Jump to content
Sign in to follow this  
ابن الصّدّيق

مع الحديث الشريف / سلسلة من المكتب الإعلامي لحزب التحرير

Recommended Posts

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

مع الحديث الشريف

 

ما جاء في المزاح

ح5

 

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ورد في سنن الترمذي - كتاب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - باب ما جاء في المزاح.

 

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَضَّاحِ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى إِنْ كَانَ لَيَقُولُ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ".

 

ورد في شرح الحديث في كتاب تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي

 

قوله: (عن أبي التياح) بفتح المثناة الفوقانية وتشديد التحتانية وآخره مهملة اسمه يزيد بن حميد مشهور بكنيته ثقة ثبت

 

قوله: (الضبعي) بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة .

 

قوله: (حتى كان يقول) غاية يخالط، أي: "انتهى مخالطته لأهلنا حتى الصبي يلاعبه".

 

قوله: (ما فعل النغير) بضم النون وفتح الغين المعجمة مصغر نغر بضم ثم فتح: طير كالعصفور محمر المنقار، أهل المدينة يسمونه البلبل، أي ما شأنه وحاله قاله القسطلاني. وقال في القاموس: النغر كصرد البلبل، جمعه نغران كصردان، انتهى. وقال في النهاية: النغير هو تصغير النغر وهو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار، انتهى

 

إن هذا الحديث يدل على أمرين أولهما: هو جواز الكنية للصغير، والتحبيب فيها.

 

أما الأمر الآخر: فهو الحث على ملاعبة الصغير، وممازحته، ففي هذا الأمر رحمة وبر بالأولاد، وتركه يعد من الجفاء والغلظة، فعن أبي هريرة قال: "أبصر الأقرع بن حابس النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن، قال ابن أبي عمر الحسين أو الحسن فقال: إن لي من الولد عشرة ما قبلت أحدا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من لا يرحم لا يرحم".

 

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

17 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/20م

 

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

أولياء الله

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

ورد في صحيح البخاري، عن ‏أبي هريرة ‏‏قال: ‏قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم: ‏"إن الله قال من عادى لي وليا فقد ‏‏آذنته ‏ ‏بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته".

 

ورد في شرح الحديث في كتاب "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" بتصرف:

 

‏قوله: (من عادى لي وليا) ‏‏المراد بولي الله العالم بالله المواظب على طاعته المخلص في عبادته. وقد استشكل وجود أحد يعاديه لأن المعاداة إنما تقع من الجانبين ومن شأن الولي الحلم والصفح عمن يجهل عليه, وأجيب بأن المعاداة لم تنحصر في الخصومة والمعاملة الدنيوية مثلا بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب كالرافضي في بغضه لأبي بكر, والمبتدع في بغضه للسني, فتقع المعاداة من الجانبين, أما من جانب الولي فلله تعالى وفي الله, وأما من جانب الآخر فلما تقدم.

وكذا الفاسق المتجاهر ببغضه الولي في الله وببغضه الآخر لإنكاره عليه وملازمته لنهيه عن شهواته. وقد تطلق المعاداة ويراد بها الوقوع من أحد الجانبين بالفعل ومن الآخر بالقوة, ...وقال ابن هبيرة في "الإفصاح" قوله: "عادى لي وليا" أي اتخذه عدوا, ولا أرى المعنى إلا أنه عاداه من أجل ولايته وهو إن تضمن التحذير من إيذاء قلوب أولياء الله ليس على الإطلاق بل يستثنى منه ما إذا كانت الحال تقتضي نزاعا بين وليين في مخاصمة أو محاكمة ترجع إلى استخراج حق أو كشف غامض, فإنه جرى بين أبي بكر وعمر مشاجرة, وبين العباس وعلي, إلى غير ذلك من الوقائع انتهى...

 

‏قوله: (فقد آذنته) ‏‏أي أعلمته, والإيذان الإعلام, ومنه أخذ الأذان. ‏

 

‏قوله: (بالحرب) ... وقد استشكل وقوع المحاربة وهي مفاعلة من الجانبين مع أن المخلوق في أسر الخالق, والجواب أنه من المخاطبة بما يفهم, فإن الحرب تنشأ عن العداوة والعداوة تنشأ عن المخالفة وغاية الحرب الهلاك والله لا يغلبه غالب, فكأن المعنى فقد تعرض لإهلاكي إياه. فأطلق الحرب وأراد لازمه أي أعمل به ما يعمله العدو المحارب. قال الفاكهاني: في هذا تهديد شديد, لأن من حاربه الله أهلكه, وهو من المجاز البليغ, لأن من كره من أحب الله خالف الله ومن خالف الله عانده ومن عانده أهلكه, وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة, فمن والى أولياء الله أكرمه الله. وقال الطوفي: لما كان ولي الله من تولى الله بالطاعة والتقوى تولاه الله بالحفظ والنصرة, ...

 

‏قوله: (وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه) ‏... ويدخل تحت هذا اللفظ جميع فرائض العين والكفاية, وظاهره الاختصاص بما ابتدأ الله فرضيته, ...ويستفاد منه أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله. قال الطوفي: الأمر بالفرائض جازم ويقع بتركها المعاقبة بخلاف النفل في الأمرين وإن اشترك مع الفرائض في تحصيل الثواب فكانت الفرائض أكمل, فلهذا كانت أحب إلى الله تعالى وأشد تقريبا, وأيضا فالفرض كالأصل والأس والنفل كالفرع والبناء, وفي الإتيان بالفرائض على الوجه المأمور به امتثال الأمر واحترام الآمر وتعظيمه بالانقياد إليه وإظهار عظمة الربوبية وذل العبودية فكان التقرب بذلك أعظم العمل, والذي يؤدي الفرائض قد يفعله خوفا من العقوبة ومؤدي النفل لا يفعله إلا إيثارا للخدمة فيجازى بالمحبة التي هي غاية مطلوب من يتقرب بخدمته. ‏

 

‏قوله: (يتقرب إلي) ‏‏التقرب طلب القرب, قال أبو القاسم القشيري: قرب العبد من ربه يقع أولا بإيمانه, ثم بإحسانه. وقرب الرب من عبده ما يخصه به في الدنيا من عرفانه, وفي الآخرة من رضوانه, وفيما بين ذلك من وجوه لطفه وامتنانه...

 

‏قوله: (بالنوافل حتى أحبه) ‏ ظاهره أن محبة الله تعالى للعبد تقع بملازمة العبد التقرب بالنوافل, وقد استشكل بما تقدم أولا أن الفرائض أحب العبادات المتقرب بها إلى الله فكيف لا تنتج المحبة؟ والجواب: أن المراد من النوافل ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها ومكملة لها, ويؤيده أن في رواية أبي أمامة "ابن آدم. إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضت عليك" وقال الفاكهاني: معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض ودام على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى.

 

قال بعض الأكابر: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور. ‏

 

‏‏‏قوله: (ولئن استعاذني) ‏‏ والمعنى أعذته مما يخاف, ... ويستفاد منه أن المراد بالنوافل جميع ما يندب من الأقوال والأفعال. وقد وقع في حديث أبي أمامة المذكور "وأحب عبادة عبدي إليّ النصيحة" وفي الحديث عظم قدر الصلاة فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها, وذلك لأنها محل المناجاة والقربة, ولا واسطة فيها بين العبد وربه, ولا شيء أقر لعين العبد منها ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع "وجعلت قرة عيني في الصلاة" أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح, ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه لأن فيه نعيمه وبه تطيب حياته, وإنما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النصب, فإن السالك غرض الآفات والفتور...

 

قوله: (يكره الموت وأنا أكره مساءته) في حديث عائشة "إنه يكره الموت وأنا أكره مساءته" عن الجنيد سيد الطائفة قال: الكراهة هنا لما يلقى المؤمن من الموت وصعوبته وكربه وليس المعنى أني أكره له الموت لأن الموت يورده إلى رحمة الله ومغفرته انتهى .

 

وعبر بعضهم عن هذا بأن الموت حتم مقضي وهو مفارقة الروح للجسد ولا تحصل غالبا إلا بألم عظيم جدا كما جاء عن عمرو بن العاص: أنه سئل وهو يموت فقال: كأني أتنفس من خرم إبرة وكأن غصن شوك يجر به من قامتي إلى هامتي" وعن كعب أن عمر سأله عن الموت فوصفه بنحو هذا، فلما كان الموت بهذا الوصف والله يكره أذى المؤمن أطلق على ذلك الكراهة، ويحتمل أن تكون المساءة بالنسبة إلى طول الحياة لأنها تؤدي إلى أرذل العمر وتنكس الخلق والرد إلى أسفل سافلين .

 

في هذا الحديث عظم قدر الولي لكونه خرج عن تدبيره إلى تدبير ربه وعن انتصاره لنفسه إلى انتصار الله له وعن حوله وقوته بصدق توكله. قال ويؤخذ منه أن لا يحكم لإنسان آذى وليا ثم لم يعاجل بمصيبة في نفسه أو ماله أو ولده بأنه سلم من انتقام الله فقد تكون مصيبته في غير ذلك مما هو أشد عليه كالمصيبة في الدين مثلا.

 

ويبين هذا الحديث أوصاف الأولياء، وفضلهم ومقاماتهم. فأخبر أن معاداة أوليائه معاداة له ومحاربة له. ومن كان متصديا لعداوة الرب ومحاربة مالك الملك فهو مخذول، ومن تكفل الله بالذب عنه فهو منصور، وذلك لكمال موافقة أولياء الله لله في محابه، فأحبهم وقام بكفايتهم، وكفاهم ما أهمهم.

 

وأولياء الله هم الذين تقربوا إلى الله بأداء الفرائض والنوافل أولا: من صلاة وصيام وزكاة وحج، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد، وقيام بحقوقه وحقوق عباده الواجبة.

 

فأولياء الله قاموا بالفرائض والنوافل، فتولاهم وأحبهم وسهل لهم كل طريق يوصلهم إلى رضاه، ووفقهم وسددهم في جميع حركاتهم، فإن سمعوا سمعوا بالله، وإن أبصروا فلله، وإن بطشوا أو مشوا ففي طاعة الله.

 

ومع تسديده لهم في حركاتهم جعلهم مجابي الدعوة: إن سألوه أعطاهم مصالح دينهم ودنياهم، وإن استعاذوه من الشرور أعاذهم.

 

ومع ذلك لطف بهم في كل أحوالهم، ولولا أنه قضى على عباده بالموت لسلم منه أولياؤه، لأنهم يكرهونه لمشقته وعظمته، والله يكره مساءتهم، ولكن لما كان القضاء نافذا كان لا بد لهم منه.

 

فبيّن في هذا الحديث صفة الأولياء، وفضائلهم المتنوعة، وحصول محبة الله لهم التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون، وأنه معهم وناصرهم، ومؤيدهم ومسددهم، ومجيب دعواتهم.

 

وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوليائه، أولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.....

 

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

18 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/21م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

القضــــــــــــــاء

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

روى أبو داوود في سننه قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ حَنَشٍ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ وَلَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا أَوْ مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ"

 

قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ:

وَالْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَحْرُم عَلَى الْحَاكِم أَنْ يَحْكُم قَبْل سَمَاع حُجَّة كُلّ وَاحِد مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَاسْتِفْصَال مَا لَدَيْهِ وَالْإِحَاطَة بِجَمِيعِهِ. قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ: فَإِذَا قَضَى قَبْل السَّمَاع مِنْ أَحَد الْخَصْمَيْنِ كَانَ حُكْمه بَاطِلًا فَلَا يَلْزَم قَبُوله، بَلْ يَتَوَجَّب عَلَيْهِ نَقْضُهُ وَيُعِيدهُ عَلَى وَجْه الصِّحَّة أَوْ يُعِيدهُ حَاكِم آخَر. اِنْتَهَى.

قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مُخْتَصَرًا وَقَالَ حَدِيث حَسَن.

أحبتنا الكرام:

 

القضاء هو الإخبار بالحكم على سبيل الإلزام .... وهو إما يفصل الخصومات بين الناس، أو يمنع ما يضر الجماعة، أو يرفع النزاع الواقع بين الناس وأي ممن هو في جهاز الحكم حكاماً أو موظفين، خليفة فمن دونه، فتعريف القضاء يشمل هذه الأنواع الثلاثة من القضاء ... فصل الخصومات، والحسبة، والمظالم.

 

أما مشروعيته فقد جاءت في الكتاب والسنة، أما في الكتاب فقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} المائدة ... وقوله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ}.... النور.

 

وأما السنة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم تولى القضاء بنفسه وقضى بين الناس، كما قلد القضاة ... فقد عين معاذ بن جبل قاضياً على الجند، كما قلد علي بن أبي طالب رضي الله عنه قضاء اليمن كما جاء في حديثنا لهذا اليوم.

 

ويشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون مسلماً حراً بالغاً عاقلاً عدلاً فقيهاً مدركاً لتنزيل الأحكام على الوقائع، ويشترط فيمن يتولى قضاء المظالم زيادة على هذه الشروط أن يكون رجلاً، وأن يكون مجتهداً

 

والقضاء مما يجوز أخذ الرزق عليه، من بيت المال، فهو عمل استأجرتهم عليه الدولة لمصالح المسلمين، وكل عمل لمصالح المسلمين تستأجر الدولة من يقوم به على وجهه الشرعي فإن القائم به يستحق عليه أجراً، سواء أكان عبادة أم غيرها ... فالله تعالى قد جعل للعاملين على الصدقات سهماً فيها، وعن أبي بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقاً فما أصاب بعد فهو غلول... والقضاء من مصالح المسلمين التي على الدولة أن تستأجر من يتولاها وتعين لهم أجرة تدفعها لهم من بيت المال.

 

والذي يتولى القضاء هم:

 

1- القاضي: وهو الذي يتولى الفصل في الخصومات بين الناس في المعاملات والعقوبات ... ودليله فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعيينه معاذ بن جبل لناحية من اليمن وحديثنا لهذا اليوم

 

2- المحتسب: وهو الذي يتولى الفصل في المخالفات التي تضر حق الجماعة .. ودليله: ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ! قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي" وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يتعرض للغاشِّ فيزجره. وكذلك كان يأمر التجار في الأسواق بالصدق في التجارة، والصدقة، روى أحمد عن قيس بن أبي غرزة الكناني قال: «كنا نبتاع الأوساق بالمدينة، وكنا نسمّى السماسرة، قال: فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن مما كنا نسمّي به أنفسنا فقال: يا معشر التجار، إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف، فشوُبوه بالصدقة».

 

3- قاضي المظالم: وهو الذي يتولى رفع النزاع الواقع بين الناس والدولة. ودليله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}, وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله, روى أحمد عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ"

 

والخليفة هو صاحب الصلاحية في تعيين القضاة، كما له أن يعين من ينوب عنه في ذلك ..

 

وفي الدستور الذي أعده حزب التحرير لدولة الخلافة القادمة قريباً بإذن الله يعين الخليفة جهازاً خاصاً للقضاء على رأسه والٍ يسمى قاضي القضاة تكون له صلاحية تعيين القضاة وتأديبهم وعزلهم ضمن الأنظمة الإدارية، ويشترط فيه ما يشترط في القاضي والحاكم، أي أن يكون رجلاً مسلماً بالغاً عاقلاً حراً عدلاً من أهل الفقه (لأن الكفاية في حقه أن يكون من أهل الفقه) فعمله محصور في القضاء، يضاف إليها شرط أن يكون مجتهداً إذا ما أعطاه الخليفة صلاحية تعيين قاضي المظالم وعزله ومن ثم صلاحية القضاء في المظالم ...

 

ويجوز أن يقلَّدَ القاضي والمحتسب وقاضي المظالم تقليداً عاماً في القضاء بجميع القضايا في جميع البلاد، ويجوز أن يقلدوا تقليداً خاصاً بالمكان وبأنواع القضايا، أخذاً من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ قلد علي بن أبي طالب قضاء اليمن (تقليداً عاماً)، وقلد معاذ بن جبل القضاء في ناحية من اليمن (تقليدا خاصاً بالمكان) وقلد عمرو بن العاص القضاء في قضية واحدة (تقليداً خاصاً).

 

هذا هو جهاز القضاء في دولة الخلافة باختصار ... ومن أحب الاستزادة فليعد لكتاب أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة ... لحزب التحرير أو كتاب مقدمة الدستور أو الأسباب الموجبة له ـ القسم الأول ـ .

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

19 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/22م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

مع الحديث الشريف

 

استوصوا بالنساء خيرا

ح4

 

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ورد في سنن ابن ماجه - كتاب النكاح - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا الحسين بن علي عن زائدة عن شبيب بن غرقدة البارقي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: "استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن لكم من نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن".

 

ورد في شرح الحديث في كتاب سنن ابن ماجه بشرح السندي - كتاب النكاح - استوصوا بالنساء خيرا.

 

قوله: (استوصوا بالنساء خيرا) قيل الاستيصاء قبول الوصية أي أوصيكم بهن خيرا فاقبلوا وصيتي فيهن وقال الطيبي للطلب أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في أنفسهن بخير أو يطلب بعضكم من بعض بالإحسان في حقهن والصبر على عوج أخلاقهن بلا سبب وقيل الاستيصاء بمعنى الإيصاء.

 

قوله: (عوان) جمع عانية بمعنى الأسيرة

 

قوله: (غير ذلك) أي غير الأمر المعهود الذي لأجله شرع نكاحهن

 

قوله: (إلا أن يأتين إلخ) أي لا تملكون غير ذلك في وقت إلا وقت إتيانهن بفاحشة مبينة أي ظاهرة فحشا وقبحا والمراد النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله باللسان واليد لا الزنا إذ لا يناسب

 

قوله: (ضربا غير مبرح) وهذا هو الملائم لقوله تعالى: "واللاتي تخافون نشوزهن " الآية فالحديث على هذا كالتفسير للآية فإن المراد بالضرب فيها هو الضرب المتوسط لا الشديد

 

قوله: (والمضاجع) المراقد أي فلا تدخلوهن تحت اللحف ولا تباشروهن فيكون كناية عن الجماع

 

قوله: (غير مبرح) بضم ففتح وتشديد راء وحاء مهملة هو الشديد الشاق "فإن أطعنكم" في ترك النشوز "فلا تبغوا" إلخ بالتوبيخ والأذية أي فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له

 

قوله: (فلا يوطئن) صفة جمع النساء من الإيطاء قال ابن جرير في تفسيره في معناه أن لا يمكن من أنفسهن أحدا سواكم، ورد بأنه لا معنى حينئذ لاشتراط الكراهة لأن الزنا حرام على الوجوه كلها قلت يمكن الجواب بأن الكراهة في جماعهن يشمل عادة للكل سوى الزوج ولذا قال ابن جرير أحدا سواكم فلا إشكال وقال الخطابي معناه أن لا يؤذن لأحد من الرجال يدخل فيحدث إليهن وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب لا يرون ذلك عيبا ولا يعدونه ريبة فلما نزلت آية الحجاب وصارت النساء مقصورات نهى عن محادثتهن والقعود إليهن

 

قوله: (من تكرهون) أي تكرهون دخوله سواء كرهتموه في نفسه أم لا قيل المختار منعهن عن إذن أحد في الدخول والجلوس في المنازل سواء كان محرما أو امرأة إلا برضاه والله أعلم

 

لقد جعل الله الحياة الزوجية حياة عشرة ومصاحبة يصحب أحدهما الآخر صحابة تامة من جميع الوجوه، صحبة يطمئن فيها أحدهما للآخر، إذ جعل الله هذه الزوجية محل اطمئنان، وقد أوصى الله تعالى بحسن العشرة بين الزوجين.

 

وعلى الأزواج أن يحسنوا عشرة أزواجهم، فقد جعل الله قيادة البيت للزوج على الزوجة، فجعله قواماً عليها. قال تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ"

 

وليس معنى قوامة الزوج على المرأة، وقيادته للبيت أنه المتسلط فيه، الحاكم له بحيث لا يرد له أمر، بل معنى قيادة الزوج للبيت هي رعاية شؤونه وإدارته، وليس السلطة أو الحكم فيه، لأنهما صاحبان وليسا أميراً ومأموراً، أو حاكماً ومحكوماً، بل هما صاحبان جعلت القيادة لأحدهما من حيث إدارة بيتهما، ورعاية شؤون هذا البيت. وقد كان رسول الله في بيته كذلك صاحباً لزوجاته، وليس أميراً متسلطاً عليهن رغم كونه رئيس دولة، ورغم كونه نبياً، روى مسلم في صحيحه أن أبا بكر استأذن على النبي، ودخل بعد أن أذن له ثم استأذن عمر ودخل بعد الأذن، فوجد النبي جالساً وحوله نساؤه واجماً ساكتاً فقال عمر: لأقولن شيئاً أضحك النبي ثم قال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله وقال: «هن حولي يسألنني النفقة». ومن ذلك يتبين أن معنى قوامة الرجل على المرأة هو أن يكون الأمر له، ولكن أمر صحبة لا أمر تسلط وسيطرة، فتراجعه وتناقشه.

 

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

20 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/23م

 

 

 

 

 

 

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق

 

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان في حلقة جديدة من برنامجكم مع الحديث الشريف ونبدأ بخير تحية فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عَنْ ‏ ‏أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ‏ ‏قَالَ: سَمِعْتُ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ‏ ‏يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‏ ‏"يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ‏ ‏هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ ثُمَّ يَقُولُ أَلَكَ عَنْ ذَلِكَ حَسَنَةٌ؟ فَيُهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ ‏ ‏مُحَمَّدًا ‏ ‏عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ ‏ ‏فَطَاشَتْ ‏ ‏السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ" أَخْرَجَهُ اِبْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ, وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

 

جاء في شرحِ سُننِ ابنِ ماجه للسِّنْدِيِّ: "‏قَوْلهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏(أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه) ‏‏ قَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: "لَيْسَتْ هَذِهِ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمِيزَانِ أَنْ يُوضَعَ فِي كِفَّتِهِ شَيْءٌ وَفِي الْأُخْرَى ضِدُّهُ، فَتُوضَعُ الْحَسَنَاتُ فِي كِفَّةٍ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةٍ فَهَذَا غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَأْتِي بِهِمَا جَمِيعًا، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ جَمِيعًا عَبْدٌ وَاحِدٌ يُوضَعُ الْإِيمَانُ فِي كِفَّةٍ وَالْكُفْرُ فِي كِفَّةٍ فَكَذَلِكَ اِسْتَحَالَ أَنْ تُوضَعَ شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ فِي الْمِيزَانِ، وَأَمَّا بَعْدَمَا آمَنَ الْعَبْدُ فَإِنَّ النُّطْقَ مِنْهُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَسَنَةٌ تُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ سَائِرُ الْحَسَنَات" ا ه قُلْتُ شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ حَسَنَةٌ أَيْضًا، فَإِنْ قَالَ لَيْسَ لَهُمَا مَا يُضَادُّهُمَا شَخْصًا وَإِنْ كَانَ مَا يُضَادّهُمَا نَوْعًا وَهِيَ السَّيِّئَةُ الْمُقَابِلَةُ لِلْحَسَنَةِ، فَيُرَادُ أَنَّ النُّطْقَ بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ بَعْد الْإِيمَانِ لَيْسَ لَهُ مَا يُضَادُّ شَخْصَهُ أَيْضًا وَمَنْ لَمْ يَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَطُّ فَفِعْلُ الصَّلَاةِ مِنْهُ حَسَنَةٌ لَا يُقَابِلُهَا مِنْ السَّيِّئَاتِ مَا يُضَادُّهَا شَخْصًا فَلْيُتَأَمَّلْ... ‏".

 

وجاء عند الأحوذي في تحفته:" ‏قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏(بِطَاقَةٌ) ‏‏قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْبِطَاقَةُ رُقْعَةٌ صَغِيرَةٌ يُثْبَتُ فِيهَا مِقْدَارُ مَا تَجْعَلُ فِيهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا فَوَزْنُهُ أَوْ عَدَدُهُ , وَإِنْ كَانَ مَتَاعًا فَثَمَنُهُ, قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُشَدُّ بِطَاقَةٍ مِنْ. ‏‏وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْبِطَاقَةُ كَكِتَابَةِ الرُّقْعَةِ الصَّغِيرَةِ الْمَنُوطَةِ بِالثَّوْبِ الَّتِي فِيهَا رَقْمُ ثَمَنِهِ سُمِّيَتْ لِأَنَّهَا تُشَدُّ بِطَاقَةٍ مِنْ هُدْبِ الثَّوْبِ.

 

‏ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقَالَ فَإِنَّك لَا تُظْلَمُ) ‏‏أَيْ لَا يَقَعُ عَلَيْك الظُّلْمُ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ اِعْتِبَارِ الْوَزْنِ كَيْ يَظْهَرَ أَنْ لَا ظُلْمَ عَلَيْك فَاحْضُرْ الْوَزْنَ. قِيلَ وَجْهُ مُطَابَقَةِ هَذَا جَوَابًا لِقَوْلِهِ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ؟ أَنَّ اِسْمَ الْإِشَارَةِ لِلتَّحْقِيرِ كَأَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَعَ هَذِهِ الْبِطَاقَةِ الْمُحَقَّرَةِ مُوَازَنَةٌ لِتِلْكَ السِّجِلَّاتِ, فَرَدَّ بِقَوْلِهِ إِنَّك لَا تُظْلَمُ بِحَقِيرَةٍ, أَيْ لَا تُحَقِّرُ هَذِهِ فَإِنَّهَا عَظِيمَةٌ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ إِذْ لَا يَثْقُلُ مَعَ اِسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ وَلَوْ ثَقُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَظُلِمْت.

 

‏ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَعَ اِسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ) ‏‏وَالْمَعْنَى لَا يُقَاوِمُهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَعَاصِي بَلْ يَتَرَجَّحُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِ الْمَعَاصِي. ‏

 

‏فَإِنْ قِيلَ: الْأَعْمَالُ أَعْرَاضٌ لَا يُمْكِنُ وَزْنُهَا وَإِنَّمَا تُوزَنُ الْأَجْسَامُ, أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُوزَنُ السِّجِلُّ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْأَعْمَالُ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ يُجَسِّمُ الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ فَتُوزَنُ فَتَثْقُلُ الطَّاعَاتُ وَتَطِيشُ السَّيِّئَاتُ لِثِقَلِ الْعِبَادَةِ عَلَى النَّفْسِ وَخِفَّةِ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْهَا وَلِذَا وَرَدَ: "حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ".

 

‏ ‏‏يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ رحمهُ الله: والنوعُ الواحدُ من العملِ قد يفعَلُهُ الإنسانُ على وجهٍ يكمُلُ فيهِ إخلاصُهُ وعبوديّتُهُ لله، فيغفِرُ اللهُ به كبائرَ الذنوبِ كما في حديثِ البطاقة.

 

إنّ اللهَ عزَّ وجلَّ وَسِعَتْ رحمتُهُ كلَّ شيءٍ فسبحانَهُ مِنْ خالقٍ عظيمٍ مدبِّرٍ أجْزَلَ الثّوابَ على الأعمالِ وإنْ صَغُرَتْ فعَنْ ‏ ‏أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ: "‏إِنَّ شَجَرَةً كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَطَعَهَا فَدَخَلَ الْجَنَّةَ" وفي حديث آخر ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "‏مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ الْمُسْلِمِينَ لَا ‏ ‏يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ" فإذا كانَ هذا ثوابَ مَن يرفَعُ الأذى عن طريقِ المسلمينَ فما بالُكُمْ بمنْ يرفعُ الأذى عن الأمةِ الإسلاميةِ جمعاء فيُزيلُ حكّامَ الضِّرارِ وأَذاهمْ ويقلَعُ أذى الكفّارِ المستعمرينَ لبلادِ المسلمينَ ويجعلُ مكانَهُ خلافةً راشدةً تحكُمُ الناسَ بالعدلِ وتمنعُ عنهم الأذى.

 

أحبتنا الكرام وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر نترككم في رعاية الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

21 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/24م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

 

هم الأخسرون

 

 

 

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي: "هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ", قَالَ: فَجِئْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَيْهِ فَلَمْ أَتَقَارَّ أَنْ قُمْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالا، إِلا مَنْ قَالَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَمَنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ، وَلا بَقَرٍ، وَلا غَنْمٍ، لا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، حَتَّى تَنْطِحَهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَأَهُ بِأَخْفَافِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا عَادَتْ أُولاهَا، حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَ الْخَلائِقِ أَوِ النَّاسِ".

 

إن كثرة الأموال قد تلهي عن طاعة الله. ما علينا نحن المسلمون في ظل هذه الظروف الصعبة إلا الالتفاف والتكاتف مع بعضنا البعض. وأن يحس غنينا بفقيرنا وأن لا نقلد الغرب في حياتهم لأن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة هي دار المقر، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبعد الرحمن بن عوف: "يا عبد الرحمن إنك من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إلا زحفاً، فأقرض الله يطلق لك قدميك .." الحديث. وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت أني دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا بلال، فنظرت فإذا أعالي أهل الجنة فقراء المهاجرين، وذراري المؤمنين .. إلى أن قال: ثم جعلوا يَعرضون عليّ أمتي رجلاً رجلا، فاستبطأت عبد الرحمن بن عوف فلم أره إلا بعد إياسة، فلما رأني بكى، فقلت: عبد الرحمن بن عوف ما يبكيك؟ فقال: والذي بعثك بالحق ما رأيتك حتى ظننت أني لا أراك أبداً إلا بعد المشيبات، قال: قلت: وما ذاك؟ قال: من كثرة مالي ما زلت أحاسب بعدك وأمحص".

 

وفي رواية: "بينما عائشة رضي الله عنها في بيتها إذ سمعت صوتاً رُجت به المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا عيرٌ قدمت لعبد الرحمن بن عوف من الشام، وكانت سبع مائة راحلة، فقالت عائشة رضي الله عنها: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً)، فبلغ ذلك عبد الرحمن، فأتاها فسألها عما بلغه فحدثته، قال: فإني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله". وفي لفظ أنه قال: إن استطعت لأدخلنها قائماً، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله.

 

اللهم بارك للمسلمين في مالهم

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

22 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/25م

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

مثلي كمثل غيث

 

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

مما رواه مسلم في صحيحه رَحِمَهُ اللَّهُ

 

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَاللَّفْظُ لِأَبِي عَامِرٍ، قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ".

 

ومما ورد في شرح النووي:-

 

(الْغَيْثُ):- الْمَطَرُ، (الْعُشْبُ وَالْكَلَأُ وَالْحَشِيشُ):- أَسْمَاءٌ لِلنَّبَاتِ، لَكِنَّ الْحَشِيشَ مُخْتَصٌّ بِالْيَابِسِ، وَالْعُشْبُ وَالْكَلَأُ، مَقْصُورًا مُخْتَصَّانِ بِالرَّطْبِ، وبعض أهل العلم قال: أن (الْكَلَأُ ):- يَقَعُ عَلَى الْيَابِسِ وَالرَّطْبِ، وَأَمَّا (الْأَجَادِبُ ):- قَالَ الْخَطَّابِيُّ:- هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تُمْسِكُ الْمَاءَ، فَلَا يُسْرِعُ فِيهِ النُّضُوبُ، وَقَالَ الْقَاضِي:- الْجَدْبِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخِصْبِ، وَأَمَّا:- ( الْقِيعَانُ ):- الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ، وَقِيلَ: الْمَلْسَاءُ، وَقِيلَ: الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا، وقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قَاعَةُ الدَّارِ، سَاحَتُهَا.

 

وقال النووي رَحِمَهُ اللَّهُ:-

 

أَمَّا مَعَانِي الْحَدِيثِ وَمَقْصُودُهُ فَهُوَ تَمْثِيلُ الْهُدَى الَّذِي جَاءَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَيْثِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَرْضَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَكَذَلِكَ النَّاسُ. فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ الْأَرْضِ يَنْتَفِعُ بِالْمَطَرِ فَيَحْيَى بَعْدَ أَنْ كَانَ مَيْتًا، وَيُنْبِتُ الْكَلَأَ، فَتَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ وَالدَّوَابُّ وَالزَّرْعُ وَغَيْرُهَا، وَكَذَا النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ النَّاسِ، يَبْلُغُهُ الْهُدَى وَالْعِلْمُ فَيَحْفَظُهُ فَيَحْيَا قَلْبُهُ، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَيُعَلِّمُهُ غَيْرَهُ، فَيَنْتَفِعُ وَيَنْفَعُ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْأَرْضِ مَا لَا تَقْبَلُ الِانْتِفَاعَ فِي نَفْسِهَا، لَكِنْ فِيهَا فَائِدَةٌ، وَهِيَ إِمْسَاكُ الْمَاءِ لِغَيْرِهَا، فَيَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ وَالدَّوَابُّ، وَكَذَا النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ النَّاسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ حَافِظَةٌ، لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُمْ أَفْهَامٌ ثَاقِبَةٌ، وَلَا رُسُوخَ لَهُمْ فِي الْعَقْلِ يَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْمَعَانِيَ وَالْأَحْكَامَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمُ اجْتِهَادٌ فِي الطَّاعَةِ وَالْعَمَلِ بِهِ، فَهُمْ يَحْفَظُونَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبٌ مُحْتَاجٌ مُتَعَطِّشٌ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، أَهْلٌ لِلنَّفْعِ وَالِانْتِفَاعِ، فَيَأْخُذَهُ مِنْهُمْ، فَيَنْتَفِعَ بِهِ، فَهَؤُلَاءِ نَفَعُوا بِمَا بَلَغَهُمْ. وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ الْأَرْضِ السِّبَاخُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ وَنَحْوُهَا، فَهِيَ لَا تَنْتَفِعُ بِالْمَاءِ، وَلَا تُمْسِكُهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا غَيْرُهَا، وَكَذَا النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ النَّاسِ، لَيْسَتْ لَهُمْ قُلُوبٌ حَافِظَةٌ، وَلَا أَفْهَامٌ وَاعِيَةٌ، فَإِذَا سَمِعُوا الْعِلْمَ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَلَا يَحْفَظُونَهُ لِنَفْعِ غَيْرِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَم.

 

و قاَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْوَابِلِ الصَّيِّبِ:-

 

جعلَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلّمَ الناسَ بِالنسبةِ إلى الهُدىَ وَالْعِلْمِ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ:-

 

الطبقةُ الأولى: ورثةُ الرسلِ وخلفاءُ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ، وهمُ الذينَ قاموا بالدِّينِ عِلمًا وعَملاً ودعوةً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ورسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فهؤلاءِ أتباعُ الرَسُولِ ـ صَلَواتُ اللهِ عليه وسلامُهُ ـ حقًّا، وهُمْ بِمَنزلةِ الطائفةِ الطَّيِّبَةِ منَ الأرضِ الَّتِي زَكَتْ، فقَبِلَتِ الماءَ، فأنبتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكثيرَ، فزَكَتْ في نفسِها، وزكا الناسُ بها.

 

وهؤلاءِ همُ الذينَ جمَعُوا بينَ البصيرةِ في الدِّينِ والقوَّةِ على الدعوةِ، ولذلكَ كانوا ورثةَ الأنبياءِ صلى اللهُ عليهم وسلَّم فهذا الفَهمُ هو بمنزلةِ الكَلأِ والعُشْبِ الكثيرِ الذي أنبتَتْهُ الأرضُ، وهو الذي تميَّزَتْ به هذه الطبقةُ عنِ:

 

الطبقةِ الثانيةِ: فإنها حفظَتِ النُّصوصَ، وكان هَمُّها حفظَها وضبطَها، فوَرَدَها الناسُ وتلقَّوْهَا منهم، فاستَنْبَطوا منها، واستخرجوا كنوزَها، واتَّجرُوا فيها، وبذَرُوها في أرضٍ قابلةٍ للزرعِ والنباتِ، وورَدَهَا كُلٌّ بَحَسَبِهِ {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ}.

 

وهؤلاءِ همُ الذينَ قال فيهم النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ)).

 

وهذا عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ حَبْرُ الأُمَّةِ وتَرْجُمَانُ القرآنِ؛ مقدارُ ما سمِعَ منَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لم يبلغْ نحوَ العِشرينَ حديثًا الذي يقولُ فيه: «سمعتُ» و«رأيتُ»، وسمعَ الكثيرُ من الصحابةِ، وبُوركَ في فهمِهِ والاستنباط منه حتى ملأَ الدنيا عِلماً وفقهاً.

 

وأينَ تقعُ فتاوى ابنِ عباسٍ، وتفسيرُهُ، واستنباطُهُ، من فتاوى أبي هُرَيْرَةَ وتفسيرُهُ؟! وأبو هُرَيْرَةَ أحفظُ منهُ، بلْ هوَ حافظُ الأمةِ على الإطلاقِ، يؤدي الحديثَ كما سمِعَه، ويدرُسُه باللَّيلِ درسًا، فكانت هِمَّتُه مصروفةً إلى الحفظِ، وتبليغ ما حَفِظَهُ كما سمعَه، وهِمَّةُ ابنِ عباسٍ مصروفةٌ إلى التَّفَقُّهِ والاستنباطِ، وتفجيرِ النصوصِ، وشقِّ الأنهارِ منها، واستخراجِ كُنُوزِها.

 

وهكذا الناسُ بعدَه قسمانِ:

 

قِسمٌ حُفَّاظٌ مُعْتَنُونَ بِالضَّبْطِ، والحفظِ، والأداءِ، كما سمعوا، ولا يستنبطونَ ولا يَستخرجونَ كنوزَ ما حفِظُوهُ.

 

وقِسمٌ مُعْتَنُونَ بالاستنباطِ واستخراجِ الأحكامِ منَ النصوصِ، والتَّفَقُّهِ فيها.

 

وأمَّا الطائفةُ الثالثةُ: وهُمْ أشقَى الخلقِ، الذين لم يقبلوا هُدىَ اللهَ ولم يرفعُوا به رأساً، فلا حفظَ، ولا فهمَ، ولا روايةَ، ولا درايةَ، ولا رعايةَ.

 

فالطبقةُ الأولى: أهلُ روايةٍ وداريةٍ.

 

والطبقةُ الثانيةُ: أهلُ روايةٍ ورعايةٍ، ولهم نصيبٌ من الدرايةِ، بل حظُّهم من الروايةِ أوفرُ.

 

والطبقةُ الثالثةُ: الأشقياءُ، لا روايةَ، ولا دِرايةَ، ولا رِعايةَ {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا}.

 

فهُمُ الذين يُضَيِّقونَ الديارَ، ويُغْلُونَ الأسعارَ، إنْ هَمُّ أحدِهم إلا بطْنُه وفرجُه، فإِنْ ترَقَّتْ همَّتُه فوق ذلك كان همُّه ـ معَ ذلِكَ ـ لباسَهُ وزينَتَهُ، فإنَ ترَقَّتْ همَّتُه فوقَ ذلكَ كان هَمُّهُ في الرياسةِ والانتصارِ للنفسِ الكَلْبيَّة، فَإنِ ارتفعَتْ هِمَّتُهُ عن نُصرَةِ النفسِ الكلبيَّة، كان همُّهُ في نصرةِ النفسِ السَّبُعيَّة، وأما النفسِ المَلَكِيّة، فلم يُعْطَها أحدٌ من هؤلاء؛ فإن النفوسَ ثلاثة: كلبيّةٌ وسبعيّةٌ ومَلَكِيَّةٌ:

 

فَالكَلْبيةُ: تقنَعُ بالعَظْمِ، والكِسرةِ، والجِيفةِ، والعَذِرةِ.

 

والسَّبُعيةُ: لا تقنعُ بذلك، بل بقهرِ النفوسِ، والاستعلاءَ عليها بالحقِّ والباطلِ.

 

وأمَّا المَلَكِيَّةُ: فقدِ ارتفعَتْ عن ذلك، وشمَّرتْ إلى الرفيقِ الأعلى، فهِمَّتُها العلمُ والإيمانُ، ومحبةُ اللهِ تعالى، والإنابةُ إليه، والطمـأنينة به، والسكون إليه، وإيثارُ محبتِهِ ومرضاتِهِ، وإنما تأخذُ منَ الدنيا ما تأخذُه لتستعينَ به على الوُصولِ إلى فَاطِرِهَا وربِّها ووَلِيِّها، لا لِتَنْقَطِعَ بِهِ عَنْهُ).

 

أيها الأحبة بالله:- كثيرة هي النعم التي أنعمها الله علينا ولعل من أجلّها وأعظمها نعمة الإسلام، وكفى بها من نعمة وأعظم بها من مثوبة وأكرم بها من أجر ومكرمة، وإن من تمام هذه النعمة بعد فهمها وتطبيقها أن نحملها ونبلغها للناس، وأن نقوم بمهمة الأنبياء والرسل،

 

نعم أيها الأحبة بالله:- نعمة حمل الدعوة الإسلامية التي من أجلها جعلنا الله من خير أمة أخرجت للناس،

 

أيها الأحبة بالله:-

 

إن حمل الدعوة فرض عليكم، وإن السعي لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الموعودة فرض، والتكتل مع الفئة المنصورة بإذن الله محقق لغاية الغايات - رضى الله سبحانه وتعالى - أحبتي بالله لا تحرموا أنفسكم هذه النعمة، حتى يتحقق تحكيم كتاب الله بشكل كامل وشامل في ظل دولة الخلافة الراشدة والتي أوجب الله على كل مسلم العمل لإيجادها والدفاع عنها وحمايتها.

 

أحبنتا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

23 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/26م

 

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_31958

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

رفع العلم وقبضه

 

 

أيها المسلمون:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

 

جاء في صحيح الإمام مسلم في شرح النووي "بتصرف"، في "باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان".

 

حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث حدثنا أبو التياح حدثني أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أشراط الساعة، أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا".

 

قوله صلى الله عليه وسلم: (من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل وتشرب الخمر ويظهر الزنا) هكذا، هو في كثير من النسخ: (يثبت الجهل) من الثبوت، وفي بعضها (يبث) بضم الياء وبعدها موحدة مفتوحة ثم مثلثة مشددة، أي ينشر ويشيع. ومعنى (تشرب الخمر) شربا فاشيا، و (يظهر الزنا) أي يفشو وينتشر كما صرح به في الرواية الثانية. و (أشراط الساعة) علاماتها، واحدها شرط بفتح الشين والراء. و (يقل) الرجال بسبب القتل، وتكثر النساء، فلهذا يكثر الجهل والفساد، ويظهر الزنا والخمر. و (يتقارب الزمان) أي يقرب من القيامة. ويلقى الشح هو بإسكان اللام وتخفيف القاف أي يوضع في القلوب، ورواه بعضهم يلقى بفتح اللام وتشديد القاف أي يعطى، والشح هو البخل بأداء الحقوق، والحرص على ما ليس له.

 

إننا نعيش اليوم رفع العلم وثبوت الجهل وشرب الخمر وظهور الزنا. ألا ترون علماء النفاق تعيث فسادا في بيوت الله؟ ألا ترون الجهل وقد عمّ وطمّ في ربوع المسلمين؟ ثم ألا ترون انتشار الخمر وقد أصبحت كالماء تشرب في بلادنا؟ وظهور الزنا وكأنه الزواج المجاني؟

 

فالواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية اليوم، يتحدث بما ينطق به الحديث الشريف، كيف لا وقد بات المسلمون والفجور بين ظهرانيهم، وهم لا يملكون إنكاره إلا من رحم الله؟ مصداقا لما قال عليه الصلاة والسلام: "ألا إنه سيكون عليكم أمراء مضلون، يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم".

 

وهكذا أيها المسلمون كلما تطاول العهد بهؤلاء الحكام؛ كثر شرب الخمر، وكثر الزنا، وكثرت المعاصي؛ بسبب تهاون الناس بحكامهم وقلة الوازع في قلوبهم، واعتبارهم عند البعض ولاة أمر. فها هم ولاة الأمر يظهرون على حقيقتهم بأوضح الصور في قتلهم لشعوبهم، وارتكابهم أبشع المجازر في النساء والأطفال والشيوخ، كما في سوريا الموت، فمن لم يسقط سقف البيت عليه أثناء الدك بالمدفعية أو الصواريخ، وجد الموت ينتظره في الشوارع والأزقة. هؤلاء هم ولاة الأمور، أشد عداء من الأعداء. فإذا كان هذا هو استخدامهم للأسلحة الظاهرة للعيان بشكل واضح، فكيف بالأسلحة غير الظاهرة عند بعض الناس، كتشجيع الرذيلة وفتح بيوت الدعارة وتجهيل الناس، وإغراقهم بالموبقات كما ورد في هذا الحديث الشريف؟ نسال الله العفو والعافية، ونسأله الوعي والخلاص من هؤلاء الحكام الفجرة عما قريب. اللهم آمين.

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

26 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/29م

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_32014

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

حق التصرف بالمال المملوك

 

نحييكم أحبتنا الكرام في كل مكان مع حديث نبوي جديد من برنامجكم مع الحديث الشريف, ونبدأ بخير تحية فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

روى النسائي في سننه قال:

 

أَخْبَرَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

 

"جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَا يُنْفِقُ عَلَيَّ وَوَلَدِي مَا يَكْفِينِي، أَفَآخُذُ مِنْ مَالِهِ وَلَا يَشْعُرُ؟ قَالَ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدِكِ بِالْمَعْرُوفِ.

 

جاء في حاشية السندي:

 

قَوْله (رَجُل شَحِيح)

 

أَيْ بَخِيلٌ

 

(بِالْمَعْرُوفِ)

 

أَيْ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُتَحَمَّلُ فِي الْعُرْف أَخْذُهُ

 

في هذا الحديث أباح الرسول للمرأة التي يقصر زوجها في النفقة عليها وعلى أولادها أن تأخذ من ماله ما يكفيهم دون إذنه.

 

مع أن المال هو ملك للزوج وهو صاحب الحق في التصرف فيه إلا أن حق التصرف إنما اكتسبه المالك بإذن الشارع له بالتملك ومن ثم بالتصرف ....وهو أي التصرف يجب أن يتحقق فيه الانتفاع بالمال المملوك انتفاعا يعود بالفائدة على المالك وعلى المجتمع الذي يعيش فيه وفق أحكام الشرع, لا يتجاوزها, فإن لم يحسن المالك إنفاق ماله على الوجه الذي أراده الشرع بأن بخل به أو أنفقه على المحرمات حرم من حقه في التصرف بماله لأن التصرف مرتبط بطاعة الله فيما شرع من أحكام للتصرف بالمال .....فليس المالك مطلق التصرف بما يملك ....بل هو مقيد بحدود الشرع التي حددها للانتفاع بالثروة ولا يجوز له تجاوزها.

 

فمثلا في قصة هند هذه فإن أبا سفيان لم يلتزم حدود الله في تصرفه في ماله, فقصر في نفقته على عياله مع أن نفقته عليهم واجبة .....لذا فقد أباح الشرع لزوجه أن تنفق من ماله على من تجب عليه نفقتهم دون إذن منه .....

 

وعليه فإن ملكية المال في الإسلام والتي تعني حق التصرف إنما تعني الانتفاع بالمال المملوك, وحق التصرف إنما يعني الحق بتنمية المال والحق بإنفاقه: نفقةً وصلةً. ولا تعني أبداً حق تبذيره أو إضاعته دون فائدة كما لا تعني كنزه وحرمان المجتمع من منفعته وخاصة حرمان أصحاب الحق فيه من الانتفاع به.

 

مستمعينا الكرام ....بالأمس كان الرسول ثم خلفاؤه من بعده يقومون على رعاية مصالح الناس, وحفظ حقوقهم فيمنعون المكلف من التقصير في حق من هو مكلف برعايتهم ....ويأخذ على يد المبذر أو البخيل أو السفيه .....فمن للناس اليوم يقوم على مصالحهم ....ويضع أحكام الله موضعها من التطبيق ......؟

 

أحبتنا الكرام وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر, نترككم في رعاية الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

28 من صـفر 1435

الموافق 2013/12/31م

 

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

باب من بنى لله مسجدا

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

جاء في حاشية السندي، في شرح سنن ابن ماجة "بتصرف"، في باب "من بنى لله مسجدا".

 

حدثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ قال حدثنا يونسُ بنُ محمدٍ قال: حدثنا ليثُ بنُ سعدٍ عن عثمانَ بنِ عبدِ الله بنِ سُراقَةَ العَدَوِيِّ عن عمرَ بنِ الخطابِ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة".

 

قوله: (من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله) على بناء المفعول، والجملة في موضع التعليل كأنه قيل بني ليذكر اسم الله تعالى فيه، فهذا في معنى ما جاء يبتغى وجه الله. قوله (بيتا) تنكيره للتعظيم أي عظيماً، وإسناد البناء إلى الله تعالى مجاز، أي أمر الملائكة ببنائه أو البناء مجاز عن الخلق، والإسناد حقيقة، قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي بناه كان بعيدا من الإخلاص.

 

إن الله تعالى جازى على من يعمل من الخير مثقال ذرة، فكيف بمن يقوم بعمل كبير كبناء المسجد؟ لا شك أن ثواب من يقوم بهذا عظيم عظيم. فهو من جهة فيه خير لأنه ينفع المسلمين ويثيب الله عليه، وهو من جهة أخرى يُعتبر صدقة جارية، تبقى بعد وفاة صاحب هذا العمل إلى ما شاء الله. كما جاء في الحديث: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

 

أيها المسلمون: إن حكامكم الذين عرفتموهم طيلة هذه العقود العجاف، لسان حالهم يقول: من بنى خمّارة، من بنى بيت دعارة، لا من بنى مسجدا، سيروا في الأرض في بلاد المسلمين وانظروا، ألا ترون هذه البيوت؟ ألا ترون البيوت الرّبوية التي فاقت حرمتُها حُرمة الزنا؟ حتى هذه السلطة المسخ في فلسطين، بمجرد وضع قدمها على هذه الأرض المقدسة، بنت (كازينو)، قبل أن تقوم بأي أمر من الأمور. هؤلاء هم حكامكم أيها المسلمون، كلاب حراسة الغرب، مع اعتذاري للكلاب، فالكلاب حفيظة للوفاء. إنها الأوامر، أوامر السيد للعبد، ولا مناص من تنفيذها حتى لو خالفت ما عليه الأمة في فكرها ومشاعرها. الله سبحانه وتعالى يقول: "الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ" ولكن أين هؤلاء الرويبضاتُ ممّا يريد الله تعالى؟ لا عذر لكم - أيها المسلمون- أمام الله تعالى إن سكتم عليهم وعلى وجودهم حكاما عليكم بعد أن افتُضح أمرهم، وكُشفت عوراتهم، لا عذر لكم وقد انبلج فجر الأمة من جديد، فهذه ثورات الخير تعم بلاد المسلمين، إنه زمن التغيير، زمن عودة الإسلام بعد انقطاع، زمن الخلافة التي وعدنا بها ربُّنا سبحانه، والبشرى التي بشرنا بها نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم. شمروا عن سواعدكم أيها الأحبة، وعاهدوا الله أن تكونوا من هؤلاء العاملين الذين يعملون لتغيير هذا الواقع الأليم، لتكونوا من الثلة الثانية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه العزيز: "ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ {39} وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ".

 

اللهم استعملنا في طاعتك، لتطبيق شرعك على عبادك في أرضك، اللهم آمين آمين.

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

29 من صـفر 1435

الموافق 2014/01/01م

 

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_32087

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحديث الشريف

إعطاء الدولة من أموالها للرعية

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

روى الترمذي في سننه:

 

1301 - قَالَ قُلْتُ لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمَأمة بْنِ شَرَاحِيلَ عَنْ سُمَيِّ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سُمَيْرٍ عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ:

"أَنَّهُ وَفَدَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ فَقَطَعَ لَهُ فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ: أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ، قَالَ: فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ".

 

1301 - قَوْلُهُ: (قُلْت لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ قَيْسٍ)

 

قَرَأَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى شَيْخِهِ قُتَيْبَةَ بِالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا أحد وُجُوهِ التَّحَمُّلِ. قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي تَدْرِيبِ الرَّاوِي: وَإِذَا قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ قَائِلًا أَخْبَرَك فُلَانٌ أو نَحْوُهُ كَمَا قُلْت أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَالشَّيْخُ مُصْغٍ إِلَيْهِ فَاهِمٌ لَهُ غَيْرُ مُنْكِرٍ وَلَا مُقِرِّ لَفْظٍ صَحَّ السَّمَاعُ، وَجَازَتْ الرِّوَايَةُ بِهِ اِكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ.

 

(الْمَأْرِبِيُّ)

 

مَنْسُوبٌ إلى مَأْرِبَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ

 

(وَفَدَ): أي قَدِمَ. (اِسْتَقْطَعَهُ): أي سَأَلَهُ أَنْ يُقْطِعَ إِيَّاهُ

 

(الْمِلْحَ): أي مَعْدِنَ الْمِلْحِ.

 

(فَقَطَعَ لَهُ): لِظَنِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يُخْرِجَ مِنْهُ الْمِلْحَ بِعَمَلٍ وَكَدٍّ

 

(فَلَمَّا أَنْ وَلَّى): أي أَدْبَرَ

 

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ): هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ إِنَّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ

 

(الْمَاءَ الْعِدَّ): بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أي الدَّائِمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَالْعِدُّ الْمُهَيَّأُ

 

قَوْلُهُ: (فَأَقَرَّ بِهِ وَقَالَ نَعَمْ)

 

هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قُلْت لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إِلَخْ أي قَالَ التِّرْمِذِيُّ لِشَيْخِهِ قُتَيْبَةَ حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إِلَخْ فَأَقَرَّ بِهِ قُتَيْبَةُ، وَقَالَ: نَعَمْ.

 

في هذا الحديث دليل على إباحة إعطاء الدولة من أموالها للرعية, فأبيض بن حمال قد طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقطعه أرضاً من أملاك الدولة فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الأرض ....ولولا أن الأرض كانت تحوي الملح بكميات كبيرة غير منقطعة لما تراجع الرسول صلى الله عليه وسلم عن عطائه ....فالمعدن غير المنقطع لا يصح أن يملك ملكية فردية بل تكون ملكيته ملكية عامة .....لذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع عن إقطاع أرض الملح لأنها ملكية عأمة.

 

أما حين كانت الأرض للدولة فقد أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة أبا بكر وعمر كما أقطع الزبيرَ أرضاً واسعة.

 

إن إعطاء الدولة من أموالها للرعية سواء أكان المال نقداً أو أرضاً أو سلعاً أو أي شكل آخر من أشكال المال هو مباح بدلالة هذا الحديث, وهذا العطاء هو سبب من أسباب التملك الشرعية للمال.

 

فللخليفة أو من ينوب عنه من معاونين أو ولاة أو عمالٍ، أن يعطوا من أموال الدولة لأفراد الرعية لسد حاجاتهم أو للانتفاع بملكيتهم.

 

ومن الأمثلة على سد الحاجات: أن تعطي الدولة للأفراد أموالا لسد ديونهم ... أو تعطي المزارعين أموالا لزراعة أراضيهم.

 

أما الأمثلة على الانتفاع بملكيتهم: فأن تُمَلِّكَ الدولةُ أفراداً من الأمة من أملاكها وأموالها المعطلة المنفعة, كأن تقطعَهم بعضَ الأرض ليعملوا فيها فيكسبون المال الحلال ويفيدون المجتمع بإنتاجهم, فهذا الذي تقطعه الدولة للفرد يصبح ملكا له بهذا الإقطاع.

 

أما نتائج إعطاء الدولة من أموالها للرعية فإنه تنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير المواد الزراعية والصناعية اللازمة للمجتمع .....فالأرض المُقْطَعَة تكون معطلة لا فائدة منها لكن حين تُعْطَى لأحدهم فإنه سيعمل فيها ويحولها إلى أرض منتجة صالحة فيخدم نفسه بأن يجد مصدراً للكسب ويخدمَ المجتمع بإنتاج بعض ما يحتاجه من السلع أو الطعام ....وهي من طرق القضاء على البطالة, واستثمار الأرض, واستصلاحها وفوق ذلك فإنها تقوي العلاقة بين الدولة والرعية اذ يُظهِر متابعة الدولة لرعاياها وحرصها على مصالحهم وتوفيرها لاحتياجاتهم مما يعود بالفائدة والمصلحة على المجتمع عامته.

 

ويلحق بما تعطيه الدولة للأفراد ما توزعه على المحاربين من غنائم وما يأذن به الإمام بالاستيلاء عليه من الأسلاب فكلها أموال مباحة وملكها شرعي. وهي وإن كان ليس لها واقع الآن إلا أن المستقبل القريب سيعيد واقعها إلى حياة الأمة ....فحين قيام دولة الخلافة قريبا باذن الله من جديد ستعيد سيرة الخلافة الماضية تحمل مشعل الجهاد وتفتح البلاد وتوزغ الغنائم على المجاهدين في سبيل الله.

 

اللهم اجعل هذا اليوم قريباً ......اللهم آمين

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

01 من ربيع الاول 1435

الموافق 2014/01/02م

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_32122

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

الرّجلُ على دِينِ خَليلِه

 

 

نُحَيِّيْكُمْ جميعاً أيُّها الأحبةُ في كُلِّ مَكَانٍ في حَلْقَةٍ جديدةٍ منْ برنامَجِكُمْ: مَعَ الْحديثِ الشريفِ، ونبدأُ بِخَيْرِ تحيةٍ فالسلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ

 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ"

 

جاء في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

 

قَوْلُهُ: (الرَّجُلُ)

 

يَعْنِي الْإِنْسَانَ

 

(عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ)

 

أَيْ عَلَى عَادَةِ صَاحِبِهِ وَطَرِيقَتِهِ وَسِيرَتِهِ

 

(فَلْيُنْظَرْ)

 

أَيْ فَلْيَتَأَمَّلْ وَلْيَتَدَبَّرْ

 

(مَنْ يُخَالِلْ)

 

مِنْ الْمُخَالَّةِ وَهِيَ الْمُصَادَقَةُ وَالْإِخَاءُ, فَمَنْ رَضِيَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ خَالَلَهُ وَمَنْ لَا تَجَنُّبُهُ, فَإِنَّ الطِّبَاعَ سَرَّاقَةٌ وَالصُّحْبَةُ مُؤَثِّرَةٌ فِي إِصْلَاحِ الْحَالِ وَإِفْسَادِهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ:

 

مُجَالَسَةُ الْحَرِيصِ وَمُخَالَطَتُهُ تُحَرِّكُ الْحِرْصَ وَمُجَالَسَةُ الزَّاهِدِ وَمُخَالَلَتُهُ تُزْهِدُ فِي الدُّنْيَا; لِأَنَّ الطِّبَاعَ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالِاقْتِدَاءِ بَلْ الطَّبْعُ يَسْرِقُ مِن الطَّبْعِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي. إنتهى.

 

قال القَرافِيُّ:"ما كُلُّ أحدٍ يَستحِقُ أنْ يُعَاشَرَ و لا يُصَاحَبَ و لا يُسَارَرَ"

 

وقال عَلْقَمَةُ: اِصْحَبْ مَنْ إنْ صَحِبْتَهُ زَانَكَ، وإن أصابتك خَصاصةٌ عَانَكَ وإنْ قلتَ سَدَّدَ مَقَالَكَ، وإنْ رأى منكَ حسنةً عَدَّها، وإنْ بَدَتْ منك ثُلْمَةٌ سَدَّهَا، وإنْ سألتَهُ أعطاك، وإذا نَزَلَتْ بِكَ مُهِمَّةٌ وَاسَاكَ، وأدْنَاهُمْ مَنْ لا تأتِيْكَ منه البَوائِقُ، ولا تختلفُ عليكَ منه الطرائقُ.

 

ويقول الشيخُ أحمدُ بْنُ عَطاءٍ: مُجَالَسَةُ الأضدادِ ذَوَبانُ الروحِ، ومُجَالَسَةُ الأَشْكالِ تلقيحُ العقولِ، وليسَ كُلُّ مَنْ يَصْلُحُ للمُجَالسةِ يَصْلُحُ للمُؤَانَسَةِ، و لا كُلُّ مَنْ يَصْلُحُ للمؤانسةِ يُؤْمَنُ على الأسرارِ، و لا يُؤْمَنُ على الأسرارِ إلا الأُمَنَاءُ فَقَطْ.

 

يَنْظُرُ بَعْضُ الناسِ هذهِ الأيامَ إلى حالِهِ أوْ حَالِ أولادِهِ نَظْرَةَ حُزْنٍ وَتَأَسُّفٍ. ويَتَسَاءَلُ كيفَ وَصَلَ به أو بأولادِهِ هذا الحالُ. ويتساءَلُ كيفَ لهُ أنْ يُصْلِحَ مِنْ هذا الحالِ.

 

ويَغْفُلُ السائلُ عن أثَرِ الرفاقِ والأصحابِ. فجاءَ ما جاءَ ذِكْرُهُ تبياناً لأهميةِ هذا الأمرِ. فَلْيَعْلَمْ مَنْ هذا حَالُهُ، أنَّ عليهِ أنْ يَنْقَلِبَ على نفسِهِ ويبحثَ عن رُفَقَاءِ خَيْرٍ يُعِيْنُوْنَهُ على طاعةِ اللهِ. ونسألُ اللهَ تعالى أنْ يَحُفَّنَا دَوْماً بالمتقينَ.

 

وإلى حينِ أَنْ نَلْقَاكُمْ مَعَ حديثٍ نبويٍ آخَرَ نتركُكُمْ في رِعَايَةِ اللهِ والسلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ

 

10 من ربيع الاول 1435

الموافق 2014/01/11م

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_32322

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

البر والصلة والآداب

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ورد عند مسلم في صحيحه رحمه الله

 

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ".

 

قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ هِيَ إِرَادَتُهُ الْخَيْرَ لَهُ، وَهِدَايَتُهُ، وَإِنْعَامُهُ عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ، وَبُغْضُهُ إِرَادَةَ عِقَابِهِ أَوْ شَقَاوَتِهِ وَنَحْوِهِ، وَحُبُّ جِبْرِيلَ وَالْمَلَائِكَةِ يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا اسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ، وَثَنَاؤُهُمْ عَلَيْهِ، وَدُعَاؤُهُمْ. وَالثَّانِي أَنَّ مَحَبَّتَهُمْ عَلَى ظَاهِرِهَا الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَهُوَ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَيْهِ وَاشْتِيَاقُهُ إِلَى لِقَائِهِ. وَسَبَبُ حُبِّهِمْ إِيَّاهُ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى، مَحْبُوبًا لَهُ.

 

وَمَعْنَى (يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ) أَيِ الْحُبُّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، وَرِضَاهُمْ عَنْهُ، فَتَمِيلُ إِلَيْهِ الْقُلُوبِ، وَتَرْضَى عَنْهُ. وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ (فَتُوضَعُ لَهُ الْمَحَبَّةُ)

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا "بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ، إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ.

 

وقال ابن القيم رحمــه الله: يكون حب الله للعبد بأمورٍ عديدة:

 

أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد منه

 

الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة.

 

الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب، والعمل والحال. فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.

 

الرابع: إيثار مَحَابِّهِ على مَحَابِّكَ عند غَلَبَات الهوى.

 

الخامس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة، فإنها داعية إلى محبته.

 

السادس: وهو من أعجبها؛ انكسار القلب بكليَّته بين يدي الله تعالى.

 

السابع: الخلوة به وقت نزول رحمة الله لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية ثم ختم ذلك بالاستغفار.

 

الثامن: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم.

 

أحبتي في الله:-

 

لقد ورد في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم العديد من الأسباب الموجبة لمحبة الله لعبده، منها: -

 

1.التقوى: قال تعالى: - (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) سورة آل عمران

 

2.التوكل على الله: قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران

 

3.الصبر بأنواعه الثلاثة:

 

الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على الحوادث المؤلمة. قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) آل عمران

 

4.العدل: العدل مع كل الناس كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، مسلمهم وكافرهم. قال تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) المائدة.

5. التوبة: المداومة على التوبة والرجوع إلى الله:- قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة.

 

6.الاتباع: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهديه وسنته في كل شؤون الحياة.قال تعالى: (قلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) آل عمران

 

7. النوافل: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض. قال تعالى في الحديث القدسي - الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه:

 

(إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا، فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ،... الحديث) رواه البخاري.

 

أحبتي في الله:-

 

ان لمحبة الله لعبده آثاراً وثماراً عظيمة منها:

 

1- التسديد: - تسديد الله للعبد في جوارحه فلا يفعل بها إلا ما يرضي الله، ولا يستعملها فيما يغضب الله.

 

2- استجابة الله لدعائه: -

 

قال تعالى في الحديث القدسي - الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (...، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) رواه البخاري.

 

3- وضع القبول له في الأرض:

 

قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ) رواه مسلم

 

يا خير أمة أخرجت للناس:-

 

إن محبة الله دعوى يدعيها كل واحد فما أسهل الدعوى! وما أعز المعنى !فلا ينبغي أن يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان وخداع النفس، فالمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وثمارها تظهر في القلب واللسان والجوارح.

 

فالبحث ليس مقدار حبنا لله - تبارك وتعالى - بل مقدار حب الله لنا. كذلك فإن معنى أن يحبنا الله - عز وجل - أن يغفر لنا، فمن يحب يعفو ويغفر، وقد ورد ذلك في الكثير من الآيات والأحاديث، ومن أمثلة ذلك (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) سورة الأنعام

 

وإذا أحب الله عبدا جعله شفيقا رحيما على جميع عباده رفيقا بهم شديدا على أعدائه كما قال الله (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الفتح، وقال عنهم: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) المائدة.

 

فالإنسان عباد الله، لا يدري بما يختم له عند الموت فعليه أن يسأل الله دائما حسن الختام، إن الإنسان يموت على ما عاش عليه ويحشر على ما مات عليه. ولا يظلم ربك أحداً.

اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك ومن يقربنا إلى حبك، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وأعزنا بالإسلام، وبدولة الإسلام، ونجنا من الظلمات إلى النور, وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك مثنين بها عليك قابلين لها وأتممها علينا.

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

11 من ربيع الاول 1435

الموافق 2014/01/12م

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_32346

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

مع الحديث الشريف

 

إثم القول على الله بغير علم

 

رَوَى ‏الزُّهْرِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏أَبِيهِ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏جَدِّهِ ‏ ‏قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَوْمًا ‏ ‏يَتَدَارَءُونَ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا وَمَا جَهِلْتُمْ ‏ ‏فَكِلُوهُ ‏ ‏إِلَى عَالِمِهِ". رواه أحمد في مسنده

 

وروى أيوب عن ابن بليكة قال: سُئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن آية، فقال: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله.

 

وصحّ عن ابن مسعود وابن عباس: من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون.

 

وقال الشافعي رحمه الله: سمعت مالكاً يقول: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله، وذكره ابن عجلان عن ابن عباس.

 

وقال أبو حُصين الأسدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر.

 

وعن ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل:"الله أعلم" فإن الله قال لنبيه {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}.

 

فإذا كان هذا قول سلف الأمة الأخيار من الصحابة والتابعين وهم خير القرون على الإطلاق علماً وعملاً وورعاً، فماذا يقول اليوم علماء هذا الزمان من الذين يتجرؤون على دين الله ويفتون الناس بغير ما أراد الله، ما بالهم يتقحّمون النار يبتغون عرض الدنيا، يُرضون حكامهم ويُسخطون ربهم، يُضلون الناس عن علم أولئك علماء السلاطين الذين قال فيهم رسولنا الكريم عليه السلام:" إذا رأيتم العلماء على أبواب السلاطين فخافوا على دينكم منهم".

 

12 من ربيع الاول 1435

الموافق 2014/01/13م

 

http://www.hizb-ut-t...nts/entry_32368

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي

 

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

روى مسلم في صحيحه قال:

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ

 

أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا"

 

قِيلَ لِسُفْيَانَ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَرْفَعُهُ قَالَ: لَكِنِّي أَرْفَعُه.

جاء في شرح النووي على مسلم:

 

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا دَخَلَتْ الْعَشْر وَأَرَادَ أَحَدكُمْ أَنْ يُضَحِّي فَلَا يَمَسّ مِنْ شَعْره وَبَشَره شَيْئًا)

 

وَفِي رِوَايَة: (فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا وَلَا يُقَلِّمَنَّ ظُفْرًا) وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَشْر ذِي الْحِجَّة وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَرَبِيعَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَدَاوُد وَبَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ: إِنَّهُ يَحْرُم عَلَيْهِ أَخْذ شَيْء مِنْ شَعْره وَأَظْفَاره حَتَّى يُضَحِّي فِي وَقْت الْأُضْحِيَّة، وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه: هُوَ مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا يُكْرَه، وَقَالَ مَالِك فِي رِوَايَة: لَا يُكْرَه، وَفِي رِوَايَة: يُكْرَه، وَفِي رِوَايَة: يَحْرُم فِي التَّطَوُّع دُون الْوَاجِب. وَاحْتَجَّ مَنْ حَرَّمَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيّ وَالْآخَرُونَ بِحَدِيثِ عَائِشَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهَا - قَالَتْ: "كُنْت أَفْتِل قَلَائِد هَدْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يُقَلِّدهُ، وَيَبْعَث بِهِ وَلَا يَحْرُم عَلَيْهِ شَيْء أَحَلَّهُ اللَّه حَتَّى يَنْحَر هَدْيه" رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم. قَالَ الشَّافِعِيّ: الْبَعْث بِالْهَدْيِ أَكْثَر مِنْ إِرَادَة التَّضْحِيَة، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُم ذَلِكَ وَحَمَلَ أَحَادِيث النَّهْي عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه. قَالَ أَصْحَابنَا: وَالْمُرَاد بِالنَّهْيِ عَنْ أَخْذ الظُّفْر وَالشَّعْر النَّهْي عَنْ إِزَالَة الظُّفْر بِقَلَمٍ أَوْ كَسْر أَوْ غَيْره، وَالْمَنْع مِنْ إِزَالَة الشَّعْر بِحَلْقٍ أَوْ تَقْصِير أَوْ نَتْف أَوْ إِحْرَاق أَوْ أَخْذه بِنَوْرَةٍ أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَسَوَاء شَعْر الْإِبْط وَالشَّارِب وَالْعَانَة وَالرَّأْس، وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ شُعُور بَدَنه، قَالَ إِبْرَاهِيم الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْره مِنْ أَصْحَابنَا: حُكْم أَجْزَاء الْبَدَن كُلّهَا حُكْم الشَّعْر وَالظُّفْر، وَدَلِيله الرِّوَايَة السَّابِقَة: (فَلَا يَمَسّ مِنْ شَعْره وَبَشَره شَيْئًا) قَالَ أَصْحَابنَا: وَالْحِكْمَة فِي النَّهْي أَنْ يَبْقَى كَامِل الْأَجْزَاء لِيُعْتِق مِنْ النَّار، وَقِيلَ: التَّشَبُّه بِالْمُحْرِمِ، قَالَ أَصْحَابنَا: هَذَا غَلَط؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَزِل النِّسَاء وَلَا يَتْرُك الطِّيب وَاللِّبَاس وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَتْرُكهُ الْمُحْرِم.

 

هذا الحديث الشريف يعلمنا بعض ما يستحب للمضحي أن يفعله في نفسه إذا ما نوى تقديم الأضحية .......فمن نوى القيام بهذه الشعيرة المباركة فليتهيأ لها, ليعيش أجواءها ويستشعر ثوابها من اليوم الأول لدخول شهر التضحية والفداء ....شهر ذي الحجة ....فلا يحلق شعره ولا يقلم أظافرة ....

 

إن ما هو مطلوب في هذا الحديث شيء ثقيل على النفس مناقض للفطرة ......لكنه في هذه الأجواء المباركة يكون محببا تتقبله النفس بل وتسعد به ...لم لا وهي تعلم أن هذا مما يستحب لها فعله ليكون عملها كاملا متكاملا, تستحق عليه الثواب غير منقوص بل مضاعفاً باذن الله. نعم إن الثواب متحصل بالذبح المجرد ما دام خالصاً لله تعالى ...إلَّا أن أداءه في أجواء إيمانية, على الهيئة التي حثنا عليها رسولنا صلى الله عليه وسلم, ليس بدافع الخوف من عقاب الله وإنما حباً فيه وحرصاً على تقديم طاعاتنا له بأحب صورة ترضيه ليضاعف حسناتنا ويرفع درجاتنا.

 

ثم إن التحلل من هذه الممنوعات بعد ذبح الأضحية قربة خالصة لوجه الله ليشعر المضحي بالفرحة التي تعم الحجيج وهم يتحللون من إحرامهم وتكتمل لهم شعائر حجهم ....فما أسعدها من لحظات .....وما أجملها من أوقات, تستحق المشاركة فيها والعيش في أجوائها.

 

إن كل عبادة من العبادات تحتاج الى أجواء إيمانية تبين عظمتها وجميل أثرها على نفس المؤمن, وإن شعيرة الأضحية وما يصاحبها من أعمال وما يرافقها من أجواء, لتذكر المؤمن بأن الحياة الحقة هي بالبذل والعطاء, وأن السعادة تأتي بعد الجهد والعناء, ولعلها تحثنا على مزيد من الجهد والبذل في سبيل إقامة دين الله, فالعبودية لله لا تتجزأ ....والطاعة لا تتنوع ....وإن الله ليحب أن يطاع بما افترضه علينا قبل أن نتقرب إليه بالنوافل .... وإن فريضة إقامة دولة الإسلام مقدمة على غيرها من الفرائض بل هي تاج الفروض .....وإن الأجواء الإيمانية التي ترافق أعمالنا لتجعلنا نعرف مقادير العبادات .....فنقدم الفريضة على النافلة, والنافلة على المباح ليس نفياً لأي منها بل وضعاً لكل في منزلته حتى تكون أعمالنا متقبلة ....وهنا تكون الفرحة الكبرى ورضوان من الله أكبر .....

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

13 من ربيع الاول 1435

الموافق 2014/01/14م

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

باب الصدق في البيع والبيان

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة ح وحدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي قالا حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محق بركة بيعهما" حدثنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا همام عن أبي التياح قال سمعت عبد الله بن الحارث يحدث عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله قال مسلم بن الحجاج ولد حكيم بن حزام في جوف الكعبة وعاش مائة وعشرين سنة.

 

قوله صلى الله عليه وسلم: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، أي بين كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن وصدق في ذلك، وفي الإخبار بالثمن وما يتعلق بالعوضين، ومعنى ( محقت بركة بيعهما ) أي ذهبت بركته وهي زيادته ونماؤه.

 

جعل الشرع الإسلامي تنمية الملك مقيدة في حدود لا يجوز تعديها، فحذر الشرع من الدخل الحرام ومن أن يكون الإنسان مأكله حراما ومشربه حراماً، لذلك فعلى من يريد مزاولة التجارة أن يتقيَ الله في نفسه وأن لا يشوب أمواله بالحرام كأن يكذب التاجر على المشتري أو أن يبيع سلعة فيها عيب ما ولا يُعلِم المشتري به.

 

قال تعالى {‏وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} واتقاء الله احبتنا الكرام يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه، فلا يأخذنا حب تنمية الملك لاتباع أهوائنا ونسيان ما حرم الله.

 

واتقوا أن يستدرجكم الله بأموالكم هذه .. فالشرع يعلمنا كيف يكون أحدنا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى وأن لا تكون المصالح هي ما نسعى إليه ولو على حساب مخالفة شرع الله.

 

فمن المحظور الذي يمكن أن يقع فيه المسلم أن يقدم على التجارة وهو يجهل حلال الله وحرامه في معاملات كهذه. ومع عدم وجود رادع خارجي يحاسب المذنب ويعاقب المخالف يجب أن يكون الرادع والوازع داخلياً.

 

إن الإسلام يظهر في المعاملات من بيع وشراء وإجارة وعقود وغيرهن من المعاملات فكونوا يا معشر التجار واجهة خير للإسلام.

احبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

كتبه للإذاعة: حفيدة عائشة

14 من ربيع الاول 1435

الموافق 2014/01/15م

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_32453

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

باب الأئمة من قريش

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

جاء في صحيح الإمام مسلم في شرح النووي"بتصرف" في "بَاب خِيَارِ الْأَئِمَّةِ وَشِرَارِهِمْ"

حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ".

 

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، مَعْنَى يُصَلُّونَ: أَيْ يَدْعون.

 

يكاد المرء يذهل مما يسمع ويرى ما يجري في بلاد المسلمين شرقا وغربا، حكام رضعوا العمالة والخيانة، ووقفوا في وجه الأمة، فقتلوا أبناءها وأذلوا شيوخها واغتصبوا نساءها واستحلوا حرماتها، وقطعوا أوصالها، وسلبوا أموالها، وقائمة الخزي طويلة، لا تكاد تتوقف، فهي تسير عندهم مع الحياة. ولكن السؤال إلى متى؟ إلى متى سيستمر هذا الخزي وهذا الإذلال للأمة؟ وكيف سيقرأ أبناؤنا هذا التاريخ بعد عشرين عاما أو يزيد؟ لذلك استحقوا اللعنة التي في الحديث بامتياز، فاللهم عليك ببشار وزمرته وشبّيحته ونبيحته، وجميع حكام المسلمين الخونة الساقطين، وأرح الأمةَ من شرورهم، فهم أبالسة هذا الزمان، اللهم إنا نشهدك أننا نبغضهم ونعمل على كنسهم من بلادنا بعد قتلهم وسحقهم، اللهم أدخلنا قصورهم وامنحنا أكتافهم، واجعلنا ممن ينتصر لهؤلاء المستضعفين من أبناء الأمة، الذين انفرد بهم حكامهم، طيلة هذه العقود، لنسطر بقتلهم بداية عهد جديد، بحروف العزة والرفعة، عهد الخلافة على منهاج النبوة، بشرى رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- ووعد ربنا في كتابه العزيز، فلا تغرنكم الدنيا أيها المسلمون، فتقعدوا عن العمل مع العاملين، وتتركوا هذا الخير العميم.

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

10 من ربيع الثاني 1435

الموافق 2014/02/10م

 

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_33166

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

 

كنت أسأل عن الشر مخافة أن يدركني

 

نحييكم جميعا أيها الأحبة في كل مكان، في حلقة جديدة من برنامجكم "مع الحديث الشريف" ونبدأ بخير تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ورد في كتاب صحيح البخاري - كتاب المناقب - هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش

 

حدثني محمد بن المثنى حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله صفهم لنا، قال: نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك".

 

ورد في شرح الحديث في كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري - كتاب الفتن - الخير الذي يجيء بعد الشر لا يكون خيرا خالصا بل فيه كدر

 

قوله: (باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة)؟ كان تامة، والمعنى ما الذي يفعل المسلم في حال الاختلاف من قبل ألا يقع الإجماع على خليفة .

 

قوله: (مخافة أن يدركني) في رواية نصر بن عاصم عن حذيفة عند ابن أبي شيبة: "وعرفت أن الخير لن يسبقني" .

 

قوله: (في جاهلية وشر) يشير إلى ما كان من قبل الإسلام من الكفر وقتل بعضهم بعضا ونهب بعضهم بعضا وإتيان الفواحش .

 

قوله: (فجاءنا الله بهذا الخير) يعني الإيمان والأمن وصلاح الحال واجتناب الفواحش

 

قوله: قال: (نعم، وفيه دخن) بالمهملة ثم المعجمة المفتوحتين بعدها نون وهو الحقد، وقيل الدغل، وقيل فساد في القلب، ومعنى الثلاثة متقارب. يشير إلى أن الخير الذي يجيء بعد الشر لا يكون خيرا خالصا بل فيه كدر. وقيل المراد بالدخن الدخان ويشير بذلك إلى كدر الحال، وقيل الدخن كل أمر مكروه.

 

قوله: (قوم يهدون) بفتح أوله (بغير هديي) بياء الإضافة بعد الياء للأكثر وبياء واحدة مع التنوين للكشميهني، وفي رواية أبي الأسود: يكون بعدي أئمة يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي".

 

قوله: (تعرف منهم وتنكر) يعني من أعمالهم، وفي حديث أم سلمة عند مسلم "فمن أنكر برئ ومن كره سلم".

 

قوله: (دعاة) بضم الدال المهملة جمع داع أي إلى غير الحق.

 

قوله: (على أبواب جهنم) أطلق عليهم ذلك باعتبار ما يئول إليه حالهم، كما يقال لمن أمر بفعل محرم: وقف على شفير جهنم.

 

قوله: (هم من جلدتنا) أي من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا وفيه إشارة إلى أنهم من العرب. وقال الداودي: أي من بني آدم. وقال القابسي: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون، وجلدة الشيء ظاهره، وهي في الأصل غشاء البدن، قيل ويؤيد إرادة العرب أن السمرة غالبة عليهم واللون إنما يظهر في الجلد، قال عياض: المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت بعد عثمان، والمراد بالخير الذي بعده ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز، والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده، فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور قلت: والذي يظهر أن المراد بالشر الأول ما أشار إليه من الفتن الأولى، وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علي ومعاوية وبالدخن ما كان في زمنهما من بعض الأمراء كزياد بالعراق وخلاف من خالف عليه من الخوارج، وبالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "الزم جماعة المسلمين وإمامهم" يعني ولو جار ويوضح ذلك رواية أبي الأسود: "ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك". وكان مثل ذلك كثيرا في إمارة الحجاج ونحوه.

 

قوله: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) بكسر الهمزة أي أميرهم

 

قوله: (ولو أن تعض) بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة أي: ولو كان الاعتزال بالعض فلا تعدل عنه.

 

وقوله: (وأنت على ذلك) أي العض، وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وطاعة سلاطينهم ولو عصوا. قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد اللزوم كقوله في الحديث الآخر: "عضوا عليها بالنواجذ". ويؤيد الأول قوله في الحديث الآخر: "فإن مت وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم".

وقال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور، لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم "دعاة على أبواب جهنم" ولم يقل فيهم: تعرف وتنكر "كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة. قال الطبري:

اختلف في هذا الأمر وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب والجماعة السواد الأعظم، ثم ساق عن محمد بن سيرين عن أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان: عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة". وقال قوم: المراد بالجماعة الصحابة دون من بعدهم.

 

وقال قوم: المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق والناس تبع لهم في أمر الدين. قال الطبري: والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابا فلا يتبع أحدا في الفرقة ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن قرط المتقدم ذكرها، قال ابن أبي جمرة: في الحديث حكمة الله في عباده كيف أقام كلا منهم فيما شاء; فحبب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعلموا بها ويبلغوها غيرهم، وحبب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتنبه ويكون سببا في دفعه عمن أراد الله له النجاة، وفيه سعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بوجوه الحكم كلها حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه، ويؤخذ منه أن كل من حبب إليه شيء فإنه يفوق فيه غيره، ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره حتى خص بمعرفة أسماء المنافقين وبكثير من الأمور الآتية، ويؤخذ منه أن من أدب التعليم أن يعلم التلميذ من أنواع العلوم ما يراه مائلا إليه من العلوم المباحة، فإنه أجدر أن يسرع إلى تفهمه والقيام به وأن كل شيء يهدي إلى طريق الخير يسمى خيرا وكذا بالعكس. ويؤخذ منه ذم من جعل للدين أصلا خلاف الكتاب والسنة وجعلهما فرعا لذلك الأصل الذي ابتدعوه، وفيه وجوب رد الباطل وكل ما خالف الهدي النبوي ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع.

 

إن الناظر لهذا الحديث المتمعن في كلماته، يجد أنه يحمل أكثر من دلالة ويتناول أكثر من مسألة، أولها حرص الصحابي حذيفة بن اليمان على بقائه على الطريق الصحيح في حال وجود الفتن وإدراك الشر له، ليعلم كيف يكون سبيل النجاة وكيف يعلم غيره هذا السبيل.

 

أما المسألة الثانية هي إخبار الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن الشر الذي سيأتي بعد الخير الذي أتى به الرسول الكريم سيأتي بعده شر ومن ثم يتلوه الخير، كما أشار إلى أناس يدعون أنهم دعاة إلى الخير وما هم إلا دعاة على أبواب جهنم كما وصفهم الحديث، رغم أنهم منا ومن جلدتنا ويظن السامع لهم أنهم يدعونه للخير، وهذا النوع من الدعاة حذرنا منهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" (حديث رواه الدار قطني وقال موقوف أشبه بالصواب وزاد أحمد في رواية يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور).

 

أما المسألة الأخيرة التي تناولها الحديث هي حالة الأمة الإسلامية اليوم، وهي عدم وجود الخليفة وعدم وجود إمام.

 

ولا بد من الوقوف على هذه المسألة، ذلك أن بعض الناس فهموا أن المقصود من الحديث هو اعتزال الأحزاب والجماعات على عمومها، ولم يفهموا أن قصد النبي صلى الله عليه وسلم هو اعتزال الجماعات التي تضم هؤلاء الدعاة، وليس مطلق الأحزاب، فالعمل الحزبي واجب، ولا بد للمسلم أن يعمل مع جماعة تسير على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم لاستئناف الحياة الإسلامية وتنصيب الخليفة الغائب ليحكم بأحكام الشرع ويكون لنا جنة، بل أن فهمهم هذا يخالف الأدلة المستفيضة التي أتت في القرآن والسنة والتي جاءت لتدل على وجوب قيام الأحزاب التي تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

 

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

أحبتنا الكرام، وإلى حين أن نلقاكم مع حديث نبوي آخر، نترككم في رعاية الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

13 من ربيع الثاني 1435

الموافق 2014/02/13م

http://cms.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_33262

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

سلُوا اللهَ من فضلِه

 

نُحَيِّيْكُمْ جميعاً أيُّها الأحبةُ المستمعونَ في كُلِّ مَكَانٍ في حَلْقَةٍ جديدةٍ منْ برنامَجِكُمْ: مَعَ الْحديثِ الشريفِ، ونبدأُ بِخَيْرِ تحيةٍ فالسلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ"

 

جاء في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي

 

قَوْلُهُ: "سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ"

أَيْ بَعْضَ فَضْلِهِ فَإِنَّ فَضْلَهُ وَاسِعٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَانِعٌ

"فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ"

أَيْ مِنْ فَضْلِهِ لِأَنَّ يَدَهُ تَعَالَى مَلْأَى لَا تُغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

"وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ اِنْتِظَارُ الْفَرَجِ"

أَيْ اِرْتِقَابُ ذَهَابِ الْبَلَاءِ وَالْحُزْنِ بِتَرْكِ الشِّكَايَةِ إِلَى غَيْرِهِ تَعَالَى، وَكَوْنُهُ أَفْضَلَ الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الصَّبْرَ فِي الْبَلَاءِ اِنْقِيَادٌ لِلْقَضَاءِ.

مستمعينا الكرام:

يقول الله تعالى: (من يتق الله يجعل له مخرجا)

ويقول تعالى: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا)

ويقول تعالى: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء)

ويقول تعالى: (فإن مع العسر يسرا. إن مع العسر يسرا)

ويقول تعالى: (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)

ويقول تعالى: (ألا إن نصر الله قريب)

ويقول تعالى: (إن رحمت الله قريب من المحسنين)

وفي الحديث: (أنا عند حسن ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)

وفي الحديث: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب)

 

مستمعينا الكرام:

فبالعمل الذي أساسه تقوى الله سبحانه، وبالصبر على البلاء، وبانتظار الفرج من الله وحده، يقترب الفتح من الفتاح، ويكون وعد الله بالاستخلاف

مستمعينا الكرامُ

وإلى حينِ أَنْ نَلْقَاكُمْ مَعَ حديثٍ نبويٍ آخَرَ نتركُكُمْ في رِعَايَةِ اللهِ والسلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ

http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_36749

Share this post


Link to post
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مع الحديث الشريف

إن الناس إذا رأوا المنكر

 

نُحَيِّيْكُمْ جميعاً أيُّها الأحبةُ في كُلِّ مَكَانٍ في حَلْقَةٍ جديدةٍ منْ برنامَجِكُمْ: مَعَ الْحديثِ الشريفِ، ونبدأُ بِخَيْرِ تحيةٍ فالسلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ

 

قال الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}

 

قَالَ ‏أَبُو بَكْرٍ ‏ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في الحديث المشهور في السنن: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ‏وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَقُولُ: "‏إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِهِ"]

 

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:[ وفي الآية فوائد عظيمة:

 

أحدها: ألاّ يخاف المؤمن من الكفار والمنافقين فإنهم لن يضروه إذا كان مهتدياً.

 

الثاني: ألاّ يحزن عليهم ولا يجزع فإن معاصيهم لا تضره إذا اهتدى، والحزن على ما لا يضر عبث، وهذان المعنيان مذكوران في قوله تعالى: {وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ}.

 

الثالث: ألاّ يركن إليهم ولا يمد عينه إلى ما أوتوه من السلطان والمال والشهوات.

 

الرابع: ألاّ يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو هجرهم أو عقوبتهم، فإن كثيراً من الآمرين الناهين قد يتعدّى حدود الله إما بجهل أو بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه وسواء في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين.

 

الخامس: أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع من العلم والرفق والصبر وحُسن القصد وسلوك السبيل القصد.

 

هذه خمسة أوجه تُستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر].

 

إن على كل من تَلبّس حمل الدعوة إلى الله أن يتفقه في أصول الدعوة وأصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يأخذ تلك الأصول من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يلتزم طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام في حمل الدعوة ولا يحيد عنها لأنها وحي من الله تعالى تلك الطريقة التي فرضت التثقيف بعقيدة الإسلام وأحكامه، والتفاعل مع المجتمع بالصراع الفكري والكفاح السياسي وطلب النصرة لاستلام الحكم وإقامة حكم الله تعالى بوجود دولة الإسلام، فاللهم وفق العاملين على نهج نبيك لإقامة حكم الله في الأرض بإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

 

وإلى حينِ أَنْ نَلْقَاكُمْ مَعَ حديثٍ نبويٍ آخَرَ نتركُكُمْ في رِعَايَةِ اللهِ والسلامُ عليكُمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتُهُ http://www.hizb-ut-tahrir.info/info/index.php/contents/entry_36895

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...