Jump to content
Sign in to follow this  
أبو الحسن

أبـو هـريرة الدوسي رضي الله عنه

Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على دربه إلى يوم الدين، أما بعد،

الصحابي الذي قال "ما خُلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني، إلا أحبني" بعد دعوة دعاها له الرسول صلى الله عليه وسلم.

أبـو هـريرة الدوسي رضي الله عنه

لا ريب أنك تعرف هذا النجم المتألق من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل في أمة الإسلام أحد لا يعرف أبا هريرة؟ لقد كان الناس يدعونه في الجاهلية (عبد شمس)، فلما أكرمه الله بالإسلام وشرَّفه بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: "ما اسمك؟"، فقال: عبد شمس، فقال عليه الصلاة والسلام: "بل عبد الرحمن". فقال: نعم عبد الرحمن، بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

أما كنيته بأبي هريرة فسببها أنه كانت له في طفولته هرة صغيرة يلعب بها لذلك ناداه أصحابه بـ أبي هريرة وشاع ذلك حتى غلب على اسمه، فلما اتصلت أسبابه بأسباب رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يناديه كثيرا يا "أبا هر"، إيناساً له وتحبباً فيه، فصار يؤثر أبا هر على أبا هريرة، ويقول: ناداني بها حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 أسلم على يد الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه وأرضاه، وظل في أرض قومه دَوس إلى ما بعد الهجرة بست سنين، حيث وفد مع جموع من قومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، حيث انقطع ذلك الفتى الدوسي "أبو هريرة" لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته ومرافقته، فاتخذ المسجد مقاماً، والنبي معلماً وإماماً، ولم يكن له ولد ولا زوج وإنما كانت له أم عجوز أصرت على الشرك، فكان لا ينقطع أبداً عن دعوتها للإسلام إشفاقاً عليها وبَراً بها، فتنفر منه وتصده. في يوم دعاها إلى الإسلام والإيمان بالله ورسوله، فقالت في النبي قولاً أحزنه، فذهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يبكيك يا أبا هريرة؟!" فقال: إني كنت لا أفترْ عن دعوة أمي للإسلام فتأبى علي، إلا أني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله عز وجل أن يميل قلب أم أبي هريرة للإسلام، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة: فمضيت إلى البيت، فإذا الباب قد رد وسمعت خضخضة الماء، فلما هممت بالدخول، قالت أمي: مكانك يا أبا هريرة، ثم لبست ثوبها، وقالت: أدخل، فدخلت، فقالت: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، فعدت إلى الرسول وأنا أبكي من الفرح كما بكيت قبل ساعة من الحزن، وقلت: أبشر يا رسول الله أبشر، فقد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة إلى الاسلام، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيراُ.

قال قلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة وأمه - إلى عبادك المؤمنين. وحبب إليهم المؤمنين"، فما خُلق مؤمن يسمع بي، ولا يراني، إلا أحبني.

ميــراث محمد عليه الصلاة والسلام 

وكما أحب أبو هريرة العلم لنفسه فقد أحبه لغيره، فقد روى الطبراني أنّ أبا هريرة مر بسوق المدينة، فوقف وقال: يا أهل السوق ما أعجزكم، قالوا: وما رأيت من عجزنا يا أبا هريرة؟! قال: ذاك ميراث النبي يُقسّم وأنتم ها هنا، ألا تذهبون فتأخذوا نصيبكم منه، قالوا: وأين هو؟ قال: في المسجد فخرجوا سِراعاً، ووقف أبو هريرة ينتظر رجوعهم، فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة أتينا المسجد، فدخلنا فيه فلم نرَ شيئاً يقسّم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ فقالوا: بلى، رأينا قوما يصلون وقوفاً يقرؤون القران، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم: ويحكم فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد أحبَّ أبو هريرةَ الرسول صلواتُ الله عليه حُباً خالط لحمهَ ودمَه، فكان لا يشبعُ من النظر إليه ويقولُ: ما رأيتُ شيئاً أملحَ ولا أصبحَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لكَأنَّ الشمسَ تجري في وجهِه، وكان يحمدُ الله تبارك وتعالى على أنْ مَنّ عليه بِصُحبة نبيِّه واتباع دينهِ، فيقول: الحمدُ لله هدى أبا هُريرة للإسلامِ، الحمد لله الذي علمَ أبا هريرة القرآنَ، الحمد لله الذي مَنّ على أبي هريرة بصُحبةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

وكما أولعَ أبو هريرةَ برسولِ الله صلوات الله وسلامه عليه، فقد أولعَ بالعِلم وجعلهُ دَيدنهُ (أي دأبه وعادته) وغاية يَتمنَّاها.

حَدّثَ زيدُ بنُ ثابتٍ قال: بينما أنا وأبو هريرة وصاحبٌ لي في المسجدِ ندعو الله تعالى ونذكرُه، إذ طلعَ علينا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وأقبلَ نحونا حتى جلسَ بيننا، فسكتنا، فقال: "عُودُوا إلى ما كنتم فيه"، فدعوتُ الله أنا وصاحبي (قبلَ أبي هريرة) وجعلَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم يُؤمّن ُعلى دعائِنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهُم إني أسألك ما سألك صاحبايَ، وأسألك عِلماً لا يُنسى، فقال عليه الصلاة والسلام: "آمين"، فقلنا: ونحن نسألُ الله علماً لا يُنسى، فقال: "سبقكم بِها الغُلامُ الدوسيُّ".

وقد عانى أبو هريرة بسببِ انصرافهِ لِلعلمِ، وانقطاعِه لمجالس رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ما لم يُعانه أحدٌ من الجوعِ وخُشونة العيشِ. روَى عن نفسِه قال: إنه كان يشتدُّ بي الجوع حتى إنّي كنتُ أسألُ الرجلَ من أصحابِ رسولِ الله عن الآيةِ من القرآن (وأنا أعلمُها) كي يَصحبني معه إلى بيته؛ فيطعمني، وقد اشتدَّ بي الجوع ذات يومٍ حتى شدَدتُ على بطني حجراً، فقعدتُ في طريق الصَّحابةِ، فمرَّ بي أبو بكرٍ فسألته عن آيةٍ في كتاب الله وما سألته إلا ليدعوني، فما دعاني. ثم مرَّ بي عمرُ بنُ الخطاب فسألتهُ عن آيةٍ؛ فلم يدعُني أيضاً، حتى مرَّ بي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فعرف ما بي من الجوعِ، فقال: "أبو هريرة؟!" قلت: لبّيكَ يا رسول الله، وتبِعتهُ؛ فدخلتُ معه البيتَ فوجدَ قدَحاً فيه لبنٌ، فقال لأهلهِ: "من أينَ لكم هذا؟" قالوا: أرسلَ به فلانٌ إليك، فقال: "يا أبا هريرةِ انطلقْ إلى أهلِ الصّفّةِ فادعهم" (وهم ضيوف الله من فقراء المسلمين ممن لا أهل لهم ولا ولد ولا مال، فكانوا يجلسون على صفة في مسجد رسول الله فسُموا بأهل الصُفة)، فساءَني إرساله إيَّايَ لِدعوَتهم، وقلتُ في نفسي: ما يفعلُ هذا اللبنُ معَ أهلِ الصُفةِ؟! وكنتُ أرجو أنْ أنالَ مِنه شربة أتقوى بها، ثم أذهبَ إليهم؛ فأتيتُ أهلَ الصّفة ودعوتهُم؛ فأقبلوا، فلما جَلسوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "خذ يا أبا هريرة فأعطهِم"، فجعلتُ أعطي الرجُلَ فيشربُ حتى يَروى إلى أنْ شرِبوا جميعاً؛ فناولتُ القدحَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعَ رأسه إليّ مُبتسماً وقال: "بقيتُ أنا وأنْت". قلت: صَدقت يا رسول الله. قال: "فاشرب"، فشربتُ، ثم قال: "اشربْ"، فشربتُ، وما زال يقول: "اشَرب"، فأشربُ حتى قلت: والذي بَعثكَ بالحقّ لا أجدُ له مَساغاً (أي لا أستطيع ابتلاعه) فأخذَ الإناءَ وشربَ من الفضلةِ.

وقد كانت لأبي هريرة جاريةٌ زنجيةٌ (من بلاد الزنج، وهم قوم من السودان) فأساءتْ إليه، وغمت أهلهُ، فرفعَ السوط عليها ليضربَها به، ثم توقفَ، وقال: لولا القصَاصُ يوم القيامة لأوجعتك كما آذيتنا، ولكنْ سأبيعُك ممن يُوفيني ثمنكِ، وأنا أحوجُ ما أكونُ إليه، اذهبي فأنتِ حُرة لله عزّ وجلَّ.

لم يمضِ زمن طويل على ذلك حتى فاضت الخيرات على المسلمين وتدفقت عليهم غنائم الفتح، فصار لأبي هريرة مال ومنزل ومتاع، وزوج وولد. غير أنّ ذلك كله لم يغيِّر من نفسه الكريمة شيئاً، ولم يُنسهِ أيامه الخالية، فكثيراً ما كان يقول: نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً، وكنت أجيراً لِبُسَرَةَ بنت غزوان بطعام بطني (وهي أخت عتبة بن غزوان المازني)، فكنت أخدم القوم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا، فزوَّجنيها الله (أي أنّ أبا هريرة قد تزوج بُسرة بعد أنْ كان أجيراً عندها)، فالحمد لله الذي جعل الدين قواماً وصيَّر أبا هريرة إماماً.

وقد وَلي أبو هريرة المدينة من قِبَل معاوية بن أبي سفيان أكثر من مرة، فلم تُبَدِّل الولاية من سماحة طبعه، وخفة ظله شيئاً، فقد مرً بأحد طرق المدينة -وهو والٍ عليها- وكان يحمل الحطب على ظهره لأهل بيته، فمرِّ بثعلبةَ بن مالك، فقال له: أَوسع الطريق للأمير يا ابن مالك، فقال له: يرحمك الله، أما يكفيك هذا المجال كله؟! فقال له: أَوسع الطريق للأمير وللحزمة التي على ظهره.
وقد جمع أبو هريرة إلى وفرة علمه وسماحة نفسه التُّـقى والورع، فكان يصوم النهار، ويقوم ثلث الليل، ثم يوقظ زوجته فتقوم ثلثه الثاني، ثم توقظ هذه ابنتها فتقوم ثلثه الأخير، فكانت العبادة لا تنقطع في بيته طوال الليل.

وكانتِ ابنته تقول له: يا أبتِ إنّ البنات يُعيرنني؛ فيقلنَ: لم لا يُحليك أبوكِ بالذهب؟! فيقول: يا بُنية، قولي لهنَّ: إنّ أبي يخشى عليَّ حرَّ اللهب (أي حر لهب جهنم). ولم يكن امتناعُ أبي هريرة عن تحليةِ ابنته بخلاً بالمالِ أو حرصاً عليه؛ إذ كان جواداً سخيّ اليدِ في سبيل الله. فقد بعثَ إليه مروانُ بنُ الحكم مائة دينارٍ ذهباً، فلما كان الغد أرسلَ إليه يقول: إنّ خادميِ أخطأ فأعطاك الدنانيرَ، وأنا لم أرِدك بها، وإنما أردتُ غيرك، فسُقِط في يدِ أبي هُريرة (أي تحير وندم)، وقال: أخرجتها في سبيلِ الله ولم يبتْ عندي منها دينارٌ؛ فإذا خرجَ عطائي (حقي في بيت المال) فخذها منه. وإنّما فعلَ ذلك مروانُ ليختبره، فلما تحرّى الأمرَ وجَدَه صحيحاً.

وقد ظلَّ أبو هريرة (ما امتدَّت به الحياةُ) برَّاً بأِمه، فكان كلما أرَادَ الخروجَ من البيت وقفَ على بابٍ حجرتها وقال: السلامُ عليك يا أمَّتاه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السّلامُ يا بنيَّ ورحمة الله وبركاته، فيقول: رَحمكِ الله كما ربّيتني صغيراً، فتقول: ورحمك الله كما بَرَرتني كبيراً، ثم إذا عادَ إلى بيته فعل مثلَ ذلك.

وقد كان أبو هُريرة يَحرصُ أشدَّ الحرصِ على دعوة الناسِ إلى برِّ آباِئهم، وصِلةِ أرحامهم، فقد رأى ذات يومٍ رجلينِ أحدهما أسنُّ (أكبر سناً) من الأخرِ يمشِيان معاً، فقال لأصغرِهما: ما يكون هذا الرَّجلُ منك؟ قال: أبي، فقال له: لا تسمِّه باسمِه، ولا تمشِ أمامَه، ولا تجلِس قَبله.

ولما مَرضَ أبو هُريرة مرضَ الموتِ بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟! فقال: أما إنّي لا أبكي على دنياكم هذه، ولكنَني أبكي لبُعد السَّفر وقلة الزادِ، لقد وقفتُ في نهاية طريقٍ يُفضي بي إلى الجنةِ أو النارِ، ولا أدري في أيِّهما أكون!!

وقد عاده مروانُ بنُ الحكم فقال له: شفاكَ الله يا أبا هُريرة، فقال: اللهُمَّ إني أحبُّ لقاءك فأحبَّ لقائي وعجِّل لي فيه، فما كاد يغادر مروانُ داره حتى فارقَ الحياة.

رحمَ الله أبا هُريرة رحمةً واسعةً؛ فقد حفِظ للمسلمين ما يَزيدُ على ألفٍ وستمائةٍ وتسعةٍ من أحاديثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، جزاه الله عن الإسلامِ والمُسلمين خيراً.

Share this post


Link to post
Share on other sites

الفترة التي عاشها أبو هريرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلّم أطول بكثير من كبار الصحابة، مع الحاجة لسماع الحديث للأجيال الجديدة والداخلين الجدد في الإسلام ممن لم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلّم

*

34084511-3d09-4d25-bdaf-986e672b9503

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...