اذهب الي المحتوي

أبو الحسن

الأعضاء
  • Content count

    33
  • تاريخ الانضمام

  • تاريخ اخر زياره

  • Days Won

    8

أبو الحسن last won the day on September 11

أبو الحسن had the most liked content!

عن العضو أبو الحسن

  • الرتبه
    عضو متميز

اخر الزوار

بلوك اخر الزوار معطل ولن يظهر للاعضاء

تفعيل
  1. بسم الله الرحمن الرحيم بذ ل المال ابتغاء وجه الله عز وجل لا يقل عن بذل النفس بل هما صنوان لا يفترقان الحمد لله القائل في كتابه العزيز: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، والقائل: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ويقول صلى الله عليه وسلم: "من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف" . إنّ بذل المال ابتغاء رضوان الله هو صنو بذل النفس فكما أنّ النفس تبذل رخيصة ابتغاء رضوان الله فإن المال هو كذلك وإنّ الله عز وجل قد قرن بذل المال مع بذل النفس في صفقة البيع حيث قال جل من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وإنّ ذكر المال بعد النفس فيه دلالة عظيمة لما للمال من أثر بالغ في اعزاز الدين ورفعته وإعداد العدة وتحضير كل ما يلزم من نفقات لذلك. وإنّه والله لو كانت هذه الحاجة الضرورية الحتمية للمال في الزمن الماضي مؤكدة فإنها في حاضرنا أشد وآكد وإنّ بذل الأنفس والأموال معاً – عند الأمة صاحبة الرسالة - هما كجناحي طائر فإنْ كسر أحد جناحيه وقع وإنْ ضعف أحد جناحيه انخض حتى يقع. فالمال عصب الحياة للدول والأمم والدعوات فلا تقوم دعوة ولا تبتنى دولة ولا تحمل رسالة إلا كانت الحاجة للمال الركن الأساسي في كل ذلك. وقد بذل الصحابة المال ابتغاء رضوان الله وضربوا بذلك أروع الأمثلة كما أخبر الصديق حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :ماذا أبقيت لعيالك؟ قال : الله ورسوله . واعترف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكر ببذله وإنفاقه في سبيل هذا الدّين، فقال صلّى الله عليه وسلّم: (إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبي بكر، ولو كنت متّخذاً خليلاً لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام) ذكر البخاري رحمه الله في تاريخه من طريق الزهري قال أوصي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لكل من شهد بدراً بأربعمئة دينار، فكانوا مائة رجل. وإنّ من فضل الله تعالى على عباده ورحمته بهم، أنْ شرع لهم من الدين ما يقربهم إليه، ويوصلهم إلى مرضاته، ويكون سبباً في دخولهم الجنة والنجاة من النار، وكان مما شرعه لهم، وأمرهم به: أنْ يفعلوا الخيرات، وينفقوا مما جعلهم الله مستخلفين فيه، تزكية لنفوسهم، وتطهيراً لأخلاقهم، وتنمية لأموالهم، فقال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ووعد سبحانه وتعالى فاعلي الخير بتوفية أعمالهم، ومضاعفتها لهم أضعافا كثيرة في وقت هم أحوج ما يكونون إلى ذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. وقد بين تعالى تلك المضاعفة أتم بيان، وأوضحها أكمل ايضاح، وضرب لها مثلاً بما تعيه أفهام الناس، وتدركه عقولهم، وتراه أعينهم، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم بين فضل الانفاق والتصدق في سبيل الله، وثماره وآثاره في عالم الغيب، وفي عالم الشهادة، ومما ورد من الفضل في ذلك: 1. المضاعفة لصاحبه، فعن أبي هريرة رضي عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله الا الطيب فإنّ الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه أي مهره حتى تكون مثل الجبل» متفق عليه. 2. إنّ الصدقة تظل العبد يوم القيامة وتحول بينه وبين حر الشمس حينما تدنو من رؤوس الخلائق، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس». 3. إنّ أجر الصدقة يقع مضاعفاً إلى سبعمائة ضعف يوم القيامة إلى اضعاف كثيرة، فعن أبي مسعود الانصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة». 4. إنّ الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنّ الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء». 5. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الصدقة تطرد الشياطين عن ابن آدم، وتفك عقدهم عنه، فعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يخرج أحد شيئا من الصدقة حتى يفك عنها لحي سبعين شيطانا». 6. والصدقة زكاة وطهرة للمسلم، فبها تزكو نفسه، ويرق قلبه، وتطيب روحه، ويرتفع عن أخلاق أصحاب الشح والبخل والأثرة وغيرها قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. 7. وبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ الصدقة لا تنقص المال، بل تزده بما يحصل فيه من بركة الانفاق والعطاء، لأنّ كثيراً من المحجمين عن الانفاق والتصدق يظنون أنّ الصدقة تذهب بالمال وتفنيه، أو تنقصه، وهذا بسبب غلبة حب الدنيا على قلوبهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما نقصت صدقة من مال..». وهذا التحريض على الصدقة من قبل الشارع الحكيم ألهب حماس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلهم يتنافسون في هذا الميدان.. وأي ميدان؟!! يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ نتصدق ووافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إنْ سبقته يوماً، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أبقيت لأهلك؟» قلت نصف مالي، قال فجاء أبو بكر بماله كله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أبقيت لأهلك؟» قال أبقيت لهم الله ورسوله!! فقلت: لا أسابقه إلى شيء أبداً». وكان عثمان رضي الله عنه من المنفقين أموالهم في سبيل الله، فعن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان فقال: يا رسول الله! على مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش، فقام عثمان فقال: يا رسول الله! علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها واقتابها في سبيل الله قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل على المنبر وهو يقول: «ما على عثمان ما فعل بعد هذه.. ما على عثمان ما فعل بعد هذه». أيها الاخوة: إنْ من العجب العجاب هو أنّ كل المال زائل إلا ما تنفقونه ابتغاء رضوان الله فما عندكم ينفد وما عند الله باق، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ : أُهْدِيَ لَنَا شَاةٌ مَشْوِيَّةٌ ، فَقَسَّمْتُهَا كُلَّهَا إِلَّا كَتِفَهَا ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "كُلُّهَا لَكُمْ إِلَّا كَتِفَهَ "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ بِلَفْظٍ : أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا بَقِيَ مِنْهَا ؟ " قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: " بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا"، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ تَصَدَّقُوا بِهَا إِلَّا كَتِفَهَا. وانظر الى قوله عزل وجل كيف جعل الانفاق في سبيله ركيزة التجارة معه عز وجل و التي لا تبور: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أيها الاخوة: لنعلم أنْ الانفاق في الواجبات لهو عند الله أحب، ومن ذلك الالتزام للدعوة كي تسير أمورها على أكمل وجه وأحسن حال مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ...) فان كان حال المتصدقين على تلك العظمة فحال أهل الواجب أعلى قدراً وفي كل خير وفضل. أيها الاخوة ممن آتاكم الله من فضله ووسع عليكم في رزقه: إنّ الله منحكم فرصة وآتاكم فضلاً حري بكم أنْ تدركوه فتتداركون أمركم وابذلوا بسخاء تدخرونه لأنفسكم في يوم تطفئ فيه صدقاتكم خطاياكم كما تطفئ الماء النار، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَى فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ يُعْتِقُونَ وَلا نَجِدُ مَا نُعْتِقُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَجِدُ مَا نَتَصَدَّقُ، وَيُنْفِقُونَ وَلا نَجِدُ مَا نُنْفِقُ، قَالَ: "أَلا آمُرُكُمْ بِأَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ أَدْرَكْتُمْ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ، وَفُقْتُمْ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "تُسَبِّحُونَ اللَّهَ، وَتَحْمَدُونَهُ، وَتُكَبِّرُونَهُ، عَلَى إِثْرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ"، فَلَمَّا صَنَعُوا ذَلِكَ سَمِعَ الأَغْنِيَاءُ بِذَلِكَ، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قَالُوا، فَذَهَبَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَالُوا مِثْلَ مَا قُلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ". أيها الاخوة ممن يبذلون للدعوة رغم عسرهم: اعلموا أنه رب درهم سبق مئة الف درهم فلا تبتئسوا واعلموا أنّ الصفقة مع الله الكريم شرف وكرامة وربح وتجارة لن تبور: ففي الحديث الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سبق درهم مائة ألف درهم قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ فقال: "رجل له درهمان أي لا يملك غيرهما فتصدق بأحدهما ورجل تصدق بمائة ألف من عَرْض ماله"، ولقد نقل عن شيخنا المجدد العلامة تقي الدين النبهاني رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء أنّ أحد الاخوة قال على مسمعه عن الانفاق العبارة المشهورة (الجود من الموجود) فصححه الشيخ قائلاً: (بل الجود من حر الجلود) ليتضح المقصد من ذلك فلرب معسر يبذل للدعوة التزامها بحرارة ايمانه فلا يتذرع بقلة الموجود أو كثرته بل ينفق من أعز ماله وأحبه على نفسه مصداقا لقوله عز وجل: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. أيها الاخوة جميعاً: يقول الله عز وجل: ﴿وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير﴾. عن ابن عمر قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال: يا نبي الله! ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ فقال: قد أنفق علي ماله قبل الفتح قال: فإنّ الله يقول لك: اقرأ على أبي بكر السلام وقل له: أراضٍ أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، إنّ الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول: أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ إني عن ربي لراض! إني عن ربي لراض! إني عن ربي لراض! قال: فإنّ الله يقول لك: قد رضيت عنك كما أنت عني راض، فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام: والذي بعثك يا محمد بالحق، لقد تخللت حملة العرش بالعبي منذ تخلل صاحبك هذا بالعباءة. ولهذا قدمته الصحابة على أنفسهم، وأقروا له بالتقدم والسبق. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سبق النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى أبو بكر وثلث عمر، فلا أوتي برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة، وطرح الشهادة. فنال المتقدمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضا أنفذ.) انتهى. وإننا أيها الرجال بين يدي هذه الفرصة مرة ثانية تتكرر علينا في هذا الزمان فاغتنموا وبادروا وتنافسوا في بذل أنفسكم وأموالكم وأوقاتكم قبل إقامة الدولة حتى تفوزوا بقوله عز وجل: ﴿أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير﴾. أيها الاخوة: إننا في زمان الحاجة فيه للمال لتسيير أمور الدعوة أشد مما كان عليه من سبقنا في تحمل مسؤولية الاسلام العظيم وإننا وأيم الله على مهمة عظيمة، نحمل أمانة الدين بغية إعزازه في دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة والتي أظل زمانها وحان حينها وتكاد تبدأ أيامها قريباً إنْ شاء الله ... ومن غيرنا قد انفرد بما نسابق فيه من خير عظيم ذي أثر عميم؟؟ إننا نعيش في ظل توحش الرأسمالية وغلاء المعيشة وضيق الحال ونخص بالذكر دعوتنا التي أخذت عهداً على نفسها أنْ لا تقبل مالاً من أحد حتى تحافظ على صفائها ونقائها ونحن أهل هذه الدعوة ورجالها فمن لها بعد الله إلا ما نبذله من أموالنا ؟؟؟ !! فإنْ قصرت باعنا قصرت بها أعمالنا وإنْ بذلنا لها وتنافسنا في ذلك قويت شوكتا وتجاوزت دعوتنا صعابها وأزماتها حتى تصل مبتغاها بعون الله وإننا اليوم بأشد الحاجة لأنْ نضاعف بذلنا ما استطعنا فمن زاد الربع زاد خيرا ومن زاد الثلث كان أفضل ومن ضاعف كان أعظم والله يضاعف لمن يشاء فلنري الله من بذلنا وعطائنا، فالصفقة مع الله لعله يطلع علينا في أحسن حال يرضيه عنا وفي أسرع إقبال عليه فيقبل علينا وينزل علينا نصراً طال انتظارنا له فنعقد البيعة ونرفع اللواء والراية. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فاللهم خذ منا من أنفسنا وأموالنا ما يرضيك عنا وتقبل صفقتنا وقربنا منك وامنحنا نصرك وعزتك في الحياة الدنيا قريبا ويوم يقوم الأشهاد. اللهم انصر دعوتنا وأقم الخلافة بأيدينا وأكرمنا ببيعة أميرنا عن قريب إنك أكرم مسؤول اللهم آمين آمين والحمد لله رب العالمين.
  2. أبو الحسن

    بدأ الإسلام غريبا

    بسم الله الرحمن الرحيم بدأ الإسلام غريبا قال رسول الله صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ: "بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ قَالَ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاس"ُ. يصف الحديث الحالة التي بدأ بها الإسلام والحالة التي ينتهي إليها بالغربة، ولمعرفة المقصود من هذا الوصف لابد من معرفة ما يقصد بكلمة غربة وغريب. الغربة والتغرب هي البعد، وفي الحديث عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لامِسٍ فَقَالَ غَرِّبْهَا إِنْ شِئْتَ" (النسائي) أي أبعدها ويريد الطلاق، والغَرْب هو الذهاب والتنحي عن الناس، والتغريب هو النفي عن البلد ومنه حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ" (البخاري). ويقال غريب للوحيد الذي لا أهل عنده. وعلى ذلك فالغربة نوعان: غربة المكان وغربة الزمان. أما غربة المكان وهي التي يسمى الغريب فيها غريباً وهو من بَعُدَ عن وطنه أو أهله. كما في حديث تغريب الزاني. وأما غربة الزمان فهي أن توجد في زمن ليس زمنك، فأنت غريب وأنت بين أهلك وولدك وفي بلدك، فالطاعن في السن غريب وهو بين أهله، والذي آب بعد سفر طويل غريب وهو يحتاج إلى فترة حتى يتأقلم. أما الحديث "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا" فيعني أن الإسلام كان في أول الأمر كالغريب الذي لا أهل عنده، وسوف يعود غريباً عندما يبعد عنه أهله ويحملون أفكاراً غير أفكاره، وقناعات ليست منه، فهم قد فصلوا أنفسهم عنه وبعدوا وأصبح المستمسكون به كالغرباء لقلتهم وغرابة أفكار الإسلام لطغيان أفكار الكفر في المجتمع. فالحديث يدل على غربة غير غربة المكان وغربة الزمان وهي غربة المفاهيم. إن حالة الغربة هذه – أي غربة المفاهيم – قد عاشها الرسول صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ عندما بدأ الإسلام غريباً وعاشها الأنبياء من قبله صلوات الله عليهم جميعاً. فالرسول صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ كان يوصف بالصادق الأمين بين أهله وعشيرته في مكة قبل بعثته، فلم يكن في غربة، ولكن حدثت الغربة عندما جاء بالمفاهيم الجديدة التي فهموها بفطرتهم من أن هذه الدعوة هي انقياد وحبس للنفس، وهذا مخالف لتقاليدهم وعاداتهم، فكانت هذه الأفكار عندما بدأ الإسلام غريباً. وحامل الدعوة عند عودة الإسلام غريباً يجد أهله يحملون مفاهيم غير مفاهيمه ومخالفة له من قومية وديمقراطية وأكثرية، وتصبح لهذه الأفكار أجواء وأبواق وأفواه وآذان، ويصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً، ويصبح فصل الدين عن الحياة مطلباً جماعياً، والدعوة لتحرير المرأة ضرورة بشرية، وتعد الدعوة لبناء دولة الخلافة ضرباً من المستحيل، وقطع يد السارق منافية لحقوق الإنسان، ورجم الزاني وجلد شارب الخمر تدخلاً في الحرية الشخصية، وهذا ما يجعل عودة الإسلام غريباً. فالناس قد يتفرقون عن حامل الدعوة رغم أنهم يُصَلون ويسبحون ولا يتفوهون بكلمات الكفر، ولكنهم بأفعالهم وتصرفاتهم يحاربون الله والرسول ويحاولون جاهدين أن يُضِلوا المسلمين عن الطريق الموصلة لرضوان الله عز وجل. حتى أن كثيراً من الذين يحملون الإسلام وتتعارض مصالحهم مع أحكام الله عز وجل يحاول جاهداً بكل وسيلة أن يحمل النص ما لا يحتمل حتى يُفَصِّل الإسلام لكي يوافق مصالحهم مدعين أن ما يقومون به موافق للشرع. وعند الوقوف مع هذا الحديث لابد من التنبيه بعض النقاط: أولاً: إن تغير الحال لا يقتضي تغير الفكر عند الإنسان، فبين بداية الإسلام غريباً وعودته غريباً كما بدأ شبه دائرة، بداية غريبة وعودة غريبة، وبين البداية والعودة فترة تعتري الإنسان فيها القوة والضعف، والخمول والنشاط، والإجتهاد والكسل، فهل تغير الحال يقتضي تغير الفكر؟! يعني إذا طرأ تغير في الحال وأصبح الإسلام غريباً فهل يجوز تركه ؟؟؟!! كلا وألف كلا، بل الأمر كما أخبر ربنا عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾(آل عمران85)، فلم يجعل الله حمل الإسلام متعلقاً ومرهوناً بحال معينة، فيكون لنا إسلام في حال قوتنا وإسلام آخر في حال ضعفنا، ونحمل الإسلام في حال القوة بشكل يختلف عن الشكل الذي نحمله في حالة الضعف. ليس الأمر كذلك على الإطلاق، فالتغير قد يطرأ على الواقع وعلى الإنسان، وقد يتغير الواقع صيفاً وشتاءً، وقد يتغير الإنسان قوة وضعفاً كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (الروم54)، وهذا تغير في الحال، ولكن يبقى الإسلام هو الإسلام في كل الأحوال. والفكر هو الفكر، فلا يوجد فكر صيفي أو شتوي، فلا يتغير الفكر تبعاً للواقع بل يغير الواقع بالفكر. فعندما بدأ الإسلام غريباً حمله أشخاص آمنوا به وحملوه فكراً حدد سلوكَهم، فأصبحوا غرباء لغربة فكرهم في واقعهم الذي يعيشون فيه، فما تغيروا بل حملوه بقوة… وعندما يعود الإسلام غريباً كما بدأ فإن الأشخاص الذين يحملونه فكراً يحدد سلوكهم فإنهم غرباء فلا يغيرونه ولا يبدلونه لذريعةٍ واهية أو مصلحة آنية بحجة غربتهم في مجتمعهم. ثانياً: أمر الله رسوله الكريم عندما بدأ الإسلام غريباً بالصبر فقال جل وعلا: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، ونهاه أن يصيبه الحزن أو الضيق لعدم استجابتهم لدعواه مع تأكدهم من صدقه صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ فقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف6)، وعندما يعود الدين غريباً فالمطلوب هو الصبر على حمل الدعوة والتمسك بها، وأن لا يدخل في النفس ضيق أو يأس أو إحباط لرؤية المنكر يفعل أو لضعف استجابة الناس. ثالثاً: وهنا لابد للغريب من بشارات تثبته في غربته وتؤنسه في وحدته: أ- إن واقع الغربة لا يقتضي أن يكون حامل الإسلام المستمسك به في حزن، بل هو في سعادة دائمة يرقص قلبه فرحاً لما هو مقبل عليه، ففي نهاية الحديث: "فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ " وفي تفسير كلمة طوبى عدة أقوال متقاربة وكلها في وصف الحالة المستطابة لهم في الجنة حيث أن طوبى على وزن فُعْلى من الطيب وهو العيش الطيب، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ (الرعد 29)، وهذه لفتة وبشارة، فهم -وقد استشعروا حلاوة الإيمان- يعيشون فيها في هذه الحياة الدنيا حتى يصلوا لوعد الله وبشارته. إن الله سبحانه وتعالى قد مدح النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وأصحابه عندما بدأ الإسلام غريباً، فقال عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح 29)، وبشر كل من سار على دربهم ونهج نهجهم فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(التوبة 100). فكذلك عندما يعود الإسلام غريباً طوبى للغرباء الذين لا يخرجهم عن صراط الله كثرة الخارجين عنه، ولا يثنيهم خذلان أهلهم لهم ولا يخافون الوعيد ما داموا في كنف الله عندما يعود الإسلام غريباً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ" رواه مسلم. فالسابقون الأولون الذين نصروا الله ورسوله عندما بدأ الإسلام غريباً استشعروا حلاوة الإيمان ومدحهم ربنا ووعدهم بالجنة. واللاحقون الآخرون الذين ينصرون الله ورسوله عندما يعود الإسلام غريباً كما بدأ يستشعرون حلاوة الإيمان في كل لحظة وموعودون بالجنة إن شاء الله. فهم الذين رعاهم الله وحماهم وثبتهم على الحق وأعانهم رغم الأذى الذي وقع عليهم عندما بدأ الإسلام غريباً وعوضهم بلذة الإيمان وحلاوته التي لا يعلمها إلا من صابر نفسه وجالدها حتى يكون لسان حاله يقول: ولست أُبالي حين أُقتـل مسـلماً على أي جنب كان في الله مصرعي وكما جاء في الحديث الصحيح عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ" رواه البخاري. وعندما بدأ لإسلام غريباً خاطب ربنا عز وجل رسوله الكريم قائلاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾(الأنفال 64) وقال أيضاً: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (الزمر 36 )، وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(يونس62)، فهو جل وعلا يرعاهم ويعينهم وهو وليهم ويدافع عنهم عندما يعود الإسلام غريباً كما دافع عنهم عندما بدأ الإسلام غريباً. ب- إن لهم بشارات ووعد بالنصر والتمكين، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص5)، وقد تحقق للرسول صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ نصر الله حتى عندما كان مع أقل عدد في الغار، "ما ظنك باثنين الله ثالثهما". ووعد الله الغرباء عندما يعود الإسلام غريباً بالنصر والتمكين في الدنيا حيث قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾(النور55) أخيراً ونحن في عصر غربة مفاهيم نجد أمامنا ثلاث طرق: - أن يكون عندنا قرآن بلا علم ولا إيمان، ويشرحه حديث المصطفى صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَقَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ فَقَالَ رجل لَهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَيْفَ يُرْفَعُ الْعِلْمُ مِنَّا وَبَيْنَ أَظْهُرِنَا الْمَصَاحِفُ وَقَدْ تَعَلَّمْنَا مَا فِيهَا وَعَلَّمْنَا نِسَاءَنَا وَذَرَارِيَّنَا وَخَدَمَنَا قَالَ فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ وَقَدْ عَلَتْ وَجْهَهُ حُمْرَةٌ مِنَ الْغَضَبِ قَالَ فَقَالَ أَيْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بَيْنَ أَظْهُرِهِمُ الْمَصَاحِفُ لَمْ يُصْبِحُوا يَتَعَلَّقُوا بِحَرْفٍ مِمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ أَلَا وَإِنَّ مِنْ ذَهَابِ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ثَلَاثَ مِرَارٍ". رواه الامام احمد. أليس غريباً أن يكون القرآن عندنا للبركة والمناسبات ونقرأه للموتى ونصبر به الحزانى والثكالى…؟! - أن يكون عندنا إيمان بلا علم ولا قرأن، وهذه أنكى من سابقتها وأدهى، فالبوذيون ومشركو العرب كان عندهم أيمان ما، قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾. (الزمر3)، أليس غريباً أن ندعو إلى تقارب الأديان ونحن نقرأ القرآن؟؟ ونستعمل اصطلاح إخواننا النصارى وإصطلاح الدين لله والوطن للجميع؟؟ - أن يكون عندنا قرآن وإيمان وعلم بأن هذا القرآن من عند الله وأنه تعالى القابض الباسط المحيي المميت وأنه الأول والآخر… فإذا حصل هذا العلم النابع من الإيمان بالله والالتزام بأوامره، فلا يهمنا من خالفنا عندما يعود الإسلام غريباً لاعتقادنا الجازم بأن الله ناصرٌ دينه ومظهره على الدين كله، وصدق الله العظيم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾(التوبة 32)
  3. أبو الحسن

    آيات الدعاء

    آيات الدعاء ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ 127 - البقرة ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 201 - البقرة ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 250 - البقرة ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 286 - البقرة ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ 8-آل عمران ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ 9 – آل عمران ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 16 – آل عمران ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ 53 – آل عمران ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 147 – آل عمران ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 191 – آل عمران ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ 192 – آل عمران ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ 193 – آل عمران ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ 194 – آل عمران ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ 75 – النساء ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ 83 - المائدة ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ 23 – الأعراف ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ 47 – الأعراف ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ 89 – الأعراف ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ 126 – الأعراف ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ 85/86 - يونس
  4. أبو الحسن

    إن الله لا يضيع اجر المحسنين

    بسم الله الرحمن الرحيم (إن الله لا يضيع اجر المحسنين) في ظل هذه المتغيرات الكثيرة، التي تمر في ساحة بلاد المسلمين، والظروف العصيبة التي تعصف بأمة الإسلام، بسبب ما جرى وما زال يجري في مصر وتونس والسودان واليمن وغيرها من بلاد ، يتساءل البعض من الناس يقولون :أين الحزب من كل هذه الأحداث ؟!، لماذا لا يستغل الحزب مثل هذا الظرف العظيم ؟! وإذا ضاع مثل هذا الظرف فإنه لا تقوم للمسلين دولة،وغير ذلك من أقوال وأسئلة. والحقيقة أن مثل هذه الأسئلة والأقوال، قد تصدر عن البعض بسبب التشوق والاستعجال للنصر والنصرة، أو قد تصدر بسبب إخلاص ينقصه الوعي والمعرفة والإحاطة بمجريات الأحداث السياسية، أو ينقصه وضوح بعض معاني الإيمان الصحيح،كحسن التوكل على الله، والتسليم الكامل بحكمه و رادته ، والثقة المطلقة بوعده سبحانه وتعالى . وللإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، سنقف على هذا الموضوع من عدة زوايا، لتتضح الأمور، ولتزول الغشاوة عن الأعين، ولتفهم الأحكام على حقيقتها، وتوضع في نصابها القويم . 1- إن الله عز وجل لا يضيع عمل العاملين، وقد أكد هذا المعنى العظيم في أكثر من موضع في كتابه العزيز، ليكون درسا بليغاً لأصحاب الحق ، السائرين في طريق الهدى والرشاد والاستقامة ، الحاملين مشعل الإيمان بالدعوة لإعادة حكم الإسلام؛لإعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة!!. قال تعالى على لسان يونس عليه السلام :" قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ "(90/ يوسف) ، وقال: " تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين" (َ83 / القصص) ،وقال: " قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"الأعراف / 128 "وقال: " هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ " 60/الرحمن، وقال:"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" 69/ العنكبوت، وقال:" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ" الأعراف/137 ففي قصة يوسف عليه السلام عبرة عظيمة لحملة الدعوة هذه الأيام، وخاصة ونحن نعيش ظروفاً عصيبة، وأحداثاً متتالية، شدة وقهراً وتسلطاً، وظلماً تجاوز كل الحدود !!..فقد آثر سيدنا يوسف عليه السلام السجن والعذاب، على أن يستسلم لمراودة امرأةٍ استحوذت عليها شهواتها، فكان جزاؤه السجن لبضعة سنين !! لقد مكث عليه السلام في ظلمات السجن، ونسيه الناس، وطوت الأيام صفحته، ولم يعلم بها إلا قلة قليلة ممن كانوا على صلة بامرأة العزيز، أو من أصحابه في داخل السجن، لكن الله عز وجل لم ينس أمره ولم يضيع حقه " وما كان ربك نسيا "قال تعالى: " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ"آل عمران/195 . لقد بقيت حراسة الله تعالى لهذا الإيمان العظيم؛ ترعاه وتحفظه في داخل سجنه إلى اليوم الموعود، عندما أراد الله عز وجلّ إظهار هذا الإيمان والصبر والثبات؛ ليس فقط بظهور براءته عليه السلام من امرأة العزيز، وإنما بظهور الإيمان في ارض مصر كلها؛ فرفعه الله تعالى فوق العالمين، وبرّأه من السوء والفحشاء، وسلمه مقاليد الأمور في ارض مصر، وأصبح أتباع الإيمان الذي يحمله بالآلاف في تلك الأرض البعيدة عن أهله ودياره!!.. وفي هذا درس عظيم لمن تتردد على لسانه مثل هذه الأسئلة؛ وهو أن لكل شيء موعدٌ مضروب لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وان هذا الموعد سيأتي لا محالة، إن عاجلا أو آجلا، ولا يضيع الله تبارك وتعالى عمل المؤمنين المخلصين الصادقين، لا في دار الدنيا ولا في الآخرة.. ففي دار الدنيا يرفعهم فوق العالمين ، ويمكن لهم في الأرض، ويظهر دعوتهم على كل الدعوات ممن حولهم، وفي باقي أرجاء الأرض؛ تماما كم حصل مع سيدنا يوسف، ومع رسولنا عليه السلام، وعيرهم من الرسل وأتباعهم!! . 2- يجب أن يكون عند حملة الدعوة يقين بصحة ما هم عليه من طريق، وثقةٌ كاملة بقيادة هذه الدعوة والقائمين على أمرها؛ وإنهم يبذلون قصارى جهدهم في هذا العمل، وخاصة من يعملون في جهاز طلب النصرة ... فقد أمضى قسم منهم السنوات الطوال في السجون، وتحمل العذاب الشديد عندما امسك به الظالمون أثناء عمله في هذا الجهاز!! ..فيجب أن يكون هناك يقين بان الإخوة في قيادة الحزب، وفي جهاز النصرة بالذات لا يألون جهدا في هذا المجال، بل إنهم يتحملون ما لا يتحمله أكثر حملة الدعوة، وهم في نفس الوقت يحرصون كل الحرص على الوصول لغاية الحزب في عمله، أي إقامة الدولة الإسلامية، ولكن ليس على طريقة الإخوان المسلمين في مصر؛ بتسخير دماء المسلمين للمشاركة في حكم ذليلٍ كافر، عن طريق حزب الوفد أو غيره من حركات علمانية رخيصة، أو كحركة النهضة في تونس؛ عن طريق الإيمان بمنهج الحريات والديمقراطيات الغربية والسير في طرق لا يرضاها الله ورسوله .. فالهدف الذي يطلبه الحزب ويسعى لتحصيله هدف صعب ومتميز عن كل الأهداف الحالية في الساحة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها ؛ من غانا إلى فرغانا ، ومن الهادي إلى الأطلسي ..والحقيقة أن الثقة في قيادة الحزب وفي جهاز النصرة، هي من الثقة في الفكرة نفسها؛ لان هذه الفكرة متجسدة عمليا في قيادة الحزب أولا وفي باقي أعضائه . 3- أن هذه الأحداث الجسام التي تجري في بلاد المسلمين أنما هي مقدمات لبزوغ الفجر الجديد بإذنه سبحانه وتعالى، وخاصة أن الشعوب قاطبة في بلاد المسلمين تنشد الإنعتاق من الظلم وتنشد العدالة، وتنشد الإنعتاق من قوى الاستعمار، وهذا الأمر لا تجده الشعوب إلا في دولة الإسلام ، ولا يسعى حقيقة لهذه الغاية العظيمة إلا الحزب؛ فالشعوب الثائرة بالآلاف الباحثة عن الحقيقة، سوف تصطدم بعد فترة من الزمن عندما تهدأ الأمواج، وتعود المياه إلى مجاريها، ستصطدم بان الهدف الذي تسعى له لم يتحقق ، واستطاع الكفار أن يضللوها عن طريق القيادات الحالية سواء أكانت حركات إسلامية، أم وطنية أم قومية ليسيّروها في ركاب الدول الكافرة، ولكن بشكل آخر وبثوب جديد تماما كما حصل من قبل في إيران وتركيا والسودان في الوقت الحاضر، وكما حصل أيضا في ثورات التحرر في بدايات القرن الماضي!! .. ولعل الله عز وجل أن يجعل من هذه الأحداث مقدمات لأمرين ؛ الأول : بيان وانكشاف الحركات الموجودة في الساحة على حقيقتها ، والثاني : تخفيف القيود على الحزب، وقدرته على مزاولة نشاطه في بعض بلاد المسلمين، بعد ما كان ممنوعا من ذلك مثل مصر وسوريا وتونس .. فهذا الأمر فيه خير كبير لحملة الدعوة . 4- النصر هو منة من الله تعالى يعطيها لمن يحبه، ولا يحب المولى عز وجل إلا من اخلص لدينه وأمته، وهذا لا يوجد قطعا إلا في الحزب كحركة سياسية مع وجوده في أفراد آخرين بشكل فردي؛ فلا يوجد هذا الأمر في دعاة القومية ولا الوطنية، ولا في دعاة المشاركة أو القبول مع هذه الحركات، سواء أكان ذلك حركات إسلامية أو قومية .. والنصر الحقيقي ليس الوصول إلى الحكم كما يتوهم البعض، بل الوصول بتميز كما أراد الله ورسوله، وإلا فقد كان الرسول قادرا على الوصول للحكم عن طريق زعامات مكة حسب رغباتهم عندما عرضوه عليه بقولهم : " إذا أردت ملكا ملكناك علينا" ، أي جعلناك ملكا، وقد كان يوسف عليه السلام قادرا على نيل ذلك لو رضي بما عرضته سيدة مصر !!..والحقيقة أن الحكم عُرض على الحزب في أكثر في الأردن، وقد رفضه الحزب لأنه لم تتحقق الأجواء لهذا الحكم حسب أحكام الطريقة التي سار عليها الحزب .. فالحزب هو الوحيد السائر الآن في طريق الحق، وهو قطعا في دائرة محبة الله ورسوله، قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " المائدة/54 لقد جاء في إحدى نشرات الحزب السابقة وهي بعنوان :"متى نصر الله ":"إننا نؤمن يقينا أن الله ناصرنا، وهذا الإيمان جزءٌ لا يتجزأ من عقيدتنا لقوله تعالى : " أن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " وقوله " وكان حقا علينا نصر المؤمنين"، إلا أن الجانب العقائدي ليس سوى دافع ذاتي، ومعين لا ينضب لشحذ الهمم، وتقوية النفس، فيندفع الشاب في العمل وهو موقن أن الله ناصره ومؤيده؛ يعمل ضمن قوانين، ويربط الأسباب بالمسببات بغير تواكل على هذا الإيمان، لأنه كما آمنا به تعالى وجب أن نؤمن بان له قوانين تسير الحياة، فنسير تبعا لقوانينه ، ووفقا لما أمرنا به ..."، ويقول في موضع آخر : " أما الدولة فهي آتية لا محال طال الطريق أم قصر، وهي ليست بمهمتكم ولا عملكم المباشر وان كان عملكم يسهل إيجادها.. وهذا الأمر يجب أن يضعنا أمام الحقيقة الساطعة، وهي انه لا يوجد في ساحة المسلمين من يطلب حكم الإسلام- ( كما أراد الله ورسوله)- إلا الحزب، وانه لا يمكن أن يصل إلى هذه الغاية سواه، رغم وصول بعض الحركات الإسلامية أو القومية للحكم والسلطان، ضمن دائرة القوى الموجودة والمشاركات والديمقراطيات الكافرة !!.. 5- يجب أن ننظر بعين بصيرة وعقول واعية إلى هذه الأحداث المتوالية والمتتابعة في ساحة المسلمين على أنها سنوات المخاض الأخير قبل الميلاد الميمون بإذنه تعالى ... السنوات التي تتلمس فيها الأمة إخلاص الحزب، واستقامة فكرته بعد أن ترى الحركات الرجالات من حولها طلاّب مناصبٍ، وطلاّب دنيا لا طلاب دين ودولة إسلامية مخلصة .. فالأمة حقيقة تنشد الإخلاص، وتريد الخلاص، لكنها تخطئ الاختيار، وذلك بسبب عدم الوعي والإحاطة وعدم الفهم الصحيح لإقامة الدين، وهذا الأمر لا يطول، لان سطوع الشمس لا يحجبه الغيوم إلا فترةً من الزمن، لتصل الشمس بعدها إلى عيون الناس فتراها ساطعة وضاءة في كبد السماء..فهذه الأحداث كلها تهيئةٌ من الله العلي العظيم، تسهّل على الحزب ظهوره للناس ليعرفوه ويعوه تماما، وهي في نفس الوقت تدفع الأمة للبحث عن الخلاص الصادق، بعد أن لم تجده في أي سبيل، وهذا يشبه إلى حد كبير تهيئة الله تعالى لجو المدينة لقبول فكرة الإسلام من قبل سادات الأوس والخزرج، بعد الفتن والحروب الطويلة داخل المدينة ، وتهيئة الأجواء عالميا بعد الصراع الدولي والحرب الضروس التي حصلت بين فارس والروم فأضعفتهم!!ا ... فهذه الدماء والآلام التي باتت تظهر على جسد الأمة، ما هي إلا مقدماتٌ لظهور ميلاد دولة الإسلام، التي حملت العاملين لأجلها في بطنها سنوات طويلة؛ منذ هدمت حتى يومنا هذا.. ، فنسأله تعالى أن لا يطول هذا المخاض، وان يكون سهلا، وان يهيئ كل الأجواء لرعايته وحمايته . انه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
  5. بسم الله الرحمن الرحيم (الهجرة النبوية بين الماضي والحاضر) ما أشبه الحياة التي عاشها المسلمون في مكة المكرمة؛- في مجتمع الكفر، وفي ظل غياب الإسلام، وفي ظل الاضطهاد والتعذيب والإيذاء،- بحال المسلمين اليوم وخاصة تلك الفئة المؤمنة التي رفعت لواء التغيير، وأبت أن تسايرا لواقع الجاهلي المنحط بها.. فقد جاء نفر من الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة المشرفة،- وقالوا: يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا..ألا تدعو لنا؟!، فقال (صلى الله عليه وسلم):- (كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض ، فيجعل فيه ، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشقّ باثنتين ، وما يصده ذلك عن دينه ، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب ، وما يَصدّه ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ). رواه البخاري . وفعلا أتم الله هذا الأمر؛ أي الإسلام وصارت له دولة بعد النصرة والهجرة، وصار للمسلمين قوة ومنعة وسلطان، ثم انتشر أمر الجهاد فوصل مكة التي أخرجت الرسول صلى الله عليه وسلم وآذته، فأصبحت مكة المكرمة ضمن نطاق الدولة الإسلامية الوليدة، ثم توسعت الدولة حتى بلغت حدودها كلّ جزيرة العرب قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم!!.. وأصبح الأمر كما بشر الرسول (صلى الله عليه وسلم).. يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخش إلا الله تعالى والذئب على غنمه، ورأى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المكرمة الربانية العظيمة بأعينهم وعايشوها عمليا في حياتهم!!.. واليوم ترتفع الأصوات من المخلصين الغيورين على امة الإسلام وعلى هذا الدين ... (متى نصر الله؟!، وتلهج الألسن ليل نهار بالدعاء؛ سرا وعلانية (اللهم انصر دينك، ومكن للعاملين في سبيلك وامنن عليهم بالعزة والدولة)!!.. والحقيقة أن الاستعجال هو علامة من علامات الصدق والإخلاص لهذا الدين ولهذه الدعوة العظيمة؛ فالمسلم التقي النقي يريد لهذا الدين العزة والمنعة والقوة، ويستعجل هذا الأمر لأنه يعز عليه أن يرى حال امة الإسلام، وما يجري لها في أرجاء الأرض .. ويعز عليه حال المسلمين في ظلّ الفقر والتأخر والتردّي والذلّ والهوان أمام الشعوب الأخرى في الأرض.. ولكن نقول في هذا المقام:- إن الله عز وجل هو أسرع منا، وهو أغير منا على هذا الدين، وهو ارأف بالمسلمين من أنفسهم؛ فالدين دين الله، والعباد هم عباده، والله سبحانه يريد لهذا الدين النصر والنصرة والتمكين تماماً كما أراده لصحابته رضوان الله عليهم في مكة المكرمة.. وإذا رجعنا قليلاً إلى الماضي، والى الظروف التي سبقت وعاصرت قيام دولة الإسلام، وقارناها بما يجري هذه الأيام لأدركنا يقيناً أن الأمة اليوم تتهيأ لأمر عظيم؛ هو ميلاد دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.. فمن التهيئات الربانية التي عاصرت قيام دولة الإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم او سبقته قليلا:- 1- ما جرى-قبل بعثة الرسول ((صلى الله عليه وسلم)- بين طوائف النصارى وممالكها من اقتتال وتطاعن واتهامات، وكذلك ما جرى من قبل اليهود والنصارى على السواء من تحريف وتخريف في أمر الدين؛ حيث صار الأمر مهيأً تماما لاستقبال أمرٍ جديد ينقذ هؤلاء وهؤلاء من هذا الواقع الأليم، ومن هذه الخزعبلات والتحريفات... 2- ما جرى أيضا لدولة فارس والروم من حروب أنهكت الطرفين، لدرجة أن كلاًّ منهما لم يعد قادرا على خوض حروب جديدة بشكل واسع وكبير، وهذا ما أشار إليه المولى عز وجل بقوله: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الروم. 3- انتشار دين الأوثان في جزيرة العرب بدل دين الوحدانية، وهذا يدل على أمرين؛ الأول: الرفض لتحريفات اليهود والنصارى ، والثاني: التخبط الفكري عند العرب لدرجة أنهم عبدوا أحجاراً لا تضر ولا تنفع. 4- الحروب الطاحنة التي حصلت بين الأوس والخزرج في المدينة المنورة، وكانت مقدمةً لمخلصٍ جديد يخلصهم من هذا الواقع المزري الذي اهلك الحرث والنسل وجرَّ عليهم الويلات العظيمة. كل هذه الأمور كانت تهيئات ربانية ساقها الله تعالى من اجل نصرة هذا الدين وتمكينه في الأرض، وانتصاره على كل المحيط من دول وما تحمل من أفكار ومعتقدات فكانت؛ النصرة والهجرة للمدينة تتويجاً لكل هذه التهيئات الربانية العظيمة، وهذا يذكرنا بأمر عظيم يجب أن لا يغيب عن عقولنا في أيه لحظة وهو: (....وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) 126 آل عمران، وقوله:( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) غافر51 وفي هذه الأيام فان من يدقق ويتمعّن وينظر بعين الإيمان والعقيدة، ويتابع مجريات الأحداث في الماضي القريب، والواقع الذي تعايشه يرى أن هناك أمورا مشابهة تماما لما حدث من نصرة وتأييد رباني في عهد المصطفى عليه السلام من هذه الأمور:- 1- ما جرى من حروب طاحنة قبل سنوات معدودة بسبب فساد الأديان والمبادئ؛ في الحرب العالمية الأولى والثانية، وما حصل فيها من إزهاق الملايين من الأرواح، لا لشيء إلا من اجل السيادة والسيطرة وحبّ المال والشهوات، ثم ما جرى وما يجري بسبب الاستعمار السياسي والعسكري من ظلم واضطهاد للشعوب في كل أرجاء المعمورة!!... 2- ما جرى للقوة الأولى على وجه الأرض- أمريكا- بسبب الحروب الاستعمارية، حيث أنهكت قواها لدرجة أنها لم تعد قادرة على خوض حروب جديدة واسعة. 3- الأزمات التي تعصف بدول الكفر وجعلتهم مثقلين بالديون الكثيرة، وجعلت أركان دولهم الاقتصادية والسياسية مهددة بالتفكك والانهدام. 4- الأزمات الفكرية التي حصلت في نهايات القرن الماضي فادت إلى انهيار المبدأ الاشتراكي انهيارا تاما وكاملا، وأدت إلى نصدع المبدأ الثاني على وجه الأرض، وهو يوشك الآن أن يقع وينهار انهيارا تاما وكاملا، وهذا الانهيار يهدد كيانين عملاقين بالتفكك والانحلال التام هما( الاتحاد الأمريكي والاتحاد الأوروبي)!!.. 5- انهيار كل الأفكار الهابطة التي سادت بلاد المسلمين في الفترات السابقة مثل القومية العربية والحركات الوطنية وما تفرع عنها من مسميات .. ثم سقوط أتباع هذه الأفكار المزيفة من الحكام وخاصة بعد ضياع فلسطين وحرب أفغانستان والعراق.. 6- ما يحصل في هذه الأيام من ثورات في بلاد المسلمين تنادي بالتخلص من الظلم والقهر والتسلط، وتطالب بالعدالة والاستقامة وحقوق المواطن، وباختيار من يحكمهم في سدة الحكم، وما يحصل في خضم هذه الثورات من أحداث جسام تدفع الناس للنظر إلى مخلّص جديد يخلصهم من هذا الواقع الأليم الشديد... إن كل هذه الأحداث التي جرت وما زالت تجري في بلاد المسلمين وفي العالم إنما تمهّد لأمر واحد هو المخلص الجديد لهذه البشرية من الظلم، وكل هذا هو من نصرة المولى عزّ وجل لهذا الدين.. فالله تعالى لا يغفل ولا ينام وهو يرى ويسمع ويراقب كل الأمور، وهو أغير على هذا الدين من اتقى المسلمين على وجه الأرض، وهو يريد النصرة لهذا الدين نصرة تدوّي في كل أرجاء الأرض وليس فقط في بلاد المسلمين ليكون هذا الدين كالمنارة العالية أو كالشمس والقمر في كبد السماء بعد الظلم والظلام الشديد.. ونعود ونقول : إننا نستعجل أمراً عظيما، سيحصل قريبا بإذنه تعالى حتى يسير الراكب- لا نقول من صنعاء إلى حضر موت- ولكن نقول: من أدنى الأرض إلى أدناها لا يمر إلا عن بلاد المسلمين التي يسمع فيها صوت( الله اكبر ,., اشهد أن لا اله إلا الله، واشهد أن محمدا رسول الله)!!... إن كل الأحداث التي جرت وما زالت تجري إنما تصب في نفس البوتقة، وفي نفس المجرى؛ ألا وهو الطريق إلى عودة هذا الدين الرباني العظيم، ليحكم وجه الأرض مرة أخرى، فيصدق بذلك قول المولى عز وجل ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) الفتح28 ،وقوله عليه السلام:) إِنَّ اَللَّهَ زَوَى لِي اَلْأَرْضَ, فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا, وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا, وَأُعْطِيتُ اَلْكَنْزَيْنِ اَلْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ) رواه مسلم، وتتحقق بشارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بفتح روما، مصداقا لقوله عليه السلام:( أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولا؛ يعني قسطنطينية) رواه احمد ، وبعودة بلاد العرب مروجا وانهارا، مصداقا لقوله عليه السلام:( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا وَحَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ بَيْنَ الْعِرَاقِ وَمَكَّةَ لا يَخَافُ إِلَّا ضَلالَ الطَّرِيقِ ..) رواه الإمام احمد في مسنده ونزول الخلافة مرة أخرى إلى بيت المقدس، لتكون عقر دارها إلى قيام الساعة، مصداقا لقوله عليه السلام: ( ...إذا رأيت الخلافه نزلت الأرض المقدسة، فقدت دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب الى الناس من يدي هذه على رأسك ( رواه البخاري،وفي رواية عند ابن عساكر:( هذا الأمر كائن بعدي بالمدينة، ثم بالشام ،ثم بالجزيرة، ثم بالعراق ثم بالمدينة، ثم ببيت المقدس؛ فإذا كان ببيت المقدس فثم عقر دارها، ولن يخرجها قوم فتعود إليهم أبداً) "، ويتحقق عيش المسمين في ظل خليفة راشدة؛ يحثو المال حثوا ولا يعده عدا؛ أي في ظل انتعاش اقتصادي لم يشهد التاريخ الإنساني مثيلا له على وجه الأرض، مصداقا لقوله عليه السلام: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا )،رواه مسلم في صحيحه، نسأله تعالى أن يكرم امة الإسلام في القريب العاجل بالنصرة والتمكين في الأرض وبتتويج كل هذه المقدمات العظيمة بقيام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة...آمين يا رب العالمين.
  6. أبو الحسن

    النصر وميلاد فجر جديد

    النصر وميلاد فجر جديد الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين في ظل الظروف العصيبة التي تعصف بأمة الإسلام ، والمتغيرات الجليلة التي تمر في ساحة بلاد المسلمين، بسب ما يجري في مصر وتونس ، وما قد تشهده بلدان اخرى في العالم الاسلامي . يتساءل البعض من الناس ، عن النصر ومتى هو ، ويقولون اين الحزب من كل هذه الاحداث ، لماذا لا يستغل الحزب هذا الظرف العظيم ، وهذه الفرصة التاريخية، وانه اذا ضاعت هذه الفرصة فانه لن تقوم للمسلمين دولة، وغيرها من التساؤلات، والاقوال. والحقيقة ان مثل هذه الاسئلة والاقوال ، قد تصدر عن البعض بسبب التشوق والاستعجال للنصرة والنصر، او قد تصدر بسبب اخلاص ينقصه الوعي والمعرفة، والاحاطة بمجريات الاحداث السياسية او ينقصه وضوح بعض معاني الايمان الصحيح،كحسن التوكل على الله ،والتسليم الكامل بحكمه وارادته، والثقة المطلقة بوعده سبحانه وتعالى . وللإجابة عن هذه الاسئلة وغيرها، سنقف على هذا الموضوع من عدة زوايا، لتتضح الامور، ولتزول الغشاوة عن الاعين ، ولتفهم الاحكام على حقيقتها، وتوضع في نصابها القويم. 1) ان النصر هو منه من الله عز وجل فهو بيده، يعطيه من يشاء ويمنعه عمن يشاء، وقد جعل الله عز وجل للنصر شرائط فقال تعالى:- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد (7) . فجعل من شرائطه الايمان الصادق واخلاص النية لله سبحانه. والعمل الصالح، والصبر، والثبات على الحق، وحسن التوكل على الله عز وجل، والاخذ بالأسباب، وربطها بمسبباتها، واعداد العدة للجيش، وذكر الله عز وجل ، والتضرع والانابة اليه سبحانه وتعالى، فالله سبحانه يعطي نصره لمن يحبه، ولا يحب المولى عز وجل الا من اخلص لدينه وامته، فنسأله سبحانه ان يقبل اعمالنا وان تكون في دائرة محبة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم،قال تعالى:- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) المائدة (54). 2) يجب ان يعلم ان النصر صبر ساعة وان النصر مع الصبر وان الفرج يأتي مع الكرب وان مع العسر سيرا، فلا بد من الثبات، وليعلم ان الله عز وجل يمحص القلوب، وأن تأخر النصر، فيه اختبار للإيمان، فلا نعجل، بل نعمل وندعو الله عز وجل ونذكره كثيرا حتى يأذن الله بنصره، ويتم الله عز وجل لنا الامر، ويظهر دينه وتعلو راية الله سبحانه على ربوع الارض، جاء في صحيح البخاري :- شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو لنا ؟ فقال : ( قد كان من قبلكم ، يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ، فيجعل فيها ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، فما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن هذا الأمر ، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ، لا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ). 3) ان الله عز وجل جعل للنصر اشكالا وصورا، ينزله بها، قال تعالى:-( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)غافر (51)، فقد نصر الله عز وجل بعض الانبياء، بأن نجاهم من كيد اعداءهم، وأهلك اقوامهم المعاندين المكذبين، كما حصل مع نبي الله نوح ولوط وصالح وهود عليهم افضل الصلاة والتسليم، ونصر بعضهم بإيمان اقوامهم، دون ان يمكن للنبي بان يستلم زمام الحكم والسلطان، منهم يونس عليه السلام، ومنهم من نصر فكرته بعد موته ، كالفتى النصراني الذي ضحى بنفسه على ان يؤمن قومه ، فآمنوا بعد ان قتله الملك الطاغية، فما كان منه الا ان خد لهم الاخاديد بسب ايمانهم قال تعالى:-( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) البروج (8)، وقد يكون النصر للنبي بإيمان قومه، واعطاءه السلطان والحكم، كما حصل مع سليمان وداوود عليهما الصلاة والسلام، ومع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالنصر بيد الله يعطيه من يشاء بأي صورة من صوره، وفي الوقت الذي يريده سبحانه تعالى،فهو على ما يشاء قدير، ونحن نحمد الله كثيرا، فالفضل والمنه منه سبحانه ، على ما تحقق على ايدي دعاة الخلافة وحمله الاسلام، من تقدم في فكر الامة وشعورها، ونزوعا الى الغاية، وتبلور مفاهيم وصقل اخرى، من معرفة لعدو الامه الحقيقي المتمثل بالكافر المستعمر، ومج الحكام العملاء، وانظمتهم الفاسدة ،واستشعار ضرورة التغيير واسترجاع السلطان المسلوب من الامة، والصدع والجرأة في المحاسبة للحكام والظلمة، وضرورة تحكيم الاسلام، وغيرها الكثير، كل ذلك نصرا للفكرة، وهو مقدمة للنصر والتمكين الذي وعدنا به ربنا سبحانه وتعالى وبشرنا به محمد صلى الله عليه وسلم. 4) ان هذه الاحداث الجسام التي تجري في بلاد المسلمين، انما هي مقدمات لبزوغ الفجر الجديد بإذن الله سبحانه وتعالى،وخاصة ان الشعوب قاطبة في بلاد المسلمين تنشد الانعتاق من الظلم وتحقيق العدالة، وهي تتطلع للانعتاق من قوى الاستعمار، وهذا الامر لا تجده الشعوب الا في دولة الاسلام، ولا يسعى حقيقة لهذه الغاية العظيمة بوعي وبصيرة الا حزب التحرير،فالشعوب الثائرة بالملايين الباحثة عن الحقيقة،لن تجد خلاصها، في هذه القيادات من الاحزاب العلمانية او الإسلامية التي لم تجعل الاسلام اساسا في افعالها واهدافها، ومواقفها، وستنكشف الحكومات التي جاءت بديلا عن الانظمة المستبدة والتي هي استنساخا عنها، كل ذلك يجعلنا على يقين ان الله عز وجل يهيأ لبزوغ فجر الاسلام، فمن مؤشرات ذلك:- أ- ان الشعوب سرعان ما تنكشف امامها القيادات عل مستوى الاحزاب والدول، وتظهر على حقيقتها. ب- ان الشعوب نفضت عن كاهلها الخنوع والاستسلام، فقد كسرت حاجز الخوف الذي كان يستعبدها،واليأس زال من النفوس بعد ان رأت قدرتها على التغيير، فاصبح الامل والعزم على التغيير هو عنوان المستقبل عندها، فقد كان(الخوف واليأس) يمنعانها من التغيير، فالحمد لله رب العالمين. ج- اننا نستبشر خيرا ان الذي جرى سيخفف القيود على الحزب ، وقدرته على مزاولة نشاطه في بعض بلاد المسلمين، كمصر وتونس، فهذا فيه الخير الكبير لحملة الدعوة، في نشر الفكرة وتعرف الامة على الحزب. 5) يجب ان يكون عند حماة الدعوة يقين بصحة ما هم عليه من طريق،فهم يقتفون أثر نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم في الدعوة، وهم يحملون مبدأ الاسلام فكرة وطريقة، لا يحيدون عنها قيد شعرة، وعليهم في نفس الوقت ان تكون لديهم ثقة كاملة بقيادة هذه الدعوة والقائمين على امرها، فهم يصلون الليل بالنهار في سبيل تحقيق الغاية، فالذين يعملون في طلب النصرة، يضعون ارواحهم على أكفهم، ويستعدون لتحمل اشد صنوف الاذى والعذاب، فقد امضى كثيرا منهم السنوات الطوال في السجن وتحملوا العذاب الشديد عندما امسك بهم الظالمون، وهم يقومون بعملهم، فنسأل الله لهم التوفيق والسداد، والظفر والثواب، وهنا لابد من الاشارة ان الغاية هي ايصال الاسلام الى سدة الحكم ، وتطبيقه وحملة رسالة الى العالم، وهذا يتطلب تغييرا انقلابيا شاملا، فليست الغاية مجرد الوصول الى الحكم، فلا يقبل الاشتراك في الحكم او التدرج في تطبيق الاسلام، ما يجعل الغاية جليلة، تستحق العناء وهو الوصول الى الحكم(بتميز)كما اراد الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. 6) إن الله عز وجل لا يضيع عمل العاملين، وقد أكد هذا المعنى العظيم في أكثر من موضع في كتابه العزيز، ليكون درساً بليغاً لأصحاب الحق؛ السائرين في طريق الهدى والرشاد والاستقامة، الحاملين مشعل الإيمان بالدعوة لإعادة حكم الإسلام؛لإعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة!!. قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام :" قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ "(90/ يوسف) ، وقال: " تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين" (َ83 / القصص) ،وقال: " قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"الأعراف / 128 "وقال: " هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ " 60/الرحمن، وقال:"وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" 69/ العنكبوت، وقال:" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ" الأعراف/137 ففي قصة يوسف عليه السلام عبرةٌ عظيمة لحملة الدعوة هذه الأيام، وخاصةً ونحن نعيش ظروفاً عصيبة، وأحداثاً متتالية، وشدّةً وقهراً وتسلطاً، وظلماً تجاوز كل الحدود !!..فقد آثر سيدنا يوسف عليه السلام السجن والعذاب، على أن يستسلم لمراودة امرأةٍ استحوذت عليها شهواتها، فكان جزاؤه السجنُ لبضع سنين !! لقد مكث عليه السلام في ظلمات السِجن، ونسيه الناس، وطوت الأيام صفحته، ولم يعلم بها إلا قلةٌ قليلة ممن كانوا على صلة بامرأة العزيز، أو من أصحابه في داخل السجن، لكن الله عز وجل لم ينس أمره ولم يضيّع حقه " وما كان ربك نسيا "، قال تعالى: " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ"آل عمران/195 . لقد بقيت حراسة الله تعالى لهذا الإيمان العظيم؛ ترعاه وتحفظه في داخل سجنه إلى اليوم الموعود؛ عندما أراد الله عز وجلّ إظهار هذا الإيمان والصبر والثبات؛ ليس فقط بظهور براءته عليه السلام من افتراء امرأة العزيز، وإنما بظهور الإيمان في ارض مصر كلِّها؛ فرفعه الله تعالى فوق العالمين، وبرّأه من السوء والفحشاء، وسلّمه مقاليد الأمور في ارض مصر، وأصبح أتباع الإيمان- الذي يحمله- بالآلاف في تلك الأرض البعيدة عن أهله ودياره!!.. وفي هذا درس عظيم لمن تتردّد على لسانه مثل هذه الأسئلة؛ وهو أن لكلّ شيء موعدٌ مضروب، لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى، وان هذا الموعد سيأتي لا محالة، إن عاجلاً أو آجلا، ولا يضيعُ الله تبارك وتعالى عمل المؤمنين المخلصين الصادقين، لا في دار الدنيا ولا في الآخرة.. ففي دار الدنيا يرفعهم فوق العالمين، ويمكّن لهم في الأرض، ويُظهر دعوتهم على كل الدعوات ممن حولهم، وفي باقي أرجاء الأرض؛ تماماً كم حصل مع سيدنا يوسف عليه السلام، ومع رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وغيرهم من الرسل عليهم السلام وأتباعهم!! . 7) وفي الختام يجب ان ننظر بعين بصيرة وعقول واعية الى هذه الاحداث المتوالية، والمتتابعة في بلاد المسلمين ، على انها ساعات المخاض الاخير قبل الميلاد الميمون بإذن الله عز وجل، ففي هذه الساعات تتلمس الامة اخلاص الحزب، وتحمل رسالتها الخالدة الى العالم اجمع بعد ان تحرر بلادها من ربقة الاستعمار، فالأمة تنشد الاخلاص، وتريد الخلاص، لكنها تخطئ الاختيار، وذلك بسب عدم الوعي والاحاطة وعدم الفهم الصحيح لإقامة الدين، وهنا يتجلى ما هو ملقى على عاتق حملة الدعوة، في تصحيح مسار الامه وافهامها المطلوب منها، وايصالها الى بر الامان، وهذا الامر لا يحتاج الى وقت طويل بإذن الله عز وجل، لان الشمس لا تحجبها الغيوم الا فترة من الزمن، لتصل الشمس بعدها الى عيون الناس فتراها ساطعة وضاءة في كبد السماء ....، فهذه الاحداث كلها تهيئة من الله العلي القدير، تسهل على الحزب ظهوره للناس ،ليعرفوه ويعوه تماما، وهي في نفس الوقت تدفع الامه للبحث عن الخلاص الصادق الصحيح، وهذا يشبه الى حد كبير تهيئة الله عز وجل لجو المدينة لقبول فكرة الاسلام ، من قبل سادات الاوس والخزرج ، بعد الفتن والحروب الطويلة، وبعد تهيئة الاجواء عالميا، بعد الصراع الدولي والحرب الضروس التي حصلت بين الفرس والروم فأضعفتهم؟! فهذه الاحداث والثورات التي تنبعث من بلاد المسلمين والتي تبعث الحياة في جسد الامه الذي شارف على الهلاك ، ما هي الا مقدمات لظهور ميلاد دولة الاسلام، حيث حملت الامة مشروع الخلافة في وجدانها سنوات طويلة،ونضج في فكرها واحساسها، حتى اشتد عوده ليولد شابا يافعا ان شاء الله تعالى، فنسأله تعالى ان لا يطول هذا المخاض، وان يكون الميلاد الموعود سهلا ميسورا، وان يهيئ كل الاجواء لرعايته وحمايته ، انه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين
  7. بسم الله الرحمن الرحيم المفاصلة بين منهج التوحيد ومنهج الشرك الحمد لله. الحمد لله ثم الحمد لله. الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}. (الكهف17) أيها الاخوة الكرام: أوصيكم وإياي بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}. (فصلت46) وأشهد أَلاّ إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً رسول الله. بعثه الله رحمةً للعالمين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن قومه، ورسولاً عن أمته. أما بعد: أيها المؤمنون: قال الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (3) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}. قال سيد قطب - رحمه الله - في تفسيره في ظلال القرآن الكريم: لم يكن العرب يجحدون اللّه ولكن كانوا لا يعرفونه بحقيقته التي وصف بها نفسه. أحد. صمد. فكانوا يشركون به ولا يقدرونه حق قدره، ولا يعبدونه حق عبادته. كانوا يشركون به هذه الأصنام التي يرمزون بها إلى أسلافهم من الصالحين أو العظماء. أو يرمزون بها إلى الملائكة .. وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات اللّه، وأن بينه - سبحانه - وبين الجنة نسبا، أو ينسون هذا الرمز ويعبدون هذه الآلهة، وفي هذه الحالة أو تلك كانوا يتخذونها لتقربهم من اللّه كما حكى عنهم القرآن الكريم في سورة الزمر قولهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» .. ولقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا يعترفون بخلق اللّه للسماوات والأرض، وتسخيره للشمس والقمر، وإنزاله الماء من السماء كالذي جاء في سورة العنكبوت: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» .. «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» .. وفي أيمانهم كانوا يقولون: واللّه. وتاللّه. وفي دعائهم كانوا يقولون: اللهم .. إلخ. ولكنهم مع إيمانهم باللّه كان هذا الشرك يفسد عليهم تصورهم كما كان يفسد عليهم تقاليدهم وشعائرهم، فيجعلون للآلهة الْمُدَّعاةِ نصيبا في زرعهم وأنعامهم ونصيبا في أولادهم. حتى إنه ليقتضي هذا النصيب أحيانا التضحية بأبنائهم. وفي هذا يقول القرآن الكريم عنهم في سورة الأنعام: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً. فَقالُوا هذا لِلَّهِ - بِزَعْمِهِمْ - وَهذا لِشُرَكائِنا. فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ. وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ. ساءَ ما يَحْكُمُونَ! وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ ، وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ ، فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ. وَقالُوا : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ - بِزَعْمِهِمْ - وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ. سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ، وَقالُوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ. سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ. قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ}. وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم، وأنهم أهدى من أهل الكتاب، الذين كانوا يعيشون معهم في الجزيرة العربية، لأن اليهود كانوا يقولون: عزير ابن اللّه. والنصارى كانوا يقولون: عيسى ابن اللّه. بينما هم كانوا يعبدون الملائكة والجن على اعتبار قرابتهم من اللّه - بزعمهم - فكانوا يعدون أنفسهم أهدى؛ لأن نسبة الملائكة إلى اللّه, ونسبة الجن كذلك أقرب من نسبة عزير وعيسى .. وكله شرك. وليس في الشرك خيار. ولكنهم هم كانوا يحسبون أنفسهم أهدى وأقوم طريقا! فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يقول: إن دينه هو دين إبراهيم - عليه السلام - قالوا: نحن على دين إبراهيم, فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد؟! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول صلى الله عليه وسلم خطة وسطاً بينهم وبينه, وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم, مقابل أن يسجدوا هم لإلهه! وأن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وله فيهم وعليهم ما يشترط! ولعل اختلاط تصوراتهم، واعترافهم باللّه مع عبادة آلهة أخرى معه .. لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة، يمكن التفاهم عليها، بقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق، مع بعض الترضيات الشخصية! ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق .. نزلت هذه السورة. بهذا الجزم. وبهذا التوكيد. وبهذا التكرار. لتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة، وتفرق نهائيا بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ». نفي بعد نفي. وجزم بعد جزم. وتوكيد بعد توكيد. بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد .. «قُلْ» .. فهو الأمر الإلهي الحاسم الموحي بأن أمر هذه العقيدة أمر اللّه وحده. ليس لمحمد فيه شيء. إنما هو اللّه الآمر الذي لا مرد لأمره، الحاكم الذي لا راد لحكمه. «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» .. ناداهم بحقيقتهم، ووصفهم بصفتهم .. إنهم ليسوا على دين، وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون. فلا التقاء إذن بينك وبينهم في طريق .. وهكذا يوحي مطلع السورة وافتتاح الخطاب، بحقيقة الانفصال الذي لا يرجى معه اتصال! «لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ» .. فعبادتي غير عبادتكم، ومعبودي غير معبودكم «وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» فعبادتكم غير عبادتي، ومعبودكم غير معبودي. «وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ» .. توكيد للفقرة الأولى في صيغة الجملة الاسمية وهي أدل على ثبات الصفة واستمرارها. «وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» .. تكرار لتوكيد الفقرة الثانية. كي لا تبقي مظنة ولا شبهة، ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد المكرر بكل وسائل التكرار والتوكيد! ثم إجمال لحقيقة الافتراق الذي لا التقاء فيه، والاختلاف الذي لا تشابه فيه، والانفصال الذي لا اتصال فيه، والتمييز الذي لا اختلاط فيه: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. أنا هنا وأنتم هناك، ولا معبر ولا جسر ولا طريق!!! مفاصلة كاملة شاملة، وتميز واضح دقيق .. ولقد كانت هذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل، الذي يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق. الاختلاف في جوهر الاعتقاد، وأصل التصور، وحقيقة المنهج، وطبيعة الطريق. إن التوحيد منهج، والشرك منهج آخر .. ولا يلتقيان .. التوحيد منهج يتجه بالإنسان - مع الوجود كله - إلى اللّه وحده لا شريك له. ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان، عقيدته وشريعته، وقيمه وموازينه، وآدابه وأخلاقه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود. هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي اللّه، اللّه وحده بلا شريك. ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس. غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية .. وهي تسير .. وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورية للداعية. وضرورية للمدعوين .. إن تصورات الجاهلية تتلبس بتصورات الإيمان، وبخاصة في الجماعات التي عرفت العقيدة من قبل ثم انحرفت عنها. وهذه الجماعات هي أعصى الجماعات على الإيمان في صورته المجردة من الغبش والالتواء والانحراف. أعصى من الجماعات التي لا تعرف العقيدة أصلا. ذلك أنها تظن بنفسها الهدى في الوقت الذي تتعقد انحرافاتها وتتلوى! واختلاط عقائدها وأعمالها وخلط الصالح بالفاسد فيها، قد يغري الداعية نفسه بالأمل في اجتذابها إذا أقر الجانب الصالح وحاول تعديل الجانب الفاسد .. وهذا الإغراء في منتهى الخطورة! إن الجاهلية جاهلية، والإسلام إسلام. والفارق بينهما بعيد. والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته. هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها والهجرة إلى الإسلام بكل ما فيه. وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية: تصورا ومنهجا وعملا. الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق. والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام. لا ترقيع. ولا أنصاف حلول. ولا التقاء في منتصف الطريق .. مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام، أو ادعت هذا العنوان! وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس. شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء. لهم دينهم وله دينه، لهم طريقهم وله طريقه. لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم. ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو، بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير! وإلا فهي البراءة الكاملة، والمفاصلة التامة، والحسم الصريح .. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. وما أحوج الداعين إلى الإسلام اليوم إلى هذه البراءة وهذه المفاصلة وهذا الحسم .. ما أحوجهم إلى الشعور بأنهم ينشئون الإسلام من جديد في بيئة جاهلية منحرفة، وفي أناس سبق لهم أن عرفوا العقيدة، ثم طال عليهم الأمد «فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» .. وأنه ليس هناك أنصاف حلول، ولا التقاء في منتصف الطريق، ولا إصلاح عيوب، ولا ترقيع مناهج .. إنما هي الدعوة إلى الإسلام كالدعوة إليه أول ما كان، الدعوة بين الجاهلية. والتميز الكامل عن الجاهلية .. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. وهذا هو ديني: التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه، وعقيدته وشريعته .. كلها من اللّه .. دون شريك .. كلها .. في كل نواحي الحياة والسلوك. وبغير هذه المفاصلة. سيبقى الغبش، وتبقى المداهنة ويبقى اللبس ويبقى الترقيع .. والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة. إنها لا تقوم إلا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح..! أيها المؤمنون: هذا هو طريق الدعوة الأول: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. فأين المسلمون اليوم من تلك المفاصلة؟ أين أصحاب الثورات، ثورات الربيع العربي ... أين من ينادون بالدولة المدنية، والدولة العَلْمانية، والدولة الديمقراطية، وكلها دول من صنع البشر، وكلها تجعل حق التشريع للبشر، في حين أن دستور دولة الخلافة الإسلامية مستمد من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومما أرشدا إليه من قياس، وإجماع صحابة. فحق التشريع في الدولة الإسلامية هو لله تعالى وحده، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يُشرَكَ معه غيرُه. فالمؤمن حين يشهد أَلاّ إله إلا الله، وأنَّ محمد رسول الله معتقداً عقيدة التوحيد، فإن ذلك يعني الإقرار بأنه لا مُشرَّعَ إلاَّ الله، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله! وقد فهم مشركو العرب وزعماء قريش هذا المعنى؛ لذلك رفضوا أن يقولوا كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله. روى الطبراني في المعجم الكبير قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: قُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ تُفْلِحُوا». فَمِنْهُمْ مَنْ تَفَلَ فِي وَجْهِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَثَا عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَبَّهُ، حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَأَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ بِعُسٍّ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَوْ يَدَيْهِ وَقَالَ: يَا بنيَّةُ، لا تَخْشَي عَلَى أَبِيكِ عَيْلَةً وَلا ذِلَّةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: زَيْنَبُ بنتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ». فأين كلُّ أولئك من هذا الفهم الرائع لمنهج التوحيد، الذي لا يلتقي ولا يجتمع مع منهج الشرك؟ ألم يقل الله في محكم كتابه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّـهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }؟ ( الشورى٢١). ألم يقل الله في محكم كتابه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}؟ (الأنعام ٥٧). ألم يقل الله في محكم كتابه: {وَاللَّـهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}؟ (الرعد41). ألم يقل الله في محكم كتابه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}؟ ( النساء ٦٥). ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني في المعجم الكبير: «أَلا إِنَّ رَحَى الإِسْلامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الإِسْلامِ حَيْثُ دَارَ، أَلا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لأَنْفُسِهِمْ مَا لا يَقْضُونَ لَكُمْ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: "كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ»؟ اللهم أقر أعيننا بقيام دولة الخلافة، واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
  8. أبو الحسن

    صفات القيادة الناجحة

    بسم الله الرحمن الرحيم صفات القيادة الناجحة لقد خلق الله تعالى الناس متفاوتين، يفضل بعضهم بعضاً في القدرات والطاقات والعقول، وغير ذلك مما حباهم الله به، وهذا بالتالي جعل الأداء عند الناس في مجالات الحياة المتنوعة في تفاوت وتفاضل، وجعل قسماً منهم يبرز في نواحي معينة لا يبرز فيها القسم الآخر، ومن هذه الأمور المسؤولية والقيادة وتقدم الصفوف ... فمنذ القدم يبرز في حياة الناس أناسٌ تكون فيهم صفات معينة تؤهلهم لقيادة الناس، وتقدم الصفوف أمامهم؛ فمثلا في النظام القبلي البدائي يتقدم الناس رجلٌ يسمّى بشيخ القبيلة أو المسئول فيها، يمتاز عن باقي الناس بصفاتٍ تؤهله لذلك، وفي الدول أيضاً تبرز في أشخاص معينين صفات معينة، تؤهلهم لأن يكونوا هم القادة الذين يحكمون الناس ويتقدمون الصفوف أمامهم. إلا أن هذا الكلام ليس معناه أن من يتقدم الصفوف أو يكون مسئولاً هو مؤهلٌ للقيادة دائماً، وأنه أحق بها لأنه يحمل صفات الرجل القيادي، فهذا ليس بالضرورة، فقد يكون في الحكم مثلاً أو في القيادة لأن أمواله في مجتمع رأسمالي تؤهله لأن يكون قائدا أو حاكماً، وقد يكون في الحكم أو القيادة والمسئولية لأن الذي سبقه قد ورّثه هذا الأمر بسبب القرابة أو المصلحة أو غير ذلك، وقد يكون الشخص مسئولاً وليس عنده الصفات القيادية التي تؤهله لذلك، فلا تلبث مسئولية هذه الأصناف أن يعتريها الضعف ثم تنهار، وقد يكون الشخص عادياً في المجتمع؛ عاملاً أو مدرساً أو طبيباً وفي شخصيته الصفات التي تؤهله لأن يكون قياديا ورائدا في المجتمع. إذن هناك صفات معينة يجب أن تتصف بها الشخصية القيادية أو الرائدة، فما هي هذه الصفات وما هي درجة تسلسلها في هذه الشخصية، وهل فقدُ البعض منها لا يجعله شخصيةً قيادية .. أما صفات الشخصية القيادية فيمكن إجمالها في النقاط التالية : - 1- التميز والثبات في الفكر والرأي، وعدم الفوضوية في الأعمال :- فالإنسان حتى يكون قيادياً ناجحاً يجب أن يرتكز إلى فكر ثابت في حياته، يُصدر من خلاله الأحكام، ويقود الناس وفق هذا الفكر، ونقصد بالفكر الثابت هنا عدم التلوّن، وعدم الانتقال من فكرٍ إلى آخر حسب الأهواء والمصالح الآنية، فإذا كان الإنسان مستنداً إلى فكرٍ ثابت فإنه يكون ثابت الرأي، غير متقلب في تصرفاته وقيادته للناس، ولا يكون تبعاً لأفكار وأهواء أخرى، يتغير كلما أراد أن يتغير، فهذا يُضعف شخصية الإنسان ومواقفه القيادية أمام من يقودهم ويتقدمهم، ولا يشترط أن يكون القائد مبدئيا في نظرته للحياة، فقد يكون مبدئيا وقد يكون إنسانا عاديا دون مبدأ، ولكن المبدئية عند الإنسان تعطيه الثبات والقوة في الفكر والرأي وبالتالي القوة في طريقة القيادة . أما القيادي المسلم فإنه يجب أن يكون مبدئيا لأنه يتقدم المسلمين ؛ً بمعنى أنه يلتزم مبدأ الإسلام فكراً وعملاً ورأياً، فيفهمه فهماً صحيحاً ويكون على دراية بما يلزم من أحكامه، ويلتزم هذه الأحكام في كافة أموره وعلاقته مع الغير، وخاصة في قيادته للناس، ولا يكون تبعا للغير متلونا حسب الأشخاص أو الأهواء، فإذا كان كذلك ضعفت شخصيته وقيادته ثم لا يلبث أن ينهار شيئا فشيئا .. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في قوله: ( لا يكونوا إمعة تقولون: إذا أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وان أساءوا فلا تظلموا ) .. 2- الحزم والعزم وعدم التردّد في اتخاذ القرارات :- فالشخصية القيادية إذا اتخذت قراراً تكون حازمةً في هذا القرار، ولا تدع الأمور لآراء الناس وتعدّدها، لأن هذا يجلب عليه التسلط، ويضعف شخصيته أمام من يقودهم، ويفتح المجال للتنافس على القيادة نتيجة شعور الناس بضعفه في اتخاذ القرارات ... وليس معنى ذلك عدم المشورة أو أخذ الرأي، بل معناه عدم كثرة التردّد في المواقف الحازمة كأمور الحرب أو السلم أو الأمور المصيرية المهمة، والتي تحتاج إلى سرعة قرارٍ وحزمٍ وعزم .. وقد ذكر الحق تعالى في هذا المعنى قوله: " فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ " والرسول عليه السلام يقول: "ما كان لنبي لبس لأمة الحرب أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين قومه.." 3- كثرة المشورة وأخذ الرأي فيما يؤخذ فيه الرأي :- وهذه ليست نقطة ضعف في شخصية القائد ولا تعيبه، ولا تظهره على أنه لا يعرف فنون القيادة، أو القدرة على إصدار الرأي، بل هذه الصفة تزيد في قوة الرابطة بينه وبين من يتقدم صفوفهم، وتكسب رأيه قوة فوق قوة، وسداداً مع سداد؛ فالله سبحانه قد أرشد نبيه عليه السلام فقال: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) فالمشورة مطلوبة وهي من صفات القائد الناجح الذي يريد تقوية الصف من خلفه، والاستبداد في الرأي هي من صفات القائد الفاشل، الذي يكثر خطؤه وتزداد الهوة بينه وبين أتباعه لدرجة القطيعة في نهاية المطاف .. 4- المثابرة والاهتمام الدائم بشؤون الرعية، وعدم إظهار اللامبالاة :- فالشخصية القيادية يجب أن تُشعر الرعية أو من يتقدمهم في الصف أنه حريص على مصالحهم كلها، وانه يحافظ على حياتهم، وعلى أموالهم وعلى أعراضهم .. فهذا الحسّ عند الناس بواقع قائدهم يجعلهم يطمئنون لقيادته، ويسلّمون له الأمور، ولا مجال لوجود الشك أو الخوف أو التردّد في عملية الانقياد خلف هذا القائد، أما إذا أظهر هذا القائد عدم المبالاة، واظهر الاهتمام بمصلحته الشخصية على مصالح أمته وشعبه، فإن ذلك يضعف قيادته، ويفتح المجال للتمرد والتشكيك من قبل الآخرين تجاهه، وتصبح النظرة عند شعبه إن هذا القائد يستغلّ وجوده في القيادة لتلبية نزواته ومصالحه، لذلك يبدأ التذمّر والتردّد في الانقياد خلفه، ثم يزداد هذا الأمر اتساعاً شيئاً فشيئاً حتى يقوم الناس على التخلص منه وإسقاطه.. 5- الذكاء وسرعة الفهم والبديهة :- ونقصد هنا بالذكاء أن يكون القائد منفتح الذهن سريع التفكير، سريع الملاحظة للأمور سريع الفهم ، لأن الخمول في التفكير وضعف الفهم وضعف البديهة عند القائد يُضعف شخصيته أمام شعبه، فهذا الأمر يجب أن يكون موجودا مسبقا في شخصية القائد، ويجب أن يعمل على تنميته باستمرار بكل الوسائل والسبل، لأن سرعة الفهم والبديهة يمكن تنميتها في الشخصية .. فالقائد الناجح هو القائد الذي يفهم الأمور بسرعة، ويردّ عليها بسرعة، ويفهم أيضاً الأمر وما يراد منها.. فمثلاً عندما يكون القائد في مكان لا يريد أن يعلم به أحد، وفي نفس الوقت لا يريد أن يثير الشبهة حوله يجيب إجابةً يجعل الخصم يكتفي وينشغل بها، كما حصل مع الرسول عليه السلام عندما كان في طريقٍ الهجرة، ولا يريد أن يعلم أحد إلى أين يذهب ولا من أي مكان جاء، فلقيه رجل في الطريق وسأله: ممن القوم ؟! فقال الرسول عليه السلام: من ماء !! .. فأخذ هذا الرجل يفكر ويسأل نفسه من أيِّ ماءٍ هم..من ماء كذا أم من ماء كذا ؟ حتى قطع الرسول عنه مسافة وهو يسأل نفسه نفس السؤال !! .. 6- القدرة السياسية في إدارة الشؤون والمناورات السياسية، والقدرة على تحمّل المسئوليات في ذلك:- فالناس متفاوتون في هذا الأمور، فهناك رجال عندهم فنّ القيادة وتحمل المسئوليات سجية من سجاياهم، وأهّلهم الله سبحانه وتعالى- بما حباهم من شخصية مبدعة- لفن القيادة وتحمل المسئوليات، وهناك من الأشخاص من ترى في شخصيته التبعية والانقياد وحبّ السير خلف الغير، والضعف وعدم القدرة على تحمل المسئولية .. لذلك عندما جاء أبو ذر رضي الله عنه إلى الرسول عليه السلام وقال له: يا رسول الله ولّني .. أي أعطني ولاية كما أعطيت معاذ بن جبل وكما أعطيت عتاب بن أسيد وأبا موسى الأشعري ومحمد بن مسلمة وغيرهم قال له الرسول عليه السلام : " يا أبا ذرّ انك رجل ضعيف وإنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة .. " وأبو ذر كما نعلم لم يكن ضعيف الجسم، وإنما كان من الفرسان المشهورين، لكنه فيه حدّة تبرز في المواقف القيادية، وقد ثبت ذلك بكثرة خروجه على الخلفاء وانعزاله عن الناس .. وهذا ليس من صفات القائد الناجح .. أما المناورات السياسية فهي فنّ من الفنون أيضاً .. يجب أن تتوفر في شخصية القائد لأن حياته كلها سياسية ورسمٌ للسياسة في الداخل والخارج، فيجب عليه أن يعرف كيف يتعامل مع الأعداء في رسم المناورات السياسية التي تخذّل عن بلاده وتخدم شعبه، تماما كما فعل الرسول عليه السلام في معاهده الحديبية، حيث رسم خطة دقيقة غابت حتى جهابذة الزعامة في مكة !! 7- القوة الجسمية بما يكفي لتحمل الأعباء والمسئوليات :- ولا نقصد هنا بالقوة الجسمية أن يكون فارساً أو مصارعاً أو غير ذلك، وإنما نقصد أن لا يكون عليلاً كثير الشكوى من الأمراض، ضعيف البنية لا يستطيع تحمل الأمور ومكابدة المشاقّ والسهر والمتابعة، والصبر في ساعات المتابعة الدقيقة .. فالقيادة تحتاج إلى أعباء جسمانية وليست من الأمور السهلة، فتحتاج إلى أعصاب هادئة متزنة، وإلى جسدٍ خالٍ من المرض، وإلى عقلية سليمة من أي مرضٍ عصبي أو غيره، لأن الأمور لا تسير على وتيرة واحدة في حياة الأمم والشعوب، فقد تتعرّض الدولة أو الجيش إلى حصارٍ يفرض على القائد أن يلزم غرفة المتابعة ليل نهار، ولا يستطيع النوم إلا ساعات قليلة، فهذا الأمر تحتاج إلى أعصاب هادئة، وإلى جسد عنده القدرة على التحمل، وإلى اتزانٍ وعدم انفعال في غير موضعه، أما إذا كان الجسم غير قادر على المواجهة والتحمل والصبر فإنه يفقد اتزانه في لحظة ما ويصدر الأوامر في غير موضعها فيضيّع الأمور كلها ويجعل الأمة تخسر خسراناً كبيراً .. 8- العلم والمعرفة بما يلزم لأخذ القرارات، وعدم التردّد وعدم إظهار الاتكال دائما على الغير :- ولا نقصد هنا بالعلم أن يكون عالما، ولا نقصد بالمعرفة أن يكون محيطا بكل شيء، وإنما أن يكون عنده القدرة- بمعرفته وعلمه -لاتخاذ القرار خاصة في ألأمور المهمة من فكر أو دين أو غير ذلك .. ، وان يكون كذلك عارفا للأهداف العليا والغايات السامية، وأن يكون عنده علم بالقضايا المصيرية لأمته وشعبه.. فإذا أخذ القرار عن علم ومعرفة؛ أي اسند هذا القرار لعلم ومعرفة كان قرارا صلباً قويا يستند إلى فكر ثابت يخدم الشعب الذي يتقدمه، وأما أن كانت القرارات ضد الأهداف والغايات العليا لشعبه فانه يعرض نفسه للاتهام الدائم، وبالتالي تضعف شخصيته أمام الناس وسرعان ما يقوم عليه الناس .. فيجب أن يكون القائد ملماً بالعلوم والمعارف التي تلزم في أمور القيادة وليس في كل شيء، ولا أن يكون عالماً .. أما إذا كان أمياً- كما هو الحال عند بعض حكام الخليج- فانه يعرض نفسه للانتقاد الدائم، وتكون قراراته غير سليمة وغير صائبة .. فمثلاً عندما اعترضت أمير المؤمنين قضيته سواد العراق، وتوزيعها على المحاربين نظر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في المسألة نظرة العلم والمعرفة وبُعد النظر، وجعل ذلك مستندا إلى فهم شرعيّ وهو: إن الحاجة تدعو إلى إيجاد مصرف دائم يُصرف منه على الجند، وعلى مصالح الدولة، ويعطى منه المحتاجون إلى آخر الزمان.. وكان فهمه مستندا إلى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) 10-الحشر، فقال: ( والذي نفسي بيده لولا أن اترك الناس بيّانا ليس لهم شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ولكني اتركها خزانة لهم يقتسمونها) رواه البخاري. 9- اللين في موضوع اللين والشدة في موضع الشدة وسعة الصدر والرحمة والألفة :- فالشدة والقسوة مطلوبة في موضعها؛ بحيث لو كان في مكانها اللين والرقة فسد الأمر وضاع، والّلين أيضا مطلوبٌ في موضعه ومكانه بحيث لو كان بدلا منه الشدة فسد الأمر وضاع، وأيضا يجب أن يكون من صفات القائد سعة الصدر والرحمة والألفة لمن يقودهم أو يحكمهم أو يتقدم صفوفهم في أي أمر، والله سبحانه وتعالى خاطب بنيه عليه السلام فقال: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ .. ) والإمام عمر رضي الله عنه وهو القائد الناجح .. قال : :(... لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين، ثم اشتددت عليهم حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟..) فهذه الصفة هي من صفات القائد الناجح، يقدّرها حيث يرى وليس لها ضوابط معينة، وتحتاج إلى سرعة في التفكير واستحضارٍ للبديهة بحيث تؤتي النتائج السليمة الصحيحة في موضعها .. 10- الطموح وسعة الأفق والنظرة إلى أعلى في الارتقاء بمن يقودهم :- فالقائد الناجح ينظر إلى الأفق الواسع الرحب بشكل دائم، وينظر إلى الأعلى على أن يتقدم الصفوف في كل أمر وفي كل شيء، وذلك حتى يرتقي من علٍ إلى أعلى بشكل دائم .. فطموح القائد يجلب الخير الدائم على شعبه، واستكانته وكسله يجلب عليهم الوبال ويجعل الأمم تطمع فيهم .. فلو أخذنا على سبيل المثال فرنسا في عهد نابليون وفرنسا هذه الأيام لرأينا الفرق الكبير في الطموح والنظرة إلى الأمام، فنابليون كان يفكر أن يقود العالم أجمع، بينما قادة فرنسا اليوم يفكرون في الانضواء تحت المجموعة الأوروبية للتقوّي بها، المتحدة. هذه هي صفات القائد الناجح الذي يجلب على نفسه وأمته الخير ويرتفع بهم من علٍ إلى أعلى، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه في تقدير الأمور؛ فإذا رأى في نفسه ضعفاً وعدم قدره في فن القيادة أراح واستراح وأبعد نفسه عن هذا الأمر، وإن وجد في نفسه الكفاءة خاض غمار الأمر ليجلب لنفسه ولغيره الخير العميم، ولا يبخل على شعبه بذلك نسأله تعالى أن يولّي أمة الإسلام القادة الناجحين الأصفياء في ظلّ حكم الإسلام .... آمين يارب العالمين
  9. القول الفصل في وصول الإسلام إلى الحكم الإسلام كاملاً هو الذي يجب أن يصل للحكم ﻻ أن يصل (الإسلاميون) وحدهم بدونه أو به مشروطاً. إن وجود الإسلام في ارض الواقع وحمله رسالة هدى ونور للعالم يتوقف على أمر واحد لا خلاف عليه، ولامناص منه ولا خلاص إلا به وهو السبيل الشرعي الأوحد، هو الحكم بالإسلام كاملا . وعلى هذا مدار النصوص الشرعية القطعية منها والظنية ، وهو – أي الحكم - عروة الإسلام الوثقي والتي إن نقضت ضاعت ونقضت باقي العرى ،مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم : " ‏ ‏قَالَ‏ ‏ لَيُنْقَضَنَّ ‏ ‏ عُرَى ‏ ‏الْإِسْلَامِ ‏ ‏ عُرْوَةً ‏ ‏ عُرْوَةً ‏ ‏فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ ‏ ‏ عُرْوَةٌ ‏ ‏تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ" . ولما كان الحكم بهذه الأهمية في الإسلام، فقد جاءت النصوص الصريحة والواضحة تبين أحكامه وطريقة الوصول إليه. ولم يكن الأمر في الإسلام ارتجالياً أو اجتهادا ًظنيا. ًفالحكم بالإسلام وحده واجب قطعي وطريقة الوصول إلى الحكم أمر ٌنقلي شرعي وليس عقلي ،ولما كان الحكم هو التنفيذ العملي لأحكام الإسلام في ارض الواقع حتى تنتظم به العلاقات في حياة المجتمع داخلياً وخارجيا ًكان لا بد أولاً من الدعوة الفكرية في المجتمع ، وخوض الصراع الفكري بداخله كي يتوحد فكر المجتمع وفق اعتبار واحد وهو أن المصالح التي هي أساس العلاقات لا بد أن يكون أساسها المبدأ، ما يقتضي الحاجة لنظام للحكم لتنفيذ هذا المبدأ ، فالحكم بالمبدأ هي المرحلة المترتبة على إقناع الناس في المجتمع أو الفئة الأقوى في المجتمع بالمبدأ، وضرورة الحاجة إلى الحكم به ، فتبنى القاعدة الشعبية ويهيأ الرأي العام على القبول به بل والمطالبة به ، كحاجة ضرورية وهي الحاجة للحكم بالإسلام. ولن يتأتى ذلك بالنفاق لأهل الحكم، ولا يدعو الإسلام لمشاركتهم في الحكم ، واستجداء بعض المقاعد والوزارات و الادعاءً بأن هذا هو طريق الإسلام إلى الحكم. فهذا هو الزعم الباطل، وهو مخالف للعقل والشرع. وأما انه زعم باطل، فهو يتناقض مع المفاصلة القاطعة التي أوجبها الإسلام على المسلمين، وخصوصاً وهم يحملون دعوته، سافرين متحديين الباطل بكل صوره وأولاها وأجلاها يظهر في الحكم والسلطان. لذلك فإننا لم نجد من رسول اله صلى الله عليه وسلم إلا المفاصلة، والمفاصلة فحسب ، عندما عرض عليه أن يأخذ الحكم والجاه والمال في مكة مقابل أن يكف عن شتم آلهتهم ، وتسفيه أحلامهم ،فلم يقل صلى الله عليه وسلم (وهو وحي يوحى) بأن الفرصة هي أن نتمكن من الحكم مقابل تنازل بسيط، حتى إذا ما اعتلى الحكم فرض نفسه, ليدل ذلك على أن من يتحدى الباطل لا يراوغ ولا يساوم على الحق الذي هو عليه، يظل واضحاً مفاضلاً وبعبارات وأفعال بليغة لم يعهدها البشر حيث قال صلى الله علي وسلم : " والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه " .وهذه هي عين المفاضلة ، فإما المبدأ عيشاً به وحده دون غيره، وحكماً به خالصا ًنقيا،ً وحملاً له رسالة خالدة وإلا الموت، أما مغازلة الشرق والغرب وأوروبا اقرب علينا من أمريكا، وأمير قطر اصدق من ملك الحجاز وبوتن صديق حميم، و اوباما عدو ماكر فهذا هو الاستجداء والميوعة ، وترك للشرعية والمفاصلة المبدئية. وزد على هذا انه قد عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بالإسلام كاملا ولكن بشرط واحد فلم يقبل ذلك قولا واحدا دون أي تردد عن وحي وبينة. فقد قبلت بنو عامر بن صعصعة الحكم كاملا بالإسلام، ولكن بشرط أن يكون لهم الأمر من بعد رسول الله , فأجابهم صلى الله عليه وسلم وهو في اشد الحاجة لهذه المنعة، وفيها جلب اكبر المنافع ودرء اكبر المفاسد, فلم يقبل صلى الله عليه وسلم قائلا بكل صراحة ،وقوة، ووضوح: " الأمر لله يضعه حيث يشاء" . كي يكون هذا نبراسا وشعارا إشعاعا لمن يقتفي اثر محمد صلى الله عليه وسلم من بعده بان الحكم أمر من الله، وهو لله وليس للهوى والمصلحة، بل هو وحي، وشرع، ومفاصلة على ذلك. وأما مخالفة اخذ الحكم مجزوءا للوصول له كاملا للواقع, فانه لا خلاف بين عاقلين بان النقيضين لا يلتقيان في آن, فإما الحق وإما الباطل، وإما النور وإما الظلام، وهما خطان متوازيان لا يلتقيان, وان الإسلام هو وحده الحق، وان ما سواه باطل، ولا يلتقي، ولا يتفق صاحب الحق وهو يحمل حقه على عاتقه مع من يحكم بالكفر وهو يحادد الله ورسوله والمؤمنين,قال الله عز وجل : " لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) " سورة المجادلة. إلا أن يتنازل صاحب الحق عن حقه، وينزل عن ظهر جوداه, وأما قبول بعض الحركات الإسلامية في بعض البرلمانات، فانه فوق كونها لم تطبق في تجربتها شيئا من الإسلام ،وقبلت بدخولها بغير الإسلام، وهذا شنار في حقها، وتطاول على الإسلام, فإنها فوق هذا قبلت باستمرار تطبيق دستور الكفر، هذا مع أنها في بعض الدول لم تتمكن من الوصول إلى البرلمان فقصرت في حق الإسلام، وقبلت أن تصل للحكم وحدها بدون الإسلام , وقبلت أن تمرر على ظهرها المؤامرات, وهذا عين ما حصل مع تجربة (الإسلاميين) في الأردن, حيث مررت اتفاقية وادي عربة الخيانية على ظهورهم، بحجة أن هذا استحقاق ديمقراطي، والمعارضة هي جزء من هذه اللعبة, وهذا هو عينه ما قصدته الدول الكافرة بتجربة إشراك الإسلاميين في المجلس التشريعي في فلسطين، وهكذا ....والآن وبعد الصعود القوي لحركة الصعود الجدّي في حركة الصحوة والاتجاه الجادّ نحو تطبيق جذري شامل صادق للإسلام ودعوة تجوب آفاق الأرض فأدركت وقررت المراكز البحثية بعد استقصاء حركة المجتمعات في العالم الإسلامي وتوقع صعود الإسلام السياسي وضعت التوصيات باللعب في ورقة الحركات المعتدلة وضرب الإسلام ببعض أبنائه ممن استقوا من مشارب الغرب أمثال حركة النهضة في تونس وحركة الإخوان بمصر وقد اشتدت الحاجة لهؤلاء بعد حالة الحراك في الأمة لحرف الثورات المباركة عن جادة الصواب وللحيلولة بينها وبين الوصول إلى التغيير الحقيقي بقيام دولة الخلافة الراشدة وما هجوم راشد الغنوشي المسعور ضد الخلافة وحزب التحرير وما براءة جمهرة من قادة ومنظري الإخوان المسلمين من الخلافة و(طائفيتها ) كما يزعمون وما الدعوة للدولة المدنية الديمقراطية في اغلب المناسبات إلا ضمن هذا الجهد الدولي المسعور في مقابل الدعوة إلى إيصال الإسلام كاملا للحكم لان ما يعنيه وصول الإسلام كاملا للحكم إلا عودة العدل والخير والسعادة للبشرية ما يعني انهيار وتغير موازين القوى بانهيار الرأسمالية كمبدأ وحضارة إمام حضارة الإسلام من خلال النموذج العملي في دولة الخلافة. هذا عدا عما حاكته ونفذته الدول الكبرى من الاتجاه نحو إشراك الحركات الإسلامية (المعتدلة) في الحكم, لتقطع الطريق على الجادين في طريق التغير، والتحرير، والذين لا يقبلون إلا الطريق الشرعي الواضح الذي لا يقبل إلا المفاصلة، والوضوح، ولا يقبل الشراكة مع الباطل والكفر. ومن هذا القبيل كانت ولا زالت الاتصالات مع قيادات من الإخوان المسلمين في مصر, وكانت الحاجة ملحة لإشراك حماس في السلطة, وكان إبراز دور حزب العدالة والتنمية في تركيا كأنموذج للإسلام المعتدل، والذي وصل به الحد إلى مغازلة العلمانيين بل وبالمناداة بالعلمانية, وإبراز حركة النهضة في تونس وإشراكها بقوة في الانتخابات لامتصاص الخير عند الكثيرين ممن انخدع بهم. فهل يقبل المسلمون من أبناء هذه الحركات، والاتجاهات، الولوج في هذه المستنقعات، والتخندق في خنادق أعداء الإسلام وأهله، للحيلولة دون عودته إلى واقع الحياة، والدولة، والمجتمع؟؟؟ لقد بذل الكافر عبر عقود طويلة، وهو يعمل في إيذاء المسلمين من اجل القضاء على نظام الحكم، باعتباره الركيزة المهمة، والتي تقوم عليها حياة الإسلام تطبيقا وحملا, وتحيى به امة، هي به خير امة أخرجت للناس, وقد تحقق له ذلك بهدم دولة الخلافة على يد الخائن مصطفى كمال بمشاركة من خونة العرب والترك, وهو اليوم – أي الكافر – بعد أن رأى عياناً بان دعوة الخلافة أصبحت ملئ الروع والفؤاد في المسلمين فأراد بمكره, أن يضرب هذه الدعوة ليحول دون عودة الإسلام إلى الحكم من جديد, فسعى لإشراك مثل هذه الحركات الإسلامية في الحكم, فما على أبناء هذه الحركات المخلصين إلا أن يأخذوا على يد قادتها، وأن يأطروهم على الحق أطرا، حتى لا يسيروا في ركاب عدوهم، ولا يرضوا بان يكونوا وقودا تصطلي بنارهم أمتهم، ويحال بها دون عودة إسلامهم إلى الحكم, لا بل لا بد أن يسيروا بحق باتجاه تيار الخلافة الجارف والذي بفضل الله لم يبق له إلا إعلان الوصول إلى غاية مسعاه, وعليهم أن لا يقبلوا بإيصالهم إلى الحكم بدون الإسلام, لأنه هو الذي يجب أن يصل كاملا وبدون شرط اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما لم يقبل الحكم بالإسلام كاملا ولكن بشرط.وهذا نص شرعي ولا اجتهاد في مورد النص, وبناء عليه فإن المطلوب شرعا هو أن يصل الإسلام كاملا إلى الحكم وبدون أي شرط, لا أن يصل (الإسلاميون) بدونه, لان وصولهم لا يعني وصولا للإسلام, فهم ليسوا بأفضل من محمد صلى الله عليه وسلم عندما اعتبر وصوله وحده إلى الحكم بدون الإسلام لا يعد وصولا للإسلام. وذلك عندما عرض عليه الجاه والمال والسلطان. حيث اعتبر قبوله لذلك أشد استحالة من وضعهم الشمس في يمينه، والقمر في يساره، لأن في ذلك المساومة على الإسلام، هذا إن كان في مجتمعات بسيطة، وفي كيانات هزيلة، فكيف اليوم ومكر الدول لا يقاس بمقياس، ولا يوزن بميزان. فهل يمكن أن تخدع هذه الدول ويصل الإسلاميون للحكم، وبعدها يخدعون هذه الدول ويطبقون الإسلام، إن هذا لشيء عجاب !!؟؟ . وخلاصة القول هي: لا بد أن يتميز الحق على الباطل ، ولا بد أن يظهر الخبيث من الطيب ، مصداقا لقوله عز وجل : " مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ... " . سورة آل عمران, وأيضا المواربة والمداهنة والتملق ليست من شيم الإسلام في شيء . وهي لا تمت إلى دعوته بصلة، بل هي على النقيض من ذلك، فدعوة الإسلام سافرة متحدية واضحة وفاصلة، مصداقا لقوله عز وجل: " بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) " سورة الأنبياء . ومن ذلك تحذير الله لرسوله وللمؤمنين من بعده حيث قال : " وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) " سورة القلم ، وقوله " وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75) " سورة الإسراء . 1- لقد عرض على الرسول صلى الله عليه وسلم الحكم كاملا بدون الإسلام، ومعه الجاه والمال والنساء فلم يقبل لأنه عبد لله ورسوله ولن يضيعه، ولن يخالف أمره، فهل يقال بعد هذا قول أو يكون بغير هذا قرار أو تبرير ؟؟ وهل هناك أحد أعلم من الوحي أو يعلو بالرأي عليه . 2- لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم بالإسلام كاملا ولكن بشرط عليه بعد مماته لا يجري عليه في حياته إلا انه صلى الله عليه وسلم لم يقبل بذلك ، ولم يفاوض عليه السلام ، حيث كان ردّه قاطعا صريحا مدويا " أن الأمر لله يضعه حيث يشاء " . ليدل ذلك على أن حكما واحدا من أحكام الإسلام ، لا يفاوض عليه ولا يفرط فيه ، إذ دخول الحكم بشرط مستقبلي فيه تنازل عن حكم واحد من أحكام نظام الحكم وهو البيعة ، أو الولاية بالعهد لم يجز فكيف بمن يقبلون أن يدخلوا الحكم بغير حكم واحد من أحكام الإسلام ، آلله أمرهم بذلك أم على الله يفترون ،أم هم أقرب على الله من رسوله !!؟؟. حاشا وكلا بل إن القضية هي ثبات على الحق والوحي وعبادة خالصة لله وحده أو مساومة على دين الله وأحكامه وآياته، والحق أحق أن يتبع قال عز وجل : " لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) " سورة الأنفال ، وقوله : " قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) " سورة يونس. فإلى الحق والى طريق رسول الله في الوصول إلى الحكم وعدم التفريط، ولو بحكم مستقبلي ندعوا المسلمين والحركات الإسلامية لعلهم يرشدون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
  10. أبو الحسن

    الفتنة والبلاء

    الفتنة والبلاء قال تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)) وقال جل وعلا :( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31). فالفتنه والبلاء لفظان لهما معان مشتركه عديدة ، واحد هذه المعاني واكثرها استعمالا هو الاختبار ، وهو المعنى المقصود في موضوع البحث وقد يكون اختبارا بالشر ،والاختبار اشد واقسى عند استعمال لفظة الفتنة منه عند استعمال لفظة البلاء ، وقد ورد هذان اللفظان في الكتاب والسنة بمعانيهما اللغوية المختلفة، وليس لهما اية معان شرعية او اصطلاحية قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35))، وقال :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)). فمعنى ( نبلوكم ) نختبركم، ومعنى (فتنة ) اختبار. عن انس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (ان عظم الجزاء مع عظم البلاء، وان الله تعالى اذا احب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط) وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ان الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه اياها )فمعنى ( البلاء) هنا الاختبار. وكل من يدعي الايمان لا بد وان يختبر بإيمانه في هذه الحياة الدنيا، أي لا بد وان يفتن ويبتلى في منطق ايمانه لإظهار مدى صدقه فيما يدعى قال تعالى:( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2))معناها لا يظن الناس اذا قالوا آمنا أي تلفظوا بكلمة الايمان انهم يتركون من غير فتنة، أي من غير اختبار اذ الخطاب في الآية موجه الى الناس الذين يتقولون بالإيمان، وكلمة الناس تعني كل الناس، لأنه اسم جنس محلى بالألف واللام، فيفيد العموم والاستفهام الوارد في الآية استفهام ( انكاري )، بمعنى النفي فالله سبحانه وتعالى ينفي صحة الاعتقاد بترك الناس الذين يتلفظون الايمان دون اختبار، ومنه فان من يدعي الايمان ويتلفظ مدعيا به عليه ان يعتقد باختبار الله له في ذلك ، فعليه ان يتوقع الفتنة والبلاء في كل لحظة من حياته، فالعبد المؤمن لا يترك سدى بدون امتحان واختبار من الله عز وجل، وقد ورد ان هذه الاية نزلت في مكة بمناسبة قيام الكفار بتعذيب عديد من المسلمين ،منهم آل ياسر وسلمة بن هشام والوليد بن الوليد وعدة من بني مخزوم، فكانت صدور هؤلاء تضيق بتعذيب الكفار لهم، وربما استنكر ان يمكن الله الكفار من المؤمنين ، فنزلت هذه الآية معلمة لهم ان اختبار الله للمؤمنين سنة الله في خلقه، وقال ائمة التفسير، ان هذه الآية وان نزلت لهذا السبب، او ما في معناه من الاقوال فهي باقية في امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، موجود حكمها بقية الدهر، اذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد وردت آيات اخرى ونصوص كثيرة تبين حتمية ابتلاء الله للمؤمنين في هذه الحياة الدنيا ،كما وتؤكد المعنى نفسه الوارد في الآية قال تعالى:( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)). وهكذا فان كل مؤمن مبتلى في هذه الحياة الدنيا، وعليه ان يتوقع الفتنة او الاختبار من الله تعالى في كل لحظة من حياته، وعليه ان يعتقد بذلك اعتقادا جازما لأنه ورد في آيات قطعية الدلالة وبشكل مستفيض لا يترك ادنى شك في صحة دلالتها . والفتنة والبلاء سنة من سنن الكون الذي نعيش فيه كغيرها من السنن الاخرى، مثل الحياة والموت والرزق وغيرها، وهي ليست خاصة بالأمة الاسلامية امة محمد عليه الصلاة والسلام ، بل حصلت مع جميع افراد الامم السابقة وستظل تحصل مع كل واحد ينتسب الى امة الاسلام، وذلك الى أن يرث الله الارض ومن عليها، قال تعالى:( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)) أي اختبرنا من سبقهم من الامم قال الامام البيضاوي رحمه الله (بمعنى انها سنة قديمة جارية في الامم كلها ولا ينبغي ان يتوقع خلافه) وقال تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)) ولفظة ( مثل ) تعني شبه فالمعنى احسبتم ان تدخلوا الجنة ولما تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم او ولما يصيبكم مثل الذي اصاب اللذين من قبلكم من البلاء. ولم يسلم من الفتنه والبلاء احد من المؤمنين السابقين، ولن يسلم احد من اللاحقين حتى الانبياء والرسل لم يسلموا وهم احب خلق الله اليه، ورد في الصحيح من حديث سعد بن ابي وقاص قال : قلت يا رسول الله، أي الناس اشد بلاء ؟ قال ( الانبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وان كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الارض وليس عليه خطيئة) وعن ابي سعيد قال : يا رسول الله من اشد الناس بلاء؟ قال : ( الانبياء قال : ثم من ؟ قال: العلماء قال ثم من ؟ قال : الصالحون) فقد ابتلي ابراهيم عليه السلام خليل الرحمن اشد البلاء، حين امر بذبح ابنه اسماعيل وابتلي بأذى قومه له بالإحراق في النار، كما وابتلي سيد المرسلين محمد عليه الصلاء والسلام، ابتلي بأذى قريش له وتكذيبه وصدهم العنيد عنه، وعن دعوته ومحاربته بالمقاطعة والتكذيب والسخرية والاستهزاء، وتعذيب اصحابه اشد انواع العذاب وبالتآمر على قتله ومحاربته بحد السيف، ورد في الحديث قوله عليه السلام :(....انما بعثتك لأبتليك وابتلي بك.....) كما وابتلي سيدنا ايوب بالمرض، وسيدنا يوسف بامرأة العزيز، وهكذا فالفتنة سنة ثابته لا مناص لمؤمن من وقوعها عليه مهما كانت ايمانه درجة قوة وضعفا. ان ادراك مفهوم (الفتنة والبلاء) وادراك وجوب الصبر عند وقوعها، وما يترتب عليه من فوز في الدنيا والاخرة، ونيل الرضوان كل ذلك يجعل من اسلم شخصية فريدة في كفاحها السياسي ضد الكفر والطاغوت، او ضد اهل الجور من الحكام الظلمة الخارجين عن طاعة الله، وفي الوقت نفسه يجعل المسلم يقظا مستعدا ليوم البلاء، فان حل به لا يعرف الجزع لنفسه سبيلا، بل يصبر ويحتسب ويستبشر بقرب الفوز الكبير، قال عليه الصلاة والسلام في ابتلاء الصالحين(...ولاحدهم كان اشد فرحا بالبلاء من احدكم بالعطاء) وقد ادى ادراك هذا المفهوم، وادراك غيره من مفاهيم العقيدة الاسلامية من قبل صحابة رسول الله الى جعلهم اقوى شخصيات بعد الانبياء والرسل، عرفها الجنس البشري وجعلهم اصلب الشخصيات في صدعها للحق وصراعهم مع الباطل، وقد سطروا في صراعهم الفكري وبعدها الدموي مع قريش سطروا اعظم ملحمة شهدها التاريخ، تحدوا عتاولة مكة واجلافها واستخفوا بهم، وكان الصحابة عزلا لا يملكون من اسباب القوة سوى عقيدتهم الاسلامية البكر الصافية، وقد نقل الينا بطريق التواتر المقطوع في صدقه، انهم اعتنقوا الاسلام وطبقوه وحملوه رسالة عالمية وصبروا وتحملوا المشقة والعذاب والاهوال من اجل ذلك، وكان عملهم وصبرهم خالصا لإرضاء وجهه، فرضي عنهم وارضاهم، فازوا في الدنيا والاخرة ونصرهم نصرا عزيزا مؤزرا ودان لهم القاصي والداني، ولم يمض عصر التابعين وتابعيهم حتى فتحوا معظم العالم القديم وحكموه بالإسلام. وزبدة القول فانه يحرم على شاب الحزب ان يجزع اذا ابتلي يوما بكلاب السلطة وجلاوزتها، ولم يجعل الشارع امامه طريقا الا الصبر حتى لو تعرض الى الاذى البليغ، او الاضرار بالمصالح، بل عليه ان يقف موقف التحدي، فالله لا يقبل منه الدنية ولا يقبل منه المسكنة والاستخذاء، وعليه ان يتخذ من شخصية ابي القاسم الكفاحية، وشخصية صحابته نبراسا يستضيء به على الدوام، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حملوا الرسالة في العسر واليسر، في المكره والمنشط ،حملوها حتى الموت والاستشهاد في سبيل اعلاء كلمة (لا اله الا الله محمد رسول الله )، وهكذا يجب ان تحمل اليوم حتى الموت والاستشهاد، فان حصل البلاء يوما في لقاء المجرمين علينا ان نعيد الى ذاكرتهم العفنة النتنة الصورة الحية لكفاح الرسول عليه السلام، وكفاح صحابته، امثال بلال وياسر وسمية وغيرهم كثير حتى يستيقن هؤلاء المجرمون انه ما زال في العرين اسود لا تهاب الموت ، وانهم مهما حاولوا فلن يطفئوا نور الله قال تعالى:( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)) وقال تعالى: ) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)
  11. العالم الإسلامي والقيادة السياسية ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ منذ أن أطيح بالخلافة الإسلامية في استانبول بعد انهزام دولتها في الحرب العالمية الأولى على أيدي الكفار المستعمرين من الدول الكبرى والأمة الإسلامية ترزح تحت نير حكم الكفر وقوانينه وأنظمته الرأسمالية، التي أخذ الكافر المستعمر يطبقها على المسلمين في شتى أقطارهم ويضع في الوقت نفسه الأقفال على المجتمع في العالم الإسلامي للحيلولة دون عودة الخلافة الإسلامية ورجوع حكم الله في الأرض، حين راح يسيطر على مناهج التعليم وبرامجه ويوجهها حسب إرادته ورغبته بعد أن أقام في هذه الأقطار دويلات عميلة تابعة له في الحكم والسياسة والاقتصاد والثقافة والعسكرية، واحتاط كل الاحتياط كي لا تخرج جزئية من الجزئيات عن نطاق هذه المناهج والبرامج ليخرج الأجيال القادمة بناء عليها لتكون تابعة له فكرياً وسياسياً سواء عن قناعة أو عن انضباع بهذه المناهج والبرامج. وكان من أعظم هذه الأقفال التي وضعها للحيلولة دون رجوع الإسلام إلى مركز القوة للتحكم في العلاقات العامة قفل فصل الدين عن الحياة لإبعاد الإسلام عن رعاية الشؤون وتنظيم العلاقات، أي لفصل الدين عن السياسة أو كما يقولون لفصل الدين عن الدولة ليخرج الأجيال بموجب وجهة نطره الخبيثة الباطلة، وأنزل إلى المجتمع أفكاراً لتثبيتها وجعلها راسخة في المجتمع من مثل قولهم: (الدين لله والوطن للجميع) وقولهم: (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله) وقولهم: (الأديان كلها واحدة فالمسلم أخو النصراني والنصراني أخو المسلم، والمسلم أخو اليهودي واليهودي أخو المسلم، فكلهم مسلمون، منهم من أسلم لله عن طريق اليهودية، ومنهم من أسلم لله عن طريق النصرانية، ومنهم من أسلم لله عن طريق الإسلام لا فرق بينهم أبداً وكلهم مؤمنون(! ومن الأقفال الكبيرة التي وضعها في المجتمع للحيلولة دون عودة الأمة الإسلامية أمة كبرى ودولة كبرى لأن ذلك كامن فيها كمون الشرر في الصوان، وكي لا يرجع الإسلام قيادة سياسية دولية تؤثر في الموقف الدولي، ولتمزيق الأمة الإسلامية وإضعافها بإرجاعها إلى الجاهلية الأولى... فكرة القومية والفكرة الوطنية، مستغلاً بذلك الانحطاط الفكري الذي تعيشه الأمة الإسلامية في شتى أقطارها نتيجة لعوامل فكرية طرأت عليها عبر التاريخ لا داعي لذكرها الآن في هذا المقام... فقد أشاع في الترك من أبناء الأمة الإسلامية فكرة القومية التركية الطورانية، كما أشاع في العرب فكرة القومية العربية القحطانية... بعد أن استطاع قبل قرن مضى سلخ البلقان عن جسم الدولة الإسلامية ببعث فكرة القوميات فيها... فراح كل من الفريقين ينادي بقوميته وبوجوب الانفصال عن الآخر، وقامت في الترك حركات تدعو إلى انفصال الترك عن العرب كحركة الاتحاد والترقي وحركة تركيا الفتاة، وقامت في العرب حركات تدعو إلى انفصال العرب عن الترك، كحزب الاستقلال العربي والجمعية العربية القحطانية وحزب اللامركزية كل ذلك قبل هدم الخلافة والقضاء عليها... وبعد انهيار الخلافة بانهزام الدولة العثمانية ودخول جيوش الدول الكافرة بلاد المسلمين وسيطرتها عليها وتقسيمها فيما بينها، حيث نالت بريطانيا حصة الأسد، راحت هذه الدول الكافرة تركز فكرة القومية والاستقلال وتغذيها وتخرج الأجيال في المدارس والجامعات بناء عليها كي لا تقوم للأمة قائمة، وحتى ترى استحالة توحيدها في دولة واحدة، وأنزلت إلى جانب ذلك فكرة خبيثة لتحويل الأمة عن التفكير السياسي لإرجاع الخلافة وإقامة دولة الإسلام، ألا وهي فكرة أيهما أقرب إلى الوحدة الجامعة العربية أم الجامعة الإسلامية، وأخذت هذه الفكرة دوراً هاماً في تفكير الناس الذين راحوا يتداولونها بين أخذ ورد ردحاً من الزمن دونما أي جدوى. ثم أنزلت بعد ذلك فكرة الوطنية والاستقلال إمعاناً في تمزيق الأمة وإيغالاً في تفريق وحدتها بناء على هذه الأفكار الخبيثة... وراح التفكير العام في المنطقة يتبلور عند الأمة الإسلامية على هذا الأساس رغم احتفاظهم بالإسلام وحرصهم عليه في شتى أقطارهم... وراح أبناء كل قطر ينادون باستقلالهم الوطني فكانت مقاومتهم للاحتلال الأجنبي بناء على هذه الفكرة الخبيثة، فكرة الوطنية والإقليمية الضيفة التي لا تنشأ إلا في المجتمعات البدائية التفكير، إذ يكون الفكر فيها بدائياً منحطاً، فقاتل المسلمون في مصر الإنجليز كمصريين وقاتل العراقيون كعراقيين وكذلك أهل فلسطين وأهل سوريا والأتراك وأهل ليبيا وأهل الجزائر وتونس ومراكش... ولم يخرجوا من كفاحهم هذا وقتالهم بنائل، اللهم إلا تلك الاستقلالات الخبيثة لأقطار المنطقة وأمصارها، التي نراها اليوم تحمل اسم الدولة ولا يكتمل فيها جميعها معنى الدولة، وإمعاناً في التمزيق وحفاظاً على هذه الكيانات الخبيثة المصطنعة راح الكافر المستعمر ولا سيما بريطانيا يربطها بمواثيق ومعاهدات معه، ثم فيما بين بعضها بعضاً كميثاق الجامعة العربية الذي عشش فيه الفساد وباض فيه الشيطان وأفرخ... ولما أحس الكافر المستعمر أن الأمة أخذت تتململ من هذه الكيانات وهذه المواثيق، وراحت تتحسس إسلامها سياسياً لإعادته إلى مركز القوة بإرجاع دولته كي يتحكم في علاقاتها، عمد إلى خدعة أخرى بتقسيم المنطقة إلى وحدات إقليمية وجعل الحكام الذين هم عملاؤه ينادون بإنشاء مثل هذه الوحدات الإقليمية... كالوحدة الإقليمية المغربية والوحدة الإقليمية في وادي النيل والوحدة الإقليمية في الخليج والوحدة الإقليمية في بلاد الشام (الهلال الخصيب) ومجموعة دولة التعاون العربي، ثم عمد إلى خدعة أخرى وهي إنشاء منظمات وروابط على الأساس الروحي كرابطة العالم الإسلامي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وما إلى ذلك من روابط ومنظمات... كل ذلك ليكسب الزمن ويطيل أمد بقائه واستعماره في العالم الإسلامي. وحين أخذ المسلمون يتطلعون في شتى أقطارهم إلى عودة حكم الإسلام وإلى إقامة الخلافة بتنصيب أمير للمؤمنين وخليفة للمسلمين، للخلاص من هيمنة الكفر وأحكامه وأنظمته وقوانينه وسيطرة الدول الغربية الكافرة على بلادهم، وحين راحوا يحاولون الأخذ بحلاقيم جلاديهم من الحكام والمتسلطين على رقابهم والذين أصبحوا لا هم لهم ولا شاغل يشغلهم إلا محاربة الحركة الإسلامية، التي أخذت على عاتقها أن تعيد حكم الله في الأرض امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى... ومطاردة هذه الحركة وضرب حصار النشر عليها وتشويه أفكارها والافتراء عليها استجابة لأوامر أسيادهم في دول الغرب الكافر وحفاظاً على عروشهم وكراسيهم مستخدمين في ذلك كل ما لديهم من وسائل إعلام وأبواق ووعاظ سلاطين ممن يسمون العلماء ومن الحاقدين والمضبوعين بالثقافة الغربية والظلاميين الذين باعوا أنفسهم للشيطان لمهاجمة الإسلام وتشويه أحكامه والافتراء على حملته سياسياً ووصفهم بأقبح ما حلا لهم من نعوت وأوصاف كالمتطرفين والأصوليين والإسلاميين... كي يبرروا أمام الأمة التي ينفرونها منهم بهذه الأوصاف ضرب هذه الحركة المباركة الطيبة، ومنع عودة الإسلام إلى التحكم في العلاقات حين تعود دولته إلى الحياة. حين أخذ المسلمون يتطلعون إلى ذلك سياسياً وأدرك الكفار هذا منهم عمدوا إلى محاولات جديدة خبيثة بإقامة دويلات أطلقوا عليها اسم دولة إسلامية كالتي أقاموها في إيران والسودان، ويحاولون إقامتها في الجزائر ومصر وغيرهما من أقطار المسلمين، لخداع المسلمين وتضليلهم فضلاً عن جلدهم بالإسلام حين تطرح هذه الكيانات الكاذبة الإسلام طرحاً خاطئاً ومجزءاً وتدريجياً، كي ينفروا المسلمين منه بحيث لا يرون حلاً لمشاكلهم إلا بالديمقراطية التي راحوا يتبجحون بها في بعض الأقطار كالأردن ومصر والمغرب والديمقراطية منهم براء... فالمسلمون لا يؤمنون بالديمقراطية ولا بأي شكل من أشكالها لأنها أفكار كفر تناقض الإسلام ناهيك عن أنها طاغوت من وضع البشر، وكل ما سوى الإسلام طاغوت ويحرم على المسلمين أن يتحاكموا إليه أو أن يتحاكموا به. إن الأمة الإسلامية دائبة البحث عن القيادة السياسية الصحيحة التي تقودها في معترك الحياة لتقتعد مكانتها المرموقة بين الأمم والدول، لا بل لتنتزع المكانة الأولى في الموقف الدولي من أيدي الدول الكافرة، كي تأخذ بأيدي الناس إلى الهدى والفلاح وتنقذ العباد من ظلم الرأسمالية وتخرجهم من ظلام الكفر إلى نور الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، أنها بدورها مسؤولة أمام رب العباد عن العباد: )لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(. ووجود هذه الكيانات الهزيلة في العالم الإسلامي يشكل فراغاً سياسياً كبيراً لا يملؤه ولن يملأه إلا الأمة الإسلامية... ولن تستطيع الدول الكبرى ملء هذا الفراغ بتنازعها على المنطقة، فأهل المنطقة هم المسلمون وهم أمة محمد ... فهذه الأمة هي الدولة والدولة هي الأمة... والسلطان هو سلطان المسلمين ولكنه للأسف الشديد قد سرق منهم على غفلة منهم، شاء الله سبحانه أن تنتهي ليستفيقوا منها بإذنه تعالى لاسترداد سلطانهم الضائع وإعادة السيادة لشرع الله تعالى وشرع رسوله الكريم. أما وكيف يكون ذلك فإنه قد أضحى الآن على ظاهر الكف بعد غياب دولة الخلافة تسعين سنة وتخبط المسلمين وتيهانهم هذا الردح الطويل من الزمن ومرورهم بتلك التجارب المريرة من فصل الدين عن الحياة والدعوات القومية والوطنية ودعوات الاستقلال والحرية ودعوات الاشتراكيات والديمقراطية... مما جعل هذه الأمة تنجب من أصلابها الرجال والقادة السياسيين الذين أخذوا على عاتقهم وعاهدوا الله أن يعملوا لاسترجاع القيادة السياسية للإسلام بحمل دعوته في الطريق التي حملها بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالصراع الفكري والكفاح السياسي... وعلى أساس تكتل حزبي سياسي على غرار تكتله ... هذا التكتل هو القيادة السياسية التي ستقود الأمة في الطريق الخطر، في درب العلا والمجد في الطريق إلى الجنة التي وعد بها المتقون. وقد أخذت هذه القيادة السياسية على عاتقها أيضاً تثقيف المسلمين بالإسلام سياسياً لتكون السياسة خبزهم اليومي والهواء الذي يستنشقونه في كل لحظة واللبن الذي يرضعونه أبناءهم صباح مساء... حتى تتكون عندهم أفكار الحكم والسلطان وحتى تتملكهم ليعيشوا بها ولها ومن أجلها كي توجد بذلك التربية التي تنبت رجال الدولة، لا بل الحشود الحاشدة من رجال الدولة كما كانت هذه التربة في عصر النبوة والخلافة الراشدة وفي عصور دولة الإسلام حتى آخر خليفة عثماني، إذ كيف يمكن أن تتملك المسلمين اليوم أفكار الحكم والسلطان وهم لا يرون الحكم إلا وظيفة ولا يرونه مسؤولية، وكيف يمكن أن تقودهم أفكار الحكم والسلطان وهم لا يرون الحكم إلا إرضاء للدول الكبرى وطاعة لها لا مزاحمة لها وانتزاعاً للسيادة منها، وكيف يمكن للمسلمين أن يفكروا سياسياً وهم لا يتغذون الأفكار السياسية وأفكار رعاية الشؤون وقيادة الأمم والمسؤولية عن الناس. فكيف ستنشأ دولة الإسلام والقناعات والمقاييس والمفاهيم عند المسلمين ليست قناعات الإسلام ومقاييسه ومفاهيمه! فلا بد إذن من بعث القناعات والمقاييس والمفاهيم الإسلامية عند المسلمين وإزالة الأتربة عن بذرتها وهي العقيدة وعزق التربة من حولها وتنظيف الجذور التي ما زالت موجودة والحمد لله وتعهدها بالرعاية والسقاية والعزق حتى تتصل اتصالاً وثيقاً بالبذرة أي العقيدة... وعندئذ ستنبت دولة الإسلام نباتاً طبيعياً... فيخرج ساق شجرة الإسلام أي دولته ثم تنبثق الأغصان وتورق ليستظل المسلمون بظلها، فالبذرة هي عقيدة الإسلام والجذور أفكارها الرئيسية والساق دولة الإسلام والأغصان والأوراق حضارته، أما الفئة التي أخذت على عاتقها عملية الرعاية والتعهد للبذرة والجذور فإنها هي القيادة السياسية المبدعة التي نشأت من صفوف هذه الأمة الكريمة، وهي التي ستعمل على إيجاد رجل الدولة بعد إيجاد التربة التي ينبت فيها. فالدولة كيان تنفيذي لمجموعة من القناعات والمفاهيم والمقاييس التي تقبلتها مجموعة من البشر... وكي توجد الأمة رجل الدولة، لا بل الحشود من رجال الدولة لا بد لها، وهذا هو حالها اليوم من الضعف والتروي والتخلف والتمزق والتبعية أن تعي الأفكار التي تنبت هؤلاء الرجال الذين يتمتعون بعقليات الحكم وعقلية رجل الدولة. ولا بد هنا من أن تدرك الأمة الإسلامية إدراكاً واعياً أن رجل الدولة ليس هو الشخص الذي يتسنم منصب الحكم أو أعلى منصب فيه كرئيس للدولة أو خليفة للمسلمين، وأن منصب الخلافة يقتضي أن يتولاه رجل دولة. ولما كان واقع الأمة الإسلامية اليوم أنها لا تملك التربة التي تنبث رجل الدولة لأن هذه التربة زالت بزوال دولة الخلافة، فأصيبت الأمة بقحط شديد في رجال الدولة فضلاً عن القحط في الرجال، وصار وجود رجل الدولة بين المسلمين أندر من الكبريت الأحمر كما يقولون. لأن الأمة التي ينبت فيها رجل الدولة هي الأمة التي تتمتع في حياتها العملية العامة والخاصة وفي علاقاتها داخلياً وخارجياً بأفكار الحكم والسلطان كما أسلفنا في هذه العجالة، ويتملكها إحساس بمسؤوليتها عن البشر في رعاية شؤونهم وإسعادهم أو يسيطر عليها الإحساس بقيمتها الذاتية بين الشعوب والأمم فتندفع بهذه الأحاسيس وبهذه الأفكار إلى اقتعاد مقام سام في العالم كغيرها من الأمم الكبرى، لا بل إلى تسنم المكانة الدولية الأولى لقيادة العالم كله وفرض نظامها العالمي وهو نظام الإسلام عليه لإنقاذه من الشقاء الذي يتردى فيه اليوم. لذلك بات لزاماً على الأمة الإسلامية اليوم وهي ترى واقعها المرير الذي تتردى فيه في مجالات حياتها أن تعمد على الفور إلى التفكير في هذه التربة التي تنبت رجال الدولة فتباشر بتلقي ثقافة الإسلام تلقياً سياسياً مبتدئة أولاً وقبل كل شيء بعقيدتها العقلية أي بفكرتها الكلية عن الوجود باعتبارها فكرة سياسية لا فكرة روحية فقط. فشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، عقيدة سياسية لها مدلولها في الذهن وفي واقع الحياة، فلا معبود في الأرض ولا في السماء إلا الله وحده: )وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ(، وهو وحده سبحانه المتحكم بمصائر الخلق والوجود، وشريعته التي جاء بها رسولها الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله هي وحدها التي يجب أن تتحكم في علاقات العباد وهي وحدها التي يجب أن تظهر وتعلو في الأرض: )وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ(، ثم بما ينبثق عن هذه العقيدة من أفكار سياسية لرعاية الشؤون وما يبنى عليها وسائل وغايات... ومتى بدأ ذلك تكون التربة قد أصبحت خصبة بالرجال وتصير منبتاً طبيعياً لرجل الدولة، وهذا الإنبات لرجال الدولة لا يحتاج إلى قرون كما يتوهم الكثيرون حتى ولا إلى عشرات السنين، وإنما الأمر يقتضي فقط أن تبدأ الأمة بتلقي هذه الثقافة السياسية بوعي وشغف تلقياً فكرياً منتجاً، فمن فتح الله عليهم من أبنائها المخلصين الواعين الذي حملوا دعوة الإسلام بطريقها السياسي كما حملها من قبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم -وكما حملها صحابته الكرام رضوان الله عليهم فطويت الأرض تحت سنابك خيولهم فبلغوا مشارق الأرض ومغاربها في ومضة من ومضات الزمن وحينئذ قد ينتج هذا التثقيف في بضع سنين بإذن الله، وقد ينتج في مدة أطول من ذلك إذ الأمر كله بيد الله وحده... إلا أنه سينتج على يد الجيل نفسه الذي يقوم بعملية التثقيف السياسي هذه في الوقت الذي يقوم فيه بدور القيادة السياسية المبدعة أي الحزب السياسي المبدئي القائم على الفكرة الإسلامية بشكل تفصيلي المدرك لما يجب هدمه ولما يجب بناؤه. هذه هي القيادة السياسية التي يحتاج إليها المسلمون اليوم ويتعطشون لرؤيتها والانقياد إليها وهذا هو رجل الدولة الذي يجب أن يقود هذه القيادة السياسية ويقود الأمة وليست هذه الكيانات الهزيلة المسخ القائمة في العالم الإسلامي ولا هؤلاء الحكام الفسقة الفجرة زبانية الكفر وجلادي الأمة حتى بات الناس يطلقون عليهم أنهم حراس سجون وليسوا رعاة شؤون، وقد بان أمرهم للناس وانكشف عوارهم ولم يعد دجلهم ولا أخاديعهم تنطلي على المسلمين. فرجل الدولة هو القائد السياسي المبدع الذي ينبت نبتاً طبيعياً في الأمة كما نبت رجال الدولة من قبل كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وأبي عبيدة والزبير وطلحة وعمر بن عبد العزيز وهشام وعبد الملك والمعتصم وعبد الحميد، وليس هو الذي أوجدته الانتخابات أو نصب بانقلاب عسكري أو فرضته أمواله أو عشيرته... ولهذا ندعوك أيتها الأمة الإسلامية الكريمة إلى أن تنهضي عجلة للعمل مع هذه القيادة السياسية المبدعة بتلقي ثقافة الإسلام تلقياً فكرياً سياسياً منتجا، متخذة الإسلام طريقة للتفكير في الحياة، محكمة الأحكام الشرعية مقياساً للأعمال في حياتك اليومية الخاصة والعامة، لتنفضي عن وجهك غبار القرون وتزيحي عن كاهلك عبء هذه الطواغيت التي نصبها الكافر المستعمر حكاماً لك في غفلة منك، ولتعيدي أمجاد إسلامك بالعمل مع هذه القيادة لإقامة دولة الإسلام التي تحكم بشرع الله تعالى وبهدي نبيه الكريم، واعلمي أن الله ناصرك ومؤيدك ومحقق لك وعده لقوله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، ولقوله تعالى أيضاً: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، فإلى دولة العز والتمكين، دولة الخلافة الراشدة ندعوكم أيها المسلمون.
  12. بسم الله الرحمن الرحيم الصعوبات والمخاطر عند قيام الخلافة إن ساعة النصر أزفت , وإن التاريخ دار دورته, وعكس توجه, وأصبحت الرياح مؤاتيه للتغير, وأصبحت الخلافة قائمة, تهتف بها الحناجر , وتشتاق لها النفوس, ويغذ المؤمنون المخلصون السير في طلبها فهي تحتاج إلى الإعلان عندما يأذن الله عز وجل بنصره. فالمطلوب منا جميعا أن نغذ السير ونضرب القدم في الأرض بقوة وثوقا بما عند الله عز وجل من جميل وعده بالنصر، قال تعالى:( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ )(48) الطور .وقال جل من قائل:(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ )(60) الروم. وهذا يقتضي أيضا أن تجاهد النفس, وان تتخذ قضية إعادة الخلافة, قضية مصيرية يتخذ حيالها إجراء الحياة أو الموت , وان يجعل الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه, وإقامة الخلافة الراشدة الثانية, والجهاد لنشر الدعوة في ربوع الأرض في رأس سلم القيم عند شباب الدعوة فيتحلوا بالإخلاص الذي يجعل كل فرد منهم, لا يشرك مع هذه القيم شيئا من الدنيا, ولا ينشغل بفسافس دنيا زائلة قال تعالى :( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (24(التوبة. إن على شباب الدعوة أن يعلموا أن صعوبات العمل وعقبات الطريق هي من لوازم الدعوة, وهي سنة الله سبحانه في الدعوات والتغيير, هذا ينطبق على ما واجهناه وما نواجهه ألآن وما سنلقاه في المستقبل القريب عند إعلان الخلافة , فطريق الخلافة محفوف بالمخاطر والصعوبات والأشواك, وهو يتطلب تقديم المهج والأرواح, فالحكم دونه الرقاب والحياة في دولة الخلافة أول قيامها, ليست كما يظن البعض أنها استمتاع بالطيبات, ورغد ورفاه, بل حتى تصل الخلافة للتمكين في الأرض, والاستقرار التام الذي ينعم فيه المسلمون بالأمن والاستمتاع بالطيبات, لا بد أن يمر المؤمنون فيها بالخوف والزلزلة, والتضحية بالمال والنفس, فتستهدف النحور وتفنى الأموال مقابل جنة عرضها السماوات والأرض , فآية التمكين نزلت في المدينة بعد سنوات والصحابة ينامون في السلاح هذا ما سيبايع عليه أنصار اليوم وما سيقدمه الرجال السابقون في هذا الزمان. وإذا أخذنا بعض المحطات التي مرت بها دولة الإسلام والمؤمنون حتى مكن الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمسلمين يتبين ما قد نمر به, وما يجب أن تعد له النفوس:- 1) المهاجرون:- لقد دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة إلى المدينة المنورة التي ستقام فيها دولة الإسلام, فلبوا وتركوا الأهل والمال والتجارة والأرض, ابتغاء مرضات الله , فخرجوا خائفين يخافون أن يتخطفهم الناس, فربح بيعهم في الدنيا والاخره. قال تعالى: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (26) الانفال. 2) الأنصار:_ فقد استعد الأنصار لنهكة الأموال وقتل الأشراف, هذا ما بايعوا عليه, فأوفوا بعهدهم مع الله فاقتسموا أموالهم وأزواجهم مع إخوانهم المهاجرين, في مؤاخاة قل نظيرها في التاريخ, وأكلت الغزوات المتلاحقة والسرايا أموالهم حتى قال بعضهم نجلس على أموالنا فنصلحها, فانزل الله سبحانه قراّنا يحذرهم فيقول: ( وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (195)البقرة. وقتل منهم في معركة واحدة ما يقارب الستين, وقتل أشرافهم , فهذا سعد بن معاذ يجود بنفسه بعد أن أصيب في معركة الخندق قال تعالى:( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا )(23) الاحزاب. 3) تعرض الدولة الإسلامية للإزالة من الوجود:_ فقد تعرض كيان الدولة كله للفناء في معركة الأحزاب, ورأوا الموت مرات, وهم ثابتون كالجبال الراسيات لا يقبلون بالدنية والضعف, فيجيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفض على عرض فيه التخفيف عنهم وكسر شوكة عدوهم المتحالفين ضدهم من الأحزاب قائلين له:" يا رسول الله قد كنا نحن و هؤلاء علي الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون منا تمرة الا قرى "ضيافة" أو بيعا أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له و أعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله مالنا بهذا حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لسعد فأنت وذاك وشق الصحيفة وكفى الله المؤمنين القتال. 4) الاحتكام لشرع وان خالف الأهواء:_ فقد صبروا على طاعة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم, واستجابوا لأمر الله سبحانه وان كان ذلك صعب على نفوسهم, فقد اعتادت عادات وتقاليد وأعراف ومفاهيم جاهلية, ولكنهم قالوا سمعنا واطعنا, وانتهينا يا رب عن كل محرم, فكانوا حقا مؤمنين قال تعالى :( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) (65) النساء. فحق لهم صحبه النبيين قال تعالى :( وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (69) النساء. 5) خطر المنافقون:_ فقد عرفوا خطر المنافقين, وانهم الأعظم خطرا على كيان الدولة , وعلى وحدتها واستمراريتها قال تعالى) : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (4) المنافقون. فكان عمل المنافقين الهدم والتخريب, والإرجاف والتوهين وإثارة الفتن, والقلاقل والإضرابات, والتشكيك, والاستهزاء , والتآمر على الدولة, والإصابة والنيل من شخص الرسول صلى الله عليه وسلم , وموالاة الكفار والتحالف معهم . وقد كشفهم الله عز وجل في عشرات الآيات من القران الكريم وقد افرد لهم سورة في القران اسمها سورة "المنافقون" لعظم خطرهم , ففضح أمرهم في مواطن كثيرة في الأحزاب وبني المصطلق و تبوك و غيرها الكثير . لذلك تنبه الجميع لهذا الخطر, واستعدوا له , وامتاز الجميع بالحيطة والحذر, فكانوا جميعا على ثغرة من ثغور الإسلام, لا يؤتين من قبلهم. هذه بعض المحطات التي مرت بها دولة الإسلام والمؤمنين فيها, وهو ما نتوقعه اليوم, بل إن دول الكفر قد تنبهت لدولة الإسلام وهي تعمل جاهدة على أن تقتلها في مهدها, وهذا يجعلنا ندرك صعوبة المرحلة, وإننا بحاجة لأعداد الجبهة الداخلية جيدا في دولة الإسلام, وان نستخدم طاقات الأمة جميعها, بل ان نزج الأمة الإسلامية في المعركة مع هذا الكافر من اول يوم ,ونحن أيضا نضيف إلى ما مر مع الدولة الإسلامية الأولى أمر هاما ,وهو الاختلاف في الآراء والاجتهادات والفهم اليوم, وهو ما لم يكن في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يدير الدولة . وعليه فنحن هنا لا نقيم وزنا إلا لمن حمل فكرة الإسلام ويعمل لها من المسلمين وهم على ضربين :- الأول:- يحمل برنامجا مخالفا للإسلام, يقبل فيه بتحكيم الكفر, وعدم تطبيق الإسلام, وإشراك المخالفين للإسلام المبغضين له في الحكم عدا عن ارتباط هذه الجماعات المباشر وغير المباشر بالدول القائمة في العالم, فهؤلاء لابد من كشفهم, وتعرية مواقفهم المخالفة للإسلام, ولا يقبل مشروعهم, ويكشف ارتباطهم بالدول , ولا يسمح لهم بالمشاركة في الحكم. الثاني:- من يحمل برنامجا غير واضح للتغير على أساس الإسلام وهم من المؤمنين الأتقياء, العلماء, المجاهدين, فهؤلاء يناقشون بحوار هادئ, يبين لهم المنهج الذي نقوم عليه, وانه مستمد من كتاب الله عز وجل وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم وما ارشدا إليه من إجماع وقياس, ونعمل لكسبهم واستمالتهم, بكل الطرق والأساليب الشرعية المناسبة , ويمكن أن يشركوا في الحكم, وان يشاركونا مناقشة الدستور على أساس قوة الدليل. أيها الشباب المخلصون اعلموا أننا مقبلون على مرحلة لا تقل صعوبة عما نعيشه اليوم فإننا والله بحاجة لرجال أشداء, وحملة دعوة يحملون اللواء من جديد, يقدمون الغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله. فهذه المرحلة لا تقبل بأعضاء شرف ولا بأناس يقومون بالأعمال معذرة إلى الله سبحانه, بل برجال يشرون أنفسهم ابتغاء مرضاة الله سبحانه, يقبلون على أعمالهم مهللين مستبشرين بنصر الله ورضوان من الله اكبر. اللهم أكرمنا بنصرك وبعونك وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين وأخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين .
  13. دروس من قصة موسى في القرآن: الاستخلاف في الأرض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. فرعون هو الشخصية الشريرة الرئيسية في قصة موسى عليه السلام، وقد اقترن ذكره في القرآن مع سيدنا موسى، يقول تعالى: (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، ولم يقل من نبأ "موسى وهارون". لأن دور فرعون في القصة أكبر من دور هارون. والقرآن الكريم يعطي كل شخصية دورها المناسب في القصة بالقدر الذي تلعبه في القصة والذي لعبته في الحياة. وقد تردد ذكر فرعون في القرآن الكريم أربعاً وسبعين مرة، بينما ذكر القرآن هارون عشرين مرة فقط، مع أنّ هارون عاش مدة طويلة بعد غرق فرعون وشارك موسى في قيادة بني إسرائيل. وتلك الأهمية التي يضفيها القرآن على فرعون مرجعها لكونه رمزاً لكل حاكم مستبد يصل به استبداده إلى ادعاء الألوهية وإهلاك نفسه وتدمير شعبه، وهو رمز الكفر والطغيان في كل زمان ومكان فقد وصف سيدنا محمد أبا جهل بأنه فرعون هذه الأمة، أما فراعنة هذا الزمان فهم حكام الشرق والغرب. والقرآن الكريم يؤكد على جانب العبرة في قصة فرعون حين يقول عنه: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى). وسنركز في هذه الكلمة على قضية استخلاف بني إسرائيل في الأرض. قضية الاستخلاف تدور حولها حتى الآن علاقات الدولة وصراعاتها، فكل دولة قوية تطمح في السيطرة على محيطها وتوسيع مجالها الحيوي، وإذا كانت قوية جداً طمحت في السيطرة على العالم واتسع مجالها الحيوي بقدر قوتها وأطماعها. وفي عصر فرعون كان العالم المعروف محصوراً في مصر وما حولها، ولذلك فإنّ فرعون حين علا نفوذه في مصر فإنه علا في الأرض: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ)، أي كانت مصر وقتها تمثل (الأرض) كلها ، ومن يعلو شأنه في مصر فقد علا شأنه في الكوكب الأرضي كله. وكالعادة السيئة لأغلبية البشر فإن فرعون ترجم قوته إلى ظلم، ولم يحصن قوته بالعدل، لذا أضاع نفسه ودولته وبقي عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!! يقول تعالى: (لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ). لقد تسلط فرعون بكل قوته على طائفة استضعفها من رعاياه يذبّح أطفالهم ويستحيي نساءهم ليبدأ أول عملية تطهير عرقي في التاريخ الإنساني، والقرآن يعبر عن نفسية فرعون – وكل حاكم ظالم دموي – حين يقول: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ)، أي لم ينظر إلى سكان مصر على أنهم فريق واحد، بل جعلهم طبقات ودرجات وشيعاً، وجعل طائفة منهم في الحضيض، أعداءً له، وقارن بين قوته وقوة تلك الطائفة من رعيته "فاستضعفهم" وحين استضعفهم انطلق يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، أي نظر إليهم وهو الفرعون نظرة العدو وتسلط عليهم ليبيدهم، ولو لم يستضعفهم ما جرؤ على اضطهادهم، إذن غرور القوة والتفوق دفعت فرعون للظلم العاتي ولم يدرِ أنه بذلك قد دخل في مواجهة مع الله تعالى المنتقم الجبار الذي يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. وذلك الدرس الأهم الذي ينبغي أن يعيه حملة الدعوة من قصة فرعون المذكورة في القرآن والتوراة. إنّ الظالم يقضي على نفسه في النهاية، ويأخذ معه في الهلاك كل من أيده وسار معه، والله تعالى يعلن أنه الذي يتدخل في إهلاك الظلم إذا لم يسلط عليه قوة أخرى، ولذلك فإن الآية القرآنية التي تتحدث عن استضعاف فرعون لطائفة من رعيته تأتي بعدها الآية التي تقول: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ). أي معنى أن يكونوا وارثين أن يرثوا ملك فرعون بعد هلاك فرعون، وهذا هو معنى التمكين هنا. فالتمكين في الأرض هو الاستخلاف، وذلك يعني أنّ الله مكن لفرعون في الأرض فطغى وبغى فأهلكه الله ومكّن للمستضعفين بعده، فالاستخلاف في الأرض له مسؤوليته في إقرار العدل وإحقاق الحق ومنع الظلم، وإلا تلاشت الدولة القوية وانتهت وانتقلت إلى متحف التاريخ. وموسى حين قال لقومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) ردوا عليه يشكون الظلم الذى حاق بهم: (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) فطمأنهم وبشرهم بالتدخل الإلهي الذى يجعلهم مستخلفين بعد هلاك فرعون: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ) وأوضح لهم مسؤولية الاستخلاف التى أضاعها فرعون بظلمه، وأنّ الله جل وعلا سيختبرهم باستخلافهم بعده: أضاعها فرعون بظلمه ومنحها الله بني إسرائيل حيث قال في آخر الآية (فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ). أي أنّ الاستخلاف ليس مطلقا لأية طائفة، وإنما هو بشروطه، وإذا كان بنو إسرائيل هم المرشحون للاستخلاف بسبب صبرهم على ظلم فرعون، فإن ذلك الاستخلاف لهم مرتبط بنفس الشروط وهي العدل ومنع الظلم. وانتهت القصة كما نعرف بهلاك فرعون ونظامه وانتصار بني إسرائيل ليس بقوتهم وإنما بضعفهم وبصبرهم على الظلم وفرارهم من الظالم العاتي الطاغية الذى استحق انتقام العزيز الجبار، ويقول تعالى عن تحقيق وعده لهم بالاستخلاف بعد فرعون: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)، لقد نصر الله بني إسرائيل لأنهم كانوا مستضعفين، ولأنهم صبروا. ومن بين الإمبراطورات الكثيرة التي طغت فأهلكها الله تظل قصة فرعون وبني إسرائيل قصة فريدة، ليس فقط لأنها أقدم قصة في الظلم والاضطهاد، ولكن أيضاً لأن العنصر القوي الظالم كان بالغ القوة عنيف الظلم ولأنّ العنصر الضعيف كان بالغ الضعف لا يملك من أمره شيئاً، يقول تعالى: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ" فقد وقع على بني إسرائيل أشد صنوف العذاب ومن ضمنها قتل ذكورهم وإبقاء نسائهم أحياءً للخدمة والمتعة، ثم أتت القوة الإلهية لتنحاز إلى جانب المظلوم الذي وقف يواجه الظلم بالصبر والصلاة. ففي مواجه الطغيان الفرعوني وقف موسى يوصي قومه بالصبر والتوكل على الله، وقد كانوا عزلاً من كل قوة إلا الصبر والصلاة: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). وحين تطرف فرعون في اضطهادهم لم يعد بوسعهم الصلاة جهراً فاضطروا الى الصلاة خلسة في بيوتهم وتحولت صلاتهم الى سلاح يوجهونه ضد فرعون يستعينون على مقاومته بالدعاء عليه ـ فاقترنت الصلاة بالصبر و التحمل والدعاء على الظالم الطاغية. ومن هنا ارتبطت صلاة المظلومين من بني اسرائيل بالبشرى لهم بقرب الفرج و تحقيق الانتصار على الطاغية . نفهم هذا من قوله تعالى :(وأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي جاءت البشرى مع الصلاة. واقترنت الصلاة أيضاً بدعاء موسى وهارون على فرعون: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) واقترنت الصلاة والدعاء باستجابة إلاهية سريعة :(قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) وتحققت الاستجابة فى غرق فرعون وملكه وجنوده: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، فالله تعالى يستجيب دعوة المظلوم ويهلك بها الظالم. إذن انتصر موسى وقومه على فرعون بالصبر والصلاة ، لذا كانت الوصية الذهبية لبني إسرائيل "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ" ونفس الوصية الذهبية لنا نحن المؤمنين المتمسكين بالقرآن المستضعفين في الأرض (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين) أي أننا في هذا الزمان مطالبين بالتزام أمر الله والثبات على الحق وحمل الدعوة بكل ما أوتينا من قوة وأتيح لنا من وسائل فالله تعالى حتماً ناصرنا ما دمنا على ذلك. ونعود إلى فرعون وطغيانه لنعرف كيف أصابه الله في مقتل، فقد تحولت عناصر الاستخلاف والقوة التي منحها الله إياه إلى عناصر إهلاك لفرعون، حيث أنّ ثروة فرعون تمثلت في الأرض الزراعية المصرية، وتتركز تلك الثروة في نهر النيل الذي صارت به مصرُ مصراً، وقد وقف فرعون يتباهى بقوته وثروته (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ)، فقد اعتبر فرعون أنهار مصر ومياهها مسخرة له!! وبإرادة الله الواحد القهار جعل نهر النيل يعمل ضد فرعون ويتآمر عليه، حدث ذلك مع قيام فرعون في اضطهاد بني إسرائيل وذبحه لأطفالهم، عندها أمر الله النيل أن يحمل التابوت وفيه موسى رضيعاً إلى قصر فرعون ليقوم فرعون نفسه بتربية موسى ورعايته، ثم واصل النيل مؤامراته ضد فرعون فحمل إلى فرعون وآله الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وكانت تلك مجرد انذارات فلما لم يتعظ بها فرعون وآله كان غرقه أخيرا في اليم! والذي نريد التذكير به أنّ نهر النيل كان نعمة من الله لفرعون فلما طغى تحولت النعمة إلى نقمة، وكفران النعمة هو أسرع الطرق لفقدانها، والله تعالى يقول: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ). الخلاصة: لقد تضمنت قصة موسى عليه السلام في القرآن الكريم في أحداثها المختلفة ووقائعها المتعددة جملة من الدروس والعبر والعظات، نقف عليها فيما يلي: أولاً: إنّ قصة موسى عليه السلام -وكذلك قصص غيره من الأنبياء- تدعو كل مسلم في كل زمان ومكان إلى المداومة على ذكر الله تعالى في كل موطن بقوة لا ضعف معها، وبعزيمة لا فتور فيها، وأنّ الله سبحانه إذا أراد أمراً هيَّأ أسبابه، ويسر له وسائله، وأنّ رعايته إذا أحاطت بعبد من عباده صانته من كل أعدائه، مهما بلغ مكر هؤلاء الأعداء وبطشهم. ثانياً: إنّ سنة الله اقتضت في هذه الحياة أن تكون (الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) مهما طال الزمان وبلغ الظلم منتهاه. ثالثاً: منطق الطغاة في كل العهود أنهم يلجؤون إلى قوتهم المادية؛ ليحموا عروشهم وشهواتهم وسلطانهم، ففي سبيل هذه الأمور كل شيء عندهم مباح ومستباح. وشأنهم في كل عصر ومصر أنهم عندما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم، ويكشف عن ضلالهم وكذبهم، يرمون أهله -زوراً وبهتاناً- بكل نقيصة ووضيعة، حيث يقول الله تعالى على لسان فرعون: (إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) ويقول: (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ). رابعاً: إنّ الطغاة والظلمة في كل زمان ومكان يضربون الحق بكل سلاح من أسلحتهم الباطلة، ثم يزعمون بعد ذلك أمام العامة والبسطاء المغلوبين على أمرهم، أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل الحرص على مصالحهم! يقول الله تعالى على لسان فرعون: (قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ). خامساً: إنّ من عادة الطغاة أن يستخفوا بأتباعهم، ومن عادة الأتباع أن يطيعوا سادتهم وكبراءهم، ويتابعوهم على باطلهم وما يزينون لهم من الأعمال ويصل الأمر إلى أن يفرض الطاغية على الأتباع طريقة التفكير، يقول الله تعالى على لسان فرعون: (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ويقول: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ). سادساً: إنّ الباطل قد يسحر عيون الناس ببريقه لفترة من الوقت، وقد يسترهب قلوبهم لساعة من الزمان، حتى ليخيل إلى الكثيرين الغافلين أنه غالب وجارف، ولكن ما إن يواجهه الحق الهادئ الثابت المستقر بقوته التي لا تُغَالب، حتى يزهق ويزول، وينطفئ كشعلة الهشيم، وإذا بأتباع هذا الباطل يصيبهم الذل والصَّغار، والضعف والهوان، وهم يرون صروحهم تتهاوى، وآمالهم تتداعى، أمام نور الحق المبين. سابعاً: إنّ موقف الدعاة إلى الحق في كل العهود أنهم لا يلقون بالاً لتهديد الظالمين، ولا يقيمون وزناً لوعيد المعاندين، بل يمضون في الطريق غير هيَّابين ولا وجلين، مستعينين بالله رب العالمين، ومسلِّمين قيادهم لأمره وقدره ومشيئته، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، وإنّ الدعاة إلى الحق يحتاجون في مقاومتهم لأهل الباطل إلى إيمان عميق، واعتماد على الله وثيق، وثبات يُزيل المخاوف، ويطمئن القلوب إلى حسن العاقبة. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
  14. أبو الحسن

    فصبر جميل والله المستعان

    بسم الله الرحمن الرحيم فصبر جميل والله المستعان الرجاء من الله لا ينقطع الإنسان بكونه كائناً اجتماعياً يحب ويكره ، ويفرح ويحزن، ويرجو ويأمل، ويرضى ويغضب. فلا يبقى على حال، بل هو تارة في حال وأخرى بغيره. فكان لا بد من وجود قاعدة تضبط حاله، وتحدد له مقاييس ومعايير لفرحه وحزنه ورضاه وغضبه. فكانت العقيدة الإسلامية القائمة على الإيمان بالله ابتداءً. ومبني على هذا الإيمان قواعد ومفاهيم مثل الرزق والأجل والنصر، فكانت هذه العقيدة والمفاهيم المنبثقة عنها ضوابط لسلوكه ومقاييس ومعايير يتقيد بها، بغض النظر عن حالته في ظرف معين. ومن هذه المفاهيم دوام الرجاء ونبذ اليأس والقُنوط. واليأس في اللغة هو القُنوط أو انعدام الرجاء، وهو حاله يصل إليها الإنسان، أو يوصله غيره إليها، فإذا لم يحصل الرجاء، أو انعدم الرجاء وجد اليأس قطعاً، وأقول هنا قطعاً لأن وجود الرجاء عند الإنسان ينفي وجود اليأس. فالمؤمن يرجو الله في البلاء ويحمده في الرخاء، قال تعالى: (( أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ويرجون رحمته ويخافون عذابه)). أما غير المؤمن فإن نهاية الدنيا في نظره هي خسارته، أو فقده لولد أو حبيب، وتتوقف الدنيا بنظره فيملها أو تمله…وقد ينتحر. أما المؤمن فيقابل ذلك بالصبر والرجاء. قال تعالى مبيناً حال المؤمن والكافر : ((وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)). ولنا في يعقوب عليه السلام الأسوة الحسنه في دوام الرجاء والثقة بوعد الله؛ فقد ضاع ولده يوسف … وانقطع خبره سنواتٍ وسنوات، ثم لحقه أخوه، فقال يعقوب لبنيه: ((إذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه، ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)). إذهبوا إلى مصر ... وما أدراك ما مصر، ليبحثوا عن شخص أضاعوه طفلاً فكبر وتغيرت ملامحه وسماته، ولا يعلمون أين هو؟ فهم كالباحث عن محمد اليوم في الحجاز وما أكثرهم!! ولكن حبل رجاء يعقوب بربه لم ينقطع ((إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)). فالموضوع هو الرجاء ونبذ اليأس وهو بارز في مواقف يعقوب عليه السلام في سورة يوسف، وقد نزلت السورة بمكة، وكان فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكة في ذلك الوقت تعج بالمشركين المبغضين و المتربصين بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه ومن آمن معه. والوقت زمان ماتت فيه حبيبته صلى الله عليه وسلم، ومات عمه. فهي أحرج الفترات و أشقِها في تاريخ الدعوة، فبعد موت أبي طالب، وجرأة المشركين على ما لم يكونوا ليجرئوا عليه في حياة أبي طالب. وقد بلغت الحرب عليه وعلى دعوته أقسى وأقصى مداها. وتجمدت الدعوة حتى ما يكاد يدخل في الإسلام أحد من مكة وما حولها. في تلك الفترة الحرجة نزلت هذه السورة، في الوقت الذي كان رسول صلى الله عليه و سلم يعاني الوحشة والغربة و الانقطاع في جاهلية قريش … وتعاني معه الجماعة المسلمة هذه الشدة والمحنة، قص الله الكريم الرحيم على سيد الخلق قصة أخيه الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ، وما عاناه من المحن والإبتلاءات. تثبيتاً للرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه. أيها الاخوة: لنقف عند هذا المشهد وقفة قصيرة: يعقوب -الشيخ الكبير- يحب يوسف ولده الصغير، وتعلقه به أشد ما يتعلق والد بولده، وبينهما جسر من المودة يجعل الغلام يسر إلى أبيه حتى أحلامه وما يراه في منامه… ومرة واحدة يختفي يوسف، فلا هو حي فيراه ولا هو ميت فيرثيه!! فقال ولم يزد: ((فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)). وتوالت الأيام والشيخ على نفس الحال، فقد استعان بالله اعتقاداً ظهر في سلوكه. ونحن اليوم!! هل مر بنا يوماً ذقنا فيه طعم العزة؟ ألا ترون معي أن البلاء يصب علينا صباً، وأن الفتن تحيط بنا من كل جانب. ألا ترون أن يومنا أشد علينا من أمسنا. ألا ترون أننا فقدنا عزيزاً غائباً منذ أكثر من سبعين سنة، ولا طعم لحياتنا ولا لوجودنا بدونه. ألا ترون أننا بحاجة إلى من يلم شعثنا ، ويحفظ لنا شاهدنا وغائبنا. ألا ترون أن الشكوى والتشكي لا يردان حقاً ولا يدفعان ضيما. ألسنا بحاجة إلى مثابرة وإرادة لتغيير هذا الحال. ألا تذكرون أجدادكم العظام كيف كانوا يفصلون للدنيا أثوابها. وكيف كانوا يفتتحون الأرض وهم يحملون ألوية الحق والعدل صابرين محتسبين موقنين بوعد الله لهم بالنصر والتمكين. وعندما ذهب سندنا ضاع جاهنا وذهبت أرضنا يوم نعيت خلافة المسلمين، يوم أن سكت المسلمون ولم يبذلوا المهج والأرواح في سبيل إعادتها. يوم أن فقدت أرض المسلمين حاميها وحارسها وسيدها!! يوم أن بكت أرض الإسلام العزة والأعزة. أيها الاخوة: لنعد إلى مشهد آخر مع يعقوب لا يختلف عن الأول، حيث طلب الاخوة اصطحاب الابن الصغير، فتتحرك كوامن يعقوب ، فإذا به يجهر بما يدور في صدره: ((قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل )) فخلوني من وعودكم ومن حفظكم، فإذا طلبت الحفظ لولدي والرحمة بي ((فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين)). ويتكرر المشهد المؤلم على الشيخ وقد أفضوا إليه بالنبأ الفظيع بسجن ولده الآخر، فلا تسمع إلا رداً سريعاً شجياً ((فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم )) فقد قالها من قبل ((فصبر جميل والله المستعان(( واليوم أضاف إليها هذا الأمل والرجاء بربه بقوله (عسى)… فيُرد عليه يوسف وأخوه. هذا الشيخ المتعب القلق لم ينس يوسف بعد، ثم هذا أخوه من بعده، ورجاؤه بربه زاد في الثانية عن الأولى فقال (عسى) فكأنه كلما ازداد تعبه وتحجر مَنْ أمامه زاد رجاؤه بربه. إنه الشعاع الحق جاء لقلب هذا الرجل، إنه الرجاء بالله والاتصال الوثيق به، والشعور بوجوده ورحمته … ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة من الأمة ممن يعملون عمل الأنبياء، فرجاؤهم بربهم ووعده لهم بالنصر والغلبة والتمكين أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار. صلى الله عليه وسلم فأي منا لا يمتحن أو يبتلى…تعلموا من يعقوب وتصرفوا تصرفه أنتم أيها الصفوة بمكة أو من كان حالكم كحال من بمكة… فالرجاء حادٍ يحدو القلوب ويقودها إلى الله والدار الآخرة وإلى الغاية التي يريدها حملةُ الدعوة من استئناف حياة إسلامية وحملٍ للدعوة إلى العالم، وبذلك يطيب لحامل الدعوة السيرُ ويقبل على العمل مستبشراً متهللاً بثقة وارتياح بحتمية نصر الله وجوده وكرمه. ويشتد الحزن على يعقوب فما شكا لمخلوق، وإن كان قد حزن كإنسان، ويكظم حزنه فينعكس على عينيه ((وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم )) أما حال أبنائه وقومه فإنهم لم يواسوه مواساة تخفف ألمه، بل زاده كلامهم ألماً فوق ألمه، حتى تخلص من حجابهم فكأنه بشفافيته حلق في أجواء غير أجوائهم وحزنه معه فقال: ((إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون)) قالها بقلب المؤمن المبتلى الصابرِ المتعلقِ بحبال ربه عز وجل، المدركِ لحقيقة الألوهية، الموصولِ برجاء المنعم عليه. وقالها رسولكم صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقي من أهل الطائف ما لاقى من الصد والتكذيب والأذى فقال: ((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي …)) وأنتم لمن تشكون أيها المسلمون؟؟ في هذا الواقع الميئس من يوسف، وهذه المدة الطويلة التي تقطع الرجاء من حياته فضلاً عن عودته، ما زال الرجاء عنده هو الرجاء، ويعلمه لأولاده ((وأعلم من الله ما لا تعلمون)) علماً يقينياً، فتتجلى الحقيقة، وتعرض مذاقاً لا يعرفه إلا من ذاقه فأدرك معناه. ويعقوب ذاق حلاوة رجاءه بربه فلم تبلغ منه الشدائد مبلغاً فيقول لهم: ((يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون)). تحسسوا بحواسكم بلطف وبصر وصبر على البحث، والعمل للهدف دون يأس من الله ولو بَعُد الفرج أو طال الزمن ((إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون))، أما المؤمنون الذين يعملون جادّين وبصبر وثبات، المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروْحه، الشاعرون بأنه يرعاهم ويكلؤهم برحمته، فإنهم لا ييئسون من روْح الله، ولو أحاط بهم الكرب واشتد بهم الضيق، فلا يشعرون بغربة ما دامت قلوبهم موصولةً به عز وجل. فثقتهم ورجاؤهم بوعد ربهم يضفي عليهم طمأنينة وسعادة مهما اشتدت المحن والكروب. وصدق الله العظيم إذ يقول: (( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)). أيها الاخوة: يعقوب فقد ولده الأول والثاني ولم يتغير رجاؤه بالله، وكان مصدقاً بوعد الله له الذي أوحاه إليه ((وأعلم من الله ما لا تعلمون)) في الوقت الذي كان يسخر منه قومه ويقولون: ((إنك لفي ضلالك القديم)). ورسولكم صلى الله عليه وسلم في أشد المحن والشدائد لم تتزعزع ثقته بوعد الله له الذي أوحاه إليه، ويقسم على تحققه: ((والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على الغنم، ولكنكم تستعجلون)) ويتحقق له وعد الله. واليوم -أيها المسلمون- نسمع من يستغرب إمكانية عودة العزة للمسلمين، ونسمع من انقطع رجاؤه بعودة الخلافة والدولة الإسلامية، حتى اقترح بعضهم على المسلمين التفكير باتحادات فدرالية أو كنفدرالية بدل دولة الخلافة، فهل يختلف هذا عن قول قوم يعقوب له ((إنك لفي ضلالك القديم)) ونحن نقول لهم كقول يعقوب إننا نعلم من الله ما لا تعلمون. فعندكم -أيها المسلمون- العلم من الله بأنه سينصر دينه وسيظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وبشركم ربكم على لسان رسوله أنه بعد زوال دولتكم وتكالب الأمم عليكم، سيمن عليكم بالنصر والتمكين وعودة البلاد والدولة إليكم، أليس ذلك بكاف لكم، لتنهضوا من سباتكم وتنبذوا المثبطين والمرجفين، وتتمسكوا بحبل رجائكم بالله. نسأل الله أن يجعل نصره قريباً. اللهم انقطع الرجاء إلا فيك، وانقطع الآمال إلا منك اللهم هذا حالنا لا يخفى عليك، فغير حالنا إلى أحسن حال، ومُنَّ علينا بدولة الاسلام. اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا… اللهم أعنا ولا تعن علينا…
  15. بسم الله الرحمن الرحيم "الدماء والأعراض في ظلّ الخلافة الراشدة " المتابع للأحداث في ساحة المسلمين- وخاصة في البلاد العربية، في خضمّ ما يجري من ثورات مستمرة متتابعة- يرى أن المسلمين لا حرمة لهم ولا وزن عند هؤلاء البغاة المجرمين من الحكام وأعوانهم، وزمرهم الأمنية ورجالات حربهم؛ حيث القتل بالجملة بأبشع صوره، والتنكيل والتمثيل بالأجساد قبل القتل وبعده، ولم يسْلم من ذلك شيخ طاعن في السن ولا امرأة ضعيفة، ولا طفل صغير قاصر..، فمن لهذه الدماء الزكية، ومن لهذه الأعراض الكريمة الرفيعة؟! إن الذي يحفظ هذه الأعراض، ويصونها ويدافع عنها هو فقط حكم الإسلام الذي يعرف مكانتها وكرامتها، وبدون ذلك تبقى هذه الأعراض والدماء تسفح وتنتهك في كل يوم، بل في كل لحظة تمر على المسلمين دون وجود خلافة راشدة تطبق حكم الله بحق هذه الدماء والأعراض، وحتى نقف على هذه الحقيقة العظيمة سنبين ذلك من جانبين الأول: بعض النصوص الشرعية التي بيّنت هذا الجانب العظيم، والثاني: كيف حافظ المسلمون على هذه الدماء والأعراض في ظل حكم الإسلام، وكيف يجب أن يحافظوا اليوم؟!! أما ما يتعلق بالنصوص الشرعية؛ فانه ليس أدل على حرمة الدم المسلم وعرضه من حديث المصطفى عليه السلام -وهو يطوف بالبيت الحرام ( الكعبة )، فيقف أمامها مخاطباً قائلاً- : "ما أعظمك، ما أعظم حرمتك ما أطيبك ما أطيب ريحك !!، والمسلم أعظم حرمة عند الله منك ؛ دمه وماله وعرضه، وإن يظنّ به إلا خيراً .. " رواه ابن ماجه في سننه، وحديثه صلى الله عليه وسلم : ". لزوال الدنيا أهون عند الله تعالى من قتل امرئ مسلم بغير حقّ !! " سنن الترمذي .. نعم ... إن حرمة المسلم ؛ حرمة دمه وعرضه عظيمة لا توازيها حرمة أبداً عند الله تعالى، لذلك أنزل الحق تعالى في هذه الشريعة الهادية ؛ شريعة الإسلام أحكاماً شرعية لصيانة هذه الحرمات من أي اعتداء، وجعلها في مكمن وحصن حصين، وجعل عقوبة رادعة زاجرة لكل من تحدثه نفسه باختراق هذا الحصن بالاعتداء أو التشهير أو غير ذلك؛ منها قتل القاتل، او المشارك به ... قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى .. } ( البقرة / 178 ) وقال : { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ( النساء / 93 ) ومنها أيضا رجم الزاني أو وجلد المتحدث في الإعراض دون بينة قال تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } ( النور /2 ) وقال : { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } ( النور / 4 ) . لذلك كله فهم المسلمون قيمة هذه الحرمات فصانوها حق الصيانة، وحافظوا عليها من أي اعتداء خارجي أو داخلي لدرجة إعلان الحرب والنفير العام حتى لو تعلق الأمر بمسلم واحد من رعايا الدولة!!.. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهز الجيش داخل المدينة، ويحاصر بني قينقاع لمجرد استغاثةٍ أطلقتها مسلمة واحدة من سوق المدينة في بني قينقاع، ولم يقبل الرسول عليه السلام منهم قولا ولا اعتذاراً حتى أجلاهم عن آخرهم من المدينة انتصاراً لهذه المسلمة المستغيثة!! ... وهذا المعتصم بالله العباسي يهتزّ جسمه غضبا، عندما بلغه خبرُ اعتداء الروم على مسلمة وأبنائها في حدود الدولة في بلدة زبطره، فأمر على الفور بتجهيز الجيش فكان أوله عند زبطرة وآخره عند بغداد، فانتصر للمرأة وأدّب الروم تأديباً رادعاً زاجراً فيه معنى العزة والقوة، وفيه معنى تعظيم الأعراض والدماء المسلمة !! وفي هذا قال أبو تمام أبياتاً جميلة من الشعر منها : لـو لـم يقد جحفلاً يوم الوغى لفدى مـن نـفسه وحدها في جحفلٍ لجبِ رمـى بـك الله بـرجيها فـهدمها ولـو رمـى بك غير الله لم تصبِ أجـبته مـعلناً بـالسيف مـنصلتاً ولـو أجـبت بغير السيف لم تجبِ حـتى تـركت عمود الشرك منقعراً ولـم نـعرج عـلى الأوتاد والطنبِ وهذا أيضاً السلطان المظفر ( أبو المظفر ) صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، يزأر ويزمجرُ عندما بلغه خبر اعتداء الصليبي أرناط -حاكم الكرك- على قافلة الحج وأسره لبعض المسلمات، فقال قولته المشهورة والله لأذبحهنّ أرناط بحدّ السيف هذا، وفعلاً برّ بقسمه رحمه الله، فأسر أرناط- في معركة حطين- واستعاد المسلمات الأسيرات من قبضته، وبرّ بقسمه حيث ذبح هذا الصليبي بحد سيفه كما تُذبح الأنعام، ولم يقبل فيه فدية ولا شفاعة!! .. إن مثل هذه الأحكام والوقائع -في تاريخ المسلمين- لتذكرنا بما نحن فيه من بلاء عظيم؛ حيث يتجرأ هؤلاء البغاة من رويبضات الحكام على دماء وأعراض وأموال المسلمين، وكأنها لا قيمة لها ولا وزن ولا حرمات!! .. فهذا حاكم سوريا العلوي ألنصيريّ الكافر يقتل المسلمات في دير الزور وبانياس ودرعا وحمص، ويمثل بجثثهن بعد اغتصاب بعضٍ منهن على أيدي همجيته من الحرس الجمهوري، أو الأمن المركزي أو غيرهم من حواشي وعملاء، ويضع المئات من هؤلاء المسلمات في الأسر؛ فيعذبن ويغتصبن ويمتهنّ ... فتنادي تلك المسلمات بأعلى صوتهن واإسلاماه.. وامعتصماه.. واصلاحاه..واخليفتاه.. فلا يجيبهن أحد!! .... أما الرجال فإن عصابات النظام السوري الإجرامية تنكّل بهم تنكيلاً لم يشهد التاريخ الإنساني شبيهاً ولا مثيلاً له؛ حيث يُعذّب الأسرى تعذيباً يُفضي إلى الموت، بعد تكسير العظام وتهشيمها، وتقطيع الأعضاء والتمثيل بالجسد، ومن يبقى على قيد الحياة بعد ألوان التعذيب يطلقون عليه الرصاص فيقتلونه- صبراً- بدم بارد وهو موثوق اليدين والرجلين!!.. لقد بلغ عدد القتلى أكثر من ألف وأربعماية مسلم في أرض الشام التي اختارها الله من كل أرض، ومدحها ومدح أهلها وقال عنهم: أنهم خيرته من خلقه يجتبيهم إلى خيرته من أرضه، فقال عليه السلام : "بينما أنا نائم رأيت عمود الإيمان، رأيت عمود الإيمان رفع من تحت وسادتي فاتبعته بصري فحمل إلى الشام، ألا وان الإيمان حين تكثر الفتن في الشام) رواه البزار وصححه .. وقال : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا يا رسول الله وأين هم ؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) -أي بالشام- رواه احمد في مسنده وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي عليه السلام، قال الله تعالى:(يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي..)، أخرجه ابن عساكر شيبة وروى أحمد والحاكم غي المستدرك وصححه عن زيد بن ثابت قال: كنا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع إذ قال "طوبى للشام. قيل له: ولم؟ قال: إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم هذا ما يفعله المجرمون من حكام سوريا في أرض الشام، عندما خلت من أحكام الإسلام ومن خليفة المسلمين الذي يطبّق أحكام الله بحق الأعراض والدماء .. وهذا ما يفعله باقي حكام المسلمين في باقي البلاد بحقّ حرمات الله وحرمات عباده المؤمنين!! .. فأين خليفة المسلمين ينتصر لأعراضٍ قد انتهكت ودماء قد سفحت وسفكت جهاراً نهاراً ؟! أين الإمام –الجُنّة- الذي يقاتل من ورائه ويُتقى به من أجل حماية مقدرات المسلمين وحرماتهم ؟! إن حال المسلمين سيبقى على هذا الحال حتى يمنّ الله عليهم بحكم الإسلام في ظلّ دولة الإسلام التي تعرف قيمة الحرمات والأعراض .. فان الإسلام وحده هو الذي يعرف قدر المسلم وقيمة وحرمة عرضه ودمه . قال عليه السلام : "الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به " رواه مسلم وقال عليه السلام : " السلطان ظل الله في أرضه، إليه يأوي كل ضعيف ومظلوم ... " كنز العمال وقال عليه السلام: " الإسلام والسلطان أخوان توأمان لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فالإسلام أس‏ والسلطان حارث، وما لا أس له يهدم وما لا حارث له ضائع"‏.‏ رواه الديلمي عن ابن عباس‏ ، انظر كنز العمال 141613 وقال القلقشندى رحمه الله: (الخلافة حظيرة الإسلام، ومحيط دائرته، ومربع رعاياه، ومرتع سائمته، والتي بها يحفظ الدين ويُحمى، وبها تُصان بيضة الإسلام، وتسكن الدهماء، وتقام الحدود فتمنع المحارم عن الانتهاك، وتُحفظ الفروج فَتُصان الأنساب عن الاختلاط، وتُحصن الثغور فلا تطرق، ويُذاد عن الحُرَمِ فلا تُقرع). إن في هذه المعاني العظيمة من شريعة هذا الدين لرسالةً لكل غيور على أعراض المسلمين ودمائهم من أهل القوة والمنعة؛ من أبناء الجيوش الأبرار في سوريا واليمن ومصر وغيرها، ليقفوا وقفة عزّ ونصرة لأخواتهم المسلمات بالانقضاض على هؤلاء الرويبضات، وأخذ زمام الأمور من أيديهم، وإقامة حكم الله تعالى حكم الإسلام، والاقتصاص من كل مجرم تطاول على عرض مسلمةٍ أو مسلم. ... فأين من تغلي في عروقه دماء العزة والإباء؟! .. أين أحفاد المعتصم وصلاح الدين؟! .. أين الأغيار الأخيار من أهل الشام؟! .. أين قادة الجيوش من أهل النخوة والغيرة والشرف الرفيع؟! .. لقد آن الأوان أيها الأبرار الأغيار ... فهذه ساعة الانتصار لله ولرسوله وللمؤمنين .. هذه ساعة الانطلاق لنصرة دين الله وأولياء الله .. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } ( الأنفال / 24 ) .
×