Jump to content
Sign in to follow this  
مجلة منهاج النبوة

القضاء والقدر

Recommended Posts

الفقه الأكبر

القضاء والقدر

أبو مجــــاهـــد الــدومـــاني

إن مسألة القضاء والقدر هي من المسائل التي لعبت دوراً هاماً في المذاهب الإسلامية، ومعناها: أن ما يحدث من الإنسان من أفعال هل الإنسان له حرية الاختيار في إحداثها وعدم إحداثها أو مجبر؟

وهذه المسألة إذا بحثنا في القرن الأول الهجري نرى أنها لم تُطرَح عند أحد من المسلمين، وإنما كان أول من طرحها واصل بن عطاء رأس المعتزلة – وهم فرقة درست الفلسفة اليونانية وحاولت أن توفق بينها وبين الإسلام - ، حيث لما جاء الإسلام وتسربت الأفكار الفلسفية كانت من أهم المسائل مسألة صفة العدل بالنسبة إلى الله. فالله عادل ويترتب على هذا العدل مسألة الثواب والعقاب، وترتب على ذلك مسألة قيام العبد بأفعاله فكان رأي المعتزلة في هذه المسألة أَنَّ الإنسانَ هوَ الَّذي يخلقُ أفعالَهُ بنفسِهِ، فهوَ يُحاسبُ عليها لأنَّهُ هوَ الَّذي أَوْجَدَهَا فهو مُخيَّرٌ في جميع أفعاله، فرَدَّ عليهم الجبرية بأن الله هو الذي يخلق أفعال الإنسان فهو مجبر في جميع أفعاله فهو كالريشة في مهب الريح، أما الإمام أبو الحسن الأشعري فقد وضع نظرية الكسب وهي طريق وسط بين رأي المعتزلة ورأي الجبرية، حيث أثبت الحرية الإلهية غير الخاضعة للمعيار الإنساني، فليس لأحدٍ أن يوجب عليه سبحانه فعل الصلاح أو الأصلح لعباده، كما أراد إثبات أن الإنسان مخير في أفعاله فميز في الإنسان بين حركات الرعدة والرعشة، وبين حركات الاختيار والإرادة، الذي يجد الإنسان في نفسه تمييزًا واضحًا بينهما، فالتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة، متوقفة على اختيار الإنسان، ويسمى هذا الفعل (كسبًا) فيكون خلقًا من الله تعالى، إبداعًا وإحداثًا وكسبًا من العبد، حصولاً تحت قدرته.

وبالتالي فإن مصطلح القضاء والقدر هو مصطلح وضعه أهل الكلام للدلالة على معنى معين وهو: هل الإنسان مخير في أفعاله أم مسير؟

وإذا دققنا النظر نجد أن الإنسان يعيش بين دائرتين:

- الأولى تسيطر عليه: وهي الدائرة التي تحصل فيها الأفعال على غير إرادة من الإنسان ولا قبل له بدفعها مطلقاً، وهي دائرة القضاء والقدر.

- الثانية: الإنسان يسيطر عليها: وهي الدائرة التي تحصل فيها الأفعال الاختيارية أي يقوم الإنسان بأفعاله مختاراً.

فالدائرة الأولى تنقسم إلى قسمين: القضاء والقدر

1- القضاء: وينقسم إلى قسمين: أما الأول فهو ما تَقْتَضيهِ السُنَّةُ التي أودعها الله في هذا الوجود، فالإنسان يسيرُ معَ الكونِ ومعَ الحياةِ طِبْقَ نِظامٍ مَخْصُوصٍ لا يَتَخَلَّفُ، ولذلكَ فالأعمالُ التي تقع في هذهِ الدائرةِ على غيرِ إرادَةٍ مِن الإنسان وهوَ فيها مُسَيَّرٌ ولَيْسَ بِمُخَيَّرٍ. فالحياة والموت وأن يكون الإنسان ابن أبيه ولون العينين ولون بشرة الإنسان أفعالٌ لا دخل للإنسان بها، وإنَّما الَّذي أوجدَ ذلكَ كُلِّهِ هوَ اللهُ تعالى دونَ أنْ يكونَ لِلْعبدِ أيُّ أثرٍ ولا أيةُ علاقةٍ في ذلكَ، فاللهَ هوَ الَّذي خلقَ سنة الوجودِ، وجعلَهُ نظاماً تسير عليه المخلوقات سيراً جبرياً لا يمكن التخلف عنه. وأما الثاني فهو الأفعالُ الَّتي تقع من الإنسان أو عليه ولا يستطيع السيطرة عليها ولا تَقْتَضِيها السنن الكونية فهيَ الأفعالُ الَّتي تحصُلُ منَ الإنسانِ أوْ عليهِ جَبْراً عنْهُ ولا يملِكُ دَفْعَهَا مُطْلَقَاً، كَمَا لوْ سقطَ شخصٌ عنْ ظهرِ حائطٍ على شخصٍ آخرَ فَقَتَلَهُ، وكما لو أطلقَ شخصٌ النارَ على طيرٍ فأصابتْ إِنساناً لم يكُنْ يعلَمُهُ فقتلَهُ، وكما في سقوط طائرة بسبب عطل فني لم يكن بالإمكان تلافيه.

2- القدر: هو ما أودعه الله من خاصيات معينة: أ- في الأشياء: كخاصية القطع للسكين والحرق للنار. ب- في الإنسان: من خاصيات في الحاجات العضوية التي لا يمكن أن يبقى الإنسان حياً دون إشباعها كالجوع والعطش وقضاء الحاجة، ومن خاصيات في الغرائز التي لا يمكن أن يعيش الإنسان باستقرار دون أن يشبعها الإشباع الصحيح كخاصية الميل الجنسي في غريزة النوع وخاصية العبادة في غريزة التدين وخاصية التملك في غريزة البقاء، وهذه الخاصيات لا تتخلف إلا في حالة المعجزات التي يعطيها الله للأنبياء دلالة على صدق رسالتهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يرى من خلفه، وقد أعطي قوة أربعين رجلاً، وكانت النار المحرقة برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام.

هذه هي الدائرة التي تسيطر على الإنسان ويسير فيها سيراً جبرياً لا اختيار فيه، ولذلك لا يكون العبد محاسباً على هذه الأفعال، ولا تُوصَف هذه الأفعال بكونها خيراً أو شراً، لأن الله هو الذي خلقها ووقعت على الإنسان ولا قِبَلَ له بدفعها فالله أعلم بها إن كانت خيراً أم شراً.

• فأن أؤمن بالقضاء: أي أنَّ ما حصل علي مما يقتضيه نظام الوجود أو مما حصل مني أو علي مما لا يقتضيه نظام الوجود خيراً أم شراً هي من الله تعالى.

• وأن أؤمن بالقدر: أي أنَّ ما أودعه الله من خاصيات في الأشياء ومن حاجات عضوية وغرائز في الإنسان خيراً أم شراً هي من الله تعالى.

أما الدائرة الثانية: وهي الدائرة التي يُسيطِر عليها الإنسان فهي الأفعال التي يقوم بها مختاراً اختياراً تاماً، وهي نظام الحياة الذي يختاره الإنسان للسير فيه في هذه الحياة. فإما أن يشبع حاجاته وغرائزه ويستخدم خواص الأشياء حسب أوامر الله ونواهيه فهو الخير، وإن سار في إشباع حاجاته وغرائزه واستخدم خواص الأشياء مخالفاً أوامر الله ونواهيه فهو الشر.

فهو يختار أن يشرب لبناً أو خمراً، وأن يشبع غريزة النوع بالزواج أو بالزنا، وأن يتملك بالوسائل الشرعية كالميراث والعمل أو بغصب ميراث الأخوات وكسب المال بالربا، وأن يختار الإنسان الديمقراطية والدولة المدنية أو دولة الخلافة الإسلامية، وأن يرفع المسلم راية النبي صلى الله عليه وسلم أو علم الاستقلال، يفعل الإنسان هذه الأفعال بمحض اختياره. ولذلك فالعبد يحاسب على الأفعال التي يقوم بها في هذه الدائرة لأنه يقوم بها بمحض اختياره، فإن وافقت شرع الله كانت خيراً، وإن خالفت شرع الله كانت شراً، فَفِعْلُ القتلِ لا يُوصَف بالخير أو الشر لذاته بل يُوصَف بالخير إن وافق شرع الله كقتل الكافر المحارب، ويُوصَف بالشر إن خالف شرع الله كقتل الذِّمِّيِّ أو قتل المسلم بغير حق، مع أن كلا الفعلين هو القتل. وقد يقول قائل: أنَّ علم الله أزلي، قال تعالى: " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " وكلُّ شيء مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، أفلا يدل ذلك على أن الإنسان مُسيَّرٌ في الحياة؟؟ الجواب: عِلمُ الله المطلق هو عقيدة عند كل مسلم لا شكَّ فيها ، ولكنَّ علمَ الله الأزلي لا يقتضي أنَّ الإنسان مُسيَّر، فالعلم لا يقتضي الإجبار، فمثلاً: عندما يكون لأبٍ ولدٌ شقي فينهاه عن أمر معين كالخروج من البيت وهو يعلم أنه سيخالفه وسيخرج من البيت فهل نقول أن الأب أجبر ابنه على الخروج؟ بالطبع لا ، وبالتالي فلا علاقة للعلم بقضية الإجبار.

هذا هو معنى القضاء والقدر، فالمسلم العارف لحقيقة هذه المسألة يسير في هذه الحياة وهو يعلم أنه مختارٌ في أفعاله، محاسَبٌ على ما كسبَتْ يداه من خير أو شر، فيندفع في هذه الحياة يستشعر مراقبة ربه وأنه لا بد محاسَبٌ يوم القيامة، فيقوم بما يرضي الله سبحانه وتعالى، مهما كلفه ذلك من عواقب.

من مجلة منهاج النبوة العدد الثالث

 

رابط المقال:

http://mnhajalnbooa.com/vb/showthread.php?t=4

Share this post


Link to post
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
Sign in to follow this  

×
×
  • Create New...