Jump to content
Sign in to follow this  
أبو الحسن

 الربيع بن الخُثيم 

Recommended Posts

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد...

 الربيع بن الخُثيم 

قال عنه عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودِ: (يَا أَبَا يَزِيدَ ؛ لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللهِ e لَأَحَبَّكَ).

قال هلال بن إساف (أحد ثقات التابعين ومتقدميهم) لضيفه منذر الثوري أحد متأخري التابعين :ألا امضي بك يا منذر إلى الشيخ لعلنا نؤمن ساعة، لعلنا نتعظ فلا نشغل أنفسنا إلا بالإيمان؟ قال منذر :بلى …فو الله ما أقدمني إلى "الكوفة" إلا الرغبة في لقاء شيخك الربيع بن خثيم والحنين للعيش ساعة في رحاب ايمانه .ولكن هل استأذنت لنا عليه؟ فقد قيل لي :إنه منذ أصيب بالفالج (مرض يعرف الآن بالشلل النصفي) لزم بيته وانصرف إلى ربه وعزف  (زهد)  عن لقاء الناس، فقال هلال :إنه لكذلك منذ عرفته الكوفة وإن المرض لم يغير منه شيئاً، فقال منذر :لا بأس …ولكنك تعلم أن لهؤلاء الأشياخ (أي شيوخ) أمزجة (طبائع وأحوال)  رقيقة،  فهل ترى أن نبادر الشيخ فنسأله عما نريد؟ ام نلتزم الصمت فنسمع منه ما نريد؟ فقال هلال :لو جلست مع الربيع عاماً بأكمله فإنه لا يكلمك إذا لم تكلمه ولا يبادرك إذا لم تسأله …فهو قد جعل كلامه ذكراً، وصمته فكراً .فقال منذر : فلنمضِ إليه إذاً على بركة الله . ثم مضيا إلى الشيخ … فلما صارا عنده سلما وقالا :كيف أصبح الشيخ؟ فقال : أصبح ضعيفاً مذنباً، يأكل رزقه.. وينتظر أجلـه .فقال له هلال :لقد أمَّ (جاء)  الكوفة طبيب حاذق، أفتأذن بأن أدعوه لك؟ فقال :يا هلال إني لأعلم أن الدواء حق …ولكني تأملت عاداً وثموداً  وأصحاب الرس (من الأمم الخالية التي كان لها شأن)  وقروناً بعد ذلك كثيراً ونظرت في حرصهم على الدنيا ورغبتهم في متاعها وقد كانوا أشد منا بأساً (قوة) وأعظم قدرة ..وقد كان فيهم أطباء وفيهم مرضى …فلا المداوي بقي ولا المداوى !ثم تنهد تنهيداً عميقاً وقال :ولو كان هذا هو الداء لتداوينا منه . فاستأذن منذر وقال :فما الداء إذاً يا سيدي الشيخ؟! فقال :الداء الذنوب.. فقال منذر :وما الدواء؟ قال : الدواء الاستغفار .فقال منذر :وكيف يكون الشفاء؟ فقال :بأن تتوب ثم لا تعود …ثم حدق فينا وقال : السرائر .. السرائر، عليكم بالسرائر اللاتي تخفى عن الناس وهن على الله تعالى بوادٍ (ظاهرة)، التمسوا دواؤهنَّ فقال منذر :وما دواؤهن؟ فقال الشيخ :التوبة النصوح (التوبة الصادقة المقترنة بالعزم على عدم العودة) ثم بكى حتى بللت دموعه لحيته، فقال له منذر :أتبكي وأنت أنت؟ (إشارة إلى ما عُرف من صلاحه وعبادته وزهادته) فقال : هيهات ..لم لا أبكِ؟ وقد أدركت قوماً نحن في جنبهم (بالنسبة إليهم)  لصوص  (يقصد الصحابة رضوان الله عليهم). قال هلال :وفيما نحن كذلك إذ دخل علينا ابن الشيخ فحيـّـا وقال :يا أبتِ إن أمي قد صنعت لك خبيصاً (حلوى)  وجودته …وإنه ليجبر قلبها ان تأكل منه. فهل آتيك بـه؟ فقال :هاته .فلما خرج ليحضره.. طرق الباب سائل، فقال :ادخلوه. فلما صار في صحن الدار (باحتها) نظرتُ إليه، فإذا هو رجل كهل ممزق الثياب قد سال لعابه على ذقنه، وبدا من ملامح وجهه انه معتوه، فما كدت أرفع بصري عنه حتى أقبل إبن الشيخ بصحفة الخبيص (وهو وعاء منبسط يشبع الخمسة)، فأشار إليه أبوه :أن ضعها بين يدي السائل .فوضعها بين يديه.. فأقبل عليها الرجل، وجعل يلتهم ما فيها التهاماً ولعابه يسيل فوقها… فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصحفة كله .فقال له ابنه :رحمك الله يا أبت لقد تكلفت أمي وصنعت لك هذا الخبيص .. وكنا نشتهي أن تأكل منه فأطعمته لهذا الرجل الذي لا يدري ماذا أكل فقال يا بني : إذا كان هو لا يدري، فإن الله يدري، ثم تلا قوله عز وجل ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ سورة آل عمران. وفيما هو كذلك إذ دخل عليه رجل من ذوي قرباه وقال :يا أبا يزيد، قتل الحسين بن فاطمة عليه وعلى أمه السلام، فقال :إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم تلا قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ سورة الزمر. لكن الرجل لم يشفه كلام الشيخ، فقال له :ماذا تقول في قتله؟ فقال : أقول إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم .قال هلال : ثم إني رأيت وقت الظهر قد اقترب فقلت للشيخ: اوصني . فقال :لا يغرنك يا هلال كثرة ثناء الناس عليك، فإن الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك …واعلم انك صائرٌ إلى عملك …وإن كل عملٍ لا يبتغى به وجه الله يضمحل  (يتلاشى)، فقال منذر :وأوصني أنا أيضا جزيت خيراً ..فقال :يا منذر. اتق الله فيما علمت… وما أستؤثر عليك بعلمه فكِلهُ إلى عالمه ..يا منذر، لا يقل أحدكم :اللهم إني أتوب إليك ثم لا يتوب فتكون كذبة …ولكن ليقل :اللهم تب عليَّ فيكون دعاء .واعلم يا منذر أنه لا خير في كلامٍ إلا في تهليل الله (قول لا إله إلا الله  ..وتحميد الله …وتكبير الله …وتسبيح الله) وسؤالك من الخير …وتعوذك من الشر …وأمرك بالمعروف …ونهيك عن المنكر …وقراءة القرآن... فقال له منذر :لقد جالسناك فما سمعناك تتمثل بالشعر، وقد رأينا بعض أصحابك يتمثلون به، فقال :ما من شيء تقوله هنا (في الدنيا)  إلا كتب وقرئ عليه هناك (في الآخرة) وأنا أكره ان أجد في كتابي بيت شعر يقرأ علي يوم يقوم الحساب .ثم التفت إلينا جميعا وقال :أكثروا من ذكر الموت فهو غائبكم المرتقب …وإن الغائب إذا طالت غيبته أوشكت أوبته (قربت عودتُه) وترقبه ذووه .ثم استعبر (بكى وسالت عبراته) وقال :ماذا نصنع غداً ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ سورة الفجر، قال هلال :وما كاد الربيع ينتهي من كلامه حتى أذن للظهر، فأقبل على ابنه وقال :هيا نجب داعي الله ..فقال لنا ابنه :أعينوني على حمله إلى المسجد جزيتم خيراً .فرفعناه فوضع يداه على كتف ابنه ويسراه على كتفي وجعل يتهادى (أي يمشي بين اثنين ويعتمد عليهما في مشيه) بيننا ورجلاه تخطان على الأرض خطاً .فقال له المنذر :يا أبا يزيد، لقد رخص الله لك فلو صليت في بيتك !فقال :انه كما تقول …ولكني سمعت المنادي يقول حي على الفلاح… حي على الفلاح (أقبلوا على الفوز والنجاة)  فمن سمع منكم المنادي يدعوه إلى الفلاح ..فليجبه ولو حبواً  (زحفاً على اليدين والبطن).

وبعدُ … فمن الربيع بن خُثيم هذا؟!

إنَّه علمٌ من أعلام التابعين… وأحد الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد في عصرهم. عربي الأصل… مُضري الأرومة (أي إن أصله ينتهي إلى مضر أحد أجداد رسول الله e) يلتقي مع رسول الله e في جدَّيه إلياس ومُضر. نشأ منذ نعومة أظفاره في طاعة الله… وفطم نفسه منذ حداثتها على تقواه…كانت أمه تنام في الليل ثم تصحو فتجد ابنها اليافع مازال صافاً في محرابه…ســابحــاً في منـــاجاتــه…مُستغرقاً في صـــلاته…فتناديه وتقول: يا بني-يا ربيع-ألا تنام؟ فيقول: كيف يستطيع النوم من جنَّ عليه الليل (غشاه الليل وأظلم عليه) وهو يخشى البيات؟ (هجومُ الخصوم). فتتحدَّر الدموع على خدَّي أمه العجوز وتدعو له بالخير. ولمَّا شبَّ الربيع ونما، شبَّ معه ورعه ونمت بنموه خشيته من الله… ولقد أرَّق أمه كثرة تضرعه وشدة نحيبه في عتمات الليل، والناس نيام حتى ظنَّت به الظنون… فصارت تناديه قائله: ما الذي أصابك يا بني؟ لعلك أتيت جُرماً… لعلك قتلت نفساً… فقال: نعم يا أماه، لقد قتلت نفساً… فقالت في لهفة: ومن هذا القتيل-يا بني-حتى نجعل الناس يسعون إلى أهله لعلهم يعفون عنك؟ والله لو علم أهل القتيل ما تعاني من البكاء وما تكابد من السهر لرحموك. فقال: لا تُكلمي أحداً. فإنما قتلت نفسي…لقد قتلتها بالذنوب…

ولقد تتلمذ الربيع بن خُثيم على يد عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله e أقرب الصحابة هدياً وسمتاً (هيئة) من النبي e. وقد تعلّق الربيع بأستاذه تعلُّق الوليد بأمه… وأحب الأستاذ تلميذه حب الأب لِوحيده… فكان الربيع يدخل على ابن مسعود من غير إذن، فإذا صار عنده لم يؤذن لأحد بالدخول عليه حتى يخرج الربيع. وكان ابن مسعود يرى من صفاء نفس الربيع، وإخلاص قلبه وإحسان عبادته ما يملأ فؤاده أسى على تأخر زمانه عن النبي e، وحرمانه من صحبته… وكان يقول له: يا أبا يزيد لو رآك رسول الله e لأحبك. كما يقول له:
ما رأيتك مرةً إلا ذكرت المخبتين (الخاشعين)... ولم يكن عبد الله بن مسعود مغالياً في ذلك. فقد بلغ الربيع بن خُثيم من الخشية والورع والتقوى مبلغاً قلَّما سما إليه أحد من طبقته. وأُثرت عنه في ذلك أخبار ما تزال تزهو بها صفحات التاريخ… من ذلك ما رواه أحد أصحابه قال: صحبت الربيع عشرين سنة فما سمعته يتكلم إلا بكلمةٍ تصعدُ… وتلا قوله عز وجلّ  ﴿إليه يصعدُ الكـــلِمُ الطيِّبُ والعَمَلُ الصَّالحُ يرفعُهُسورة فاطر. وأخبر عنه عبد الرحمن بن عجلان قال: بِتُّ عند الربيع ليلةً فلمَّا أيقن أنِّي دخلت في النوم قام يصلي: فقرأ قوله جلّ وعزّ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَسورة الجاثية، فمكث ليلته يصلي بها … يبدأُها ويعيدها حتى طلع عيه الفجر …وعيناه تسُحَّان الدموع سحَّاً…

وللربيع في خوف الله وخشيته أخبار كثيرة، من ذلك ما رواه أصحابه قالوا: خرجنا يوما بصحبة عبد الله بن مسعود ومعنا الربيع، فلما صرنا على شاطئ الفرات مررنا بأتون (موقد تحرق فيه الحجارة حتى تصير كلساً) كبير قد سُعرت ناره، فتطاير شررها، وتصاعدت ألسنة لهبها، وسمع زفيرها… وقد أُلقيت في الأتون الحجارة لتحترق حتى تصبح كلساً. فلما رأى الربيع النار توقف في مكانه، وعرته (أصابته) رعدة شديدة… وتلا قوله تعالى ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًاسورة الفرقان، ثم سقط مغشياً عليه، فرابطنا معه حتى أفاق من غشيته ومضينا به إلى بيته.

 وبعد… فقد ظل الربيع حياته كلها يترقب الموت ويستعد للقائه. فلما احتضر جعلت ابنته تبكي فقال: ما يبكيك يا بُنية وقد أقبل على أبيك الخير؟ ثم أسلم روحه إلى بارئها…

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...