اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا تبرحوا جبل الرماة... والنصر قادم بإذن الله

 

إنّ ما قامت به غزة ليس مجرّد مواجهة عسكرية أو ردّ فعلش محدود، بل هو زلزال أصاب كيان يهود في عمقه، ونقطة تحوّل مفصلية كشفت عجزه، وأربكت حلفاءه، وأسقطت هيبته المزعومة. لقد فجّر مجاهدو غزة معركة الأمة كلّها، وأثبتوا أن العدو أوهن من بيت العنكبوت، رغم ترسانة السلاح والدعم الغربي والغطاء العربي الخائن.

 

لقد هزّت غزة هذا الكيان المهزوز، ووضعته أمام حقيقة مُرّة: لا أمن ولا بقاء له، مهما زيّنه ترامب أو أنعشه أعوانه في الأنظمة التابعة. ولعل الهدف الحقيقي من كلّ هذه الخطط والمفاوضات ووقف إطلاق النار ليس إلا محاولة يائسة لإنقاذ كيان يحتضر، واسترجاع الأسرى من أيدي المقاومة، وتفكيكها عبر نزع سلاحها. لكنهم صُدموا بأن قرار المقاومة ينبع من مصدر قوة، وأن تسليم السلاح وهمٌ لا يتحقق.

 

ففي الوقت الذي ظنّ فيه طغاة الأرض، وعلى رأسهم ترامب ورجالاته، أن خطتهم الشيطانية ستمضي كما رُسمت، جاء المجاهدون بالأسرى لا في لحظة ضعف، بل من منطلق قوة واقتدار، بثقة المنتصر لا الخائف، وبعزة الثابت لا المساوم. جاءوا يسلمون الأسرى وهم مرفوعو الرأس، ليُرهبوا العدو وكيانه، ويؤكدوا أن القرار بأيديهم لا بأيدي المساومين ولا العملاء.

 

كانت رسالة مدوية لنتنياهو وترامب وأعوانهم: نحن من نقرر متى تبدأ المعركة ومتى تهدأ، نحن من نمسك الأرض والسلاح، ونحن من نقطع يد الخيانة، ونحاسب كل من خان أو تآمر أو دلّ العدو على ثغورنا. فالسلاح ليس للمساومة ولا للتفاوض، بل أمانة نحمله حتى إقامة الدين وتحرير الأرض، والأسرى أمانة لا يساوم عليهم إلا خائن فخروج المجاهدين بهذه القوة قلب الطاولة على رؤوسهم. كانت خطتهم منذ البداية محبوكة: هدنة مؤقتة، ووعود بالسلام، وترتيبات سياسية ظاهرها الإنسانية، وباطنها الخداع والمكر. أرادوا أسر قادة القسام واستعادة الأسرى بأي ثمن، ثم الانقضاض مجدداً على غزة، وفرض نزع سلاح المقاومة وإنهاء دورها للأبد، وفق خطة "ترامب الجديدة" عبر عملائه في السلطة، ومن خلفها العرب المطبّعون.

 

إن غزة لم تخضع، بل قدّمت أروع ملحمة، زلزلت كيان يهود، ومرّغت أنفه في التراب، وأرغمته على الانكفاء، وكشفت هشاشته العسكرية، وتفككه السياسي، وفضحت أعوانه من الأنظمة الخائنة، التي لم تُقدم لغزة إلا الخذلان والتآمر.

 

نعم إن غزة أنهكت كيان يهود وكشفته، وأعطت الأمة درساً أن هذا الكيان يمكن كسره بل اقتلاعه، بشرط أن تتدخل الأمة من خارج غزة، من ثكنات الجيوش، من جبهات الرجال الذين بايعوا الله على الجهاد في سبيله. فخروجهم بهذه القوة كذلك رسالة للأمة (هذا هو الثبات الحقيقي، فلا تضيّعوه بخذلان أو حياد، بل انصروهم بالفعل لا بالكلام، واخلعوا الأنظمة التي تكبل جيوشكم وتخنق عزيمتكم، فإن الأمر بيدكم، وقد آن أوان الحسم).

 

نعم فكيان يهود اليوم يترنح، لكنه لن يسقط إلا بضربة الأمة لا بضربات استنزاف مؤقتة، بل بهجمة قاضية، فما جرى في غزة، وإن توقف مؤقتاً، فهو فسحة لتعبئة الصفوف وتوحيد الكلمة، واستنهاض باقي الأمة لتعلم أن دورها لم يأتِ بعد، وأنه إن كانت غزة رأس الحربة، فإن جسم الأمة هو من يُوجّه الطعنة القاتلة.

 

وكأن لسان حالهم يقول: أيها المجاهدون لا تبرحوا جبل الرماة ولا تغرّنّكم قشور السياسة، فالمعركة لم تنتهِ، والعدو يتربص، والمؤامرة قائمة، والفرصة لا تعوّض. ولتعلموا أن مجاهدي غزة، بحمد الله، لم يعتدوا على أحدٍ من أمة الإسلام، ولم يظلموا مسلماً، ولم يبيعوا دينهم ولا قضايا أمتهم، بل حملوا سلاحهم في وجه عدو الأمة الأول، ووقفوا في الثغر الذي تخلى عنه الحكام والجيوش.

 

ولعل هذا هو سر هيبتهم وثباتهم ورباطة جأشهم، فالله لا يُسلم من صدق في نيته، وأخلص في جهاده، وعلم أن المعركة مع يهود هي معركة أمة، وليست معركة حدود أو رايات حزبية. ومن صدق مع الله صدقه الله، ومن لم يظلم الخلق نُصر بإذن الله. ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

نعم، هذا هو الفهم العميق لما يجري؛ فكيان يهود اليوم يعيش نهاياته السياسية والعسكرية والنفسية، مهما حاول ترامب وأمثاله من طغاة الغرب الكافر إنعاشه وتلميعه عبر الخطط والمفاوضات والصفقات المشبوهة.

 

لقد فقد الكيان ردعه، وسقطت هيبته، وظهرت هشاشته أمام مقاومة صغيرة محاصرة، لا تملك الطائرات ولا البارجات، ومع هذا هزّت أركانه، وأذلّت جيشه، وكشفت ضعفه أمام العالم. وإن ما نراه اليوم ليس حرباً تقليدية، بل صراع وجود لا صراع حدود، صراع بين أمة الإسلام وبين مشروع استعماري زرعه الغرب لتفتيت الأمة ومنع وحدتها.

 

فلتتحرك جيوش الأمة لذلك، ونقول لها: أما آن لقلوبكم أن تتحرك؟ أما آن لسيوفكم أن تُغمد في صدور الأعداء، لا أن تُشهر في وجوه إخوتكم؟

 

يا جيوش الأمة، إن غزة اليوم تناديكم لا بالنحيب، بل بنداء العزّة والكرامة. أعداؤكم أعلنوا الحرب جهاراً نهاراً، وقتلوا نساءكم وأطفالكم، وهدّموا بيوت إخوانكم، ومع هذا ما زال الحكام يصفّقون للمهانة، ويتآمرون في الغرف السوداء.، وها هو ترامب - راعيهم الأكبر - يتوعّد بإبادة غزة لأنها أفشلت خطته القذرة، وكشفت مؤامرته على الأسرى، وفوّتت عليه فرصة تلميع كيان يهود من جديد.

 

فيا جيوش الأمة: إنها فرصتكم، فها هو كيان يهود ينكث العهود ويذبح أهلكم، وها هو ترامب يهدد بإبادة غزة، كفى صمتاً، كفى تردداً، كفى خدمة لأعداء الله! أمامكم فرصة تاريخية أن تخلعوا أنظمة الخيانة، أن تبايعوا خليفة للمسلمين، أن تسيروا تحت راية واحدة لتحرير فلسطين، وكل بلاد الإسلام المحتلة.

 

والله إنكم إن فعلتم، فلن تكون غزة وحدها، بل ستكون الأمة كلها خلفكم، وستكون الملحمة الكبرى قد بدأت، وسيزول الكيان، ويبدأ عصر الخلافة من جديد. ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ

 

فطوبى لهم، وطوبى لكل من سيسير على دربهم حتى نبلغ النصر الكامل باقتلاع كيان يهود، وإقامة الخلافة التي توحد الأمة وتحرر مسرى نبيها ﷺ. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 456
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    457

بسم الله الرحمن الرحيم

أيتها الجيوش: ليتكِ لنا!

 

 

روى أستاذ الصحافة العربية الراحل، محمد حسنين هيكل، أن الملك عبد الله الأول، ابن الشريف الحسين بن علي، استعرض في أريحا، بعد أشهر من نكبتنا الفلسطينية سنة 1948، ثلّة من حرس شرف الجيش العربي، أيام كان بقيادة الضابط البريطاني، كلوب باشا، وطلب من إمام مسجد أريحا، وكان رجلاً ضريراً، أن يكون أول المتحدثين إلى الجيش العربي في ذلك اللقاء، فصعد الإمام إلى المِنَصّة، وبدأ خطابه بالقول: "أيها الجيش، ليتك لنا"! فما كان من الملك عبد الله الأول إلا أن أمر بإنزال الإمام من المنصة فورا.

 

أسمح لنفسي باقتباس كلمات ذلك الإمام وأقول: "أيها الجيش، ليتك لنا"... فعلا ماذا لو كان لنا؟ شعاع نور ملأ أرجاء الغرفة، فلم يرتجف من هول تخيل الفكرة، حلم بات يقظة فجأة، وكأنني أرى جيوشاً منظمة تحت راية واحدة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تزأر كأسد واحد بقول (الله أكبر) تجلجل الأركان، تنصر المظلوم وتردع العدو وتنشر الدعوة، ولاؤها لله ولرسوله ولولي الأمر ما لم يعص الله ورسوله، تهتز لها عروش إمبراطوريات وممالك، لا يخشون إلا الله، شعارهم "لا غالب إلا الله"، الجهاد والموت في سبيله أسمى غاياتهم، طائعين لما جاء في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

 

فجأة أيقظتني صرخة طفلة من غزة فقدت جميع أفراد عائلتها بقصف يهودي غادر، وصوت طفل من السودان جائع، ودمعة أم شهيد في سوريا فقدت شبابها لأجل إعلاء كلمة الله وكان الثمن دولة علمانية تخدم من قتلوا أولادها! عدت لواقعي المؤلم قسرا، لواقع مؤلم تم التلاعب فيه على جيوشنا العربية بعد إسقاط الخلافة عام ١٩٢٤م، فلم تعد هذه الجيوش حماة للديار، بل عائق ودرع وحماية للطغاة! فلقد نجح الغرب بالتغلغل في هيكلة الجيوش من خلال تنصيب حكام يخدمون مشاريعها ويغرسون خناجرهم في خاصرتنا بواسطة جيوش (هم من أبنائنا وإخواننا)، لكن الحكومات العميلة الخائنة استغلت ضعف الوعي الإسلامي عند الأمة، ووظفت شيوخ سلاطين يطلقون الفتاوى بما يناسب هوى السلطان لا شرع الله، وبما أننا أمة تميل بالفطرة للدين، فكان التلاعب بنا سهلا ومبرمجا من خلال إعلام ساقط، كما تم غرس مبدأ (نفذ ثم اعترض، وإلا أنت خائن!)، وهكذا أصبح إخوتنا في الجيوش أعواناً لأعدائنا علينا، جيش حدود لا جيش أمة. لا يقوم على أساس العقيدة والجهاد بل ولاؤه لدولة قطرية ولحاكم محلي، فالجهاد إما غائب أو مشوه، وقد استبدلت به الخدمة الوطنية لحماية حدود مصطنعة وضعها الاستعمار (سايكس بيكو) ولقمع الشعوب وحماية الأنظمة أو توظيفه في الصراعات الداخلية.

 

ومع الأسف تم تأسيس هذه الجيوش برعاية استعمارية وقد يرتبط بعضها بتحالفات غربية (كالناتو)، كما يمنع من قتال كيان يهود بل يستخدم لحماية حدوده كحال مصر والأردن وسوريا ولبنان. فالجيش أصبح لحماية أنظمة تعمل لمنع تحرير الأمة وخدمة أعدائها فهو خاضع، تتحكم فيه أنظمة تحكمها نخبة عسكرية أو دول حليفة تقوم بتدريبه وتجهيزه عبر دول كبرى لضمان بقاء النظام الحاكم وولائه له لا للأمة، حيث يقوم الحاكم بتنظيم وهيكلة الجيش من خلال تعيين قيادات وكبار ضباط موالين له دون النظر لمستوى الأداء أو الكفاية، ويتم صرف رواتب عالية لهم ومنحهم حصانة قانونية، بينما صف الجنود يتغلغل فيه الفقر والظلم، كالعبيد، لا يملك إلا تنفيذ الأوامر دون تفكير، لأجل لقمة عيش لأولاده ولو غمست بالذل، وعلاوة على ذلك قامت هذه الأنظمة العميلة بتأسيس أجهزة مخابرات داخل الجيش تراقب تحركات الضباط والجنود ومنع أي تنظيم أو ولاء بديل وإلا يتم سجنه أو إعدامه. كما قامت هذه الأنظمة على مبدأ فرق تسد، فتم تقسيم الجيش إلى وحدات متنافسة أو مليشيات تتلاعب بولائهم لبعض فتحدث الفرقة بدل الوحدة.

 

كما تم ربط الجيش بالنظام لا بالدولة من خلال الشعارات والتعليم والإعلام، والدليل على ذلك هو أين الجيوش (أبناؤنا وإخواننا) مما يحدث في غزة؟ ألم تكن بندقية العسكري المصري تنفيذا لأوامر السيسي العميل، على سبيل المثال وليس الحصر، متوجهة نحو الفلسطينيين تأهبا لأي اختراق لحدود المعبر؟ ذلك المعبر الشريان الوحيد والمتنفس الأخير لأهل غزة، وها هو اليوم محاط بجنود مصريين لم يكتفوا بالتفرج بل منعوا الطعام والشراب عن مسلمين مجوَّعين مقهورين انتهكت أعراض رجالهم قبل نسائهم، وتطايرت أشلاء أطفالهم، فلصالح من يعمل هؤلاء؟ أين هم من نصرة المظلوم؟ أين هم من دين الله؟ لم لم تحرك صرخات الأيامى ودموع الثكالى مشاعرهم؟ ألهذه الدرجة تخشون الحاكم ولا تخشون الله وهو أحق أن تخشوه؟ أليس الموت في سبيل الله كرامة في الدنيا وفوزا في الآخرة؟ أنتم بضعفكم هذا جعلتم يد الغرب عُليا علينا، يستعبدنا ويسرق خيراتنا ويتحكم بقراراتنا وكأنه وصي علينا، ونحن أمة أعزها الله بالإسلام!

 

وها هو المشهد يتكرر في السودان، بسبب خوفكم، فالمعتدي واحد، والأدوات عربية، والأهداف غربية، تطحن الأمة طحنا. وها نحن اليوم نتألم لما آلت إليه الثورة السورية، والثورة الليبية، وسائر الثورات العربية، كم دفعنا دماء تحت مسمى تغيير، فتكون أشلاؤنا جسرا لتحقيق أهداف الغرب في أمتنا، وعلى يد من؟ على يد جيوشنا! كطفلة بريئة تحلم بسلام عز لا سلام ذل، لا تخشى الطائرات ولا الصواريخ، تنام قريرة العين، أو كرجل تعب وكد وأسس أسرة لتخدم دين الله يحلم بأن يرى أولاده فاتحين بقاع الأرض لإعلاء كلمة الله، أو كشيخ يتمنى حسن الختام في مسجد لا يطرد منه ولا يسجن لإقامة صلاة، ألا يحق لجميع هؤلاء أن تتحقق أحلامهم في ظل خلافة عادلة قوية شامخة يحسب لها ألف حساب؟

 

إلا أنني ألمح بريق أمل في كسب هذه الجيوش المضلَّلة لإعادة الأمة إلى مجدها بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تكون قائمة على نظام واضح (اقتصادي، سياسي، عسكري،...الخ) بقيادة راشدة تحفظ الكرامة والحقوق وفق ميزان الشرع وليس انقلابا لأجل خدمة مصالح فئة معينة، وهذا دور المخلصين من رجال الأمة؛ التوجه لأفراد الجيش المخلصين ليكونوا عونا لمشروع الخلافة فهما وإخلاصا، وأن يعملوا لإيصال الأفكار إلى من يملكون قرار التأثير وتوجيه الخطاب لهم كأهل قوة ومنعة، وتوضيح فساد الأنظمة القائمة وتآمرها على الأمة، وسبب شقاء الشعوب، كما يتوجب تبيين الحكم الشرعي لكل من يتخاذل عن نصرة الدين وتذكيرهم بمواقف الأنصار كنموذج ناجح،... الخلاصة أن كسب أهل القوة يحتاج إلى عقلية نبوية دعوية ووعي وصبر وثبات ووضوح في الهدف.

 

فيا أيها الجند، يا من بأيديكم مفاتيح النصر، إنكم لا ينقصكم العدة أو العتاد بل ينقصكم من يصوب بنادقكم في الاتجاه الصحيح ويكسر قيد الطغاة لا أن يحرسهم، فدماء المسلمين تناديكم من فلسطين والسودان وسوريا واليمن وتركستان الشرقية وميانمار وأفريقيا الوسطى وسائر بلاد المسلمين، فلا تكونوا درعا للظالم بل سيف العدل والخلافة، فليتكم تلبون النداء وتكونون معنا في خندقنا لا في خندق الطغيان، لنحقق بشرى رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 من هدهد ونملة إلى أمة مغيّبة غير مسؤولة!

 

 

في عالم تسوده الفتن، وتغيب فيه الحقائق، وتُسكت فيه الأصوات الصادقة، يأتي القرآن الكريم ليوقظ فينا الوعي، ويرسم لنا طريق الفهم والعمل.

 

قصة الهدهد والنملة ليست حكاية للأطفال، بل هي درسٌ عميق في المسؤولية والوعي والغيرة على الدين في القيادة والتحذير والموقف، ففي قصص القرآن عبرٌ عظيمة، لا تُسرد للتسلية، بل لبناء الوعي وتحريك العقول والقلوب. وقد قصّ الله علينا قصتي هدهد ونملة سليمان ليُعلّمنا معنى تحمّل المسؤولية والاستشعار بالخطر قبل وقوعه، والوقوف مع الحق، ولو كان صاحبُه طيراً أو حشرة! فكيف بالبشر؟ وكيف بالمؤمنين؟ وكيف بحملة الدعوة؟

 

فالهدهد والنملة نموذج القيادة والمسؤولية:

 

الهدهد حين تفقده سليمان عليه السلام، قال: ﴿لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، ومع ذلك، جاء الهدهد بخبر عظيم ومن مصدر قوة ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾.

 

- الهدهد لم يكن عابراً، بل كان مبادراً عارفاً غيوراً على التوحيد يتكلم بمنطق، ويدرك عِظَم ما رأى، ويُبلغ القائد بما يراه منكراً، حرصاً على دين الله. فإذا كان طائرٌ صغير كالهدهد استشعر خطر عبادة غير الله، وحشرة ضعيفة كالنملة شعرت بالخطر القادم فبادرت، فأين ملايين المسلمين؟ أين القادة والعلماء والدعاة؟ أين الأمة من واقعها المظلم؟ ومما يفعله الغرب وأذنابه؟

 

فالهدهد وعي سياسي واستشعار لخطر العقيدة، الهدهد لم يكن طائراً عادياً. تفقده نبي الله سليمان، لم يكن عبثاً، بل هو مسؤول عن موقع، مراقبٌ لأحوال الأمم. وحين رأى ما يهدد التوحيد، لم يسكت، لم يقل وما شأني؟ لم ينتظر إذناً، بل قالها بعقل وفهم ووضوح: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. الهدهد لم يصف الوضع السياسي فقط، بل كشف انحرافاً عقدياً خطيراً، فأرسل رسالة إلى القائد ليُقيم الحُجّة، ويُبلغ الأمانة، ولم يقبل السكوت، بل قدّم أدق تقرير سياسي عقائدي رأته البشرية من طائر!

 

- وكذا النملة، استشعرت الخطر: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، فهي تحذّر رعيتها، وتقوم بواجبها، وتحذر من الخطر القادم، لا تنتظر وقوع المصيبة، بل تبادر بالنصح والتنبيه! إحساس أمني وحماية للرعية. النملة، هذه الحشرة الصغيرة، لم تُلقِ باللوم على غيرها، بل شعرت بالخطر قبل وقوعه ونبّهت أمتها وخاطبت الجميع وأخذت قراراً وقائياً يحميها ويحمي جماعتها. هكذا تكون القيادة، وهكذا يكون الإحساس بالمسؤولية.

 

فالواقع اليوم غفلة تقابلها مؤامرات، ففي حين يخطط الغرب الكافر لتقسيم الأمة أكثر، ونهب ثرواتها أكثر، وتثبيت كيان يهود في قلب الأرض المباركة، وفي حين تعمل أنظمة الخيانة على التطبيع، وتسليم السلاح، وقمع المقاومة، ومحاربة المشروع الإسلامي الحقيقي، نجد في المقابل:

 

- شعوباً مهمومة بلقمة العيش، مغيبة عن دورها.

 

- علماء سكتوا عن الحق، أو صاروا أداة لتبرير الباطل.

 

- إعلاماً يروّج للدجل والتطبيع والانحلال.

 

فأين الهدهد الذي يُحذّر من الكفر؟ وأين النملة التي تنذر الرعية من السحق والضياع؟

 

نعم فحين تكون الطيور والحشرات بهذه الدرجة من الوعي والبصيرة والمسؤولية نقولها صراحة أين المسلمون اليوم؟ أين من استرعاهم الله أمر الأمة؟ أين العلماء؟ أين قادة الجماعات؟ أين عامة الناس الذين يرون المنكرات تُشرعن، والمقدسات تُباع، والأمة تُستعبد، ولا ينطقون؟! أين الإحساس بخطر ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾؟ أين من يقول: وجدت أمة الإسلام تسجد للديمقراطية بدل الإسلام، وتعبد الطاغوت بدل أن تحتكم للقرآن؟

 

إن بلاد المسلمين ممزقة، تديرها أنظمة موالية للغرب، والثروات منهوبة، والسياسات مفروضة، والتعليم والإعلام ملوّثان بفكر الكافر المستعمر، ويُراد للأمة أن تفقد هويتها وتنسى عقيدتها نهائيا، وتستبدل بالشريعة الدساتير الوضعية فوق ما هو حاصل، ومع هذا فالصمت هو الغالب! لا هدهد يُبلّغ، ولا نملة تُحذّر! إلا الرائد الذي لا يكذب أهله؛ هو العامل الوحيد في الأمة صابرا ومحتسبا الأجر من الله.

 

نعم إن أخطر ما أصيبت به الأمة هو غياب الوعي السياسي على أساس الإسلام وهو ما عمل عليه حزب التحرير منذ أكثر من 70 سنة، ويدعو إليه ليل نهار.

 

فالحل ليس بالبكاء على الواقع، ولا بردود الأفعال المؤقتة، بل هو مشروع نهضة حقيقي. لذا يجب على الأمة أن تستعيد مسؤوليتها وتتحول من حالة الغياب إلى الفاعلية، ومن التبعية إلى القيادة، ولن يكون ذلك إلا عبر:

 

1- بناء العقلية الإسلامية الواعية التي تدرك الواقع وتعرف طريقة تغييره، بالعودة إلى الإسلام كاملاً لا مُجزّأً ولا مؤمماً حسب مصالح الأنظمة.

2- حمل الدعوة لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي تطبق الإسلام في الداخل، وتحمله للخارج بالدعوة والجهاد.

3- كشف الأنظمة العميلة ومشاريع الغرب الكافر، وإسقاطها فكرياً وسياسياً ومحاسبة الحكام وخلعهم.

4- بناء رأي عام واعٍ على أساس الإسلام

 

وفي الأخير أقول: لقد قام الهدهد والنملة بدورهما كاملاً، وكان في قصتهما آية، فهل يعقل أن يكونا أحرص على التوحيد وعلى الرعية من بشرٍ خُلقوا لحمل أمانة عظيمة؟!

 

فالأمة اليوم لا تحتاج فقط إلى من "يرى"، بل إلى من يعمل ويتحرك ويُبلغ ويُحذّر ويقود، فاليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، وإن الله سائلنا عما استرعانا، فلتكن خاتمتنا، كما أرادها الله سبحانه. ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

شلال الدم في السودان وصرخة الفاشر المنسية!

 

 

يعيش السودان اليوم واحدةً من أكثر مراحله دمويةً في تاريخه الحديث؛ مدنٌ تُدمَّر، وقرى تُحرَق، وأرواح تُزهَق بلا حساب، فيما يقف المسلمون صامتين أمام شلال دمٍ لا يتوقف، وكأن دماء المسلمين - من السودان إلى غزة المنكوبة - لا قيمة لها تُذكر، في حين تقوم الدنيا ولا تقعد لفقد رفات جنديٍّ يهوديٍّ لم يُعثَر عليها من تحت الأنقاض!

 

إنّ السودان المنكوبة لا يقلّ حالها بؤساً عن حال شقيقاتها من البلاد الإسلامية: ليبيا، واليمن، وفلسطين، ولبنان... والقائمة تطول. غير أنَّ مَن يُتابع الصراع في السودان يُدرك أنَّ وراء هذا الصراع الظاهري بين الجيش وقوات الدعم السريع حقيقةً أعمق؛ إنها معركة نفوذٍ دوليةٌ تُدار على أرض السودان بأدواتٍ محلية، بين قوى كبرى تتنازع على من يملك الكلمة الأخيرة في مستقبل هذا البلد المنهك.

 

فأمريكا، ومنذ سقوط البشير، تسعى إلى بسط نفوذها على السودان بلا شريك. أمّا خطابها عن "التحوّل الديمقراطي"، فليس سوى غطاءٍ سياسيٍّ لمشروعٍ يهدف إلى إعادة صياغة السودان على المقاس الأمريكي.

 

إنَّ الأطراف المتقاتلة - قوات الدعم السريع وحكومة البرهان - هما في جوهرهما صنيعة أمريكية، أُريدَ من خلال صراعهما تأخير عملية انتقال الحكم إلى التيار المدني المدعوم من أوروبا.

 

وتدرك واشنطن أن السودان - بموقعه الجغرافي وموارده الطبيعية - يشكّل مفتاحاً استراتيجياً في شرق أفريقيا وعلى البحر الأحمر، ولذلك تحاول، منذ قرابة ثلاث سنوات، أن تُبقي الوضع على ما هو عليه: حالةُ "لا حَسْم"، لأن استمرار الفوضى يمنحها فرصةً أكبر للتدخّل والتحكّم في مسار الأحداث.

 

في المقابل، يقف التيار المدني الذي يُمثّل النفوذ البريطاني مطالباً بالسلطة، وهو الامتداد الطبيعي للحقبة التي حكمت فيها بريطانيا السودان قديماً. فبريطانيا تسعى إلى استعادة دورها القديم عبر أدوات جديدة: نخبٍ سياسية، ومنظماتٍ مدنية، ودعمٍ إعلاميٍّ وسياسيٍّ واسع.

 

إنه صراعُ الأوصياء على السودان: بين بريطانيا التي تحاول جعل التيار المدني امتداداً لنفوذها، وأمريكا التي تسعى إلى إضعاف هذا التيار وتأخير تسليم الحكم له، حتى لا تكون هناك شراكة مزدوجة في إدارة البلد، بل هيمنةٌ أمريكيةٌ مطلقة.

 

أما الفاشر، المدينة الجريحة النازفة، فتقف في قلب هذا الصراع شاهداً على أبشع فصول المأساة؛ حيث تُرتكب جرائم إبادةٍ وتطهيرٍ عِرقيٍّ على يد مليشيات الدعم السريع التي تمارس القتل والنهب والحرق بلا رحمة، وكأن الفاشر تُمحى من الوجود وسط صمتٍ دوليٍّ مريب. ذلك الصمت لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الكبرى، إذ تغضّ الأطراف الدولية الطرف عمّا يجري ما دام استمرار الصراع يخدم موازين القوى التي تريدها أمريكا.

 

إن السودان يُدار اليوم بمنطق "الفوضى المقصودة"؛ فكلما اقترب الحل ظهر من يعيده إلى نقطة الصفر، وكلما لاح أملٌ في تسويةٍ سياسيةٍ تدخلت القوى الكبرى لتعيد إشعال النار من جديد.

 

إنّ ما يحدث في السودان ليس حرباً أهليةً فحسب، بل هو مشروع تفكيكٍ ممنهج لبلد إسلامي عريق. فالفاشر اليوم تنزف نيابةً عن بلد بأكمله.

 

إن بريطانيا وأمريكا كلتاهما تتحدثان عن الديمقراطية، لكنهما تمارسان على أرض الواقع أبشع صور الاستغلال السياسي والإنساني. ليبقى الشعب السوداني هو الخاسر الوحيد، يعيش مأساةً تتأرجح بين القتل والتهجير...

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾

(مترجم)

 

 

إنه لأمر محزن في زماننا أن كثيراً من حملة الدعوة ومع مرور العقود يتكاسلون، وفي كثير من الحالات يتوقفون تماماً بسبب الضغوط العائلية ومن أبنائهم. وعلى الرغم من بقائهم حاملين للدعوة ومتمسِّكين بمعتقداتهم، لكنهم في كثيرٍ، بل في كثيرٍ جداً من الحالات يواجهون معارضةً مستمرةً من عائلاتهم وأبنائهم. إن النساء والشباب والشابات يتعرَّضون لضغوط كبيرة من الأقران للانسياق مع أنماط المجتمع، بينما يتبنّى حملة الدعوة آراءً ومواقفَ تبدو للمجتمع غريبة. حيث يتعرّض الشباب لمنظومة تعليم علمانية، وجوٍّ ليبرالي داخل المدارس والكليات والجامعات.

 

فلا مفر إذاً من مثل هذه المعارضة الداخلية، إذ إنها تأتي من الأسرة ذاتها التي نلتمس منها الراحة والطمأنينة والدعم. تُنهِك معارضة الأسرة حاملَ الدعوة على مدار سنوات وعقود، فكثيراً ما يجد نفسه في تناقض بين الدعوة التي يحملها ومطالب أبنائه بأن يندمجوا مع المجتمع. وتمتد هذه المسألة إلى ما يتعلق بالصلاة والخمار والجلباب وأخذ قروض الطلاب الربوية واختلاط الجنسين، وهذا التناقض يصعب تحمّله على قلبٍ صافٍ، وقد يصبح طاغياً ومؤلماً.

 

ومن ناحية أخرى، فإن الأسر المباركة بكثرة الأولاد الذين يحملون الدعوة تشكل عوناً ودافعاً. يثبت حملة الدعوة في مثل هذه الأسر على وتيرةٍ ثابتةٍ حتى بعد الزواج والأبوة، وحتى بعد أن يصبحوا أجداداً. كما هو الحال دائماً، الخير في حياتنا يأتي من التمسك بالسنة، والبؤس ينتج عن تركها. فلننظر تحديداً: ما هو المنهج النبوي لأسرة المؤمن؟

 

إن نموذج الأسرة المسلمة هو أسرة النبي ﷺ المباركة، أهل البيت. لقد كانت أسرة مباركة بابنته فاطمة رضي الله عنها التي حملت الدعوة ووقفت مع أبيها في الشدائد. وكانت أسرة مباركة بابن عمه الشاب علي رضي الله عنه الذي ملأ شبابه طاعةً لله ﷻ ودعم رسوله ﷺ. وكانت أسرة مباركة بحفيديه الكريمين الحسن والحسين رضي الله عنهما اللذين كان لهما عبر حياتهما، وبمواقفهما الصلبة ضد الظالمين واستشهادهما، أثرٌ عميق في أمة الإسلام. بالفعل، أصبح كثير من شباب وبنات أهل البيت أسساً للأمة الإسلامية، وما زال المسلمون على مدى القرون يدرسون سيرتهم لينهلوا منها الإلهام والهداية.

 

قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وقد علق ابن كثير على هذه الآية بقوله: "ثم قال تعالى آمرا رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أن ينذر عشيرته الأقربين، أي الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحداً منهم إلا إيمانه بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين". وذكر ابن كثير أيضاً عن قول الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لما نزلت آية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله ﷺ فقال: «يَا فَاطِمَةُ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ ابْنَةَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ» وقد أورده مسلم في حديثه.

 

وذكر الإمام النووي في شرح مسلم، في باب "فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ"، أن النبي ﷺ قال: «يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئاً غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِماً سَأَبُولُّهَا بِبَلَالِهَا» أي: أنقذي نفسك من النار، فليس بيدي عند الله شيء، إلا أن لك رحماً أتوسل بها. وبخصوص قول النبي ﷺ لابنته «سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ»، فسّر الإمام التوربشتي، أحد علماء الحنفية، بأنه رأى أن المراد ليس المال الحرفي المعروف، بل عبّر به عما يملك من الأمور التي يمكنه التصرف فيها وتنفيذها. فبهذا أكّد النبي ﷺ لابنته أنه لا يستطيع أن ينفعها عند الله إن لم تؤمن، لكنه يستطيع أن يعطيها من ماله ما يقع في طاقته التصرفيّة.

 

وهكذا نرى أن رسول الله ﷺ علّم ابنته فاطمة رضي الله عنها بصدق وحنان. وكمعلّمٍ كان أبوياً في تعامله، وكانت من طلابه الأوائل الشباب داخل بيته. فقد قال ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ» سنن أبي داود. فكان النبي ﷺ رقيقاً محترماً راعياً لابنته، حتى تشكّلت شخصيتها بآثار تربيته، فبدت أفعالها وأخلاقها على شاكلته ﷺ. تقول عائشة رضي الله عنها: «مَا رَأَيْتُ أَحَداً مِنَ النَّاسِ كَانَ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَلَاماً وَلَا حَدِيثاً وَلَا جِلْسَةً مِنْ فَاطِمَةَ قَالَتْ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَآهَا قَدْ أَقْبَلَتْ رَحَّبَ بِهَا ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا فَجَاءَ بِهَا حَتَّى يُجْلِسَهَا فِي مَكَانِهِوَكَانَتْ إِذَا أَتَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحَّبَتْ بِهِ ثُمَّ قَامَتْ إِلَيْهِ فَقَبَّلَتْهُ». الأدب المفرد.

 

بإيمانٍ خالصٍ واتباعٍ كاملٍ للإسلام، تعلّمت فاطمة رضي الله عنها الدين وثبتت على الحق، فساندت أباها في محن الدعوة. وعندما ألقى عُقبة بن أبي مُعيط أذىً عليه أثناء سجوده ﷺ، كانت فاطمة هي التي جاءت فغسلت عنه ذلك. وبعد دعوةٍ طويلةٍ مليئةٍ بالكفاح والتضحية، أيقن النبي ﷺ قرب رجوعه إلى الله. وقد أُخبرت فاطمة بمقامها في الجنة مع أبيها ﷺ. روت عائشة قالت: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَرْحَباً بِابْنَتِي»، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثاً فَبَكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثاً فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحاً أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ، فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقاً بِي فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟» فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. يا لها من خاتمة مباركة لوالد وابنته!

 

أيها الإخوة والأخوات! أيها الأعمام والعمات والآباء والأمهات والأجداد:

 

انظروا كيف ربّى النبي ﷺ أربع بناتٍ مباركاتٍ قد كنّ قدوةً حسنة للأمة الإسلامية عبر العصور! انظروا كيف ربّى ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عمه. انظروا كيف ربّى ﷺ الحسن والحسين رضي الله عنهما، حفيديه الكريمين. قدِّروا فاطمة وعلي والحسن والحسين! إنّ في كل أسرة كنزاً من الشباب؛ هم الشباب بين بناتنا وأبنائنا وبنات وأبناء أخوالنا وأبناء عمومتنا وأحفادنا. فلنَهتم بكل واحدٍ منهم ونقدّرهم، دون أن نغفل عن محاسبة طواغيت العصر. نحن السائرين على نهج النبي ﷺ للتغيير لا نقول إن لدينا وقتاً لشيءٍ ونترك شيئاً آخر! كلا، فلا تهملوا أحدهما. فلتنتبهوا للشباب والشابات كي يساندونا ونساندهم؛ ولنهتم بهم لننال جميعاً حياةً خالدةً في نعيم الجنة. اللهم اجعل ذلك حقاً، آمين.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مصعب عمير – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

حرب المعادن

 

 

لقد ظهرت على الساحة العالمية وفي صدام الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة، معركة من نوع جديد لم يعهدها العالم من قبل وتعتبر من أهم ساحات المواجهة الحديثة، هي اليوم العمود الفقري لأي صناعة متطورة وهي معركة لا يستخدم فيها السلاح التقليدي مطلقا؛ إنها حرب المعادن الحيوية الاستراتيجية وهي المواد المستخدمة في أهم الصناعات مثل الطيران والدفاع والإلكترونيات وغيرها. وهذه الصناعات تعتبر من الأمن القومي، لذلك يجب علينا أن نتعرف على بعض من هذه المعادن:

 

1- العناصر الأرضية النادرة مثل: النيدوديميوم، البراسيوديميوم، الدسبروسيوم، التيربيوم... وغيرها، وهي تستخدم في المغناطيسات القوية جدا وتوربينات الرياح، وهي مهمة للاستخدامات في محركات السيارات الكهربائية والإلكترونيات الدقيقة وفي مجال الدفاع العسكري مثل الرادارات والطائرات والمنظومات الذكية.

 

2- معادن مثل: الغاليوم، الجرمانيوم وهي تستخدم في أشباه الموصلات البصرية والليزر وفي الاتصالات... وغيرها. والأنتيمون وهي تستخدم في البطاريات وأغلب المركبات العسكرية والمدنية.

 

3- النحاس والنيكل والألومنيوم والمعادن المستخدمة في البنى التحتية وصناعات الطاقة.

 

4- معادن وعناصر أخرى مثل: التيتانيوم تستخدم للطائرات والفضاء، وأيضا: التنتالوم والتيلوريوم تستخدم في الإلكترونيات المتقدمة وأشباه الموصلات، ولا ننسى السيليكون بجودة عالية جدا.

 

هذه المعادن وغيرها تدخل مباشرة في القطاعات الدفاعية وشبه الموصلات وأي نقص فيها يؤثر تأثيرا مباشرا على الصناعات الحساسة التي توقف التطور التكنولوجي أو على أقل تقدير تجعله بطيئا ويعتبر سلاحا قويا جدا في إخضاع الخصم في حلبات المنافسة.

 

وإذا نظرنا للواقع اليوم نجد أن الصين تسيطر بنسبة كبيرة جدا على التنقيب وهو أمر عادي ولكنها تتحكم بالمراحل التي تلي التنقيب وهي التحويل والتنقية للوصول إلى التصنيع لعدد كبير من هذه المعادن خصوصا العناصر الأرضية النادرة وهي متوفرة في عدد كبير من الدول وخاصة بلاد المسلمين، ولكن المشكلة هي في العمليات التي تلي التنقيب فهي عمليات معقدة جدا تحتاج إلى مئات الخطوات الكيميائية لفصل العناصر الأرضية النادرة حيث هناك 17 عنصرا متشابها بشكل كبير جدا وعمليات الفصل معقدة وينتج عنها تلوث بيئي هائل لأنها تحتوي على مواد مشعة وأحماض، وأيضا تحتاج إلى كلفة مالية ضخمة جدا حيث قد تصل كلفة مصنع معالج واحد من 1 إلى 2 مليار دولار، ناهيك عن الخبرات البشرية العالية الجودة وبخبرات عالية جدا.

 

وهذه الصناعات لا تكاد تتجمع في مكان واحد أي من التعدين إلى البطاريات إلى الإلكترونيات وما يلزمها، ولكن الصين هي الدولة الوحيدة في العالم التي استطاعت أن تغلق دائرة العمل داخل بلادها دون الحاجة لأي طرف خارجي ما أتاح لها السيطرة شبه التامة على بعض العناصر. فعلى سبيل المثال تتحكم الصين بنسبة 90% من العناصر الأرضية النادرة وأيضا 70% من سلاسل بطاريات EV الليثيوم والكوبالت، وسيطرة تفوق 90% على أنود البطاريات الجرافيت الصناعي.

 

ومن هنا نجد أنها عملت بشكل بطيء وسري واستطاعت أن تمتلك سلاح التكرير والمعالجة لهذه المعادن حيث يصعب على دول العالم الوصول إلى مستواها في وقت قصير ما جعلها وجهة لدول العالم الكبرى وخاصة حين أعلنت عام 2025 تقييد تصدير معدات معالجة العناصر النادرة الأرضية وأعلنت رسالة للعالم تقول فيها نحن لا نتحكم بالمناجم فقط، بل بالمفاتيح التي تحول التراب إلى تكنولوجيا.

 

لذلك نجد اليوم توجه رئيس أمريكا لزيارة الصين بعد حربه التجارية (التعرفة الجمركية) حيث إن هذه الحرب كانت ظاهريا لحماية الصناعة الأمريكية لكنها فعليا هي جزء من خطة طويلة لاحتواء الصين في ميدان المعادن والتكنولوجيا الاستراتيجية.

 

حيث إن ترامب حينما اعتلى السلطة عام 2018 فرض رسوما جمركية على السلع الصينية بقيمة تتجاوز 360 مليار دولار وكان تبريره لذلك لا يخرج عن عجز الميزانية التجارية الأمريكية مع الصين وعدم السماح بسرقة الملكية الفكرية الأمريكية وحماية الوظائف المحلية. ولكن في الحقيقة كان لكبح الصين قبل أن تسيطر على سلاسل التوريد العالمية في التكنولوجيا والمعادن النادرة، وكان مهندس هذه الحرب هو بيتر نافارو وروبرت لايتهايزر، وهذه الخطة جاءت على خلفية أزمة جزر سينكاكو عام 2010 حيث هددت الصين بوقف تصدير المعادن النادرة.

 

وفي ولايته الجديدة فرض رسوما جمركية عالية لإضعاف الاقتصاد الصيني ورفع تكلفة التصدير وحاول منع الشركات الأمريكية من شراء المعادن النادرة وبدأ بإحياء مشاريع التعدين الأمريكية في نيفادا ووايومنغ وأعاد إقناع أستراليا وكندا واليابان بإنشاء تحالف معادن نادرة.

 

ولكن الموقف الثابت للصين بعدم الخضوع كان صاعقا له حيث اعتمدت عدة نقاط لثباتها وهي:

 

* علمها أن أمريكا تعتمد على 70% من المعادن النادرة من الصين.

 

* صعوبة قيام أمريكا بالتعدين ومعالجة هذه المعادن لأن العملية تحتاج إلى مراحل كثيرة ومعقدة جدا بيئيا وتكنولوجيا.

 

لذلك انتقلت الحرب إلى حرب تأمين سلاسل التوريد التكنولوجية والمعادن الحرجة.

 

وعليه أصبحت الحرب الدائرة ليست من يبيع أكثر بل حول من يملك المواد الخام والمكونات التي يصنع منها المستقبل.

 

لذلك نجد أن أمريكا تحاول الوصول إلى أكثر المناجم لهذه المواد مثل (دارفور والكونغو والنيجر وأفغانستان والعديد من بلاد المسلمين) ولكن الحصول على المادة الخام لا ينهي الحرب لأن المشكلة في التعدين والمعالجة للوصول إلى معادن منفصلة ونقية، وهذا ما أبدعت به الصين دون غيرها.

 

زيارة الرئيس دونالد ترامب للصين محاولة منه لعقد اتفاقيات يتحصل على ما يلي:

 

* تأمين سلاسل الإمداد وضمان تدفق المعادن والمواد الاستراتيجية للحصول على معدات تحقق مستقبلا تقليل الاعتماد على الصين على المدى البعيد وتأمين قيود تلزم الصين على تصدير المعادن النادرة لها.

 

* تخفيف التوتر التجاري وتخفيض الرسوم الجمركية وفتح الباب للصادرات الأمريكية وهذا يعطي القوة التفاوضية ليونة أكبر.

 

* حتى يًري العالم أن أمريكا تتعامل من مبدأ المبادرة وليس المتلقي وهذا قد يستفيد منه في جبهته الداخلية وسباقات انتخابية لو استطاع الترشح لولاية أخرى.

 

* كسب وقت من خلال تأمين سلاسل الإمداد حتى تستطيع أمريكا الاعتماد على نفسها ما دام أنها قد استطاعت السيطرة على مناجم الخام وبقي عليها إتقان التعدين والتنقية.

 

ولكن السؤال ماذا يمكن أن تعطيها الصين خاصة وأن الرئيس الصيني شي جين بينغ يتمتع بعقلانية وسياسة فذة؟ وأعتقد أن توافق الصين على أن تمنحها أمريكا سوقا للمنتجات الصينية مع تخفيف الرسوم بشكل كبير على الصادرات الصينية لأمريكا مقابل بعض التسهيلات واستمرار تصدير المعادن النادرة مع المحافظة على استمرار الهيمنة الصينية وأي شراكة تكون بشروط صينية.

 

ولو أننا تخيلنا نجاح الاتفاق الأمريكيّ الصيني ماذا سوف يتغير اقتصاديا:

 

* انفراج في الأسواق العالمية بشكل عام.

 

* ثبات أو استقرار جزئي لليوان والدولار وذلك بانتهاء الحرب التجارية والرسوم الجمركية.

 

* استمرار سلاسل التوريد العالمية وتستفيد من ذلك الدول الناشئة مثل تركيا والبرازيل والهند.

 

* انفراج جزئي على التكنولوجيا والرقائق وسوف تتراجع أسعار المكونات الإلكترونية والمعادن النادرة.

 

* تباطؤ في التضخم العالمي مع انخفاض الرسوم الجمركية.

 

وكل هذا سوف يحدث على أرضية اقتصاد مالي عالمي هش قابل للسقوط في أي لحظة لأن الانهيار المالي ليست هذه هي أسبابه.

 

ولا ننسى أن الاتفاق لو حدث لا يعني نهاية التوتر الاستراتيجي لأن باقي الملفات سوف تبقى مفتوحة ومحاولة أمريكا فرض نفسها كقطب أوحد ورفضها التعددية القطبية للعالم، وأيضا الصراع الحقيقي على من يملك التفوق في الذكاء الصناعي والرقائق والمعالجات، ولا ننسى الخلاف الدائم على تايوان حيث إنها مسألة تخص الصين فهي تعتبرها جزءا مقدسا من أراضيها ولكن أمريكا لا تسمح بخروج تايوان عن سلطتها.

 

ومن هنا نجد أن كل ما يحدث ما هو إلا مسكن لفترة قريبة لأن المسألة ليست حول المال بل هي حول السلطة. ومن هنا يكون للاعب الخفي قيمة قادمة لو استطاع الاستفادة من ظروف الساحة الدولية بشكل حقيقي ألا وهو دولة الخلافة الراشدة، أي ظهور مبدأ الإسلام في دولة تدخل في تغيير الموقف الدولي بشكل جذري،

 

وهنا لن أذكر سوى التغيير الذي يخص المقال فقط:

 

فإن هذه الدولة بعد أن تلملم شتاتها وتعود التركة السابقة لجسمها تصبح قوة عالمية هائلة. فهي تمتلك سوقا خاصا بها بحوالي 1.8 مليار نسمة، وتعتمد على عملة موحدة مبنية على الذهب والفضة، ويكون لها جيش كبير تحت مظلة الخليفة، وتصبح هي من يتحكم في الطاقة والمعادن حيث تمتلك 70% من احتياطيات العالم من النفط والغاز وأيضا معادن حرجة مثل النيكل في إندونيسيا والليثيوم في أفغانستان واليورانيوم في النيجر والذهب في السودان ومناجم كبيرة من المعادن الأرضية النادرة في كل بقاع الدولة المترامية الأطراف، وبذلك تعمل على إكمال دائرة التصنيع بشكل رفيع المستوى وبشكل سريع تبعا لنظام التصنيع الحربي الذي سوف تعتمد إنشاءه في الأيام الأولى من قيامها.

 

وهي التي تستطيع فرض شروط وتسعير والهيمنة على جميع المعادن النادرة ولا تستطيع الصين مساومتها لأنها بحاجة لهذه الدولة من كل الاتجاهات لأن الطاقة والممرات والسوق كلها تحت أمر هذه الدولة العظيمة.

 

ولو كتبت في هذا المجال لاحتجت مجلدات للتكلم على ما سوف يتغير، ويكفي وجود هذه الدولة ليحدث تحول حضاري عالمي يعيد تعريف كل شيء؛ الاقتصاد والأخلاق والعدالة والمساواة وغيرها الكثير.

 

اللهم عجل لنا بها لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ليعم النور في جميع أنحاء العالم.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

أريد دموع فرح!

 

 

لن أنسى ذلك اليوم عندما ذهبت لزيارة طبيب عيون باكستاني لمعالجة التهاب شديد في عيني، فطلب مني عينة من دموع العين لفحصها بغية دقة تشخيص الحالة.

 

جلست على الشرفة، خوفٌ تملكني، وقلق كشعرة مستقيمة في عين شخص مبتور اليدين، تساءلت مرارا وتكرارا! هل نتيجة الفحص ستفضح حزني، هل سيجد فيها ذاك الطفل الفلسطيني ذا الشعر الكيرلي، أم مشهد أشلاء أطفال مبعثرة على خيام محروقة، وذاك الحاج المجوَّع بهيكله العظمي يتأوه ألماً بجانبه ابنته الأرملة مع أطفالها الستة يأكلون الطحين المخلوط بالرمل حصل عليه أخوها المدمى بجراحه تحت قصف ونار وذل؟ ماذا لو اكتشف غضبي من دول جوار ضيقت بل وشاركت في ذاك الحصار؟

 

حتما سيرى فيهما ما أخشاه، صورة المرأة السودانية محتضنة طفلها وتحيطها ظلال من وحوش أرادوا قتله وانتهاك عرضها، ومشهد الرجل السوداني وهو يُدعس حيا من أخمص قدميه إلى رأسه.

 

أترى هل سيتمكن من تصنيف أنواع الدموع؟ ماذا لو رتبها وفقا لدموع الغضب نزولاً لدموع الأمل، حينها سيدون غضبي عما آلت إليه سوريا وسيتعرف على أحوال حرائر الأويغور وجراح مسلمي الهند. لعل دموع الأمل التي ذرفت تهجدا لله طلبا لنصرة دينه، قد تخفف وطأة ما شاهده ذلك الطبيب.

 

أخيرا وصلت إلى المستشفى لمقابلته لمعرفة النتيجة، تأملني طويلا وكأني تاريخ فاضح لجرائم كثيرة في حق المسلمين.

 

باغتُّه بسؤال: ألا تملك باكستان واحدا من أكبر الجيوش في العالم من حيث العدد والجاهزية؟ ألا تمتلك سلاحا نوويا يمنحها هيبة وردعا؟ ماذا عن موقعها الاستراتيجي بين الصين والهند وإيران كبوابة لآسيا الوسطى تمنحها قوة سياسية واقتصادية، علاوة على اكتفائها النسبي في الصناعات الدفاعية؟ أوراق قوة اقتصادية وعسكرية لم تستخدم حتى للضغط على أنظمة معادية للمسلمين، هل تعرف لماذا يا دكتور؟ لأن النظام الباكستاني كحال بقية أنظمتنا تابعة للضغوط الدولية وخصوصا من أمريكا، فهل سنكتفي بهز الرأس كما تفعل الآن؟!

 

أما آن الأوان بعد سنين من التيه، أن نعيد بوصلتنا بوصفنا مسلمين عندما كنا عظماء ونملك سيادة العالم في ظل خليفة عادل يحكم بكتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ؟ نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فلماذا نقبل بمثل هذه الدنية والحرب المعلنة اليوم حرب على الدين والمسلمين؟ ها هي الأعراض تنتهك والدماء تسيل ومخططات معلنة لدين إبراهيمي جديد، معابد تبنى وأصنام تعود بنا لعصور شرك وكفر!

 

عذرا يا دكتور، لا أريد علاجا، فوجعي لا تشفيه حبوب مصنّعة ولا إبر مخدرة، بل حل جذري لا يترك مجالاً لدموع تذرف.

 

نريدها خلافة راشدة على منهاج رسول الله ﷺ تعيد للأمة كرامتها، وتنتقم من أعدائها، وتنصر مظلوميها، وتعدل بين أفرادها. نريدها خلافة راشدة لها هيبتها، تزلزل أركان وعروش فراعنة عصرنا. نعم أريد دموع فرح.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

قبول الجيش السوداني للهدنة

بوابة لتقسيم البلاد واستنساخ النموذج الليبي!

 

 

 

في ظل مفاوضات واشنطن الجارية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تبرز مخاوف حقيقية من أن هذه الهدنة المقترحة ليست مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل مدخل لإعادة هندسة السودان سياسياً وجغرافياً، وفقاً لنموذج ليبي مكرر: حكومتان متنازعتان، واحدة في دارفور والأخرى في الخرطوم، تتقاسمان الشرعية والسلطة، وتُداران من الخارج.

 

من منظمة إرهابية إلى طرف تفاوضي:

 

منذ اندلاع الحرب، صنّف الجيش السوداني قوات الدعم السريع بوصفها مليشيا متمردة ومنظمة إرهابية، متهماً إياها بارتكاب جرائم إبادة في دارفور والفاشر والجزيرة. ومع ذلك، دخل الجيش في مفاوضات غير مباشرة معها برعاية أمريكية، وهو ما يُعد اعترافاً ضمنياً بها كقوة موازية، لا كجهة خارجة عن القانون.

 

هذا التناقض يُضعف من موقف الجيش، ويمنح قوات الدعم السريع شرعية تفاوضية، تُمهّد لتقاسم السلطة، تماماً كما حدث في ليبيا بين حكومتي طرابلس وبنغازي.

 

شروط الهدنة: تثبيت واقع التقسيم

 

الهدنة المقترحة تشمل وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر، وفتح الممرات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية تمتد لتسعة أشهر. لكنها لا تتضمن:

 

- انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي سيطرت عليها

 

- ضمانات لعودة الجيش إلى دارفور أو الفاشر

 

- أي آلية لإعادة توحيد البلاد تحت سلطة مركزية

 

في هذا السياق، تُصبح الهدنة تثبيتاً لواقع التقسيم، لا خطوة نحو السلام. فدارفور تديرها فعلياً قوات الدعم السريع، بينما يتمركز الجيش في بورتسودان والخرطوم، في مشهد يُعيد إلى الأذهان النموذج الليبي بكل تفاصيله.

 

إن الولايات المتحدة، عبر مفاوضات واشنطن، تسعى إلى إعادة تشكيل السودان بما يخدم مصالحها الاستراتيجية وهي: ضرب النفوذ البريطاني والأوروبي، وتأمين مصالحها النفطية والأمنية عبر وكلاء محليين. واستنساخ النموذج الليبي يُسهّل هذه المهمة، فوجود حكومتين متنازعتين يُضعف الدولة المركزية، ويُتيح التدخل الخارجي تحت غطاء الوساطة أو الدعم الإنساني.

 

موقف الجيش: غياب الحسم وتآكل الشرعية

 

الجيش السوداني، رغم ما يملكه من تاريخ ومؤسسات، لم يتخذ موقفاً صلباً في الحفاظ على وحدة البلاد. فقبوله بالهدنة دون شروط واضحة يُعد تنازلاً استراتيجياً، يُفقده المبادرة العسكرية، ويُضعف من موقعه التفاوضي، ويُمهّد لإقصائه من مستقبل الحكم.

 

هذا القبول، في ظل غياب رؤية شرعية جامعة، يُعد انتحاراً سياسياً، يُكرّس الانقسام، ويُفقد الجيش شرعيته كمؤسسة عسكرية منوطة بالحفاظ على وحدة البلاد وأمنها.

 

في خضم هذا فإن الرؤية الشرعية تتمثل في:

 

- رفض أي مفاوضات ترعاها القوى الغربية باعتبارها أدوات استعمارية.

 

- الدعوة إلى إقامة الخلافة على منهاج النبوة، التي تُعيد توحيد بلاد السودان تحت قيادة راشدة.

 

- اعتبار الحل الحقيقي في العودة إلى شرع الله، ورفض الأنظمة الديمقراطية التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع المهين.

 

إن الأزمة ليست في قوات الدعم السريع أو الجيش، بل هي في غياب المشروع الإسلامي الجامع؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تحافظ على وحدة بلاد المسلمين وتجمع الأمة وكلمتها وقدراتها الاقتصادية والعسكرية، وعدم الارتهان للغرب الكافر سياسياً واقتصادياً.

 

إن مفاوضات واشنطن، في ظل غياب الإرادة الشرعية، تُنذر باستنساخ النموذج الليبي في السودان، حيث تُدار البلاد من عاصمتين، وتُقسم السلطة بين قوتين متنازعتين، وتُرسم السياسات من الخارج. وإن المطلوب اليوم ليس هدنة تُكرّس الانقسام، بل هو مشروع الأمة الجامع الذي يُعيد تعريف السودان، ويُحصّن وحدته، ويُحرر قراره من الهيمنة الدولية.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يتحقق وعد الله بإقامة الخلافة؟

 

 

قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

وعد صادق من الله، لا يتخلف، لكنه مشروط، فما هي الشروط؟ وما هو هذا الوعد العظيم؟

 

أولاً: الإيمان: ليس إيماناً نظرياً، بل هو الإيمان الصادق والجازم الذي يستقر في القلب ويُترجم إلى عمل وسلوك في الحياة اليومية، نعم إنه إيمانٌ عميق يملأ القلب، ويقود الذين آمنوا إلى إدراك الغاية من الاستخلاف، فالإيمان بفكرة الاستخلاف في الأرض هو إحياء مبادئ العقيدة الصحيحة وبضرورة تحكيم شرع الله، الذي أنزله على سيدنا محمد ﷺ لينظم شئون حياتنا، ورفض كل أنظمة الكفر، والإذعان التام لحكم الله، بلا مواربة أو تبرير للواقع، إيمانٌ يصنع رجالا أقوياء لا يبررون الواقع بل يسعون لتغييره.

 

ثانياً: العمل الصالح: فالعمل الصالح لا يقتصر على الصلاة والصيام والعبادات الفردية فقط، بل يشمل:

 

- العمل لإقامة الدين في واقع الحياة.

 

- التفاعل مع قضايا الأمة، والعمل لإقامة الدولة التي تطبّق الإسلام شاملا كاملا في واقع الحياة من نظام حكم ونظام اقتصادي ونظام اجتماعي وسياسة التعليم ونظام العقوبات، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكشف أنظمة الجور والعمالة، فالوعد الرباني سيتحقق للذين آمنوا وعملوا الصالحات وليس للقاعدين والمبررين والمنتظرين الحلول الجاهزة من أعداء الدين الذين لا يريدون أن يتمكن الدين في واقع الحياة.

 

إذاً إن تحقق الشرطان، فإن وعد الله سيتحقق حتماً:

 

1. الاستخلاف في الأرض: أن يكون الحكم والسيادة للمسلمين، فتُكسر هيمنة الغرب، وتعود الأمة أمة عزيزة قوية، تهدي البشرية.

 

2. التمكين للدين: أن يُطبق الإسلام بكل أحكامه، فتُقام الحدود، وتُرد الحقوق، ويُرفع الظلم، وتعود العدالة، ويحمل الإسلام للعالم ليحرر البشرية من ظلمات الرأسمالية، ويُحكم بكتاب الله لا بالدساتير الوضعية.

 

3. تبديل الأمن بعد الخوف: نعم إنه من أعظم ثمار التمكين في الأرض أن يتحول خوف المسلمين إلى أمن، وهذا لا يتحقق إلا بإقامة العدل، وتطبيق شرع الله، وبناء دولة قوية مهابة، ترهب أعداء الله، وتُحصِّن الأمة من كيد يهود والمستعمرين.

 

هذا الأمن يشمل:

 

- الأمن الداخلي: بالشعور بالسكينة والعدالة والاستقرار.

 

- الأمن الخارجي: بامتلاك أدوات الردع والقوة، التي تصون هيبة الأمة وتحمي بيضتها، وتقوم الأمه بمهام الدعوة والشهادة على الناس.

 

لكن لماذا يمنح الله هذا التمكين للمؤمنين؟ قال تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ أي أن التمكين ليس غاية دنيوية بحتة بل واجب لتحقيق غاية عظيمة:

 

إقامة العبودية الخالصة لله في العقيدة والسلوك والحكم. فالريادة والسلطان في الإسلام وظيفة شرعية، تُسخَّر لإعلاء كلمة الله ونشر الإسلام إلى كل بقاع الأرض وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وتكون العبودية كلها لله وعدم الإشراك بالله، ثم وضح الله في الآية: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وهنا تحذير واضح: أن من كفر بعد التمكين، أو حاد عن شروطه، يُسلب منه هذا الفضل، ويُوصَف بالفسق. وهو ما وقع للأمم السابقة التي مكنها الله ثم زاغت عن أمره، إذاً آية الاستخلاف ليست وعداً عشوائياً، بل سُنَّة ربانية محكومة بشروط، إذا التزمنا بها جاء النصر والتمكين، وإذا خالفناها، طال الذل والهوان والعياذ بالله، فالخلافة ليست حلماً، بل هي وعدٌ ربانيٌّ لا بد أن يتحقق.

 

فشمّروا لها، وكونوا من رجالها، فالعاقبة للمتقين.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

إسلام الإدريسي – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

 

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

 

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

 

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

 

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

 

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

 

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

 

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

 

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

 

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

 

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

 

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

 

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

 

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

 

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

 

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

 

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

 

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

حاملُ الدعوة ورسالةُ الرسل

 

 

الحملُ الحقيقيُّ للدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية، ليست هزلاً ولا ترفاً، بل أمانةٌ عظيمةٌ وواجبٌ على من وُفِّقَ لحملها. حامل الدعوة مدعوّ أن يكون منصِفاً واعياً، متوكِّلاً على الله، مثابراً في سبيل رفع كلمة الحقِّ وتبيين منهج الإسلام في شتى مناحي الحياة، لا مبتغياً منصباً ولا جاهاً، بل رضا ربِّه واحتساباً عنده. فحامل الدعوة وقع أجره على الله وهو يدعو على بصيرة من ربه، وربه يرعاه ويحفظه.

 

ما يلقاه حاملُ الدعوة من ابتلاءٍ ليس بجديدٍ؛ فقد عانى الأنبياء والمرسلون السخريةَ والتعذيبَ والسجنَ، ولم يَضعفوا ولا استكانوا، بل تحلوا بالصبر وحسن التوكل على الله. ثمّ إنَّ من تحمّل هذه الرسالة راضياً صابراً محتسباً، فهو في رعاية الله وحفظه مهما تنوّعت الظروف.

 

الخلافةُ: مظلّةُ التوحّدِ ووحدةِ الحكم

 

الخلافةُ على منهاج النبوة هي الدولة التي توحِّدُ المسلمين سياسياً وتشكّل الإطار الشرعيّ لتطبيق الشريعة؛ فبها يتجمّع النّاس تحت إمامٍ واحدٍ يحكم بما أنزل الله، وتُسترجع حقوقُ الأمة وكرامتها وحُريّتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد أدرك أعداءُ الأمة خطرَ هذه الحقيقة، فعملوا على تفتيتِها وبثِّ العصبيات والطوائف والحدود المصطنعة، عبر مؤسّساتٍ دولية وقوانين وبنىً مؤسسيةٍ تُخفي حقيقتها: السيطرة والهيمنة.

 

أحقيةُ الدعوة إلى إقامة الخلافة

 

بعد هدم الخلافة واحتلال البلاد الإسلامية بزعم "الحدود القومية" و"الأنظمة الوطنية"، أصبحت إعادة الخلافة واجباً شرعياً على من استقام عليه الإيمانُ ورأى خطر تشتّت الأمة وانكسار سلطانها. إنّ الدعوة لإعادة سلطان المسلمين حكمٌ شرعيٌّ، ودعوةٌ لتطبيق ما جاء في الكتاب والسنة من أحكامٍ تُنقِذُ الأمة وتعيد لها مكانتها. وعد الله للمؤمنين العاملين بأنه سيستخلفهم في الأرض، وهذا وعدٌ للذين آمنوا وعملوا الصالحات كما ورد في الأحاديث النبوية وقوعُ الخلافة على منهاج النبوة.

 

صفاتُ حامل الدعوة وكيفيةُ العمل

 

حامل الدعوة: مخلصٌ، لا تلهيه تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله؛ مؤمنٌ ثابتٌ، يعمل بين الناس ليُبيّنَ الحقَّ ويوعِّيَ ويربي ويُنظّم، لا يسعى لمنصبٍ شخصيٍّ أو لَذةٍ دنيويةٍ فانية. الطريقُ وعرٌ ومليءٌ بالمصاعب، لكنه يسيرٌ على من توكّل على الله وآثر رضاه. على حامل الدعوة أن يكون واعياً سياسياً ومنهجيَّ التفكير، ينظر إلى العالم من زاوية العقيدة الإسلامية، ويُعدّ نفسه فكرياً وعملياً لبناءِ مشروعٍ سياسيٍ قائمٍ على المنهج الإسلامي.

 

لقد أرسل الله الرسل إلى الناس ليعرفوا الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه، فكان يرسل النبي والرسول إلى قومه رحمة للناس وليدركوا الحق من الباطل. أرسل الله الرسل تترا للناس كما بين رب العالمين في الكتاب العظيم ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْراً﴾.

 

فحمل الدعوة للناس في حقيقته هو عمل الأنبياء، جاؤوا ليسوسوا الناس بما أنزل الله خالقهم والأعلم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة. وتعرضوا للإيذاء والسخرية والاستهزاء والتعذيب والسجن والسب وكل أنواع الابتلاءات فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا. كان يملك أعداؤهم المال والقوة والسلطان وكل الوسائل الإعلامية والاقتصادية، وأصحاب النفوذ والدهاء والمكر والنفاق كما نرى في زماننا.

 

كان سلاح الرسل والأنبياء الصبر وحسن التوكل على الله والإيمان بأنه متمّ دينه ومبلّغه للناس رغم كل شيء. فبلغوا رسالاتهم وأنذروا أقوامهم.

 

لقد بين الله سبحانه في كتابه جميع الحلول للمسائل والمشاكل لكل زمان وفي أي مكان ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.

 

لقد أدرك أعداؤنا خطورة الخلافة كقوة توحد الأمة وتجمعها وتوحد قوتها، فعملوا على هدمها لتمزيق المسلمين؛ لأنها المظلة التي توحدهم وتجمعهم، فقاموا بعقد المؤتمرات الدولية وأنشأوا مؤسسات وكيانات دولية باسم القانون الدولي والأمن الدولي والصحة والعلوم والثقافة والمساعدات للدول. لكن ذلك كله كان هدفه السيطرة والنفوذ على جميع الدول وخصوصا البلاد الإسلامية.

 

فحمل الدعوة لإعادة سلطان المسلمين واجب شرعي بعد هدم خلافتنا وبعد تولي أمراء على قطع ممزقة لعصبيات وقوميات ووطنيات مقيتة من أفعال الجاهلية الأولى، تحكم بالكفر على عين أعداء المسلمين وتحت إشرافهم وقيادتهم.

لم يكلفنا الله بشيء إلا أن يكون في وسعنا وعلى قدر طاقتنا.

 

تمر بالأمة هذه الأيام أحداث صعبة وشاقة، فيها من الخذلان والعمالة والخيانة ما تنوء عن حمله الجبال، وترى فيها الحليم حيران. فهل من رجال لكل هذه الشدائد والأهوال، رجال باعوا أنفسهم في سبيل الله، رجال قال عنهم رب العالمين: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾، رجال أشداء مؤمنين قال عنهم رب العالمين: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾؟

 

نريد شبابا مؤمنين، ورجالا ونساء مؤمنين، لا يعملون لمنصب أو شهادة أو دنيا فانية.. رجالا لا يخافون في الله لومة لائم ويخشون الله ولا يخشون أحدا غيره، مسلمين مؤمنين يغيرون بالكلمة الصادقة يقذفون بها على الباطل فيدمغوه، قلوبهم تعظم ربهم ورسولهم ولا ترضى بالدنية في الدين. فما بالكم إن كان هذا المنهج الرباني لا يطبق على أرض الله، بل يستهزئ بكتابه وبرسوله أتفهُ الخلق وأهونهم على الله.

 

يا أهل القوة المخلصين، يا عباد الله، يا أصحاب الرتب في جيوش المسلمين، يا من لكم يدٌ في حماية أرض الأمة وشعبها: إنّ لكم دوراً عظيماً في استعادة الحقوق وردّ المظالم، وقيام دولة تحكم بالشريعة وتجسد العدالة. إن الأمة تنتظر منكم أن تُظهروا نقاء الضمير والشجاعة في نصرة دين الله ورفع البلاء عن عباده. وها أنتم ترون كما نرى مصائب كثيرة يقوم بها أعداء الله في كل مكان من أراضي المسلمين، نناشد فيكم صلاتكم، تسبيحكم، استغفاركم، دعاءكم لربكم. من لها غيركم؟ نعلم تماما وتعلمون أنها مهمة صعبة لكنها يسيرة على من توكل على الله واستجار به. ولدينا كل مقومات السيطرة على الأرض وباطنها والجو والبحار والأنهار، هذا لأننا نملك بفضل الله كل مقومات وأسباب الغلبة والتمكين، وعلى أرضنا هذه كنا أمة واحدة، لها إمام واحد وجيش واحد.

 

الأمةُ تمرُّ بمرحلةٍ شاقّةٍ من الخذلان والعمالة وإضاعة الحقوق، لكنّ الطريق ليس معسوراً على من آثر الحقّ ورضي بوجه الله، حملوا الرسالة كما حملها السابقون، أخرجوا الناس من ظلمات العبادة للعباد إلى نور عبادة ربِّ العباد، فذلك الفوز العظيم.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود سعيد – ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

السر في ملف دارفور

 

 

 

سميت دارفور من "دار الفور"، وهي تعني "أرض الفور". والفور هي قبيلة كبيرة حكمت سلطنة دارفور الإسلامية في المنطقة، ودارفور تعادل ثلث مساحة السودان وبمساحة 511 ألف كيلومتر مربع، أي تعادل مساحة فرنسا، وتعتبر أغنى بقعة على وجه الأرض. وكان الصراع عليها قديما، وكان والي دارفور زمن الخلافة العثمانية يتولى رعاية مكة والكعبة وآبار علي نسبة لعلي بن دينار السوداني.

 

ما لا يعلمه المسلمون عن دارفور:

 

1- يقع فيها جبل مُرّة: وهو من عجائب الدنيا حيث يبلغ طوله 165 كم وعرضه 65-80 كم، وهو جبل عظيم فيه تتعاقب الفصول الأربعة في الوقت نفسه، وارتفاعه 10 ألف قدم عن سطح البحر، ومساحته تعادل مساحة لبنان. وفيه الينابيع والأنهار ومختلف أنواع المزروعات، ويمكن أن يكون هذا الجبل أعظم مشروع سياحي على وجه الأرض، فهو جبل بمساحة دولة. وقد ذكر أحد علماء السودان، وكان ضمن اللجنة البريطانية، أنهم اكتشفوا داخله نهر زئبق وإلى اليوم لم يكتشفه أحد.

 

هل جبل مرة هو جبل الطور: هناك بُعد تاريخي ديني في جبل مرة، إذ يقول الباحث في التاريخ القديم والتراث السوداني عباس أحمد الحاج، إن "نسختي سنة 1817 و1830 من التوراة، ذكر فيهما أن سيدنا هارون شقيق النبي موسى عليه السلام، قد مات في جبل حور بالقرب من وادي هور، ما دفع بعض المؤرخين إلى الاعتقاد أن جبل مرة إنما هو جبل الطور المقدس. لكن هذه المعلومات غير مثبتة وغير دقيقة وغير صحيحة.

 

2- حفرة النحاس: ذكر بعض الإنجليز في مذكراتهم المدونة عام 1953 بالحرف: "نحن بريطانيا العُظمى لو أننا ملكنا حفرة النحاس فقط من دارفور لبقيت بريطانيا دولة عظمى مدة 500 عام"، وهي تقع في جنوب دارفور وفيها حوالي 5 مليار طن نحاس عدا عن المعادن الأخرى والذهب.

 

3- جبل عامر واليورانيوم وحراسة دارفور: في دارفور العديد من مناجم اليورانيوم، ففيها حوالي 6 ملايين طن يورانيوم، وهناك حسب ما ذكر أحد أبناء السودان في الخرطوم لأحد الأشخاص وهو يتبع للأمم المتحدة، قال بالحرف: نحن موظفون منتشرون على مواقع في دارفور عددنا حوالي مائة ألف! تصوروا، فقال له: ما مهمتكم؟ قال بالحرف: المهمة الأولى هي حراسة دارفور ومناجمها. هذا الحديث جرى عام 2000م، أي قبل ربع قرن.

 

بعدها قام أحدهم باكتشاف العديد من المناجم في السودان ودارفور من الذهب واليورانيوم والحديد والتيتانيوم والرصاص والكوبالت وغيرها، ومن أهم ما تم اكتشافه عام 2010 جبل عامر في دارفور وفيه حوالي 3000 طن ذهب، وكان ينتج منه يومياً 150 كغ من الذهب.

 

4- البترول: تعتبر دارفور أغنى منطقة في العالم بالنفط إذ يتقاطع فيها الخزانان العظيمان بحرف إكس؛ الحوض الذي يمتد من روسيا ماراً بإيران ثم الخليج فيدخل في البحر الأحمر والسودان ليصب في نقطة وسط دارفور، ثم يتقاطع معه الحوض النيجري ليشكلا أعظم حوض نفطي في العالم، وقد ورد هذا برنامج أذاعته قناة الجزيرة قبل 27 عاماً تقريباً، وقد حذفوه بعدها نهائياً لأنه من أخطر الأسرار التي تم كشفها عن السودان.

 

5- المياه: تسبح دارفور على أعظم خزان مائي في العالم يسمى الحوض النوبي، ولقد قرأت عنه في الملفات الخاصة للسودان حيث ذكرت الأبحاث أن هذا الخزان يمكن أن تحيا به السودان ومن عليها من بشر وزراعة ودواب (140 مليون رأس ماشية) مدة 500 عام لو انقطعت أمطار السماء وجفت ينابيع الأرض وانقطعت المياه من النيل! فتصوروا يرحمكم الله، وهذا الحوض يمتد في دارفور وعدة ولايات في أجزاء منها.

 

6- جبل عامر والذهب: جبل عامر هو جبل صغير وسط دارفور وفيه مخزون حوالي 3000 طن ذهب وكنت أول من جاء بالمعلومة من الأقمار الصناعية وتم اكتشافه عام 2010م وتم تشكيل مجلس جبل عامر من 100 شخصية من القبائل والحكومة، ومن أبرز ما تم التوصل إليه بأن كانت سيطرة قوات الدعم السريع على هذا الجبل عام 2014 ووصل إنتاجه سنويا أكثر من 40 طنا من الذهب.

 

7- الألماس والمعادن النادرة: تعتبر دارفور مسرحاً لوجود الألماس والأحجار الكريمة والمعادن النادرة والزنك والذهب والفضة والرصاص والنحاس وحتى النيازك وخام الحديد بنسب عالية جداً.

 

8- الثروة الحيوانية: عظيمة لدرجة تزيد عن عدد السكان عشرة أضعاف.

 

أخيراً: في عام 1994 وضعت خارطة للسودان مقسمة إلى خمس دول؛ قسموا منها الجنوب عام 2005م وكان ذلك بسبب سذاجة الحركة الإسلامية السودانية المزعومة، وكان ضمن هذا المخطط بأن قرروا فصل دارفور كدولة ثالثة بعد الجنوب، وكل أحداث دارفور سابقاً وما تم فيها من إبادة وما يتم اليوم هو جزء من مخطط التقسيم.

 

أيها المسلمون: انظروا كيف نهبت ثرواتكم واستبيحت دماؤكم مع أنكم تملكون الثروات الطبيعية الغنية بالمعادن النادرة؛ وإنما ذلك بسبب غياب دولتكم دولة الخلافة، لذلك ندعوكم للعمل مع حزب التحرير لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فادي السلمي – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

"الإبراهيمية" نفاقٌ سياسيٌّ وفخٌّ خفيّ

 

 

إنّ قرار قاسم جومارت توكاييف في لقائه بدونالد ترامب في واشنطن يوم 7 تشرين الثاني/نوفمبر بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام ليس سوى تملّقٍ سياسيٍّ مكشوف. فهذا الموقف يُعدّ تزلفاً لسياسة الولايات المتحدة، وتعبيراً عن الامتنان لها، ودعماً للمشروع الصهيوني المفروض على العالم تحت قناع "الوحدة الدينية".

 

ومن الضروري أن نفهم منذ البداية أنّ "الإبراهيمية" (اتفاقيات أبراهام) قُدِّمت على أنّها جسرٌ بين اليهودية والنصرانية والإسلام، ورمزٌ "للسلام والتسامح والتعايش". غير أنّ وراء هذه العبارات الناعمة تكمن فكرةٌ خطيرةٌ للغاية، هي مفهوم "الدين الإبراهيمي الجديد"، الذي يُقدَّم كمشروعٍ لتوحيد أتباع الديانات الثلاث تحت راية النبي إبراهيم عليه السلام.

 

وهذا المشروع الذي تفرضه أمريكا وكيان يهود هو في الحقيقة يدعو المسلمين إلى التخلّي عن هوية الإسلام، ومحو الفوارق التي جعلها الله تعالى، والاعتراف باليهودية والنصرانية كدينين صحيحين ومتساويين مع الإسلام!

 

ولكن الله سبحانه وتعالى قد بيَّن ذلك صراحةً في القرآن الكريم، فقال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ومع ذلك، فإنّ شعارات "الحوار بين الأديان" و"التسامح" تُستخدم اليوم غطاءً لبرنامجٍ مبدئيٍّ يستهدف طمسَ خصوصيّة الإسلام وإضعافَ وحدة الأمّة. فالدعوة إلى "وحدة الأديان" ليست طريقاً إلى السلام، بل هي وسيلةٌ لإبعاد المسلمين عن هدفهم، وصرف أنظارهم عن قضيتهم، وإخضاعهم لتأثير الغرب والصهيونية.

 

وقد كشفنا من قبل عن جذور هذا المشروع، وبيّنّا أنّ الهدف من هذه الاتفاقيات هو ترسيخُ هيمنة كيان يهود الإقليميّة، والقضاءُ على كلّ قوّةٍ إسلاميّةٍ مقاومةٍ لهذه الهيمنة. فخلف شعارات مثل "بيت إبراهيم" و"عبادة الأحفاد الإبراهيميين المشتركة" يُراد من المسلمين أن يتخلّوا عن رؤيتهم الإسلاميّة، ليُحوَّل الإسلام في نهاية المطاف - كما يتصوّرون - إلى دينٍ ليّنٍ، مسالمٍ، لا ضررَ فيه، وتُوصَف مواقفه الأصيلة بأنّها "تطرّفٌ" و"تشدد"!

 

في هذا المشهد، لا تُعدّ أفعال توكاييف مجرد خطأ بسيط، بل هي خيانةٌ للأسس الدينية والأخلاقية لمسلمي كازاخستان. فقرارُ الانضمام إلى هذه الاتفاقيات اتُّخذ دون طرحه للنقاش العام، ودون استشارة العلماء أو أخذ موافقة المتدينين، ما يُظهر ابتعادَ السلطة عن الشعب واستعدادَها للتخلي عن القيم الإسلامية في سبيل نيل رضا واشنطن وثنائها.

 

لقد أراد توكاييف أن يُظهر لترامب ولاءَه الخاص بالانخراط في مشاريعه السياسية، ودعمِ سياسته الرامية إلى ترسيخ كيان يهود كقوّةٍ مهيمنةٍ على المنطقة الإسلامية. وهكذا تنجرّ كازاخستان، وهي دولةٌ ذات أغلبيةٍ مسلمة، إلى لعبةٍ خطيرةٍ هدفها إخضاعُ الأمّة لمصالح الغرب والصهيونية. وقد حذّر الله تعالى من ذلك في قوله: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَـارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حجّة جامعة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

النسويّة قناع حرية لوجه استعمار فكري

 

أين أنتن من مصانع الرجال؟ ممن صنعن التاريخ بصبرهن وتربيتهن لرجال رفعوا راية الإسلام؟ أين أنتن من سمية أم عمار أول شهيدة ارتقت في سبيل الله، ومن خولة بنت الأزور، ومن الخنساء ومن أم البخاري التي أعاد الله لها بصر ابنها لكثرة دعائها، فربّت ابنا صار علما من أعلام الأمة الإسلامية، غير وجه التاريخ، ومن أم أنس بن مالك التي قدمت ابنها لخدمة الدين، أو أم الإمام الشافعي التي ربته يتيما وحرصت على تعليمه فصنعت واحدا من أعظم أئمة الفقه، ومن أم الإمام مالك التي كانت تلبسه البياض وتقول له "اذهب إلى ربيعة فتعلّم أدبه قبل علمه"؟

 

نعم؛ في غضون زمن عظيم، كانت المرأة المسلمة تحمل هم الأمة، منهن من كرمن بذكرهن في سور نزلت في القرآن الكريم إلى يوم القيامة كالسيدة مريم، وامرأة فرعون، أو لشكوى سمعها الله عز وجل لخولة بنت ثعلبة وهي تشتكي زوجها للنبي ﷺ، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وغيرهن الكثير. ولن ننسى حرص حبيبنا رسول الله ﷺ عندما أوصى بالنساء خيرا فقال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ».

 

أما اليوم، حيث غابت فيه الدولة الإسلامية، فقد تقطعت أوصال النساء بين شاشات تفرغ العقول ومواقع تهدم القيم، ووسائل تواصل تغرقها بأحلام مزيفة وتقليد أعمى لمسمى "الموضة" لباس غربي فاضح، ما جعلها سلعة معروضة للقاصي والداني، فاستغلت مفاتنها لتساق إلى الأضواء لا العلياء. فأهملت مهمتها المقدسة كأم وزوجة ومربية، فكم من أم اليوم تنجب جسدا ولا تنبت رجلا!

 

ومما يدعو للأسى أن الغرب بخبثه الشيطاني وبإدراكه من أين تؤكل الكتف، وجه سهامه إلى المرأة المسلمة ليهزم أمة كاملة، فنشر فكرا اجتماعيا سياسيا ما لبث أن تطور إلى حركات تحمل طابعا معاديا للإسلام تحت قناع الحرية يدعى "النسوية" كاستعمار فكري هجين، وعقدت المؤتمرات، وأبرمت اتفاقيات كاتفاقية سيداو، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979، ودخلت حيز التنفيذ عام 1981 ووقعت عليها الكثير من دولنا العربية، كما قام الغرب بضخ أموال طائلة لـ"نسويات عربيات" لنشر هذا الفكر الذي يتحدى الدين علنا، ويهدف إلى تفكيك المجتمع بدعوى الحريات التي تدعو إلى السفور والاختلاط، والعمل دون ضوابط شرعية، وإهمال دور المرأة المسلمة كأم وزوجة وربة بيت (كونه عبئا لا تستحقه!)، والدعوة للمساواة مع رجل أعطاه الله القوامة تكاملا لا تفوقا، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ فتفكك المجتمع بسبب الطلاق، والعزوف عن الزواج بسبب الحقوق التي تتمتع بها المرأة في التشريعات الغربية غير المنصفة للرجال، فأدى إلى تفشي زنا نتج عنه أولاد غير شرعيين، وانتشار للدعارة بشكل مذهل حتى بات هو الأصل، فكثرت عمليات الإجهاض، وزاد الزنا لانعدام الثقة ولكثرة الخيارات المحرمة المتاحة، وزرعت فكرة تقبل الشذوذ الجنسي الذي نتج عنه أمراض خطيرة وعقد نفسية، لكن ما زاد الأمر خطورة، هو سن حقوق مدنية وإنسانية تمنح للمثليين، والمتحولين جنسيا، وغيرهم من الهويات الجندرية، نذكر منها، حق الحماية من التمييز في العمل أو السكن أو التعليم، والاعتراف القانوني بزواج المثليين، وحق تبني أطفال (ليعيشوا ضمن أسر مشوهة ممسوخة)، وحق العلاج للمثليين الراغبين بالتحول الجنسي، بالإضافة إلى اعتراف قانوني بالهوية الجندرية والدعوة إلى تقبلها تحت مسمى "حقوق الأقليات الجندرية".

 

فغدونا نواجه إعصارا هائجا يدمر قيمنا الإسلامية التي تحث على الزواج وإعداد نسل صالح يبني أمة ويصنع حضارة.

 

ألا إن الغرب يدرك أن جهوده ستغدو هباء منثورا فور قيام دولة الخلافة الراشدة، لأن تشريعات الإسلام بالنظام الاجتماعي ليست منحازة لطرف دون آخر، ولا تنظر للجنس على أنه غاية للإشباع كيفما كان دون ضوابط شرعية، فالأصل ليس الإشباع بل كيفية الإشباع، كما أن السلوك المثلي محرم ويعد من الكبائر، كما ورد ذكر أقوام في القرآن الكريم اتبعت الشذوذ وحادت عن الطريق، فكان الهلاك عقابا لها لما فيها من تهديد للقيم الأسرية والدينية ومخالفة للطبيعة البشرية التي أوجدها الله في جنسين كل منهما مكمل للآخر لإعمار الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

 

فيا ليت نساءنا يدركن أن المجد لا يصاغ من زينة ومساحيق، بل بإنشاء جيل يخلد أسماءهن ويسطر تضحياتهن لأجل دين الحق الذي جعلهن جوهرة مصانة بعدما كانت توأد خشية عار أو فقر، هذا الدين الذي جعل الجنة تحت أقدامهن لأنهن نواة الأسرة القائمة على ميزان عدل ورحمة ومودة لا على مقياس تنافس أو ندية.

 

يقينا وليس حلما سوف يأتي الحق على أيدي العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية، موزعا للحقوق ومكرما للمرأة وحافظا لعرضها وصائنا لكرامتها، قائما على شرع الله، لا أحكاماً وضعية ولا دعوات غربية دخيلة، فلننهض سويا أخواتي ولنحمل همّ أمتنا كما حملنا وليدنا، ونرضع أبناءنا حليب عز وكرامة ولنكن من صناع أمة عز، لا معولا لهدمها.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الإسلام هو النور الذي يكشف زيف الظلام

مهما تعاظمت آلة الكفر والتضليل

 

 

في عالم تتسابق فيه قوى الكفر العالمي على تشويه الإسلام، وتبذل فيه المليارات من أجل منعه من الظهور، وتستخدم فيه الأنظمة الجبرية في بلاد المسلمين كأدوات وظيفية للقمع والتدجين، ورغم كل محاولات الشيطنة والتشويه المستمرة، يظل الإسلام نوراً يشق طريقه، يخترق الظلمات، ويصل إلى العقول، بل ويجذب الناس من مختلف الأعراق والجنسيات، ويثبت أنه هو وحده الدين القادر على قيادة العالم وليس الرأسمالية المتوحشة.

 

فرغم ما تمتلكه دول الكفر من إعلام وجيوش واقتصاديات ضخمة ومنظومات تشريعية، ورغم سعيها الدؤوب في محاربة الإسلام ومحاصرة دعوته وتشويه صورته في كل زمان ومكان، إلا أن الإسلام لا يزال يخترق الحواجز، ويتسلل إلى العقول والقلوب، بل ويتغلغل حتى إلى أروقة الحكم في الدول الرأسمالية نفسها. لقد أدركت أمم الكفر أن الإسلام ليس مجرد شعائر أو مواعظ، بل هو نظام شامل، قادر على التغيير، ومهيّأ لأن يقود العالم، ومن هنا تنبع مخاوفهم الحقيقية.

 

إن مجرد ظهور اسم الإسلام في سباق انتخابي في دولة رأسمالية، أو وصول مرشح مسلم لمركز مؤثر، يكفي لإرباك المؤسسات السياسية، وإثارة الهلع في الأوساط اليهودية والنصرانية والعلمانية، لأن فوز هذا "الاسم" يعني أن الناس بدأوا يبحثون عن بدائل، وأن الثقة بدأت تتزعزع في المنظومات الغربية، وأن الأفكار الكاذبة التي غُرست لعقود ضد الإسلام بدأت تتساقط، وهذا بحد ذاته هزيمة فكرية عميقة للغرب.

إن أكثر ما يخيف الغرب الكافر هو عودة الإسلام كقوة حقيقية فاعلة على الأرض، ليس لأنهم يجهلون أحكامه، بل لأنهم يعلمون أن الإسلام ليس فقط دينا فرديا يُمارس في الزوايا، بل هو نظام شامل للحياة، يتحدى أنظمتهم، ويفضح ظلمهم، ويكشف زيف حضارتهم القائمة على الاستعمار والاستغلال. لذلك، لا يتوقفون عن محاربته بشتى الوسائل.

 

وليس سراً أن الغرب قد أنفق المليارات لتشويه الإسلام، عبر الإعلام والمناهج والسياسات، مستخدماً الإرهاب ذريعة، والتخلف واجهة، والاستبداد حجة. لكن الله تعالى وعد بنصرة دينه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. وها نحن نرى هذه الآية تتحقق، فكل ما أنفقوه بات عبئاً عليهم، لأن الناس بدأت تسأل: لماذا يُحارب الإسلام بهذا الشكل؟ ولماذا تُشوه صورته بهذه الحدة؟ فأصبح الناس يدخلون فيه فرادى وجماعات، بعد أن استبان لهم نوره وسط عتمة الحضارة الغربية المتصدعة.

 

والأعجب أن كثيراً من المرشحين في الغرب، حين يظهر عليهم أثر الإسلام، من صدق في القول، وعدل في الموقف، ووفاء بالعهد، يجد الناس فيهم ضالتهم، حتى وإن لم يُصرحوا بالإسلام، لأن الفطرة تهفو نحو العدل، وترفض الكذب والنفاق السياسي.

 

وهذا ما يخيف الغرب: أن الإسلام ينتصر حتى وهو مكبّل، يُحاصَر لكنه يخترق، يُشيطن لكن يبهر العقول بنقائه، يُشوّه لكن يُبهِر بواقعيته وعدله وشموليته.

 

إن بقاء الإسلام حياً، وصعوده حتى من داخل الأنظمة التي تُحاربه، يدل على أنه دين الحق، وأنه قادم لا محالة، يهدّ عروش الباطل، ويكشف زيف الأنظمة الكافرة، ويفضح منطقهم القائم على المصالح والاستعمار.

 

فلتطمئن القلوب المؤمنة، وليعلم الكفار أن الإسلام قادم ليُسقط أنظمتهم لا ليتزين بها، قادم ليقيم دولة العدل؛ الخلافة على منهاج النبوة، وليس ليدخل برلماناتهم أو يرضى بأطرهم المقيّدة.

 

فليحاربوه كما شاؤوا، فإنهم يُحاربون النور، ولن يطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

 

ومع ذلك، وبفضل الله، فإن مجرد ذكر الإسلام يُربك حساباتهم، ويزعزع استقرارهم، ويضرب منظومتهم الفكرية المنهارة في عمقها، لأنهم أنفقوا الكثير ليبعدوا الناس عن الإسلام، فإذا بالإسلام هو الذي يفرض نفسه، ويهدي القلوب، ويغيّر المفاهيم، ويثبت للناس أنه الحق، وأنه هو الأمل للبشرية.

 

وفي خضم هذا الصراع الفكري والسياسي، على المسلمين أن لا يقعوا ضحية الأسماء أو المظاهر. فالمعركة مع الكفر هي مع الأنظمة، وليست مع الأفراد. والواجب اليوم على الأمة الإسلامية أن تدرك أن الخلاص لن يكون من خلال مشاركة شكلية في أنظمة كافرة، بل من خلال تغيير شامل يقلب هذه الأنظمة من جذورها.

 

ولهذا فإن الواجب على المسلمين اليوم أن يضعوا ثقتهم في الإسلام، لا في رموز تُزيَّن لهم من داخل المنظومات الرأسمالية. وأن يلتفوا حول المشروع السياسي الشرعي الوحيد، وهو مشروع حزب التحرير، الذي يعمل ليل نهار، بوعي وبصيرة، لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، دولة عظيمة تُقيم حكم الإسلام كاملاً، وتحمل رسالته إلى العالم بالدعوة والجهاد.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. أبو بكر الجبلي – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

دماء الأمة بين خيانة الحكام وواجب النهضة

 

 

منذ أن هُدمت دولة الخلافة، والأمة الإسلامية تتخبّط في ظلمات التيه، وأيادي الغدر تعبث بمصيرها، فاستولى على حكمها من لا خلاق لهم، وتسيّد المشهد الرويبضات، الذين لا يملكون من الرجولة إلا الرسم، ولا من القيادة إلا الاسم. تسلطوا على رقابها فخانوا الأمانة، وساروا في ركاب الغرب الكافر، حراساً أمناء على مصالحه لا على الإسلام وأهله، فوجودهم من أعظم الأمراض التي أصابت الأمة بعد هدم الخلافة، فأصبحت بلاد المسلمين تدار بعقليات مستوردة، وأنظمة علمانية لا تمت إلى الإسلام بصلة، فهؤلاء الحكام لا همّ لهم سوى البقاء على الكرسي، حتى لو كان ذلك على جماجم الشعوب وجوعهم وذلهم.

 

لقد حاربوا الإسلام جملة وتفصيلاً؛ عطّلوا شرعه، وبدّلوا أحكامه، وحاصروا دعاته، وشيطنوا كل مشروع نهضة ينبثق منه. جعلوا ولاءهم للغرب، وتوجيهاتهم من سفاراته، فصار قرار الحرب والسلم، والنفط والقمح، والسيادة والسياسة، بيد أعداء الأمة.

 

وفي الوقت الذي تموت فيه غزة تحت القصف، وتُباد الفاشر بالسلاح، وتُغتصب المسلمات، يتنقل حكامنا بين المؤتمرات والفنادق والمهرجانات، كأنهم يعيشون في عالمٍ لا يعرف الألم، ولا يسمع أنين المظلومين، ولا تبلله دموع الثكالى، ولا يهزه صراخ الأطفال المحاصرين.

 

وفي الوقت ذاته، تصمت الشعوب، وكأن المأساة لا تعنيها، وكأن الدماء ليست دماءها، والأعراض ليست أعراضها. وهذا الصمت ليس حياداً، بل خيانة، وهذه اللامبالاة ليست براءة، بل جريمة.

 

إن الله عز وجل لم يترك للأمة خيار التخاذل فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ...﴾، فالجهاد نصرةٌ للمظلوم، ودفعٌ للعدوان، ورفعٌ للذل عن أمة الإسلام، ولكن أين الخليفة الذي يقاتل من ورائه ويتقى به؟

 

فيا أمة الإسلام، هل عجزت قلوبك أبنائك عن أن تتحرك؟ هل أصبحت مشاهد المذابح في فلسطين والسودان واليمن وسوريا وكشمير وتركستان الشرقية وأخواتها صوراً عابرة لا توقظ المشاعر؟!

 

اعلموا أن النصر لا يأتي بالدعاء وحده، بل بالعمل الجاد الواعي المنظم لإقامة شرع الله، ولإعادة سلطان الإسلام في ظل خلافة راشدة توحد الصفوف، وتحرك الجيوش، وتنقذ المستضعفين، وتردع المعتدين.

 

انهضوا، ولا تكونوا ممن خذلوا الدين وتخلفوا عن الجهاد، فإن الله توعد القاعدين عن نصرة الدين، بالخزي في الدنيا، وبعذاب أليم في الآخرة. فليس النصر بالأمنيات والدعوات فقط، بل بالعمل الواعي الجاد لإقامة شرع الله، وتحكيم دينه، وإعلاء كلمته. فالنصر يبدأ من وعي الأمة على عدوها الحقيقي، من معرفتها أن الحكام العملاء والغرب الرأسمالي الكافر هم من يمنعون عزّتها، ويفرضون عليها الذلّ. النصر يبدأ من استعادة قرار الأمة، ومن العمل لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي توحد الأمة، وتحرر الأرض، وتحمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد.

 

أيها المسلمون، كفاكم صمتاً، كفاكم انتظارا، لا تكونوا شهود زور على مآسي إخوتكم. انهضوا للعمل مع العاملين، وانضموا إلى من يسيرون نحو الخلافة بوعي وبصيرة، ولا تكونوا ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾!

 

فاحملوا هذا الدين كما حمله الصحابة بصدق وتضحية وتمكين.

 

نخاطبكم والقلب يعتصر ألماً وحزنا، نخاطبكم من بين الأنقاض والخراب، من دماء الشهداء وصيحات الأقصى، نقول لكم: الأمة تُذبح، والسكوت خيانة، والرضا مشاركة في الجريمة. إن العدو ليس مجهولاً، بل واضح فاجر؛ نظام رأسمالي عالمي يقوده الغرب الكافر، يبطش بكم ويغذي خونة الداخل ويمنع وحدتكم.

 

لا تنتظروا الخلاص من مجالسهم ولا من دساتيرهم، بل انبذوا هذه الأنظمة، وأقيموا على أنقاضها دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، دولة توحّد الأمة وتحكم بالإسلام وتحمل الدعوة للعالم.

 

إن دماء غزة، وجوع اليمن، ودموع الشام، ونزيف السودان، كلها تصرخ، فمن للمسلمين إن لم تكونوا أنتم؟

 

فانهضوا، فإن الوقت حان، وإن النصر قادم، وإن الخلافة وعد الله، ووعد الله حق، وطريق نصرة الدين ومفتاح عزة الأمة فرض عظيم لا يسقط عن أحد، وهو تكليف رباني لا يُقبل فيه تأخير ولا تراجع. وإن العمل لنصرة الإسلام ليس أمنيات، بل هو منهج عملي واضح المعالم، يتمثل في:

 

1- الالتزام بالعمل الجماعي المنضبط وفق الشرع، لنصرة دين الله وإقامة أحكامه

 

2- حمل العقيدة الإسلامية وجعلها أساساً لكل شيء

 

3- توعية المسلمين وتبصيرهم بفرض العمل لإقامة شرع الله وتعريفهم بحجم الحرب الفكرية التي تُشن عليهم صباح مساء

 

4- العمل لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي هي وعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ ومن ثم تطبيق شرع الله في حياتنا، في الأسرة والسوق والدولة، حتى نحيا بالإسلام وللإسلام.

 

فبهذا تعود للأمة كرامتها، ويرضى عنها ربها، وتنجو من سخطه وعذابه. فكونوا عباد الله صفاً واحداً، واحتكموا لكتاب الله وسنة نبيه، تفلحوا في الدنيا وتفوزوا في الآخرة.

 

فالعدو ليس مجهولاً، بل هو معلوم ظاهر، نظام كافر عالمي يقوده الغرب الرأسمالي بقيادة أمريكا، يبطش بأمتنا، ويزرع الفقر والفرقة والدمار، ويدعم الحكام العملاء الذين يفتكون بالشعوب بلا رحمة، ويعطلون أحكام الإسلام، ويمنعون وحدتها، ويخونون قضاياها صباح مساء.

 

إن دماء أطفال غزة ليست أقل من دماء أطفالنا وإن أعراض المسلمات في بورما وسوريا وكشمير هي أعراضنا جميعاً، وإن الظلم الذي يقع على أي مسلم هو نذير شؤم على الأمة كلها، فإما أن تنهضوا جميعاً، أو يهلك بعضكم ثم يلحق الباقون.

 

إن الأمر جلل يتطلب العمل الجاد لإقامة الدين، وإنّ أول خطوات النصر تبدأ بوعي الأمة على عدوها، والعمل لإقامة الخلافة الراشدة التي توحد المسلمين، وتحرر بلادهم، وتردع الكافرين.

 

فانهضوا للعمل مع العاملين، لا تتفرجوا على دمائكم وهي تسيل، بل شاركوا في إقامة دولة الخلافة، واحملوا هذا الدين كما حمله الصحابة، نصرة وتمكيناً.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حسام الإدريسي – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

ترامب يقلب الحقيقة

 

 

يبدو أنّ الإدارة الأمريكية، تحاول أن تصنع مشاهدَ سياسيةً مُعلَّبة، تُسوَّق على أنها إعادة توزيع للأدوار في المنطقة. ومن هذه المشاهد محاولتها إظهار ابن سلمان وكأنّه صاحب القرار الأول، وأنها تتلقّى منه الإشارات وتُنفِّذ. وهذا ما لا يصدّقه عاقل؛ فالقوة في العلاقات الدولية لا تُباع بالصور، ولا تُشترى بالتجميل الإعلامي، بل يحسم وزنُها على طاولة المصالح.

 

إنّ ما يجري اليوم ليس إلا فصلاً جديداً من فصول إعادة تشكيل المنطقة عبر أدواتٍ محلية تُلبس القرارَ الأمريكي ثوباً عربياً. لكن تبقى الحقيقة الناصعة بأنّ من لا يملك أوراقَ القوة لا يستطيع أن يصنع قراراً. فمهما حاول الإعلام أن يصنعَ رموزاً من ورق، فإنّ الواقع يعرّي الجميع، ويكشف أنّ الأدوار التي تُمنح بلا سيادة تزول، وأن الهيبة التي تُشترى بالدولار تنتهي بانتهاء الصفقة.

 

إنّ هذه المساحة التي يغطيها الإعلام ليست أكثر من ديكور سياسي يُراد به الإيحاءُ بوجود استقلالية، وأن المنطقة تتحرك بإرادتها، لا وفق إملاءات البيت الأبيض. إنها محاولة من واشنطن لتشويه الحقائق، ورسم صورة لابن سلمان بأنه صاحب قرار، وأنّ ترامب لا يفعل إلا ما يُمليه الحاكم الشاب.

 

ومن المعروف أنّ أمريكا لا تبني سياستها على العواطف، بل على النفوذ والمصالح والسلاح، وأنّ ترامب أكثر الرؤساء صراحةً؛ لا يُخفي أنّ علاقته مع الرياض علاقةُ بيعٍ وشراء، وأنّ كلمات الود التي يوجّهها ليست أكثر من فواتير سياسية مدفوعة الثمن. لذا، فالمشهد - مهما بدا مغلَّفاً بصورة قرار سعودي - يبقى القرار الحقيقي يُصنع في واشنطن، ويأتي التنفيذ من عواصم عربية لا تعرف إلا الإذعان والخضوع.

 

وتبقى الحقيقة حاضرة في هذا البيت من الشعر: حيّاكَ الذي لا ترجُو تحيّته ... لولا الدراهمُ ما حيّاك إنسانُ!

 

فليست المسألة احتراماً، بل حساباتُ طرفٍ يُملي وطرفٍ لا يملك إلا الامتثال.

 

ولكي نفهم حجم الهوّة بين اليوم والأمس، يومَ ما كان عليه أجدادُنا، يكفينا أن نعود إلى لحظاتٍ من تاريخ الأمة المشرِّف؛ يومَ كانت الهيبة تُصنع في الميدان لا في مكاتب السفراء، ويوم كان القرار يصدر من قلوب رجالٍ لا تنحني لفواتير تُدفَع ولا لصفقاتٍ تُبرَم.

 

كان الخلفاء والقادة - من عمر بن الخطاب إلى صلاح الدين، ومن المعتصم إلى نور الدين زنكي، إلى يوسف بن تاشفين - رجالاً إذا قالوا فعلوا، وإذا وعدوا أوفوا، وإذا صرخ مظلومٌ في أطراف الأمة وصلت صرخته إلى دار الخلافة، دارِ العز والمنعة والقوة، فتتحرك الجيوش قبل أن تتحرك الأقلام. أولئك كانوا صانعي قرار لا منفذين، وكانوا يكتبون التاريخ لا يجلسون على هامشه.

 

يبكي الشرق فرساناً له سلفوا ... ويغرق الغرب في دمعٍ له شانُ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

تعليم الأطفال أحكام الإسلام في أوزبيكستان يعدّ جريمة!

 

 

شُدّدت عقوبة من يقوم بالتعليم الديني للأطفال في أوزبيكستان. وقد أقرّ نواب المجلس الأعلى لأوزبكستان هذا التعديل، الذي قد يُؤثّر على حياة الكثيرين، في يوم واحد، واصفين إياه بأنه "مجرد مادة صغيرة"!

 

ووفقاً لمشروع القانون الذي أقرّه المجلس التشريعي بالمجلس الأعلى في 13 أيار/مايو، يُمكن الآن تحميل الأفراد والكيانات القانونية الذين يُقدّمون التعليم الديني لمن تقل أعمارهم عن 18 عاماً المسؤولية الجنائية المباشرة.

 

وبموجب القانون الحالي، كان أولئك الأفراد يتحمّلون سابقاً تبعات إداريّة فقط ولكن مع دخول القانون الجديد حيز النفاذ، سيتغير هذا الإجراء. وبرروا الحاجة لمشروع القانون بتزايد حالات التعليم الديني غير القانونية في السنوات الأخيرة.

 

وكان النائب عبد الله أسلونوف، صاحب مُبادرة المشروع قد صرح قائلاً: "شهدت السنوات الأخيرة زيادة في عدد الأطفال الذين يتلقون تعليماً دينياً بشكل غير قانوني، وفي معظم الحالات، يُرسَل الأطفال إلى مراكز ومنظمات غير رسمية لا تملك أي وثائق، وغير مسجلة، وعادةً ما تُرسَل إلى أفراد ليس لديهم تعليم ديني".

 

التعديل الجديد يفتح الباب قانونياً للسجن لمدة تصل إلى 3 سنوات لمن يُقدِّم تعليماً دينياً للأطفال. وبحسب مراقبين، فإن الحريات الدينية التي مُنحت مع تولي شوكت ميرزياييف السلطة تتلاشى على مر السنين.

 

ويقول البعض إنّ الحكومة مُضطرة لاتخاذ هذه الخطوة لمنع الشباب من التطرف والانضمام إلى جماعات مسلحة مختلفة.

 

بادئ الأمر فإنّ الإسلام أنزله الله تعالى للبشرية جمعاء، وأول آية نزلت تبدأ بـ"اقرأ". اقرأ أي تعلمّ واعرف ربك، اعرفه بعقلك بالتأمل في خلقه. ساعة علم خير من سنة عبادة؛ إذ لا يستوي من تعلم العلم ومن لم يتعلمه. إنّ المعرفة الوفيرة بها ننير دربنا، ويتضح لنا الطريق.

 

تُعتبر الطفولة الفترة الأنسب لاكتساب المعرفة، لكن بما أن حياتنا لا تخضع للنظام الإسلامي، فقد بدأنا نعيش في ظل نظام رأسمالي فاسد. وبطبيعة الحال، لم يكن قطاع التعليم استثناءً. فمنذ أكثر من قرن، تطبق مدارسنا وجامعاتنا نظاماً تعليمياً قائماً على نظام رأسمالي أحياناً واشتراكي أحياناً أخرى. فأعداء الإسلام لا يريدون أن تستيقظ الأمة الإسلامية، وأن تعود إلى عزتها وشرفها وأن يعود الحكم إلى المسلمين. ونظام أوزبيكستان العميل ليس مستثنى منهم.

ميرزياييف، الذي تولى السلطة بعد الطاغية كريموف، يسير على خطاه في محاربة الإسلام. والقانون الجديد الذي أقره البرلمانيون القادمون، والذي يُجرّم تقديم التعليم الديني للأطفال الصغار في المنازل ويفرض إجراءات صارمة ضد من يفعل ذلك، أبرز مثال على ذلك.

 

من جهة، تُشنّ حربٌ على الإسلام، ومن جهةٍ أخرى، يُفتح بابٌ واسعٌ لتنظيم المسابقات الرياضية ونوادي الرقص المختلفة بين شباب البلاد.

 

في الوقت الذي تشارك فيه الفتيات والشابات البالغات في مسابقاتٍ على منصاتٍ كبيرةٍ بملابس شبه عارية، ويرقصن على المسارح ويُحيين حفلاتٍ موسيقية ويصوّر الشباب ناجحين في مختلف المجالات، فإن الشباب الذين يتلقون تعليماً دينياً يُعتبرون ضالين وأنهم انضموا إلى تياراتٍ دينيةٍ متطرفة.

 

يا له من وضعٍ مؤسف! ففي الوقت الذي تتعرض فيه الفتيات المحجبات للتحرش والإهانة في المدارس، هيّأت أوزبيكستان ظروفاً مواتية لجينيفر لوبيز لزيارة بلادنا وإقامة حفل موسيقي لعدة أيام ما أثار ضجةً كبيرةً على مواقع التواصل، ولم تُفكّر الحكومة حتى في التأثير السلبي لذلك على تربية الشباب.

 

ما يخيفهم ويقلقهم ليس الثقافة الأجنبية القادمة من الغرب، بل عودتنا إلى الحياة الإسلامية من جديد، التي عاشها أجدادنا، فهم يحاولون اليوم إبعادنا عنها واقتلاعنا من جذورنا. ولهذا السبب يخافون حتى من الأطفال الصغار الذين يتعلمون دينهم أو يذهبون إلى المسجد للصلاة ومن الفتيات المرتديات للخمار. ولكن فات الأوان! لقد استيقظ المسلمون بالفعل، بما في ذلك الشباب، وقد أدركوا أن الخلاص والسعادة الحقيقية تكمن في الإسلام. ولهذا السبب، ورغم كل هذه العقبات، تُفتح المدارس السرية في المنازل ويتلقى مئات الأطفال التعليم الديني فيها. يريدون إطفاء نور الله، لكنهم لا يستطيعون ذلك والله متمّ نوره.

 

رضي الله عن إخواننا وأخواتنا المسلمين الذين يخشون الله وحده، ويعملون ليلا ونهارا لإعلاء دينه ويعلمون الأطفال أحكام الإسلام رغما عن القانون والعقاب بالسجن.

 

أما حكام الأنظمة الذين يخدمون الكفر ويحاربون الإسلام والمسلمين، رغم كونهم مسلمين، فإننا نذكرهم أن دين الله سيظهر على الأرض، وستدكّ عروشهم وتنهار أنظمتهم الباطلة من على وجه الأرض. وحينئذٍ لن يجدوا الدعم من أسيادهم في أمريكا وروسيا والصين، بل سيخذلونهم وسيحاسبون على أفعالهم. لذا، ننصحهم، ما دامت الفرصة سانحة أمامهم، بأن يسلكوا طريق الحق ويقاتلوا أنظمة الكفر، لا الإسلام. فكما وعد الله سبحانه وتعالى، ستعود الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بعد زوال الملك الجبري.

 

قال رسول الله ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ. ثُمَّ سَكَتَ».

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مخلصة الأوزبيكية

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حضارة الغرب عارُ العالم وجحيمُه

سياحة لقنص البشر وجزيرة لاغتصاب الأطفال!

 

تعاملت جاهلية الغرب عبر فلسفتها العلمانية ونظامها الرأسمالي مع البشرية كمادة استهلاكية بعد أن جردتها من تكريم الخالق ونبل العقل وقيم الوحي، فجعلت منها مادة لاختبار بوائقها الثقافية ورذائلها الحضارية وحولت حياتها إلى جحيم تختبر فيه كل صنوف العذاب؛ عنصرية دامية كاسحة تقتل وتفتك على لون البشرة وحجم الجمجمة، وهمجية استعمارية تبيد الشعوب وتذلها لسلب خيراتها ونهب ثرواتها، ومعمل لحروب طاحنة مفنية (حربي الغرب العالميتين الأولى والثانية وحروبه الاستعمارية) أحرق فيها الغرب أخضر الأرض ويابسها، إنسانها وحجرها، وأنشأ معامل لإدارة وسياسة توحشه وهمجيته وسماها دولا كبرى وعالما حرا متحررا من كل القيم، وجعل لها ماكينات لترشيد القتل والنهب وتنمية معدلاته، وسن لتقنين القتل والنهب قانونا ونظاما دوليا واتخذ له أجهزة (مجلس الأمن وهيئة الأمم ومحكمة العدل ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والحلف العسكري الأطلسي...)، وانتهى إلى شذوذه الحضاري التام وترجمه جندراً وشذوذ فطرة ونوع، وجعل من فاحشة قوم لوط نظاما اجتماعيا، فهوى بالبشرية إلى قعر كفر علمانيته السحيق وجحيم حياتها ولعنة حضارتها.

 

واليوم بعد أن انتهت العلمانية إلى عدميتها الخالصة وشذوذها الحضاري التام، ها هم أكابر مجرمي الغرب حكامه وساسته ولصوص رأسمالييه وأساتذة الخراب وقد حولوا البشرية لحقل تجارب لكل نزواتهم الشاذة ورغبات فطرتهم المرتكسة ومعهم أضحت حضارة الغرب لعنة العالم وجحيمه.

 

فمن جحيم جزيرة الرأسمالي جيفري إبستين المخصصة للعبودية الجنسية واغتصاب الأطفال، لإشباع شذوذ ضباع ملاعين وحوش الغرب من الأثرياء والساسة، من رؤساء أمريكا دولة العار الأولى إلى أمير أم العار بريطانيا أندرو، وما زالت تتكشف وجوه هذا العار وأسماء أئمة الكفر والعار، فقد نشر المشرّعون الأمريكيون أكثر من 20 ألف صفحة من وثائق ممول هذا العار جيفري إبستين المدان بارتكاب جرائم جنسية، وتذكر بعض الوثائق أندرو وندسور شقيق ملك بريطانيا تشارلز؛ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ ومستشاره السابق ستيف بانون؛ ولاري سامرز وزير الخزانة السابق، ورئيسه الديمقراطي بيل كلينتون، وظهر كذلك اسم توم باراك مبعوث ترامب لسوريا، عطفا على رأسماليي البنوك الكبرى، وهذا مجرد رأس جبل العار الذي كشفته مئات الوثائق فقط وما هو عائم في القاع خيوطه ممتدة إلى كل وحوش الغرب.

 

وها هم الملاعين أنفسهم وفصل آخر من همجيتهم، بعد أن اتخذ وحوش الغرب الأوروبيون الأثرياء الهمجيون من البوسنة والهرسك في تسعينات القرن الماضي زمن إبادة مسلمي البوسنة، ميدان صيد وقنص للبشر، واتخذوا من أطفال المسلمين ونسائهم وشيوخهم بالبوسنة طرائد لصيدهم وقنصهم!

 

فقد كشف التحقيق الإيطالي الأخير في قضية "الرحلات السياحية لقنص البشر" في سراييفو خلال تسعينات القرن الماضي، بعد تلقي أدلة جديدة عن تورط إيطاليين في قتل مدنيين بينهم أطفال، والقضية تعود إلى حرب البوسنة حيث كان أثرياء من الأوروبيين يدفعون للانخراط في تجارب قنص لأطفال ونساء وشيوخ البوسنة المسلمين، وتم فتح تحقيق رسمي في ميلانو عام 2024 بناءً على بلاغات ووثائق استخباراتية، بحسب قناة سكاي تيجي 24 الإيطالية. وقد أثيرت القضية من قبلُ خلال محاكمة قائد جيش صرب البوسنة، السفاح راتكو ميلاديتش أمام محكمة لاهاي الدولية، وظهرت مسألة "القنّاصة السياح"، لكن الغرب اللعين طوى الملف لإخفاء همجيته.

 

كما بَيَّنَ تقرير سابق أن الهمج من قناصة مسلمي البوسنة كانوا من مختلف أنحاء أوروبا من بينهم إيطاليون، ويدفعون عند نقاط التفتيش التي يديرها المسلحون الصرب سواء في كرواتيا أو البوسنة، ليمضوا عطلة نهاية أسبوع يطلقون خلالها النار على أطفال ونساء وشيوخ المسلمين من أعالي مدينة سراييفو بالبوسنة. ووفقاً لعميل سابق، فإن "الزبائن" كانوا "أشخاصاً أثرياء جداً"، وكان قتل الأطفال أغلى ثمناً والنساء والمسنون يعرض قنصهم وقتلهم مجاناً!

 

هو الغرب اللعين وشذوذه الحضاري وهمجيته التي فاضت وأغرقت الأرض بقذارتها ورجس كفرها، أكابر مجرميه هم رأسماليوه وحكامه وساسته، ساديون شاذون مرتكسو الفطرة مسوخ بشر ونسخ شياطين، تراهم منغمسين في الموبقات من موبقة ملعونة إلى موبقة ألعن منها، وبهم بات الغرب في العراء التام وقد سقطت كل أقنعته.

 

أي لعنة هذه وأي رجس هذا الذي طغى على العالم بطغيان الغرب؟! استعباد من أجل شذوذ جنسي وانتهاك بشع لأعراض الصغار وقنص للأطفال وصيد للبشر وإبادات وشذوذ وسادية غير مسبوقة في تاريخ المقت والعار البشري، فالغرب اللعين جعل من اغتصاب الأطفال وقنصهم وقتلهم مادة شهوة ولذة لساسته ورأسمالييه.

 

ليس مع الغرب حضارة بل لعنة... ليس مع الغرب ثقافة بل نقمة... ليس مع الغرب منظومة بل عذاب... ويكأن الغرب دولة للشياطين ومملكة لإبليس اللعين!

 

فإن أردت العجب فاعجب لهذه الفطرة المرتكسة والطباع السادية الشاذة، لن ترى لها في البشرية نظيرا ولا مثيلا. كان الشيطان الرجيم غيبا لكن الغرب اللعين ترجمه وجسده شهادة.

 

قُتل الغرب ما أكفره وأخبثه وألعنه؛ مأساة البشرية غرب، شقاء البشرية غرب، هلاك البشرية غرب، ضياع وتيه البشرية غرب، خسران البشرية غرب، جحيم البشرية غرب...

 

 هو الغرب اللعين نقمة العالم ولعنة بشريته، إن كان للشيطان من نقمة فهو الغرب وكفى به نقمة. ولا يقابله إلا نعمة الإسلام العظيم وكفى به نعمة. فالغرب هو الشر المحض الذي يقابله خالص خير الإسلام، فالغرب هو الضلال المبين الذي يقابله نور وهداية الإسلام العظيم. هو الغرب اللعين في هدم الإنسان ومسخ عقله وتشويه فطرته، يقابله بديع صناعة الإسلام لحقيق الإنسان في استقامة عقله واستواء فطرته وتكريم إنسانيته بهدي خالقه وبارئه.

 

إن كان ولا بد من دراسة للشر ونفسيات الأشرار، فالغرب هو منبعه ومصدره وصورته ومنتهاه، فهو الشر المحض وساسته ورأسماليوه هم الترجمة لطباع الشياطين في جثامين بشر، فهو الدرس الأول والأخير في علوم الشر والأشرار لتؤخذ منه العبرة والموعظة والنصيحة في باب احتناك الشيطان لذرية آدم عليه السلام ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً﴾، ولك في مفهوم "أحتنكن" جوامع الكلم وجوامع موبقات الشياطين من الرذائل والمصائب والهلاك والاستئصال، والغرب جمعها وأنجزها كلها.

 

لو رأى الناس بعين الحق السليمة وليس بعين الزيغ والضلال العلمانية الغربية السقيمة، لرأى الناس في الغرب كبار المجرمين وكبار اللصوص وأهل الإثم والشر والفساد الكبير بل لرأوا الشياطين في جثامين البشر، وقد صاروا للغرب فلاسفة وحكاما وساسة، حجم ضلالهم وفجور شذوذ غوايتهم وتفحشهم بحجم الدماء المسفوكة والأعراض المنهوكة والأموال المنهوبة، ثم لرأوا أمة الغرب وقد جعلت أحجار بنائها من جماجم وعظام البشر وأشلائهم وطعام قريتها الظالمة من دماء ولحوم البشر، ولظهر لهم بطلان كل معاني علمانية الغرب التي عدها الناس في باب الحقائق بل الفضائل!

 

إن رأى الناس بعين البصيرة فلن يروا في الغرب إلا القحط الحضاري والجدب والوباء والفقر والعداوة والبغضاء، وطرفاه جائحة وآفة تضيق بهما جوانب الصبر. ولرأوا ماكينة ومعملا للمصائب تختلط كل مصيبة بكل مصيبة وتتداخل بعضها في بعض وتتوالد كجراثيم الخراب، حتى أضحى كل دهر حياة البشر مصيبة ومعه مُحق الصبر وعزّت السكينة وفسد الرأي وانتهت المسألة الإنسانية إلى الاكتئاب والجنون والانتحار.

أتى الأنبياء برحمة الله شريعة يتراحم بها البشر ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وجاء الغرب بلعنة علمانية رأسمالية ليستأصل بها وحش الغرب الهمجي أمماً وشعوبا ليجعل ما تحت أيديهم نهبا خالصا له!

 

هي حضارة اللعنة ومنظومتها الملعونة، هي الجلاد والقاضي، حكمها لعنة وقضاؤها لعنة، للجلاد السوط وللقاضي تخدير الضحية!

 

الخلاص ليس في رفع قضية ضد جاني المنظومة العلمانية المجرمة في محكمة المنظومة العلمانية المجرمة، فالرأسمالي والحاكم والسياسي والقاضي نبت خبيث للمنظومة العلمانية الرأسمالية أم الخبائث، ومن سفه العقول طلب القصاص من منظومة ظالمة عبر قوانينها الظالمة، بل القضية كل القضية في كيفية التخلص من المنظومة العلمانية الخبيثة جلادها وقاضيها.

 

حضارة الغرب ومنظومتها العلمانية ورم البشرية الخبيث، والقضية المصيرية هي في كيفية استئصاله، وكفى بالإسلام العظيم جرّاحا مبدعا ودواء خارقا وخلافة نبوته مبضعا جبارا قاهرا.

 

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾

 

 

في خضمّ ما تعيشه الأمة الإسلامية من معارك فكرية وسياسية وعسكرية، نتذكّر أن أول ما نزل من الوحي كلمة: ﴿اقْرَأْ﴾. ثم تتابعت الآيات تُعيد الإنسان إلى صلته بربه، حتى خُتمت سورة المزمل بهذه القاعدة العظيمة: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.

 

هذه الآية ليست خطاباً تعبّديا مجرداً، بل هي توجيه إلهي يحدّد علاقة الأمة بكتابها: قراءة، وتدبّر، وتعاهد، وربطٌ لحركة المسلم اليومية بالوحي الذي جاء ليحكم حياة الإنسان والمجتمع والدولة.

 

لقد فهم علماء الأمة عبر القرون أن هذه الآية أصلٌ في وجوب تعاهد القرآن، وضرورة أن يكون للمسلم وِرد ثابت، ولو قليلاً، فلا يخلو يومه من قراءة كتاب الله. فالطبري يبين أن الأمر بعد التخفيف يدل على المداومة، والقرطبي يجعل الآية دليلاً على أن يوم المسلم لا ينبغي أن يخلو من قراءة، وابن كثير والشوكاني والنووي وابن رجب وغيرهم يجعلونها مفتاحاً لبقاء الصلة الدائمة بالقرآن.

 

غير أنّ القراءة التي أرادها القرآن ليست مجرد ترديد كلمات، ولا تلاوةً تُطلب للبركة، بل قراءة تُحرّك الفكر وتبني الوعي، قراءة تُنير البصيرة وتحفّز العمل لتغيير الواقع. فالقرآن نزل ليُتلى ويُطاع، لا ليُزيَّن به الصوت فحسب. و﴿مَا تَيَسَّرَ﴾ لا يعني القليل الهزيل، بل ما يستطيع المسلم الاستمرار عليه بقوة وثبات.

 

إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى قراءة ترتقي بها من حالة الغربة الحضارية إلى حالة الريادة. قراءةٍ تُعيد المسلم إلى موقعه الصحيح: حاملاً لرسالة الإسلام، عاملاً لإقامة الحكم بما أنزل الله، مستنبطاً من الوحي تصوراً شاملاً للحياة والسياسة والاقتصاد والمجتمع. فكم من مسلم قرأ القرآن كله، فمر على آيات الحكم، وآيات الجهاد، وآيات العدل والظلم، لكن لم يسأل نفسه: أين موقع هذه الأحكام اليوم؟ ولماذا لا تُطبق؟ وكم من قارئٍ ختم الكتاب، لكنه لم يختم التفكير في مسؤولية العمل لإقامة دولة الخلافة التي تُجسّد أحكامه في الواقع!

 

إن الدعوة إلى ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ اليوم ليست دعوة إلى مزيد من الأصوات المرتلة فحسب، بل دعوة إلى نهضة فكرية سياسية تعود بالأمة إلى الوحي، وتحرّرها من واقع التجزئة والهيمنة والتحاكم إلى الطاغوت.

 

فالقرآن إنما يُقرأ ليُطاع، ويُتلى ليُنفّذ، ويُحفظ ليُحكم به. وفي الوقت الذي يكتفي فيه كثير من الناس بالورد اللفظي، تعمل قوى الكفر والاستعمار على كتابة واقع جديد للأمة، بعيداً عن كتاب ربها.

 

وهنا تأتي أهمية إعادة قراءة القرآن قراءة حية ملهمة، قراءة تنتج أفكارا للتغيير، وتفهم أن طريق التحرر يبدأ من إعادة وصل العباد برب العباد، ولن يكون ذلك إلا بإحياء مشروع الإسلام في الحكم، وإقامة دولته.

 

فليكن لكل مسلم وردٌ من القرآن لا يتركه، وردٌ يبني فهمه، ويجدد عزمه، ويذكّره بطريق الحق والعمل له. وليكن شعارنا: اقرأ لتنهض... اقرأ لتعمل... اقرأ ليعود القرآن حاكماً في واقع الأمة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

تقي الدين البكاري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

وقفة مع آية

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾

 

 

هذه الآية تحذير رباني شديد، موجّه لكل من يحمل نور الحق ثم يخفيه. فالكتمان هنا ليس مجرد خطأ فكري، بل جريمة تُطفئ نور الهداية وتفتح الطريق أمام الباطل ليتمكن.

 

نزلت الآية أولاً في علماء أهل الكتاب الذين عرفوا الحق وكتموه، لكنها اليوم تنطبق على كل من يكتم أحكام الله، أو يجمّل الأنظمة الوضعية، أو يسكت عن بيان الحق من أجل سلطان أو دستور أو قانون.

 

وفي واقعنا نرى صوراً متعددة من هذا الكتمان: علماء يبررون للحكام ويخفون أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن الحكم بغيره كفرٌ بيّن... خطباء يتحدثون عن التوحيد، ثم يمدحون الديمقراطية والحدود الوطنية، مع أن الإسلام أمة واحدة ودولة واحدة... دعاة يعلمون أن الشرع يوجب إقامة الخلافة، لكنهم يسكتون حتى لا يُغضبوا الأنظمة... سياسيون ينتسبون للإسلام، لكنهم يخفون حقيقة أن التشريع لغير الله باطل لا يجوز الرضا به.

 

هذا كله داخل في قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾، أي يطردهم الله من رحمته، ويلعنهم كل من تأذّى من كتمانهم للحق.

 

وفي المقابل فإن منهج حزب التحرير قائم على إظهار البينات والهدى كما هي، بلا خوف ولا مجاملة، وبالصدع بأن طريق الأمة هو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وأن كل الأنظمة القائمة اليوم باطلة لا يجوز الرضا بها.

 

فالآية دعوة واضحة: إمّا أن تكون من أهل البيان، أو من أهل الكتمان، والأمة اليوم بحاجة لمن يصدع بالحق، لا لمن يسكت عنه.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤيد الراجحي – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بين استقبال ترامب لأحمد الشرع وابن سلمان

حين تكشف البراغماتية الرأسمالية عن وجهها الحقيقي

 

إن الأمة التي تُريد أن تعرف موقعها الحقيقي في العالم، لا تحتاج إلى كثير من التحليلات، ولا إلى كثرة الأضواء. يكفيها أن تنظر إلى كيف يُستقبل أبناؤها في عواصم القرار، وكيف تُعامل قياداتها حين تقف على أبواب القوى الكبرى. وما جرى مؤخراً في استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأحمد الشرع، وفي المقابل استقباله لولي عهد السعودية، ليس مجرد تفصيل سياسي، بل صورة تختصر حال التبعية وتهزّ وعي الأمة.

 

- حين يُستقبل الشرع استقبالا يُشعر بالمهانة

 

لقد تابع الناس كيف بدا استقبال أحمد الشرع في واشنطن، وكيف ظهر المشهد خالياً من أي دلالة على الشراكة أو الهيبة؛ لم نرَ بروتوكولاً رفيعاً، ولا تقديراً لمكانة، ولا لغة تدل على احترام، بل كان استقبالاً أقرب إلى الاستدعاء، يوحي بأن الرجل مُلحَق لا مُعْتَبَر، وأنه لا يملك من القرار إلا ما يُمنح له، وأن وجوده في البيت الأبيض هو مجاملة شكلية لتمرير رسائل أمريكية معدّة مسبقاً.

وهنا نتذكر قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً﴾، أي أنهم لا يحفظون عهداً، ولا يرعون حقاً، ولا يعطون للمؤمن قدرَه، ما دام بلا قوة يتكئ عليها.

 

-     وحين يُستقبل ابن سلمان استقبال المدفوع الثمن

 

وفي الجهة الأخرى، رأى العالم استقبالاً مختلفاً تماماً لوليّ العهد السعودي؛ استقبالاً فخماً، وحفاوة متكلّفة، وبروتوكولاً مُبالغاً فيه.

 

لكن الحقيقة الواضحة أن هذا الاستقبال ليس لأنه زعيمٌ قويٌّ مستقل، ولا لأنه يمثل مشروعاً حضارياً، بل لأنه زبون ضخم يدفع المليارات، ويضخ الأموال في خزائن شركات السلاح الأمريكية.

 

احترامٌ مدفوع الثمن، وهيبةٌ مبنية على فاتورة لا على قرار، ومكانةٌ تصنعها الأرقام لا المبادئ. وهذا هو جوهر البراغماتية الرأسمالية التي تحكم واشنطن: لا تحالف إلا حيث المصلحة، ولا تقدير إلا حيث المال.

 

- الشرع الإسلامي في قضية العزة والكرامة

 

وعندما نقف أمام هذه المشاهد، يجب أن نستعيد الميزان الشرعي الذي حدده الله تعالى لأهل الإيمان: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، هذه العزة حقٌّ ثابت، ليست هبة من واشنطن ولا من موسكو، ولا تنتظر شهادة من أي قوة. يقول ربنا عز وجل في وصف خصائص الأمة الحقيقية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.

 

فكيف انقلبت الموازين اليوم؟ كيف صار بعض حكّامنا أعزّةً على شعوبهم، أذلّةً أمام القوى الكبرى؟ كيف صاروا يقدمون التنازلات هناك، ويستأسدون هنا؟

 

- مقصد الاستخلاف قانون حضاري

 

لقد حدّد القرآن سنة الله في التمكين والاستخلاف، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾، وهذا الوعد ليس مجرد آية تتلى، بل هو قانون: إن الأمة لا تُعطى مكانتها إلا إذا امتلكت مقوماتها: الإيمان، والعمل، والعدل، والقرار المستقل. فإذا ضاعت هذه المقومات، ضاع معها التمكين، وصار الحاكم مهما عظم موكبه تابعاً في يد الآخرين.

 

وها هو القرآن يربط التمكين بالعمل الصالح والسيادة بالقيم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، أي أن تمكين الله ليس منحة مجانية، بل نتيجة طبيعية لهوية قائمة على العدل والعبودية لله وحده لا لغيره.

 

-     مقارنة مع الخلفاء العظماء من يصنع من؟

 

الخلفاء الراشدون ومن جاء بعدهم من القادة العظماء، لم يكونوا يستعيرون هيبتهم من الخارج. لم يكونوا ينتظرون اعتراف الغرب ولا الشرق. هيبتهم كانت تُصنع في المدينة وبغداد ودمشق وقرطبة... ثم يعرفها العالم دون استئذان. كانت الوفود تأتي إليهم خائفة أو راغبة، لا عن طريق الابتسامة الدبلوماسية، بل عن طريق احترام القوة الحقيقية... قوة العدل، وقوة المبادئ، وقوة القرار السيادي.

 

وأما اليوم فنرى بعض حكّام العرب يقفون أمام قوى كبرى، لا يمتلكون في يدهم إلا دفتر الشيكات، ولا يحملون في ملفاتهم سوى طلب الرضا.

 

فأين نحن من أولئك الذين كانوا إذا دخلوا مدينةً هابها أهلها، وإذا تحدثوا أصغى العالم؟

 

نحن نغضب لأن هذه المشاهد تكشف حالاً أعمق: حالة فقدان للعزة، وضياع للقرار، وابتعاد عن سنن الله في الاستخلاف.

 

إن الأمة التي تريد مكانها بين الأمم لن يرفعها ترامب، ولا بايدن، ولا أيّ رئيس، بل يرفعها الله سبحانه إن هي استقامت على طريقه، ويُمكّنها إذا عادت إلى شروط التمكين، ويعيد لها مجدها إذا استعادت هويتها.

 

أما أمة لا تريد إلا رضا الآخر، فسوف تعيش تحت قدميه مهما دفعت من مال، ومهما لبست من بهرجة!

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أديب عبد الله – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يغلف الدين الإبراهيمي مشروع

(إسرائيل الكبرى)؟

 

في غرفة مغلقة بإحدى العواصم الغربية، جلس ثلاثتهم حول طاولة مستديرة: شيخ مسلم بلحية مهذبة، وقس نصراني يمسك بإنجيل، وحاخام يهودي يتكئ على عصاه، ووراءهم خريطة بلا حدود واضحة... فقط نهر عابر وسماء مشرعة.

 

قال الحاخام بهدوء ممزوج بالدهاء: "آن أوان العودة للوعد، إسرائيل من الفرات إلى النيل".

 

ابتسم القس وهو يربت على كتف الشيخ: "باسم السلام الإبراهيمي، سنبني جنة الأديان الثلاثة، فلا حرب بعد اليوم".

 

نظر الشيخ إلى كفيه، ثم قال: "ما دامت الأرض ستعمر بالتوحيد، فليكن...".

 

في الخارج، كان يعاد رسم الخرائط، لا بالحروب فقط، بل بالنصوص المقدسة المؤولة، التي استخدمت لتمرير مشروع لا يحمل من القداسة إلا اسمها، بينما الشعوب تساق نحو "الحلم" الذي لم تحلم به قط.

 

إن فهمنا لهذا الغلاف الديني لمشروع (إسرائيل الكبرى) هو المفتاح لفهم طبيعة الصراع المعاصر.

 

مع عودة خاطفة لبدايات الحركة الصهيونية، نجد أنه تم ربط فكرة "الأرض الموعودة" لدى اليهود بسيدنا إبراهيم عليه السلام، كما جاء في سفر التكوين (وردت كلمة الرب إلى إبراهيم: لك ولذريتك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر العظيم نهر الفرات)، ومن ثم تحولت هذه الفكرة إلى مشروع سياسي يعمل على تحقيق هذا الوعد من خلال توسيع النفوذ وتفتيت دول الشرق الأوسط مدعوما من النصرانية الصهيونية (الذين يؤمنون بأن قيام دولة إسرائيل يمهد للعودة الثانية للمسيح، وأن قيام معركة هار مجدون في الشرق الأوسط يتطلب أن تكون إسرائيل في موضع قوة) وفاء لهذا العهد (الإلهي).

 

وها نحن اليوم في صدد دعوة لدين إبراهيمي يُستخدم كغطاء أخلاقي يسوغ مشروعا توسعيا مربوطا بنصوص تربط سيدنا إبراهيم عليه السلام بالأرض لإضعاف أي نقد داخلي أو إقليمي لهذا المشروع، كما يستخدم كخطاب سلام عالمي يقوم على دمج الأديان السماوية تحت مظلة توحيدية مركزها القدس كعاصمة موحدة لكيان يهود تمهيدا لشرعنة ضمها ولقبول فكرة إزالة المسجد الأقصى لصالح الهيكل، أي صياغة شرق أوسط جديد يكون كيان يهود قلبه النابض دينيا واقتصاديا كما أشار إليه نتنياهو في جميع خطاباته.

 

فنحن اليوم في مواجهة دين إبراهيمي جديد يطمس الهويات ويمهد الطريق باسم السلام من خلال التطبيع مع كيان يهود، ولنا في الإمارات نموذجا حيا حيث تم تأسيس "بيت العائلة الإبراهيمية" بعد توقيع اتفاقية أبراهام التي ينادي ترامب اليوم الدول العربية لإبرامها.

 

ولن يسعنا المقال لتوضيح كيف يستقطب هذا الدين ضحاياه، ولكن تجدر الإشارة إلى أنه يتم بالتدريج، والتغليف بالقيم، والتلاعب بالمفاهيم من خلال تغيير المناهج والخطاب الديني من جهة وبين التخويف من الإسلام السياسي من جهة أخرى، وبالتالي لا يشعرون أنهم فقدوا شيئا من دينهم... بينما الحقيقة أنهم تخلوا عن أهم ما فيه! قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ. وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

 

إن خطورة ما يسمى بالدين الإبراهيمي لا تكمن فقط في كونه خطاباً سياسياً مغلفاً بالدين بل في قدرته على إعادة إنتاج الاستعمار بلغة روحية ناعمة تُجرِّد الأمة من أدوات الرفض والمقاومة باسم التسامح والانفتاح.

 

فهو لا يكتفي بتزييف المفاهيم بل يعيد تشكيل الوعي تدريجياً ليجعل التطبيع قدراً والتنازل فضيلة، والاحتلال شريكاً في القداسة فيتحول الصراع من معركة وجود إلى خلاف وجهات نظر، ومن قضية أمة إلى حوار أديان، وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب حين يُنتزع منها معيار الحق ويُستبدل به منطق "التوافق الدولي" تحت شعار السلام.

 

فالحرب اليوم هي حرب دين وهوية، لكنهم غفلوا أو تجاهلوا أن لديننا خاتما وله كتاب لا يحرّف ونبيا لا ينسى وأمة ما خضعت لغير الله وإن انحنت بسبب العواصف لكنها لا تموت ولا تطمس بل لها مشروع إسلامي لا يذوب، ولا يتنازل، ولا يقايض الحق بالوهم، لأنه من عند الله، وأنه حين يعود لا يعود برداء "القبول العالمي" أو "التسامح المصطنع"، بل بميزان العدل، وصوت الحق، وراية لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 

فليخططوا كما شاؤوا، فإن مكرهم إلى زوال، وإن وعد الله حق، ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الإنجاز الحقيقي هو إيصال الإسلام إلى سدة الحكم

لا مجرّد وصول مسلمين إليها!

 

استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني، ووصف ترامب اللقاء بأنه مثمر وبناء للغاية، ومن جانبه قال ممداني إنه يقدر الاجتماع مع الرئيس ترامب وإنه يتطلع إلى العمل معا. وأضاف أنه بحث مع ترامب الأهداف المشتركة لهما. وجاء اجتماع الرجلين وجها لوجه لأول مرة بعد تراشق وخطاب عدائي متبادل بينهما في الأشهر الماضية. وفي المكتب البيضاوي قال ترامب (79 عاما) للصحفيين عقب الاجتماع، مساء الجمعة، إنه يعتقد أن ممداني (34 عاما) سيكون "عمدة رائعا" لمدينة نيويورك. وأضاف أنه لم يناقش خلال اللقاء ما إذا كان ممداني سيصدر قرارا باعتقال رئيس وزراء يهود بنيامين نتنياهو - المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة - لو زار نيويورك. وقد مدح ترامب ممداني، فبعد أن نفى عنه صفة "الجهادية"، وصفه بأنه "رجل عقلاني جدا ويرغب بشدة في رؤية نيويورك عظيمة مجددا". وأضاف الرئيس الأمريكي أن الاجتماع مع ممداني فاجأه، لافتا إلى أنه "قد نختلف في الوسائل لكن نتفق في الغاية". وأكد ترامب أن ممداني لديه فرصة للقيام بشيء عظيم في نيويورك ويحتاج مساعدة الحكومة الفيدرالية، وأنه سيقدمها له، مشددا "أتوقع أن أساعد العمدة المنتخب ممداني لا أن أضره".

 

من جهته، قال ممداني، إنه يقدر الاجتماع مع الرئيس ترامب وإنه يتطلع إلى العمل معا، مضيفا أنه بحث مع الرئيس ترامب الأهداف المشتركة لهما. وقد أبلغ ممداني الرئيس ترامب قلق العديد من سكان نيويورك ورغبتهم في توجيه أموال دافعي الضرائب لمصالحهم، كما تحدث عن ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية بتمويل أمريكي، وأضاف أنه يشارك الرئيس "فكرة تخصيص أموالنا لخدمة مواطنينا". وشدد ممداني على ميوله السياسية خلال تصريحه للصحفيين قائلا "أنا ديمقراطي اشتراكي وقد كنت دوما صريحا بشأن ذلك". (الجزيرة)

 

استهجن المراقبون حميمية اللقاء بين فرقاء الأمس، واحتاروا فيما إذا كان التراشق والعداء الذي بدا بين ترامب وممداني حقيقياً أم مصطنعاً لتحقيق غايات في نفوسهما، ولكن الظاهر أن العداء لم يكن حقيقياً من التصريحات التي صدرت عن كليهما في اللقاء الأول بينهما. وتأكد أن عمدة نيويورك الجديد قد انطوى تحت جناح رئيسه الذي وصفه بالفاشي، وما كان ينبغي له اللقاء بفاشي بصفته اشتراكي الفكر كما يدعي لو كان يعني ويعقل ما يقول ويصف. وما كان ينبغي لرئيس دولة أو ملك، كما يلقب ترامب نفسه، أن يلتقي بعمدة بلدية في مملكته، قد حقّره ونعته بأوصاف الفاشية، ولكن هذا يؤكد أن التراشق اللفظي بينهما لم يكن حقيقياً ونابعاً من خلاف بينهما في المبدأ أو حتى في الرؤى، إنما كان مقصوداً من أجل إنجاح ممداني في الانتخابات من خلال تجييش الناخبين المناهضين لترامب الرأسمالي الجشع بين (الأقليات)، ومنهم المسلمون في نيويورك وهم الأغلبية فيها، وذلك لتحقيق غايات تقتضي أن يكون شخص مثل ممداني في المدينة التي لا تنام، والتي يوجد فيها الثقل الأكبر للإيباك ويهود الداعمين لدولة يهود وصمام أمان لها والمتحكمين بسياساتها، ومن ذلك ضبط تمرد ساستها ولجمهم إن اقتضت الضرورة.

 

وكلما رشح مسلم نفسه لمنصب حكومي أو قضائي أو برلماني في الدول الغربية، سواء في بريطانيا أو أمريكا أو غيرهما، يبتهج كثير من المسلمين، وعلى رأسهم كثير من المشايخ والعلماء، معتبرين ذلك نصراً مؤزراً للإسلام والمسلمين في تلك البلاد، بصرف النظر عن برامج هؤلاء المرشحين، وما إذا كانت تخدم الإسلام والمسلمين أم لا. إذ يرضون بأقل القليل من هذه الأعمال، وهو إيصال المسلمين إلى المناصب الحكومية أو البرلمانية، مع علمهم التام والصريح بأن هؤلاء المرشحين لا يتبنون واجب الدعوة إلى الإسلام أو تحكيمه ضمن برامجهم، علاوة على أن ذلك ليس من أولوياتهم، وسبب تظاهر بعض المشايخ ومسؤولي المراكز في الجاليات هو سعيهم الحثيث لتذويب الجالية المسلمة في بلاد الغرب، وطمس هويتهم الإسلامية، بعد أن قبلوا بهذه المهمة من صنّاع القرار في الغرب رهبة ورغبة.

 

ويتجاهل الكثيرون حقيقة هؤلاء المرشحين، ومنهم ممداني، فيتغاضون عن حقيقة إسلامه ابتداءً، وما إذا كان حقاً إسماعيلياً، وأمه هندوسية، وزوجته "فنانة" غير معلومة الديانة. ويؤكد ممداني نفسه على أنه ديمقراطي اشتراكي، ويُبدي حرصاً شديداً على التواصل مع ممثلي جميع الديانات من سكان المدينة، ومنهم يهود، واللقاءات بهم ولبسه قبعتهم، ونفى التهم الموجهة إليه بشأن معاداة السامية. ويأتي لقاؤه بترامب ليكشف حقيقة أنه لا يختلف مبدئياً مع الرئيس، بل الخلاف الظاهري هو اختلاف في السياسة ضمن فن الممكن الذي لا يفسد بين السياسيين الغربيين للود قضية.

 

وهكذا فإن زهران، وعمدة لندن صادق خان، وقبلهما أعضاء الكونغرس رشيدة وإلهان، والقاضية نادية، والقاضية نصرت وغيرهم، لم يحملوا الإسلام ولو شكلاً للأمة الضالة التي فرض الله علينا جميعاً إيصال الإسلام العظيم إليها. بل معلوم لدى الجميع أن الدولة العميقة في أمريكا لا تقبل أن يدخل إلى ناديها إلا من ضمنوا أنه لن يخرج عن الخطوط التي يضعونها له، ويضمنوا ولاءه التام لها. فزهران مزدوج الولاء، للديمقراطية المشركة والاشتراكية الملحدة، وبالطبع من كان ولاؤه لقرني الشيطان، لا يُتصوّر أن يجمع بينهما دين العدل والتوحيد. وهذه عضو برلمان أقسمت يميناً مغلّظاً على الولاء للدستور والقانون اللذين يحاربان الله ورسوله، إضافةً إلى تصريحها بدعم المثليين وكل رذيلةٍ يقوم بها قوم لوط وغيرهم. وهذه مسلمة سمراء من سلالة سيدنا بلال الحبشي رضي الله عنه، لكنها لم تجعله قدوةً لها في برامجها أو في غايتها، ولو بالشكل الخارجي؛ فالتاج الحقيقي للمرأة المسلمة هو حجابها الشرعي. أما القاضية المحجبة نادية، فمصيبتها أعظم وأشد من سابقتها؛ فقد أقسمت على القرآن العظيم أن تحكم بالقانون الأمريكي الوضعي الرأسمالي الكافر! بعد كل هذا، أيعقل أن يبتهج المسلمون في أمريكا بهذه "الإنجازات" التي ستضع أصحابها موضع الحساب العسير يوم القيامة؟! هي ومن أقرّ أعمالهم غير الشرعية، وقصّر في نهيه عن هذا المنكر، وأوّلهم المشايخ والعلماء! ثم أيعقل أن يظن عاقل من المسلمين أن وصول المسلم إلى مناصب الحكم هو إنجاز وفتح عظيم؟! فكيف رفض رسولنا ﷺ الانضمام إلى دار الندوة، على الرغم من أنهم عرضوا عليه منصباً رفيعاً لا وضيعاً، تابعاً للوسط السياسي الكافر الذي كان يعيش فيه؟!

 

إن صناع القرار في الغرب وما يطلق عليهم اسم الدولة العميقة يدركون مدى سقوط حضارتهم وتكشفها لشعوبهم، وهم يدركون تماماً أن الإسلام هو البديل الحضاري العظيم، الذي ترتضيه البشرية والفطرة السوية، وهو ما تبحث عنه البشرية جميعها، ومنها شعوبهم المغبونة. لذلك كان لزاماً عليهم العمل على ترميم حضارتهم المنهارة من خلال خلط الأوراق واحتواء أصحاب الحضارة الإسلامية وتذويب جالياتها في الدول الغربية، وهذا ما جاء على لسان وزيرة خارجية أمريكا السابقة كوندوليزا رايس حين وصفت الجالية المسلمة في أمريكا بأنها "قنبلة موقوتة"، وحال الجاليات الإسلامية في باقي البلدان الغربية متشابه. والسماح لهؤلاء السياسيين بالوصول إلى مناصب الحكم أو دون ذلك هو من أجل خدمة مصالح الرأسماليين الغربيين وتأجيل انفجار القنبلة الموقوتة ومد عمر حضارتهم البالية وترقيعها. لذلك يجب ألا ينسى المرء ويظن أن وصول هؤلاء إلى المناصب نصر للإسلام والمسلمين أو أنه كان جبراً عن الدولة العميقة والرأسماليين في الغرب.

 

إن وصول المسلمين إلى مناصب الحكم لا يعني وصول الإسلام إلى تلك المناصب، بل إن وصول المسلم إليها يعطي شرعية لتلك المناصب والقوانين المعمول بها في تلك المؤسسات، وهو تضليل للمسلمين وغير المسلمين، إضافةً إلى الحكم والقضاء بغير ما أنزل الله، وهو إثم عظيم وصف الله سبحانه وتعالى فاعله بالفاسق أو الظالم أو الكافر، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وعن بُرَيْدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ؛ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.

 

إن انتزاع حقوق المسلمين في هذه البلاد لا يتحقق بالانخراط والترشّح لمناصب الحكم والقضاء في ظل نظام لا يحكم بما أنزل الله. فالسياسيون والقضاة في هذا البلد مجرد موظفين ينفذون القانون وملتزمون بالدستور الوضعي، ولا يملكون تغيير القانون أو التعامل خارجه. لذلك، مهما كانت هوية السياسي أو دينه، فإنه لا يحق له، كما لا يستطيع - حتى لو أراد ذلك - أن يخرج عن القانون أو ينحاز إلى أحكام دينه وعرقه. والسياسيون والقضاة والمؤثرون هم أكثر الناس مراقبة من خصومهم السياسيين واللوبيات المعادية لهم، لذلك تجد هؤلاء المرشحين - سواء أكانوا من المسلمين أم من غيرهم - أكثر الناس حرصاً على الالتزام التام بالقانون خوفاً من المحاسبة، بل يقدمون تنازلات عقائدية وشرعية حتى يُرضوا الخصوم ويؤكدوا لهم أنهم أكثر ولاء للنظام الظالم من غيرهم.

 

إن حصول الناس في أمريكا على حقوقهم القانونية غير مرتبط بدين أو عِرق أو ولاء سياسي، ولا يستطيع أحد أن يحرمهم منها إلا تعسفاً. لذلك، واهم من يظن أن الحصول على حقوق المسلمين لا يتحقق إلا بالانخراط في المناصب السياسية أو القضائية. ولهذا، فإن ما يتحقق من الوصول إلى مناصب الحكم والقضاء ليس إلا خسارة هؤلاء المرشحين دينهم، وتقصيرهم في حمل الإسلام بديلاً حضارياً لأهل هذه البلاد، وهو الواجب الذي فرضه الله على كل مسلم، وخصوصاً المؤثرين منهم والمراكز الإسلامية والمشايخ.

 

يجب على الجالية المسلمة في أمريكا وباقي الجاليات في الغرب أن توحد جهودها وتشكل قوة حضارية قوية، تحمل الإسلام ديناً ومنه الدولة، تدعو أهل هذه البلاد، سياسيين ومفكرين وعامة، إلى دين الرحمة الذي يُخرجهم من ظلمات وظلم الرأسمالية إلى نور وعدل الإسلام ونجاتهم من الحساب يوم القيامة. وبهذا يكونون قد أدوا ما أوجبه الله عليهم، وكانوا من أفضل الناس الذين يحسنون جوار من عاشوا بينهم. هذه هي السياسة التي يجب أن يتبناها المؤثرون وعامة المسلمين في الجالية الإسلامية، لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

متى تكون المفاوضات من أجل مصالح حقيقية

ومتى تتحول إلى أداة لتمرير السياسات الاستعمارية؟

 

 

التفاوض وهندسة الهيمنة الدولية وأزمات المنطقة

 

في الوقت الذي تتصاعد فيه الأزمات في البلاد الإسلامية، تتكاثر جولات التفاوض في عواصم العالم؛ مثل جنيف والقاهرة وواشنطن، تحت شعارات (السلام، وتسوية النزاعات، والمسارات الإنسانية، والهدن). غير أن هذه المفاوضات، في حقيقتها، باتت أكثر ارتباطاً بمصالح القوى الكبرى منها بمصالح الشعوب التي تُجرّ إلى طاولاتها.

 

فالمفاوضات اليوم لم تعد مجرّد أداة لحل النزاعات، بل تحولت إلى وسيلة ضغط وإدارة نفوذ تُعيد رسم خرائط المنطقة وفقاً لرؤية القوى الدولية. وتفرض هذه القوى أجنداتها عبر منظومة أدوات متشابكة تشمل العقوبات، وتأهيل أطراف معينة، وتضييق الخناق الإعلامي، وصناعة شرعية دولية جاهزة عند الطلب.

 

السودان: مفاوضات تتحرك بإرادة خارجية

 

شهد ملف السودان خلال الأعوام الأخيرة سلسلة من الجولات التفاوضية، كان أبرزها مفاوضات جنيف في آب/أغسطس 2024 التي لم تتجاوز فتح ممرات إنسانية، إضافة إلى ضغوط أمريكية مباشرة وصلت حدّ إمهال الجيش السوداني ثلاثة أيام للحضور، في خطوة عكست حجم الوصاية الخارجية على القرار السوداني.

 

وفي المقابل، جاء تصريح قائد الجيش السوداني في 13 آب/أغسطس 2024 بأن "لا تفاوض، ولا سلام، ولا وقف لإطلاق النار إلا بعد طرد العدو المتمرد"، ليكشف عن استراتيجية عسكرية واضحة تقوم على الحسم لا التفاوض. هذا الموقف ترافق مع تعبئة عامة، واستنفار ميداني، وتحركات عسكرية مكثفة.

 

لكن هذا النهج، كما يراه مراقبون، يُنذر بإطالة أمد الحرب، وتمكين الدعم السريع من السيطرة على مزيد من المناطق، وهو ما ينسجم مع مخطط التفتيت الإقليمي الذي تعمل عليه واشنطن منذ سنوات.

 

وفي خلفية هذه الصراعات، تجري تفاهمات غير معلنة في الغرف المغلقة، تتضمن مصالح اقتصادية وسياسية لا تظهر في البيانات الرسمية، بينما يتعامل الوسط الدولي مع قوات الدعم السريع كطرف شرعي، رغم ما ارتكبته هذه القوات من انتهاكات جسيمة.

 

غزة: مفاوضات تُصنع لخدمة الاحتلال

 

تظهر الحالة الفلسطينية بوضوح حدود التسويات التي تُرسم من خارج الإرادة الشعبية. فمنذ اتفاق أوسلو عام 1993 وحتى اليوم، تتابعت جولات التفاوض: كامب ديفيد، أنابوليس، والحوارات في القاهرة والدوحة، دون أن تحقق الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.

 

وفي غزة، أصبحت التهدئة أداة تُدار عبر وسطاء إقليميين مثل مصر وقطر، وتُستخدم لفرض وقائع جديدة تخدم الاحتلال، وتمنع الفلسطينيين من ممارسة حقهم في المقاومة.

 

الدور المصري: الوسيط الإقليمي بين السياسة والمصالح

 

في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، استضافت القاهرة جولة الحوار الاستراتيجي بين مصر والولايات المتحدة، التي تناولت ملفات السودان وليبيا والقرن الأفريقي، مؤكدة الدور المصري كمحور إقليمي فاعل.

 

مصر، عبر عقود من عهد عبد الناصر وحتى السيسي، لعبت دوراً مركزياً في المفاوضات (الفلسطينية الإسرائيلية)، واستمرت كوسيط رئيس في اتفاقيات غزة ومباحثات السودان.

 

وفي حرب السودان تحديداً، تجمع القاهرة بين الدعم السياسي والعسكري للجيش السوداني، وإن حاولت إخفاءه، وبين الوساطة الدبلوماسية التي تمنح العملية التفاوضية غطاءً إقليمياً.

 

نماذج ميدانية: الفاشر وليبيا وسوريا واليمن

 

الفاشر – السودان تشرين الأول/أكتوبر 2025: سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة بعد حصار دام 18 شهراً مثّلت إحدى أبشع الكوارث الإنسانية، مع وقوع إعدامات ميدانية، واغتصاب، ونهب مستشفيات، في ظل صمت دولي رغم تحذير الأمم المتحدة من تهديد 260 ألف مدني.

 

ليبيا: المفاوضات تحولت إلى مناورة سياسية بعد استقالة المبعوث الأممي، حيث تولت دبلوماسية أمريكية إعادة ترتيب المشهد بما يخدم مصالح الغرب.

 

سوريا: المفاوضات كرّست مناطق نفوذ دولية، وحافظت على حالة التفكك السياسي والطائفي.

 

اليمن: من ستوكهولم إلى الكويت، أصبحت القضية تُدار كملف دولي لا وطني، وجرى تثبيت الحوثيين طرفاً شرعياً ضمن منظومة "تسوية" تُعيد تشكيل اليمن وفق مصالح إقليميّة ودوليّة.

 

الاتحاد الأفريقي والإيقاد... وساطة أم أذرع تنفيذية؟

 

تتحول المنظمات الإقليمية، مثل الاتحاد الأفريقي والإيقاد، من "وسطاء" إلى أدوات سياسية تضبط إيقاع التفاوض بما يتناسب مع الرؤية الدولية.

 

فالتحرك الأفريقي يشمل: تجميد عضوية دول، وصياغة خرائط طريق، وإطلاق مبادرات سياسية بالشراكة مع القوى الغربية، وتوفير شرعية إقليمية لأي اتفاق دولي جاهز... وهي أدوار تعكس حجم النفوذ الدولي داخل هذه المؤسسات.

 

البعد الشرعي: المفاوضات بين المشروعية والانحراف

 

إن الإسلام لا يرفض المفاوضات، بل يقرّها إذا كانت لإحقاق الحق ودفع الظلم، كما في صلح الحديبية. لكنّه يرفض التفاوض الذي يؤدي إلى التنازل عن حقوق الأمة أو الخضوع لإرادة خارجية. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾، وفي زمن غابت فيه المرجعية الإسلامية، أصبحت القرارات تُحال إلى الأمم المتحدة ومجلس أمنها، لا إلى كتاب الله وسنة نبيه.

 

خاتمة: استعادة الإرادة المفقودة ومعيار الشرعية في التفاوض

 

"المفاوضات وسيلة؛ إن كانت في سبيل الله فهي حكمة، وإن كانت في سبيل الطاغوت فهي خيانة".

 

تؤكد تجارب العقود الأخيرة أن المفاوضات لا تكون مشروعة إلا إذا كانت مع أطراف شرعية، لا مع مليشيات متمردة خرجت على سلطان الدولة، ولا مع كيان مغتصب يحتل الأرض والمقدسات. فالتفاوض مع طرف غير شرعي ليس سعياً نحو حل، بل هو منح صك اعتراف وتثبيت لكيانات باطلة.

 

ومن هنا، فإن ما يجري اليوم من مفاوضات مع كيان يهود تديرها أمريكا، ومع مليشيا الدعم السريع الانفصالية في السودان، وتديرها أمريكا كذلك، ليس إلا تثبيتاً لأركان الباطل، وصناعة لشرعية مقلوبة تتجاهل جوهر الصراع وحقوق الشعوب.

 

إن الأزمات التي تعصف بالبلاد الإسلامية تثبت أن الحلول الحقيقية لا تأتي من طاولات تُدار بإرادة خارجية، ولا من صفقات تُبرم مع الخارجين على الشرعية، بل من استعادة الأمة لمرجعيتها السياسية والشرعية. ولا يتحقق ذلك إلا بعودة الإرادة الإسلامية الجامعة، وبناء كيان سياسي يعيد للأمة وحدتها، ويقطع يد الاستعمار عن قرارها.

 

فعندما تستعيد الأمة سيادتها، تصبح المفاوضات أداة من أدوات الحق لا وسيلة لفرض الهيمنة أو صناعة شرعية زائفة.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار - ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...