما زاده قوة مقابل مزيد ضعف تنظيم القاعدة على مختلف المستويات . من جهة اخرى ، كان تنظيم القاعدة يعتمد خطّة بديلة ، إذ يسعى إلى تقديم نفسه في الصورة الأكثر اعتدلا و أقل وحشة من داعش و ذلك من خلال طرح صورة التنظيم الأكثر تاقلما و قبولا للتغيرات ، و بذبك فإن رؤيا تنظيم القاعدة هي بالأساس البحث عن الفرص المستقبلية من خلال دراسة الأوضاع الحالية و جدوى الإستراتيجيات المعتمدة على المدى البعيد . يُرجح كثيرا أنّه من خلال ما سبق ذكره يمكن القول ان تنظيم القاعدة سيكون الأكثر خطرا حتما مقارنة بداعش و يعود ذلك بالتحديد إلى الشعبية التي يتمتع بها على الصعيد المحلي كنتيجة للإستراتيجية الرامية للهجوم على الأطراف الخاريجية في مقابل كسب السكان المحليين و تعزيز شرعيته . تنظيم القاعدة و داعش في ليبيا لا يمكن القول انّ العلاقة التنافسية بين تنظيم القاعدة و داعش ذوا صبغة تنافسية مطلقة ، في هذا الصدد أشار الباحث المصري المتخصص في الشؤون الليبية عبد الستار حتيتة أنّ التّنظيمين يتبادلان التعاون بصفة كبيرة داخل ليبيا و تحديدا في الجنوب ، و قد تركّزا داخل هذه المنطقة تحديدا لتردي أوضاعها الامنية فضلا عن أنّ الموقع يوفر الظروف الملائمة لإستقطاب الشباب نتيجة البيئة الثقافية المحافظة ، لذلك فإن الجنوب خلافا لبقية المناطق يمثل منطقة حاضنة للإرهابيين و إن استقر باقي الإقليم الليبي . أما جغرافيا ، فإن الجنوب الليبي يتميز بكونه معبر لوجيستي لمشروع العديد من الدول مثل روسيا و تركيا، فهذه الأخيرة لها دور هام في تسريب المرتزقة والإرهابيين من سوريا إلى الجنوب الليبي، لذلك ستظل هذه المنطقة مجالا آمنا لتركيا دون دخولها في مناوشات مصرية . كما أشار الباحث عبد الستار حتيتة أنّ تنظيم القاعدة و إن تراجع امام داعش ، فإنه لازال محافظا على قوته و تماسكه في عديد الدول الإفريقية مثل الجزائر و مالي و النيجر الخ .. و التعاون بين التنظيمين أساسه تبادل وقود السيارات مثلا و الطعام و توظيف الأشخاص لإرسائل الرسائل عن طريقهم تفاديا للرقابة ، و يقوم كلا الطرفين كذلك بشن غزوات مشتركة بالتعاون مع المرتزقة للحصول على المال ..
  12. لا تختلف الحركات والتنظيمات والجماعات الدينية صاحبة المشروع السياسي، سواء كانت تسعى إليه سلمياً مؤقتاً، أو بالعنف والإرهاب، في إيمانها بفكرة "الوطن البديل" الذي يَجُبّ لديها "الدولة الوطنية" بمفهومها العصري، ويأخذها إلى اتساع وهمي، نحو صيغة "إمبراطورية"، مثلما كان قائماً في القرون الوسطى، أو يضيقها إلى حدّ الإقليم أو المنطقة المقتطعة من دولة ما، التي يمكن لهذا التنظيم أن يقيم عليها إمارته، ويطبق بين سكانها رؤيته، ويتخذه نواة فيما بعد لـ "الجهاد" ضدّ الآخرين، لتوسيعها حتى يصل إلى الشكل القديم المبتغى، وهو "الخلافة" التي لا يعتقد المتطرّفون أنّها شكل سياسي وإداري يناسب مرحلة تاريخية معينة، ثمّ مضى، بل يريدون استعادته كما هو، دون نقصان، وإن زاد فلا ضير ولا بأس، وهذا يصل لديهم إلى حدّ المعتقد أو الفريضة. ومنذ البداية آمنت هذه التنظيمات بفكرة "الوطن البديل" تلك، وإن اختلفت في طرق التعبير عنها، وأساليب الوصول إليها، والتدرّج الواجب في سبيل بلوغها، وقد تطورت الفكرة وتدرّجت، أو تجلّت وأعيد إنتاجها في صيغ متعددة، على النحو الآتي: 1 ـ الهجرة: وتعني ترك المجتمع وبناء نواة اجتماعية مختلفة، بدعوى أنّه "مجتمع جاهلي"، تحكمه سلطة كفرية، وقوانين وضعية؛ لذا لا يجب على أتباع الجماعة، الذين يتوهّمون أنّهم العصبة المؤمنة، وغيرهم ليسوا كذلك، أن يمكثوا فيه، ويعايشوا أهله، إنّما وجب عليهم أن يرحلوا عنه، ليقيموا هم مجتمعهم الخاص الذي يتماشى مع الأفكار التي يعتقدون فيها، والمثل الصارخ على هذا؛ هو ما سمَّت نفسها "جماعة المؤمنين"، وسمّاها الناس "التكفير والهجرة" التي ظهرت في مصر خلال سبيعينيات القرن العشرين؛ حيث تمكّن مؤسّسها شكري مصطفى من إقناع أصحابه بالنزوح إلى حيّ طرفيّ في القاهرة، وهو "عزبة النخل"، وكان أيّامها حيّ بعيد وجديد، كي يقيموا دولتهم، وظلوا هناك إلى أن اكتشف أمرهم، وقبض عليهم بعد اختطافهم وزير الأوقاف الشيخ الذهبي وقتله، وانتهى التنظيم. 2 ـ العزلة الشعورية: ويطرحها سيد قطب في صيغة تحمل الكثير من التناقض وعدم العلمية، كسائر ما طرح فيقول: "حين نعتزل الناس؛ لأنّنا نحسّ أنّنا أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أرحب منهم نفساً، أو أذكى منهم عقلاً، لا نكون قد صنعنا شيئاً كبيراً.. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل، وأقلّها مؤونة! إنّ العظمة الحقيقية: أن نخالط هؤلاء الناس، مُشْبَعين بروح السماحة، والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع! ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا، ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم، أو أن نشعرهم أنّنا أعلى منهم أفقاً، إنّ التوفيق بين هذه المتناقضات، وسعة الصّدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد: هو العظمة الحقيقية". ومع هذا، أخذ ذلك المعنى المتناقض تصوراً أشدّ صرامة في التطبيق، أو تمّ الالتزام بأوّله من دون آخره، تحت وهم اصطفاء المؤمنين به واختلافهم عن الناس، من حيث القرب من الدين أو الامتثال لتعاليمه، بالتالي؛ عاش أنصار الجماعات والتنظيمات الدينية المسيسة في دولة متوهمة، أو "وطن بديل افتراضي"، يخالطون الناس بأجسادهم، لكنّ أمانيهم وأهدافهم وأنفسهم تسكن مكاناً آخر، يؤمنون هم به، ويعتقدون أن الآخرين غير قادرين على بلوغه. 3 ـ الاقتطاع: أي نزع جزء من جسد دولة أو من مدينة من المدن، لإقامة "وطن بديل" أو "مجتمع بديل" عليها، يتم فيه تطبيق أفكار الجماعة المتطرفة، بعد أن تمتلك وسائل للسيطرة والتحكم داخل المجتمع، إما بإقناع عدد كبير من سكانه بالفكرة المتشددة، وتوظيفهم في السيطرة على الباقين، أو باستغلال التهميش الاجتماعي، وغياب سلطة الدولة على حيّ أو إقليم، وملء هذا الفراغ، والسيطرة بالقوة القاهرة على السكان، وإخضاعهم لتصورات الجماعة أو التنظيم. وهناك أمثلة كثيرة في هذا الشأن، منها ما يخصّ اقتطاع إقليم من الدولة، مثلما جرى في مالي والصومال والعراق، ومنها ما يخص السيطرة على حي من أحياء مدينة كبرى، حسبما جرى في القاهرة في أوائل تسعينيات القرن الماضي؛ حين قامت الجماعة الإسلامية بالسيطرة على حي إمبابة، وأعلنت أنّه بات "دولة داخل الدولة"، ما دفع السلطة إلى حشد عشرين ألف جندي من قوات الداخلية لإزالة هذه الدولة المزعومة. 4 ـ دولة الفكرة: وهناك كتاب بهذا العنوان، لعضو جماعة الإخوان، محمد فتحي عثمان، يرى فيه أنّ هذه الدولة هي حلم البشرية، وهي دولة لا تقوم على حتمية ظروف الأرض أو الدم، لكنّها تقوم على "اختيار" الإنسان، بوعيه الكامل وإرادته الحرة، وعلى أساس أنّ كلّ أرض سواء، وكلّ سلالة سواء. ويسند الكاتب رؤيته إلى الدولة التي أقامها الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- في المدينة، ويرى أنّها كانت "تجربة حيّة مبكرة للدولة الإيديولوجية في التاريخ! وأنّها لم تكن دولة مكة أو قريش، ولا دولة المدينة أو الأوس والخزرج؛ بل كانت دولة الإسلام، المعروض على عقل إنسان، دولة التقى فيها المهاجرون والأنصار، بصهيب الرومي وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، فكانوا جميعاً أعضاء مؤسسين، ومواطنين أصلاء في هذا المجتمع وفي هذه الدولة". وفضلاً عن أنّ ما كان أيامها لم يكن "دولة" بالمعنى الحديث، فإنّ وجود الرسول فيها أساسي، حين كان الوحي ينزل، وكان هو يقضي ويعلم ويوصي، وهو ما لا يوجد الآن، لكنّ أتباع التنظيمات المتطرفة يريدون، دون أن يعلنوا ذلك صراحة أو يجهروا به، أن تحلّ الجماعة أو التنظيم أو بعض قادته وأمرائه، محل الرسول في فرض التعاليم وتحديد مسار الدين، مع أنّ ما يقولونه يخرج تماماً، في كثير من الأحيان، عن الإسلام. 5 ـ أستاذية العالم: وهي فكرة مؤسس جماعة الإخوان، تعني الوصول إلى "قيادة العالم" بعد المرور بتربية الفرد والأسرة والمجتمع المحلي على أفكار هذه الجماعة، حتى يتم بلوغ ما يسمى "الأخوة الإسلامية العالمية"، وهذه الفكرة خيالية ابتداء، كما أنّ قيامها على أسس جماعة الإخوان وفكرتها الهشّة، يصيبها باعوجاج منذ منشئها؛ فالجماعة التي تعلي من التنظيم على التفكير، وتعسكر مجتمعها، وتمنع أفرادها من الإبداع والتخيل، لن تؤدي سيطرتها على العالم، كما تزعم، إلّا إلى زيادة الحياة توحشاً وبؤساً. 6 ـ إدارة التوحش: وهناك كتاب بهذا العنوان، يوضح هذه الفكرة الجهنمية ويفصل فيها، وقد قصد مؤلّفه، واسمه الحركي، أبو بكر ناجي، بـ "التوحّش": حالة الفوضى العارمة التي تعمّ وتطمّ في إقليمٍ أو دولة ما، نظراً إلى انفضاض قبضة السلطة الحاكمة عنها، بما يخلق معاناة شديدة للسكان، وعلى "تنظيم القاعدة"، الذي يحلّ محلّ هذه السلطة المنهارة الغائبة، أن يمتلك كفاءة في إدارة المكان والسكان، إلى أن تستقر الأمور لصالحه، فيقيم إمارة إسلامية، تطبّق الشريعة، وفق التصور الذي يؤمن به التنظيم. ما سبق يبين أنّ فكرة "إدارة التوحش" التي يتبناها تنظيم داعش الإرهابيّ، في الوقت الحالي، مرّت بأطوار ومراحل متعاقبة، ودمجت بعض جوانبها، وليست كلّها بالطبع، في تصورات تبنتها تنظيمات وجماعات دينية مسيسة، أو تروم تحصيل السلطة. وكما أنّ هذه الأفكار والرؤى والإجراءات، التي سبقت "إدارة التوحش"، كانت على قدر من الخطورة؛ لأنّها طرحت دوماً على حساب الدولة الوطنية والمجتمع العصري، فإنّ فكرة داعش تلك التي حواها كتاب، ترجمته المخابرات الأمريكية إلى اللغة الإنجليزية، وقُرئ بإفراط على شبكة الإنترنت، لا تقوم إلّا على هدم الدول، وإثارة الفوضى العارمة؛ لذلك فإنّ التصدي لها عمل إنساني وواجب وطني وفرض ديني.
  13. يرفع قيادات التنظيمات التكفيرية لواء الدين بمرجعيات مشوهة للذود عن أفكارهم، يستقطبون جمهورًا يرتاح للعنف في فرض تصوراته على الجميع، بغض النظر عن سلامة وصحة مواقفهم أم لا.. هذا ما يعرفه الجميع عن التكفيريين على وجه التحديد، لكن ماذا عن نشوة المال والسلطة لدى هذه التنظيمات ولماذا يتعبدون في محرابها ويبذلون في سبيلها الغالي والنفيس مهما كانت التحديات، حتى لو كانت أرواحهم الثمن ؟ خطاب عنيف يقول محمد مفتي، الكاتب والباحث، أن الأفكار التحريضية التي تتخذ صبغة تكفيرية من بعض يصفون أنفسهم بالدعاة والمصلحين، تستخدم خطاب عنيف متطرف ومتشدد ممزوج بلعنات التكفير، وهو ما يعد مناقضًا تمامًا لأدبيات الخطاب الدعوي الإسلامي، الذي يتخذ من اللين والموعظة الحسنة منهجًا للنصح. أوضح أن التنظيمات التكفيرية وخاصة قياداتهم يتمسحون بعباءة الدين جمهورًا عريضًا وضخمًا، ممن توافقت أهواؤهم ونزعاتهم الشخصية المشوهة أصلًا مع دعوات التكفير ووجدوا ضالتهم وبغيتهم في تلك الطرق الفجة، مردفا: لا يساورني شك في أن هناك عددًا من العوامل التي أدت لتكوين تلك الظاهرة المؤذية، أهمها أن لدى هؤلاء الدعاة التكفيريين ومن والاهم أيضًا طاقة تدميرية ونفسية مشوهة موجهة ضد المجتمع. طاقة تدميرية أضاف: أغلب قيادات التنظيمات التكفيرية من الهاربين من أوطانهم ممن يتنقلون هنا وهناك، لا تعرف الأرض لهم مقامًا، ناقمون على أي شيء وكل شيء، تلك الطاقة التدميرية من الغضب والنقمة نابعة من اعتقادهم بأنهم مظلومون ضنت عليها الأقدار ولم تعطهم حقوقهم التي يستحقونها، وقد مزجوا رؤيتهم بالدين بحيث غدا من لم يؤمن بأفكارهم هو الكافر والمرتد. استكمل: أكاد أجزم أن خلف كل فرد من هؤلاء الدعاة التكفيريين جهة تقوم بدعمهم، هذه الجهة تعلم تمامًا بأنهم ليسوا دعاة وأن الدين الإسلامي بريء من أفكارهم، لكنهم يقومون باستغلالهم لتحقيق مآرب دنيوية خاصة، أن نشوة المال أو السلطة تثير لعابهم، وعادة ما يكون غالبيتهم من المهمشين داخل أوطانهم، بل وربما من أرباب السوابق أيضًا، وبهذا تكون قد التقت مصالح التكفيرين بمصالح المحرضين الذين يعملون من خلف الستار. نفسية مضطربة أوضح الباحث أن هذه النفسية المضطربة والشخصية غير السوية تفضل العزف على وتر الدين، كون غالبية الشعوب العربية مسلمة، ولذلك فإن مخاطبتهم من مدخل الدين تجعلهم قادرين على التأثير فيهم، والكثير من البسطاء من الناس لا يمتلكون المعرفة الشرعية الكافية للتمييز بين الطيب والخبيث، ولهذا يسهل خداعهم، ومن المؤكد أن استخدام هؤلاء المغرضين للمنهج التكفيري يفرض عليهم الاستناد على الكثير من الآيات القرآنية في غير مواضعها الصحيحة، يحرفون الكلم عن مواضعه، مما يؤدي لخداع النفوس البسيطة ممن ليست لديهم دراية كافية بالفتاوى والأمور الشرعية. السلطة والمال أضاف: من المؤكد أن أي قارئ للتاريخ ليس لديه أدنى شك في أن تلك الفئة المولعة بالسلطة أو المال على حساب الدين لم تتورع يومًا عن التنكر لمبادئها وتحريم ما حللته من قبل، بمجرد وصولها حتى أسفل هرم السلطة وليس قمته. اختتم: التنظيمات التكفيرية تتعيش على جرأتها على الفتوى بغير علم، فلا أحد يعلم على وجه الدقة مرجعية هذه الفتاوى، وبكل أسف يعتقد البعض أن هؤلاء الدعاة التكفيريين يسيئون فهم الدين، غير أن العكس هو الصحيح تمامًا، فهم يعرفون الدين حق المعرفة، غير أنهم يوظفونه لخدمة مشاريعهم التحريضية ومصالحهم الخاصة.
  14. الشافعي مجد، أكبر القيادات السابقة المؤسسة لجماعة الشوقيين، أشهر الفصائل التكفيرية الإرهابية المقربة من تنظيم القاعدة في مصر، التي قادت عمليات مسلحة ضد النظام المصري، في مستهل تسعينيات القرن الماضي، خرج في مقابلة خاصة مع “أخبار الآن”، للتأكيد على تشويه تنظيم القاعدة لصورة الإسلام والمسلمين، معربا عن ندمه الشديد لما اقترفه مع فصائل التنظيم. شافعي مجد، يروي أيضا ، سبب عودته عن أفكاره المتطرفة وأعمال العنف والإرهاب التي ارتكبها في مستهل التسعينيات ضد أبناء بلده، موضحا انه قام بأعمال إجرامية وخطط لعشرات العمليات التفجيرية، تضم مساجد. وعن سبل القضاء على فكر تنظيمي داعش والقاعدة، قال ان الطريقة الوحيدة لدحر هذا النوع من الأفكار المتطرفة، هو الفكر ونشر الوعي والفهم الصحيح للتراث الإسلامي. وأعرب عن ندمه الشديد على أول يوم فكر فيه الالتحاق بالجماعات المتطرفة، قائلا إن الجماعات المتطرفة هي ما جعلته يترك دراسته التي كان متفوقا فيها، وأضاع مستقبله بالكامل. https://youtu.be/P4aYV2ILxGM
  15. خطوات هامة خلال الفترة الماضية، قام بها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، صاحب النفوذ الواسع في منطقة الساحل الإفريقي، في إطار تعزيز وجوده على الساحة الإفريقية، التي يعتبرها منطقة نفوذ ضرورية.. كان آخر تلك الخطوات سعيه للوصول إلى منطقة خليج غينيا، وهي واحدة من المناطق الحيوية جغرافيا واقتصاديا، ما سيجعله التنظيم الأوسع انتشارا على مستوى العالم من الناحية الجغرافية والأكثر تهديدا للأمن في مناطق شمال وغرب إفريقيا، وهو ما كشفت عنه تصريحات رئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية، برنار إيمييه، في الأول من فبراير الماضي، والتي قال فيها إن تنظيم “القاعدة” بمنطقة الساحل يعد حاليا “مشروع توسع” باتجاه خليج غينيا، خصوصا كوت ديفوار وبنين. تأتى تلك الخطة بعد نجاح التنظيم في تجاوز أزمة القيادة، التي ظلت قرابة خمسة أشهر، بعد مقتل زعيمه عبد المالك دروكدال، إثر عملية عسكرية نفذتها وحدة من القوات الخاصة الفرنسية بشمال غرب منطقة تساليت في مالي، قرب الحدود مع الجزائر، حيث أعلن التنظيم في 22 نوفمبر 2020، تعيين القيادي البارز مبارك يزيد، المعروف بأبو عبيدة يوسف العنابي، 51 عاما، والمعروف بخبرته التنظيمية والإعلامية، زعيما جديدا له، رغم أنه لم يكن من القيادات المرشحة لهذا المنصب، ما يطرح تساؤلا حول أهم الأبعاد المحتملة لتلك التحولات التي قام بها التنظيم في بلاد المغرب الإسلامي. الانفراد التنظيمي بات من الواضح أن تنظيم القاعدة في منطقة الساحل والصحراء يسعى منذ سنوات عدة إلى صدارة المشهد الجهادي العالمي، بدأها بشكل غير مباشر بطرح نفسه كبديل لتنظيم “القاعدة الأم”، محاولا استغلال حالة التراجع والانحسار، التي يعانيها منذ سنوات بشكل ملحوظ، وذلك عبر مجموعة من الخطوات، بدأها في مارس 2017 بإعلان تأسيس جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، التي حاول من خلالها استعراض قدرته على عقد التحالفات التنظيمية الواسعة، وما أعقب هذه الخطوة من تركيز على أخبار قيادات القاعدة في بلاد المغرب وإنجازاتهم العسكرية والتنظيمية، على غرار “إياد أغا غالي”، زعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وأمادو كوفا، زعيم حركة تحرير ماسينا، التي تعبر عن عرقية الفولاني وإحدى أهم مكونات جماعة نصرة الإسلام، إضافة إلى مختار بلمختار، القائد التنظيمي المخضرم وصاحب الشهرة الواسعة في الساحل الإفريقي. وتكشف هجمات التنظيم، عبر ذراعه القوية “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، رغبة التنظيم في تصدر مشهد الإرهاب بالساحل الإفريقي، من خلال شن هجمات غير تلقيدية نوعيا وتوقيتا، حيث إن مثل تلك النوعية من الهجمات تعد إحدى مؤشرات القوة والنفوذ عند التنظيمات الإرهابية، على غرار الهجوم الذي كشف عنه بيان الجماعة في 12 فبراير 2021، والتي قالت فيه إنها اكتسحت موقعا عسكريا للقوات المالية في منطقة بوني وسط البلاد، ما أسفر عن مقتل 15 جنديا، إضافة إلى استيلائها على العديد من الأسلحة والمعدات، وجاءت تلك العملية قبل أيام من قمة “فرنسية- ساحلية” يومي 15 و 16 فبراير الماضي في نجامينا، عاصمة تشاد، لتقييم ما وصلت إليه الحرب على التنظيمات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل. تحولات لافتة وفي سبيل محاولة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي لتصدر المشهد الجهادي والانتشار المتسارع بالقارة الإفريقية، أقدم على مجموعة من التحولات اللافتة، يمكن تحديد أبرزها في: توسيع النفوذ كثف تنظيم القاعدة في بلاد المغرب خلال الأشهر الماضية انتشاره الجغرافي، وهو ما برز عبر محاولات مذ نفوذه إلى بوركينافاسو وكوت ديفوار، ثم قيامه مؤخرا بالتوجه نحو ساحل خليج غينيا، إلى جانب وجوده التقليدي في كل من النيجر ومالي وتشاد وجنوب الجزائر، معتمدا في ذلك على تحالفاته التنظيمية والقبلية، وهو ما كشف عنه إعلان وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورانس بارلي، في 30 أكتوبر 2020، بأن القوات الخاصة الفرنسية تمكنت من قتل 50 من عناصر تنظيم القاعدة في مالي، تحديدا في منطقة قريبة من بوركينا فاسو، خلال محاولتهم التسلل إلى مناطق جديدة لتدعيم نفوذ التنظيم بها، ما يشير إلى الطموح القاعدي المتصاعد لجعل منطقة الساحل والصحراء بوابة للعبور إلى غرب ووسط إفريقيا، لا سيما في ظل تولي قيادة جديدة (يوسف العنابي) معروفة بنزوعها الشديد نحو السيطرة على كل المجموعات المسلحة التي تنشط في المنطقة، حتى يتمكن التنظيم من تحقيق أوسع انتشار جغرافي ممكن داخل القارة السمراء، ما سيؤدي بشكل تلقائي إلى تزايد وتيرة هجمات التنظيم مستقبلا، وهذا يعنى أن المنطقة قد تشهد موجة قادمة من الإرهاب يكون من الصعب السيطرة عليها. استعراض القوة كشفت الخطوة التي قامت بها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في 11 أكتوبر 2020، بالإعلان عن احتفالية كبيرة نظمتها الجماعة احتفالا بالإفراج عن 200 من عناصرها كانوا معتقلين لدى الحكومة المالية، بينهم القيادي الموريتاني إبراهيم ولد حمود، وذلك في إطار صفقة تبادلية أفرجت الجماعة بمقتضاها عن زعيم المعارضة المالية، سوميلا سيس، والرهينة الفرنسة صوفي بيترونين، وإيطاليين اثنين، ومن اللافت أن الحفل قد حضره عدد من قادة الجماعة، على رأسهم “إياد أغا غالى”، زعيم الجماعة، والذى حرص على الظهور وهو يستقبل عناصر الجماعة المفرج عنهم وسط حشد من أنصاره، ما يكشف رغبة التنظيم في استعراض قوته بأنه الوحيد القادر على تهدئة الأوضاع في شمال مالي، وأن كل المحاولات السابقة للقضاء عليه، سواء من قبل جيوش المنطقة أو قوة الساحل المشتركة التي تقودها فرنسا، لم تؤت ثمارها. تزايد النشاط الإعلامي وكمحاولة من “القاعدة” لتعزيز وجوده الإعلامي بين التنظيمات المتطرفة، ظهرت صحيفة “ثبات” الإلكترونية، المحسوبة على التنظيم، والتي صدر العدد الأول منها في 23 أكتوبر 2020، ومن اللافت للنظر أن صدور الصحيفة تزامن مع تولى “يوسف العنابي” زعامة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، حيث يعد واحدا من أصحاب الخبرة الكبيرة في المجال التنظيمي والإعلامي، إضافة لتصدرها أخبار التنظيم في المغرب العربي لصدارة صفحاتها، ما يشير إلى أن الفترة القادمة قد تشهد تصاعدا كبيرا في مجال الإعلام بالنسبة للتنظيم، بالتوسع في الإصدارات الإعلامية وتنوعها، خاصة الأفلام الوثائقية التي تبرز قوة التنظيم ومكانته، إضافة الى تناول سيرة رموز التنظيم وقيادته الفكرية. محاصرة نفوذ داعش شهد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تحولا خلال الفترة الماضية، وهو التحول في أولوية العداء، وهو ما يطلق عليه في أدبيات التنظيمات الإرهابية “التغير في سلم المعاداة”، حيث إنه من المتبادر للذهن أن الأولوية في العداء ستكون للقوات الأجنبية أو الحكومية في تلك المنطقة، لكن في ظل المنافسة الشرسة مع تنظيم داعش، تحول هذا العداء لتكون الأولوية في شن الهجمات ضد المجموعات الداعشية، سعيا وراء النفوذ والانتشار في الساحل الإفريقي، ما أدى إلى سقوط العديد من القتلى من الطرفين، ليبقى الصراع سمة رئيسة للعلاقات بين التنظيمين، لا سيما بعد أن أعلن أبو الوليد الصحراوي، زعيم داعش أو ما يعرف بولاية “الصحراء الكبرى”، أن تنظيمه مصمم على وضع حد للنفوذ القاعدي المتزايد في الساحل والصحراء، وهو ما قابله تنظيم القاعدة بمجموعة هجمات ضد معاقل داعش في الصحراء الكبرى. أخيرا.. على ضوء ما سبق، يمكن القول إن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في ظل وجود قيادته الجديدة المعروفة بنزوعها للسيطرة والاستحواذ، سيسعى خلال الفترة القادمة إلى تقديم نفسه على أنه بديل القاعدة الأم، خاصة إذا ما تم الإعلان عن وفاة أيمن الظواهري أو مقتله، وهو ما سيفرض على التنظيم العمل على تعزيز وجوده في منطقة الساحل والصحراء، وتوسيع تحالفاته مع المجموعات المسلحة الأخرى، تزامنا مع العمل على إقصاء تنظيم داعش من المشهد، ما يعني تصاعد المواجهات بين الطرفين خلال الفترة القادمة، لتصبح المنطقة على أبواب موجة جديدة من العنف.
×
×
  • Create New...