Jump to content

احمد عماد الدين

الأعضاء
  • Content Count

    26
  • Joined

  • Last visited

About احمد عماد الدين

  • Rank
    عضو فعّال

Recent Profile Visitors

The recent visitors block is disabled and is not being shown to other users.

  1. تشهد منطقة الساحل الأفريقي والصحراء تطوراً ملحوظاً في الصراع بين التنظيمين الإرهابيين "القاعدة" و"داعش"، حيث خلّف عدداً من القتلى والجرحى في صفوف الجانبين، بغية السيطرة وإثبات النفوذ بالمنطقة. وحسب المتتبعين، فإنّ الطرفين يحاولان، من خلال تزايد الهجمات فيما بينهما، إثبات الذات في منطقة الساحل والسيطرة فيها، على اعتبار أنها تمتاز بموقعها الجغرافي الذي يمكنها من تحقيق العمليات الإرهابية، وفق ما أورده مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. صراع داعش والقاعدة بالساحل الأفريقي والصحراء يخلّف عدداً من القتلى والجرحى في صفوف الجانبين ويُنتظر أن يشتدّ التنافس بين التنظيمين الإرهابيين، حيث يحاول تنظيم "القاعدة" إثبات قوته ونفوذه بالمنطقة، بينما يسعى تنظيم "داعش" إلى ولوج منطقة الساحل من بابها الواسع وإحكام سيطرته عليها، بشنّ هجمات متتالية على القاعدة. وسبق أن أعلن تنظيم "داعش" شنّه هجمات على تنظيم "القاعدة"، حيث أكد أنّ مجموعة من عناصره تمكنوا من قتل أبي يحيى، أمير منطقة الصحراء التابعة لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، من خلال كمين تمّ نصبه له مع مجموعة من عناصر التنظيم. ولَم يقف تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مكتوف الأيدي تجاه هذه العمليات التي يشنها التنظيم الآخر، حيث عمل بدوره خلال الأعوام الماضية على تحجيم نشاط "داعش"، من خلال توجيه مجموعة من الضربات إليه، بشكل أدى، ضمن عوامل أخرى، إلى تراجع دوره وانحسار المساحة التي كان يسيطر عليها. داعش يشنّ هجمات على القاعدة، وتمكّن عناصره من قتل أمير منطقة الصحراء التابعة لتنظيم القاعدة وأكد المركز في دراسته أنّ اعتبارات عديدة وراء هذا الصراع بين التنظيمين، فقد تحدّث عن وجود اختلافات فكرية، والتي تُعدّ "عائقاً كبيراً أمام الجهود التي بذلتها بعض قيادات التنظيمين من أجل تحقيق تقارب بينهما، لا سيّما بعد أن وجّه "داعش" اتهامات إلى "القاعدة"، في العدد 233 من مجلته الأسبوعية "النبأ" الصادر في 3 أيار (مايو) الماضي، بمساعدة القوات الفرنسية والأجنبية في الهجمات التي شنتها ضده، بما يوحي بأنّ الموقف من تلك الأطراف سوف يمثل محدداً رئيسياً سيكون له دور في تحديد مسارات العلاقة بين التنظيمين خلال المرحلة المقبلة". القاعدة توجّه ضربات لداعش بشكل أدّى، ضمن عوامل أخرى، إلى تراجع دوره وانحسار المساحة التي كان يسيطر عليها وتضيف الدراسة أنّ "التنافس الجهادي" يدخل ضمن الاعتبارات التي تسم هذا الصراع بين الجانبين، حيث اعتبر تنظيم "القاعدة" أنّ تصاعد دور ونشاط تنظيم "داعش" قد يسهم في إضعاف نفوذه بالمنطقة. وحسب المصدر نفسه، فإنّ التنظيمين المتطرفين يسعيان لتكريس السيطرة على المناطق التي يوجدان فيها، حيث يعمل كلّ طرف على منع الطرف الآخر من ولوج منطقة نفوذه، وهو ما حاول تنظيم "القاعدة" القيام به لمنع "داعش" من دخول منطقته. وقد برز هذا التوجه من خلال توجيه تنظيم "القاعدة" هجمات على تنظيم "داعش"، على اعتبار أنّ اختلافاً فكرياً كبيراً بينهما لا يمكّن من دخولهما في تحالفات؛ الشيء الذي يجعله يدافع عن منطقة نفوذه وعدم السماح للتنظيم بالاقتراب منه. وخلصت الدراسة إلى أنّ منطقة الساحل الأفريقي مقبلة على مرحلة سوف تتصاعد فيها حدّة المواجهات بين تنظيمي "القاعدة" و"داعش"؛ وهو ما من شأنه أن يسهم في إضعاف نفوذهما في المنطقة، لا سيّما في ظلّ العمليات العسكرية التي تقوم بها دول عديدة في المنطقة في إطار حربها على الإرهاب. المصدر https://hafryat.com/ar
  2. كثرت التكهنات حول حركة طالبان عقب فوزها بحكم أفغانستان ، فمنهم من ألحقها بداعش ومنهم من جعلها في صفّ القاعدة، ومنهم من ذهب غير ذلك طرائق قددًا، ولعلّي في هذه المساحة الصّغيرة ألقي الضّوء على أهمّ الأسئلة التي يمكن أن تخطرُ في بال الباحثين والرّاغبين بالتّعرف إلى خلفيّة طالبان الفكريّة وما يلحق بها سلفيّةٌ جهاديّة أم صوفيّةٌ مقاتلة "طالبان” وتعني بلغة البشتون جمع طلّاب أسسّها الملا محمّد عمر عام 1994م في قندهار على حدود أفغانستان من مجموعة من طلّاب العلوم الشرعيّة. فكانت حركة الطلّاب هذه أوّل جماعةٍ ذات تماسكٍ فكريّ ونسيجٍ موحّد في التخصص تنبثق من قلب المجتمع الأفغاني بل كان معظمها ابتداءً من قوميّة البشتون الأفغانيّة قبل أن تكبر وتتمدّد أفقيًّا في مختلف أنحاء أفغانستان. حركة طالبان تنتمي إلى “الديوبنديّة” و”ديوبند” هو اسم بلدةٍ في شبه القارّة الهنديّة تقع فيها جامعة دار العلوم الإسلاميّة، وهي أكبر جامعةٍ في شبه القارّة الهنديّة، وصار اسمها جامعة ديوبند نسبةً إلى مكانها، وقد كان خريجو هذه الجامعة مطبوعين بطابع علميّ خاصّ يشتركون فيه جميعًا وتترسّخ جذوره الفكريّة في أنفسهم، ومع الزّمن صار يُطلق على هؤلاء الخريجين لقب “الديوبنديّة”. ومن أهمّ أعلام الديوبنديّة الحديثة المفكّر الإسلامي أبو الحسن النّدوي والشّيخ حبيب الرّحمن الأعظمي. وعموم حركة طالبان هم من أبناء الحركة الديوبنديّة الحديثة، وأمّا عن الانتماء العقدي والفقهي والطُّرُقي لحركة طالبان فهو ذاته الانتماء الديوبنديّ وهو على النّحو الآتي: أولًا: الانتماء العقدي تنتمي طالبان إلى العقيدة الماتريديّة في غالب أفرادها، وهي منسوبةٌ إلى الإمام أبو منصور الماتريديّ وهو من أعلام أهل السّنة والجماعة، والماتريديّة وهي فرقة من أشهر فرق السّنة الاعتقاديّة وأقربها إلى الأشاعرة، والماتريديّة هو المذهب الاعتقادي لأتباع المذهب الحنفي في عموم أنحاء العالم الإسلاميّ، وهو الأكثر انتشارًا في أفغانستان والهند والصين، وبنغلادش، وباكستان، وتركيا، وإيران، والجمهوريّات الرّوسيّة المسلمة، وكان هو المذهب الاعتقاديّ الرّسميّ للدّولة العثمانيّة وتنتمي شريحةٌ يسيرةٌ من طالبان إلى المذهب الأشعريّ المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري، بينما لا تكادُ تجدُ في صفوف طالبان سواء على مستوى الأفراد أو القيادات من ينتمي إلى التيّار السّلفي سواءٌ في ذلك السلفيّة النجديّة الوهابيّة المنسوبة إلى الشّيخ محمد بن عبد الوهاب أو غيرها من السلفيّات بما فيها السلفيّة الجهاديّة التي تفرّعت منها داعش والقاعدة. فحركة طالبان ليست حركة سلفيّة جهاديّة ولا سلفيّة علميّة ولا سلفيّة حركيّة، فمن يحاول نسبة طالبان إلى داعش أو القاعدة فقد وقع في خللٍ منهجيّ وعلميّ، بل إنّ القاعدة وداعش ينظرون إلى طالبان بناءً على عقيدتهم على أنّهم مبتدعةٌ منحرفون في الاعتقاد لكنّهم كانوا يتعاملون معهم من باب الحاجة إلى التّحالف والواقعيّة السياسيّة التي تكفر بها داعش والقاعدة حيثُ لا تكون لهما حاجةٌ إليها. ثانيًا: الانتماء الفقهي حركة طالبان تعتنق المذهب الحنفي في الفقه وهو مرجعيّتها التي تصدر عنها أحكامها في المسائل الكبرى والمسائل الفرعية التفصيليّة، وهو المذهب الرّسميّ في عموم أفغانستان والدّول المحيطة بها، ومن المُلاحظ أنّ عموم المنتمين للمذهب الحنفي من غير العرب يعتنقون المذهب الفقهيّ مع تعصّب شديدٍ له وتشدّد مبالغ في تطبيق أحكامه، وهذا ما تتصف به طالبان أيضًا في التّعامل مع فروع المذهب الحنفيّ، وهو منسجمٌ مع تعامل عامّة المنتمين للمذهب من غير العرب. غير أنّ الأمر ظهر عند طالبان بشكلٍ لافتٍ كونها عملت على تنزيل الأحكام على أرض الواقع قبل أكثر من عشرين سنة حين حكمت بطريقة تفتقرُ إلى الكثير من الحكمة السياسيّة والمرونة الفقهيّة والسّعة المقاصديّة، وهذا بعث المخاوفَ في نفوس الكثيرين من تكرار تجربة طالبانيّة جديدةٍ قاسيةٍ عقب الانتصار الجديد، غير أنّ هذا الخوف ينبغي أن لا يؤدّي إلى إصدار أحكام مسبقة ما دامت الحركة لم تمارس الحكم بعد. على أنّه من الضّروريّ لفت الانتباه إلى أنّ كثيرًا من القرارات التي صدرت عن طالبان عند حكمها السابق لا سيما فيما يتعلّق بأحكام المرأة لا تنطلق فقط من رؤية فقهيّة فحسب بل إنّ الواقع الاجتماعيّ والبيئة القبليّة وثقافتها في التّعامل القاسي مع المرأة كان لها دورٌ كبيرٌ في تلكم الأحكام، فثقافة القبيلة والمجتمع تفرض نفسها في البيئة المنعزلة المنغلقة. وفهمُ طبيعة تشبّث طالبان بفروع المذهب الحنفيّ هو الذي دفع إلى إصدار قرارٍ قطعيّ من الملّا عمر بعدم تسليم قيادات تنظيم القاعدة ولو كان الثّمن زوال ملكه وذهاب دولته وإمارته الإسلاميّة، وبسبب هذا الموقف التبس على الكثيرين موقف طالبان من القاعدة فظنوهما شيئًا واحدًا واعتمدوا على هذا التّحالف لإطلاق الأوصاف القاعديّة والدّاعشيّة على طالبان، وفي الحقيقة هذا الموقف لا يعبّر على الإطلاق على الانتماء المنهجي للقاعدة بل يدلّ على طبيعة التشبّث بالحكم الفقهيّ الذي تعتمده طالبان مرجعيّةً قانونيّة ودستوريّة. ثالثًا: الانتماء الطّرُقي تنتمي حركة طالبان إلى المدرسة الصّوفيّة الطرقيّة كما هو شأن الحركة الديوبندية عمومًا، وعموم أفرادها وقياداتها ينتمون إلى ثلاثة من الطرق الصّوفيّة وهي: الطّريقة النّقشبنديّة: وتنسب هذه الطريقة إلي الشيخ بهاء الدين محمد بن البخاري والملقب بشاه نقشبند (ت: 1389م) الطريقة الجشتية: وتنسب هذة الطريقة إلى الشيخ معين الدين الجشتي الأجمير (ت: 1236م) الطّريقة القادريّة السهرورديّة: هي طريقة تنسب إلي الشيخ أبو النجيب عبد القادر السهروردي (ت: 1168م). وعموم العلماء من أتباع التيّار السلفيّ على اختلاف توجهاته سواء السلفيّة العلميّة أو الحركيّة أو الجهاديّة يرمون أتباع هذه الطّرق الصّوفيّة بالضّلال والابتداع، وإنّما أسوق هذا للتّأكيد على فكّ الارتباط الذّهنيّ بين طالبان والسلفيّة الجهاديّة وما تفرّع عنها من القاعدة وداعش وأخواتهما. فحركة طالبان إذن حركةٌ إسلاميّةٌ سُنّيةٌ تنتمي إلى المدرسة التّقليديّة فقهًا وفكرًا وهي ماتريديةٌ حنفيّةٌ صوفيّة. فروقٌ في التّركيبةِ بين طالبان والقاعدة وداعش تختلفُ طالبان عن القاعدة وداعش من حيث الانتماء الاعتقاديّ والمرجعيّة الفكريّة والفقهيّة كما رأينا آنفًا، غير أنّ هناك فروقًا جوهريّة إضافيّةً يمكن تلخيصها في الآتي: أولًا: طالبان أفرادها على مستوى القيادات والجند هم جزءٌ من المجتمع الأفغاني وينتمون إلى قبائله وغالبهم من البشتون، فهم أبناء المجتمع وأبناء الأرض ولم يهاجروا إليها لإقامة حكم الله في الأرض، وكذلك ليس في صفوفهم مهاجرون من غير الأفغان، بخلاف القاعدة وداعش التي تقوم تركيبتهم على العناصر المهاجرة وتقوم فكرتهم على الهجرة إلى المواطن الجهاديّة. ثانيًا: طالبان عزّزت انتماءها للمجتمع الأفغاني وهي منسجمةٌ انسجامًا تامًا مع المرجعيّة القبليّة الأفغانيّة، وللقبيلة تأثير بالغ في قرارات وتوجّهات طالبان بخلاف القاعدة وداعش اللّتان دخلتا في صراع مع هذه المرجعيّات القبليّة في كثيرٍ من مواطن وجودهما. ثالثًا: طالبان ليس لها بنية وهيكليّة تنظيميّة تراتبيّة كحال بقيّة جماعات الإسلام السياسي والجهادي ومنها القاعدة وداعش، وهي أقرب إلى الجماعة التي تستندُ إلى المرجعيّة المشيخيّة، ومجالسُ شوراها تمارسُ الشورى المُعلمة لا المُلزمة، وإنّما هي لاستئناس الملّا صاحب القرار. رابعًا: طالبان تقدّم نفسها حركةً إسلاميّةً وطنيّةً تحررية، حدود عملها أفغانستان وليس لها خطاب أممي وليس في خطابها إقامة الشّريعة في العالم وتحريره من الكفر بخلاف خطاب القاعدة وداعش. ثمرة معرفة البنية الفكريّة والمرجعيّة الشرعيّة إنّ معرفة البنية الفكريّة والمرجعيّة الشرعيّة الاعتقادية والفقهيّة لطالبان والفروق بينها وبين تنظيمات داعش والقاعدة يفيد بنسبةٍ كبيرة لفهم وتفسير الكثير من الأفعال والتصرفات التي تصدر عن طالبان من جهة، إضافة إلى أنّه يؤكّد أنّ طالبان لديها بذور القدرة على التطوّر بشكلٍ أكبر بكثير من القاعدة وداعش على المستوى الفكري والعمل السياسي المنبثق من هذه المرجعيّة الفكريّة. ويمكن الوقوف مع بضعة مواقف تبيّن حجم التطوّر بين طالبان 2001م وطالبان 2021م، ومنها: أولًا: الموقف من جماعة الإخوان المسلمين في عام 2001م كانت حركة طالبان تتعامل مع جماعة الإخوان المسلمين بوصفها عدوًّا تنظر إليه نظرة المفاصلة بين الكفر والإيمان، وتصف الإخوان المسلمين بأنّهم أشدّ خطرًا على الإسلام من الشّيوعيّين، وكانت تهاجم أفرادها وتغلق جمعيّاتها، بينما قامت طالبان في السنوات الأخيرة بتغيير كبيرٍ في موقفها من الإخوان المسلمين، ففتحت بابًا واسعًا للعلاقة مع الجمعيّة الأفغانيّة للإصلاح؛ واجهة جماعة الإخوان المسلمين في أفغانستان، كما قاموا بزيارة الدّكتور يوسف القرضاوي ووصف المتحدّث الرّسمي باسم طالبًان الشّيخ القرضاوي بأنّه “الأب الرّوحي لجماعة الإخوان المسلمين” كما زار وفد طالبان في الدّوحة الأستاذ إسماعيل هنيّة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وكلّ ذلك يبيّن الموقف الإيجابيّ الجديد لحركة طالبان من جماعة الإخوان المسلمين. ثانيًا: الموقف من إيران ومن الشّيعة الأفغان عندما حكمت طالبان ما بين عام 1996م و2001م كانت تنظرُ إلى إيران على أنّها عدوّ لها، وكذلك كانت إيران تراها، ولذلك لعبت دورًا مهمًا في مساعدة الأمريكان على احتلال أفغانستان والقضاء على إمارة طالبان. كما كانت طالبان تنظر إلى الشّيعة الأفغان الذين يشكّلون قرابة10% من سكّان أفغانستان بعين العداء بناء على الموقف الاعتقاديّ فكانوا يمنعون الاحتفالات الشيعيّة بمختلف المناسبات لا سيما ذكرى كربلاء والمجالس العاشورائيّة. بينما تغيّر الحال في السّنوات الأخيرة، ففي عام 2020م زار وفد من طالبان السفارة الإيرانيّة في الدوحة لتقديم التعازي باغتيال العالم النّووي الإيراني محسن فخري زادة، كما زار وفد من طالبان العاصمة الإيرانيّة طهران في الشهر الأول من هذا العام 2021م تلبية لدعوة من وزارة الخارجيّة الإيرانيّة. وعلى صعيد الشّيعة الأفغان تطوّر الأمرُ كذلك، فبعد انتصار طالبان وانسحاب الأمريكان مباشرة زار المسؤول الأمني لحركة طالبان في مزار شريف المولوي عبد القادر حسينيّة شيعيّةً في المدينة وشارك في مجلس العزاء العاشورائيّ وألقى كلمةً اعتذر في بدايتها عن تصرّف بعض عناصر طالبان وإنزال الأعلام العاشورائيّة؛ قائلًا: إنّ هذا تصرّف غير مسؤول، ونحن لا نريدُ الإساءة إلى إخواننا الشّيعة ونريد أن نعيش جميعًا كإخوة في هذه المدينة” وأكد أنّه لا يحقّ لأحدٍ أن يتدخّل في إقامة الشّعائر الدّينيّة والمذهبيّة لأيّة طائفة في أفغانستان بعد الآن. ثالثًا: الموقف من المرأة عندما حكمت طالبان في الفترة ما بين 1996م و2001م أصدرت قوانين صارمة تجاه المرأة منها منع المرأة من العمل ومنع الفتيات من التوجّه إلى المدارس ومنع النساء من الخروج من المنزل إلّا برفقة رجل، أجبرت النساء على الخمار بتغطية وجوههن وعدم الاكتفاء بالحجاب المغطّي للشعر، كما كانت النّساء تتعرّض للضّرب على أيدي الشّرطة الدّينيّة. بينما تقدّم طالبان 2021م خطابًا مختلفًا مع اندحار الأمريكان واستلام السلطة، حيث أكد المتحدثون المختلفون باسم طالبان أنّ المرأة سيبقى لها حقّها في التعليم والعمل بل دعت طالبان النساء إلى الانخراط في مؤسسات الدّولة القادمة بشرط الالتزام بالحجاب الشّرعي، وأعلن متحدثوها عدم اشتراط مرافقة رجل للمرأة في خروجها وتحركاتها، والتقت قيادة طالبان بالطبيبات في كابول في لقاء ودي مؤكدين حمايتهم للطبيبات في العمل وللمرأة الأفغانيّة عمومًا وحثّ النساء على البقاء في الأعمال. هذه المواقف الثلاث تبيّن أنّ طالبان أحدثت قدرًا من التحوّل في بنيتها الفكريّة وسلوكها المنبثق من هذه البنية، قد لا تكون هذه التطورات والتحولات كافية بنظر البعض، وقد تكون المخاوف من تكرار التجربة السابقة حاضرة بقوّة عند الكثيرين، وهذا طبيعي جدًا، لكن ما ينبغي في هذه الحال هو التريّث وعدم استعجال الحكم على التجربة قبل بدايتها لا سيما مع وجود مؤشرات على التغير والتحوّل والتطور ولو كان يسيرًا.
  3. قال الشيخ العلامة، عبد الله العلايلي: "ليس التعصب من الدين، بل من الجهل بالدين"؛ أجل، ليس التعصب الذي أشعل هذه الحرائق، في بلادنا، من الدين؛ بل هو من الجهل بالدين؛ نعني من جهل الإسلاميين والعلمانيين بالدين، وجهل ديمقراطيي بلادنا خاصة بالدين وبالعلمانية، ومدى صلة الأخيرة بالديمقراطية وموقفها من الدين، على اعتبارها عاملاً أساسياً من عوامل تشكل المجتمعات المدنية الحديثة والدول الحديثة، والأساس الذي تنهض عليه المواطنة المتساوية. الأساسي في قولة الشيخ العلايلي هو اقتران التعصب بالجهل اقترانَ علة بمعلول. العلاقة الكدِرة بين عشيرتين عربيتين: بكر وتغلب، هي من نوع العلاقة الكدِرة بين الإسلاميين القوميين في أيامنا نتحدث عن جهل عالِم، ونقصد بالجهل المعنى الذي يُفهم من قول الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم: "ألا لا يجهلن أحد علينا .. فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا، إلى قوله: ونشرب إن أردنا الماءَ صفواً .. ويشرب غيرنا كدراً وطينا" (من معلقة عمرو بن كلثوم الشهيرة). وليس لهذا المعنى من مقابل سوى التعصب والغطرسة والتنمر. فالعلاقة الكدِرة بين عشيرتين عربيتين: بكر وتغلب، هي من نوع العلاقة الكدِرة (والمطيِّنة باللهجة المصرية) بين عشائر الإسلاميين وعشائر القوميين، في أيامنا. لذلك كنا، ولا نزال نعتقد أن تطرف الجماعات الإسلامية، بدءاً من جماعة الإخوان المسلمين، هو المقابل الموضوعي، (لكي لا نقول رد الفعل الموضوعي)، لتطرف القوميين عامة، والبعثيين منهم خاصة. نخص البعثيين؛ لأن "مآثرهم" غدت واضحة في سوريا والعراق، وغيرهما، ونخصهم أيضاً؛ لأن لهم معادلاً ديمقراطياً تقنياً أو صندوقياً (نسبة إلى صندوق الاقتراع)، لا يقل عنهم غطرسة وتنمراً. تركيا في عهد أردوغان: من الديمقراطية إلى الحكم المطلق للجهل، في مقاربتنا، معنيان: الجهل بالأمر، أو الجهل بالآخر المختلف، وهو شكل من أشكال الجهل بالذات، أو عدم معرفة الذات على حقيقتها الإنسانية، والجهل على الآخر المختلف، والاستعلاء عليه، وإرادة إخضاعه واستتباعه، أو تجاهله، في أحسن الأحوال، واعتباره غير موجود، وغير مرئي، وليس جديراً بـ "الحرية والكرامة" والحقوق. وبين هذين المعنيين صلات، كالجهل بالغرب وثقافته وقيمه، والجهل على الغرب (المستعمر والإمبريالي، الكافر والمادي والمنحل أخلاقياً) والاستعلاء عليه بـ "حضارتنا وقيمنا ومجدنا التليد"، وكذلك الجهل بالآخر المختلف والجهل عليه. ونعتقد أن ثمة علاقة بين الجهل بالدين والجهل بالعلمانية، وعلاقة مشابهة بين الجهل على الدين والجهل على العلمانية. ثمة بوناً شاسعاً بين الشيوخ والمريدين ولكن مزية المريدين أنهم يفضحون أسرار الشيوخ بحكم حداثتهم في السن فقد ظهرت، منذ ثمانينيات القرن الماضي، في سياق "الصحوة الإسلامية"، عشيرة جديدة، هي عشيرة "الديمقراطيين التقنيين" المناهضين للعلمانية، وهذه عشيرة تجهل على كل مختلف أو مخالف؛ من أبرز شيوخها محمد عابد الجابري ومريديه، في المغرب، وبرهان غليون ومريديه في المشرق. ومن المؤكد أن ثمة بوناً شاسعاً بين الشيوخ والمريدين، ولكن مزية المريدين أنهم يفضحون أسرار الشيوخ، بحكم حداثتهم في السن، وحداثتهم في الكار، نعني كار التلبيس والتدليس (إذا أردت أن تعرف أسرارهم اسأل صغارهم). هؤلاء ينتقدون السلفية، وينتقدون الأصولية، ومنفتحون على ما هو "مفيد" و"مناسب" في الثقافة الإنسانية، ولا يرون مخرجاً من أزمة "الأمة" إلا بـ "الإصلاح الديني"، أو بالثورة الإسلامية. وقد صفقوا أو صفق بعضهم على الأقل لكتاب عبد الله العروي، "السنة والإصلاح"، من دون أن يلتقطوا رسالته؛ إذ الكتاب دعوة صريحة إلى استقلال الوجدان وحرية الضمير ("الأوْبة إلى الذات")، وتجاوز السنة، أو الأرثوذكسية، (أي الجماعة العقائدية المغلقة والمنكفئة على ذاتها وحقائقها اليقينية)، إلى ما سماه بعضهم "ما فوق السنة" أو "ما بعد السنة". الإخوان المسلمون.. والديمقراطية العصب الأيديولوجي الذي يعصِّب هذه العشيرة هو فكرة "الأمة"، التي لا هي "الأمة الإسلامية"، كما لدى الإسلاميين، ولا هي "الأمة العربية"، كما لدى البعثيين؛ فلعلها أمة المسلمين السنة من العرب؛ كما تشي بذلك كلمة "الأمة" في كتابات الجابري وغليون. ومن ثم فإن نهضة الأمة مرهونة بالإصلاح الديني واستعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وأصولية الشاطبي وتاريخية ابن خلدون، على نحو ما أشار الجابري، (محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ط 9، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009، ص 552.). في حين لم ير غليون من سبيل إلى نهضة الأمة إلا ثورة إسلامية على غرار الثورة الإيرانية؛ "فالإسلام الذي عمد نفسه في أعظم ثورة شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، مطالب اليوم أن يحقق الحلم الذي عجرت عن تحقيقه الأيديولوجيات الماضية، القومية والماركسية" (برهان غليون، الوعي الذاتي، ط 2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1992، ص 79.). العلمانية لدى ديمقراطيين؛ كالجابري وغليون وأتباعهما، بدعة غربية، لكن الديمقراطية ابتكار عربي إسلامي، مؤسس على "الشورى"، ومطعَّم بصندوق الاقتراع: ديمقراطية تقنية، تفضي بالضرورة إلى حكم "الأكثرية"، التي هي الأمة بالتمام والكمال، فتحقق "تماهي الأمة بذاتها وتماهي الأمة والدولة". لسنا ضد الإصلاح الديني بالتأكيد، ولكن الإصلاح الديني لا يكون إلا من داخل المنظومة الدينية لسنا ضد الإصلاح الديني بالتأكيد، ولكن الإصلاح الديني لا يكون إلا من داخل المنظومة الدينية المعنية أولاً وأساساً. ثانياً، إنّ جميع تجارب الإصلاح الديني المعروفة في التاريخ انتهت بتشكُّل سنن جديدة (جمع سنة)، أو أرثوذكسيات جديدة، كالملل والنحل والمعروفة في التاريخ الإسلامي أو البروتستنتية والكالفنية والإنغليكانية وغيرها في التاريخ المسيحي، وملل ونحل مشابهة في التاريخ اليهودي. وكما انتهت محاولة الإصلاح التي قام بها محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية إلى تشكل الوهابية، وانتهت محاولة محمد عبده، مع رشيد رضا وحسن البنا، إلى تشكل جماعات إسلامية كل منها سُنَّة قائمة بذاتها، وملة هي وحدها الملة الناجية، كملة الإخوان المسلمين، وغيرها. أما الثورة الإسلامية، كما يريدها برهان غليون، فممكنة دوماً، ولكن، نخشى أن مصيرها قد لا يختلف عن مصير الثورة الإيرانية. تنبع خشيتنا من واقع جهل السوريين على السوريين، وجهل سوريين على بقية السوريين، منذ تأسلمت الثورة السورية وتعسكرت، وجهل الناطقين باسم "الأمة"، أو باسم "الأكثرية"، ولا فرق، على الأقليات، باعتبارها "كسور الأمة"، بتعبير ياسين الحافظ، وقد فهمها بعضهم بأنها كسور عشرية، لا ترقى كلها إلى العدد الصحيح، الذي هو الأمة الواحدة. الغرب في مخيال الجماعات الإسلامية.. قراءة في الحالة الفصامية لقد كان الجابري واضحاً أشد ما يكون الوضوح في جهله على غير المسلمين السنة من العرب بقوله: "التراث العربي الإسلامي يغلفنا تغليفاً قوياً، وإذا ادعى أحد منا أنه مستغن عن هذا الغلاف متحرر منه فليعترف أنه مسكون بهوية أخرى غير الهوية العربية الإسلامية .. " (محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001، ص 28). ما قاله الجابري صراحة يقوله الديمقراطيون التقنيون مداورة وتدليساً. المصدر: https://www.hafryat.com/ar
  4. دراسة حديثة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تُجري مقابلات مباشرة مع 495 شخصًا انضموا طواعية إلى الجماعات المتطرفة العنيفة.. وتؤكد أنّ 6 سنوات من التعليم الديني كفيلة بأن تمثل حائط صد أمام محاولات التجنيد الإرهابية "رحلة إلى التطرف في أفريقيا.. العوامل والحوافز ونقطة التحول للتجنيد".. عشر كلمات شكلت عنوانًا رئيسًا لدراسة أعدها "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي"؛ لقراءة الأسباب الاجتماعية والسيكولوجية والتعليمية التي تدفع الشخص للانضمام إلى تنظيم "متطرف عنيف"، وذلك من خلال مقابلات مباشرة أجراها الباحثون مع "متطرفين" أفارقة سبق لهم الانخراط في تنظيمات إرهابية. امتدت الدراسة عامين، واستهلها الأمين العام للأمم المتحدة بعبارة قال فيها: "إن خلق مجتمعات تعددية شاملة مفتوحة منصفة، تقوم على أساس الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، وتضمن العدالة الاقتصادية للجميع، يمثل بديلًا ملموسًا وهادفًا؛ لحماية الشخص من السير في طريق التطرف العنيف". وكشفت الدراسة أن أعداد الوفيات الناجمة عن التطرف في أفريقيا بلغت 33 ألفًا و33 حالة بين عامي 2011 و2016، إضافة إلى ما خلفه الإرهاب من تشرد ودمار اقتصادي، مؤكدةً أن النشاط المتطرف العنيف في أفريقيا بات يمثل تهديدًا كبيرًا للأمن العالمي، في ظل تداخُل الأسباب التي تعزِّز وجوده ونشاطه في القارة السمراء، وتنوُّعها بين أسباب دينية وأيديولوجية وسياسية واقتصادية. وشددت على أن الفقر والحياة على هامش المجتمع يدفعان بالشباب الأفريقي إلى الولوج في دروب التطرف والعنف والتمرد، وأن التهميش والحرمان من الحقوق الاجتماعية، وعدم فهم النصوص الدينية فهمًا صحيحًا، وتدني المستوى التعليمي، وسوء الأحوال الاقتصادية، وفقدان أحد الوالدين أو كليهما، كلها من أهم العوامل التي تلعب عليها التنظيمات الإرهابية لاستقطاب مجندين جدد. الانضمام لتنظيم متطرف اعتمدت الدراسة على إجراء لقاءات مباشرة مع 718 شخصًا في كلٍّ من الصومال ونيجيريا وكينيا والسودان والنيجر والكاميرون، بينهم 81% من الذكور و19% من النساء والفتيات، جرى تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات: الأولى هي "مجموعة متطوعين" وضمت 495 شخصًا انضموا طواعية إلى الجماعات المتطرفة العنيفة، وذلك بنسبة بلغت 69.94% من إجمالي العينة، والثانية اشتملت على 78 فردًا تم تجنيدهم بالقوة (10.86%)، وشكلت النساء والفتيات نسبةً بلغت 53% من تلك المجموعة، بالإضافة إلى مجموعة ثالثة أُطلِق عليها "مجموعة مرجعية" وتشكلت من 145 فردًا لا ينتمون إلى أي جماعات متطرفة عنيفة مثلوا 20.19% من عينة البحث. كان الصوماليون أصحاب النسبة الأكبر في قائمة مَن أُجريَت معهم لقاءات، بنسبة بلغت 41%، ثم النيجيريون (24%) والكينيون (20%) والسودانيون (14%)، فيما كانت نسبة الكاميرونيين 1%، والأمر نفسه بالنسبة لمَن هم من النيجر، وتخطت نسبة المشاركين حاجز الـ100% لتبلغ 101% بسبب لجوء الباحثين إلى تقريب نسب المشاركين. كان العدد الأكبر ممن أُجريت معهم المقابلات عناصر سابقة بحركة الشباب الصومالية (52%) وبوكو حرام (27%) وداعش (15%)، في حين بلغت نسبة المبحوثين الذين سبق لهم الانضمام إلى تنظيمي "القاعدة" و"المرابطون" وجماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا 7% فقط، وتخطت النسبة حاجز الـ100% لتبلغ 101% بسبب لجوء الباحثين إلى تقريب النِّسَب. وتنوعت مهام المبحوثين داخل التنظيمات المتطرفة العنيفة، فكان 49% منهم مقاتلين، و14% ممن تولوا مهامَّ تتعلق بالتدريب والتجنيد، و12% تولوا مهامَّ استخباراتية، و11% تركزت مهامهم في تقديم الخدمات المنزلية، و5% كانت مهمتهن هي "زوجة مقاتل"، و4% شرطيون ومراقبون للمجتمع، و4% تولوا مهامَّ قيادية عسكرية، وشغلت النسبة الباقية مهامَّ أخرى. وفيما يتعلق بأسباب الانضمام إلى تنظيم متطرف عنيف، جاءت الأفكار الدينية في المقدمة بنسبة 40%، تبعتها رغبة الشخص في أن يكون شيئًا ضمن منظومة أكبر من ذاته بنسبة 16%، ثم البحث عن عمل (13%) وتصديق كلام زعيمه الديني (13%)، وعوامل الصداقة والقرابة (10%)، وأسباب عرقية (5%)، والأفكار السياسية للمجموعة (4%)، والمغامرة (3%)، والخدمات المقدمة من التنظيم (3%)، وتصديق المعلم (2%)، والعزلة الاجتماعية (1%)، والتهميش السياسي (1%)، وبلغت نسبة "أسباب أخرى" 3%. طفولة تعيسة من بين أهم النتائج التي توصل إليها الباحثون في رحلتهم بحثًا عن فك طلاسم "دائرة صناعة الموت" في القارة السمراء أن الطفولة التعيسة تؤدي دورًا حاسمًا في تجهيز الطفل للانخراط في تنظيمات إرهابية في المستقبل، بداية من الحرمان من أحد الوالدين، سواء بسبب اليتم أو غياب رعاية الوالدين، وانتهاءً بتعريض الطفل للعقاب البدني العنيف، وأنه حيثما يكون هناك ظلم وحرمان ويأس، فإن الأيديولوجيات المتطرفة العنيفة تطرح نفسها كشكل من أشكال الهروب التي يلجأ إليها الشخص هربًا من الظلم والحرمان واليأس. وأظهرت نتائج الدراسة أن 83% من الذين انخرطوا طواعية في التنظيمات المتطرفة العنيفة من جَرَّاء الافتقار إلى الدور الذي تؤديه الأم في حياة أي شخص ونموه، وهي النسبة التي ارتفعت إلى 87% بين مَن أُرغموا على الانضمام لتمثيل تلك التنظيمات، في حين بلغت النسبة 90% في المجموعة المرجعية. أكدت الدراسة أن ثمة ارتباطًا قويًّا بين الأفراد الذين انضموا للجماعات المتطرفة ومعاناتهم بسبب حرمان أحد الوالدين أو كليهما معًا، أو غياب التأثير الفاعل للوالدين في مرحلة الطفولة لمَن تم تجنيده، والأمر نفسه بالنسبة لمَن مرَّ بمراحل يأس وإحباط في طفولته، أو عانى من عقوبات جسدية، ما يعني أن التنشئة الاجتماعية السلبية للفرد أحد العوامل الجوهرية لتجنيد المتطرف في القارة السمراء. ووفق ما نقلته الدراسة عن أحد المبحوثين -والذي يبلغ من العمر 37 عامًا، وكان قياديًّا عسكريًّا بأحد تلك التنظيمات- فإنه لم يكن لدى والديه وأشقائه أي فكرة عن انضمامه إلى تنظيم متطرف عنيف، مضيفًا: "عندما تكون محاصَرًا داخل التنظيم، فإنه من الصعب الاستماع إلى آراء أخرى، ومن الأصعب أن نقبل أن ما كنا نفعله خطأ". يقول خضر محمد عثمان أبو طربوش -أستاذ علم النفس بالمركز القومي للمناهج والجامعة المفتوحة بالسودان- لـ"للعلم": "إن الأسرة تؤدي دورًا أساسيًّا في نمو الأفراد وتنشئتهم، وهي تمثل المصدر الأول لمطالب النمو الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية والمعرفية والخبرات الأساسية، فالأسرة ليست مجرد وسيلة إنجاب، ولكنها الخلية الاجتماعية الأولى لبناء المجتمع". وحول التبايُنات من أسرة إلى أخرى، يقول أبو طربوش: هناك عوامل تؤدي إلى اختلاف الاتجاهات من أسرة لأخرى، تتمثل في المستوى الاجتماعي للوالدين ومستواهما التعليمي ووضعهما الاقتصادي، إضافة إلى دافعية الإنجاز والحافز". أما عن الحالة الاجتماعية للأسرة، وإفراز فرد متطرف فيها، فيرى أبو طربوش أن "الوضع الاقتصادي السائد في المجتمع يؤثر في تنشئة أفراده، ويتحكم في العملية التربوية، فهناك آثار للحالة الاقتصادية للأسرة، كما أن نظام المنزل والترتيبات العائلية الداخلية تؤثر بطريق غير مباشر في النمو، وعليه، فإن مهمة الوالدين لا تنتهي عند مرحلة عمرية معينة، وإنما تستمر التنشئة والتربية في حلقات مستمرة، مراعيةً ظروف النمو والمراحل، التي يمر بها الفرد". انعدام الثقة بالدولة وتُبرز الدراسة صورة الفرد المهمَّش المُهمَل، طيلة حياته، منذ طفولته، والذي لا تتوفر له ظروف معيشية جيدة، أو مشاركة ذات مغزى في الحياة العامة؛ إذ يعدم هذا الشخص الثقة بالدولة في أن تقدم له الخدمات الحيوية الضرورية، أو أن تحترم حقوقه، وينجذب إلى التطرف عندما يشهد ما يعتبره إساءة لاستخدام السلطة من الدولة، أو يتعرض لذلك بشكل مباشر، ما يجعله يشعر بفقدان "شرعية الدولة"، مشيرةً إلى أن 40% ممن انضموا طواعية لتلك التنظيمات ذكروا أنهم لم يكونوا يرددون النشيد الوطني لبلدانهم في أثناء طفولتهم. وفقًا لنتائج الدراسة، فإن 83% ممن تم تجنيدهم يؤمنون بأن الحكومة لا تهتم إلا بمصالح فئة قليلة، وأكثر من 75% لا يثقون بالسياسيين ولا بالجهاز الأمني للدولة، مشددةً على أن تدنِّي المستوى التعليمي، وضعف الدخل الشهري، وتردِّي الأوضاع الاجتماعية كانت كلها أسبابًا رئيسية في انضمام المبحوثين إلى تنظيمات إرهابية، خاصةً أن أكثر من نصف سكان العينة من دول تحت خط الفقر. تشير الدراسة إلى أهمية قوة الدولة ومدى استقرارها، باعتبارها وثيقة الصلة بمدى انتشار التطرُّف من عدمه، إذ كلما ضعف استقرار دولةٍ ما زادت العمليات الإرهابية فيها، مع الوضع في الاعتبار أن تعدُّد النظم السياسية في تلك الدولة يجعل الظروف مواتيةً أكثر لانتشار التطرف. التعليم العلماني والديني كشفت الدراسة وجود علاقة طردية بين انخفاض المستوى التعليمي وإقبال الفرد على الانضمام لتنظيم متطرف عنيف؛ فعلى صعيد "التعليم العلماني"، أشارت النتائج إلى أن 16% ممن انضموا طواعية لمثل هذه التنظيمات تلقوا تعليمًا علمانيًّا لمدة بلغت عامين أو أقل، وأن 39% منهم تلقوا تعليمًا علمانيًّا لمدة تراوحت بين 3 إلى 10 سنوات، ولم يذكر أيٌّ منهم أنه تلقى تعليمًا علمانيًّا لمدة تفوق الـ15 عامًا. وفيما يتعلق بالتعليم الديني، أشارت الدراسة إلى أنه على الرغم من أن نصف المشاركين في الدراسة اعترفوا بأن الدين هو سبب انضمامهم للجماعات المتطرفة، فإن 57% منهم أقروا بأن لديهم فهمًا قليلًا أو منعدمًا للنصوص الدينية، أو أنهم لا يقرأون تلك النصوص من الأساس. في المقابل، تؤكد الدراسة أن الجماعات المتطرفة تستغل الدين لتبرير العنف المؤدلج. في حين تفيد بأن فهم المرء لدينه جيدًا يمكن أن يعزِّز صموده أمام محاولات جذبه للتطرف، وأنه بمجرد تلقي الشخص لـ6 سنوات من التعليم الديني يمكن أن تقل احتمالات انضمامه إلى جماعة متطرفة بنسبة 32%. يتفق خبراء التربية - مع ما ذهبت إليه الدراسة من أن ست سنوات من التعليم الديني يمكن أن تمثل حائط صد لمنع الشخص من الانجراف باتجاه الانضمام لتنظيمات إرهابية. بالاضافة الى أنه "يجب مراعاة أن يكون التعليم الديني معتمدًا على أصول الكتب الدينية، وقائمًا على الوسطية في منهاجه وسلوكه، ورعاية هوية الشباب في عصر تتصارع فيه المعرفة، وتتبادل فيه الثقافات والهُويات والخبرات". الانعزالية والإحساس بالأنا تشير الدراسة أيضًا إلى أن عامل التنشئة الاجتماعية له تأثير مهم في عملية التجنيد للتطرف؛ إذ لا يمكن أن تقع العمليات الإرهابية بين عشية وضحاها، وأظهرت الدراسة أن أكثر من 71% ممن تم تجنيدهم يندفعون للتجنيد الفوري عقب قتل أحد أفراد العائلة أو صديق لهم، إضافة للتأكيد على أن الصديق أو القريب له دور كبير في عملية التجنيد، إذ ذكر 50% من المبحوثين الذين انضموا طواعيةً لتلك التنظيمات أنهم تم تقديمهم إلى التنظيم عن طريق "صديق"، كما أفاد 3% أنهم تم تعريفهم إلى التنظيم من خلال "صديق على الإنترنت". كما صرح الخبراء: "إن بعض الكتابات والمراجع تُسهِم في توجيه الفكر نحو التطرف، وذلك من خلال توليد المشاعر العدائية، ومعارضة الثقافة السائدة، إضافة إلى جوانب وعوامل أخرى مهمة، مثل الذاتية وميول الفرد نحو الأفكار المتطرفة والانعزالية والإحساس بالأنا، ورؤية الآخر بمنظور مختلف، والإحساس بأن المجتمع يخالف ما يراه المرء صحيحًا، فضلاً عن إسهام المجتمع المغلق في خلق بيئة للتطرف، عبر رفض الحوار الفكري البناء، وعدم محاولة طرح مشكلات الشباب والمجتمع بطريقة خلَّاقة، وعدم القدرة على معالجة الفكر المعارض بطريقة تتميز بالأصالة والإبداع". وفيما يتعلق بحق "أصحاب الديانات الأخرى" في الحصول على المعاملة بالمثل، كان هناك تباين كبير بين النساء والرجال الذين شملتهم الدراسة، إذ أيَّد 44% فقط من الذكور هذا الحق مقابل 73% من النساء والفتيات، ما يكشف تنامي شعور الفتيات بحق الآخر في التعايش والمعاملة بالمثل مقارنة بالذكور. كبار السن وتمرد الشباب تشير الدراسة إلى أنه من الصعب تجنيد التنظيمات الإرهابية لكبار السن، مؤكدةً أن "53% من المبحوثين تراوحت أعمارهم بين 17 و26 عامًا عند انضمامهم إلى تنظيمات متطرفة عنيفة، وذلك مقابل نسبة بلغت أقل من 3% لمَن تخطوا الـ36 من أعمارهم". من جهه، علم الاجتماع السياسي فقد بينوا- أن الشباب من سن 14 إلى 22 عامًا هم الأكثر احتمالًا للسقوط فريسةً للجماعات المتطرفة. يقول احد خبراء علم الاجتماع السياسى: "إن التنظيمات الإرهابية تستغل فترة مراهقة مَن تحاول تجنيدهم وبداية نضوجهم وتمردهم على واقعهم لتبث فيهم روح التمرد والقتال وإثبات الذات، وذلك عن طريق برامجهم التي ينشرونها عبر وسائل التواصل الاجتماعي". ويكشف النقاب عن استراتيجية الجماعات المتطرفة، التي ترتكز على انتقاد الوضع الراهن للمجتمعات، ووضع الحلول التي تجذب فئة الشباب إليها، عبر دعوات الإصلاح والانتفاضة للتخلص من عباءة المجتمع الظالم. وعن الدوافع الاجتماعية والعاطفية التي تدفع الشباب إلى التطرف، يشير صادق إلى أن من ضمنها التهميش الاجتماعي من قبل الحكومات لأفرادها، وعدم تلبية احتياجاتهم الاجتماعية، موضحًا أن عدم وجود خطة مجتمعية شاملة قائمة على تنمية بشرية حقيقية، تجعل الشباب ينساقون إلى الجماعات المتطرفة، والتي يجدون لديها البديل عن رفض مجتمعهم لهم؛ إذ تجيد التنظيمات الإرهابية اللعب على وتر حلم الشباب بالمدينة الفاضلة، وإقناع هؤلاء الشباب بأن لدى التنظيمات الوسائل التي يحقق فيها حلمه بالعيش في تلك المدينة، وبمجرد أن يصطدم هؤلاء الشباب بالواقع المرير، تكون ردة فعلهم المباشرة الانضمام للجماعات المتطرفة؛ عقابًا للمجتمع، ولكي يثبت لذاته أنه موجود وليس نكرة. حوائط صد التطرف بيَّنت الدراسة أنه يمكن لمنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وأهل الثقة أن يمثلوا حوائط صد أمام انتشار هذا التطرف، خاصةً لو كان هناك تأثير فعلي لتلك المنظمات في دولة ما، أو لشخصيات مؤثرة في هذا المجتمع. تشير الدراسة إلى أهمية ثقة المواطنين برجال الدين وزعماء القبائل المحلية، خاصة أن 78% من المبحوثين يشعرون بعدم الثقة بمؤسسات الدولة والسياسيين "أو ضعفها"، مع الالتزام الأوسع ببناء عقد اجتماعي شامل بين الحكومة والمواطنين، بالإضافة إلى التواصل الأسري وتوفير خدمات رعاية الطفل؛ إذ اشتكى 83% من المبحوثين من سوء حكومات بلدانهم. ويجب ضمان إتاحة التعليم للجميع، خاصةً في المناطق النائية، أو المعرضة للخطر؛ إذ أفاد 33% من المبحوثين أنهم تلقوا تعليمًا علمانيًّا لمدة لا تتعدى أربع سنوات، مع الاعتراف بأن معيشة الفرد بين ديانات وجماعات أخرى يقلل من فرص الانضمام للجماعات المتطرفة. تشدد الدراسة على أهمية دور رجال الدين في المسجد والكنيسة معًا، في محو الصورة الذهنية المرتبطة بارتباط الإرهاب بالدين، بالتوازي مع نشر التسامح الديني والتماسك بين الأديان، ومنح رجال الدين أدوارًا حقيقية داخل المجتمع، وتطوير المناهج التعليمية بما يتماشى مع محو الأفكار الهدامة، لتعزيز فهم الدين بشكل أكبر، وإعطاء "روشتة" للفرد في مواجهة المتطرف. علاقة الثقافة بالتطرف تؤكد دراسة أمريكية معَنْونة بـ"الثقافة والتطرف"، أن القيم الثقافية الصارمة والعادات والتقاليد البالية في مجتمعٍ ما تزيد من عوامل التطرف فيه، بمعنى أن عدم المساواة بين الجنسين وزيادة القمع وسوء استغلال السلطة والإرهاب وعدم استقرار هذا المجتمع سياسيًّا، يزيد احتمالات الانضمام لتنظيمات متطرفة عنيفة. في وقت ترى فيه دراسة أمريكية أخرى أن مكافحة الإرهاب عبر استخدام وسيلة "القتل الانتقائي"، كما جرى لقيادات الحركات "الجهادية" من قِبَل الإدارة الأمريكية لم تؤت ثمارها، ونتائجها تزيد من حالات التطرف في المستقبل، وربما تأتي بنتائج عكسية، كما جرى مع حالات القتل الانتقائي لعناصر تابعة لمنظمة الجيش الجمهوري في أيرلندا الشمالية. يؤكد -احد الخبراء - في تصريحاته أن "التعليم الجيد والترابط الأسري من الأمور المهمة والأساسية التي تُبنى عليها التربية النفسية للأطفال، وكذلك إعداد جيل واعٍ ومحصن ضد الأفكار المتطرفة، بمعنى أن مراعاة الآباء لأبنائهم في جميع مراحلهم العمرية، وتعرُّف توجهاتهم وطموحاتهم واحتياجاتهم، وإبعادهم كليًّا عن الخلافات الأسرية، يؤدي في النهاية إلى إنتاج جيل يمتاز بالصحة النفسية والوعي المبني على التعليم، ما ينعكس على المجتمع بشكل إيجابي". وبالعودة إلى دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد كان للبطالة دور مؤثر في الانضمام إلى تنظيم متطرف عنيف، إذ أكَّد 42% ممن انضموا طواعيةً لتلك التنظيمات أنهم دون عمل، كما أكد 42% منهم أنهم حصلوا على أموال مقابل الانضمام للتنظيم. المصدر: https://www.scientificamerican.com/arabic/
  5. بخلاف العديد من دول الساحل ودول غرب أفريقيا، كانت بوركينا بعيدة عن الحضور الإعلامي أو البحثي، كلما تعلق الأمر بالخوض في قضايا الإرهاب والحركات الإسلامية والتطرف العنيف، رغم أنها تقع في منطقة تعج بالحركات الإسلامية الجهادية، ومن شتى التنظيمات، المحلية (العرقية، والدينية) الدولية (من أتباع تنظيم "القاعدة" بداية وتنظيم "داعش" لاحقاً)، إلى غاية 2016، حيث سيُصبح اسم بوركينا فاسو حاضراً، وما يزال الأمر حتى اليوم، مع التذكير هنا أنّ حوالي 55 في المائة من السكان مسلمون. وبالنتيجة، تواجه بوركينا فاسو، شأنها شأن معظم دول منطقة الساحل بغرب أفريقيا، أزمة أمنية متزايدة نظراً لنشاط جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة و"داعش" وتنفيذها هجمات على الجيش ومدنيين رغم المساعدة التي توفرها قوات فرنسية ودولية. المشروع الإخواني هذا عن الحضور السلفي الجهادي، أما الحضور الإخواني، فإنه لم يتجاوز سقف الجمعيات الخيرية، رغم قلتها وتواضع أدائها، ومرده على الخصوص العمل الميداني التي قامت به طيلة عقود مجموعة من الجمعيات الخليجية، سواء كانت سلفية أم إخوانية، من قبيل النماذج التالية، وهي النماذج نفسها التي نجدها في باقي دول غرب أفريقيا، المعنية (الواردة في هذه السلسلة الأولية من التقارير): ــ "جمعية إحياء التراث الإٍسلامي"، وهي جمعية خيرية نفع عام تحت مظلة وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بدولة الكويت، أنشئت على يد مجموعة من رجال الكويت، حظيت بمباركة عبدالعزيز آل الشيخ مفتي الديار السعودية وغيره من العلماء مثل الشيخ عبد العزيز بن باز، وتوجد في أكثر من 42 دولة. ــ "مؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية" (راف)، وهي مؤسسة خيرية قطرية لديها مشاريع متنوعة عديدة داخل قطر وخارجها، توجد في أكثر من 97 دولة على امتداد القارات الخمس. ــ "جمعية العون المباشر"، وهي منظمة خيرية إنسانية كويتية، تقوم بأعمال تنموية تستهدف بها قارة أفريقيا، وتتخذ من الكويت مقراً لها، ويُعتبر التعليم من أكبر أولويات الجمعية ولهذا فهي تسير 840 مدرسة من رياض الأطفال إلى الجامعات، حيث تسعى الجمعية في التوسع في الجوانب التعليمية إلى أقصى حد، وتحلم بتأسيس جامعة في المجتمعات المهمشة في إفريقيا كل سنة، عبر دعم آلاف الطلبة الفقراء في الجامعات، ضمن مبادرات أخرى. بخلاف العديد من دول الساحل ودول غرب أفريقيا كانت بوركينا فاسو بعيدة عن الحضور الإعلامي أو البحثي وواضح أنه لا يمكن فصل المرجعية الدينية لهذه المنظمات الأهلية عن تأثير هذه الأعمال الخيرية في الدول الأفريقية المعنية بالمساعدات الإنسانية، كما لا يمكن فصل الأصل الدولاتي لهذه الجمعيات عن مشروعها الإيديولوجي، فبالنسبة لحالة جمعية "راف"، فإن مجرد قدومها من دولة تحتضن المشروع الإخواني في المنطقة، عبر تمويل ودعم ما يُسمى "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، يُفيد أن أفقها الميداني يصب في مصلحة المشروع الإخواني. حتى عقدين تقريباً، كانت بوركينا فاسو تضم مجموعة من المنظمات والجمعيات الإسلامية، من عدة مرجعيات، وخاصة من المرجعية الصوفية والسلفية، من قبيل الجمعية الإسلامية، جمعية أهل السنة المحمدية، الجمعية التيجانية، رابطة خريجي جامعات ومعاهد المملكة العربية السعودية، رابطة مثقفي العربية، جمعية إثبات الوحدة الإسلامية، جمعية الطلاب المسلمين في بوركينا. الخريطة الإسلاموية في النيجر: إرهاب يتغذى على الأزمات وقلة الموارد ولكن جرت تطورات لاحقة، أفضت إلى ظهور منظمات إسلامية أخرى، إما سلفية أو إخوانية، أو تابعة لمؤسسات إسلامية عربية (خليجية على الخصوص)، نذكر منها الجمعيات التي ظهرت منذ عقد تقريباً: مكتب لجنة مسلمي أفريقيا، مكتب الجمعية الإسلامية العالمية للدعوة، مكتب منظمة الدعوة الإسلامية العالمية (السودان)، من مرجعية إخوانية، والذي تم حله رسمياً في شباط (فبراير) 2021، وانتقل مقره إلى النيجر. المشروع الجهادي كان العام 2016 محطة مفصلية في ولادة الحالة الجهادية في بوركينا فاسو، حيث ستشهد ابتداء من تلك المحطة، تسارعاً في وتيرة العمليات المسلحة التي قامت بها جماعات جهادية منذ العام 2016؛ فبين 2018 و2021، تعرضت بوركينا فاسو إلى 328 هجوماً مسلحاً على الأقل، أسفرت عن سقوط مئات القتلى (453 قتيلاً على الأقل)، ومن بين هذه الاعتداءات: - حادث 26 أيلول (سبتمبر) 2018، حيث نفذت "جماعة أنصار الإسلام" هجوماً عنيفاً على كمين للشرطة الوطنية في مقاطعة سوم أودت بحياة 8 ضباط شرطة، بعبوة ناسفة. - واقعة 2 آذار (مارس) 2018، عندما تبنت الجماعة نفسها أعنف هجوم لها حينها، عندما استهدفت مقر القوات المسلحة والسفارة والمعهد الفرنسيين في العاصمة وأغادوغو، والذي أسفر حينها عن 28 قتيلاً وعشرات المصابين. - واقعة 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، عندما لقي نحو 15 شخصاً حتفهم، وأصيب آخرون في هجوم على مسجد في شمال بوركينا فاسو أثناء الصلاة. - في 26 نيسان (أبريل) 2021، قُتل صحفيان من بين ثلاثة أوروبيين على أيدي جهاديين بإقرار رئيس الوزراء الإسباني بعد هجوم استهدف دورية لمكافحة الصيد غير القانوني. بين عامي 2018 و2021 تعرضت بوركينا فاسو إلى 328 هجوماً مسلحاً على الأقل - في 5 حزيران (يونيو) 2021، تورط مسلحون في قتل حوالي 100 شخص في هجوم على قرية شمالي بوركينا فاسو، بإقرار الرئيس روش كابوري. يمكن حصر أهم الجماعات الجهادية هنا في التنظيمات التالية: "تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى"، "جبهة تحرير ماسينا"، وهي جبهة تابعة لتحالف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، و"جماعة أنصار الإسلام". وتعتبر هذه الأخيرة، أول جماعة إسلامية مسلحة تظهر في بوركينا فاسو، وقد تأسست الجماعة العام 2016 على يد الإمام والداعية الإسلامي مالام إبراهيم ديكو، الذي ولد في إقليم سوم، قرب حدود دولة مالي. الخريطة الإخوانية في السودان: الهروب إلى مشاريع إسلامية موازية ولد ديكو في أسرة صوفية مرابطية، ودرس في مدارس عامة وقرآنية في بوركينا فاسو ومالي. وبعد تخرجه، ذهب إلى النيجر للعمل في تدريس العلوم الدينية، حيث حصل على لقب "مالام"، تعني في العربية معلم حاذق للنصوص العربية والإسلامية، في عام 2009، عاد ديكو إلى بوركينا فاسو، وجاب الكثير من قرى إقليم سوم لدعوة الناس ووعظهم، والتفت حوله مجموعة من الأتباع والأنصار. لعبت "جماعة أنصار الإسلام" دوراً محورياً في حالة عدم الاستقرار التي عصفت بالجزء الشمالي من بوركينا فاسو؛ ففي الفترة بين عامي 2016 و2018، نفذت هذه الجماعة وحدها أكثر من نصف العمليات المسلحة التي ضربت البلاد. وتركزت هذه الهجمات في مقاطعة سوم الشمالية. تعرف إلى أبرز ملامح الخريطة الإسلاموية في الصومال وفي العام 2018 فقط، قادت جماعة أنصار الإسلام 64 هجوماً أدت إلى سقوط 48 قتيلاً في هذه المنطقة. إضافة إلى ذلك، ميزت الجماعة نفسها بتوجه سافر لقتل المدنيين الذين استهدفتهم عبر 55% من إجمالي عملياتها، وتعتبر هذا النسبة الأعلى على الإطلاق بين جميع الجماعات الإسلامية المسلحة في منطقة الساحل الأفريقي. وقد أجبرت هذه العمليات أكثر من 100 ألف بوركيني على النزوح وترك بيوتهم، كما أدت إلى إغلاق 352 مدرسة في سوم وحدها. تعتمد الجماعة على سردية التهميش والظلم الاجتماعي لجذب دعم أعضاء المجتمعات المحلية الساخطين على الأوضاع في هذه المنطقة، ورغم ذلك، يمثل أنصار الجماعة شريحة صغيرة من أعضاء المجتمع المحلي بوجه عام. لعبت "جماعة أنصار الإسلام" دوراً محورياً في حالة عدم الاستقرار التي عصفت بالجزء الشمالي من البلاد في غضون أيار (مايو) 2017، لقد مالام إبراهيم ديكو حتفه بسبب العطش والإنهاك بعد عملية عسكرية نفذتها قوات فرنسية وأفريقية مشتركة في منطقة الساحل ضد معسكر للمسلحين في غابة فولساري جنوب غرب مدينة جاو بمالي، التي تقع قرب الحدود المالية البوركينابية، وبعد موته، حل محله شقيقه جعفر ديكو، الذي اشتهر بحدة الطباع والعنف المفرط. وعلى خطى أخيه، خضع جعفر أيضاً لتوجيهات أمادو كوفا، زعيم "جبهة تحرير ماسينا" في وسط مالي. اشتهر جعفر ديكو بالافتقاد للجاذبية والكاريزما التي كان يتمتع بها مالام إبراهيم ديكو، وقد أسهم هذا التغير في القيادة بدرجة أو أخرى في حالة التفكك الداخلي التي ضربت الجماعة، مما أفضى إلى تراجع أنشطتها. وتشير التقديرات إلى أنّ الجماعة لم تعد تضم حالياً، سوى بضع مئات من المقاتلين الناشطين وشبكة من المخبرين والمؤيدين اللوجستيين الذين يتمركزون بين قريتي بولكيسي ونداكي في إقليم سوم سالف الذكر، في شمال بوركينا فاسو. الخريطة الإخوانية في موريتانيا.. براغماتية المكاسب من نتائج الحضور الجهادي في دولة كانت تُعرف بالاعتدال والتسامح، وفي وسط شعبي يتسم بالتفاؤل والأمل، أن اتجهت نسبة من السكان المحليين في المنطقة المحيطة بمقرات الجهاديين، إلى تفعيل مشروع "العدالة الأهلية"، عبر قيام ميليشيات مسلحة لا علاقة لها بالجهاديين، بالدفاع عن النفس، التي تشكلت في مجتمعات يُطلق عليها "مجتمعات موسي"، وهي طائفة عرقية تنتشر في غرب أفريقيا وتعود جذورها إلى ما يعرف الآن بدولة بوركينا فاسو، أما هذه الميليشيات، فيُطلق عليها اسم "كوجلويوجو"، حيث تمنح نفسها سلطة أخذ القصاص وتحقيق العدالة، في ذروة صعود الجماعات الإسلامية المسلحة من طينة "جماعة أنصار الإسلام"، وانعدام الأمن. وهذا ما تحقق فعلاً على أرض الواقع، حيث قامت هذه الميليشيات بتعقب المجرمين وقطاع الطرق، إضافة إلى تعقب الجهاديين، وكانت غالباً ما تنزل بهم عقوبات قاسية، كما قامت في بعض الأحيان بمهاجمة الأبرياء. وقد تم توجيه الاتهام إلى هذه الميليشيات في أحداث مذبحة ييرجو، التي وقعت في 1 كانون الثاني (يناير) 2019، وأودت بحياة ما لا يقل عن 49 من المنتمين إلى قبائل الفولاني في هجوم انتقامي بسبب ارتباطها المزعوم بالجماعات الجهادية. الخريطة الإخوانية في السنغال.. من الدعوة إلى السياسة موازاة مع ميليشيا "كوجلويوجو"، أعلن في كانون الأول (ديسمبر) 2019، عن تأسيس منظمة "متطوعون للدفاع عن الوطن"، وتتألف من عناصر مدنيين ينفذون مهام مراقبة وجمع معلومات وحماية إلى جانب القوات المسلحة، بعد تدريب عسكري لمدة 14 يوماً. وهم يعملون أيضاً في كشف المواقع وغالباً ما يقاتلون جنباً إلى جنب مع قوات الدفاع والأمن، ولم يسلم أعضاء هذه المنظمة من اعتداءات الجهاديين، منذ تلك الحقبة، حتى ربيع 2021، حيث أعلن في 14 نيسان (أبريل) 2021، عن مقتل ثمانية مدنيين منخرطين في الجمعية، المعنية بمؤازرة حملة مكافحة الجهاديين في بوركينا فاسو بكمين شمالي البلاد. ساهمت المساحات الجغرافية الشاسعة وغير المحروسة في تغذية الظاهرة الجهادية في بوركينا فاسو وفي دول الساحل عموماً ورغم الإنجازات التي قامت بها الحكومة البوركينابية خلال السنوات الأخيرة، من قبيل تأسيس "صندوق طوارئ" لمنطقة الساحل الأفريقي، بما في ذلك إقليم سوم، برأس مال 772 مليون دولار أمريكي، وذلك من أجل تطوير الحكم والإدارة المحلية في المنطقة، وهي مبادرات ساعدت في تقويض الدعم المحلي لـ"جماعة أنصار الإسلام"، وذلك من خلال محاربة سردية تهميش الدولة والاستغناء عن خدماتها، إلا أنه لا يزال هناك الكثير مما يجب إنجازه، حيث شكت منظمات المجتمع المدني من عدم إلقاء القبض على أي فرد في أعقاب الصدامات الإثنية [العرقية] الدامية التي وقعت في مدينة ييرجو في بداية العام 2019. إضافة إلى ذلك، تواجه القوات المسلحة البوركينابية ادعاءات بممارسة بعض الانتهاكات والقتل خارج نطاق القانون في العديد من القرى، التي تعرض مواطنوها لأعمال عنف من قبل الجماعات الإسلامية المسلحة. تعرف إلى الخريطة الإسلاموية في تونس هناك عامل مهم ساهم في تغذية الظاهرة الجهادية في بوركينا فاسو وفي دول الساحل عموماً، ألا وهو معضلة المساحات الجغرافية الشاسعة وغير المحروسة (على غرار ما عاينا في مرحلة سابقة مع تجربة الجهاديين في جنوب الجزائر وليبيا)، حيث توفر هذه الظروف الجغرافية، حرية كبيرة للجماعات المسلحة للمرور عبر حدود البلاد التي يسهل اختراقها. الخريطة الإخوانية في ليبيا.. هل يجدي الثوب الجديد؟ كما تساعد الهجرات الموسمية لرعاة المواشي من الفولاني على نشر الرسالة الجهادية من خلال صغار الرعاة. وغالباً ما يستهدف الجهاديون ممثلي الدولة وقوات الأمن وقوات الجيش لتعزيز روايتها عن التخلي عن الدولة، ونبذها، إلا أنّها تستهدف أيضاً المدنيين، بما في ذلك الزعماء المحليين الذين يعارضونهم. كما أنّ المدرسين معرضون للخطر بسبب معارضة الجهاديين الشرسة للتعليم العلماني الفرنسي، ما أدى إلى إغلاق مئات المدارس في الشمال والشرق إثر تهديداتهم وهجماتهم. وخوفاً على حياتهم، فرّ العديد من المدرسين، لكن الجهاديين استهدفوا المدنيين أيضاً.
  6. قُتل 15 جنديا ماليا وجُرح 34، نحو 10 منهم في وضع حرج، بعد تعرض قافلتهم لكمين دامٍ يشتبه بأن إرهابيين نصبوه أمس الخميس، وفق ما أعلن الجيش المالي. وقال الجيش في بيان إن "سيارة مفخخة انفجرت تبعها إطلاق نار كثيف" في هجوم وقع في وقت متأخر من الصباح، واصفا حصيلة القتلى بأنها "مؤقتة". وحمل مسؤول عسكري "الإرهابيين" مسؤولية الهجوم الدامي، وهو الوصف الذي يطلقه الجيش المالي على المتطرفين. ووقع الهجوم بالقرب من دوينتزا في منطقة موبتي التي يهيمن عليها الإرهابيون، على بعد 600 كيلومتر من العاصمة باماكو. النيجر في دوامة الإرهاب.. 37 قتيلا في هجوم قرب مالي وسيطر الإرهابيون المرتبطون بالقاعدة على شمال صحراء مالي أوائل عام 2012، قبل أن يتم طردهم عقب عملية عسكرية بقيادة فرنسا بدأت عام 2013. لكن مناطق شاسعة لا تزال رهينة انعدام القانون، على الرغم من اتفاق سلام وقع عام 2015 مع بعض الجماعات المسلحة التي سعت إلى القضاء على التهديد الإرهابي. وينشط العديد من الجماعات المسلحة في مالي ودول أخرى في منطقة الساحل ،وهي منطقة تمتد جنوب الصحراء من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، وأعلن بعضها المبايعة لتنظيمي داعش أو القاعدة الإرهابيين. ومنذ بداية العام، كثف المسلحون الاعتداءات الدموية ضد المدنيين في بانيبانغو، وهي منطقة غير ساحلية في شمال شرق منطقة تيلابيري، وتقع داخل ما يسمى منطقة الحدود الثلاثة بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي. وعلى مدار سنوات، شهدت المنطقة هجمات دامية لجماعات جهادية مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش. ومنذ بداية موسم الأمطار في يونيو، تستهدف الهجمات بشكل أساسي المدنيين العاملين في الحقول.
  7. كما للحب والجمال فلسفة، وكما للإيمان فلسفة هناك أيضا فلسفة للتكفير، وتستند هذه الفلسفة التكفيرية على أسس ومذاهب ومناهج ورؤى، ولكي نتعرف على هذه الفلسفة التكفيرية لتنظيمات الإسلام الراديكالي نحاول في هذه الورقة الولوج الى عالم واحد من اهم منظري هذه التنظيمات وواضعي الاسس الفكرية التي ينطلق منها التكفيريين ليس فقط في القاعدة بل ايضا في غيرها من التنظيمات الممتدة في أراضي العالم الإسلامي، من بيشاور إلى موريتانيا ومن شمال العراق الى وسط أفريقيا، البدايات كانت بدايات أبو مصعب في سوريا بتنظيم "الطليعة المقاتلة" والذي تنقل بعد ذلك ما بين العواصم العربية لتلقي التدريب والإعداد وبين العواصم الآسيوية والأوربية معلمًا وناشرًا لأفكاره وتنظيراته ليس فقط على المستوى الفقهي بل أيضا على المستوى العسكري، فلقد انكب أبو مصعب السوري خلال فترة الجهاد الأفغاني على دراسة الكتب الشرعية وخاصة كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، واهتم بتراث علماء السلف وكتب أئمة الدعوة النجدية، واهتم بمطالعة كتابات سيد قطب وعبد الله عزام، وتأثر بهما تأثراً بالغاً في منهجه وكتاباته، درس أبو مصعب أثناء وجوده في باكستان وأفغانستان في جامعة بيروت العربية في قسم التاريخ - بالمراسلة - وحصل على شهادة "ليسانس" في التاريخ من فرع الجامعة في عمان، كل هذا وغيره أهل الرجل لأن يكون مرجعًا لحركات الإسلام الراديكالي، وأيضا بما تميز به من جودة العلاقات بقادة هذه الحركات، حيث كانوا رفاق نضال في أفغانستان، كذلك ما يتميز به من قراءة تكاد تكون موضوعية إلى حد بعيد لما يدور حوله، وأنه ملتزم إلى حد كبير بعدم الافتاء فيما لا يعرف ويعايش حسب قوله في كتابه "أفغانستان والطالبان ومعركة الإسلام" فيقول "إن العالم المفتي لا تصح فتواه إلا بعلمين الأول علمٌ بواقعة المسألة وحالها وملابساتها، ثم علم بحكم الله في مثل هذه المسائل ثم يطبق علمه بحكم الله على علمه بواقع المسألة فيسدد بإذن الله ويصيب، وأما إن بُنِيَت الفتوى على جهل بأحد هذين الأمرين أو بكليهما فهذه هي الطامة" (ص 9) مؤكدا على أهمية معايشة الحدث لمناقشته بقوله "أن الفتوى السياسية الشرعية مثلها مثل كل فتوى شرعية وكل قول في دين الله مبنية على واقع يقتضي حكماً لله فيه، ولما كان واقع كثير من الفتاوى في دين الله كأحكام الطهارة والعبادات والبيوع والمواريث وسوى ذلك ثابتة، كان الأصل في تلك الأحكام والفتاوى أنها ثابتة ومفصلة، ولكن أحكام السياسة الشرعية في واقع البشر وحركتهم أفراداً وجماعات وأحكام الله في صراعاتهم السياسية والعسكرية ومواقفهم متوقفة على حكم الحال الذي هم فيه، فالأحكام والقواعد أصلاً ثابتة معروفة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الثقات والعلماء وفقهاء الأمة عبر تاريخها، ولكن لما كانت قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولما كان هذا التبدل والتحول في البشر يتدرج حتى يصل إلى أن الرجل يصبح مؤمناً ويمسى كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل، لهذا السبب الجوهري كانت الأحكام السياسية الشرعية المفروضة علينا اتخاذها تجاه فرد أو جماعة من البشر تتحول وفق القواعد والموازين الثابتة التي أشرنا إليها ولاءً وبراءً وما يتبع ذلك تبعاً لأحوال العباد، فمن أصبح مؤمناً أصبح وله حقوق على كل مسلم من الولاء والنصرة وغير ذلك وإن أمسى كافراً بات وفي أعناقنا واجباً من البراءة منه والعداء له وما يتبع ذلك وهكذا، فالثابت قواعد دين الله وأحكامه والمتحول هو أحوال وقلوب العباد فثبتت الأحكام وتحولت لذلك مواقفنا من الناس إلزاماً شرعياً لأنه حق الله وحق دينه،" (ص 7) هكذا نكون امام احد المهتمين بالواقع ومجرياته حسب مرجعيته الدينية التي ينطلق منها. السجن في التصورات القديمة رغم ما تقدم لم يكن أبو مصعب السوري متحررا بحال من مرجعيته الراديكالية التي استقاها من السيد قطب وابو الأعلى المودودي وعبد الله عزام وغيرهم من رموز هذا التيار فنجده في بدايات مناقشة الحرب الأمريكية على طالبان يرجع أسبابها إلى: o بسبب تطبيقهم لشريعة الله o بسبب إيواء المجاهدين ونصرتهم o بسبب تمردهم على النظام العالمي اليهودي الصليبي الجديد وان كانت هذه الاسباب ذات مصداقية بالنسبة له فليس من الضروري ان تكون صادقة بالنسبة للآخرين أو على أحسن الفروض أن تكون الأسباب الوحيدة، حيث إن كاتب هذه السطور وغيره الكثيرين من المعاصرين لهذه الحرب كذلك عدد لا باس به من المحللين العسكريين يرون أن الحرب على الطالبان هدفها الاساس سيطرة أمريكا على الثروات الطبيعية في أفغانستان حيث كشف الكاتب الأمريكي دونالد لامبرو الهدف الحقيقي للحرب الأمريكية على أفغانستان بقوله: "ربما يرى العالم أفغانستان كتلة من الجبال تعلوها الأتربة والدخان وتنمحي معالمها بين الأطلال المنتشرة في كل مكان، لكن الجيولوجيين كان لهم رأي آخر، فهم يرون أفغانستان عبارة عن ثروة طبيعية منحها الله تعالى إياها ودفن في ترابها أغلى الثروات الطبيعية التي لو توافرت في دولة أخرى لم تشهد كل هذه الحروب لكانت من أغنى الدول وأقواها على الإطلاق". لذلك فإن الحروب المتتالية التي ضربت أفغانستان كانت السبب الرئيسي في محو هذه الكنوز النادرة التي دفنها غبار الحرب وطوى الزمن صفحاتها تحت رمال الصحراء، ويؤكد فريق العلماء الأمريكيين من الجيولوجيين والجغرافيين الذين وضعوا خريطة تفصيلية لأفغانستان عقب أحداث حرب الاتحاد السوفييتي مع أفغانستان عام 1978 بقيادة العالم الجيولوجي والجغرافي (جاك شرودر) أن أفغانستان تملك أكبر مخزون في العالم من النحاس الأصفر، وتعد ثالث أكبر دولة تملك مخزونًا من الحديد الخام الذي يدخل في أغلب الصناعات الحديثة المدنية منها والعسكرية، وتعد أيضًا ثالث أكبر الدول التي تملك احتياطيًا من النفط والغاز الطبيعي في شمال البلاد وفي بعض أجزائها الجنوبية، وما يؤكد هذا تقرير نشرته نيو يورك تايمز 11يوليو 2010 تقول فيه " اكتشفت الولايات المتحدة ما يقرب من تريليون دولار في شكل ثروات معدنية غير مستغلة في أفغانستان، في كشف قد يؤدي لتغيير جذري في الاقتصاد الأفغاني، وربما الحرب الأفغانية نفسها " ونشر التقرير بعد ذلك على السي إن إن بتاريخ 14 يوليو 2010، هذا الجزء المهم الذي يغفله ابو مصعب السوري وغيره من مفكري وأعضاء الإسلام الراديكالي فبدلا من قراءة الواقع الحقيقي والأسباب الحقيقية للحروب التي تخوضها أمريكا في المنطقة بحجة الإرهاب انما تخوضها للاستحواذ على الثروات الطبيعية في هذه المنطقة لسد احتياجاتها على كافة المستويات هذا من ناحية ومن ناحية أخرى حتى يكون للأمريكان سيطرة حقيقية على أهم منابع الثروات في العالم، وهنا نستطيع القول إن وجود هذه الجماعات "الإسلام الراديكالي" هو الذي يعطي المبرر القوي للتواجد الأمريكي. ونكتشف هنا أن الذهنية الراديكالية الإسلامية وممثلها في هذا السياق "أبو مصعب السوري" قد أغلقت وسجنت نفسها في فتاوى قديمة أو فكرة قديمة يعيدون إنتاجها بشكل مستمر لإيجاد مبرر لوجودهم وهي فكرة "حرب الأديان " أو كما صاغها هنتجنتون في العقد الأخير من القرن الماضي في كتابه "صدام الحضارات"، ويعترف هو نفسه بعد ذلك في كتابه "التجربة الجزائرية " وهو عبارة عن مجموعة لقاءات مسجلة تم تفريغها فيقول في (ص6) "نحن مُقَدِّمين نفسنا للأُمَّة وللعالم وللأصدقاء والأعداء والأنصار بطريقة خاطئة جداً، وأن الإعلام الجهادي إعلام محصور للغاية وضيّق وسييء الخطاب إلى حدٍ كبير يعني جوهرهُ في كثير من الزوايا المعتمة وأسلوبُ وصولهِ خاطئ ويحتاج لإعادة صياغة فبدأت أفكر في عمل مكتب دراسات وإعلام في لندن أُعيد تقديم قضايا العمل المسلح فأسست مكتب للدراسات والإعلام سميته "مكتب دراسات صراعات العالم الإسلامي" ورغم ذلك لم يستطع ابو مصعب السوري ومركزه التحرر من حصار الفكرة المسيطرة "امتلاك الحقيقة ومحاربة الجميع لهم" لأنه كان يدور حول الفكرة ذاتها لا يستطيع تجاوزها. كتاب " أفغانستان والطالبان ومعركة الإسلام اليوم" يقدم أبو مصعب السوري في هذا الكتاب شهادة حية عن تجربته في أفغانستان ورؤيته لحركة طالبان وتقديراته للحرب الأمريكية عليها، فقد كان يعلم منذ بداية الحرب أنها حرب طويلة وممتدة ليس بسبب الثروات الطبيعية في أفغانستان كما أوضحنا بل بسبب الإسلام.. فيقول في هذا الصدد "وإن المعركة الأساسية ضد أفغانستان ومن فيها من الطالبان والجماعات الجهادية الإسلامية والعربية المستهدفة من النظام العالمي الجديد هذه المعركة المصيرية لم تبدأ بعد وإنما نعيش إرهاصاتها الأولى، وأنها ستكون معركة طويلة وحاسمة ليس بين الطالبان وبعض خصومهم في الداخل كما يتصور بعض السذج وإنما بين الإسلام الناهض في أفغانستان والمتمثل بحركة الطالبان وحلفائهم اللاجئين إليهم من القوى والرموز الجهادية من مختلف الجهات وبين النظام العالمي الجديد الذي ضم تحالفاً واضحاً من اليهود أرباب النظام الدولي والأمريكان وحلفائهم الصليبيين ونظام الروافض في إيران والقوى المرتدة العميلة في المنطقة لا سيما العربية بالإضافة لحلفائهم المرتدين والبغاة والمفسدين والجهال والبائعين لدينهم بدنياهم ودنيا غيرهم من بقايا أحزاب الفساد في داخل أفغانستان والذين اندس في سائرهم بقايا النظام الشيوعي السابق وعلى رأسهم ميليشيا دوستم وبقايا الخاد والاستخبارات وكوادر الشيوعية البائدة في أفغانستان". ويقسم كتابه إلى ثلاثة فصول وخاتمة تضمن الفصل الأول: توصيف للواقع الأفغاني الطالباني في معركته مع الأمريكان وحلفائهم من حيث الواقع السياسي لطالبان والمناوئين لهم داخل أفغانستان كذلك واقع بقايا المجاهدين العرب في أفغانستان وغيرها، ويتميز هذا الفصل بالسرد التاريخي للأحداث والوقائع والحبكة السردية التي تخدم اهداف الكاتب من حيث التدشين لمحتوى الحرب الدائرة وأنها "حرب على الإسلام" بما يؤهل القارئ للفصل الثاني والذي يحاول فيه مناقشة ثلاث قضايا : 1 - ما حكم الطالبان كحكومة في أفغانستان وبالتالي ما حكم أفغانستان اليوم وهل هي دار إسلام تجوز أو تجب الهجرة إليها 2 - ما حكم القتال إلى جانب الطالبان بصفتهم مسلمين على ما فيهم وقد وثب عليهم هذا النوع من الاحتيال العالمي عبر حلفائه المحليين بصرف النظر عن الضرورة عندنا في القتال معهم، هل يجوز أو يجب الدفاع معهم أم لا، 3 - ما حكم القتال إلى جانب الطالبان وقد لجأنا إليهم فآوونا ونصرونا فقصدهم المحتلين الكفار من صليبيين ويهود وشيعة وحلفائهم لأسباب عديدة من أهمها نصرتنا وإيوائنا، فهل ندافع عن أنفسنا معهم وعنهم لأنهم يُحاربون بسببنا وما حكم هذا القتال هل يجور أم يجب أم لا؟، وفي الفصل الثالث يستقصي الشبهات القائمة حول موضوع الطالبان والقتال معهم ويجيب عليها. o شبهات ذات صفة شرعية o شبهات سياسية أو واقعية من باب المصالح والاولويات، o شبهات تهويش وجدال لا شرعية ولا منطقية، فإلى الفصل الثالث والله المستعان. ومن خلال كتابه هذا وكتابات أخرى كثيرة يتضح للباحث المدقق أن أبا مصعب السوري وإن كان كثير الاطلاع على التجارب والأحداث وغزير القراءة والتعلم، إلا أنه مسجون ومقيد في ذهنية ابن تيمية وتلامذته " المودودي وسيد قطب وعبد الله عزام" فانه لم يخرج من هذه العقلية إلا فيما ندر، وإن كان استند الى بعض التجارب الشيوعية خاصة في كتابه " نظرية في حرب العصابات " والذي يعد من اهم كتبه التي تؤسس لجيل جديد من الراديكالية الإسلامية، نظرية حرب العصابات بشكل عام والذي يقول في مقدمته " قد لا يتوجب علينا أن نتفقَّه في فقه الزكاة والمعاملات المالية إذا كنا مفلسين لا نعمل في التجارة، أما كوننا نعمل في الحرب ونعمل في الجهاد و نعمل في هذه القضايا فيتوجب علينا أن نفقه أحكامها الشرعيّة وطريقتها البنيوية، أي كيف تعمل هذه الأمور". ويؤسس فقه حرب العصابات في هذا الكتاب حيث يؤكد انه لا يخرج عن ثلاث حالات: الحالة الأولى الاحتلال المباشر، مثل احتلال فرنسا للجزائر ومثل كل عمليات الاحتلال التي حصلت بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تقاسم العالم الغربي الدنيا خاصةً العالم الإسلامي، الحالة الثانية: حالة الاحتلال المستند لحكومة عميلة كستار شرعي، كما حصل الآن في أفغانستان، لما جاء الروس واحتلوا أفغانستان لم يدمروا الدولة نهائياً ويقولوا نحن نحكم أفغانستان وإنما جاءوا تحت غطاء الحكومة الشيوعية الأفغانية، الحالة الثالثة من حالات حرب العصابات، هي قيام العصابات ضد حكومة محلية ظالمة مستبدة، كما هو الحال في غالب بل كل بلدان العالم الإسلامي، ومعظم بلدان العالم الثالث. وفي هذه الحالة الثالثة يجيز بل يشرع ابو مصعب السوري الحرب على الحكومات المحلية ان كانت " ظالمة او مستبدة " من خلال وجهة نظر الجماعة، دون وضع تعريف عام للظلم والاستبداد او مفهوم تلك الجماعة، هذا من ناحية ومن ناحية اخري لم يذكر حال المواطنين الذين ينتمون لهذه الدولة وموقفهم من هذه الحرب. منتقلا بعد ذلك الى الاجراءات التي تتخذها الدولة لمواجهة حرب العصابات ويسميها " التكتيكات العامة في مكافحة حرب العصابات أو الحرب الجهادية" مثل افتتاح مراكز عسكرية قوية متمركزة في المدن الكبرى، قيام دوريات نظامية تجوب الشوارع الرئيسية، يقوم النظام بدوريات مفاجئة مباغتة أو كما يسموها(دوريات طيارة)، تقوم السلطات بتنظيم شبكة هائلة من العملاء والمخبرين: أن تمارس الدولة سياسة الإرهاب والبطش، عملية نزع السلاح من المدنيين، الحرب الإعلامية الموسعة لعزل المجاهدين والانفراد بهم، قطع مصادر التمويل والتموين عن العصابات، مطاردة قيادات ورموز العصابات ومحاولة اغتيالها، مفندا لهذه النقاط بخبرة عسكرية هائلة ومستندا إلى معظم تجارب الحرب على الإرهاب في المنطقة، منتقلا بعد ذلك إلى وضع تكتيكات وخصائص حرب العصابات الجهادية مستعينا بكتاب روبرت تابر "حرب المستضعفين" ومناقشا اياه حتى انه اوصى بقراءته لطلابه في بيشاور، ويناقش في هذا الجزء ايضا بعض النماذج في ايران ومصر. فنحن لسنا أمام فقيه ديني او شيخ يخطب في المسجد بما حفظ من آيات الذكر الحكيم أو من كتب السلف وحسب، بل أمام رجل اتخذ موقفا عدائيا من المجتمع ويحاول جاهدا دراسة كل جزئية وتفصيلة في حربه معه حتى يتحقق له النصر، وبدلا من دراسة غزوات الرسول وحروب التابعين كما كانت تفعل المدرسة القديمة الى السيد قطب جاء الجيل الجديد منفتحا على ثقافات مختلفة ولكنها في اطار الهدم وليس البناء فلم ياخذ من الحضارة الغربية الا ما ينفعه في مشروعه الحربي، فيأخذ عن جيفارا بتصرف انه لابد لقيادة الحركة الجهادية حسب قوله" اتبّاع سلسلة من التكتيكات العسكرية والإعلامية والتنظيمية لإنزال هذا الصراع ليكون قضية الناس جميعاً " هذا الغطاء الاعلامي الذي يجعل الناس تلتف حول هذه الفئة التي تشن الحرب على الدولة مستخدمين ما تيسر لهم من آلة الكذب باسم الدين للوصول الى اهدافهم وهذا يتجلى واضحا منذ ما اطلق عليه " ثورات الربيع العربي " من قبل الاخوان وغيرهم، ويستفيض ابو مصعب السوري في هذه الجزئية لأهميتها فيقول " ونحن كنُخبة وصفوة حركة إسلامية مقتنعين بمجموعة من المبادئ، التي قد تكون صعبة الفهم والإدراك من الإنسان العامي، كقضايا الحاكمية وقضايا السَلَف، فيجب أن نُلَخّص قضيتنا للناس بسلسلة من الأسباب، ابتداءً هي أسباب دينية ثم نأتي إلى أسباب منطقة وحتى أسباب عاطفية، قد يكون من المفيد إنك تقول له: شوف الدعارة، شوف الفجور، شوف كذا،" ويستند في هذه النقطة ايضا الى ماو تسي تونج يقول "إن الشعب بالنسبة للعصابات هو كالبحر بالنسبة للسمك"، يعني الجو العام الذي تستطيع فيه السمكة أن تعيش هو البحر، الشعب هو مثل البحر بالنسبة للعصابات، فهو مصدر التجنيد والتمويل والمعلومات يعني من أين نعوض من يسقطوا منا أثناء المعركة؟"، فلم يرى في ماو غير هذه الجملة ليصل من خلالها وغيرها الى تنظيراته المهمة (إن وصول الشعب أو أغلبيته الساحقة إلى القناعة بالقتال والمعركة وشرعيتها وعدالتها هو ما أطلق عليه منّظرو حرب العصابات اصطلاح المناخ الثوري)، وهذا هو ما تحاول تلك الجماعات حاليًا أن تفعله رغم ما تلاقيه من هزائم الواحدة تلو الأخرى. رغم استناد ابو مصعب السوري لمقولات جيفارا وماو إلا أنه يغفل جانبًا مهمًا جدا وهو أنه ينطلق من ذهنية منغلقة تحاول التأسيس للحاكمية وإقامة دولة الخلافة التي لم يكن لها وجود فعلي على الأرض، بل كانت دائما ما تعبر عن اتحاد رمزي للمسلمين، وكان استناد هؤلاء إلى مشروع إنساني عادل قابل للتحقق على أرض الواقع بغض النظر عن فشل التجارب أو نجاحاتها، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ووفقًا للذهنية المنغلقة التي يتبناها أبو مصعب السوري ومن معه، فإن هذا التحالف الدولي الذي حارب طالبان هو نفسه التحالف الذي كان يحارب جيفارا وماو ليس هذا فقط بل انه هو نفسه التحالف الذي ايد ومد يد العون بالسلاح والاموال والتدريب لقاعدة افغانستان ايام حربها مع الدولة السوفيتية، وكان يجب على ابو مصعب السوري لعلمه الغزير ان يتكشف وحده ان الحرب ليست على الإسلام كما يشير او يدعي ويحاول جاهدا ان يؤصل لهذا، مكفرا الحكام تارة والشعوب تارة أخرى بل هي حرب المصالح فالإرهاب بالنسبة لأمريكا هو ان تسيطر على ثروات طبيعية تريد هي امتلاكها ستكون إرهابي وقتها سواء كنت مسلما أو مسيحيا او بوذيا ففي الثروات دوما ما تتراجع الاديان حسب شريعتها. المصدر http://www.islamist-movements.com/
  8. قال الله تعالى في محكم التنزيل : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ , النساء/29 ، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا , رواه البخاري في الحديث رقم 5442 و مسلم في الحديث رقم 109 ..و في مضمار آخر في الصحيحين من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة.. و قد أجمع العلماء إلا أدعياء الفقه بأن الجهاد في سبيل الله المقصودُ به حماية الإسلام والمسلمين، و المنتَحر يُدمِّر نفسه و يدمر المسلمين و الناس أجمعين بمختلف إنماءاتهم ..بل إن الشريعة الغراء إعتبرت كل من يشهر السلاح لإخافة الناس وترويعهم ( بالمحارب ) و(المفسد في الأرض) واعتبرت هذا العمل حرباً على الله ورسوله وجزاؤه ما جاء في القرآن الكريم : {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .و يتخيل الإنتحاريون الذين حولوا الجهاد إلى قتل و ذبح وسلخ و حرق و إغراق و تدمير و تفخيخ أنهم بمجرد أن يكبروا و يسحبون الصاعق و يقتلون الأبرياء و المدنيين أنهم سينالون رضا الله متناسين قوله تعالى : إنما يتقبل الله من المتقين , و متناسين القاعدة المحمدية : لا يطاع الله من حيث يعصى .. ثم أين هي المصلحة الإسلامية و الربانية في قتل الشيوخ و العجزة و النساء و الرجال و الأطفال و حرق العجماوات و الجمادات ؟ أين ذهبت عقول هؤلاء الإنتحاريين الذين يستعجلون الذهاب إلى النار بأمرين : قتل أنفسهم , و قتل الآخرين , و أين مسمى الجهاد في القتل و الإبادة و كرنفال الموت ...و إذا كان القاتلون لأنفسهم و الذابحون لغيرهم بمختلف الوسائل لا حظ لهم من الفقاهة و علم الأصول و آليات الإستنباط ورد الفروع إلى الأصول , فمن هؤلاء الذين يغسلون أدمغتهم و يقدمون لهم القتل الفظيع على أنه جهاد و رفعة لكلمة الله ...إن جنون القتل الذي أصاب طائفة من شبابنا يتطلب جهادا فكريا و فقهيا لإعادة عقول المنتحرين إلى جادة الصواب و تحركا أقوى على الصعيد الإجتهادي و الشرعي لسحب الشرعية من عمائم الشيطان التي حولت القتل المجاني إلى جهاد في سبيل الله ..إن الشياطين باضت و فرخت في عقول الذين خطفوا الإسلام و حولوا الجنة إلى جغرافيا للأحمر القاني و الدم الزعاف ..بئس ما يحكمون , و بئس ما يفعلون ...يقول الله جل وعلا في كتابه العزيز: ] وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيما, وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً[(النساء:29- 30 .. و احزناه على من يفجر نفسه ليقتل الناس ظلما و عدوانا , يتخيل أنه سيذهب إلى الجنة , و إذا به سيجد نفسه في الدرك الأسفل من النار , ملعون في الدنيا و الآخرة .
  9. دفعت المتغيرات الدولية والإقليمية والذاتية قيادات تنظيم القاعدة إلى وضع مراجعات فى محاولة لترشيد وتطوير ما يسمى "العمل الجهادى" وكان من أبرز تلك المحاولات ما كشفت عنه "وثائق آبوت أباد" عن خطة أسامة بن لادن لإعادة تجديد القاعدة، وكذلك مثلت مؤلفات المنظر الأكثر تأثيرا فى صفوف القاعدة "أبو محمد المقدسى"، عن تراجعه عن كثير من أفكاره التى كان يسوق له من قبل فى كتابه "ملة إبراهيم" وسنتعرض لأهم ما جاءت به تلك المراجعات فى السطور القادمة. المراجعة الشاملة يمكن تعريف المراجعات الشاملة التى أجرتها بعض الجماعات بأنها هى "النقد العميق والجذرى لأفكار الماضى وممارساته، وصياغة نسق فكرى وأيديولوجى جديد منقطع الصلة بالقديم تتبناه تلك الجماعات أو الأفراد وذلك ليكون المحدد لمسارها فى الحاضر والمستقبل". المراجعات الجزئية فيمكن تعريفها على أنها "عملية نقد ذاتى أو تصحيح جزئى يقوم بها تنظيم أو فرد معين على تصوراته ومنطلقاته الأيديولوجية وكذلك الممارسات العملية التى صاحبت تلك التصورات والمنطلقات وذلك بهدف إعادة تصحيح المسار ومعالجة الانحرافات الجزئية ووضع أسس فكرية جديدة وأولويات جديدة أو مختلفة عن الأولويات والحتميات السابقة". أولا: نموذج من المراجعات الشاملة سيد إمام الشريف ووثيقة ترشيد العمل الجهادى نشرت العديد من الصحف ووسائل الإعلام، فى شهر نوفمبر من العام 2007، ما يسمى بـ(وثيقة ترشيد العمل الجهادى)، لسيد إمام الشريف المنظر الأول لما اصطلح على تسميته بتيار «الجهاد العالمى»، والذى يعد بمثابة المعلم لمعظم منظرى هذا التيار كأمثال أبى محمد المقدسى وأبى قتادة الفلسطينى. يحمل كاتب الوثيقة اسمين حركيين فى الأوساط "الجهادية" الدكتور فضل والدكتور عبدالقادر بن عبدالعزيز، وهو يعد أستاذ أيمن الظواهرى، زعيم تنظيم القاعدة، وأمير تنظيم الجهاد (المصرى) فى مرحلة من مراحله. تعتبر وثيقة ترشيد العمل الجهادى المراجعة الأولى للدكتور سيد إمام الشريف، حيث تبعها رد على كتاب أيمن الظواهرى "التبرئة" بوثيقة أخرى هى "تعرية التبرئة"، ويمكن تقسيم المادة التى تعرضت لها الوثيقة إلى قسمين: 1 - توضيح بعض ما فهمه الناس عن (د. فضل) "خطأً" من خلال كتبه السابقة. 2 - التراجع عن بعض الأفكار، والأساليب، والأحكام على الأشياء والأشخاص. القسم الأول: توضيح الكتابات السابقة كتب الدكتور سيد إمام عددًا من الملاحظات خارج متن الكتاب تحت عنوان «تنبيهات»، هذه التنبيهات تتعلق بمؤلفاته السابقة، والتى اشتكى فيها من الطريقة التى تعامل بها تنظيمى «الجهاد» ثم «القاعدة»، إذ حرفاها لاستخدامها فى أغراضهما التنظيمية. نورد بعض من هذه التنبيهات، حيث يقول الشريف: أ - إننى لست عالمًا ولا مفتيًا ولا مجتهدًا فى الشريعة، وما فى كتبى ليس من باب الفتوى وإنما هو مجرد نقل العلم إلى الناس، وهذا لا يشترط له بلوغ مرتبة الاجتهاد، فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: «ليبلغ الشاهد الغائب» متفق عليه، وفى الصحيح أيضًا قال: «بلغوا عنى ولو آية» رواه البخارى. ومعلوم أن من علم آية واحدة لا يكون من العلماء، ومع ذلك فهو مأمور بتبليغها، وأوضح من ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم: «نضر الله وجه امرئ سمع مقالتى فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» رواه الترمذى وحسنه، فدل هذا الحديث على أنه قد يحمل إنسان شيئًا من الفقه وهو غير فقيه، وهو مع ذلك مأمور بتبليغه، وما ذلك إلا لتوسيع دائرة نشر علوم الشريعة فى الناس. ب - فأنا لست عالمًا ولا مفتيًا، وكل ما فى كتبى هو نقل للعلم إلى الناس، وليس من باب الفتوى، والفرق بينهما أن العلم يُكتب لكل الناس فى كل زمان ومكان كما كتب أسلافنا العظام رحمهم الله وما زلنا نتتلمذ على كتبهم، أما الفتوى فهى اختيار ما يناسب من هذا العلم العام لواقع معين، أى لأناس معينين فى مكان معين وزمان معين، فالفتوى هى معرفة الواجب فى الواقع. وما يظهر فى كتبى أنه من باب الفتوى فهو من آرائى الخاصة التى لا ألزم بها أحدًا، وهى ما رأيته الحق إلى وقت كتابتها، فإذا وجدت خيرًا منها بالدليل الشرعى الصحيح السالم من المعارض تركت رأيى لما هو أحسن منه امتثالاً لقـول الله تعالى: (… فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (الزمر:17، 18)، جعلنا الله وإياكم منهم. ج - كل ما فى كتبى من أحكام شرعية هى من باب الحكم المطلق وليست من باب الحكم على المعينين، والفرق بينهما: أن الحكم المطلق هو حكم على الفعل الذى هو سبب الحكم، أما الحكم على المعين فهو حكم على الفاعل، أى تنزيل الحكم المطلق على فرد أو أفراد معينين، وهذا يحتاج بعد معرفة الحكم المطلق (على الفعل أى السبب) إلى النظر فى شروط الحكم وموانعه فى حق المعينين، بحسب قاعدة (يترتب الحكم على السبب إذا توفر الشرط وانتفى المانع)، وهذا فى الأغلب الأعم، فلا يجوز تنزيل ما فى كتبى من أحكام على المعينين بدون مراعاة هذه القاعدة من المؤهلين للنظر فى ذلك. د - لم أكتب كتبى لأجل جماعة معينة، وإنما لكل الناس من المسلمين وغيرهم، وهم (أمة الدعوة)، دعوة النبى صلى الله عليه وسلم كما ذكرته فى البند الأول، وكذلك لم أكتب هذه الوثيقة لنقد جماعة أو أفراد معينين، وإنما هى مسائل فقهية عامة بأدلتها الشرعية للتنبيه على مخالفات جسيمة ترتكب بدعوى الجهاد فى سبيل الله. ولا يجوز الاحتجاج بشىء من كتاباتى لارتكاب مخالفات شرعية فأنا لا أقول بذلك، وأى شىء فى كتاباتى يخالف الشريعة فأنا راجع عنه. هـ - نظرًا لما تعرضت له كتاباتى السابقة من أعمال لا أخلاقية من التحريف والتغيير والسطو والاختصار المخل، فلا يجوز لأحد أن ينشر شيئًا من كتاباتى إلا بإذنى، وحسبنا الله هو نعم الوكيل. القسم الثانى: التراجع عن بعض الأفكار أ - النهى عن الخروج على الحكام فى بلاد المسلمين: يسرد الشريف كلام ابن تيمية فى منهاج السنة النبوية عن إن: «الخروج على أئمة الجور كان مذهبًا قديمًا لأهل السنة، ثم استقر الإجماع على المنع منه». ويعتبر كذلك أنه من النهى الخاص الوارد فى المنع من الخروج على السلطان حديث: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإن من خرج على السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية» (متفق عليه)، ولم يرخص النبى صلى الله عليه وسلم فى الخروج إلا إذا كفر السلطان، لحديث عبادة، وفيه: «وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (متفق عليه)، قال ابن حجر هنا: «إنما تجب مجاهدته على من قدر، ومن تحقق العجز لم يجب عليه القيام فى ذلك» انتهى. وبحسب الشريف فهناك فرق بين العلم بكفر السلطان وبين وجوب الخروج عليه، فلا يجب عند العجز أو إذا غلبت المفسدة فى الخروج، والفقيه يجب عليه أن يختار أهون الشرين وأخف الضررين. ب - النهى عن التعرض بالأذى للأجانب والسياح فى بلاد المسلمين: وهذا بخلاف ما عرف من فتاوى المنظرين للتيار التكفيرى الذى يأخذ بمفهوم التترس، ويعتبر الشريف أن هؤلاء السياح أو الأفراد الأجانب مستأمنون، «والأمان متفق بين العلماء على أن كل قول أو إشارة فهم منها الأجنبى أنها أمان فهو آمن، حتى لو لم تكن هذه الكلمة أو الإشارة تعنى فى حقيقتها الأمان، وهذا هو هدى الخلفاء الراشدين والصحابة رضى الله عنهم». ج - نهى مَن دخل البلاد الأجنبية بإذن حكومتها عن الغدر بهم: وهنا يورد الشريف سببين لمنع «العمليات الجهادية» فى دار الحرب، وهى لا تجوز لسببين وفقًا له: 1 - انتشار المسلمين فى معظم بلاد العالم، ولا يجوز قتل المسلمين المختلطين بالكفار بدعوى التترس؛ لأن قتل المسلم ليس فى إجازته نص، وإنما هو اجتهاد، ولا يجوز إلا للضرورة. 2 - أن من دخل بلاد الكفار بأمانهم لا يحل له أن يخونهم فى شىء، لحديث: «إنا لا يصلح فى ديننا الغدر». د - النهى عن قتل المدنيين فى بلاد المسلمين: فالناس فيهم مستور الحال، ومن هو ظاهره الإسلام، أو لم يظهر منه ما ينقض إسلامه، فهذا معصوم الدم والمال طبعا، و«مجهول الحال» وهو من لم يظهر منه ما يدل على إسلامه أو كفره، وهذا من مواضع التبين الواجب ويجب الكف عنه. فالناس فيهم المسلم وغير المسلم ومستور الحال ومجهول الحال، وإذا اتلط الحلال بالحرام يحرم الكل لحديث: «لايزال المسلم فى فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» (رواه البخاري)، قال ابن تيمية: «لم يقل أحد من علماء السلف بتكفير الشيعة فى الجملة..» انتهى من منهاج السنة. هـ - من ضوابط التكفير فى الشريعة: يرى الشريف أن التكفير حكم شرعى يستلزم النظر فى فعل المكلف، والنظر فى النص القاضى بكفر من فعل هذا الفعل، هل هو نص صريح فى الكفر الأكبر أم محتمل؟ ومن هذا نصوص نفى الإيمان، فهى ليست قطعية فى الكفر، من قبيل عبارة «لا يؤمن أحدكم حتى..»، ونحو ذلك من الأحاديث. ومن ذلك أيضًا النظر فى حال المكلف، من حيث خطئه أو نسيانه أو وقوع إكراه عليه، أو انطباق حالة الجهل المعذور صاحبه عليه. ومن ذلك أيضًا النظر فى مسألة استتابته؛ لأن له الحق فى التوبة. وكذا النظر فى مدى القدرة على معاقبته، وهذه لا تكون إلا مع التمكين، وكذلك النظر فى المصلحة والمفسدة المترتبة على معاقبته. و - معاملة أهل الكتاب المقيمين فى بلاد المسلمين: يرى الشريف أنه لا خلاف بين العلماء على وجوب معاملتهم بالحسنى وعدم إيذائهم. ز - نصيحة لأتباع الجماعات الإسلامية ولعموم المسلمين: يحث الشريف أتباع الجماعات الإسلامية على تعلم دينهم ثم العمل به. ثانيا: نموذج من المراجعات الجزئية مراجعات أبومحمد المقدسى تأتى أهمية مراجعات أبومحمد المقدسى كون صاحبها أبرز المنظرين المعاصرين للجماعات الإرهابية وخاصة تنظيم القاعدة وذلك حسبما جاء فى كتاباته الأولى وعلى رأسها «ملة إبراهيم». جاءت تلك المراجعات فى عدد من الكتابات والرسائل التى وجهها المقدسى إلى أنصار التنظيمات الإرهابية وأبرزها «وقفات مع ثمرات الجهاد»، و«الرسالة الثلاثينية فى التحذير من الغلو فى التكفير» و«رسالة مناصرة ومناصحة». 1- وقفات مع ثمرات الجهاد يأتى كتاب «وقفات مع ثمرات الجهاد» كأبرز كتابات أبومحمد المقدسى ضمن المراجعات السلوكية للتنظيمات الإرهابية، وقد شمل الكتاب فى سطوره مراجعات جزئية وليست شاملة لأفكار المقدسى وذلك فى ضوء ما يراه الكاتب تصحيح لمنهاج وسلوك الجماعات «الجهادية» وتحقيق الأهداف الأسمى لها. وقد حوى الكتاب العديد من الأفكار والتحذيرات نعرض منها ما يلى: أ – التحذير من الإفراط فى مسألة التترس (الاحتماء بدروع بشرية). سلك المقدسى فى ذلك نهجًا يميل إلى النقد الصريح للسلوك المتبع من قبل التنظيمات «الجهادية» والانحراف الذى انتهجته تلك الجماعات. فى البدء يذهب المقدسى إلى الانتقاد الشديد للإفراط فى تنفيذ العمليات التفجيرية والغلو فى مسألة التترس، وبناءً على ذلك ندد المقدسى بالعمليات التى تستهدف الأسواق والمجمعات السكنية والسفارات والحافلات، منكرًا على الإرهابيين تبرير قتل المسلمين أثناء تنفيذ تلك العمليات، معتبرًا ذلك خروجًا عن الشرع ومشروعية الجهاد، مؤكدًا على حرمة وعصمة دماء المسلم مهما عظمت الأهداف والغايات. ب – التحذير من تفجير المساجد والمناطق الرخوة ندد المقدسى أيضًا بخطورة استهداف المساجد والمصلين وخاصة مساجد الشيعة، وكذلك تفجير الحافلات والكنائس وقتل السياح العجائز ومندوبى هيئات الاستغاثة وكذلك تفجير صالات السينما والمتنزهات والنوادى الرياضية، معتبرًا ذلك من سفاسف الأهداف وأن هؤلاء لا يراعون فى تنفيذ تلك العمليات مصلحة الدعوة والجهاد والإسلام، مؤكدًا على أن لجوء تلك الجماعات إلى مثل تلك العمليات فقط لكونها سهلة المنال فليس لها بالشرع أى صلة تذكر. ج – التحذير من عمليات الاحتطاب هاجم المقدسى تبرير بعض الإرهابيين لعمليات السرقة والسطو والإغارة على بعض المحلات التجارية التى تتم تحت دعاوى الجهاد، يقول المقدسى فى ذلك «فليتق الله المنتسبون لهذا الدين أن يصير هدف جهادهم أو قتالهم مجرد جباية الأموال دون الالتفات إلى كونها حلالا أم حراما. وليعلموا أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولو كانوا فجارا معصومة بعصمة الإسلام لا يجوز استحلالها». د – التحذير من المغالاة فى تجنيد النساء فى نفس السياق حذر المقدسى من الإفراط بشحن نساء المسلمين بالحماس الأجوف ليزج بهم فى أعمال قتالية أو تنظيمية وذلك بسبب ما يتعرضن له أثناء التحقيقات أو فى السجون، وفى ذلك يقول المقدسى «الزج بنساء المسلمين لغير ما ضرورة فى أعمال قتالية أو جهادية أو تنظيمية او غير ذلك من المهمات التى يمكن أن يتولاها الرجال أمر لا يهجم عليه من يعرف واقع اليوم الإجرامى الكفرى». هـ - التحذير من ذبح الأسرى المدنيين رفض المقدسى من باب النظر فى الجائز والأصلح عدم اللجوء إلى ما تتبناه الجماعات الإرهابية من ذبح الأسرى الأجانب المدنيين لدى تلك الجماعات، داعيا إلى نهج أسلوب آخر يعتمد على تبادل هؤلاء الأسرى بدلا من قتلهم. 2 - رسالة المناصحة والمناصرة تأكيدا على ما جاء فى كتابه «وقفات مع ثمرات الجهاد» أرسل المقدسى رسالة لا تبتعد فى مضمونها عن هذا الكتاب إلى أبومصعب الزرقاوى قائد تنظيم القاعدة بالعراق تحت عنوان «المناصحة والمناصرة»، وذلك فى أعقاب انتشار ما سماه المقدسى الفوضى العارمة تحت دعاوى الجهاد وذلك جراء الإفراط فى تفجير السيارات أو وضع العبوات الناسفة فى طرقات العامة وقذف قذائف الهاون ونحوها فى الشوارع والأسواق وغيرها من تجمعات عوام المسلمين. حذر المقدسى الزرقاوى من التساهل فى انتهاك عصمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ولو كانوا عصاة، وكذلك حذر من التورط فى اختيار وسائل غير مشروعة كما سماها أو أدوات مخالفة ومنها على سبيل المثال عمليات خطف أو قتل بعض المنتسبين للإسلام بمسوغات غير شرعية كدعاوى العمل عند الكفار. نهى أيضا المقدسى من التجاوز والتعدى بقصد قتل أو خطف من لا يحل قتله من نساء وأطفال بعض الأعداء، سواء لعصمة أولئك النساء والأطفال بالإسلام، أو عصمتهم بالأنوثة والطفولة، كما حذر من تنفيذ العمليات الانتحارية بشكل عام معتبرا إياها بأنها مناقضة لدعوة التوحيد والجهاد. حذر أيضًا المقدسى أتباعه من الإفراط فى استهداف غير المقاتلين من أبناء الشعوب من الطوائف الأخرى، فضلا عن النهى فى استهداف الكنائس ودور العبادة، فيما شدد على ضرورة الابتعاد عن استهداف عموم الشيعة وأن استهدافهم ليس من السياسة الشرعية فى شىء. 3- الرسالة الثلاثينية فى التحذير من الغلو فى التكفير تأتى «الرسالة الثلاثينية فى التحذير من الغلو فى التكفير» كأبرز الأدبيات التى طرحها المنظر أبومحمد المقدسى فى إطار تصحيحه لمنهاج العمل داخل الجماعات «الجهادية»، خاصة فيما يتعلق بالأركان الرئيسية التى أسست عليها تلك الجماعات أساسها الفكرى والأيديولوجى والسلوكى وهى قاعدة «التكفير». سعى المقدسى فى كتابه إلى التحذير من مسألة الغلو فى التكفير، وعمل على وضع أسس وضوابط وشروط لإطلاق أحكام التكفير، وبالرغم من أنه لم يتعرض لمسألة تكفير الأنظمة والحكام بشكل مباشر إلا أن الكتاب يمثل قيدا على مسألة التكفير فى قضايا متعددة نورد بعض منها حسب نص المقدسى كالآتى: - من الأخطاء الشائعة فى التكفير أيضا التكفير لمجرد مدح «الكفار». أو الدعاء لبعضهم دون تفصيل، وعدم العذر بالجهل فى ذلك، والتفريع عليه بعدم جواز الصلاة خلف كل من دعا «للطواغيت». بأى نوع من الدعاء. - من الأخطاء الشنيعة فى التكفير أيضًا؛ تكفير من لم يبايع إمامًا معينًا استدلالًا بما رواه مسلم فى صحيحه: (من مات وليس فى رقبته بيعة مات ميتة جاهلية). - من الأخطاء الشائعة فى التكفير إطلاق قاعدة (من لم يكفر الكافر فهو كافر) دون تفصيل. - من الأخطاء الشنيعة فى التكفير أيضاً تكفير كل من عمل فى وظائف الحكومات «الكافرة». - من الأخطاء الشائعة فى التكفير أيضاً تكفير كل من اضطر إلى اللجوء إلى المحاكم فى هذا الزمان أو حوكم إليها أو استعان «بالطواغيت». وأنصارهم لدفع صائل أو للتخلص من مظلمة أو تحصيل حق فى ظل عدم وجود سلطان لحكم الله فى الأرض. - من الأخطاء الشائعة أيضاً.. عدم التفريق فى التكفير بين متابعة النظام الإدارى والاحتكام إليه، وبين الاحتكام إلى التشريعات «الكفرية»... حتى إن بعض غلاة المكفرة وجهالهم يكفرون كل من التزم بأوامر أو تعليمات أو لوائح الدوائر أو المؤسسات والشركات وأنظمتها الإدارية. - من الأخطاء الشائعة فى التكفير أيضاً تكفير عموم المنتخبين لنواب البرلمانات بل والبلديات ونحوها دون تفصيل أو اعتبار للقصد والخطأ.. ودون إقامة للحجة. - من الأخطاء الشائعة فى التكفير أيضاً عدم العذر بالجهل فى المسائل الخفية ونحوها من المسائل التى تحتاج إلى تعريف وبيان أو التى لا تعرف إلا من طريق الرسل.. - من أخطاء التكفير أيضاً تكفير كل من خالف الإجماع دونما تفصيل ودون مراعاة ما يكتنف الإجماع وإمكان انعقاده، وإمكان العلم به وثبوته وحجيته بنوعيه الصريح منها والسكوتى؛ من خلاف معلوم عند كل مطلع على كلام المحققين من علماء الأصول. - من الأخطاء الشائعة فى التكفير أيضاً عدم التفريق بين البدع المكفرة وبين غيرها من المعاصى أو بدع الفروع. - من الأخطاء أيضا؛ تكفير كل من لم يُكفّر «الطواغيت»، بدعوى أنه لم يحقق التوحيد لأنه لا يكفر بهم.. - من الأخطاء فى التكفير أيضا تكفير المخالفين لمجرد انتمائهم إلى جماعات الإرجاء.. - من الأخطاء فى التكفير أيضاً إطلاق حكم التكفير ولوازمه على أزواج وأولاد العساكر والقوانين أو نحوهم من «المرتدين» وعدم مراعاة حال الاستضعاف. ثالثًا: خاتمة وتوصيات تمثل قيادات التنظيمات الإرهابية بالنسبة للأتباع كأولى أمر ينصاعون إلى كتاباتهم ومؤلفاتهم بشكل أو بآخر باعتباره دستورًا لا يجوز الانحراف عنه، ومن ثم فإن المراجعات أو المبادرات الفكرية لإعادة تصحيح المسارات دوما ما تحقق عددًا من الأهداف والنتائج داخل صفوف تلك الجماعات كالآتى: - تمثل المراجعات سواء كتبت من داخل السجون أو خارجها عبئًا فكريًا على أنصار الجماعات الإرهابية التى ما زالت منضوية تحت لواء تلك التنظيمات ومن ثم تعمل على إحداث خلل ولو جزئى أو فردى داخل تلك التنظيمات. - ترجح تلك المراجعات من إمكانية حدوث مزيد من الانشقاقات بين بعض أفراد تلك التنظيمات خاصة لو كانت تلك المراجعات صادرة من قيادات بارزة. - تستخدم تلك المراجعات كمحاولة لكشف زيف وبطلان حجج الإرهابية والتى تستخدمها فى عمليات التجنيد. - إرهاق كاهل الجماعات الإرهابية والقيادات بمزيد من الخصومات والصراعات الفكرية. يوصى فى نهاية المطاف بضرورة وضع برنامج شامل يشجع على مزيد من المراجعات الفكرية الشاملة على غرار ما تم من مراجعات للجماعة الإسلامية فى أواخر تسعينيات القرن الماضى والترويج لتلك المراجعات إعلاميا واستقطاب كبار القيادات السلفية الجهادية ومن داخل تلك التنظيمات لوضع مزيد من تلك المراجعات.
  10. رأى الدكتور أسامة الأزهرى أن الحاكمية هى الفكرة المحورية التى تأسست عليها بقية مفاهيم التيارات الإسلامية، والجذر الذى نهضت على أساسه منظوماتهم الفكرية بكل مقولاتها، ومفاهيمها، وفروعها، فانبثقت منها فكرة شرك الحاكمية والوعد الإلهى والجاهلية، وفكرة المفاضلة والتمايز الشعورى بين الفئتين، وفكرة الاستعلاء من العصبة المؤمنة على الجاهلية وأهلها، وفكرة حتمية الصدام بين الفئتين، والتمكين، وإلى آخر شجرة المفاهيم التى نتجت من قضية الحاكمية. يقول «الأزهرى»: عند التفتيش عن الخيط الناظم لهذه الأطروحات، تجد كتب «فى ظلال القرآن»، و«معالم على الطريق» لسيد قطب، الذى بنى فكرته عن الحاكمية على فهم مغلوط لقوله تعالى: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، فصالح سرية، وشكرى مصطفى، ومحمد عبدالسلام فرج، وتنظيم الجهاد، انتهاءً بـ«داعش»، انبثقوا من كتاب سيد قطب، ونحن فى غنى عن التنبيه بأن شخص سيد قطب فى ذاته لا يعنينا، فقد مضى إلى دار الحق، وهو بين يدى الحكم العدل، لكن الذى يعنينا أطروحاته فى فهم القرآن، ومقدار ما فى تلك الأطروحة من تهجم على حرمة الوحى الشريف وإلصاق الأفهام المغلوطة به، على نحو افتقدت معه مقاصد الشريعة، واستباحت به تلك الفئات تكفير عموم المسلمين، ثم رتبوا على التكفير تعمد الإضرار بهم، فنضع تلك الأطروحة تحت مجهر الفحص بغرض إزالة ما تم إلحاقه بالشرع من فهم مغلوط. «قطب» خالف اعتقاد عموم المسلمين الثابت بأن أهل الإسلام لا يرجعون كفاراً.. ونظرية «الجاهلية» عنده قائمة على عدد من الافتراضات المغلوطة المشوشة وتنتهى بالتكفير ويضيف: أخذ «قطب» أطروحاته من أبوالأعلى المودودى إلا أنه طورها، حيث يقول القرضاوى فى مذكراته: «فى نظر سيد قطب كل المجتمعات القائمة فى الأرض مجتمعات جاهلية»، كذلك يرى تكفير الشخص بعدم إجراء الأحكام الشرعية حتى وإن كان مؤمناً بها أو لا يتمكن من إجرائها لعارض من العوارض، مشيراً إلى أنه مذهب غريب جداً، فى غاية التشدد والتضييق، مسارع فى التكفير بعد أن زاد فى أمور الاعتقاد والإيمان أمراً جديداً مثل الخوارج وسمّاه «الحاكمية»، فمذهب علماء المسلمين جيلاً بعد آخر وكذا الصحابة على خلاف ذلك، فقد ذهب الجميع إلى أن الآية تعنى أن من لم يحكم بما أنزل الله جاحد كون تلك الأحكام وحياً حقاً، فهذا كفر دون شك، أما من أقر أنها حق ووحى وأمر إلهى لكنه تعذر عليه تطبيقها فليس بكافر. وسرد «الأزهرى» عدداً من آراء العلماء الموضحة للأمر، حيث أورد تفسير الإمام الفخر الرازى، الذى قال: «من عرف بقلبه كونه حكم الله، وأقر بلسانه كونه حكم الله فهو حاكم بما أنزل الله وإذا كان تاركاً له فلا يلزم دخوله تحت الآية»، وقال حجة الإسلام أبوحامد الغزالى، فى كتابه المستصفى فى معرض تفسيره للآية: «ومن لم يحكم بما أنزل الله مكذباً به، وجاحداً له»، والإمام ابن عطية الأندلسى الذى قال: «وليس حكام المؤمنين إذا حكموا بغير الحق فى أمر بكفره بوجه»، ونقل عن الصحابة ابن عباس وابن مسعود ومن التابعين إبراهيم النخعى والشعبى وعكرمة وقتادة وعطاء ثم الإمام الطبرى. وفسر الأزهرى خطأ «قطب» بقوله: «إن قطب أعرض عن تجربة علماء الإسلام فى فهم الوحى عبر تاريخ المسلمين، وتجاهل مناهج الفهم عندهم، بل جعل النتاج الفكرى لأمة الإسلام ثقافة جاهلية فقد عزل نفسه عن مناهج أهل العلم فى فهم القرآن». وأورد «الأزهرى» تحذير النبى من هذا المسلك التكفيرى أشد التحذير، فعن حذيفة قال، قال رسول الله (إِنَّمَا أَخْوَفُ ما أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئاً لِلْإِسْلَامِ، غَيَّرهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْره، وَسَعَى عَلَى جَارهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ)، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِى؟ قَالَ: (بَلِ الرَّامِى)»، وهو ما يوضح انحراف العقول وحيرتها وتخبطها فى فهم القرآن ولصق الأهواء والأفكار المنحرفة بها، والتى حولت دين الله من الرحمة والراحة إلى إراقة الدماء. وعرض «الأزهرى» جدولاً للصحابة والعلماء الذين خالفهم قطب بفهمه المختل للآية، أورد فيه أسماء 30 منهم، بدءاً من ابن عباس حتى الشيخ محمد متولى الشعراوى، ثم أورد عدداً من الأحاديث وأقوال العلماء حول خطورة التكفير وحمل السلاح والأفكار التى تؤدى بالناس إلى هذا الطريق. وسرد «الأزهرى» فى كتابه مناظرة الصحابى عبدالله بن عباس مع الخوارج حول آية «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»، فيقول: «هناك قضايا عدة، القضية الأولى أن ابن عباس سعى إليهم ولم ينتظر أن يسألوا مما يفيدنا بأن يكون فى مؤسساتنا مرصد يتابع عن كثب كل ما يطرأ عندنا من تيارات فكرية، ثم اعتصار الأفكار وبيان وجوه مناقشتها، والقضية الثانية أن ابن عباس لبس حلتين من أجود حلى اليمن فأراد أن يلفت انتباههم ويستفز فيهم النظر إلى غياب جماليات الهدى النبوى وافتقاد شمائله التى يتعين على فهم أحكامه وفقهه وإدراك مقاصده، والثالثة أنه شرع فى التذكير بمواضع القوة فى منهجه ومواضع النقص فى منهجهم، والرابعة دوام الرصد والمتابعة، والخامسة أن ابن عباس تعرض لمدخل جليل وهو حصر المقولات المركزية التى تنبنى عليها نظريتهم وتتشيد على أساسها أفكارهم ثم استوثق منهم أن هذه المقولات هى التى عليها المعول عندهم ثم يضع قولهم على ميزان العلم ويبرز الفهم الصحيح، والقضية الأخيرة هى القضية المركزية التى انطلقوا منها وهى الحاكمية، وهى أيضاً القضية المركزية التى انطلقت منها التيارات المتطرفة فى زماننا، ما يدل على أننا أمام منهج فكرى واحد له السمات والصفات والخصائص نفسها لكنه يظهر فى كل زمن وباسم وهيئة تتبنى الفكرة نفسها. 30 عالماً واجهوا أفكار «منظّر الإخوان» فى تفسير «الحاكمية» أبرزهم «ابن عباس والشعراوى»
  11. حالة من الصدام والتوتر تشهدها العلاقة ما بين الرئيس التركي رجب أردوغان وحلفائه من إخوان ليبيا، بعد فشلهم في تحقيق أي مكسب سياسي داخل البلاد وتراجع شعبيتهم وتلاشي نفوذهم، بما يهدد مصالح تركيا داخل الأراضي الليبية ويضع أهداف أردوغان على المحك. وشهدت الأيام الماضية تصعيدا للخلاف من جانب أردوغان ضد قيادات الإخوان، للضغط من أجل إعادتهم إلى مربع النفوذ، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المزمع عقدها في ديسمبر المقبل. ويرى الخبراء أن سقوط الإخوان في تونس ألقى بظلاله الثقيلة على الجماعة في ليبيا، لذلك يسعى أردوغان لاستغلال عناصر التنظيم من أجل توطيد موطن تواجده الأخير في المنطقة، حفاظاً على ما تبقى من مشروع الإسلام السياسي. وبحسب حديث خبراء سياسيين ليبيين لـ"سكاي نيوز عربية" فإن أردوغان يتعامل مع قيادات تنظيم الإخوان على أنهم أفراد من حكومته يجب أن ينفذوا أوامره بدقة داخل ليبيا، وأنهم سيتلقون حسابا عسيرا منه حال فشلهم في تثبيت دعائم حكمهم، خاصة بعد الإطاحة بتنظيم الإخوان في تونس من الحكم؛ ما جعل ليبيا الورقة الأخيرة في يده داخل الشمال الأفريقي. وتحدث الرأي العام الليبي مؤخرا، وخاصة بعد زيارة رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة لأنقرة خلال اليومين الماضيين، عن أن أردوغان يحاول الآن الحصول على أية مكاسب اقتصادية بعد تأكده أنه اعتمد على رهان خاطئ سياسيا، وأن التنظيم لن يفلح في تثبيت ركائز حكمه دون العنف واستخدام القوة؛ وهو الأمر الذي لن يستطيع تنفيذه الآن نظرا لتمسك المجتمع الدولي بفرض الاستقرار في ليبيا. "زيارة الابتزاز" وأثارت زيارة الدبيبة إلى تركيا ومقابلته أردوغان، السبت، بحضور محافظ مصرف ليبيا المركزي، القيادي الإخواني الصديق الكبير مخاوف الليبيين من عملية ابتزاز أخرى تتعرض لها الحكومة من قبل أنقرة والإخوان، بمقتضاها تحصل تركيا على مكاسب مادية تغطي بها على الأزمات الاقتصادية الكبيرة الي تشهدها. وقال مصدر من داخل الحكومة الليبية إن الدبيبة سيعود محملا بعقود واتفاقيات وقع عليها هناك بنفسه مع أردوغان، فضلا عن وعود قدمت لسداد مديونيات على ليبيا بحجة عدم إكمال عقود مبرمة بين الشركات التركية وليبيا نتيجة الفوضى التي شهدتها الأخيرة في احتجاجات 2011 على نظام حكم معمر القذافي. وبحسب ما كشفته المصادر في وقت سابق، فإن أردوغان طلب من الدبيبة سداد مبلغ 5 مليارات دينار (3.8 مليار دلار) باعتبارها "ديون مستحقة من سنوات سابقة". واتفق الطرفان على دفع تعويضات ضخمة للشركات التركية وسداد "الديون المتراكمة" منذ سنوات طويلة، كما ناقشا عودة الشركات التركية للعمل في ليبيا، إضافة إلى وضع اتفاقيات جديدة تشمل قطاعات البترول وإعادة الإعمار بمليارات الدولارات، وفق المصدر ذاته. وبالتزامن مع هذا التمكين الاقتصادي، تواصل ليبيا جهدها لاستمرار التمكين العسكري، واتضح هذا في تصريح وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، السبت، خلال تخريج وحدة من القوات الخاصة التركية ، بأن القوات التركية في ليبيا ليست قوات أجنبية، في معرض تأكيده على عدم الاستجابة للمطالب الليبية والدولية بانسحاب القوات الأجنبية ومرتزقتها من ليبيا. سباق مع الزمن وينبه المحلل السياسي الليبي إبراهيم الفيتوري إلى أن أردوغان يسابق الزمن الآن للحصول على أكبر مكسب اقتصادي من ليبيا قبل الانتخابات؛ حيث أن أحداث الشهور الأخيرة أكدت لأردوغان أنه اعتمد على الرهان الخاطئ، وأن الإخوان في ليبيا أصبحوا بلا شعبية، ووجودهم لم يكن إذ لم تتواجد المليشيات في البلاد. وأضاف الفيتوري أن الحكومة التركية عندما كانت تشعر بقلق في ليبيا تجاه وجودها تسارع وتبرم معاهدات دولية مع طرابلس؛ بمقتضاها تثبت أرجلها في البلاد، كما حدث حين وقعت مع حكومة فايز السراج في 2019 اتفاقية بحرية وأمنية بمقتضاها أرسل قوات تركية لمساعدة الميليشيات في صد الجيش الوطني الليبي الذي كان على وشك دخول طرابلس وطرد تنظيم الإخوان منها. والآن- يتابع الفيتوري- تحاول أنقرة قبل الانتخابات، والتي فشلت في تأجيلها أو تحسين صورة تابعيها لانتخابهم، أن تحصل على مكاسب كبيرة بأن تبرم اتفاقيات جديدة تجبر بها ليبيا أمام المحاكم الدولية على دفع أموال ضخمة. واستبعد المحلل السياسي، بناء على هذا، إمكانية إخراج المرتزقة السوريين من غرب ليبيا؛ حيث أن تركيا متمسكة بأي تواجد لها في شمال أفريقيا، خاصة بعد ما حدث في تونس لأعوانها، مشيرا إلى أن تركيا قد تعيد العنف الذي قامت به ميليشياتها في عام 2014، بل ويمكن أن تدعم بعد ذلك فكرة تقسيم ليبيا حتى تحتفظ بموضع قدم لها داخل البلاد. كما توقع الفيتوري أن أردوغان سيحاسب قيادات الإخوان في ليبيا حسابا عسيرا بسبب فشلهم السياسي، وعدم قدرتهم على كسب قطاع من الشعب الليبي يدعهم في الانتخابات؛ حيث أن مخططات تركيا كانت ترمي في المقام الأول للحصول على تأييد شعبي كبير للإخوان يسمح لهم بإجراء ما يريدونه دون حدوث أزمات. تضييق الخناق على الليبيين من جانبه قال عضو مجلس النواب سعيد أمغيب إنه في حالة تم صرف أي أموال لتركيا فإن الحرب سوف تعود، ولن يكون هنالك أي حديث عن الانتخابات لا في ديسمبر القادم ولا بعد القادم. وبرر أمغيب ذلك في منشور له على موقع "فيسبوك" بأن تقديم الدعم لتركيا يأتي في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمات والمشاكل لتضيق الخناق على المواطن. وأكمل: "إذاً وهذه أول مرة أقولها ليس أمام الشعب الليبي إلا أحد خيارين كلاهما مر، إما إيقاف تصدير النفط، أو التجهيز لبيان إعلان الانفصال عن حاضنة الأتراك وكل المطالبين ببقائهم".
  12. كشف خبراء أمنيون عن تحركات جديدة للتنظيمات الإرهابية في أفريقيا وخاصة في منطقة الساحل والصحراء. وبحسب الخبراء فإن التنظيمات اتبعت آلية جديدة في عملية اختيار قادة التنظيمات على شكل انقودي، بدلا من الاعتماد الكامل على رأس الجماعة وزعيمها الأوحد. وأشار الخبراء إلى أن الصراع بين الجماعات يحتدم من أجل بسط النفوذ والزعامة، خاصة في ظل الأزمات المتعددة في المنطقة. في مارس الماضي، شن تنظيم "داعش" (المحظور في روسيا) هجوما على النيجر في منطقة تاهوا جنوب غرب البلاد ما أدى إلى مقتل 137 شخصا. وقالت الحكومة، في بيان عرضه التلفزيون، إن "عدد القتلى جراء الهجوم الإرهابي في تاهوا ارتفع إلى 137 شخصا" بعد أن كانت الحصيلة حسب البيانات السابقة عند مستوى 55 قتيلا. فرصة للإرهابيين من ناحيته قال محمد علي كيلاني، مدير مركز رصد الصراعات في الساحل الأفريقي، إن اتساع دائرة الصراع السياسي في دول الساحل الأفريقي تمنح فرصة للإرهابيين بالتمدد باتجاه دول الساحل، لاسيما وأن العمليات العسكرية الفرنسية ومنذ بدئها في عام 2012، تواجه مشاكل كبيرة في فرض الأمن في هذه الدول. وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك"، أن التحولات التي طرأت وسط الجماعات المتطرفة جاءت في سياق التنافس بين قياداتها لأسباب تتعلق بطبيعة قيادة هذه الجماعات، بجانب التنافس بينها، والذي أخذ الطابع الأثني للسيطرة على زمام القيادة العسكرية لها. ويرى أن احتدام الصراع بين مكونات الجماعة المتطرقة يحدث لأسباب عرقية. وأشار إلى أن الصراع بين تلك القيادات الإرهابية يؤثر سلبا على عملياتها الإرهابية في المنطقة، إلا أن الخطر سيظل قائما في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية للأنظمة الإفريقية. تشكيل القاعدة في مارس 2017 تأسست ما يعرف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة إياد أغ غالي، والتي تضم إمارة القاعدة في المغرب الإسلامي في الصحراء التابعة للجزائري يحيا أبو الهمام، وأنصار الدين التابعة لإياد أغ غالي، والمرابطون التابعون لمحمد أولد نويني المعروف باسم حسن الأنصاري، وجبهة تحرير ماكينا التابعة لأمادو كوفا (جماعات محظورة في روسيا). استفادة الجماعات هذه الجماعات تستفيد بشكل كبير من الأحداث الواقعة في بعض الدول بحسب رأي الخبير منها، الانقلاب في مالي عدة مرات، والحرب الدائرة في تشاد، والتي أدت إلى مقتل الرئيس التشادي مؤخرا، أو تأجيج الصراع الدولي، والذي انعكس بصورة كبيرة على الأوضاع جراء التنافس الدولي بين القوى الإقليمية والدولية في هذه المنطقة. سيناريوهات مرتقبة فيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة في المنطقة والتي تساعد الجماعات الإرهابية في التمدد، يشير الخبير إلى أنها لا تبدو واضحة المعالم، بسبب تطورات الأحداث بصورة سريعة، وأنه يمكن إجمالها في الآتي: هشاشة أنظمة سياسية تتسم ممارستها بالتقليدية والصراع حول السلطة. صراع مسلح وأحيانا قبلي بين بعض مكونات تلك الدول. تنافس إقليمي ودولي في المنطقة. مراوحة العمليات العسكرية الفرنسية مكانها، دون حسم الأمر نهائيا. عجز قوات الأمم المتحدة في المنطقة لمواجهة التمرد الداخلي والإرهاب، بصورة أكثر فاعلية. تمدد شبكات الإجرام في المنطقة كتهريب البشر والمخدرات والسلاح. هجوم "داعش" في يناير من العام 2020 شن تنظيم "داعش" هجوما على القوات المسلحة التابعة للنيجر والمنتشرة في شينيغودار بالقرب من الحدود مع مالي حيث أوقع التنظيم 77 قتيلا. كما شن تنظيم "داعش" 59 هجوما في عام 2020 و3 هجمات عام 2020 ضد تنظيم "القاعدة" (المحظور في روسيا)، في أفريقيا الغربية بمنطقة الساحل. ووصفت "النبأ" الصادرة عن تنظيم "داعش"، مقاتلي "القاعدة" بـ"المرتدّين"(جماعات مصنفة إرهابية في روسيا)، في مالي وبوركينا فاسو. تغيير التكتيك في هذا الإطار قال الخبير الأمني المغربي محمد اكضيض، إن الجماعات الإرهابية المسلحة لها قناعة بإعادة انتشارها أفقيا وعموديا، بإسناد قيادة فروعها على صعيد الجهات، وفسح المجال أمام أسماء أثبتت قدرتها وكفاءتها على تدبير العمليات الميدانية. الجماعات تتبع نظام اللامركزية أما عموديا فإن الجماعات اتخذت من اللامركزية عبر التقسيم الجهوي لمجموعاتها الجهادية القتالية، منها أبوبكر العنابي المتحدر من الجزائر وأبو وليد الصحراوي، من "البوليساريو". وأضاف أن غاية هذا التعيين في شمال أفريقيا إلى حدود مالي، في حين صور الصراع بين القيادات بأنه تنافس من أجل دولة الخلافة حسب أيديولوجية الفكر المتطرف وأضاف في حديثه لـ"سبوتنيك" أن الجماعات تسعى للانتشار في الدول الهشة جغرافيا، لوجود مساحات شاسعة بطبيعة قاسية غير محروسة من طرف قوات الأمن. وأوضح أن التنظيمات الإرهابية وجدت ضالتها في دول الساحل والصحراء، وأصبحت المنطقة ملاذا آمنا، وحاضنة من جهة وغاية لتمدد التنظيمات المتطرفة واكتساح المنطقة والأنظمة، وعدم وجود صعوبة في الحصول على السلاح والمال. وشدد على أن الأمر سيصبح أكثر تعقيدا، إذا انتقلت الجماعات الإرهابية المسلحة من ليبيا إلى منطقة الساحل والصحراء، بعد تأسيس جيش وطني وتقوية دور المصالحة والمؤسسات الليبية. تحول على مستوى الشكل فيما قال الخبير الأمني الجزائري، إدريس عطية، إن التحول الذي حدث في معظم الجماعات من الشكل الهرمي إلى الشكل العنقودي، منح الجماعات الإرهابية القدرة على استخلاف القيادة دون الارتباط برأس التنظيم. وأوضح أن الصراع القائم بين قيادات التنظيمات يرتبط بالزعامة والتي عادة ما تنقسم بسببها بعض الجماعات. ويرى أن خسارة مناطق الشام يدفعها نحو البحث عن أماكن جديدة في المنطقة الأفريقية. وبحسب الخبراء فإن تنظيم "داعش" بدأ استعادة قوته في منطقة الصحراء الكبرى، في ظل تواجد قوي لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، (جماعات مصنفة إرهابية في روسيا) التي خاضت معارك شرسة مع التنظيم.
  13. لا يُمكن الفصل بين تراث أيّ أمّة وواقعها؛ فالماضي حاضر فينا ومن خلالنا، رضينا أم أبيْنا، غير أنّ الإشكالية في طريقة استدعاء التراث، وما يصحبها من محاولات تفكيك الحاضر وإعادة بنائه من جديد وفق صورة مثالية متخيلة عن الماضي، تكمن في تلك الأفكار التي تسرّبت إلى ثقافتنا من خطاب "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين"، التي قدّمت الآخر على أنّه الضّال، المغضوب عليه، عدو الله ورسوله، الواجب على المسلمين إنزال الخزي به حتى تُشفى صدور المؤمنين، فاختزلوا سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، في صورة المُحارب الذي يخرج من غزوة ليدخل في أخرى، محاولين منح مشروعية لأفكارهم الصدامية، متجاهلين الأدوار الاجتماعية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لها أثر كبير في نشر قيم التسامح والعدل والحرية، وأنّ المواجهات العسكرية التي خاضها، صلى الله عليه وسلم، فُرضت عليه فرضاً، من قومٍ رفضوا حقّ المسلمين في الاختلاف، وسَعَوا إلى إبادتهم. من الاستدعاء الخاطئ للتراث في خطاب جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين تقديم الإسلام كحركة عسكرية ودعوة استئصالية ومن الاستدعاء الخاطئ للتراث، في خطاب "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين"؛ تقديم الإسلام كحركة عسكرية ودعوة استئصالية، حيث يرتهن انتشاره باستئصال الآخر واستعادة الأراضي التي حكمها المسلمون زمناً، فتبنّي مثل هذه الفكرة يُدخلنا في صراع ديني لا ينتهي؛ فإن كان للمسلمين، وفق هذا المنطق المغلوط، حقّ تاريخي في إسبانيا تبعاً لتدين أهلها بدين الإسلام في حقبة من الزمن، سيكون لأتباع الديانة البوذية حقّ تاريخيّ في إندونيسيا، أكبر دول المسلمين من حيث تِعداد السكان، استناداً إلى أنّ البوذية ديانتها السابقة على الإسلام. وأنتج اعتماد الجماعات على الوعاظ في قراءة التاريخ، وعياً زائفاً به، فبدلاً من أن ينظروا بعين الناقد لتراث المؤرخين المسلمين، ساروا على خطاهم متخذين من أسفار العهد القديم والإسرائيليات مصدراً أصيلاً لحكاية التكوين وبداية الخليقة، منذ آدم، عليه السلام، وحتى القرون الأولى للميلاد، وما تخللها من قصص الأنبياء والصالحين والآثمين، بهدف الوعظ، مدفوعين بالفضول لمعرفة تفاصيل ما أجمله القرآن الكريم، ففتحوا باباً للأسطورة والخُرافة لم يُغلق حتى اليوم، فالهوّة كبيرة بين التاريخ الذي يُقدّمه وعّاظ الجماعات، والتاريخ الذي يكتبه الباحثون والعلماء وإذا كان المؤرخون القدامى معذورين، بأنّ لغة العلم في عصرهم لم تعرف الحفريات والوثائق وغيرها من المعطيات العلمية، فلا عذر لوُعّاظ الجماعات اليوم، عندما أغفلوا آثار حضارات الشعوب القديمة؛ من فينيقيين وبابليين وسومريين ومصريين، الناطقة بالكثير من الوقائع والأحداث، التي تناقض الرواية التوراتية للتاريخ، مكتفين بترديد ما نقله التراث من روايات العهد القديم دون تمحيص، فالتسليم بمكانة العهد القديم الدينية والأدبية، لا تجعل منه وثيقة تاريخية يُعتمد عليها في إصدار أحكام علمية. لا عُذر لوُعّاظ الجماعات اليوم بأن يغفلوا آثار حضارات الشعوب القديمة من فينيقيين وبابليين وسومريين ومصريين ولا تتوقف الجماعات عن الخلط بين تاريخ الإسلام "الوحي"، الذي بدأ وانتهى بحركة جبريل، عليه السلام، بين السماء والأرض، وتاريخ المسلمين الذي هو أحداث وتجارب بشرية تاريخية غير مقدّسة، فإطلاق الجماعات تاريخ الإسلام على تاريخ المسلمين، أكسبه مثالية وقداسة زائفة، تستعلي به على الدرس النقدي، والسياقات والملابسات التي صنعت أحداثه، وفي الوقت الذي استعلت "جماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين" بتراثنا عن النّقد، نجد تراثيين، من أمثال ابن خلدون، الذي شنّ حملة قوية على ما اكتنف التّراث من حكايات وأخبار وأنساب يُنكرها العقل، فيقول؛ "إلا أنّ كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغثّ والسمين والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عن أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونها منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل التوراة الذين كانوا بين العرب يومئذ، بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حِمْير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية، التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان والملاحم وأمثال ذلك. وهؤلاء؛ مثل كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم في أمثال هذه الأغراض، أخبار موقوفة عليهم، وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى في الصحة التي يجب بها العمل. وتساهل المفسرون في مثل ذلك وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، لا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنّهم بعد صيتهم وعظمة أقدارهم لما كانوا عليه من المقدمات في الدين والملة فتلقيت بالقبول يومئذ" التسليم بمكانة العهد القديم الدينية والأدبية لا تجعل منه وثيقة تاريخية يُعتمد عليها في إصدار أحكام علمية لقد زيّفت الجماعات وعينا بالتراث عندما رسخّت في ثقافتنا أننا أمام تُراثٍ بوَجْه واحد، فأخفوا عن عمدٍ أوجه متعددة لتراث المسلمين، وقد التفّ القدامى حول ثوابت العقيدة متمثلة في الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه، وأركان الإسلام متمثلة في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحجّ البيت لمن استطاع إليه سبيلا، إلا أنّ ذلك لم يمنعْهم من الاختلاف في الفهم والشرح والتأويل، فتنوَّعَ التّراثُ تبعاً لتنوع اجتهادات المسلمين الأوائل، فاختلفوا حول فهم طبيعة الإيمان، بين من يجعله قاصراً على إيمان القلب ومن يجعله متضمناً للعمل، وتنوّعت تصوّراتهم بين من يرى وجوب الفصل بين الذات الإلهية والصفات، وبين من يُوحّد بينهما، فلم يكن لمجال الاجتهاد في التراث سقف يحدّده، حيث قدّم التراث تفسيرات وتأويلات متعددة للقرآن الكريم، بين متأوّلٍ ينطلق من قواعد اللغة والبلاغة لفهم القرآن الكريم، وبين متمسكٍ بالمعنى الحرفي غير مُنكرٍ لما وراءه من معانٍ. ولا تتوقف الجماعات عن التصنيف المستمر، والثُنائيات التي لا تنتهي؛ فهم حماة التّراث، المختلف معهم حداثيّ متآمر عليهم، مأجور من الغرب، والإسلام في جانبهم، وغيرهم المنحرف عن صحيح الدين، يُرددون دوماً أنّ الحقّ يُعرف بتضحيات أصحابه، وليس باختبار أفكارهم، حيث يرون التّقدم في تطوير عالم الأشياء، ويسكتون عن تطوير عالم الأفكار، وضرورة استردادالإنسان المُنتج للأفكار. إنّ إحداث نهضة حقيقية، يبدأ من تطوير مناهج الدراسات الإنسانية، بما فيها دراسات الفكر الديني، لا الدراسات الطبيعية فحسب، فطريق تحقيق النّمو الحضاري ليس العمران فقط، بل بناء الإنسان، ولا أمل في استعادة الإنسان الذي يبني الحاضر، ونحن ندين بفكرة أنّ كلّ خير في الدنيا انقضى، وأنّ العصور الذهبية في كلّ شيء قد فاتت، وإذا أردنا أن نمضي إلى المستقبل ونعود إلى التاريخ، فنحن بحاجة إلى الوثوق بمنجزات الحاضر الثقافية والعلمية والفنية، لننطلق منها ونطوّرها.
  14. كشف تقرير مؤشر الإرهاب في المنطقة العربية، والصادر بالقاهرة أخيراً، عن المحاور الرئيسية لاستراتيجية تنظيم داعش الإرهابي في ليبيا. وأورد التقرير أن التنظيم "يبحث عن نقاط ارتكاز بديلة في ليبيا"، بعد أن وضع قدماً في الجنوب، بينما عينية على الهلال النفطي. ورصد التقرير الصادر عن مؤسسة ماعت بالقاهرة واقع التنظيمات الإرهابية في الربع الثاني من العام الجاري 2021، وأورد أبرز العمليات الإرهابية التي نفذّها التنظيم الداعشي في ليبيا، وتحركاته خلال تلك الفترة، وأبرز العوامل التي دعمت نشاطه المتنامي مؤخراً. ويلفت التقرير، الصادر في 51 صفحة، إلى أنه بعد نحو خمسة أشهر من استلام الحكومة الجديدة بقيادة عبدالحميد الدبيبة، مهامها، لا يزال خطر تنامي الإرهاب -لا سيما في جنوب ليبيا- يمثل تهديداً حقيقياً للدولة ولجيرانها أيضاً. ثغرات أمنية ويستشهد التقرير بالهجوم الإرهابي بمدينة سبها في يونيو 2021 ، والذي اعتبره "لم يكن إلا إعلاناً رسمياً عن عودة تنظيم داعش في ليبيا"؛ ذلك أن الجماعات الإرهابية في ليبيا تستغل الثغرات الأمنية الناجمة عن عرقلة توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية بموجب مؤتمر برلين 2019، ومخرجات ملتقى الحوار السياسي الليبي، لإعادة تأهيل نفسها للقيام بعمليات إرهابية متوالية، مستغلة في ذلك الحالة المتصاعدة للإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي والخلايا المحلية المتعاونة مع تلك الجماعات في جنوب ليبيا. وأكبر مثال على ذلك -طبقاً للتقرير- هو عناصر جماعة التغيير والوفاق التشادية الذين فروا من ليبيا إلى تشاد في أبريل الماضي لينفذوا عملية اغتيال الرئيس التشاد إدريس ديبي في 19 أبريل من العام الجاري. ويرى خبراء في شؤون الإرهاب أن "تنظيم داعش وبتبنيه العملية الإرهابية في سبها (جنوب شرق البلاد)، وقبل ذلك محاولاته لتنفيذ عمليات مُشابهه في منطقة الهلال النفطي، يجعل من ليبيا أحد المسارات التي يضعها التنظيم نصب أعينه في عام 2021". عوامل رئيسية ويعود ذلك في بعض أسبابه إلى عدة عوامل رصدها التقرير؛ أولها انتهاكات المليشيات المسلحة في الغرب الليبي وفي العاصمة طرابلس للمواطنين، والتي ترتب عليها حالة غضب بالغة قد يوفر لداعش فرصة لإقامة علاقة جديدة مع هؤلاء السكان المحليين، انطلاقاً من حالة الرفض الشعبي لسيطرة الميلشيات المسلحة على المشهد الأمني في طرابلس وغيرها من المدن . ثاني تلك العوامل مرتبط باستفادة تنظيم داعش من تجنيد تركيا لمرتزقة من جنسيات مختلفة شمال سوريا، حيث نجح تنظيم داعش في تجنيد واستقطاب طيف من المقاتلين الذين جندتهم تركيا وأرسلتهم إلى ليبيا. ووفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن كتيبة من "مرتزقة" تضم نحو 50 عنصراً يترأسها مسؤول أمني سابق في تنظيم داعش الإرهابي من ريف حمص الشرقي في سوريا، قد انضمت للعمليات القتالية التي تخوضها ميليشيات طرابلس في ليبيا، وهو ما ساعد تنظيم داعش في ليبيا على إعادة ترتيب أوضاعه مرة أخرى لإعادة السيطرة على بعض المناطق والقيام بعمليات إرهابية. ويشير التقرير إلى أن التطوارات المرتبطة بتنظيم داعش في ليبيا توضح أنه يجاهد ويسابق الوقت من أجل وضع موطئ قدم في الجنوب والوسط الليبي وبشكل خاص بمنطقة جنوب الجفرة ومنطقة الفقهاء، والتي تعد من مناطق ارتكاز التنظيم التقليدية؛ بهدف البحث عن نقاط ارتكاز بديلة لتكون قاعدة لتنظيم داعش المركزي، مستغلاً استمرار حالة الصراع الدائر بين أطراف الصراع وقرب ليبيا من واحدة من أهم ولايات تنظيم داعش في غرب إفريقيا. هذا بجانب سهولة انتقال الأفراد والمعدات عبر الحدود الجنوبية لليبيا للوصول لأماكن ارتكاز التنظيم في وسط وغرب إفريقيا، ما يجعل من العام 2021، فرصة سانحة لداعش للظهور في ليبيا إن لم تتضافر الجهود لدرء مخاطر هذا التنظيم. الاستقرار الأمني ويشير التقرير إلى أن "الاستقرار الأمني مرهون بتنفيذ ما اتفق عليه في خارطة الطريق للمرحلة التمهيدية للحل الشامل في ليبيا التي اتفق عليها الفرقاء لاسيما البند الخاص بانتخاب رئيس جديد بموعد لا يتجاوز 24 ديسمبر 2021 ، بخلاف أن استمرار تدفق المرتزقة بخلاف ما اتفق عليه في اتفاق إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبر 2020 من شأنه أن يهدد هذا الاستقرار الحذر على المستوى الأمني في ليبيا، خاصة في ظل رفض تركيا خروج المرتزقة والقوات التابعة لها في ليبيا بدعوى أنهم مستقرون بناءً على اتفاقيات أمنية بينها وبين حكومة الوفاق السابقة في طرابس ". هجمات وفي سياق متصل، يشير التقرير إلى أن تنظيم داعش بصفة عامة "لا يزال في طليعة الجماعات الإرهابية القادرة على تنفيذ هجمات إرهابية وإرهاق القوات الأمنية في دول عربية، حيث تبنى التنظيم ما يربو على 47 عملية إرهابية خلال الربع الثاني من العام الجاري 2021". ويأتي التنظيم ضمن جماعات متطرفة عديدة وجدت تربة خصبة لاسيما في الدول التي تشهد نزاعات مسلحة مثل سوريا واليمن، أو تلك التي تعاني من استقطاب سياسي وطائفي حاد مثل العراق. كما أن عدم اجتثاث جذور مصادر التمويل والموارد المالية للتنظيمات الإرهابية أسهم في قدرة هذه التنظيمات على التخطيط لبعض العمليات وتجنيد أفراد آخرين لشن عمليات حتى إن لم تكن واسعة التأثير نسبياً.
  15. رغم أن تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" أصبح هو التنظيم الأكثر نشاطاً من بين كل التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي، على نحو تعكسه العمليات الإرهابية التي يقوم بتنفيذها مثل العملية التي أدت إلى مقتل تسعة جنود ماليين في 27 فبراير الفائت، إلا أن ذلك لا ينفي أنه يواجه صراعات داخلية قوية بين المجموعات العرقية والقبلية التي تأسس من خلالها في الفترة الماضية ومثلت ظهيراً اجتماعياً له سعى إلى استغلاله بصفة مستمرة من أجل تصعيد عملياته واحتواء الضربات الأمنية التي يتعرض لها. ويبدو أن أحد أسباب تلك الصراعات يعود إلى التغيير التكتيكي الذي اتبعه التنظيم وقام على استقطاب المجموعات الإرهابية ككتلة واحدة وليس على شكل أفراد، وهو ما حرصت على تبنيه التنظيمات الإرهابية الأخرى في الفترة الماضية، على نحو أدى إلى تكوين جماعات ضغط داخل التنظيم كل منها يسعى إلى تكريس نفوذه على حساب الجماعات الأخرى. وقد انعكس ذلك في مرحلة ما بعد مقتل الزعيم السابق للتنظيم عبد الملك دروكدال في 3 يونيو 2020، حيث استغرق تعيين قائد جديد نحو خمسة أشهر، وهو يوسف العنابي الذي أعلن عن توليه قيادة التنظيم في 22 نوفمبر من العام نفسه، وهو ما يعود إلى النزاعات التي نشبت بين الجماعات العرقية المختلفة التي يتكون منها التنظيم بسبب تطلع كل منها إلى اختيار شخصية تنتمي لها لتولي منصب القائد. خريطة معقدة: اتسمت تركيبة تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" بالتشابك والتعقيد، بسبب التنوع العرقي والقبلي داخله، على خلاف التنظيمات الإرهابية الأخرى التي تَغلُب عليها جنسية معينة تفرضها المنطقة التي يسعى التنظيم إلى تعزيز نشاطه فيها. إذ تتكون حركة "شباب المجاهدين" الصومالية، على سبيل المثال، بشكل شبه كامل، من المقاتلين الصوماليين، كما تعتمد "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة- فرع "القاعدة" في سوريا) على العناصر السورية في الأساس. ومن دون شك، فإن ذلك لا يعني أن تلك التنظيمات ترفض ضم جنسيات أخرى، لكنه يعني أن الغلبة تكون، في كثير من الأحيان، لجنسية العناصر التي تنتمي للمنطقة التي ظهر فيها التنظيم، حيث تتولى المناصب القيادية الرئيسية في حين يقوم الآخرون "الأجانب" بمهام لوجستية على غرار جمع المعلومات أو المشاركة في بعض العمليات الإرهابية. وهنا، فإن اتجاهات عديدة اعتبرت أن هذا التشابك والتعقيد العرقي في تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" يعود إلى حرصه على ضم العديد من المجموعات الإرهابية التي توجد في منطقة الساحل الإفريقي وتنتمي لعرقيات مختلفة، وذلك بشكل جماعي، وليس في صورة فردية، بما يعني انخراط المجموعة بكل قياداتها وأفرادها ومعداتها ومصادر تمويلها في التنظيم الرئيسي، على نحو جعل الأخير بمثابة "مظلة فكرية" تضم مجموعات عديدة يجمعها النهج "القاعدي" المتطرف. ومع أن هذا التعدد ساهم في اتساع نطاق نفوذ التنظيم وتعزيز نشاطه في بعض الأحيان، إلا أنه في الوقت نفسه فرض نوعاً من التنافس الداخلي أثر على التماسك التنظيمي وعرَّض التنظيم، في بعض الفترات، لأزمات كادت أن تؤدي إلى انهياره، على غرار الخلاف الذي نشب على منصب دروكدال بعض أن أعلنت فرنسا مقتله في يونيو الماضي. جماعات متنافسة: يضم تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" مجموعات عربية مثل "جماعة التوحيد والجهاد"، التي تسعى بصفة دائمة إلى تعزيز فرص أحد المنتمين لها لتولي منصب قائد التنظيم، إلى جانب "جماعة الموقعون بالدماء" التي يقودها مختار بلمختار، فضلاً عن المجموعات التي تنتمي إلى عرقية الفولاني وتمثلها "حركة تحرير ماسينا" بقيادة أمادو كوفا، والمجموعات التي تنتمى إلى قبائل الطوارق وتمثلها "جماعة أنصار الدين" بقيادة أياد أغ غالى، الذى يتولى حالياً قيادة "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين". وقد فرض ذلك خيارات محدودة أمام قيادة التنظيم خاصة في التعامل مع القرارات التي يمكن أن تؤثر على تماسك التنظيم واستمراره على الساحة، في ظل سعى كل عرقية إلى الانفراد بتولي المناصب القيادية على كل المستويات. ومن هنا حرصت القيادة على تبني سياسة متوازنة عبر توزيع المناصب الرئيسية على كل العرقيات، باستثناءات محدودة، حيث تم إسناد ملف التجارة والتهريب إلى مجموعة بملختار، الذي يمتلك خبرة في هذا السياق، فضلاً عن أنه يؤسس شبكة اتصالات مع عصابات الجريمة المنظمة، على نحو مكنه من تأمين مصادر تمويل مستمرة للتنظيم. في حين تم إسناد مهمة تقليص نفوذ تنظيم "داعش" في منطقة الساحل إلى "حركة تحرير ماسينا" بقيادة أمادو كوفا، وتم تكليف "جماعة أنصار الدين" بقيادة أياد أغ غالي بملف العلاقات الخارجية، لاسيما فيما يتصل بالعلاقات مع التنظيمات الأخرى ومحاولات استقطاب بعضها للانضمام إلى التنظيم الرئيسي. لكن توزيع السلطات داخل التنظيم لم ينجح في تقليص حدة المنافسة أو الحفاظ على قوة التماسك الداخلي، خاصة أن كل المجموعات سعت إلى استغلال تلك الصلاحيات في تعزيز نفوذها داخله لدعم قدرتها على قيادته في مرحلة لاحقة. ومن هنا، فإن بعض المراقبين لا يستبعدون عدم قدرة العنابي على الاستمرار في منصبه أو فشله في احتواء تطلعات منافسيه، لاسيما أياد أغ غالي وأمادو كوفا، اللذين اعتبرا أن اختياره لم يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض، ولا يعكس توازنات القوى داخل التنظيم، وأن هذا القرار كان لهدف واحد هو منع خروج قيادة التنظيم من المجموعات العربية، وبالتالي إحداث خلل داخل التنظيم لصالح العرقيات الأخرى. وربما يكون ذلك، في مرحلة لاحقة، أحد العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى إضعاف التنظيم، لاسيما في ظل حالة الترقب التي تبدو عليها التنظيمات الأخرى المنافسة، خاصة تنظيم "داعش"، الذي قد يسعى إلى استغلال ذلك لتوسيع نطاق الانقسامات الداخلية في تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" تمهيداً لإضعاف وتهميشه في تلك المنطقة التي تحظى باهتمام خاص من جانبه.
×
×
  • Create New...