Jump to content
Sign in to follow this  
الخلافة خلاصنا

الطب في ظل النظام الرأسمالي

Recommended Posts

الطب في ظل النظام الرأسمالي (1)

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن أخبره أنه طبيب: «الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق» (أبو داود)، أي: أنت ترفق بالمريض وتتلطفه، والله يبرئه ويعافيه.
لطالما كان الطب علماً إنسانياً هدفه تخفيف آلام ومعاناة البشر الجسدية والنفسية أولاً وقبل كل شيء. وعلى مدار التاريخ، كان الطبيب شخصاً نال الاحترام والثقة، باعتباره رفيق المريض، تعالى على مصالحه وشهواته الذاتية في سبيل مساعدة الضعفاء، وأقسم أن لا يضر محتاجًا أو يخون أمانة.
جاء في قَسَمِ أبيقراط في القرن الرابع قيل الميلاد: «أقسم أن أحمي المرضى من الأذى والظلم… وأن لا أصف لمريض دواءً قاتلاً ولا أعطيه نصيحةً تؤدي لموته.. أقسم أن أحيط حياتي وعلمي بالطهارة والقداسة، وبغض النظر عن أي بيتٍ أزور، سأسعى إلى فائدة المريض متعالياً عن قصد الظلم أو الإساءة».
وعلى اختلاف الشعوب والحضارات التي شغلت من التاريخ حيزًا، واختلافها في النظرة إلى الحياة، بقيت للطب مكانته الإنسانية، وبقي قَسَمُ أبيقراط (بصيغِهِ المختلفة) منهجًا لا حياد عنه، حتى في أشد عصور الظلمات، إلا ما شذّ وندر من حالات فردية لا ترقى لأن تكون ظاهرة.
لقد ابتلينا في هذا الزمن بحضارة من أسوأ ما تفتقت عنه عقول البشر القاصرة، حضارة فصلت الدين عن الحياة، وتغاضت عن قيم الأخلاق والإنسانية فضلاً عن القيمة الروحية، ولهثت وراء المادة، ورفعت راية الرأسمالية فوق رقاب الضعفاء، فاستعبدت الناس.
ولم يسلم الطب من وحل الرأسمالية، ولم ينجُ من أنظمتها وطريقة عيشها، فأضحى أداةً لأصحاب رؤوسِ المال، يستغلونه -كما استغلوا كل شيء- لمص دماء المرضى الضعفاء وأموالهم، ولإشباع جشعهم ونزواتهم التي لا تشبع.
ومن فُحش الرأسمالية، أن ظهر الفساد في كل نواحي الطب تقريباً، في نظام التأمين الصحي وشركاته، في شركات الأدوية وأبحاثها، في الملكية الفكرية وبراءات الاختراع، وفي استغلال الشركات للأطباء واستغلال الأطباء للمرضى. وكما في كل مكان دخلته الرأسمالية، لا بقاء ولا حياة للضعيف، ولا قيمة إلا للمال.
ولم تكن المشكلة هذه المرة في حالات فردية حصلت هنا وهناك، ولكن كانت المشكلة في أساس النظام حيث تفشت لتصيب كل فروعه.
ومن منطلق إظهار الحق، ولتستبين سبيل المجرمين، نتطرق في هذا البحث لبعض ما نال جانب الطب في ظل الرأسمالية، مستعرضين بعض المجالات والنواحي التي نخرها سوس النفعية وأبلاها ظلم الأنظمة الوضعية، آملين من الله أن ينجلي ظلام هذا المبدأ العفن قريباً، ببزوغ شمس الخلافة الموعودة القريبة بإذن الله، وأن تعود للإسلام مكانته ونظامه، ليحفظ لكل ذي حق حقه.
1- التأمين الصحي:
الرأسمالية في أساسها مبدأ ظالم لا مكان فيه للضعفاء، ولا راحة فيه للأقوياء، ولو طُبِّق النظام الرأسمالي كما هو، لثار الناس لشدة ما سيقع بهم من حيف وجور واستغلال. والعقلية النفعية التي لا تقيم وزنًا إلا للمادة، تحمل صاحبها على فعل أي شيء يحقق الربح، ولو كان فيه هلاك الناس، ودمار المجتمع، بل حتى لو كان فيه هدمٌ للنظام الرأسمالي نفسه. ولذلك، وحفظًا للنظام الرأسمالي من حنق الناس وثورتهم ضده إذا طُبق عليهم كما هو، اضطر الرأسماليون إلى إصدار بعض القوانين المخالفة في أصلها للمبدأ الرأسمالي، والتي تهدف إلى ترقيع هذه الثغور المُهلكة في نظامه.
فمثلاً: لو طُبق النظام الرأسمالي كما هو، لكان لصاحب العمل أن يُشغّل من يشاء بأي أجر يشاء، لكون الرأسمالية لا تقيم وزنًا إلا للربح والمنفعة، وحينها سيثور الناس ضد الرأسماليين والدولة، وقد يُغيِّرون النظام. وهنا أدت العقلية النفعية ذاتها في الغرب إلى ابتكار فكرة ترقيع النظام الرأسمالي لإطالة عمره، بأحكام مثل: الحد الأدنى للأجر، وأجر التقاعد للموظفين والإكراميات للعمال، وتعليم أبناء الفقراء مجاناً، وغيرها مما يختلف مقداره وشكله بين دول الرأسمالية المختلفة.
والتأمين الصحي ليس إلاّ واحدًا من هذه الأحكام الترقيعية، وقد تطوّر إلى الشكل الذي نعرفه اليوم من أواسط القرن العشرين إلى أواخره، أي في فترة وجود الشيوعية وخوف العالم الغربي من نشر أفكارها بإثارة العمال في الغرب ضد الرأسماليين.
والتأمين الصحي وسيلة لتغطية تكاليف الرعاية الصحية. وتقوم الحكومات بتوفيره لسكانها لضمان استفادتهم من الخدمات الصحية- عن طريق نظام تأمين بتكلفة معينة يستطيع المواطن دفعها، أو برنامج تموّله الحكومة ويمكّن أولئك السكان من الحصول على الخدمات الصحية الأساسية دون التعرّض لمخاطر الإملاق أو ضائقة مالية حادة.
وتختلف الطرق المتّبعة إزاء الحماية الصحية الاجتماعية باختلاف البلدان، غير أنّ القاسم المشترك بين جميع البلدان في هذا المجال هو نظام يُدعى نظام تجميع المخاطر. ويمكّن ذلك النظام مجموعة واسعة من الأشخاص من تقاسم مخاطر الإصابة بالمرض واللجوء إلى رعاية مكلّفة. ويعني ذلك أنّه يتم جمع الأموال المخصّصة للرعاية الصحية عن طريق الدفع المسبق، وإدارتها بطريقة تضمن تحمّل جميع أفراد تلك الجماعة -وليس الدولة- تكاليف الرعاية الصحية في حال الإصابة بالمرض، بدلاً من أن يتحمّل كل فرد تلك التكاليف على حدة، وبدلاً من أن تتحملها الدولة.
وفي ذلك النظام يواصل الأشخاص الأصحاء، الذين لا يحتاجون إلاّ إلى رعاية صحية محدودة، تمويل الأشخاص المرضى الذين يعتمدون بشكل أكبر على الموارد الصحية المتاحة.
ويمكن إدارة نظام تجميع المخاطر بطريقتين اثنتين هما:
1- التمويل الصحي القائم على الضرائب: تستخدم الحكومة الدخل المتأتي من الضرائب العامة لتمويل خدمات الرعاية الصحية. ويحقّ لجميع الناس الاستفادة من تلك الخدمات؛ وبالتالي تكون التغطية شاملة.
2- التأمين الصحي الاجتماعي: تُجمع مساهمات الرعاية الصحية من العمال والأشخاص الذين يعملون لحسابهم والمؤسسات والحكومة. ويتم تجميع تلك الأموال في صندوق أو صناديق للتأمين الصحي الاجتماعي. ولا يمكن تحقيق التغطية الشاملة عن طريق هذا النظام التمويلي إلاّ إذا قام كل من السكان بدفع ما عليه، وإذا تم تحديد مساهمة كل فرد وفق قدرته على الدفع. وعليه تلجأ معظم نُظم التأمين الصحي الاجتماعي إلى مصادر تمويلية مختلفة، وتقوم الحكومة بدفع مساهمات الأشخاص غير القادرين على سدادها.
وهناك فئة من السكان في بعض البلدان تستفيد من تغطية مباشرة من خلال الضرائب العامة، بينما على الفئة الثانية دفع مساهمات إلى أحد صناديق التأمين الصحي الاجتماعي أو غير ذلك من أشكال التأمين الصحي، التي قد تكون مؤسسات خاصة.
هذا هو التأمين الصحي باختصار، ورغم أن هذا الحكم جاء لترقيع النظام الرأسمالي، إلا أنه في حقيقته ظلم فضلاً عن أنه يطيل عمر الرأسمالية ويُثبّت جورها. فلماذا يُعالج الفقراء مجانًا مثلاً ولا يعالج باقي الناس مجانًا؟ علمًا أن الدولة مسؤولة عن كفاية الأمة كلها فرداً فرداً فيما لا بد منه كالتطبيب والتعليم والدفاع وحفظ الأمن، وذلك للفقير والغني وللضعيف والقوي سواء بسواء. ولكن بما أن الدولة في النظام الرأسمالي غير ملزمة برعاية شؤون الناس، ابتدعت هذا النظام لكي تمتص به غضب السكان من عدم الاهتمام بشؤونهم الصحية وخصوصًا من لا يستطيع منهم الحصول عليها بنفسه.
كما أن المُؤَمَّن قد لا يتعالج بمقدار ما اقتطع من أجره أو ما دفعه، وطبعاً هو لا يُعاد إليه. وهذا الجزء من أُجْرة المُقتطَعِ منه الذي لا يعاد إليه يكون مظلمة!
وقد يُصاب المُؤَمَّن بمرض نادر أو يحتاج إلى علاج خاص، ولا يوفره له برنامج التأمين بحجة أن الاتفاق الموقع لا يشمل هذه الخدمات، وكأن على الإنسان أن يطلع على الغيب ليعرف أي خدمة سيحتاج وأيها لن يحتاج مع مرّ الزمن!! وبذلك يكون قد دفع التأمين طوال حياته، حتى إذا مرض واحتاجه لم يجده. فهدف شركات التأمين ليس رعاية شؤون الناس وعلاجهم، بل هو الربح وتحقيق المنفعة المادية فقط.
وتكتب شركات التأمين عقودها بصورة مُعقدة وغير مفهومة لكثير من الناس، حتى تتهرب قدر الإمكان من دفع التأمين إذا احتاج إليه المُتعاقد. وما من شيء أيسر على شركات التأمين من إيجاد السبب لإبطال عقد من العقود، والتحلل من التزاماته؛ فالظروف غير العادية -حسب نظامها- تجعلها في حل من جميع التزاماتها، وزيادة الخطر من مبطلات الالتزام ما لم يزد المُؤمَّن في قيمة القسط. والإخلال بشرط من شروطها مهما خفي أمره يعتبر لديها من أهم المحللات. وقد وضعت شروطها وأحْكَمَتْها بحيث لا يأتي بها كاملة إلا قلة من الناس، فيندر أن يَسْلَمَ أحدٌ من المؤمَّنِ لهم من شر هذه الشروط التي تجد شركات التأمين فيها أعظم مجال لتصيُّد الثغرات والتحلل من الالتزامات.
فعلى سبيل المثال، في عقد شركة تأمين معينة، كان على الشركة تمويل علاج كيماوي مُعيّن لسرطان الأمعاء الغليظة فقط إذا كان الورم في المستقيم، والمستقيم طوله حسب كتب التشريح 10-15 سم، فما كان من شركة التأمين إلا أن كتبت في العقد أن طول المستقيم المعتبر في العقد هو 10 سم. وبما أن 99% من المُؤمّنين لا يعرفون شيئًا عن طول المستقيم، فقد يجد بعضهم نفسه مع ورم في أعلى المستقيم بعد أن دفع لسنوات ثمن التأمين الباهظ، ولا يستطيع الحصول على العلاج بسبب فرق 1 أو 2 سم في مكان الورم!!
هذا كله فضلاً عن البيروقراطية المقيتة التي تنتهجها شركات التأمين، فلا يكاد يُحصّل المُؤمَّنُ ما تعاقد عليه مع الشركة إلا بشق الأنفس، هذا إن لم يستسلم خلال غوصه في كوم الأوراق.
وكما استغلت الرأسمالية كل شيء وبحثت عن المنفعة في كل جُحر، استغل الرأسماليون نظام التأمين، فشركات التأمين تجبي من المُؤَمَّنين أضعاف أضعاف ما تنفقه على علاجهم.
وكما قُلنا فإن الخطر الأساسي من التأمين الصحي آت من جهة أنه وسيلة لإطالة عُمر الرأسمالية وتسلطها على رقاب الناس، وهذا أخطر الجوانب في هذا النظام.
لقد أوجب الإسلام على الدولة تحقيق إشباع الحاجات الأساسية للرعية، ‎ومن ضمنها التطبيب، فتؤمن الدولة التطبيب للجميع لا فرق بين غني وفقير ولا بين موظف وغير موظف،‎ وتدفع جميع النفقات المترتبة على ذلك من بيت المال أي من خزينتها، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته» (أخرجه أحمد). والطب من المصالح والمرافق التي لا يستغني عنها الناس، فهو من الضروريات، قال عليه الصلاة والسلام: «‏من أصبح منكم معافى في جسده آمنًا في ‏سربه ‏‏عنده قوت يومه فكأنما‏ ‏حيزت‏ ‏له الدنيا» (ابن ماجه)، فقد جعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الصحة حاجة، على أن عدم توفير الطب لمجموعة الناس يؤدي إلى الضرر، وإزالة الضرر واجبة على الدولة، قال عليه الصلاة والسلام: «لا ضرر وضرار» (الإمام مالك). فمن هذه الناحية أيضاً كان التطبيب واجباً على الدولة. وفوق هذا فإن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أهدي إليه طبيب فجعله للمسلمين، فكون الرسول جاءت الهدية له ولم يتصرف بها ولم يأخذها بل جعلها للمسلمين، دليل على أن هذه الهدية مما هو لعامة المسلمين وليست له.
2- شركات الأدوية:
تقتضي حرية التملك في النظام الرأسمالي أن يُتاح للفرد أو للشركات أن يسعوا للحصول على الربح والمنفعة بأي طريقة كانت، بشرط عدم التعدي على حريات الآخرين، ولو استغلوا الناس وغشّوهم، طالما أنه برضاهم. وقد أدى هذا المبدأ بالفعل إلى ظُلم الفقراء والضعفاء واستغلالهم بصورة بشعة، بل وحرمانهم من حقهم الأساسي بالتطبيب والعلاج.
وللدواء -كسلعة- ثلاث خصوصياتٍ رئيسة، تجعل منه السلعة الأكثر حرجاً إجتماعيّاً واقتصادياً:
الأولى تتمثل في أن الدواء سلعة لا يمكن لمن يحتاجها أن يستغني عنها.
الثانية هي أن الحاجة للدواء موجودة على الدوام منذ عرف الإنسان الدواء، ولم تتوقف الحاجة إليه قط، وهذه الحاجة تتطور باستمرار للزوم الحصول على علاج أنجع، وكذلك للزوم المجابهة العلاجية لمستجدات مرضية جديدة.
الثالثة تختص باعتماد براءة الاختراع على الدواء بعد البحث العلمي العميق والمتواصل.
إن هذه الخصوصيات الثلاث تفسر -إلى حد كبير- سر تمتع الدواء بقيمة مضافة عالية تجعل منه السلعة الأكثر ربحية على الإطلاق بين جميع السلع المشروعة. وكذلك السلعة الأهم عند التعامل مع اتفاقية حقوق الملكية الفكرية (TRIPS).
ولا تنفك شركات الأدوية الكبرى ومافيات سوق الأدوية الدولية تحتكر تصنيع الأدوية وبراءات اختراعها، مستغلة في ذلك الاتفاقيات الدولية الخاصة بالتجارة الدولية وحماية الملكية الفكرية وغيرها من الوسائل (GATT،TRIPS). وبما أن هذه الشركات الرأسمالية لا تُقيم وزنًا لغير الربح، فهي ترفع سعر الدواء بصورة فاحشة، وتمنع الآخرين من تصنيعه ومنافستها في السعر تحت حجة “براءة الاختراع”. والمتضررون بطبيعة الحال من هذا الاحتكار الفاحش هم الأفراد الفقراء، أو دول العالم الثالث التي لا تستطيع تأمين الأدوية باهظة الثمن لسكانها. وقد ذهبت شركات الأدوية أبعد من ذلك، حيث أنفقت على جماعات الضغط لتعمل على التأثير على الحكومات من أجل عدم التدخل في أسعار الأدوية، فحسب تقرير لمنظمة بابليك سيتيزن الأميركية لحماية المستهلكين والذي صدر في يونيو 2003، بلغ إجمالي إنفاق شركات الأدوية الأميركية على جماعات الضغط بين سنة 1997 وسنة 2002 – 477.6 مليون دولار. وأكدت منظمة بابليك سيتيزن أن حجم إنفاق هذه الشركات على جماعات الضغط بقي ضئيلاً بالمقارنة مع الأرباح التي حققتها. فقد سجلت أهم عشر شركات للأدوية سنة 2002 وحدها ما يقارب 36 مليار دولار أرباحًا.
وهناك العديد من الأدوية المعروفة جيداً في السوق والتي تُستَخدَم منذ عقود طويلة ولا تخضع بالتالي لقوانين الاحتكار التجاري، ما يجعلها رخيصة الثمن وفي متناول أيدي الجميع، ولقد وُجِدَ مؤخراً أن للعديد من هذه الأدوية استخدامات جديدة في معالجة العديد من الأمراض المستعصية. ولكن شركات الأدوية تفضل إنفاق المليارات على بحوث لتطوير وترويج مستحضرات دوائية جديدة باهظة الثمن قليلة الفائدة تقوم باحتكار تصنيعها وبراءات اختراعها حيث تحقق لها ربحاً أكبر.
وباعتبار أن هذه الاحتكارات الدولية في سوق الدواء هي القوة الاقتصادية المحرّكة لتطوير البحوث الصيدلانية، فإنها لا تهتم بتبني الأبحاث العلمية التي تقود إلى إيجاد استخدامات جديدة للأدوية القديمة المعروفة والتي لا يعتبر تصنيعها حكراً على أحد، مما سيؤدي إلى توفير أدوية لا تقل في جودتها وفعاليتها عن تلك الأدوية الباهظة الثمن وبأسعار تجعلها في متناول الجميع، وبالتالي يتم توفير خدمات علاجية للجميع. ويكون المستفيد الرئيسي هنا هم المرضى وخاصة في الدول ذات الاقتصاديات الأقل نموًا والأكثر فقرًا في العالم.
وحسب مجلة دي لانسيت الطبية الأميركية (عدد 2 نوفمبر 2002) فإن شركات الأدوية هذه أصبحت الممول الرئيسي للبحث الطبي مما أسفر عن تضارب في المصالح. فرغم أن البحث الطبي يفضي إلى نتائج قيمة إلا أن الممولين قد يؤثرون في مسار الأبحاث ليضمنوا عدم تهديد أرباحهم.
وتستغل شركات الأدوية القانون الدولي الظالم لتبرير حرمان الدول الفقيرة والنامية من الدواء، وقصة مرض الإيدز هي قصة نموذجية لما تفعله حقوق الملكية الفكرية بالناس، فنسبة مرض الإيدز في جنوب أفريقيا تصل إلى حوالي 10% من السكان. وخلال السنوات الماضية تم تطوير مجموعة من الأدوية التي تُبقي المريض على قيد الحياة، حيث تمنع تكاثر الفيروس وتقلل كميته في الدم، لكن تبقى المشكلة في غلاء ثمن هذه الأدوية. فالشركات المنتجة للأدوية، بموجب نظام براءات الاختراع، تستطيع تحديد السعر الذي تريده.
وتقدر التكلفة الإجمالية لعلاج مريض الإيدز بألف دولار شهرياً، وهو رقم تعجز جنوب أفريقيا ومعها كل الدول الفقيرة عن توفيره لمرضاها، فجاء الحل عن طريق شركة هندية للدواء، حيث عرض المُصنِّع الهندي بيع كمية نوعية من الدواء بسعر أدنى من سعر الشركة المحتكرة بخمس وثلاثين مرة. وعندما منحته جنوب أفريقيا ترخيصاً لإنتاج الدواء اعتبرت شركات الدواء المتحالفة ذلك انتهاكاً لاتفاقية التجارة الحرة التي تفرض حقوقاً للملكية الفكرية!! وأقامت شركات الدواء المتضامنة دعوى على جنوب أفريقيا لانتهاكها تلك الحقوق.
وتشهد بعض دول العالم الثالث اليوم موقفًا مشابهًا لما حصل مع جنوب أفريقيا، كالبرازيل والهند وغيرهما من الدول المنكوبة بالمرض وتعذُّر شراء العلاج المُحتكر.
ومن الجهة المقابلة نجد أن الولايات المتحدة -الدولة الرأسمالية الأولى- وبعد أحداث 11/9 وما تلاها من تهديد بهجمات الجمرة الخبيثة، احتاجت إلى تخزين كميات كبيرة من دواء (السيبرو) المضاد الحيوي النوعي للجمرة الخبيثة، فهددت أميركا شركة (باير) الألمانية مالكة حقوق هذا العقار، إما بإعطائها الدواء بسعر خاص أو باللجوء إلى إنتاجه دون ترخيص، فرضخت الشركة.
وتتذرع شركات الأدوية بأنها تدفع الكثير من النفقات لتطوير الأدوية وإجراء الأبحاث، وبالتالي لا بد لها من الحماية الفكرية لكي تسترد التكلفة التي دفعتها من أجل إدامة البحث وتطوير أدوية جديدة. وتدعي أنها بعد أن تتحمل هذه النفقات لا يتبقى لها سوى نسبة متواضعة من الأرباح.
لكن المدقق يجد أن لا صحة البتة لما تدعيه شركات الأدوية: ففي عام 2002م على سبيل المثال، حققت أكبر عشر شركات أميركية في مجال صناعة الدواء مبيعات بلغت 217 ملياراً من الدولارات، وطبقاً للأرقام التي أعلنت عنها هذه الشركات فقد أنفقت 14% فقط من عائدات المبيعات على البحوث والتنمية.
كما أن أغلب الأدوية في أميركا مثلاً، اكتشفت في المخابر الحكومية، وفي العام 1995م إكتشفت مؤسسة ماساتشوستس للتكنولوجيا أنه من بين 14 دواء من الأدوية الواعدة في نظر مصانع الأدوية في الربع الأخير من القرن،هناك 11 دواء تم اكتشافه عبر أعمال موّلتها الحكومات، أي أن شركات الأدوية لم تنفق شيئاً على اكتشافها وتطويرها.
وظلت شركات الأدوية في الولايات المتحدة تحقق النسبة الأعلى من الأرباح بين كافة الصناعات الأخرى. ولنقارن هامش الـ17% من الأرباح الذي حققته أكبر عشر شركات أميركية لصناعة الدواء في عام 2002، بمتوسط الـ3.1% الذي حققته أكبر خمسمائة صناعة في ذلك العام طبقاً لمجلة “فورشن”. وفي عام 2003 هبطت صناعة الدواء للمرة الأولى هبوطاً طفيفاً من المركز الأول إلى المركز الثالث فيما يتصل بالأرباح، لكن أرباحها ظلت أعلى كثيراً من المتوسط.
ورغم كل تلك الأرباح والأسعار الاحتكارية المرتفعة فإن البحوث الطبية في تراجع، ويدل على ذلك تراجع عدد الأدوية المسجلة سنوياً. ففي عام 1996م أقرت إدارة الأغذية والدواء الأميركية (FDA) 53 دواءً جديدًا في الولايات المتحدة، بينما أقرت 17 دواءً جديداً فقط عام 2003م.
ولا تقف الأمور عند حد الاحتكار في بيع الأدوية ومنع الفقراء من شرائها، بل تتعدى ذلك إلى إخفاء الحقائق المتعلقة بمخاطر الأدوية وعوارضها الجانبية. فمثلا قامت شركة فيزر Pfizer بطرح دواء التهاب المفاصل “سيليبريكس” celebrex، بالرغم من اكتشاف الشركة بعد دراسة أجرتها منذ 4 سنوات أن عدداً غير قليل من مستخدمي الدواء عانوا من سكتات قلبية وجلطات.
وأوضحت هذه الدراسة أن نسبة من عانوا من مشاكل قلبية في الفريق الذي كان يأخذ الدواء كانت أكثر 3.6 مرات عمن عانوا من نفس المشاكل في الفريق الذي كان يأخذ الأقراص الوهمية. هذا وكانت شركة ميرك Merck Co. قد سحبت دواءها المُشابه لعلاج التهاب المفاصل vioxx “فيوكس” من السوق بعد أن وجدت أن هناك احتمالاً كبيراً لإصابة من يأخذه لأكثر من 18 شهراً بمشاكل في القلب وحدوث جلطات.
ولكن بعد سحب “فيوكس” من السوق استمرت شركة “فيزر” في الإعلان والترويج لسيلبريكس بقوة حتى أجبرتها هيئة الرقابة على الدواء والأغذية الأميركية على التوقف.
ويعلق “بروس باستي” مساعد مدير مركز الدراسات القلبية بجامعة واشنطن وهو خبير بالسلامة القلبية، وأحد من تابع تحليل الدراسة في حوار أجراه مع جريدة واشنطن بوست “يبدو أن فيزر قدمت لنا نتائج الدراسة بشكل يجعل خطورة الدواء تبدو أقل مما هي عليه”، وأضاف: “كان على الشركة أن تنشر نتائج هذه الدراسة منذ زمن طويل؛ فالدراسة اكتملت عام 2000م، ولكننا علمنا عنها في 2005م وهذا شيء غير مقبول؛ إذ كيف ننتظر من الأطباء أن يصفوا للمرضى علاجاً لا يعلمون المخاطر والفوائد الحقيقية له؟!”.
وتتعاون بعض المؤسسات الحكومية مع شركات الأدوية لإخفاء الحقائق المتعلقة بمخاطر الأدوية، ولا يُستغرب مثل هذا في حضارة الرأسمالية التي احترفت الرشوة والغش وسيلة للتكسّب، وقد ذكرت مجلة “نيوإنجلند جورنال أوف ميديسن” الطبية سنة 2007م أن إدارة الأغذية والدواء الأميركية (FDA) التابعة لوزارة الصحة الأميركية، صادقت على مضاد حيوي جديد يُدعى “كيتيك”، وهو من تصنيع شركة أدوية تُدعى “سانوفي أفينتيس”. وكانت إدارة الأغذية والدواء الأميركية قد فحصت وراجعت هذا الدواء ثلاث مرات، واعتمدت في مصادقتها له على دراسة أعدتها شركة “سانوفي أفينتيس” نفسها ودفعت فيها للأطباء 400 دولارًا لكل مريض يدخل الدراسة تحت مُسمى نفقات متعلقة بجمع المعلومات. ورغم أن متابعة إعتيادية لإدارة الأغذية والدواء الأميركية على الدراسة كشفت تزويرًا واضحًا في 4 من 10 من الأماكن التي فُحصت، ورغم أن التزوير في بعض الأحيان شمل نتائج كاملة مفبركة ومرضى غير موجودين على الإطلاق، صادق مراقبو إدارة الأغذية والدواء الأميركية على الدواء ثلاث مرات دون ذكر نتائج المتابعة، هذا فضلاً عن أن الدراسة لم تُثبت بشكل قاطع فائدة الدواء.
وفي حملاتها الإعلامية صرّحت شركة “سانوفي أفينتيس” أن تسويق دواء “كيتيك” كان الأكثر نجاحًا من بين كل المضادات الحيوية في التاريخ!
وبعد أن اكتشفت 53 حالة من تسمم الكبد خلال ثلاث سنوات من استعمال الدواء، بعضها كان مميتاً، وبعد رفض إدارة الأغذية والدواء الأميركية المتكرر لمراجعة الدواء ومخاطره، نزعت الإدارة المصادقة عن الدواء بعد تدخل الكونغرس الأميركي.
وهكذا فقد شاركت الحكومة الشركة غش الناس، وبيعهم دواءً لم تثبت نجاعته، وثبتت مخاطره مُسبقًا، وصدق من قال إن آثار الحضارة الرأسمالية خطرة على البشرية.
ولا تتورع شركات الأدوية عن اختلاق الكثير من الأمراض أو تضخيم مشكلات صحية بسيطة لبيع المزيد من الأدوية وتعزيز أرباحهم.
وهذا ما صرحت به المكتبة البريطانية للمعارف الطبية وكذلك باحثون في جامعة نيوكاسل في أستراليا، حيث قالوا في تقرير لهم إن “ترويج الأمراض هو توسيع حدود المرض وبالتالي زيادة نمو الأسواق بالنسبة لهؤلاء الذين يبيعون ويقدمون العلاجات”. وأضاف الباحثون أن محاولات هذه الشركات تتجلى “بوضوح كبير في حملات التوعية بالأمراض التي تمولها العديد من شركات الأدوية. وهي تهدف في كثير من الأحيان إلى بيع الادوية أكثر منها إلى التوعية أو التعريف أو التثقيف بشأن أمراض أو الوقاية الصحية”.
ومن الأمثلة الجديرة بالذكر هنا، الحالة المعروفة بآلام ما قبل الحيض، أو عسر الطمث، فعلى الرغم من أن جميع النساء، منذ حواء وعبر ملايين السنين، يتعرضن لتغيرات فسيولوجية طبيعية في الأيام السابقة مباشرة للدورة الشهرية، فإن شركات الأدوية اكتشفت خلال الآونة الأخيرة أنها حالة مرَضية، تتطلب التدخل من خلال قائمة طويلة من العقاقير والأدوية. وتتراوح أعراض هذه الحالة المرَضية -حسب رأي شركات الأدوية- ما بين التقلب المزاجي، والاكتئاب، والتوتر، والتهيُّج العصبي، والانتفاخ، والتقلصات، وهي الأعراض التي تصيب 75% من النساء، حسب رأي الشركات أيضاً.
وغني عن الذكر طبعاً، وبخلاف بعض النصائح العامة والبسيطة للتخلص من هذه الأعراض، إن شركات الأدوية تقوم حالياً بتسويق قائمة أدوية شديدة التأثير على الجهاز العصبي المركزي. وبما أن ثلاثاً من كل أربع نساء هن (مصابات) بهذه الحالة، نجد أن مبيعات هذه العقاقير تبلغ عشرات بل مئات الملايين من الدولارات سنوياً. هذا على الرغم من أن الدراسات منذ أكثر من سبعة عشر عاماً، وبالتحديد منذ عام 1989، قد أظهرت أن التغيرات الحادثة في مزاج النساء وحالتهن الصحية قبل الدورة الشهرية، لا تختلف كثيراً عن بقية أيام الشهر. والأدهى والأكثر وقعاً، أن العديد من الدراسات أظهرت أن النساء اللواتي تلقين أدوية وهمية، أو “بلاسيبو”، تحسنت لديهن الأعراض بنفس القدر لدى النساء اللواتي كن يتلقين عقاقير شديدة المفعول وكثيرة المخاطر والأعراض الجانبية أيضاً. ورغم كل هذه الدراسات، وما تظهره من وهمية هذه الحالة، نجد أن ماكينة التسويق لدى شركات الأدوية، قد نجحت في أن تجعل منظومة توتر ما قبل الحيض واقعاً طبياً واجتماعياً، ليس لدى العامة فقط، بل بين أفراد المجتمع الطبي أيضاً.
وهذا ما قامت به شركة “ميرك” أيضًا عندما أنتجت دواء الصلع “propcia“، فقد لوحظت حملة من قبل الصحف الرائدة تحدث الناس عن المشاكل النفسية الوخيمة التي تنتج عن سقوط الشعر!!! وكانت هذه الحملة من تنظيم شركة العلاقات العامة العالمية “إدلمان”.
وضمن هذه الحملة كان هنالك دراسة جديدة وجدت أن ثلثي الرجال يعانون من إحدى درجات سقوط الشعر، ودعمت هذه الدراسة بتعليقات من بعض المتخصصين بهذا المجال، وخبر عن إنشاء معهد عالمي لدراسة الشعر، وأضافت الدراسة أن فقدان الشعر يؤدي إلى الاضطراب والهلع بجانب بعض المشاكل النفسية الأخرى؛ بل ويؤثر على السلامة العقلية والكفاءة في العمل!!!
ولكن لم يصرح المقال أن شركة “ميرك” هي التي قامت بعمل الدراسة وإنشاء المعهد، وأن الخبراء الذين علقوا على الدراسة في المقال جاءوا عن طريق شركة “إدلمان”، حتى لا تعلن شركة “ميرك” عن دوائها بشكل مباشر.
ولا تقتصر ظاهرة التوسيع على اختراع أمراض جديدة، بل تظهر أيضاً من خلال تضخيم أمراض بسيطة ومعروفة أو تهويل تأثير عوامل الخطر. فعلى سبيل المثال، عوامل الخطر، مثل هشاشة العظام وارتفاع الكوليسترول، تحولت هي الأخرى من مجرد عوامل خطر إلى أمراض، تعالج بعقاقير تباع بثمن يبلغ أحياناً مئة ضعف تكلفة إنتاجها. وأحيانا أخرى تلجأ شركات الأدوية إلى تكتيك آخر، من خلال دعمها مادياً لأبحاث مشبوهة، توسع من نطاق المرض وتزيد من عدد المرضى. فعلى سبيل المثال تم قبل فترة تخفيض الحد الذي يفترض أنه طبيعي لمستوى الكوليسترول في الدم، وهو معدل يستخدم في تحديد ما إذا كان الشخص مصاباً بارتفاع في الكوليسترول أم لا وهو ما يعني أن الأشخاص الذين يجب خضوعهم للعلاج بالعقاقير المخفضة للكوليسترول، قد تضاعف عددهم في طرفة عين ترافقاً مع هذا التخفيض، وتضاعف معهم أيضاً حجم مبيعات الشركات المصنعة لمثل تلك العقاقير. وهو ما يعني أن هذه التكتيكات والاستراتيجيات، لا تزيد فقط من عدد الأمراض، بل تزيد من عدد من يتم توصيفهم كمرضى، وهو بالتالي ما يزيد من مبيعات شركات الأدوية. وتجدر الإشارة هنا أن ستة من تسعة أعضاء اللجنة التي أصدرت القرار الجديد حول مستويات الكولسترول حصلوا على منح او استشارات مدفوعة من شركات الأدوية المخفضة للكولسترول. وقد خفضت اللجنة مستويات الكولسترول التي يجب الوصول إليها في الدم بواسطة الأدوية وبذلك ضخمت عدد “المرضى” الذين يجب على الطبيب “قانونياً” أن يصف لهم دواء الكولسترول. ولا حاجة للإشارة إلى أن أرباح شركات أدوية الكولسترول بلغت مستويات قياسية. ولن أبسط البحث أكثر لأبين أن لأدوية تخفيض الكولسترول أعراضًا جانبية غير بسيطة يمكن أن تؤذي من يتناولها لغير حاجة.
وفي النهاية، وبما أن العالم الثالث والفقراء لا يشكلون عند العالم الرأسمالي أكثر من سوق استهلاكية يرمون فيها بضاعتهم الفائضة، تُصدّر شركات الأدوية أحياناً شحنات من الدواء الفاسد لهؤلاء الناس، ولا تزال قضية الدم الملوث بالإيدز الذي أرسلته شركات الأدوية الفرنسية لمعالجة أطفال عراقيين مصابين بالهيموفيليا تراوح مكانها لحد الآن رغم مرور أكثر من عشرين عاماً على هذه الجريمة. ولقي ما لا يقل عن 199 عراقياً حتفهم من أصل 238 أصيبوا بمرض الإيدز بعد حقنهم بدم ملوث اشترته حكومة النظام السابق من شركة فرنسية مطلع ثمانينات القرن الماضي، في حين ينتظر الباقون مصيرهم في ظل افتقاد العلاج اللازم وفقاً لتقارير هيئة الهلال الأحمر العراقي.
وقال رئيس الهيئة سعيد إسماعيل حقي لوكالة فرانس برس في بغداد: «أجرينا مفاوضات مع فرنسا للتوصل إلى تسوية أوضاع 238 شخصاً أصيبوا بالإيدز قضى منهم 199 حتى الآن بسبب الدم الملوث لكنها توقفت عام 2004 فالتعويض المعروض من قبل الفرنسيين كان مهيناً للضحايا لأنه لا يغطي حتى تكاليف العلاجات فضلاً عن الجانب الإنساني في القضية». وأضاف: «عرضت الشركات مبالغ تراوحت بين خمسة آلاف و25 ألف دولار، فهذا المبلغ لا يفي بتكاليف العلاج (…) خمسة آلاف دولار فقط فهل لأنه عراقي؟ هل هذا ما يساويه الإنسان؟ نحن الآن نطالب بـ238 مليون دولار أي مليون دولار لكل ضحية». وقال أيضًا: «ما فعلته الشركات لا يمكن السكوت عنه أو التساهل حياله. وجهنا نداءات إلى شركات الأدوية بواسطة الاتحاد الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر لنحصل على الدواء الثلاثي لمعالجة المصابين لكننا لم نتلقَ شيئاً». «على العالم المتحضر أن يطلع على معاناة المصابين وعائلاتهم وخصوصاً فرنسا. فهل هذه هي الحضارة الغربية؟».
وقد رُفعت دعوى قضائية ضد شركات أفنتيس وسانوفي وباكستر عبر سفارات العراق في باريس وواشنطن، لكن دون جدوى.
وكانت وكالة الأدوية الأميركية قد حذرت في حينه من أن الدم ملوث ورغم ذلك سلمته شركة ماريو الفرنسية إلى العراق وليبيا وتونس والجزائر.
إن هذا كله ما هو إلا ناتج طبيعي لوجهة النظر الرأسمالية عن الحياة. فالمادية والنفعية مقياسها، ومعالجات وتشريعات الملكية الفكرية نتاجها. ووجهة النظر هذه لا تُغَلِّب القيم المادية فحسب بل تُسَخِّر القيم الأخرى لتحقيق القيم المادية. كل ذلك بسبب الأساس الفاسد الذي انبثقت عنه هذه المعالجات الفاسدة التي أغرقت أصحابها والعالم أجمع بالشر والظلم باسم حماية الحقوق والمبتكرات.
[يتبع]
أبو الغيث – فلسطين


الوعي العدد 253

Share this post


Link to post
Share on other sites

الطب في النظام الرأسمالي (2)

قال (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن أخبره أنه طبيب: «الله الطبيب، بل أنت رجل رفيق» (أبو داود)، أي: أنت ترفق بالمريض وتتلطفه، والله يبرئه ويعافيه.
لطالما كان الطب علماً إنسانياً هدفه تخفيف آلام ومعاناة البشر الجسدية والنفسية أولاً وقبل كل شيء. وعلى مدار التاريخ، كان الطبيب شخصاً نال الاحترام والثقة، باعتباره رفيق المريض، تعالى على مصالحه وشهواته الذاتية في سبيل مساعدة الضعفاء، وأقسم أن لا يضر محتاجًا أو يخون أمانة.
جاء في قَسَمِ أبيقراط في القرن الرابع قيل الميلاد: «أقسم أن أحمي المرضى من الأذى والظلم… وأن لا أصف لمريض دواءً قاتلاً ولا أعطيه نصيحةً تؤدي لموته.. أقسم أن أحيط حياتي وعلمي بالطهارة والقداسة، وبغض النظر عن أي بيتٍ أزور، سأسعى إلى فائدة المريض متعالياً عن قصد الظلم أو الإساءة».
وعلى اختلاف الشعوب والحضارات التي شغلت من التاريخ حيزًا، واختلافها في النظرة إلى الحياة، بقيت للطب مكانته الإنسانية، وبقي قَسَمُ أبيقراط (بصيغِهِ المختلفة) منهجًا لا حياد عنه، حتى في أشد عصور الظلمات، إلا ما شذّ وندر من حالات فردية لا ترقى لأن تكون ظاهرة.
وأما قوانين حماية الملكية الفكرية، فهي أداة لكبار الرأسماليين للاحتكار والسيطرة على الأسواق، وهي أسلوب من أساليب الاستعمار الاقتصادي والثقافي، فرضتها الدول الكبرى الرأسمالية على دول العالم وشعوبه عن طريق المنظمة العالمية للتجارة، ليمنعوا الأمم الأخرى من الاستفادة الحقيقية من الاختراعات والأدوية الجديدة، لتظلّ بلادها أسواقاً استهلاكية لمنتجاتهم، ولتظلّ الأمم خاضعة لنفوذهم، يسرقون ثرواتها وخيراتها باسم الاستثمار والعولمة.
أما الإسلام، فقد نظّم الملكية الفردية باعتبارها مظهراً من مظاهر غريزة البقاء، فشرع للمسلم التملك لإشباع هذه الغريزة بما يضمن له البقاء والحياة الكريمة، فأباح له ملكية أكثر الأعيان كالأنعام والمساكن ومحاصيل الأرض، وحرم عليه بعض الأعيان كالخمر والخنـزير والمخدرات، كما حثه على التفكير وطلب العلم، وأباح له أخذ الأجرة على تعليم الآخرين. وشرع له أسباباً مبيحة للتملك كالبيع والإجارة والإرث، وحرم عليه أسباباً أخرى كالربا والقمار أو الغش.
والملكية في الإسلام بشكل عام هي إذن الشارع بالانتفاع بالعين، أما الملكية الفردية فهي: حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة يضاف إلى الفرد ، فيمكّنه من الانتفاع بالعين وبأخذ العوض عنها. والملكية الفردية في الإسلام لا تثبت إلا بإثبات الحكم الشرعي لها، وتقريره لأسباب ملكيتها، فالحق في ملكية الشيء ليس ناشئاً عن الشيء نفسه أو كونه نافعاً، وإنما هو ناشئ عن إذن الشارع بملكيته بسببٍ من أسباب التملك الشرعية كالبيع أو الهبة.
وقد جعل الإسلام للفرد سلطاناً على ما يملك، يمكّنه من التصرف والانتفاع بما يملك وفق الأحكام الشرعية، وأوجب على الفرد صيانة الملكية الفردية، ووضع عقوباتٍ زاجرةً لكل من يعتدي على ملكية الآخرين.
وأحكام الملكية الفردية تشمل ملكية الأفكار والابتكارات. فصاحب الفكرة أو الابتكار هو مالكها، وله حق الانتفاع بها، وله أن يبيعها وأن يعلمها لغيره بأجر أو بدون أجر، كما أن له أن يدوّنها في كتاب أو على شريط أو غير ذلك ويبيعها أو يوزعها أو أن يحتفظ بها لنفسه وينتفع بها وحده. فهذا كله جائز وجاء به الإسلام. إلا أن للملكية الفردية وللبيع شروطاً جاء بها الإسلام أيضاً. ومن شروط الملكية أن يكون للمالك سلطان على ما يملك أعطاه الشرع إياه. ومن أركان البيع أن ينتقل السلطان من البائع إلى المشتري. ولا سلطان للبائع على ما باع بعد البيع أي بعد إعطاء السلطان. وهذا ينطبق على الدواء، فبعد أن يبيعه المخترع أو المكتشف يُصبح الدواء ملك من اشتراه، وله أن يُحلِّله ويدرس تركيبته ثم يصنعه بنفسه ويبيعه. وإذا علّم مخترع الدواء غيره كيفية صنعه وتركيبته تصبح كيفية صنعه ملك من تعلمها، وله أن ينتفع بها أو أن يعلمها لغيره بأجر أو بدون أجر. وصاحب السلطان يحق له أن يفعل بملكه ما شاء مما أقره الشرع (ولا عبرة في بقاء سلطان للبائع في حالة بيع الدواء أو كيفية تركيبه، لأن العبرة في أن يحصل المشتري على السلطان على ما اشترى لا أن ينـزع السلطان من البائع). والبائع لا يحق له أن يشترط شيئاً يخالف هذا لأن هذا من أركان البيع، فإن خالفه أو اشترط شرطاً ينقص منه فإن ذلك مخالف للشرع ويكون الشرط باطلاً.
أمّا الشروط، التي نصّت عليها القوانين الوضعية، وسمحت بها لمؤلفي الكتب والبرامج والمخترعين أن يشترطوها باسم الحماية الفكرية، كحقوق الطبع وبراءة الاختراع، فهي شروط غير شرعية، لا يجب الالتزام بها، لأنّ مقتضى عقد البيع في الإسلام، كما يعطي للمشتري حقّ الملكية، يعطيه حقّ التصرف بما يملك، وكلّ شرط مخالف لمقتضى عقد البيع فالمشتري في حِلّ منه، ولو كان مئة شرط، فعن عائشة (رضي الله عنها): «أَنَّ بَرِيرَةَ أَتَتْهَا وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ قَدْ كَاتَبَهَا أَهْلُهَا عَلَى تِسْعِ أُوَاقٍ، فَقَالَتْ لَهَا: إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ عَدَدْتُهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَكَانَ الْوَلاءُ لِي. فَأَتَتْ أَهْلَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُم،ْوَأَبَوْا إِلا أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلاء لَهُمْ، فَذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالَ: افْعَلِي، فَفَعَلَتْ. فَقَامَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْه،ِ قَال:َ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، قَال: فَكُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِل، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ، وَالْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (رواه أحمد)، فالحديث يدلّ بمنطوقه على أنّ الشرط المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله لا يجوز الالتزام به، وما دامت شروط حماية الملكية الفكرية تجعل الانتفاع بالعين المباعة مقصورًا على انتفاع دون انتفاع آخر، فهي شروط باطلة، مخالفة لما في كتاب الله وسنة رسوله؛ لكونها مخالفة لمقتضى عقد البيع الشرعي، الذي يُمكّن المشتري من التصرف والانتفاع بالعين بأيّ وجه من الوجوه الشرعية كالبيع والتجارة والتصنيع والهبة. وإنّ الشروط التي تُحرم الحلال شروط باطلة لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً» (رواه الترمذي). وعليه فإنّه لا يجوز شرعاً أن تكون حقوق الطبع أو النسخ أو براءة الاختراع محفوظة، بل هي حقوق مباحة.
وهذا الحكم الشرعي كفيل بفتح السوق أمام منتجي الأدوية لإنتاج كل أنواع الدواء، فينخفض سعر الدواء بصورة كبيرة، ويصبح في متناول الجميع، بل ويُحفَّزُ البحث العلمي الذي لا يبقى متحجراً بسبب حيازة الأفكار ومنع تداولها، أو بسبب تركيزه على مجالات الربح وإهمال أمراض الفقراء.
وثمة وسيلة بديلة لتمويل وتحفيز الأبحاث، وهي وسيلة أفضل كثيراً من نظام البراءات، سواء من حيث توجيه العملية الإبداعية أو ضمان انتشار الاستفادة من المعرفة على أوسع نطاق ممكن. وتتلخص هذه الوسيلة في إنشاء صندوق جوائز طبية من بيت المال يكافئ هؤلاء الذين يكتشفون العلاجات واللقاحات. ويمكن أن يقدم هذا الصندوق أكبر الجوائز لمنتجي العلاجات أو سبل الوقاية من الأمراض الأخطر والأكثر انتشارًا التي يبتلى بها مئات الملايين من البشر.
وطبعًا بما أن الحضارة الإسلامية تصوّر الحياة على أنها مزيج من المادة والروح، وتسيِّر أعمال الإنسان بأوامر الله ونواهيه، وغاية الغايات فيها إنما هو نوال رضوان الله تعالى، فإن العلماء والباحثين لا يقتصرون على القيمة المادية، ولا يبغون الربح فقط من تصنيع الدواء، بل يضعون نُصب أعينهم إعانة الضعيف وعلاج المريض حتى ولو لم يجنوا الأرباح الطائلة. قال رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم): «‏الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (رواه الترمذي).
ومن اتقى الله سبحانه، لم يستغل ضعف الناس، ولم يرضَ أن يشق عليهم، أو يمنع عنهم العلاج والدواء. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من ضار أضرَّ الله به، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه» (رواه أبو داود).
أبو الغيث – فلسطين

الوعي العدد 255

Share this post


Link to post
Share on other sites

الطب في النظام الرأسمالي (3)

الأبحاث العلمية:
يظن بعض الناس أن الثورة العلمية والتقدم المدني المتسارع في العالم الغربي سببه حضارة الغرب الرأسمالية وقيمها الديمقراطية، ويغفل هؤلاء أن المعارف والعلوم تتراكم مع الزمن، فالإنسان يتعلم ما توصل إليه سلفه من العلوم، ويعتمد عليه ليبحث ويتوصل إلى معلومات جديدة. فلا يستطيع عالم البيولوجيا بحث الجرثومة قبل اختراع الميكروسكوب، ولاختراع الميكروسكوب لا بد من اكتشاف قوانين الضوء.
ومع أن النهضة بالفكر الأساسي الشامل تؤدي إلى التقدم العلمي، فإن هذا الأمر لا يقتصر على مبدإٍ دون آخر؛ لأن الحضارة والمفاهيم عن الحياة تكون خاصة بكل أمة من الأمم ذات المبادئ المختلفة، أما العلوم التجريبية والصناعة فهي عامة، ولا تختص بأمة ولا بشعب معيّن.
إن المدقق في الحضارة الرأسمالية وأثرها على البحث العلمي، يلاحظ أنها تؤخر وتيرة تطوّر العلوم –ومنها الطب- وتحد من تقدم المدنية. وذلك لأن الغش والتزوير وسيلتان مشروعتان في النظام الرأسمالي إذا حققا الربح والمنفعة، وقد ترك هذا أثرًا جليًّا على الأبحاث الطبية، فبعض نتائج وتوجيهات الأبحاث الطبية هدفها: 1) زيادة عدد المُلائمين للعلاج (كما ذكرنا سابقا بالنسبة للعقاقير المخفضة للكوليسترول). 2) زيادة عدد ونوع الخيارات والتوصيات العلاجية الدوائية، بما في ذلك الانتقال من العلاج بدواء واحد إلى العلاج بعدة أدوية، واستخدام أحدث أنواع الأدوية مع أن الأدوية القديمة (التي انتهت مدة براءة الاختراع عليها) قد تكون بنفس المفعول. 3) التحول من التركيز على الوقاية والعلاج مرة واحدة إلى الرعاية والعلاج المُزمن حيث يُحافظ هذا على مبيعات الشركة.
وفي هذا السياق تعزف العديد من الشركات الدوائية عن إنتاج مضادات حيوية جديدة؛ لأن هذه الأدوية عادة تُعطى لمدة محدودة يتحقق بعدها الشفاء؛ لذلك فالأرباح من هذه الأدوية متواضعة مقارنة بالأدوية التي تؤخذ بشكل دائم (كالأدوية لعلاج المشاكل الجنسية، أو أدوية الكولسترول والسكري)، ونتيجة لهذا العزوف عن البحث والتجديد في مجال المضادات الحيوية بات العالم مهدداً بظهور جراثيم لا علاج لها؛ لأن الجراثيم تكتسب المناعة ضد الأدوية الموجودة.
ونلاحظ أن عدد المضادات الحيوية الجديدة التي أقرتها الـ(إف دي إي) (FDA) -الهيئة الأميركية المسؤولة عن الإذن بتسويق الأدوية- قد انخفض بشكل ملحوظ: فقد تمت الموافقة على 16 مضاداً حيوياً بين عامي 1983 و1987؛ و14 بين عامي 1988 و1992. ثم انخفض العدد إلى 10 بين عامي 1993 و1997. و10 أخرى في فترة السنوات الخمس الأخيرة، 1998-2003. وفي عام 2003، انخفض عدد المضادات الحيوية المقدمة للـ(إف دي إي) للمصادقة عليها بنسبة 10٪ عن العام السابق، مما يدل على أنه من المرجح ان تستمر وتيرة العزوف عن البحث والتطوير العلمي في هذا المجال المهم.
وكمثال على الجشع الرأسمالي واقتصاره على القيمة المادية، نرى أن مرضًا مثل الليشمانيا بنوعيها، الجلدي والحشوي، تصنفه منظمة الصحة العالمية بين أهم ست مشاكل صحية يعاني منها العالم، حيث يبلغ عدد الناس المعرضين للإصابة به ثلاثمائة وخمسون مليوناً من البشر. وكل عام هناك مليون ونصف إصابة جلدية، ونصف مليون إصابة حشوية. والنوع الحشوي يعتبر مميتاً إن لم يعالج، أما النوع الجلدي فمُشوِّه، ورغم حجم الانتشار الكبير لهذا المرض فما زال يعالج بأدوية اكتشفت منذ الحرب العالمية الثانية، وقد ظهرت مقاومة للطفيل لهذه الأدوية، ومع ذلك لا يوجد بحوث جدية على أدوية جديدة؛ لأن الفقراء هم المصابون بهذا المرض، وبالتالي لا يوجد مصلحة تجارية لشركات الأدوية لتقوم بتطوير أدوية جديدة، وبالمقارنة: نرى من خافضات الكولسترول عشرات الأنواع، ولا تزال الأبحاث تجري على قدم وساق لتطوير أدوية جديدة منها لأنها تعالج أمراض الأغنياء القادرين على الدفع.
وقد انتقدت كلير شورت -وزيرة التنمية الدولية البريطانية- شركات الأدوية لأنها فشلت في الاستثمار في الأدوية التي تعالج أمراض الفقراء، وقالت الوزيرة البريطانية: “المزيد من الأدوية واللقاحات مطلوبة بشكل عاجل لمعالجة أمراض الملاريا والتدرن (السل) والإيدز التي تقتل الملايين في دول العالم النامي، إننا نعيش في عالم يتميز بالاكتشافات التقنية التي يمكن أن تجلب المنافع الهائلة للبشرية، لكن الحقيقة مختلفة تماماً، إذ أن معظم الجهود تستهدف الأمراض التي يعاني منها العالم الصناعي. إن الحاجة لتحقيق الأرباح من الاستثمارات وبناء أسواق كبيرة للمنتجات قد جعلت شركات الأدوية الرئيسية تميل إلى تجاهل الأمراض التي تنتشر في الدول الفقيرة”.
وأضافت الوزيرة أن عشرة في المئة فقط من الأموال المخصصة للأبحاث تنفق على الأبحاث المتعلقة بالأمراض التي تؤثر على تسعين في المئة من الفقراء في العالم.
ويذكر أن الملاريا تقتل مليون شخص في العام، وكلهم تقريباً في أفريقيا، وتؤثر على خمسمئة مليون شخص في العام، بينما يقتل التدرن (السل) مليوني شخص في العام، بينما قتل الإيدز مليونين ونصف في عام 1998 وحده. ومع ذلك نجد أن نسبة 1% فقط من بين 1400 دواء جديد ظهر خلال الربع الأخير من القرن العشرين، خصصت لأمراض العالم الثالث.
أما قوانين براءة الاختراع فقد أخرت الانتفاع بكثير من المكتشفات المهمة؛ لأن الشركات تؤخر استعمالها لعدم قدرتها على حماية الاكتشاف. وخاصة في مجال الطب وصناعة الأدوية، فإنها الأكثر صعوبة من الناحية العملية وليس من الناحية القانونية. وهنالك أمثلة كثيرة تبين أن تصنيعاً لأدوية قد تأخر سنوات كثيرة مع أن الناس في أمس الحاجة إليها؛ وذلك لعدم التمكن من حمايتها بسبب بساطة الاختراع ـ لأنه إذا عُرف تمكنت الشركات الأخرى من إعادة الاختراع بطرق أخرى غير محمية ـ أو لأسباب عملية غير ذلك. وكم من دواء مفيد لم يتم إنتاجه لعدم توفر الجدوى الاقتصادية مع أهميته لحياة الآلاف من الناس.
أما بالنسبة لتزوير نتائج الأبحاث العلمية أو إخفائها خشية انخفاض الأرباح أو تقليص جمهور المستهلكين، فقد ذكرنا سابقًا ما قامت به شركة فيزر Pfizer من إخفاء نتائج دراسة أجرتها على دواء التهاب المفاصل “سيليبريكس” celebrex، وتبيّن فيها أن عدداً غير قليل من مستخدمي الدواء عانوا من سكتات قلبية وجلطات.
وأذكر هنا أن دراسة عن مخفضات الكولسترول كانت تجري في إحدى المستشفيات التي درست فيها، وكانت شركة الدواء ترعى البحث، الذي أُجري في نفس الوقت في عدة مستشفيات في أرجاء العالم، بحيث تجمع كل النتائج من كل المستشفيات لاستخلاص النتائج. وجاءت النتائج في المستشفى الذي درست فيه على غير ما تشتهي شركة الدواء، ومع أننا أرسلنا النتائج كما هي للشركة، فوجئنا بعد نشر البحث الكلي أن النتائج التي أرسلناها لم تنشر ولم يُذكر اسم المستشفى في الدراسة النهائية!! طبعًا لا حاجة لأن نذكر أن الدراسة النهائية صيغت بصورة تزيد من مبيعات الدواء محل البحث، وبالتالي ترفع أرباح الشركة.
وهكذا لم تسلم الأبحاث الطبية من فكرة النفعية في الغرب، ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه إلى إقامة التجارب الوحشية على الإنسان، واستغلال الفئات الضعيفة من المجتمعات لمثل هذه الأبحاث المؤذية، ونضرب المثال التالي من تاريخ الطب في المجتمع الغربي دليلاً على ذلك:
على مدى أربعين سنة بين 1932 و1972، أجرت خدمة الصحة العامّة في الولايات المتحدة (PHS) تجربة على 399 رجل أسود في المراحل المتأخّرة لمرض الزهري (السفلس). هؤلاء الرجال، غالبيتهم أجراء أمّيون من أحدى أفقر مقاطعات ألاباما، لم يُعلمهم أحدٌ أبدًا من أي مرض كانوا يعانون أو جدية هذا المرض. بإخبارهم أنهم يُعالجون لـ”الدم الفاسد”، لم يكن لدى أطبائهم نية بمعالجتهم من مرض الزهري على الإطلاق.
البيانات للتجربة كانت ستجمّع من تشريح جثث الرجال، ولهذا تُركوا عمدًا حتى يموتوا تحت وطأة المرحلة الثالثة من الزهري- الذي يمكن أن يتضمن الأورام السرطانية، أمراض القلب، الشلل، العمى، الجنون، والموت. “كما أرى الأمور” وضّح أحد الأطباء المتورطين “ليس لدينا أي اهتمام إضافي بهؤلاء المرضى إلى أن يموتوا”.
كان يلزم أن تبقى طبيعة التجربة الحقيقية مخفية عن المشاركين لضمان تعاونهم. حياة هؤلاء الأجراء المُعدمة سهلّت خداعهم. عن طريق إغرائهم بفرصة العناية الطبية المجّانية -لم يرَ أحدٌ منهم تقريباً طبيباً في حياته- أصبح هؤلاء الرجال البسطاء بيادق في ما وصفه جيمس جونز، مؤلف كتاب ” الدم الفاسد”، بـ “أطول تجربة غير علاجّية على البشر في تاريخ الطب”.
كان الهدف من وراء الدراسة اكتشاف كيف أثّر مرض الزهري على السود مقارنة بالبيض -كانت النظرية أن البيض كانوا أكثر عُرضة للمضاعفات العصبية نتيجة للزهري، بينما كان السود أكثر عُرضة للضرر المتعلق بالقلب والأوعية الدموية. ليس من الواضح كيف كانت الإجابة لتغيّر من علاج مرض الزهري.
بالرغم من أنّ PHS وصفت الدراسة كذات أهمية علمية عظيمة، فإن منافعها الفعلية منذ البداية كانت ضبابية. مضت أربعون سنة تقريباً قبل أن يُلقي أحد المتورطين في الدراسة نظرة صعبة وصادقة في النتائج النهائية، ويُقرّر بأنّ “لا شيء من المُتعلّم سيمنع، يَجِد، أو يعالج حالة واحدة من مرض الزهري المعدي، أو يدفعنا للاقتراب من مهمّتنا الأساسية للسيطرة على المرض التناسلي في الولايات المتحدة”.
عندما أُثير انتباه أجهزة الإعلام في 1972 للتجربة، وصف مذيع الأخبار هاري ريسونير التجربة كتجربة “استخدم فيها البشر كحيوانات مختبر في دراسة طويلة وغير مفيدة عن كم يحتاج مرض الزهري لقتل شخص ما”.
حتى نهاية التجربة، مات 28 من الرجال مباشرة من مرض الزهري، ومات 100 من العوارض ذات الصلة، 40 من زوجاتهم كانت قد أُعْدِيَت، و19 من أطفالهم وُلدوا مصابين بمرض الزهري الخَلْقي.
ولكن كيف اقتنع هؤلاء الرجال بتحمّل مرض قاتل باسم العلم؟
لإقناع الجالية بدعم التجربة، أحد الأطباء الأصليين اعترف بأنه “كان من الضروري مواصلة هذه الدراسة تحت غطاء إثبات الدواء وتزويد العلاج.” في بادئ الأمر، وُصف للرجال دواء مرض الزهري الذي كان معروفًا –bismuth، neoarsphenamine، وزئبق- لكن بكمّيات صغيرة بحيث شوهد تحسُّن في 3 بالمائة من الرجال فقط.
هذه الجرع الدوائية الرمزية وفرت علاقات عامة حسنة ولم تُخِل بالأهداف الحقيقية للدراسة. في النهاية، استبدل كل علاج السفلس بعلاج مفبرك- أسبيرين.
لضمان مجيء الرجال لفحص السائل الشوكي -فحص مؤلم وممكن أن يكون خطرًا-، ضلّلهم أطباء PHS برسالة مليئة بالدعاية الترويجية: “فرصة أخيرة للمعالجة المجّانية الخاصّة”. الحقيقة بأنّه في النهاية يتطلّب الأمر تشريح الجثث التي أخفيت أيضاً.
كما وضّح أحد الأطباء، “لو أدرك السكان الملوّنون بأنّ قبول العلاج المجاني يعني تشريح الجثة بعد الموت، سيترك كل أسود مقاطعة ماكون…” حتى وزير الصحة في الولايات المتحدة شارك في إغراء الرجال للبقاء في التجربة، بإرساله شهادات التقدير لهم بعد 25 سنة على انطلاق الدراسة.
وَعْدُ الاعتراف من قبل جهاز حكومي رفيع المستوى حجب سمات الدراسة المثيرة للقلق بالنسبة للبعض. على سبيل المثال، مَدَحَ طبيب من توسكيجي قائلاً “عُرضت الفوائد التعليمية لأطبائنا وممرضاتنا بالإضافة إلى المكانة الإضافية التي ستُعطى للمستشفى.” وهنا تبرز آفة تصوير الحياة على أنها منفعة في الحضارة الغربية، فقد أجريت هذه التجربة الوحشية وعُذّب المشاركون من أجل منفعة معهد توسكيجي وحفنة من الأطباء “المتحضرين” بالحضارة الغربية.
إحدى السمات المُرعبة جدًّا في التجربة كانت كيف منع PHS بحماسة هؤلاء الرجال من تلقي العلاج. عندما وصلت العديد من الحملات الوطنية لاستئصال المرض التناسلي إلى مقاطعة ماكون، مُنع الرجال من المشاركة. حتّى عندما اكتشف البنسلين -العلاج الحقيقي الأول لمرض الزهري- في الأربعينات، أنكر رجال توسكيجي الدواء عمدًا.
أثناء الحرب العالمية الثانية، سجّل 250 من الرجال للتجنيد واستُدعوا بالتّالي للحصول على علاج لمرض الزهري، لكن PHS أعفتهم من ذلك. تعبيرًا عن سروره بنجاحهم، أعلن ممثل PHS: “حتى الآن، نحن نُبعد المرضى الإيجابيين المعروفين عن الحصول على العلاج”. استمرّت التجربة على الرغم من قانون هيندرسن (1943)، قانون صحة عامّة يتطلّب فحص وعلاج المرض التناسلي، وعلى الرغم من تصريح هلسنكي (1964) التابع لمنظمة الصحة العالمية، الذي حدّد بأنّ التجارب التي تستخدم بشرًا تتطلّب “موافقة مطلّعة”.
أخيرًا، افتضحت القصّة في الواشنطن ستار في 25 يوليو/تموز 1972، في مقال كتبته جين هيلير للأسوشيتد بريس. مصدرها كان بيتر بوكستان، مختص سابق في PHS للمرض التناسلي وأحد القلّة الذين نفخوا في الصافرة على مرّ السنين. الـPHS، على أية حال، بقى غير تائب، مدّعيًا أن الرجال كانوا “متطوعين” و” كانوا دائمًا سعداء برؤية الأطباء”، وأدعى ضابط صحة في ولاية ألاباما والذي كان متورطًا أيضًا “شخص ما يحاول عمل جبل من كومة ترابية صغيرة”.
تحت وطأة الدعاية والإعلان، أنهت الحكومة التجربة، وللمرة الأولى زوّدت الرجال بالعلاج الطبي الفعّال لمرض الزهري. فريد جراي، المحامي الذي دافع عن روزا باركس ومارتن لوثر كنج سابقًا، رفع دعوى جماعية أدت إلى تسوية خارج المحكمة بتعويض 10 مليون دولار للرجال وعوائلهم. جراي، على أية حال، سمّى البيض فقط والمنظمات البيضاء كمتّهمين في القضية، مُصوِّّرًا توسكيجي كقضية سود وبيض، بينما هي في الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك- أطباء ومؤسسات سود كانوا متورطين من البداية حتّى النّهاية.
PHS لم يقبل مقارنة أجهزة الإعلام لتجربة توسكيجي بالتجارب المروّعة التي قام بها الأطباء النازيون على ضحاياهم اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية. رغم ذلك، بالأضافة إلى المطابقات الطبية والعنصرية، عرض PHS نفس الدفاع المفلس أخلاقياً الذي عُرض في محاكمات نوريمبيرج: ادعوا بأنّهم كانوا ينفّذون الطلبات فقط، مجرّد أسنان في عجلة PHS البيروقراطية، فهم معفيون من المسؤولية الشخصية.
إنّ التبرير الآخر للدراسة -لمصلحة العلم- زائف على حدّ سواء. البروتوكول العلمي كان رديئًا منذ البداية. بما أن الرجال في الحقيقة تلقوا بعض العلاج لمرض الزهري في بداية الدراسة، مهما كان ناقصًا، فقد فسدت نتيجة الدراسة عن “مرض الزهري غير المعالج”.
وحديثًا، طفت إلى السطح سنة 1999م قضية حقن مئات الأطفال الليبيين بفيروس الإيدز على يد خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني، وقد توفي حتى الآن خمسون طفلاً ويعيش الباقون في مستشفى في منطقة معزولة تدعى الرحبة غرب مدينة بنغازي. وبعيدًا عن الأبعاد السياسية للقضية، فإن الفيروس الذي حُقن به الأطفال هو من سلالة مُعاد تركيب مكوناتها، أو معدلة وراثياً من النوع (GRfo2-AG)، حسب تقرير كومانديني. وهذه السلالة لايوجد تطابق لها مع أي نوع من أنواع السلالات المسجلة في مصرف الجينات، أي أنها حالة خاصة لم تسجل قبل إطلاقاً. وهذايؤكد أن الفيروس الذي كان مخبأ في الزجاجات التي وُجد بعضها في منـزل إحدى الممرضات اللواتي كن أداة تنفيذ لهذه المؤامرة. إن هذا الفيروس تم تصنيعه في معامل، وهذا لايمكن أن يتأتى لممرضة.
وقد اعترفت إحدى الممرضات وتُدعى كرسيتينا بأنها تلقت الفيروس من شخص يدعى جون لحقنه للأطفال مقابل مبلغ من المال، وأنه قال إن ذلك لغرض الأبحاث الطبية.
ولا نستبعد من هذه المعطيات أن تكون إحدى شركات الدواء وراء هذا العمل لإيجاد علاج أو تطعيم للإيدز أو التقدم في هذا الاتجاه، لأن مثل هذه التجارب يُمنع تطبيقها على البشر بموجب بيان هلسنكي.
الخلاصة:
وهكذا نرى أن النظام الرأسمالي (على عكس ما يظن المضبوعون بحضارة الغرب) أضر بالتقدم العلمي ونزاهة الأبحاث. وفي الحقيقة ليس الأمر كما يدعي الرأسماليون، من أن فكرة الربح والمنفعة المادية تشجع البحث العلمي والاكتشاف، فإن طبيعة الإنسان وفطرته التي فطره الله عليها هي التي تدفعه إلى الابتكار والاكتشاف والاختراع، علاوة على القيم المعنوية التي تحققها هذه الأعمال. والأدلة في التاريخ والحاضر كثيرة، فما الذي دفع العلماء المسلمين إلى الاختراع والاكتشاف؟ وما الذي دفع السوفييت والصينيين أيام المعسكر الشرقي إلى الاختراع بدون مقابل مادي، حتى إن كثيراً من هؤلاء العلماء فقراء معدمون!
ولقد لاحظ أحد الأطباء الأميركان الباحثين أن المكافأة المادية لها مفعول عكسي، وأنها لا تشجع على الابتكار بل على العكس تقلله، وأنها تجذب إلى الميدان أصحاب الميول المادية وليس أصحاب العقول الصافية المتخصصة. وقد نشر ذلك البحث في مجلة علمية مرموقة (‏Boston Medical Journal‏) ما أثار حفيظة دعاة الملكية الفكرية. وقد أشار أبو الطيب القنوجي في كتابه “أبجد العلوم” إلى خطر طلب العلم لأجل القيمة المادية فقط لا غير فقال: “على أنه من تعلم علمًا للاحتراف لم يأت عالمًا، إنما جاء شبيهًا بالعلماء. ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا ونطقوا به لما بلغهم بناء المدارس ببغداد (أي لما صار للمُدرسين رواتب معلومة)، أقاموا مأتم العلم، وقالوا‏:‏ “‏كان يشتغل به أرباب الهمم العلية والأنفس الزكية، الذين يقصدون العلم لشرفه، والكمال به، فيأتون علماء ينتفع بهم وبعلمهم، وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل، فيكون سبباً لارتفاعه، ومن ههنا هجرت علوم الحكمة وإن كانت شريفة لذاتها”‏.
والدولة الإسلامية لن تكون بحاجة لمثل هذه القوانين لتشجيع الابتكار والاختراع؛ وذلك لأنها تتبنى عقيدة الإسلام ووجهة نظره في الحياة، فلا تقيس الحياة بالمادة، ولا يقيس رعاياها أعمالهم بالنفعية، وإنما توازن بين تحقيق القيم فتحدث التوازن في المجتمع وتحقق السعادة والرخاء لرعاياها كلهم، قويهم وضعيفهم، كما وأنها لا تقيس اقتصادها بالإنتاج أو معدلات النمو، بل بتحقيق جميع الحاجات الأساسية لكل فرد بعينه وتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية.
وقد حثّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على التداوي، والبحث عن الدواء، فقال عليه أفضل الصلاة والتسليم: «عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء» (رواه الترمذي)، وقال أيضاً: «‏ما أنزل الله داءً إلا قد أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله» (رواه أحمد).
وبالرغم أن لجميع أفراد الرعية الحق في إنشاء المختبرات العلمية المتعلقة بكافة شؤون الحياة ومنها الطب، فإن على الدولة الإسلامية أن تقوم هي بإنشاء هذه المختبرات. وتهيئ الدولة المكتبات والمختبرات وسائر وسائل المعرفة في غير المدارس والجامعات لتمكين الذين يرغبون من مواصلة الأبحاث في الطب وسائر العلوم والمعارف، ومن مواصلة الاختراع والاكتشاف وغير ذلك، حتى يوجد في الأمة حشد من المجتهدين والمبدعين والمخترعين.
وقد حرّم الإسلام الغش، ومنه تزوير الأبحاث العلمية، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «‏من غشّ فليس منا» (رواه الترمذي)، وفي رواية: «من غش فليس مني» (رواه مسلم).
هذه بعض الجوانب التي تلقي بعض الضوء على ظلام الرأسمالية وما سببته من عناء للبشر في مجال الطب والعلاج، ولم نذكر في هذا البحث ما أنتجته الحضارة الرأسمالية من أمراض جديدة نتيجة الحرية الشخصية والانحلال الخلقي، كمرض الإيدز، وما تسببت به مفاهيمها العفنة من أمراض نفسية عند من حملوها وعاشوا تحت ظلها، فحسب منظمة الصحة العالمية: 25% من سكان العالم اليوم يُعانون من مرض نفسي (وحسب إحصائيات أخرى، النسبة تصل إلى 50%). وما بين 10% إلى 15% من سكان العالم يُعانون من مرض الاكتئاب، ونسبة مُشابهة منهم يُعانون من مرض القلق.
إن الحديث عما انبثق عن هذا الأساس المهترئ والجذر المتعفّن من فروع متآكلة وثمار فاسدة يطول ولا ينتهي، ولا يكون العلاج إلا بقلع هذا الجذر من أصوله، واستبداله بشجرة الإسلام الطيبة، مستأنفين حياة إسلامية على نهج الحبيب المصطفى، تحت راية دولة الإسلام الثانية بإذن الله.
(وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا) [الإسراء 51]. [انتهى]

أبو الغيث – فلسطين

الوعي العدد 256

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...