اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم 

جبهة صراع الإسلام والغرببين

براهين تصنع الحضارة الإسلامية وسرديّاتها،

وسرديات غربية تصنعها خيالات ومزاعم لا أساس لها

 

 

كثُر بعد حرب يهود وأمريكا والغرب على غزة استعمال تعبير "السردية"، في سياق التغيرات الكبيرة في الرأي العام الغربي والعالمي تجاه يهود وكيانهم وداعميهم في الحرب على غزة ومحيطها. وظهر جلياً انقلاب المواقف من يهود وكيانهم من إيجابية ومؤيدة إلى سلبية كارهة ومعادية لهم. ومن معادية للفلسطينيين والمسلمين عموماً إلى داعمة ومؤيدة؛ وذلك بسبب ممارسات يهود الوحشية التي تجاوزت كل حدود الفطرة الإنسانية، ولم تعد قابلة للتفهم تحت أية ذريعة. فانتشرت تعابير "السردية" و"تغيُّر السردية" أو "انقلاب السردية" بشكل كبير في الإعلام العربي والغربي والعالمي، وفي حوارات الناس وكتاباتهم.

 

لقد بدأ التغير الانقلابي في الرأي العام الغربي والعالمي من كيان يهود وممارساته، بعد فترة قصيرة من الحرب على غزة، وأخذ يزداد قوةً وجلاءً إلى أن بلغ حداً خطيراً بنظر أوروبا ثم أمريكا؛ وذلك لأن لكيان يهود وجيشه دوراً أساسياً وثابتاً في استراتيجياتهم. وكانت هذه الحرب قد حظيت في بدايتها بتأييد الشعوب الغربية، وذلك بسبب السرديات والقصص التي انتشرت وترسخت فيهم على مدى عقود طويلة، وهي سرديات تصور الغربيين أبطالاً وقدوةً للبشرية وأهل فضلٍ عليها، وتصوِّر خصومهم كالعرب والمسلمين بأنهم متطرفون وإرهابيون معتدون، وحاقدون على الغرب ويهود، وتصور يهود بأنهم مهدَّدون من العرب والفلسطينيين وفي خوف دائم منهم، وتثير الإسلاموفوبيا وتؤجج الكراهية والحقد ضد كل ما هو إسلامي.

 

ثم جاءت ممارسات يهود المدعومة من أمريكا والغرب، لتنقض تلك السرديات عند الغربيين، فقد كانت المشاهَدات المحسوسة أقوى منها، وهي أصلاً أساس إثبات الحقائق، والمقياس لصحة السرديات وصدق الأخبار. ولذلك كان من تداعيات هذه الحرب أنها حركت مشاعر، وأيقظت أحاسيس، ونبهت عقولاً لتثير تساؤلات وتشكيكات: ما هذه المفاهيم الكاذبة التي ورثناها ونبني عليها مواقفنا؟! ما هذا الدجل الذي ران على قلوبنا؟! ومَن هؤلاء الذين يعبِّئوننا بهذه المعلومات الخاطئة، والسرديات الخداعة منذ ولادتنا إلى اليوم، ولماذا؟

 

لقد حصل هذا الأمر، وأدى تلقائياً إلى نتائج جيدة وواعدة لجهة تغيير مواقف شعبية في الغرب لصالح المسلمين، ولجهة دخول كثير من الغربيين في الإسلام، ولجهة تشكيكهم بحكامهم. وهذا الأمر من أهم جبهات الصراع بين الإسلام والغرب. لذلك كان فرصةً يجب استثمارها بأقصى ما يمكن لأهداف فكرية وسياسية. ولهذا الاستثمار أساليبه التي تحتاج لطاقات المسلمين الدعوية والفكرية والعلمية في مختلف التخصصات، وشتى مجالات العلاقات، لتقوم بالخطاب والتفاعل، وبما يمكن من أنشطة التغيير الفكري والسياسي.

 

لذلك، ينبغي التنبه إلى فرق مهم في هذا الصراع؛ فرقٍ يرجع إلى محدِّدات كلٍّ من المفاهيم والمواقف الإسلامية وتلك الغربية، وهي أن الإسلام لا يعتمد على سرديات وقصص لإيجاد مفاهيم وتقرير مواقف، بل هو يستند إلى براهين وأدلة عقلية هي أساس تعيين المفاهيم وتقرير المواقف. وهذا بخلاف الغرب الذي لا تستند حضارته إلى أدلة أو براهين، وإنما هي نتاج توافقات وحلول وسطية تعتمد على العادات والموروثات والمنافع. ولذلك يحتالون لها باختلاق بطولات وقصص جذابة وحكايات مكررة. فتنشأ بذلك مجتمعات ترضى بما هي عليه وتنساق له، على طريقة الأقوام الذين كانوا يواجهون أنبياءهم بقولهم: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، و﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾. فينبغي استغلال هذا الفرق بين مستندات الفكر الإسلامي العميقة الجذور، ومستندات الفكر الغربي العائمة والهشة، لأجل تصديع بنية المجتمع الغربي، وتوهين روابطه، ودفع أبنائه لإعادة النظر بمفاهيمهم وسردياتهم ودولتهم.

 

فالمجتمعات الغربية لا غنى لها عن السرديات لإضفاء قوة على هويتها ورابطتها. وعلى سبيل المثال صوَّرت الباحثة في جامعة ستوكهولم بالسويد سوزان أولسون في دراسة لها بعنوان "سردية حزب التحرير الطوباويةُ (المثالية) المضادةُ للغرب عن الخلافة"، أنّ الصراع بين الإسلام والغرب هو صراع سرديات، وقدمت أفكار حزب التحرير بوصفها سردية مضادة للسردية الغربية. ومما قالته عن أهمية السردية وخصائصها: "السردية ليست مجرد قصة، بل هي تتكون من عدة قصص، تُشكل كُلاً منهجياً ومتماسكاً... يُعرَّف السرد بأنه: نظام متماسك من القصص المترابطة والمنظمة تسلسلياً، وبأنه: خطاب يُنتج المعنى من خلال بناء الموضوعات والواقع الاجتماعي... [هو] سردٌ عابرٌ للتاريخ، متأصل بعمق في ثقافة معينة". ومن النصوص الغربية أيضاً عن السرديات: "تُعدُّ السرديات السياسية أدواتٍ شديدة التأثير، فهي تمنح الأفراد القدرة على فهم عالم معقد... وتقدم التوجيه للضالين والحائرين، وتزداد قوتها حين تُكّرَّر وتُروى بحماسة بالغة، ممزوجة بعاطفة جارفة... فالإنسان بطبعه يميّل إلى التعلق بقصة تعيد تشكيل رؤيته للعالم كأنها نظارات جديدة يستخدمها لرؤية العالم من منظور مختلف".

 

لا يسمح المقام بزيادة بيان أهمية السرديات للمجتمعات الغربية، ولكنّ هذا الأمر مفروغ منه. لذلك كان من الأهمية بمكان الوقوف على الفرق بين الإسلام والغرب بهذا الشأن، وعلى مواضع أو مواضيع الصراع المجدي فيه.

 

إن السرديات وما تتضمنه من حكايات وقصص هي عموماً مؤلفات تدور حول أحداث أو قيم أو شخصيات، يتم تعميمها في جماعة أو مجتمع أو شعب، لتتضافر على تركيز مفاهيم وميولٍ وتطلعات معينة، ولتشكِّل رابطة فكرية ينتج عنها بسبب الحاجات ولاءاتٌ وروابط دينية أو سياسية أو وطنية، وتصنع بعد ذلك هوية. ثم يتم تركيز الهوية بتزيينها بصور من بطولات ومواقف مشرِّفة تُلصق بها، وبإضفاء معانٍ جذابة عليها، لأجل ترسيخ التعلق بها وتقويتها. فهي سرديات تستهدف صناعة رابطة وولاء وهوية موحدة للجماعة. والاهتمام بهذا النوع من السرديات موجود في كل العالم، ولكنه حاجة ضرورية للغرب، لأن دوله تعيش على أساس نظام رأسمالي لا يستند إلى أساس فكري مقنع، ولا تملك أساساً سليماً لإنشاء هوية قوية وراسخة.

 

ولا شكَّ أنَّ هناك في السرديات ما هو صحيح، ويتم تناقله، كما يتم تناقل أخبار المعارك والأشعار والأحداث اللافتة. ولكن هذه لا تكفي لترسيخ رابطة وهوية واستمراريتها، لذلك هم يتدخلون فيها تعديلاً وتحريفاً، ويؤلفون ما يحتاجونه أو يناسبهم ولو لم يكن له أصل، فينسبون لأنفسهم بطولاتٍ وإنجازات، وأعمالاً إنسانية وقيماً ومواقف مشرِّفة لا برهان عليها. وهكذا يُحرِّفون سرديات ويخترعون أخرى، فيطمسون قصص هزائم وخزي عندهم، ويروِّجون لما يحبون أن يُحمدوا به، ليصنعوا لأنفسهم هويةً وكياناً. ومهما كان شأن هذا الكيان ورابطة مجتمعه، فهو ضعيف نسبياً وقابل للتفكك عند انكشاف تلك السرديات، لذلك ينبغي تتبعها وتفنيد المُفترى منها. وهو قابل للانهيار عند مواجهته برابطة أو هويةٍ أصح منه فكراً وأحكمَ ربطاً، لذلك ينبغي إعطاء أولوية لخوض هذه المواجهة. وينبغي أيضاً إدراك أنّ الواقعين في حبائل هذه السرديات هم ضحايا لها. وأنهم بالفعل صمٌّ وعميٌ، لأنهم مُغَفَّلون وغافلون عن حقيقة أن الرابطة والهوية لا تأتي من السرديات مهما كانت جذابة أو جميلة. فكلُّ الناس والجماعات لديهم في تاريخهم انتصارات وهزائم، وصوابٌ وخطأ وحقٌ وباطل. وينبغي أيضاً مخاطبة المجتمع الغربي بأن المصدر الصحيح للرابطة والهوية هو الفكر الذي يقررهما، وليس الترويض أو التعويد أو الحكايات المكررة. ولذلك، فإن السرديات لا تشكل أكثر من معلومات يستفاد منها في فهم المجتمعات والأحداث وأخذ العِبَر. وهذا لا ينفي أن المسلمين عندهم من السرديات والروايات ما يفتخرون به ويحملهم على الاندفاع لصناعة البطولات والإنجازات العظيمة، بل عندهم منها ما لا يملك غيرُهم عُشره ولا عشر معشاره، ولكن دور هذه الأشياء يقتصر على التربية والتعليم والتحفيز، ويأتي بعد تأسيس الهوية والرابطة التي تصنع المواقف والأحداث، وتكتب التاريخ وسرديَّاته، وتهيِّئ للمستقبل وتطلعاته.

 

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. محمود عبد الهادي

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 455
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    456

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف أصبحت غينيا بيساو عقدة أمنية عالمية؟

 

 

تجسد غينيا بيساو نموذجا كلاسيكيا لدولة صغيرة ذات تاريخ سياسي مضطرب، حيث تداخل إرث الحرب الأهلية، وضعف المؤسسات، وتغلغل الجريمة المنظمة. وحتى نفهم واقعها نعود قليلا إلى الوراء مع فهم واقع غينيا بيساو الجغرافي؛ فهي تقع غرب القارة الأفريقية على ساحل المحيط الأطلسي، وتحدها من الشمال السنغال، ومن الشرق والجنوب غينيا، وفيها امتداد كبير لجزر تابعة لها.

 

فهي كانت سابقا مستعمرة برتغالية وكانت جزءا من غينيا البرتغالية، وقد نشأت الحركة الرئيسية من أجل الاستقلال باسم الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر، وكان قائدها أميلكار كابرال، حيث انطلق الكفاح المسلح في الستينات من القرن الماضي، ونالت استقلالها عن البرتغال في 24/9/1973م، وقد مرت هذه البلاد بصعوبات جمة وحالات انقلابية كثيرة.

 

أول انقلاب عسكري مهم كان عام 1980، وتمت الإطاحة بلويس كابرال، وهو أول رئيس بعد الاستقلال، وهو الأخ غير الشقيق لأميلكار كابرال، وتتالت الانقلابات والتحولات بشكل كبير، مثل انقلاب عام 2003، ومن ذلك الحين حتى اليوم تعيش غينيا بيساو ديمقراطية هشة، وانتخابات حكومية، وانقلابات عسكرية، وإسقاط حكومات، ودائما تعاني من فشل حكومي.

 

وكانت تحكم بدستور نظام شبه رئاسي منذ عام 1993، حيث اعتمدت فصل السلطات التنفيذية والتشريعية، وكانت التدخلات العسكرية هي الظاهرة الدائمة فيها، ما أنتج بيئة غير مستقرة.

 

وقبل الانقلاب الأخير في 26/11/2025، برز صراع قوي حول جداول الانتخابات والتشكيك في نزاهتها... وقبل التكلم عما بعد الانقلاب الأخير، نسأل: لماذا هي دائما غير مستقرة؟ ونجيب فنقول إن ذلك يعود إلى الأسباب التالية:

 

1- الإرث الاستعماري ولّد انقسامات سياسية كبيرة جدا.

2- اعتماد السياسة على الجيش وضعف المؤسسات المدنية وعدم استقرارها.

3- وجود مناخ قلق ومتوتر دائما لعدم الثقة بين النخب السياسية والعسكرية والمدنية.

4- اقتصاد هش وموارد محدودة وتنمية منعدمة.

 

وبعد الانقلاب أعلنت مجموعة من العسكريين تحت قيادة دينيس نكانها السيطرة على كامل البلاد، واعتقال الرئيس الحالي عمروا سيسوكو إمبالو داخل القصر، وتم تعليق جميع مؤسسات الدولة وإلغاء الانتخابات مع قرار إغلاق الحدود.

إن موقع غينيا بيساو يعتبر بوابة عبور بين أمريكا اللاتينية وأوروبا، وفيها أجواء مناسبة لعبور شبكات التهريب عبر جزرها وممراتها البحرية، وهي طريق لتهريب المخدرات، وخصوصا الكوكايين، ويعبر تجار السلاح وشبكات الجريمة المنظمة من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا عبر المحيط الأطلسي وغرب أفريقيا، مستفيدين من ضعف الدولة ومؤسساتها، ومع الأسف فإن النخب السياسية والعسكرية متورطة في ذلك.

 

وتعد غينيا بيساو الدولة الوحيدة ضمن عضوية إيكواس حيث المخدرات لا تشكل أزمة صحية فقط، بل تهدد بقاء الدولة، وأصبح هناك اقتصاد مواز قوي من مهربي المخدرات يدعم أحيانا قادة نافذين، ويستخدم كوسيلة لحماية مصالح غير رسمية.

 

وهنا يظهر الصراع وكأنه صراع نفوذ بين عصابات وجماعات دولية ومصالح عسكرية، ما يجعل مصيرها مهما لأمن واستقرار غرب أفريقيا، ولا يعتبر الانقلاب مفاجأة بالكامل، بل هو نتيجة طبيعية لواقعها غير المستقر سياسيا وضعفها الاقتصادي والجريمة المنظمة التي ترعرعت هناك.

 

ولهذا تعتبر غينيا بيساو مهمة على أكثر من مستوى؛ أمني وجغرافي وبحري وتهريبي واستقرار إقليمي، وقد لا نستطيع تأكيد التدخل الخارجي، ولكن المؤكد هو أن الفراغ السياسي سوف يفتح الباب على مصراعيه لمزيد من التدخلات الخارجية الرسمية وغير الرسمية.

 

رغم صغر حجمها وقلة مواردها، اكتسبت غينيا بيساو أهمية تتجاوز وزنها الطبيعي، ومع هذا الانقلاب تبرز هذه الدولة كنموذج لتعقيدات غرب أفريقيا، ويستمر الصراع بين شعب يرغب في بناء مؤسسات مستقرة وبين واقع إقليمي دولي تتشابك فيه مصالح الجريمة المنظمة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الراهن السياسي في السودان إلى أين؟

 

شهدت الساحة السياسية والعسكرية في السودان تطورات متسارعة مؤخرا أبرزها، لقاء ولي العهد السعودي ابن سلمان مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض وما دار بينهما في ملف السودان واحتفى مغردون على وسائل التواصل بكلمة ترامب، خلال كلمته في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي، بأن ابن سلمان، طلب حل الأزمة في السودان، مضيفاً أنه بدأ دراسة القضية بعد نصف ساعة من شرحه! وكتب ترامب على موقعه تروث سوشيال أنه سيستخدم نفوذ الرئاسة لوقف الحرب على الفور!

 

هذا اللقاء وجد ترحيبا منقطع النظير في الساحة السياسية السودانية حيث غرد البرهان عبر حسابه في منصة إكس مساء الأربعاء: "شكراً سمو الأمير محمد بن سلمان، شكراً الرئيس دونالد ترامب". وفي بيان صحفي يوم الأربعاء 19/11/2025م، كأنه كان معدا مسبقاً، قال مجلس السيادة الانتقالي: (ترحب الحكومة بجهود السعودية، وأمريكا، من أجل إحلال السلام العادل في السودان، كما تشكرهم على اهتمامهم، وجهودهم المستمرة من أجل إيقاف نزيف الدم السوداني، وتؤكد استعدادها للانخراط الجاد معهم، من أجل تحقيق السلام الذي ينتظره الشعب السوداني...).

 

من جهتها أصدرت قوات الدعم السريع ترحيباً بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته العمل على إنهاء الحرب في السودان، والذي جاء بناءً على طلب مباشر من ابن سلمان خلال لقائهما. وقد رحبت قوات الدعم السريع بالإعلان، مشيرة إلى أنها تتابع بـ"اهتمام وتقدير بالغين" التحركات الدولية المكثفة. وأعلنت "استجابتها الكاملة والجادة" لهذه المبادرات الرامية إلى تحقيق السلام. ووجهت الشكر الجزيل لترامب ولبقية قادة دول المجموعة الرباعية (أمريكا، السعودية، الإمارات، ومصر) على جهودهم.

 

ولم تظهر أوروبا واتحادها أي بيان يؤيد مسعى ترامب لإيقاف الحرب في السودان، حيث أعلن في وقت سابق عن مصادر طبقا لقناة الشرق أن وفداً عسكرياً وحكومياً سودانياً كان يستعد للقيام بزيارة رسمية إلى فرنسا وبلجيكا لإجراء مشاورات موسعة مع مسؤولين أوروبيين. وقد طرأ تأجيل مفاجئ للاجتماعات الأوروبية مع الحكومة السودانية التي كان مقرراً انعقادها خلال الأيام المقبلة لبحث وقف إطلاق النار، والتسوية السياسية، وجميع المبادرات التي تم طرحها لوقف الحرب. وكان من المقرر أن يبدأ الوفد جولته بزيارة العاصمة الفرنسية باريس في 24/11/2025، على أن يتوجه لاحقاً إلى العاصمة البلجيكية بروكسل في 27 من الشهر نفسه.

 

من خلال هذه الأحداث يظهر أن أمريكا تريد أن تسرع مخططها لتمزيق السودان وقطع الطريق على أوروبا بلعب أي دور في المشهد السوداني وهذا واضح تماما من خطاب البرهان الأخير مساء الأحد واجتماعه مع ضباط في الجيش برتبة اللواء وما فوق، حيث أكد خلال حديثه موافقتهم على مقترح ترامب الأخير وكذلك إبعاد كل مكونات القوى المدنية من تحالف ما يعرف بـ"صمود" و"تأسيس" واعتبارهما واجهات لقوات التمرد.

 

وتقرأ تصريحات البرهان ورفضهم الورقة التي قدمها مسعد بولس كبير مستشاري ترامب وبها رؤية الرباعية باعتبار أنها من باب ذر الرماد في العيون بحيث ترفض ورقة المبعوث وتقبل كلمة ترامب. من هنا يظهر أن أمريكا أحكمت القبضة الكاملة على مجريات الأمور وجهزت أدواتها الإقليمية والدولية وهي تستعد أن تلقي بورقتها الرابحة بعد تشكيل رأي عام معارض لمقترح الرباعية بحجة وجود الإمارات وبولس وقبول الناس بوجود دولة صديقة. بالتالي يتم إخراج الإمارات وإدخال تركيا وقطر وسطاء بوجود أمريكا والسعودية ومصر.

 

تشير معلومات إلى طرح الحكومة السودانية مقترحاً لإشراك تركيا وقطر كوسطاء في المحادثات مع قوات الدعم السريع. هذا الاقتراح يعكس رغبة من طرف في السودان بتوسيع دائرة الوساطة. يأتي ذلك لعلاقات كل من تركيا وقطر القوية واهتمامات استراتيجية وتنموية وإنسانية في السودان والقرن الأفريقي، وقد قامتا بجهود دبلوماسية وتقديم مساعدات إنسانية. ونادت بعض الأصوات، خاصة في التقارير والتحليلات، التي تدعو إلى إدراج تركيا (أو استبدال دولة أخرى بها) في الآلية الرباعية، لكن هذا لا يعني حدوث تغيير رسمي في تشكيل الآلية حتى الآن.

 

أعلن الرئيس التركي أردوغان، خلال مؤتمر صحفي عقده في جنوب أفريقيا، أن بلاده تسعى بجدية لتحقيق السلام في السودان، مؤكداً أن السودانيين أنفسهم يطلبون مشاركة تركيا في معالجة الأزمات التي تواجه بلادهم. وأوضح أن تركيا تنظر إلى السودان باعتباره بلداً شقيقاً، وأنها مستعدة لتوظيف خبراتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية لدعم جهود الاستقرار، مشدداً على أن تركيا ستواصل العمل مع الأطراف السودانية والمجتمع الدولي من أجل إنهاء الصراع وإطلاق مسار سياسي شامل. ويأتي هذا التصريح في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية والإقليمية لإيجاد حلول عاجلة للأزمة السودانية، وسط ترقب لدور أنقرة في دعم جهود الوساطة والمصالحة.

 

إن دور أردوغان وسياسته التي تنضوي تحت مصلحة أمريكا معلوم لكل متابع للنزاعات والصراعات في الدول العربية، على سبيل المثال سوريا وليبيا وفلسطين...

 

هذا ما يدور في المشهد السياسي، أما بالنظر إلى التطورات الميدانية العسكرية فنجد أن الجيش صار في موقع المهاجم وأحدث ضربات موجعة لقوات التمرد في ولايات كردفان واسترد مناطق حيوية منها بعد معارك طاحنة.

 

تفوق الجيش العسكري ليس جديدا، فما يملكه قادة الجيش الميدانيون من خطط عسكرية وتجارب وعتاد عسكري كافٍ لحسم التمرد من لحظته الأولى، وقد شاهد الناس مقدرة الجيش على استرداد المناطق من التمرد ودحره في ساعات عندما طالب جنود في وقت من الأوقات قيادة الجيش (بفك اللجام) وحسم التمرد، حديثا صادقا صادرا عن وعي الجنود ومقدرتهم على دحر التمرد، ولكن للقادة رأي آخر لأن قرار حسم الحرب ليس بأيديهم بل هناك من يمسك لجامها وهو من بيده الأمر ولا يريدها أن تحسم عسكريا لأن غرضه منها ذو أبعاد بعيدة المدى لمستقبل البلد ووحدته.

 

ولعمري إن الرائد الذي لم يكذب أهله يوما؛ حزب التحرير، قد كشف هذه المخططات اللعينة منذ أمد بعيد وكذلك فضح الجهات التي خططتها وأدوات تنفيذها فصار الأمر بيّناً لكل ذي عقل ولب سليم، ومع ذلك سعى حزب التحرير في الأمة ومعها من أجل إجهاض المخطط بل وتقديم البلسم الشافي لأزمة الحكم في السودان وطرد نفوذ الغرب الكافر من بلادنا فوجه منابره الإعلامية وبياناته الصحفية ومخاطباته السياسية ولقاءات ممثليه للأعيان والمؤثرين في البلد على ضرورة العمل الجاد لإجهاض مخطط الشيطان بل وتوحيد الأمة تحت راية واحدة في دولة واحدة هي دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد السلام إسحاق

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا تحظر أمريكا جماعة الإخوان المسلمين الآن؟

 

وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا تنفيذيا، الثلاثاء الماضي، يوجه وزيري الخارجية والخزانة بتقديم تقرير حول ما إذا كان سيتم تصنيف أي من فروع جماعة الإخوان المسلمين كتلك الموجودة في لبنان ومصر والأردن، منظمات إرهابية أجنبية. وكان الاتهام الذي رفعته إدارة ترامب لفروع الإخوان المذكورة هو دعم أو تشجيع شن هجمات عنيفة على كيان يهود وشركاء أمريكا، أو تقديم الدعم المادي لحركة حماس.

 

وينص الأمر على أن يتخذ الوزيران الإجراءات اللازمة خلال 45 يوما من تقديم التقرير، إذا تقرر المضي في تصنيف تلك الفروع "منظمات إرهابية أجنبية"، و"إرهابيين عالميين مصنفين بشكل خاص".

 

وقد أشار القرار إلى ما حدث عقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حيث شارك الجناح العسكري لفرع جماعة الإخوان في لبنان، إلى جانب حماس وحزب إيران اللبناني في مهاجمة مواقع في كيان يهود. أما الفرع الأردني فاتهمه ترامب بأنه يقدم دعما ماديا للجناح العسكري لحركة حماس، التي تصنفها أمريكا وألمانيا والاتحاد الأوروبي ودول أخرى كمنظمة إرهابية.

 

ويذكر أن حاكم ولاية تكساس جريج أبوت (وهو جمهوري أيضا) قد فرض الأسبوع الماضي التصنيف ذاته على جماعة الإخوان المسلمين على مستوى الولاية.

 

وقبل أشهر من هذا القرار، أعلن الأردن في نيسان/أبريل 2025، حظر كل نشاطات جماعة الإخوان المسلمين في المملكة وإغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها، متهما الجماعة باقتناء سلاح ومحاولة تصنيع متفجرات وصواريخ والتخطيط لزعزعة أمن الدولة. مع العلم أن السعودية ومصر والإمارات ودولا أخرى تصنف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية وتلاحق أفرادها منذ زمن.

 

لا يمثل الأمر التنفيذي الذي اتخذه ترامب لبدء إجراءات تصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين كـ"منظمات إرهابية أجنبية" قراراً شاملاً أو نهائياً لاعتبارات سياسية، فالقرار لا يشمل التنظيم الدولي، أو الجماعة الأم، أو معظم فروعها المنتشرة في عشرات الدول، كما لا يتضمن العقوبات المتعلقة بالشبكات المالية والإعلامية والدعوية التابعة للجماعة، وهذا يعني أن القرار يستهدف جزءاً من البنية الإخوانية، وليس هيكلها العالمي المتكامل. ولكن هذا الأمر يعكس تحولاً نوعياً واستراتيجياً في التعامل مع الحركات الإسلامية والإسلام السياسي بشكل عام.

 

فقد تعاملت أمريكا ولعقود مضت مع الجماعات الإسلامية في مختلف مناطق العالم بدعمها أو فتح الطرق لها لخدمة سياساتها حيث رأت فيها أدوات استراتيجية فاعلة لمواجهة النفوذ السوفيتي آنذاك، أو مواكبة رياح التغيير التي كانت تدفع لتغيير وجوه وأنظمة مُستهلكة.

 

فمن الثورة الإيرانية إلى الصراع الأمريكي السوفييتي في أفغانستان كانت تتداخل المصالح الأمريكية مع القوى الإسلامية، فدعم أمريكا للمجاهدين الأفغان لم يكن لبناء منظومة مبادئ أو تشكيل قوى سياسية صديقة بل كانت تبحث عن قوة قادرة على مقاومة الجيش الأحمر؛ حيث لعبت أمريكا دوراً محورياً في دعم الإسلاميين، وقامت برعاية وتجنيد وتدريب المقاتلين العرب في معسكرات بيشاور، وقدمت الأسلحة والمساعدات المالية والعسكرية للمتطوعين العرب والأجانب، كما استضافت الجامعات الأمريكية عدة محاضرين إسلاميين مثل عبد الله عزام للترويج لفكرة الجهاد وجمع الدعم الفكري والسياسي للمقاتلين.

 

كما فتحت الأبواب على مصاريعها أمام الجماعات الإسلامية في الدول العربية لإرسال الشباب تحت شعار الجهاد ضد الغزو الشيوعي السوفيتي ولم يكن الدعم مجرد سلاح أو تدريب بل كان يتضمن تمويلاً واسعاً وتسهيلات لوجستية وتنسيقاً مفتوحاً مع السعودية ودول خليجية أخرى تولت كلفة التجنيد وقدمت الرواتب وتذاكر السفر وغيرها للمتطوعين. وفي تلك المعسكرات وُلدت النواة الصلبة للجماعات الجهادية العابرة للحدود وخرجت من أفغانستان عشرات القيادات التي توزعت لاحقاً في كل ساحات الصراع الإقليمية والدولية، وهو ما جعل الإسلام السياسي مقبولا أمريكيا ومدعوما منها أحيانا لتحقيق مصالح مرحلية.

 

إلا أن هذا الطريق لم يكن مأمون العواقب فقد تحولت بعض هذه الجماعات لاحقاً إلى خصوم استراتيجيين لأمريكا بعد أن تعمقت جذورها في البلاد الإسلامية وأصبحت قادرة على التأثير السياسي والاجتماعي بشكل مباشر. وقد حاولت أمريكا احتواء بعضها ولكن العلاقات وصلت إلى طريق مسدود في كثير من الأحيان فانقلبت هي على بعض الجماعات وانقلبت عليها جماعات أخرى، حتى وقع بينهم ما صنع الحداد برز بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر فأعلنت أمريكا الحرب على ما يسمى "الإرهاب" وقامت بغزو العراق وأفغانستان، وأبقت الباب مفتوحا لعلاقاتها مع بعض الجماعات التي خدمت مصالحها في العراق والشام، وحاولت ضبط لعبة الموازنات بين حليفها الأوحد في الشرق الأوسط (أو الفتى المدلل) كيان يهود وبين بعض الجماعات الأخرى في الشام ولبنان وفلسطين ولم تثمر هذه العلاقات عن شيء، حتى جاءت عملية طوفان الأقصى فكانت الضربة القاصمة للعبة الموازنات، فانكشف سحرها وخابت آمالها، بعدما ظهر وجهها الحقيقي بدعم ربيبتها كيان يهود في حرب وحشية أبادت البشر ودمرت الحجر والشجر، فانقلب الرأي العام العالمي ضدها وضد حليفها "المدلل" بل انقلبت صورة الضحية "المزعومة" إلى صورة الجلاد المجرم حتى داخل الشارع الأمريكي نفسه، وانتفضت شعوب البلاد الإسلامية ضدها، وتعاطفا وتأييدا للمقاومة في غزة على رأسها حماس المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، بل زاد الحنق والغضب على عملاء أمريكا وأعوانها من حكام المنطقة الذين راحوا ينصرون الجلاد ويتآمرون على الضحية، فشعر أولئك بالخطر على عروشهم واهتزاز كراسيهم فتغيرت المعادلات واختلّت التوازنات ما دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الإسلام السياسي وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين. بل إن الإعلان الأمريكي - حسب مراقبين - جاء عقب زيارة ولي عهد السعودية إلى البيت الأبيض مؤخرا، وبضغط من حلفاء آخرين كمصر والأردن فقد أصبحوا يرون خطر طوفان الغضب على عروشهم فهرعوا إلى أمريكا يستجدونها الغوث والعون.

 

وقد عبر توماس باراك، مبعوث الرئيس الأمريكي إلى المنطقة عن هذا الشرخ وانفراط حبل الموازنات الذي طالما لعبت به أمريكا بقوله "إن أهل هذه المنطقة لا يعرفون معنى خضوع"، في إشارة إلى أن القوة والعنف هي المستقبل المرتقب للتعامل مع أهل المنطقة.

 

إن هذا الموقف الأمريكي تجاه الإسلام السياسي لا يقتصر على جماعة الإخوان فقط بل يشمل تقييما شاملا للتيارات الإسلامية السياسية في البلاد الإسلامية ولكن بخطوات محسوبة مدروسة ما يفسر أن القرار لم يشمل الجماعة الأم ولا التنظيم الدولي عموما بل جاء ضمن رؤية تهدف إلى وضع خطة طريق جديدة للتعامل مع تحديات الإسلام السياسي.

 

لم تكن هذه الخطوة الأمريكية غير متوقعة، بل هي توكيد على نظرة الغرب وعلى رأسه أمريكا في التعامل مع الأمة الإسلامية، فالعداء مع الإسلام هو عداء مبدئي لا تغيره البراغماتية الغربية في التعامل مع خصومها، بل يكشف أن أمريكا وعملاءها لن تغفل لهم عين حتى يقضوا على الإسلام. والمسلمون في المقابل لا تلين لهم قناة ولا ينحني لهم رأس إلا لله، وهم فوق ذلك حملة رسالة ربانية خالدة طاهرة نقية، وقد وعدهم الله بالنصر والتمكين إن هم ثبتوا لعدوهم ولم يستكينوا أو يعطوا الدنية في دينهم، فأي الفريقين أحق بالنصر والتمكين؟ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ﴾.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خالد علي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

طريق الحق لا يسلكه إلا من اصطفاهم الله

 

إن الله سبحانه وتعالى لا يصطفي للعمل في سبيله إلا من أحبهم وأراد لهم الرفعة في الدنيا والآخرة. فاختيار طريق الحق ليس صدفة، ولا هو دربٌ مفروش بالورود، بل هو طريق الأنبياء والصديقين، طريق العناء والتضحيات، طريق لا يسلكه إلا الرجال الذين باعوا أنفسهم لله، ولم يتعلقوا بزخرف الدنيا.

 

من ظن أن حمل الدعوة الإسلامية وإقامة الدين سيكون مريحاً وسهلاً، دون بلاء واختبار، فهو لم يفهم سنة الله في خلقه. هذا الطريق محفوف بالمصاعب، لكنه أيضاً محفوف بالرحمة والعناية الإلهية، والأجر العظيم الذي لا يعلم قدره إلا الله.

 

لقد كان حبيبنا محمد ﷺ خير من سار في هذا الدرب، وما أوذي نبي كما أوذي رسول الله؛ ضرب، شُتم، كُذّب، وحوصِر، وطُرد، لكنه لم يتزحزح عن دعوته، ولم يلن صوته في وجه الجاهلية.

 

خرج ﷺ إلى الطائف يطلب النصرة، فرجموه بالحجارة حتى أدميت قدماه الشريفتان، ومع ذلك لم يغضب لنفسه، بل شكا إلى ربه ضعف قوته، لا اعتراضاً، بل تذللاً وخضوعاً: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي. أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِنْ أَنْ تُنَزِّلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ. لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ...».

 

في تلك اللحظة، لم يكن ﷺ منهزماً، بل كان عبداً مطمئناً إلى اختيار الله، راضياً بقضائه، متوكلاً عليه، لا يهمه إن كان في عزٍّ أو أذى، ما دام ربه عنه راضيا غير غضبان.

 

نعم حين أوذي رسول الله ﷺ في الطائف، ورفع شكواه لربه، لم يكن ذلك ضعفاً بل قمة القوة، قوة الاعتماد على الله، لا على الناس.

 

وانظر إلى سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه، العبد الحبشي، لمّا طُرح على الرمضاء تحت شمس مكة المحرقة، ووُضع الحجر على صدره، لم يقل سوى: "أحدٌ أحد"، وهو لا يملك لا قبيلة تحميه، ولا نسباً يُدافع عنه، لكن الله ثبت قلبه، فخلّد ذكره فكان جبلاً شامخاً رضي الله عنه وأرضاه.

 

وانظر إلى آل ياسر كيف عُذّبوا وأُحرقوا بالنار، حتى قال لهم النبي ﷺ: «صَبْراً آلَ يَاسِر، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ».

 

وانظر إلى مصعب بن عمير، فتى قريش المدلل، كان أنعم شبابها ثياباً وطيباً، فلما آمن، حرمه أهله من كل شيء، ثم أُرسل أول سفير للإسلام إلى المدينة، ثم استُشهد يوم أُحد، وترك خلفه جسداً لا يُغطّيه كفن كامل.

 

هذه التضحيات لم تكن لحظات عابرة، بل هي دروس خالدة تُربينا على الثبات، مهما اشتد الظلام أو طال الطريق، والأعظم من ذلك: أن هذه التضحيات لم تذهب سدى، بل مهدت لدولة الإسلام الأولى، فكانت مكة تربية، وكانت المدينة تمكيناً... وهكذا نحن اليوم.

 

من سار على طريق الأنبياء سيُبتلى كما ابتُلوا، ولكن العاقبة للمتقين، اللهم ثبتنا كما ثبتهم، وانصرنا كما نصرتهم.

 

وهناك القصص الكثيرة والمؤثرة التي تُجسد الصبر والتضحية في سبيل الله، وتُلهب القلوب حماسة وثباتاً:

 

فهذا خبيب بن عدي رضي الله عنه أُسر عند كفار قريش، وقرروا أن يقتلوه صلباً. وقبل أن يُصلب، طلب أن يصلي ركعتين، فأذِنوا له، فصلّى ركعتين خفيفتين، ثم قال: "والله لولا أن تظنوا أني إنما أطلت جزعاً من الموت لأطلت" ثم قالوا له: أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال: "والله ما أحب أني في أهلي وولدي، ومحمد ﷺ يُشاك بشوكة" فقال أبو سفيان: "ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد لمحمد".

 

وهذا صهيب الرومي رضي الله عنه عندما أراد الهجرة إلى المدينة، تبعه كفار قريش ليمنعوه. فقال لهم: "إنكم تعلمون أني من أرماكم، فإن شغلتموني قاتلتكم، وإن تركتموني دللتكم على مالي". فأخذوا ماله، وتركوه يهاجر، فلما وصل المدينة، قال له النبي ﷺ: «رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ».

 

وهذا أنس بن النضر رضي الله عنه لم يشهد بدراً، فقال: "لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله ليرينّ الله ما أصنع" فلما كان يوم أحد، قاتل حتى وُجد في جسده أكثر من ثمانين طعنة وضربة، حتى لم تعرفه إلا أخته ببنانه. فنزل فيه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ...﴾.

 

وهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: لما هاجر رسول الله ﷺ، كانت تحمل الطعام له في الغار، وقطعت نطاقها نصفين لتربط به الطعام، فسُميت "ذات النطاقين" ثم جاء أبو جهل يضربها في بيتها ويبحث عن أبيها، فثبتت ولم تخبره وكانت حاملاً، ومع ذلك لم تضعف.

 

وهذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في فتنة "خلق القرآن"، جُلد حتى غشي عليه، وسُجن، وأُوذي، فقيل له: متى الراحة؟ قال: "عند أول قدم أضعها في الجنة".

 

فهذه النماذج، ليست حكايات تروى بل مشاعل تنير الدرب لكل من نذر نفسه لدين الله. فطريق الحق محفوف بالدموع والدماء، لكنه موصل إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

 

فلنثبت ولنصبر أيها الإخوة، يا حملة لواء الحق، فأنتم على خطا قوم نصرهم الله بعد شدة، ومكّن لهم بعد ابتلاء.

 

فهكذا يُربّي الإسلام رجاله؛ لا يبحثون عن الراحة، بل عن الرضا، لا يسعون وراء المنصب، بل وراء النصرة، لا تلهيهم الدنيا، بل يستهينون بها في سبيل إقامة دين الله.

 

فليعلم كل من يسير في طريق الدعوة، أن ما يلقاه من صعاب، وضيق، وتشويه، وسجن، وتعذيب ليس إلا تمحيصاً واصطفاءً، وأن الأجر أعظم مما يُتخيل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.

 

فيا حملة الدعوة اثبتوا، فأنتم على درب الأنبياء، والله ناصركم ولو بعد حين واعلموا أن طريق الحق محفوف بالتضحيات، ولا يثبت فيه إلا من تدرّب على الصبر والرضا، كما صبر أولو العزم من الرسل. وقد واجه رسول الله ﷺ جاهليةً أولى فكان ثباته هو النور الذي مزّق ظلامها. واليوم نعيش الجاهلية الثانية، أخطر وأشد، لأنها جاءت باسم الدين، ولكنها تفرغه من مضمونه، وتحرف الحق، وتُلمّع الباطل.

 

الصبر اليوم ليس فقط على الأذى، أو السجون، بل على الغربة، على كثرة الشبهات والتكذيب، والمطاردة والاستهزاء والتجسس، على تشويه العاملين، وعلى كثرة الداعين إلى الباطل باسم (الواقعية، والاعتدال، وأمن الوطن والوطنية).

 

ومع ذلك، فالله معنا؛ معنا بوعده ونصره وتثبيته لنا. فلتكن هذه المرحلة تربية لنا كما كانت مكة للمسلمين الأوائل، ولندعُ كما دعا الرسول ﷺ في لحظة الشدة، ونعمل بيقين أنه "ما ضاع حق وراءه مطالب".

الثبات الثبات حتى يأذن الله بتمكين دينه وعودة شرعه، في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

منظومة التعليم في بلادنا

بين التجهيل المتعمد والحاجة الملحة للإصلاح

 

 

في ركن غرفة مظلمة يجلس معلم مكسور الظهر مستندا إلى طاولة خشبية مهترئة عليها كتاب قديم مغبر، صاح قائلا: هنا دفنت عقولنا في زحام مناهج خاوية وأحلام ضائعة، هنا سجنت الأفكار وضاع نور المستقبل ونسفت أجنحة الإبداع حين تحول التعليم من رسالة إلى شهادة، والمعلم موظف مثقل بالهموم فاقد للدافع والرسالة، بلا إعداد تربوي كاف ولا امتيازات تحفزه ولا احترام مجتمعي يليق به.

 

أشار إلى النافذة وهو يعتصر ألماً، هناك يجلس شباب أنهكهم الانتظار في المقاهي يحملون شهاداتهم كما يحمل ساعي البريد عبئا لا يوصله لأحد.

 

أدرك أن الاستعمار لا يرحل تماما حين يخرج بجيوشه بل يترك وراءه خنجرا مغروسا في التعليم، فتعاد كتابة التاريخ ليصبح المستعمر منقذا والمقاوم متمردا، يفصله عن بعده الديني؛ فالطالب يتعلم الأحياء ولا يرى حرجا في تبني نظرية داروين، ويدرس الاقتصاد ويبرر الربا، ويشتغل بالقانون دون الرجوع للشريعة، خنجر شوه المنظومة التعليمية حتى غدت لا تشبه ثقافتنا ولا تاريخنا ولا ديننا، معتمدة على التكديس لا الفهم، فالطالب آلة تخزين مؤقتة يفرغها وقت الامتحان القائم على الحفظ لا على الإبداع ثم ينساها لاحقا، لا تدريبات عملية ولا مهارات تضاف، واختصاصات تدرس لا تحتاجها بلادنا، فتنتج عقلا خاملا لا يسأل ولا يفكر، بل يحفظ ويكرر، لا يحلل ولا يبدع، فيتخرج العاطلون أو المتعلمون غير المنتجين أو موظفون ليسوا أصحاب كفاية، أما من يسلط عليهم الضوء فهم نخب مرتبطة فكريا وثقافيا بالاحتلال وتلعب دورا في ترويج أفكاره وتقليص دور لغتنا العربية وتستبدل بها لغات مستعمرينا، وتشكك في صلاحية البديل الإسلامي الذي أثبت نجاحه عبر حضارات سطرت مجدها بعلمائها ونوابغها، فاختزلته في طقوس شكلية.

 

إن سياسة التجهيل التي تتبعها الدول الرأسمالية الداعمة للاحتلال بمساعدة أنظمتنا الخانعة الذليلة، بدت واضحة في الآونة الأخيرة في بلادنا؛ فهذه سوريا على سبيل المثال لا الحصر، عندما قامت الحكومة الجديدة بتقليص دروس الدين واستبدال الموسيقى بها، كأنها تبث رسالة مطمئنة للغرب، تؤكد فيها ولاءها لهم وأنها ضد التطرف وتهدف للاعتدال!

 

ولو سلطنا الضوء على ما يحدث في الضفة الغربية الآن من دعوات لتقليص أيام الدوام المدرسي إلى ثلاث أيام وإلغاء الكتب والاعتماد على ملزمات تعليمية مبسطة، وتهميش دور المعلم وإهماله وعدم إعطائه مستحقاته المالية، عندها نرى ما لا يرى.

 

تتجلى خطورة هذا الأمر في إيجاد جيل جاهل بتاريخه ولا يفهم معنى المقاومة، خاضع منزوع الهوية، يؤمن بالتفاوض لا بالجهاد. والمعلم الذي كان دائما حاملا للوعي ومربيا للصمود أصبح ملقنا بلا تأثير فكري أو أخلاقي، مجهول الرسالة.

 

ما يحدث هو معركة على وعي جيل، يراد له أن ينشأ بلا دين، بلا هوية، بلا مشروع، تحت سلطة تقدس الحاكم وتقدم الطاعة على القيم.

 

التعليم في الدول العربية بحاجة إلى ثورة، إلى مشروع نهضة لا إصلاح شكلي. لا بد من إعادة تعريف الغاية، وتصميم مناهج مرجعيتها القرآن والسنة، قائمة على الدمج بين العلوم الشرعية والعلوم الأخرى، تبني الهوية الإسلامية وتهتم بلغتها العربية، محققة غايتها في بناء إنسان قادر على إعمار الأرض بقيمه ومبادئه تحت رعاية معلم يكون قدوة، مربٍ للفكر والعقول، تم إعداده شرعيا لا مجرد أكاديمي، له هيبته ومكانته، لا ملقنا بل صاحب رسالة، وهنا تكون النتيجة جيلاً من العلماء والمجاهدين والمصلحين والمنتجين يعيدون بناء أمة عظيمة قوامها الدين وسلاحها العلم، ولن يتحقق هذا الأمر إلا بالعمل لإعادة الخلافة الراشدة القائمة على شرع الله.

 

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

وقفة مع آية

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

 

هذه الآية ترسم وعداً ربانياً عظيماً، وعداً يفوق خيال البشر وعقولهم، فالله سبحانه وتعالى يخبرنا أن ما أعدّه لعباده العاملين المخلصين هو شيء مخفيّ، فوق الوصف، فوق التصور، فوق كل ما عرفته النفوس وتمنّته.

 

لا تعلم نفسٌ، أي لا يحيط عقلٌ ولا خيال بما ادّخره الله لمن أعطى لله، وثبت على طريق الحق، وصبر على الأذى، وحمل الدعوة كما يجب.

 

وفي سياق العمل للإسلام، يذكّرنا هذا الوعد أن الطريق الذي نسير فيه - طريق حمل الدعوة، ومواجهة الباطل، والثبات على الحق - ليس طريقاً ضائعاً ولا مجهول النهاية، بل نهايته جنةٌ لا يعلم نعيمها إلا الله.

 

والآية تأتي لتقول لكل عبد صابر ثابت: اصبر على تكاليف الدعوة، اصبر على مواجهة الأنظمة الجائرة، اصبر على حمل مشروع الإسلام بين الناس، اصبر على طريق إقامة الخلافة، لأن ما ينتظرك عند الله شيء مخبوء لعظمته، شيء لو كشفه الله الآن لذابت القلوب شوقاً إليه.

 

وهذا المعنى من أعظم ما يثبّت الدعاة، خاصة في زمن تُحارَب فيه الشريعة، وتُستبدل فيه الأنظمة الوضعية مكان حكم الله، ويُشيطَن فيه كل من يدعو لإعلاء كلمة الحق.

 

فالآية رسالة: اثبت فالله لم ينسَ عملك. واعلم أن ما يخفيه الله لك، أعظم بكثير مما تظن.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤيد الراجحي – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

آسيا الوسطى العالقة بين ثلاث مطارق

 

تقف آسيا الوسطى (أوزبيكستان، كازاخستان، قرغيزستان، طاجيكستان، تركمانستان) اليوم عند نقطة فارقة من تاريخها الحديث، فهذه المنطقة التي كانت طوال قرون مفترقاً للحضارات ومساراً للقوافل والجيوش والإمبراطوريات أصبحت اليوم محاصرة بين ثلاث قوى عظمى تتنافس على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية فيها.

 

وهذه القوى هي: روسيا من الشمال، والصين من الشرق، والولايات المتحدة من الغرب؛ ثلاث مطارق ضخمة تهبط بقوة متفاوتة على فضاء جغرافي هش، لم يستطع حتى الآن بناء توازن واضح يحفظ أمنه وهويته ومصالح شعوبه.

 

أولاً: الموارد الطبيعية

 

١- أوزبيكستان: اللاعب المركزي في آسيا الوسطى

 

الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية: تقع أوزبيكستان في قلب آسيا الوسطى، وهي الدولة الوحيدة التي تربط جميع الممرات التجارية والطرق الإقليمية. وهي الأكثر سكانا في المنطقة والأقرب جغرافياً إلى أفغانستان، وهي مركز الطرق والنقل والموارد المائية والطاقة.

 

المعادن والموارد الطبيعية: تعد أوزبيكستان من أغنى دول آسيا الوسطى بالمعادن والموارد الطبيعية، وهي من أهم ركائز اقتصاد البلاد. وفيما يلي عرض شامل لأهم هذه الموارد:

 

- موارد الطاقة

النفط والغاز: تعد أوزبيكستان من الدول المتقدمة في احتياطي الغاز الطبيعي في آسيا الوسطى.

الفحم: تمتلك احتياطات كبيرة

 

- المعادن

الذهب، والمعادن المتعددة: تعد أوزبيكستان ضمن أكبر خمس دول منتجة للذهب في العالم.

اليورانيوم: تمتلك أوزبيكستان واحداً من أكبر احتياطيات اليورانيوم عالميا.

 

النحاس

- الأحجار الكريمة وشبه الكريمة: يشم، عقيق لازورد، أونيكس وغير ذلك

- مواد البناء: مواد صناعة الإسمنت، الحجر الجيري، الجبس، الرخام

- العناصر النادرة: التنغستون، هودوفير، كونغرت. الموليبدينوم مع مناجم النحاس. الرينيوم ناتج ثانوي من كالماقير، الليثيوم

 

۲-كازاخستان: العملاق الجيوقتصادي

 

الأهمية الجيوسياسية: تعد كازاخستان أكبر دولة من حيث المساحة، وفيها أكبر احتياطيات النفط واليورانيوم، وتمر عبرها 70% من طرق النقل من الصين لأوروبا.

 

المعادن والموارد الطبيعية في كازاخستان: تعد كازاخستان من أغنى دول آسيا الوسطى بالمعادن والموارد الطبيعية، وتمتلك احتياطيات ضخمة تجعلها من أهم منتجي الطاقة والمعادن في العالم.

 

- موارد الطاقة

النفط: تعتبر كازاخستان من الدول الكبرى في احتياطي وإنتاج النفط، وتلعب دورا مهما في سوق النفط العالمي.

الغاز الطبيعي: غالبية الغاز يُستخرج مع النفط

الفحم: كازاخستان من أكبر 10 دول في العالم من حيث احتياطي الفحم

 

- المعادن

اليورانيوم: تعد كازاخستان أكبر منتج لليورانيوم في العالم!

 

النحاس

خام الحديد: تملك كازاخستان احتياطيات ضخمة من الحديد.

الكروميت (خام الكروم): كازاخستان من أكبر الدول عالميا في احتياطي الكروميت

 

- المعادن الثمينة والنادرة

الذهب: منجم فاسيليكوفسكوي - من أكبر مناجم الذهب عالميا

الفضة

 

العناصر النادرة: البيريليوم، التنتالوم، النيوبيوم

- مواد البناء: تشمل: الحجر الجيري، الجرانيت، الرخام، الجبس، الرمل، والحصى وتوجد بكميات كبيرة في مختلف أنحاء البلاد.

 

٣- قرغيزستان

 

الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية: صغيرة اقتصادياً، بدون منفذ بحري، موقعها استراتيجي بين كازاخستان والصين وأوزبيكستان.

 

المعادن والموارد الطبيعية في قرغيزستان: تعد قرغيزستان دولة جبلية غنية ببعض المعادن المهمة، وخاصة الذهب، إضافة إلى موارد أخرى لها قيمة اقتصادية واستراتيجية كبيرة.

 

- الذهب (أهم مورد في البلاد): تعتبر قرغيزستان من أغنى دول آسيا الوسطى بالذهب.

- الفحم: يمتلك البلد احتياطيات فحم تستخدم أساسا لتلبية الاستهلاك المحلي.

- الأنتيمون والزئبق: قرغيزستان مشهورة باحتياطيات الأنتيمون (السورمة) في آسيا الوسطى.

- المعادن النادرة (الفلزات الاستراتيجية): تشمل مجموعة من العناصر ذات الأهمية الصناعية: البيريليوم البزموت، التنغستون الموليبدينوم.

- الرصاص والزنك والمعادن الجبلية

- الأحجار الكريمة وشبه الكريمة: تشتهر جبال قرغيزستان بوجود أنواع مختلفة مثل: اليشم (النفريت) اللازورد، الأوبال، التورمالين، الكريسوبراز.

- مواد البناء تشمل: الرخام، الجرانيت، الحجر الجيري والمواد الخام للإسمنت الرمل والحصى في معظم الوديان.

 

٤- طاجيكستان

 

الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية: حدود طويلة مع أفغانستان (1300 كم)، وموارد مائية كبيرة في جبال بامير.

 

الثروات المعدنية في طاجيكستان: تتمتع طاجيكستان بثروات معدنية متنوعة، ويعد قطاع التعدين من أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد. ومن أبرز هذه الثروات:

 

- الذهب: تعد طاجيكستان من الدول الغنية بالذهب.

- الفضة: تمتلك البلاد احتياطيات كبيرة من الفضة، وتعد من بين الدول التي تملك أكبر مناجم الفضة في العالم،

- الألمنيوم (البوكسيت): رغم قلة احتياطيات البوكسيت، إلا أن طاجيكستان تشتهر بوجود أكبر مصنع لإنتاج الألمنيوم في آسيا الوسطى، وهو مصنع تالكو الذي يعتمد على استيراد المواد الخام.

الفحم الحجري: يوجد بكميات كبيرة ويُعتبر من المصادر المهمة للطاقة،

- اليورانيوم: تملك طاجيكستان احتياطيات من اليورانيوم تعود إلى الحقبة السوفييتية، ويُعد من أهم المعادن الاستراتيجية.

- المعادن النادرة: مثل الأنتيمون، الزئبق، الرصاص، الزنك، والتنغستون، وتعد من الموارد المعدنية المهمة المستخدمة في الصناعات المختلفة.

 

5- ترکمانستان

 

الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية: حدود مع أفغانستان، موقع استراتيجي لمشروع خط أنابيب الغاز TAPI

 

الثروات المعدنية في تركمانستان: تعد تركمانستان من الدول الغنية بالثروات الطبيعية، وخاصة موارد النفط والغاز. وأهم الثروات المعدنية في البلاد هي:

 

- الغاز الطبيعي: تمتلك تركمانستان واحداً من أكبر احتياطيات الغاز في العالم.

- النفط: توجد حقول نفطية كبيرة في سواحل بحر قزوين ومناطق قرب قره بوغاز.

- اليود والبروم: تعد ترکمانستان من الدول الرائدة عالمياً في إنتاج اليود والبروم.

- الكالسيوم والمغنيسيوم والملح.

- الكبريت: توجد كميات كبيرة من الكبريت في حقول الغاز، ويُعد من الموارد المهمة للصناعات الكيميائية.

- مواد البناء مثل: الرمل، والحصى، والرخام، والدولوميت، والحجر الجيري، والمواد الأولية لإنتاج الإسمنت.

 

ثانياً:المطارق الثلاث:

 

1- المطرقة الروسية - إرث الإمبراطورية ومحاولة استعادة الماضي

 

تعتبر روسيا نفسها الوصي التاريخي على آسيا الوسطى؛ فبعد ثلاثة قرون تقريبا من السيطرة القيصرية ثم الحقبة السوفييتية، ترى موسكو أن هذه المنطقة جزء من "مجالها الحيوي"، ولذلك تعتمد أدوات متعددة وهي:

 

- الضغط الأمني والعسكري عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO).

- النفوذ اللغوي والثقافي من خلال استمرار استعمال اللغة الروسية.

- التبعية الاقتصادية عبر العمالة المهاجرة والخدمات البنكية والطاقة.

ورغم أن دول آسيا الوسطى نالت استقلالها منذ عام 1991، إلا أن موسكو ما تزال تنظر إليها كحديقة أمامية لا يجوز لغيرها التغلغل فيها.

 

علاقات دول آسيا الوسطى مع روسيا:

 

أوزبيكستان: سياسة براغماتية بدون انحياز، أكثر من 2 مليون عامل مهاجر في روسيا، الاعتماد على الطاقة الروسية (غاز، نووي)

كازاخستان: أطول حدود مع روسيا (7500 كم)، النفوذ الروسي قوي تاريخيا، القوات الروسية تدعم الأمن الداخلي.

قرغيزستان: يعتمد الجيش على روسيا، وتوجد فيها قاعدة روسية، والنفوذ السياسي والاقتصادي في البلاد قوي.

طاجيكستان: فيها قاعدة عسكرية روسية 201، ويعتمد الأمن على روسيا، العمالة المهاجرة منها تعزز النفوذ الروسي.

تركمانستان: نفوذ روسي محدود، سياسة حياد كامل.

 

2- المطرقة الصينية – الاقتصاد قبل الجغرافيا

 

بينما تتكئ روسيا على التاريخ، فإن الصين تعتمد على القوة الاقتصادية المطلقة؛ فمن خلال مشروع الحزام والطريق أصبحت الصين المستثمر الأول في الطرق والسكك الحديدية، والموانئ البرية، والطاقة، والمناجم، والاتصالات.

 

أهم أدوات بكين:

 

- القروض الضخمة التي تخلق تبعية مالية.

- الاستثمارات الاستراتيجية في النفط والغاز واليورانيوم.

- الضغط الناعم عبر الثقافة، منح التعليم، والتغلغل التجاري.

وتتميز المطرقة الصينية بأنها صامتة، لكنها تعمل بعمق، وتغير البنية الاقتصادية للمنطقة من الداخل.

 

3- المطرقة الأمريكية - التنافس الجيوسياسي وملء الفراغ

 

دخلت الولايات المتحدة بقوة إلى آسيا الوسطى بعد عام 2001 تحت شعار "مكافحة الإرهاب"، ولكن حضورها الحقيقي ذو طبيعة جيوسياسية تتمثل في منع روسيا من استعادة نفوذها، وكبح تمدد الصين شرقاً وغرباً.

 

أهم أدواتها:

 

- اتفاقيات أمنية محدودة

- دعم سياسي وإعلامي

- مبادرات اقتصادية طفيفة

- الضغط الدبلوماسي عبر منصة C5+1

 

ورغم أن النفوذ الأمريكي أضعف من النفوذين الروسي والصيني، إلا أنه يلعب دور الموازن ويمنع تكوّن قطب واحد مهيمن على المنطقة.

 

المنطقة بين الحياد الإجباري والبحث عن هوية أمام هذه القوى الثلاث، تجد دول آسيا الوسطى نفسها مرغمة على تبنّي سياسة الحياد الإيجابي أو "التوازن بين المحاور"،

 

لكن:

 

- الحياد أمام روسيا صعب بسبب التاريخ واللغة والاقتصاد.

- الحياد أمام الصين صعب بسبب التمويل الضخم والتجارة.

- الحياد أمام أمريكا صعب بسبب الحاجة إلى الانفتاح العالمي والشرعية السياسية.

 

وفي ظل هذا التعقيد، تبقى الهوية الإسلامية والثقافية لشعوب تلك المنطقة عنصرا يبحث عن مساحة للتنفس بين هذه المطارق المتصادمة.

 

الخاتمة

 

إن وصف آسيا الوسطى بأنها "عالقة بين ثلاث مطارق" ليس توصيفا أدبيا فقط، بل هو حقيقة استراتيجية. فالمنطقة تواجه تحديا مصيريا: هل تبقى ساحة تنافس بين القوى الكبرى؟ أم تتحول إلى محور مستقل يعتمد على ذاته، ويبني مؤسساته، ويستثمر ثرواته ويصوغ مستقبله بعيدا عن الضغوط الخارجية؟

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد هادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

عودة الصراع في فنزويلا

صراعُ مصالح لأعداءٍ شخصيّين

 

منذ اللحظة التي عاد فيها دونالد ترامب إلى البيتِ الأبيض، عاد معه ملفُّ فنزويلا إلى واجهة الصراع الدوليّ، فتفجّر صراعٌ مع نيكولاس مادورو بقوّةٍ تبدو أكبر ممّا كانت عليه في ولايته الأولى، إلّا أنّ ما يجري ليس مجرّد خصومةٍ شخصيّةٍ بين رئيسين كما قد يبدو على السطح، فإنّ خلف الخطابات الناريّة تختبئ شبكةٌ معقّدةٌ من المصالح الاستراتيجية؛ معركةُ نفوذ، حربٌ على شبكات المخدّرات، وضبط أمريكا اللاتينيّة.

 

وهنا سوف نتتبّع الخيوط لفهم قصّة فنزويلا من ولاية ترامب الأولى حتّى اليوم.

 

خلال سنوات حكم تشافيز ثم مادورو، تدهورت مؤشّرات الاقتصاد بشكلٍ كبير (نقص السلع، تضخّمٌ هائل، هجرةٌ جماعيّة)، وتزايدت الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان، ومع بداية ولاية ترامب الأولى بدأت عقوباتٌ على المسؤولين الفنزويليّين، وفي عام 2019 أصبحت العقوبات تستهدف قطاع النفط والشركة الوطنيّة (PDVSA)، وهو أمرٌ حاسم لأنّ النفط كان المصدر الرئيسي للعملات الصعبة للحكومة الفنزويليّة، وهذا قيّد قدرتها على التمويل وإدارة الخدمات.

 

فقد فاز نيكولاس مادورو في انتخابات عام 2018، ولكن المعارضة رفضت ذلك واتّهمته بالتزوير وغياب الرقابة الدوليّة واعتبرته غير شرعي، وبالاستناد إلى الدستور الفنزويلي لعام 1999 الذي يسمح للمجلس الوطني باتّخاذ إجراءات معيّنة عند وجود شغور في السلطة أو عند اعتبار الرئيس غير شرعي حسب المادّتَين 233 و333.

 

وحينها كان غوايدو عضواً في حزب الشباب، وهو أحد الأحزاب المعارضة في المجلس الوطني التي فازت فيها المعارضة بأغلبيّة، فأعلنت المعارضة أنّ انتخابات عام 2018 غير شرعيّة، وأنّ شغور السلطة يجعل رئيس البرلمان هو الرئيس المؤقّت حسب المادّة 233، وبذلك أصبح غوايدو هو الرئيس المؤقّت للبلاد.

 

وهنا كانت نقطة تحوّل باعتراف الولايات المتحدة بخوان غوايدو كرئيس مؤقّت، وذلك بتاريخ 23 كانون الثاني/يناير 2019، وطالبت بتطبيق عزل دولي لمادورو، وبدأت حملة دبلوماسيّة واقتصاديّة لدعم المعارضة ودفع دولي لجهود إسقاط مادورو.

 

ولكن مادورو لا يزال يسيطر على الجيش والمؤسّسات الأمنيّة، ثم جاءت ولاية بايدن، وخلالها تم منح الفنزويليّين الموجودين في الولايات المتحدة وضعاً مؤقّتاً قانونيّاً، وأيضاً تم تخفيف بعض العقوبات على قطاع النفط، حيث في عام 2022 سُمِح لبعض الشركات النفطيّة بالعمل في فنزويلا مثل شركة شيفرون، وحاولت قيادة عمليّة تفاوض بين الحكومة والمعارضة، وفي تشرين الأول/أكتوبر 2023 توصّل الفريقان، أي الحكومة والمعارضة، إلى اتّفاق تعزيز الحقوق السياسيّة وضمانات انتخابيّة، وقد رحّبت إدارة بايدن بذلك واعتبرته خطوة ضروريّة نحو حوار سلمي، وبعدها تم تخفيف بعض العقوبات على النفط والذهب والغاز، والسماح ببعض التداولات على السندات، وكل هذا بشكل مؤقّت مرتبط بنجاح الاتّفاق، وأيضاً تم تبادل السجناء بين أمريكا وفنزويلا.

 

كانت هناك أصوات تعارض بايدن وتعتبر أنّ هذه تنازلات أعطت مادورو هدوءاً نسبيّاً لاستعادة جزء من هياكل الاقتصاد والسيطرة.

 

أمّا في ولاية ترامب الثانية فقد أُريد التصعيد على فنزويلا بشكل لافت، إذ نُشرت قوّات بحريّة وجويّة كبيرة قرب السواحل الفنزويليّة، وشُنّت ضربات على قوارب قالت واشنطن إنّها تابعة لعصابات المخدّرات، وقد صنّفت الولايات المتحدة ما يُدعى (CARTEL DE LOS SOLES) كمنظّمة إرهابيّة يتزعّمها مسؤولون كبار في فنزويلا. (رويترز، 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

 

ورغم هذا التصعيد، إلّا أنّ ترامب صرّح مراراً أنّه لا يستبعد الحوار مع مادورو، حيث قال إنّ هناك استعداداً من واشنطن لمحادثات مباشرة بين ترامب ومادورو رغم الحملة المكثّفة (أكسيوس، 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2025).

 

والسؤال هنا: ماذا يريد ترامب من فنزويلا؟

 

والجواب إنه يريد عدّة أمور استراتيجيّة وسياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة منها:

 

محاربة تهريب المخدّرات والجريمة العابرة للحدود.

الضغط على فنزويلا لمحاولة تغيير النظام الحاكم وإخراج مادورو أو إجباره على التنحّي واستعادة نفوذ أمريكا في فنزويلا.

حماية مصالح أمريكا في المنطقة: أمنيّاً، تدفّق مهاجرين، تهريب، ومحاولة فرض استقرار في أمريكا اللاتينيّة.

 

ورقة تفاوض نفطيّة واستراتيجيّة ومواد طبيعيّة، وهذا ما جاء في سي إن إن بتاريخ 17/11/2025: (طرح مادورو عرض وصول تفضيلي إلى الموارد الطبيعيّة مقابل تخفيف التوتّر مع أمريكا).

 

ورغم كلّ هذا التصعيد، لا ضمانات بأنّ الضغط سيفضي إلى سقوط مادورو سريعاً لأنّه ما زال يمتلك أوراقاً قويّة، وفي الوقت نفسه فإنّ تهديد ترامب بالتدخّل العسكري يحمل في طيّاته مخاطر كبيرة، واشنطن في غنى عنها اليوم، ولكن لا يُستبعد تنفيذ عمليّة عسكريّة سريّة تغيّر الوضع بشكل سريع، أو تتّجه الأمور إلى تسوية تفاوضيّة تحقّق الاقتران لما يريد، ويُستبعد بقاء الحال لمدّة طويلة على ما هو عليه اليوم، وهذا ما يمزّق فنزويلا ولا يحقّق أيّاً من مطالب ترامب السابقة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

البراغماتية الأمريكية

وكسب ودِّ موسكو على حساب كييف وأوروبا

 

 

من يتابع السياسة الدولية يدرك أنّ أمريكا تدير مصالحها بعينٍ باردةٍ تحسب الربح والخسارة، غير آبهةٍ بشعوب العالم. وما يجري اليوم في الساحة الأوكرانية يكشف عن وجهٍ آخر من وجوه البراغماتية الأمريكية؛ إذ تبدو واشنطن - رغم الخطاب المعلن - وكأنها تبحث عن مساحة تفاهمٍ مع موسكو، ولو جاء ذلك على حساب أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين الذين ظنّوا أن الولاء للتحالف الغربي يمنحهم حمايةً استراتيجية.

 

منذ بداية الصراع قدّمت أمريكا الدعم لأوكرانيا، لكن هذا الدعم لم يكن بلا سقف، فقد بدا واضحاً أنها تتعامل معها كأداةٍ لاحتواء النفوذ الروسي، أو كورقة ضغطٍ تخدم مصالحها. ومع طول أمد الحرب وتزايد كلفتها بدأت معادلات واشنطن تتغير.

 

ربما كان من أهم أهداف هذه الحرب تحجيم روسيا والضغط عليها اقتصادياً، غير أن صمود موسكو أظهر أن الضغط الغربي لن يكسرها كما تخيّل البعض. لذلك يبدو أن التوتر مع الصين صار أولويةً أعلى من استمرار حرب الاستنزاف.

 

هذه الحسابات دفعت أمريكا للتفكير في مخرجٍ يحفظ هيبتها، ولو كان عبر تقديم تسوياتٍ تقترب من الرؤية الروسية. أمّا أوروبا، الحليف الأكثر خسارة، فهي تدفع الفاتورة الكبرى: اقتصادٌ منهك، وطاقةٌ أغلى، وصناعاتٌ تتراجع، وحالة خوفٍ استراتيجي غير مسبوق. ومع كل ذلك يشعر الأوروبيون أنّ أمريكا لا تحمل مخاوفهم بجدية، وأنّها تتحرك وفق مصالحها فقط، وتضعهم في مواجهةٍ طويلة مع روسيا دون حلولٍ حقيقية. لقد أدركوا أن التحالف مع أمريكا لا يعني المشاركة في صنع القرار، بل يعني غالباً تحمّل التكاليف دون مكاسب.

 

وقد تكون ثمة أسباب أخرى تدفع واشنطن لتخفيف التصعيد مع موسكو، منها رغبتها في التركيز على الصراع مع الصين، وهو الملف الأهم في القرن القادم اقتصادياً وتقنياً وعسكرياً. وربما رغبتها في تجنّب سباق تسلّحٍ نووي، أو الحد من التوتر المفرط الذي وضع العالم على حافة الهاوية، فضلاً عن الضغط الشعبي المتزايد على دافعي الضرائب الذين سئموا تمويل حروبٍ لا تنتهي.

 

وفي ضوء ذلك تبدو واشنطن راغبةً في إعادة ترتيب علاقتها مع موسكو، ولو كان ذلك عبر تقليص الدعم لأوكرانيا، أو دفعها للقبول بحلولٍ لا تلبي طموحاتها. وهكذا تجد أوكرانيا نفسها بين المطرقة والسندان: إمّا حربٌ بلا أفق، أو تسويةٌ تلبّي بعض مطالب موسكو. وبذلك تصبح أوكرانيا ضحية الصراع بين القوى الكبرى، والحسابات السياسية التي لا علاقة لها بالمبادئ التي ترفعها أمريكا وأوروبا.

 

لقد ثبت أنّ السياسة التي تنتهجها واشنطن ليست ساحةً للأخلاق، بل ميدان مصالح يتقدّم فيه الأقوى ويتراجع فيه الأضعف. وما يجري اليوم يُظهر بوضوح أنّها مستعدةٌ للتنازل، أو إعادة التموضع، أو تغيير خطابها إذا اقتضت مصالحها. وبات جلياً أن العلاقات الدولية التي تديرها لا يحكمها الوفاء للعرف أو الشراكات، بل الميزان الذي يُرجّح الكفة الأمريكية فوق كل اعتبار.

 

وهكذا فإنّ القرارات الصادرة من مركزٍ واحد تُنتج عالماً مختلّ التوازن، تُهمَّش فيه إرادة الأمم، وتُستضعف فيه الدول، وتُعاد فيه خرائط السياسة وفق مصالح القوى العظمى التي لا تعبأ كثيراً بثمن الدماء على الأرض.

 

لقد وصل العالم اليوم إلى مرحلةٍ مفصلية؛ لم تعد فيها الرأسمالية قادرة على إخفاء عيوبها، ولا على التستر على عفونتها الأخلاقية التي طفت على سطح الحياة الإنسانية. فهو نظامٌ يعظّم المال ولو سُحقت الشعوب، ويقدّس السوق ولو تحول الإنسان إلى سلعة، نظامٌ صنع ثراءً بلا عدل، وحرياتٍ بلا قيم.

 

ومع تفاقم هذه الأزمات صار من الضروري أن يولد نظامٌ جديد يحمل للعالم خلاصاً حقيقياً، لا ترقيعاتٍ لفظية ولا شعاراتٍ مستهلكة. وهذا النظام المرتقب بإذن الله لن يكون إلا نظام الإسلام؛ نظامٌ يوازن بين الروح والمادة، بين الحرية والمسؤولية، بين الملكية الفردية والعدالة. نظامٌ لا يجعل الدولة أداةً بيد الطغاة، ولا يجعل الإنسان رقماً في حسابات الشركات، بل يضع كرامة الإنسان فوق كل الاعتبارات.

 

وإنّ الحديث عن الإسلام ليس تعصباً ولا حلماً، بل قراءة موضوعية لواقعٍ ينهار دمّرته الرأسمالية القذرة. وإذا أرادت البشرية أن تنهض من جديد، فإن روح الإسلام بما تحمله من قيم الحق والعدل والأمان ستكون بإذن الله أحد أبرز أعمدة النهوض.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الوعي الزائف وصناعة العبد

 

فجأة في إحدى المدن ابتسم الجميع ليس لأنهم يشعرون بالفرح، بل لأن إحدى شاشات العرض وسط المدينة كتبت عبارة: "ابتسموا فأنتم أحرار"، في هذه المدينة لا أحد يصرخ، ولا أحد يحتج، ولا أحد يجرؤ على التفكير خارج الإطار المرسوم، ولا أحد يسأل لماذا؟ باختصار لأنه أحد أفراد القطيع.

 

هذه ليست بداية قصة خيالية، بل هو واقع يعاد نسجه يوميا بخيوط غربية خفية، يصنع عقولا مبرمجة ترى في العبودية اختياراً، والجهل قناعة والظلم قانوناً وفي الذل حكمة والرضا بالظلم واقعية وفي الخنوع وطنية.

 

هنا تبدأ الحكاية...

 

حكاية صناعه العبيد باستخدام أخطر أدوات الهيمنة على الشعوب ألا وهو الوعي المزيف الذي يجعل العبد يرى الواقع بعين غيره ويفكر كما يراد له أن يفكر ويعيش وهم الحرية بينما هو يقاد كالقطيع، يخشى التفكير ويقدس السلطة ولا يطالب بحقوقه متهربا من التغيير إلى التسليم مصداقا لقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾!

 

وعي يزيف الحقائق ويخدر الشعوب ويجعل العبد راضيا بقيده بل يدافع عنه، ويصفق له لأنه يرى أن في القيد أماناً، فهو يعيش في عالم من صناعة أعدائه لكنه مقتنع أنه عالم صنعه بنفسه، هنا في هذا العالم حيث تختزل الحرية في شراء هاتف أو بيت أو تغيير جنس أو دين، بينما يعتبر التمرد خيانة، عالم أعيد فيه تعريف القيم لما يخدم السلطة لا الحق.

 

هل أدركتم يوما عبارة "عبيد العبيد عبيد" فالحاكم عبد للغرب، والشعوب عبيد للحاكم الذي جعل من إعلامنا منصة لتحويل الكذبة إلى حقيقة كلما تم تكرارها، مبرمجة العقول لترضى بالواقع وتهاب التغيير لأن نتائجه مجهولة حتى أصبح الخوف ثقافة، إعلام يغرقنا بسرديات غربية قائمة على وقائع مزيفة تزين لنا الغرب كنموذج مثالي لا بد من تقليده واتباعه، وتركز على إظهار الإسلام بمظهر متطرف ومتخلف لا يصلح لزماننا هذا، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.

 

وجعل من مساجدنا منابر لرفع شعارات دينية مفرغة من مضمونها الحقيقي، تدعو للقبول بالطغيان وطاعة (ولي الأمر) وإن كان ظالما أو غير مطبق لشرع الله، كما ترفع خطابات دينية مفصلة على مقاس السلطة ترى في الجهاد ضد المحتل دماراً وفي الاستسلام ازدهاراً، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ

 

أما جامعاتنا فغدت تخرج أجيالا تحفظ ولا تفهم، تتبع ولا تسأل، نلهث وراء وظيفة وزواج، أجيالا باتت عبئا لا منتجة.

 

أصبحت أحلامنا استهلاكية سطحية غارقة في تفاصيل دنيوية ولا تحمل أهدافاً سامية بل مستسلمة للواقع.

 

وهكذا بُنيت الحظيرة على هذه الأسس الأربعة، ليقاد القطيع ضمن حلقة بكامل رضاه ليس مجبرا بل مقتنع بواقعه ويرفض أي محاولة لتحريره بل يدافع عن سجانه، حتى إذا تذمر من واقعه، بدأ بلوم نفسه وجلدها بدلا من لوم من صاغ واقعه المزيف!

 

إن هدم هذه الركائز الأربع من شأنه كسر هذه الحلقة من خلال إحياء التساؤل لا التسليم، ونشر الوعي النقدي لا التلقيني، واستعادة الدين ممن غربوه ودجنوه والعمل على إعادة مشروع الدولة الإسلامية التي تحرر الإنسان لا تستعبده. فمعركتنا الحقيقة بوصفنا حملة دعوة ليست على الأرض بل على الوعي، فالجاهل يتم تعليمه لكن المضلَّل أشد خطرا لأنه ليس بجاهل بل مبرمج بأسوأ أنواع البرمجة المحشوة برسائل خفية تجعله يظن أنه حر بينما هو عبد، يرى في الظالم ولي نعمته وفي الذل استقراراً وفي التبعية ضرورة وطنية. فدعوتنا ليست تمردا بل نداء للعودة إلى الفطرة السليمة، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، إلى ذاك الطفل الذي لم يبرمج بعد ولم تصادر أحلامه، لطفل يسأل لماذا لا نستطيع الطيران سؤال عن الحرية، عن حق الاختيار، عن رغبة في رؤية العالم كما هو لا من خلال ما يصنعه الإعلام أو التعليم المبرمج في قصص الأطفال أو أناشيد الصباح أو صورة حاكم معلقة على الجدران.

 

هدفنا إعداد جيل يشك في الإجابات الجاهزة ويقاوم التلقين، جيل اكتشف أن ما تعلمه لم يكن إلا وعيا زائفا يخدم السلطة وعدوه، ويقتل أحلامه باسم الواقعية والخوف، جيل واع تحرر من عبودية آبائه وأجداده، يسعى لنهضة أمته وتكسير قيود سجانه، يدرك أن حريته تبدأ بعبوديته لله الواحد فقط، متطهرا من أي شرك خفي، مدركا أن حياته ورزقه وموته بيد الله لا بيد حكامه، وأن الحرية لا تعني تلبية الرغبات أو الشهوات كما يدعو لها الغرب، بل حريته تبدأ من لحظة تحرره من نفسه وإخضاعها لله، فهو لا يخشى في الحق لومة لائم وإن كان أمام سلطان جائر، قال الله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. جيل أدرك لماذا خلق ليعمر الأرض ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر مطبقا قول رسولنا ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» رواه مسلم.

وهكذا نكون قد جهزنا لمعركتنا المنشودة، بجيشها المؤلف من جيل مسلح بالوعي الحقيقي المبني على الكتاب والسنة لاستعادة خلافتنا الراشدة على منهاج النبوة التي تحرر الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار فيهنأ في الدنيا ويكسب الآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً﴾.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

العراق بين مطرقة النفوذ الأمريكي وسندان التبعية الإقليمية

 

منذ عام 2003 وجد العراق نفسه في قلب مشروع دولي يُراد من خلاله إعادة تشكيله وفق مقاسات لا تشبه تاريخه. لقد أعادت أمريكا رسم خارطة السلطة، فصار العراق بلداً بلا سيادة، يتحرك قراره الاستراتيجي ضمن أطر صُنعت سلفاً في غرف السياسة الأمريكية، حتى أصبحت الملفات الخارجية والتحالفات ومفاصل القرار محكومة بسقف لا يمكن تجاوزه دون موافقة واشنطن.

 

وسط هذه المعادلة المعقدة وُلدت قوى سياسية وعسكرية كانت جزءاً من منظومة ما بعد الاحتلال، رُسمت داخل المسار الذي هندسته أمريكا نفسها. وكان "حزب الله" أحد مكونات هذا النظام، يتحرك داخل الإطار الذي رُسم للدولة وللنظام السياسي الجديد. لكن المفارقة أن الجهة التي أسست قواعد اللعبة تسعى اليوم إلى تحجيم أحد اللاعبين الذين سمحت بوجودهم، وكأنها تريد إعادة كتابة قواعد النظام وفق ميزان مصالحها المستجدّة.

 

فهي تُطلق العقوبات كما تشاء، وتفرض القرارات بمعزل عن النظام الدولي، وتتحرك في المشهد العراقي لا كدولة بين الدول، بل كقوة تعتبر نفسها فوق النظام الدولي، تُصاغ القرارات على مقاسها، وتمنح الشرعية لمن تشاء، وتنتزعها ممن تشاء. في مشهد أصبح أقرب إلى حكمٍ أحاديٍّ لا يعترف إلا بمصالحه. هذه الازدواجية جعلت من العراق ساحةً مفتوحةً للتجارب، ودولةً تُختبر فيها السياسات الدولية كأنه مختبر جيوسياسي، ليبقى شعبه يدفع الثمن الباهظ من استقراره وثرواته ومستقبله.

 

إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس صراعات الأحزاب ولا اختلاف المكونات، بل استمرار عقلية التبعية التي تأسس عليها المشهد بعد عام 2003، والتي تتجدد كلما بقي القرار مرتهناً للضغوط الخارجية أو محاصراً بمعادلات مفروضة.

 

لذلك لا يمكن لبلد أن ينهض ما لم يخرج من عباءة التبعية التي جعلت قراره مرتهناً بالخارج. إن الشعوب وحدها تملك القدرة على تغيير هذا الواقع إذا ما أرادت التغيير؛ فهي وحدها من يدفع الثمن، وهي من تستطيع حمل مشروع التحرر الحقيقي والخروج من التبعية القذرة.

 

لقد آن لهذه الشعوب أن تخرج من عزلتها، وأن تفكر خارج الصندوق، لتقول: لا للتبعية، لا للقيود، لا للقرار المستورد. آن لها أن تستعيد دورها، وتفرض إرادتها، وتستعيد وعيها المغيَّب لتصنع سيادة من الداخل لا من الخارج.

 

لقد حولت أمريكا العراق إلى بلد منزوع السيادة، بلد أثقلته الأزمات، وجعلت منه ساحة نفوذ لا دولة تملك قرارها. وقد فرض الغرب قيوداً ثقيلة على رقاب الشعوب التي ابتُليت بالتبعية والحكام الخونة، ليضمن السيطرة ويجعل السيادة حلماً مؤجلاً.

 

لكن الشعوب الحية لا تستسلم لقرارات حكامٍ نصّبهم الغرب نواطير لحماية مصالحه. وقد آن الأوان أن تستعيد هذه الشعوب مجدها المسلوب: مجد الرشيد والمعتصم، مجد السيادة التي لا تُمنح بل تُنتزع. اليوم نحن بحاجة إلى أن نستعيد روح الرشيد، وعزّة المعتصم، وهيبة من صنعوا تاريخ الأمة؛ أن نستعيد مجدنا المسلوب، وأن نرفض قيود التبعية الغربية التي تسلّطت على رقاب الشعوب ظلماً وعدواناً.

 

فالمجد ليس شعاراً، بل عهد ينتظر من يجدده، والسيادة ليست قولاً بل فعل تصنعه الشعوب. وهذا الرائد الذي لا يكذب أهله، قد نذر نفسه للعمل من أجل استعادة هذا المجد المسلوب، فهلمّ نركب سفينة النجاة التي بها تستعيدون كرامتكم الضائعة، ولنَهتفْ مكبرين: نحن أبناء الرشيد، نحن أبناء المعتصم، ولن نكون تبعاً لأحد.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ثروات الخليج ووجع الأُمّة

 

في الوقت الذي تنعم فيه دول الخليج بثرواتٍ هائلة من النفط والغاز، تتقلّب شعوب واسعة من الأُمّة الإسلامية على جراح الجوع والحروب والحرمان!

 

مشهدان متناقضان يتجاوران في عالمٍ واحد: ثروةٌ فائضة هنا، وفاقةٌ قاتلة هناك؛ شعوبٌ امتلأت بطونها حتى التخمة، وشعوبٌ تبحث في القمامة عن كِسرةِ خبز!

 

الفجوة بين الطرفين لم تصنعها الجغرافيا، بل صنعها القرار السياسي، والتبعية للغرب، وأولويات من يمسكون بزمام الأمور.

 

ومن المؤلم أن ترى أُمّة واحدة تتّسع فيها الهوّة بين حكّامٍ مترَفين وشعوبٍ مسحوقة، فيما تُهدر مليارات في صفقات لا تعود على المسلمين بشيء، بينما ملايين المسلمين يكابدون في اليمن وسوريا وغزة وأفريقيا الوسطى وآسيا حياةً لا تليق بالبشر!

 

وهنا يبرز السؤال الملحّ: كيف تُدار هذه الثروة؟ ولصالح مَن تُوجَّه؟ ولماذا غابت عن واجبها تجاه الأُمّة ومشروعها الجامع لوحدتها وعقيدتها؟

 

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الثروة في دول الخليج صارت بيد أنظمة ترتبط مصالحها بالغرب، حتى بدا وكأنّ الحكّام وكلاء يحفظون مصالح غيرهم أكثر مما يحفظون مصالح شعوبهم.

 

إن التبعية السياسية التي تربط الأنظمة الخليجية بالغرب جعلت القرار الاقتصادي جزءاً من قرار خارجي لا ينبع من حاجة الأُمّة ولا يعكس تطلعاتها، حتى تحوّلت الثروات، التي كان يمكن أن تبني مصانع، وتُحيي الزراعة، وتدعم نهضة الأُمّة من جديد، إلى أدوات توازنٍ واسترضاءٍ في لعبة دولية لا يملك المسلمون فيها إلا دور المتلقي.

 

والمشكلة أن هذه الثروات تُدار بعقلية "الملك الخاص"، لا بعقلية "الرِّكاز" الذي هو لجميع المسلمين، فتتصرّف بها طغمةٌ مجرمة تبعثرها بين ملذاتها، وبين منحٍ تُقدَّم لدول الغرب عدوة الإسلام والمسلمين، لتتحول إلى عتادٍ وطائرات تُقصف بها مدننا ويُقتل بها الأبرياء!

 

لقد آن للأُمّة أن تستعيد وعيها، وأن تدرك أن ثرواتها ليست ملكًا لحاكمٍ عابر، ولا لطغمةٍ من السُّرّاق تعيش في أبراجها العاجية بعيدًا عن معاناة المسلمين.

 

إن النفط والغاز والذهب وسائر الخيرات ليست صكوكاً تُمنح للغرب، ولا أرصدة تُهدر في قصور الحكّام وصفقاتهم؛ بل هي حقٌّ للأُمّة كلّها، وأمانةٌ حمّلها الله للشعوب قبل الحكّام. ولذلك، فإنّ واجب الشعوب - حين تعي قوتها وتكسر حاجز الخوف وتطالب بعدالة توزيع الثروة - أن تُرْجِف يد الطغاة، ويعود المال المسلوب إلى أصحابه. ولتعلم الأُمّة كلها أن النهضة لا تأتي بهبات الخارج ولا بوعود الغرب، بل حين تقول الشعوب كلمتها وتنتزع حقّها. فليقُم كلُّ مسلمٍ بدوره؛ فالأُمّة التي تترك مالها بيد الطغاة تفقد مستقبلها، والأُمّة التي تستعيد ثرواتها تستعيد عزّها ومكانتها بين الأُمم. وذلك لا يكون إلا بعودة دولة الإسلام؛ دولة المسلمين. فاعملوا جاهدين على إقامتها من أجل عزّتكم وكرامتكم في الدنيا والآخرة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أي إفك مفترى هذا ومن فوق منبر رسول الله؟!

خطبة جمعة لاتخاذ كفر العلمانية ديناً!

 

تالله ما كانت أنظمة الضرار فينا إلا معاول هدم لديننا ودنيانا والترجمة التامة لحقيق قول الجليل سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾، يناقضوننا دنيانا وآخرتنا، إسلامنا العظيم ولغتنا وتاريخنا، يبغونها عوجا ويبغون أبناء هذه الأمة المنيعة بإسلامها العظيم ضُلَّالا فجارا مَرتعا للغرب الكافر المستعمر ومطايا لتحقيق مآربه الاستعمارية الخبيثة.

 

بالأمس كانت علمانيتهم مُتَلَفِّعَة بوشاح صفيق من كهنوت، تبغي الناس رهبانا وكهنة وسدنة لأصنامها. أما اليوم فعلمانيتهم كافرة فاجرة سافرة متفحشة تبغي الناس كفارا فجارا، بعد أن صيرت من وزارة أوقافها معملا لتحريف الدين ووزير أوقافها فأساً لتخريب إيمان المسلمين وكبير سدنة معبد المنظومة العلمانية وأصنام قوانينها الكافرة.

 

لقد انتهت هذه الأنظمة إلى كفر العلمانية الصريح، وها هي تسرع وتكثف العلمنة لصد الناس عن صراط الإسلام المستقيم، وحملهم وقسرهم على علمانية الغرب الكافرة الفاجرة، وها هي منابر مساجد المسلمين بالمغرب قد صيرها النظام الآثم أبواقا لكفر العلمانية، فخطبة الجمعة التي سودت أوراقها في الدهاليز السفلى للنظام، وعممت على قراء ومشايخ النظام كخطبة موحدة، وفرضت على أهل المغرب المسلمين، كان عنوانها لهذه الجمعة 21 جمادى الآخرة 1447ه الموافق 12/12/2025م، "الحرص التام على احترام اختيارات الأمة والقوانين المنظمة للحياة"، ومن شنيع ما ورد فيها من إفك مفترى وبهتان عظيم: "ففي إطار تسديد التبليغ وبيان حقيقة الدين والتدين الصحيح... واليوم يأتي الحديث عن أمر جامع من أمور الجماعة، وهو؛ وجوب احترام القوانين المنظمة للحياة، واحترام اختيارات الأمة في شأنها العام، ومعنى الحديث؛ هو وجوب وفاء المسلمين بما تعاقدوا عليه من الشروط فيما بينهم، ومن أهم هذه العقود ما يسمى اليوم بــ"العقد الاجتماعي" الذي يربط الدولة بالمجتمع، وعليه تتفرع سائر الحقوق والواجبات المصاغة في القوانين المنظمة للحياة... عباد الله؛ إن احترام القوانين المنظمة للحياة على اختلاف أنواعها ومجالاتها من صميم الشريعة، فيجب احترام العقد الاجتماعي الأول المتمثل في وثيقة الدستور تدينا، ثم ما تفرع عنه في كل شأن من الشؤون، في أمور الناس الخاصة والعامة...".

 

أي إفك وبهتان عظيم فاضت به هذه الخطبة، عجباً هي هي المنظومة العلمانية ونظامها التي تحكمنا لأزيد من قرن من الزمن، فترة هدم خلافة إسلامنا العظيم واستعمار الغرب الكافر لأرض الإسلام، وتعنتنا بعلمانيته الكافرة بالحديد والنار. ثم ابتكر بعدها طريقة في إدارة استعماره وتنفيذ كفر علمانيته بتكاليف صفرية عبر الدولة الوطنية التي أنشأها وجعل لها خرقة وحاكماً عميلا للاستعمار واستغبى العامة بعيد للاستقلال.

 

والمغرب ليس استثناء، فقد حكمه المستعمر الفرنسي والإسباني والدولي بطنجة في شماله بعلمانيته الكافرة، ثم أنشأ له كباقي المستعمرات دولة وطنية على مقاس الاستعمار، يحكم فيها بدستور علماني جذره التشريعي ومصدره الدستوري دستور المستعمر الفرنسي وجمهوريته العلمانية وقوانينها العلمانية.

 

فدستور 2011 الأخير الذي أقره النظام وفرضه على أهل المغرب المسلمين، كان تأسيسا لعلمنة شاملة استغرقت كل مناحي الحياة وكل مفاصل المجتمع؛ الحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم والقضاء والإعلام والفكر والثقافة. فلقد كرس دستور 2011 علوية حقوق الإنسان العلمانية الغربية وجعلها أساسا للنظام القانوني، وجعل المحكمة الدستورية في المغرب وصياً على علمانية القوانين، عبر مراقبتها لدستورية القوانين ومدى احترامها لحقوق الإنسان، فدستور 2011 يجعل حقوق الإنسان الغربية العلمانية حاكمة على القوانين المحلية طبقا لمقتضيات المادة 19 والاتفاقيات الدولية التي وقعها وصادق عليها النظام في هذا الإطار.

 

فكل حديث على إسلامية الدولة والنظام والمنظومة هو محض دجل للنظام يستغفل به أهل المغرب المسلمين، ويساعد في ذلك منافقو القراء الكذبة وسذج المشايخ. فنحن أمام نظام غارق في أوحال العلمانية ومنخرط في حرب الغرب الحضارية الصليبية لعلمنة حياتنا وتحويلنا إلى مسوخ علمانية ضالة!

 

هو وزير أوقاف المنظومة العلمانية نفسه الذي أقر بعلمانية الدولة والمنظومة وقالها صريحا فصيحا "إننا علمانيون"، ذلك ما صرح وأفصح به في حديث مع ماكرون رئيس فرنسا العلمانية، وأعلنه الوزير في قبة برلمان النظام أمام برلمانيي النظام.

 

هو الوزير العلماني نفسه الذي شهد على ذلك بعظمة لسانه، هو هو من يفري فريا شنيعا اليوم، ويعمم على قراء ومشايخ النظام خطبة موحدة تدعو أبناء الإسلام بالمغرب إلى الإذعان للمنظومة العلمانية الكافرة بل واحترام قوانين جاهليتها المعمول بها، بل ويزيد إفكا ويدعي زورا أن العلمانية وكفرها وظلم وجور قوانينها هي اختيارات الأمة!

 

وكأنك بأهل المغرب المسلمين هم من اختاروا إفساد تعليمهم وتجهيل وتضليل أبنائهم وإفساد أخلاق عيالهم وسفور بناتهم! وكأنهم هم من اختاروا هذا الإعلام العاهر وتفحش طوطو ومهرجانات الفحش والزنا والخمور بمراكش وموازين (مهرجان مراكش للسينما الأخير قبل أيام عرض فيلما للدعارة ممولا من إدارة النظام (المركز السينمائي المغربي) بمبلغ 400 مليون سنتيم لنشر الزنا والتشجيع على فاحشته باسم حرية الجسد)! وكأنك بأهل المغرب المسلمين هم من اختاروا وطالبوا بفاحشة سيداو مدونة لأسرهم ولجعلها نظامهم الاجتماعي لتفكيك أسرهم وانفجار الطلاق فيهم، وبديلا عن طهر أحكام شرع ربهم الحنيف! وكأنك بأهل المغرب المسلمين هم من اختاروا الخيانة والتطبيع مع كيان يهود الغاصب لمقدساتهم والقاتل لأبنائهم، ودم ذويهم بغزة الأبية ما جفت بعد! وكأنك بأهل المغرب المسلمين هم من اختاروا الربا والخمور والزنا التي فرضت عليهم باسم العلاقات الرضائية، واختاروا نهب ثرواتهم وإغراقهم في بحر من الديون الربوية! وكأنك بأهل المغرب المسلمين هم من اختاروا تعطيل شرع ربهم ومحادّته في أمره وحكمه وعظيم انتهاك حرماته والفجور في معصيته!

 

أي إفك مبين هذا وبهتان عظيم يفترى ومن على منبر رسول الله ﷺ! وأي ظلم عظيم هذا يا أهل الحق من العلماء الربانيين بالمغرب!

 

لعمرك ما كانت إلا دعوى شيطان، أن يجعل لنا من علمانية الغرب الكافر دينا ومن معصية الله شرعة ومنهاجا، وندعى إلى التدين بكفر العلمانية، ونكاية بنا من منابر بيوت ربنا مساجده ومحراب نبيه ﷺ.

 

قتلت هذه الأنظمة ما ألعنها، ما من كفر وضلال إلا واستجلبته إلى ديار المسلمين، وما من بقية إسلام إلا وطمسته ومسخته وشوهته، وهي منغمسة في عبثها الدائم المستمر بدين الناس، تمشيا مع حقارة وخسة وظيفتها الاستعمارية في حربها للإسلام واستماتتها في تركيز كفر علمانية الغرب وفلسفتها وشرائعها وقوانينها، وإفساد دين الناس وخراب دنياهم وخسران آخرتهم.

 

دين على هوى الغرب الكافر وعلى مقاس دويلات الاستعمار ووظيفتها الاستعمارية، وعلى قدر زيغ الرويبضة وطيشه.

 

صدق الله وكذبت أنظمة الإفك والضلال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

أزمة ارتفاع معدلات الطلاق في مصر

جذورها الحقيقية وأسبابها وغياب الإسلام وحلوله

 

 

 

خلال سنوات قليلة، قفزت معدلات الطلاق في مصر إلى مستوى غير مسبوق، حتى تجاوزت 273 ألف حالة في عام 2024. هذه ليست مجرد أرقام، بل صرخات لبيوت انهارت، وأطفال تشتتوا، وزوجين دخلا الحياة الزوجية بحثاً عن السكينة فإذا بهما يجدان القلق والمشكلات.

 

ورغم آلاف الحملات، والدورات، والبرامج الإعلامية، فإن الظاهرة تزداد؛ ما يعني أن المشكلة ليست في الإرشاد اللفظي، بل في منظومة كاملة خرجت عن طريق الإسلام وذهبت بالمجتمع إلى مسارات خطيرة.

 

لماذا يحدث هذا الانهيار الأسري؟

 

تتفجر الأزمة من عدة أسباب متشابكة، لكن أخطرها ما يلي:

 

1- ضغوط اقتصادية تخنق البيوت

 

أصبحت المعيشة عبئاً لا يحتمل؛ أسعار ترتفع، دخول تتراجع، بطالة تتسع، ديون تزداد، شقق لا تُطاق أسعارها. ومن الطبيعي أن يتحول البيت إلى ساحة توتر؛ فالزوج يشعر بالعجز، والزوجة تشعر بعدم الأمان، فتبدأ شرارة الخلاف.

 

2- إعلام يهدم القيم

 

قدم الإعلام في السنوات الأخيرة المرأةَ في صورة "المتمردة على الزوج"، "القادرة على الاستغناء عنه"، "من حقها أن تفعل ما تشاء"، بينما يُظهر الرجلَ دائماً ظالماً، جاهلاً، قاسياً، لا يستحق الاحترام.

هذا الخطاب المستمر زرع في نفوس كثير من النساء جرأة على الزوج داخل البيت، بينما في المقابل لا تجرؤ المرأة على مخالفة مديرها في العمل، ولا الاعتراض على ظلم المؤسسة التي تعمل فيها.

أصبح الزوج الحلقة الأضعف في نظر الإعلام، والبيت ساحة تمرد، بينما الخارج هو مكان "الانضباط والطاعة"!

 

3- الاختلاط المفرط وما يغرسه من فتن

 

بيئات العمل المختلطة التي تُفرض على الرجال والنساء تفتح أبواباً من الشر لا تُغلق. تبدأ القصة بمزاح، أو اهتمام، أو حديث جانبي، ثم إعجاب، ثم انزلاق تدريجي، ثم خيانة، وفي النهاية تدخل الأسرة في طريق واحد: الطلاق.

الإسلام لم يُحرم الاختلاط عبثاً، بل لأنه يعلم طبيعة النفس البشرية، وما قد ينشأ عنها إن تُركت بلا ضوابط.

 

4- قوانين وضعية تفكك الأسرة بدل أن تحفظها

 

القوانين الحالية جعلت الطلاق سلاحاً في يد كل طرف، وزرعت العناد مكان الرحمة. منظومة الأحوال الشخصية القائمة لا تستند إلى الإسلام، بل إلى تشريعات غربية، فكانت النتيجة مزيداً من النزاعات، وأزمات الحضانة والنفقة والرؤية، وصراعاً طويلاً في المحاكم.

 

5- تغير القيم وضياع فهم الزواج بوصفه "ميثاقاً غليظاً"

 

الإسلام وصف الزواج بالميثاق الغليظ؛ أي أنه عهد ثقيل، لا يجب نقضه إلا لأسباب حقيقية، لكن الإعلام والثقافة الحديثة جعلته علاقة خفيفة يمكن إنهاؤها لأي خلاف بسيط.

 

 كيف ينظر الإسلام إلى الأسرة؟

 

الإسلام ليس مجرد مواعظ، بل هو نظام حياة كامل يحمي الأسرة من جذور المعاناة. وحين نعرض رؤية الإسلام، فإننا لا نقدم أفكاراً نظرية، بل حلولاً عملية طبقتها الدولة الإسلامية قروناً فحفظت البيوت وأقامت مجتمعاً متماسكاً.

 

1- إعادة الاعتبار للزوجية بوصفها ميثاقاً لا علاقة عابرة

 

جعل الإسلام الزواج سكناً ورحمة، وجعل الطلاق آخر مرحلة بعد كل محاولات الإصلاح. هذا الفهم يضبط العلاقة ويمنع التهور والانفعالات المؤدية للطلاق.

 

2- ضبط العلاقة بين الرجل والمرأة

 

الرجل مسؤول عن الإنفاق والحماية والرعاية. والمرأة مسؤولة عن السكينة ورعاية البيت وشؤونه.

 

هذه الأدوار ليست ظلماً لأحد، بل توزيع إلهي يحقق الانسجام، ويمنع الصراعات التي نشأت بسبب "تشابه الأدوار" الذي فرضته الثقافة الرأسمالية.

 

3- منع الاختلاط الذي يفتح باب الفتنة

 

الإسلام لا يقبل اختلاطاً غير مبرر ولا منضبط يتيح النظر، والحديث، والمزاح، والتقارب العاطفي بين الرجال والنساء. فذلك هو بوابة كثير من الخيانات، وما يترتب عليها من طلاق وانهيار.

 

4- محاسبة الإعلام وإلزامه بخطاب إصلاحي

 

الدولة في الإسلام لا تسمح لإعلام يعبث بالعقول، أو يقدم صورة المرأة المتمردة، أو يشوه صورة الزوج، أو يبث مسلسلات الخيانة وكأنها أمر طبيعي، بل يلتزم الإعلام بإشاعة الفضيلة، وحماية الأسرة، وإظهار قدسية العلاقة الزوجية.

 

5- إقامة نظام قضائي شرعي يعالج الخلاف بعدل ورحمة

 

أحكام الإسلام تقوم على الإصلاح، والتحكيم، والصلح، وتضع الطلاق في أضيق دائرة. وحين يكون القضاء شرعياً، تختفي المكايدة، وتنتهي معظم النزاعات قبل أن تصل للمحاكم.

 

6- معالجة الأسباب الاقتصادية من جذورها

 

يضمن الإسلام حياة كريمة بمعالجات اقتصادية جذرية؛ فيمنع الربا والاحتكار، ويضمن الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع؛ فيضمن للفرد أن يصل إلى حد الكفاية في المأكل والملبس والمسكن، ويضمن للفرد في المجتمع الأمن والتعليم والرعاية الصحية على أعلى مستوى وبالمجان، ويضمن الكماليات حسب القدرة، ويمنع الإسلام تسليم موارد البلاد لشركات الغرب ومؤسساته الرأسمالية ويوجه عائداتها لرعاية شؤون الناس رعاية حقيقية، ما يؤدي للقضاء على الفقر، وحين يزول الفقر، يزول جزء كبير من مشاكل البيوت.

 

 ما الذي يجب القيام به اليوم؟

 

1- تصحيح المفاهيم التي زرعها الإعلام

 

يجب أن يدرك الناس أن جرأة المرأة على زوجها ليست قوة، بل طريق إلى انهيار البيت. وخجلها من مديرها في العمل وتزينها أمامه وتلطفها في الحديث معه وخروجها عن فطرتها ليس تحرراً، بل عبودية للبيئة المادية. فالاختلاط ليس "تطوراً"، بل هو فتنة تهدد مستقبل الأسرة.

 

2- إعادة بناء الوعي على أساس الإسلام

 

لا بد أن يعرف كل زوجين واجباتهما قبل حقوقهما. وأن الزواج صبر ومودة ورحمة، وليس صراعاً على المكاسب. وأن البيت أهم من الوظيفة، والأبناء أهم من المظاهر.

 

3- الدعوة إلى تطبيق أحكام الإسلام في الأسرة والقضاء والإعلام

 

الحلول الجزئية لن تعالج الأزمة، لأن المشكلة ناتجة عن نظام كامل يناقض الإسلام. ولا يمكن للأسرة أن تستقيم في ظل قوانين مستوردة وإعلام منحرف واقتصاد منفلت.

 

4- مقاومة المظاهر الفاسدة من مغالاة في المهور وشروط الزواج

 

هذه العادات لا يقرها الشرع، وهي سبب رئيسي في تأخر الزواج ووقوع المشاكل بعده.

 

إن ارتفاع الطلاق ليس مشكلة بين زوجين فحسب، بل هو نتيجة مسار اجتماعي واقتصادي وثقافي منحرف عن طريق الإسلام. الإعلام الفاسد، والاختلاط، وتشويه صورة الزوج، وتمجيد التمرد، كلها عوامل صنعت جيلاً لا يعرف معنى "الميثاق الغليظ". وما دامت الأسرة تُدار بقوانين وقيم لا علاقة لها بالإسلام، فإن الانهيار سيستمر.

 

أما العودة الصادقة إلى أحكام الله فهي وحدها القادرة على إعادة السكينة للبيوت، وبناء مجتمع صحيح، وتأسيس أجيال تسير على الفطرة، لا على ما يشتهيه الغرب والأنظمة والإعلام ومحتواه الهابط.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حلّ شتاءٌ قاسٍ في أوزبيكستان، فكيف سيصمد أهلها؟

 

هذا أحد الأسئلة التي يطرحها أهل أوزبيكستان العاديون على أنفسهم كل عام مع اقتراب فصل الشتاء، ولم يجدوا إجابةً له؛ كيف نُدفئ منازلنا، وكيف نطهو طعامنا، وكيف نُحضّر الشاي؟ قد تبدو هذه الأسئلة مُرهِقةً لمن يعيشون في عصر الفضاء، ولكنها مع الأسف أصبحت مسألة حياة أو موت بالنسبة لشعب أوزبيكستان. فما الذي تفعله الدولة لحل هذه المشاكل، وما هي التدابير التي تتخذها لتطبيقها؟

 

يوضح الموقع الإلكتروني لوزارة الطاقة الأوزبيكية سبب نقص الغاز الطبيعي في البلاد على النحو التالي:

 

يُعزى السبب الرئيسي لنقص الغاز الطبيعي إلى تقادم حقول الغاز الحالية، بالإضافة إلى تعقيد عملية استخراج وتطوير حقول جديدة. على سبيل المثال، كان يُستخرج الغاز الطبيعي سابقاً من عمق يتراوح بين 1.5 و2 ألف متر، أما الآن، فقد وصل هذا المؤشر إلى ما بين 3.2 و5.2 ألف متر. موارد البلاد اليوم محدودة، ونتيجةً للزيادة السكانية وزيادة الطلب الاستهلاكي، يزداد الطلب على الغاز الطبيعي يوما بعد يوم. ويتزايد عدد السكان بمعدل 600 ألف نسمة سنوياً، وينمو اقتصادها بنسبة 0.5%.

 

في السياق نفسه، رداً على سؤال "ما هي الإجراءات المتخذة لمعالجة مشكلة نقص الغاز؟"، أجابت وزارة الطاقة أنه: "يجري العمل بنشاط على جذب الواردات من الدول المجاورة. وفي هذا الصدد، تجري مفاوضات لتوفير الغاز الطبيعي لتلبية احتياجات أوزبيكستان".

 

ومع ذلك، تبلغ احتياطيات أوزبيكستان من الغاز 1.8 تريليون متر مكعب. وقد وفّر الله للبشرية، بفضله وكرمه، ما يكفيها لتلبية جميع احتياجاتها، ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾.

 

(...كما جعل الدولة مسؤولة عن توفير الثروة أموالاً وخدمات للرعية، وأباح لها أن تتملك ملكية خاصّة بها. وبهذا كله ضمن العيش لكل فرد من أفراد الرعية، وضمن للجماعة أن تبقى مجتمعة متماسكة، وضمن مصالح هؤلاء الأفراد، ورعاية شؤون هذه الجماعة، وحفظ كيان الدولة في قدرة كافية للاضطلاع بمسؤولياتها الاقتصادية. غير أن ذلك كله يحصل إذا بقي المجتمع على وضع يتحقق فيه توفير الثروة لجميع أفراد الرعية، فرداً فرداً، وكان أفراد الرعية في جملتهم قائمين بتنفيذ جميع أحكام الشرع. أما إذا قام المجتمع على تفاوت فاحش بين أفراده، في توفير الحاجات، كما هي الحال الآن في العالم الإسلامي، كان لا بد من إيجاد توازن بين أفراده، في عملية توزيع جديدة، توجد التقارب في توفير الحاجات.  من كتاب النظام الاقتصادي في الإسلام).

 

إن ذريعة عدم امتلاكنا آلات كافية لاستخراج الغاز الطبيعي من حقول الغاز غير مبررة، لأن مهمة الرؤساء هي تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان بكل الوسائل الممكنة.

 

اليوم، يوجد تباين شاسع بين سكان العالم في تلبية احتياجاتهم الأساسية. فبينما يفكر الناس العاديون فيما يأكلونه للفطور، وكيف يشبعون أولادهم ويكافحون في فصل الشتاء القارس لتدفئة منازلهم بصناديق الكرتون والحطب والأغصان الجافة، يتدفق الغاز الطبيعي بغزارة في منازل رئيس أوزبيكستان وحاشيته، ويعيش أولادهم في الرفاهية. فهم لا يعانون من المصاعب التي يعانيها الناس العاديون في فصل الشتاء القارس.

 

بدلاً من حل هذه المشاكل، يُوظِّفون أئمةً يخدمونهم كالدمى في المساجد، ويحثّون الناس في خطبهم على الصبر، والتعلق بالله، وشكره على نعمه. يُضلِّلون الناس بخرافاتٍ مفادها أن سماءنا صافية، وفي بلادنا يوجد هدوء، ولسنا في الحرب، وعلينا أن نكون شاكرين لذلك!

 

ومع ذلك، هناك كبار السن والمرضى والأطفال الرضّع والنوافس حديثات الولادة، يحتاجون جميعا إلى الدفء والطعام الساخن. بينما يستخدم الروس والصينيون الفاسدون الغاز الأوزبيكي ويعيشون في رفاهية، يُحكم على مسلمي أوزبيكستان بقضاء أيام الشتاء القارسة في عذاباتٍ لا تكاد تُحصى. تصطف السيارات في طوابير طويلة أمام محطات الوقود حتى الفجر، ورائحة الغاز الطبيعي غير المحترق بسبب انخفاض الضغط تُسبب وفاة الآلاف من الأشخاص في المنازل.

 

ولكن في الإسلام الصبر والشكر على النعم حقيقة قائمة بذاتها، ولا يعدّ ضخّ الغاز الجاهز للكفار وتحمل البرد صبراً وكنوداً لنعم الله.

 

يا أمة الإسلام! منذ عهد الطاغية كريموف، والآن في عهد ميرزياييف وأتباعه، لم تُحل مشكلة نقص الغاز والكهرباء ولن تُحل. ورغم وجودها بكميات كبيرة، إلا أنها لا تُمنح للشعب مالكها الحقيقي، بل لأسيادهم الكفار مجاناً لتلبية احتياجاتهم، ولا تعنيهم هموم الشعب.

 

إن جميع مشاكلكم، بما فيها مشكلة الطاقة، لن تُحلّ إلا في ظل دولة إسلامية يحكمها خليفة عادل يحكم وفقاً لشريعة الله. لذا، لا تُصدّقوا أكاذيبهم الزائفة ولا تنتظروا منهم الرحمة. حاولوا أن تبدؤوا حياة إسلامية جديدة بكل قوتكم. حينها فقط ستمتلكون مواردكم الطبيعية، ولن يستيقظ أبناؤكم وكبار السنّ متجمدين من ليالي الشتاء القارس. هذا النظام هو نظامٌ مثاليٌّ أرسله الله تعالى، صاحب الرضا التام، فهو لا يُلبّي جميع الاحتياجات الأساسية للبشرية فحسب، بل يُهيئ أيضاً جميع الظروف اللازمة لتلبية احتياجاتها الكمالية. إنه يسعى جاهداً لكي يعيش الناس بأمانة وراحة.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مخلصة الأوزبيكية

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

العقل الذي صادَرته المناهج

كيف تحوّلت مؤسساتنا التعليمية إلى أداة لإطفاء التفكير لا إشعاله؟

 

هل خطر ببالك يوماً أن المؤسسات التعليمية حولنا قد لا تكون موجودة لتوسيع الفكر، بل لتطويعه وحصره داخل إطار ضيق لا يسمح له إلا أن يتحرك في حدود رسمها غيره؟

 

 إنك حين تتأمل واقع الجامعات والمدارس في بلادنا تجد شيئاً مُريباً:

 

منظومة كاملة تبدو في ظاهرها كأنها تبني الإنسان، لكنها في حقيقتها ترسم له سقفاً منخفضاً لا يتجاوز دوره فيه أن يكون متلقياً مطيعاً لا مفكراً حراً. الدكتور الجامعي نفسه كثيراً ما يُلزَم بالسير في منهج محدد لا يحيد عنه، والمدرس في المدرسة يجري على خطة مرسومة لا يملك تغييرها، بل حتى المشاريع التي تُمنح للطلاب لا تقيس قدرتهم على التفكير بقدر ما تقيس مدى التزامهم بالنموذج الموضوع لهم. والعجيب أن هذه المنظومة نفسها حين تلمح بارقة عبقرية لدى أحد الطلاب تسعى فوراً لتصديرها للخارج حيث تستفيد منها الدول المستعمِرة، بينما تُلقي بالآخرين إلى أنهم "غير مجتهدين بما يكفي"، وكأن فطرة الإنسان لا تنمو إلا داخل صندوق من المعايير الجاهزة.

 

ومع ذلك، حين ننظر بصدق إلى ما نعيشه اليوم، نفهم أن الأمر ليس مجرد نقد عابر للتعليم، بل انعكاس لأزمة أعمق في المجتمع كله. إن الضيق الذي يشعر به الطالب، وصوت المعلّم المكبوت، والمفكر الذي يجد نفسه محاصراً بين روتين إداري وتوجّه رسمي، كلها ليست مشاهد منفصلة، بل مظهر واحد لفقدان الثقة في عقل الإنسان وقدرته على التفكير الحر. لذلك لا عجب أن نرى شباباً فقدوا الحافز، وآخرين يخلطون بين قيمة العلم في ذاته وبين معركة "الدرجات والشهادات". بل من العجيب أن كثيراً من الناس بات يظن أن الزمن الذهبي للإسلام كان صفحة جميلة وأُغلقت، وأن التفكير في بعث الحياة الإسلامية ضرب من الخيال. هذه الفجوة بين ما نعيشه وما ينبغي أن نعيشه تصنع ذلك الانكسار الداخلي: إحساس بالحقيقة يقابله شعور بالعجز عن الحركة.

 

وحين نعيد النظر في تاريخ العلماء المسلمين، نرى المشهد على النقيض تماماً. فطالب العلم عند المسلمين الأوائل كان يبدأ مساره من قواعد شرعية واضحة، ينطلق منها بصدق وسؤال وتفكير، ثم يعرض نتاجه على أهل العلم المتخصصين لا على نموذج جامد. فإذا صحّ منهجه تبنّته الأمة، واستفادت منه الدولة، ودخل مباشرة إلى حيّز التطبيق. هكذا ظهر الشافعي الذي وضع أصول علم كامل وهو شاب، والنووي الذي ملأ الدنيا علماً رغم عمره القصير، وابن حجر وابن تيمية اللذان خاضا الحوار والنقد والمراجعة دون خوف من سلطة علمية أو سياسية. إنهم نماذج تقول لك إن الإسلام لم يكن يوماً عائقاً أمام العلم، بل محرّكاً له، لأنه قدّم رؤية ثابتة للحق، ومعياراً واضحاً للصدق، ومنهجاً لا يتلون بتغيّر المناخ السياسي ولا بإملاءات المؤسسة.

 

وأجمل ما في هذا الإدراك الجديد أنك تستطيع من اللحظة التي تغلق فيها هذا التعليق أن تخطو خطوة عملية صغيرة تعيد ترتيب علاقتك بالعلم. أن تقارن مثلاً بين درسٍ تعلّمته في المدرسة كحفظٍ جامد وبين كيف كان العلماء يختبرون المسائل بالبحث والنقاش. أو أن تقرأ صفحة من سيرة إمام عاش حراً بعلمه لتعرف أن المشكلة ليست في العقل العربي، بل في القوالب التي فُرضت عليه. وحين ترى هذا الفارق ستدرك أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لا نتقدّم؟ بل: كيف قبلنا أن نعيش في منظومة تعليمية تُشبه القيد أكثر مما تُشبه الباب؟

 

﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الهادي عبد الله ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في خطاب أحمد الشرع ووهم البطولة

 

 

لا يزال أحمد الشرع غارقاً في الوهم الذي صنعه لنفسه، والذي حاول أن يقنع به الشعب السوري المنكوب، مقدِّماً نفسه في صورة المُنقذ والمخلِّص الذي انتشل البلاد من براثن نظام الأسد، ليظهر في خطاباته كأنَّه بطل خرج منتصراً من معارك كبرى. يتحدَّث بنبرة الواثق الذي صنع الأمجاد، متجاهلاً حقائق يعرفها السوريون قبل غيرهم.

 

والحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن أحمد الشرع ما كان ليقف أمام الشعب السوري ليعلن ما يسمّيه (النصر)، لولا شبكة التنسيق الخفي التي جمعت أطرافاً دولية وإقليمية، في مقدمتها واشنطن عبر بوابة أردوغان الرئيس التركي. فهذا التنسيق الذي ظل بعيداً عن الأنظار هو الذي مهّد له الطريق، وهو الذي أتاح له المساحة التي يوهم بها الشعوب المقهورة.

 

ورغم هذه الحقائق يواصل أحمد الشرع ترويج انتصارٍ مزيف، لا يقوم على إرادة الشعب ولا على استقلال القرار، بل على تفاهمات خارجية ومصالح متشابكة. فعندما يتحوّل السياسي إلى أسير رواية صنعتها القوى الكبرى، يصبح خطابه بعيداً عن الحقيقة، ويغدو (النصر) الذي يقدِّمه ويتحدث عنه مكتوباً بالحبر لا بالواقع.

 

إن الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة في نضالها لا يمكن أن تنخدع طويلاً، وهي وحدها القادرة على فرز الحقيقة من الوهم، والتمييز بين الخائن والأمين. إن الشعوب التي تُركت طويلاً تتخبط بين روايات متضاربة ووعود مزيفة، قادرة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على استعادة وعيها وانتزاع حقها من بين أنقاض التضليل.

 

فوعي الشعوب هو الحصن الأخير الذي لا تستطيع أي قوة أن تهدمه ما لم تتخلَّ هي عنه بنفسها. فحين يدرك الناس حجم الوهم الذي صُنع لهم بعناية، يبدأ طريق التحرّر الحقيقي: تحرير الإرادة من قبضة الدعاية، وتحرير الذاكرة من سرديّات المخلِّصين الزائفين.

 

لقد آن لهذه الشعوب أن تستعيد وعيَها، وأن تعيد قراءة المشهد بعيون مفتوحة، لا بعيون أثقلتها الأكاذيب التي تغيب عنها الحقيقة.

 

إن ذاكرة الشعوب الإسلامية مثقلة بتاريخ طويل من الطغاة الذين جثموا على صدورها، وتوارثوا سلطة قاهرة عطّلت وعي الناس، وأرهقت قدرتهم على التمييز، حتى أصبحت - بعد عقود من القمع والتضليل - عاجزة عن التفريق بين الخائن والأمين. لقد اختلطت الأصوات وتداخلت الوجوه، واستهلكت البصائر تحت وقع الدعاية والخوف والتزييف، فغاب الحق في زحمة الباطل، واستُبدل بالحقيقة ما يُضَخّ لها من سرديّات مصنوعة.

 

واليوم، إذا أرادت هذه الشعوب أن تستعيد مكانتها بين الأمم، فعليها أن ترفع صوتها بالمطالبة بعودة دولتها، مصدر عزتها وقوتها وسياج كرامتها والمدافع عن وجودها. فالأمم لا تُبنى بالصمت، ولا تُستعاد بالركوع، بل بإرادة حيّة تستفيق من غفوتها، وتعيد وصل ما انقطع من تاريخها وقوتها.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الانتخابات ووهم الاختيار

 

هل تسمح الانتخابات للشعب بالمشاركة في اتخاذ القرار حقاً أم أنها مجرد طريقة لإضفاء الشرعية على حكم النخب؟ نضع أوراقنا في الصناديق كل بضع سنوات فنشعر بلحظة من السيادة ثم نعود إلى الواقع.

 

يظن كثيرون أن ضعف البلاد الإسلامية سببه غياب الديمقراطية وتداول السلطة، وأن الانتخابات ليست مجرد شكليات، وأن الدول المتقدمة مثل أمريكا هي البلاد التي يصنع شعبها القرار بإرادتهم. إذاً فلننظر لحال الشعب الأمريكي "الذي يمتلك قراره" من خلال ثلاثة أمثلة:

 

1- الرعاية الصحية

 

الشعب: لسنوات أظهرت غالبية ساحقة من الأمريكيين (تصل إلى 70% في بعض الاستطلاعات) تأييدهم لنظام رعاية صحية شامل أو على الأقل خيار عام بسعر مخفض.

 

الواقع: أن النظام الصحي الأمريكي يبقى الأغلى في العالم وأكثر الأنظمة تعقيداً وعدم إنصاف بين الدول المتقدمة، وهذا يشمل العلاجات الضرورية للحياة مثل الأنسولين الذي يصل إلى 300 دولار؛ فالشركات تعرف أن الناس ستدفع كل ما لديها من أجل الدواء، خاصةً لو كان المرض مميتاً.

 

2- الصناعة العسكرية

 

الشعب: استطلاعات الرأي تظهر أن أغلب الأمريكيين يؤيدون تقليص الإنفاق العسكري لتمويل خدمات محلية مثل التعليم والبنية التحتية.

 

الواقع: الميزانية العسكرية تزداد باستمرار، وحالياً أمريكا هي الأولى عالمياً في الميزانية العسكرية، وتنفق على الجيش أكثر من الدول العشر التالية مجتمعة، رغم عدم وجود تهديد وجودي مباشر. الدعم العسكري المقدم لكيان يهود منذ بداية عدوانه على غزة يكفي لإيواء جميع المشردين وتوفير خدمات صحية وتعليمية في أمريكا.

 

3- حرية التعبير

 

الشعب: خلال آخر سنتين ظهرت حركات تدعم غزة وحقوق المقيمين في أمريكا من العرق اللاتيني.

 

الواقع: رغم دفاع الغرب عن حرية التعبير للشذوذ ومثله من الأمور، إلا أنه بمجرد أن تداخلت حرية التعبير مع المصالح الاقتصادية والسياسية فإن الحكومة اتجهت إلى فض المظاهرات واعتقال المتظاهرين.

 

إذا كانت الأغلبية الساحقة عاجزة عن تغيير قرار واحد يمس حياتها اليومية عندما يتعارض مع مصالح النخبة، وإذا كانت الحريات تتلاشى عند أول اختبار حقيقي، فكيف نقول إن الحكم للشعب؟!

 

الانتخابات في هذه الحالة لا تتيح المشاركة في صنع القرار. فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود انتخابات حقيقية أو مزورة، أو في تداول السلطة من عدمه، بل في مقدار السلطة الممنوحة، وهذه مشكلة أساسية في الديمقراطية التمثيلية: فهي تعطي حق التشريع الكامل للبشر بدون أي مرجعية، وبالتالي تمنح مجموعة بشرية مؤقتة (الحكومة المنتخبة) تفويضاً شبه مطلق لتغيير أي شيء - من قوانين الصحة إلى حدود الحريات - باسم "الإرادة الشعبية" التي سرعان ما تُنسى بعد يوم الانتخاب.

 

يخلق هذا الوضع تناقضاً قاتلاً؛ فالنواب غير مضطرين لتحقيق رغبات ناخبيهم على المدى الطويل، وفي الوقت نفسه لهم القدرة على تغيير أي قانون، ويفتح الباب للممولين أو جماعات الضغط (اللوبي)، ومن أشهرهم اللوبي الصهيوني "إيباك"، فمن خلال التمويل الانتخابي الهائل (أكثر من 30 مليون دولار في دورة انتخابية)، والضغط المباشر، وتقديم صياغات جاهزة للقوانين، يصوّت أعضاء الكونغرس الأمريكي - من الحزبين - بشكل متكرر لصالح هذه السياسة، مخالفين غالباً لرغبة ناخبيهم.

 

﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن شاكر ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إلغاء قانون قيصر

قبول أوراق اعتماد النظام السوري عضوا في الحلف الصليبي الغربي

 

صوّت مجلس النواب الأمريكي يوم الخميس 11/12/2025 بالأغلبية لصالح إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب قانون قيصر، وجاء الإلغاء شاملاً ودون أي شروط، ضمن مادة مدرجة في قانون موازنة وزارة الدفاع الأمريكية لعام 2026، بعد جهود دبلوماسية مكثفة بذلتها الحكومة السورية، مدعومة بالجالية السورية والمنظمات السورية الأمريكية الفاعلة في واشنطن، إضافة إلى مساندة دول شقيقة وصديقة عملت لرفع هذه العقوبات التي أثقلت كاهل السوريين. (سانا)

 

يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. إن هذه الآية ملخّص لما حصل، وتأكيد على حقيقة لا مراء فيها ولا تأويل، من أبواق النظام في سوريا والمطبلين له، وهي بلا شك نتيجة لما قام به النظام فور استلامه الحكم في سوريا قبل عام، حيث طمأن النظام الدولي أنه ليس في نيته الحكم بما أنزل الله، بل هو امتداد لنظام أسد العلماني النصيري البائد. وقد تحققت هذه الطمأنينة لدى الحلف الصليبي من خلال استمرار النظام الحالي في الحكم بقوانين وأعراف الدولة المدنية الغربية دون أن يغيّر فيها قيد أنملة. حيث قام رأس النظام الجولاني ومعه حاشيته بالطواف على العواصم الغربية الصليبية واحدة تلو الأخرى، واختتم جولاته برأس الكفر وزعيمة الحلف الصليبي أمريكا.

 

إن الإجماع الدولي على حُسن سير وسلوك نظام الجولاني له دلالة واحدة فقط، وهي أن النظام قد دخل جحر الضب الذي كان يُعدّ له، وأصبح عضواً في الحلف الصليبي، بعد أن التزم بجميع ما طُلب منه وزيادة، وأهل بلاد الشام، ومنهم أهل سوريا الذين امتدحهم وأشاد بهم رسولنا الكريم ﷺ، لا تنطلي عليهم الأكاذيب ولا يخدعهم الكلام المعسول أو طول اللحى وقصرها، ولكن هذا لا يعني أن النظام لن يحاول، من خلال الإعلام المنحاز إلى الحلف الصليبي، قلب الحقائق وتقديم الهزائم على أنها انتصارات، والخيانة على أنها بطولة، والانبطاح على أنه حنكة سياسية وحسن تدبر.

 

فإن تصويت الكونغرس الأمريكي لصالح مشروع "قانون تفويض الدفاع الوطني" للسنة المالية 2026، والذي يتضمّن بنداً بإلغاء قانون قيصر الذي ادّعى أنه لحماية المدنيين السوريين، كان مقصودُه إثقالَ كاهل الناس أكثر مما كانوا يلاقونه على أيدي النظام منذ أن فُرض في كانون الأول/ديسمبر 2019. وليس صحيحاً أنه كان يهدف إلى الضغط على نظام أسد كي يتوقّف عن قتل المدنيين، فالنظام ورجالاته كانوا يسرحون ويمرحون ويتاجرون في المخدرات والببتاجون دون حسيب أو رقيب، بينما كان الناس يعانون من العقوبات الأمريكية والدولية.

 

ومما ورد في الإعلام أن إلغاء القانون "جاء نتيجة تضافر جهود كبيرة بذلتها السعودية وتركيا وقطر، إلى جانب الجهود الدبلوماسية السورية والجالية السورية في أمريكا، وتقاطعت هذه الجهود مع رغبة ترامب في منح سوريا فرصة للاستقرار والنهوض، لذلك وضع ثقله السياسي لبناء الإجماع المطلوب في الكونغرس، وسعيه إلى أن يكون الإلغاء كاملاً لا جزئياً أو مشروطاً، بغية إتاحة المجال أمام الشركات الأمريكية والدولية للاستثمار في سوريا دون الخوف من عودة فرض العقوبات من جديد".

 

وما دامت هذه الأنظمة الخائنة هي التي سعت لرفع القانون بقيادة سيدها ترامب، وهي عينها التي كانت تتآمر على الثورة السورية المباركة، فهذا يعني شيئاً واحداً، وهو أنه كما أُسند إليها دور التآمر على الثورة، أُسند إليها دور تقوية نظام الجولاني واستقراره وتسويقه والتمكين له محلياً وإقليمياً ودولياً، وهذا يتقاطع مع ملابسات إلغاء قانون قيصر، إذ لم يكن الإلغاء تشريعاً مستقلاً في الكونغرس، بل جرى تضمينه في حزمة تشريعية أوسع وأكثر أهمية، وهي "قانون تفويض الدفاع الوطني"، لتمرير ميزانية وزارة الحرب الأمريكية. وهذا ما يفسّر الدعم القوي الذي حظي به المشروع من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ليُحال بعد ذلك إلى مجلس النواب للتصويت عليه، ثم يوقع عليه الرئيس ترامب.

 

وعلى الرغم من اطمئنان الحلف الصليبي لولاء نظام الجولاني، إلا أن الحلف يعلم يقيناً حقيقة أهل الثورة السورية الحقيقيين، لا المنافقين الذين اندسّوا فيها، لذلك أبقى الباب موارباً لإعادة العقوبات من خلال تضمين القرار شروطاً غير ملزمة، فقد طلب الكونغرس من الإدارة الأمريكية تقديم تقرير إليه خلال مدة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ إقراره، ثم كل 180 يوماً بعد ذلك على مدى أربع سنوات، لتأكيد استقرار الوضع لصالح نظام الجولاني. وإذا ما تحرّك المخلصون في الثورة لتصحيح ما أفسده الجولاني، فسيُعاد مجددا فرض العقوبات على الناس والمخلصين من أهل الثورة المباركة.

 

أما أبرز المطالب كما وردت في القرار، وهي بيت القصيد، فهي: "اتخاذ الحكومة السورية إجراءات فعّالة وملموسة لمحاربة تنظيم الدولة والمجموعات الإرهابية الأخرى، والتعاون مع الولايات المتحدة، وألا تقوم الحكومة بأي عمل عسكري أحادي الجانب ضد جيرانها، بما في ذلك إسرائيل، وأن تواصل إحراز تقدم في إبرام اتفاقيات أمنية دولية، واتخاذ خطوات لإبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب العليا في الحكومة ومؤسسات الدولة والأمن".

 

وأخيرا، كان طبيعياً أن يخرج أهل الثورة إلى ساحات مدنهم احتفالاً بمرور عام على إسقاط الطاغية بشار، وهتافاتهم التي تربطهم بغاية الثورة وهي تحكيم شرع الله في البلاد وتحرير الأرض المباركة فلسطين، هذا على الرغم من إبراز الإعلام التجمعات التي أخرجها نظام الجولاني بالأساليب القمعية نفسها التي كان ينتهجها النظام البائد في إخراج الناس إلى الشوارع، احتفالاً بمرور عام على غصبه للثورة المباركة، مستغلاً واقع حال الناس، إذ إن أكثر من 90% منهم يعيش تحت خط الفقر، ونحو 10 ملايين بحاجة ماسة إلى المساعدات. كما يوجد أكثر من 2.5 مليون نازح في الداخل، بينهم 1.5 مليون ما زالوا يعيشون في مخيمات أغلبها في الشمال السوري، وحوالي 13 مليوناً يعانون من انعدام الأمن الغذائي، أي أكثر من نصف السكان، بمن فيهم 3 ملايين شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد. وتجاوزت نسبة البطالة 50% في بعض المناطق، فيما يعتمد جزء كبير من الناس على الاقتصاد غير الرسمي والمعاملات اليومية للبقاء على قيد الحياة، ومع كل ذلك، يظل أهل الشام الذين خرجوا على الطاغية بشّار صامدين على ثوابت ثورتهم، ولن تطول بهم استراحة المحارب حتى يستأنفوا ثورتهم لتحقيق غاياتها الكبرى، وهي تحكيم شرع الله، ولن يطول الزمن بأهل القوة في الثورة حتى ينظّفوا صفوفهم ممن اندسّوا بينهم، ويعطوا نصرتهم لحزب التحرير، صاحب مشروع الأمة الحقيقي، مشروع الخلافة على منهاج النبوة، التي تحكم بما أنزل الله وتقود أكثر من مليون مقاتل من أهل الثورة لتحرير الأرض المباركة فلسطين، لينال أهل الشام شرف الحكم بما أنزل الله وتحرير المسجد الأقصى، ولهذا فليعمل العاملون.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الذباب الإلكتروني والوعي المقاوم:

حرب في الخفاء على منصات التواصل

 

تدار في عالم السويشال ميديا معركة خفية وطاحنة، ليست مجرد صراع على المحتوى، بل معركة مستقبل الفكر السياسي والوعي المجتمعي، أطرافها قطبان متناقضان؛ قوى الظلام، والوعي المقاوم، ساحتها عالم تسيطر عليه التكنولوجيا، ولكل منهما أسلحته الخاصة وأهدافه واستراتيجيته المحكمة، إلا أن النتيجة النهائية محسومة، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾.

 

في هذه المقالة، أود استعراض طرفي الصراع في هذه المعركة الأشرس، والأكثر تأثيرا في وقتنا الحاضر. قامت قوى خفية ترغب بالسيطرة على المشهد الإعلامي تشمل حكومات معروفة بتدخلها في شؤون الدول الأخرى، وأجهزة استخباراتية وجهات سياسية، بخلق ظاهرة جديدة عرفت "بالذباب الإلكتروني" أي تكوين جيوش من الحسابات المزيفة كأداة استراتيجية للتحكم في الرأي العام وتضليله من خلال تشويه الحقائق ونشر الأخبار الكاذبة والشائعات لخلق عدم ثقة في وسائل الإعلام المعتمدة، وتحريض فئات بعضها على بعض وزرع الفرقة لخدمة أجندات خارجية أو داخلية أو لتعزيز مصالح معينة على حساب المصلحة العامة، علاوة على ذلك فهي تسعى لخلق أزمات مصطنعة وزعزعة الثقة بين الشعوب وتحريف النقاشات الوطنية والدولية، وتعمل على توجيه التحركات الشعبية لاستغلال نتائج ثوراتها، فتضعف قدرة الشعوب على التمييز بين الحقيقة والباطل وتفكك النسيج المجتمعي والسياسي من الداخل، وقد نجحت نسبيا في هدفها من خلال التنسيق في نشر رسائل مضللة وأخبار زائفة والهجوم على الخصوم ومحاولة تشويه سمعتهم وخلق الانقسامات المجتمعية والسياسية وتضخيم الخلافات وتوليد مشاعر الكراهية وتشتيت الانتباه عن قضايا أساسية.

 

ففي انتخابات أمريكا عام 2016، انتشرت حملة ضخمة من حسابات الذباب الإلكتروني المرتبطة بمصالح أجنبية، خاصة من روسيا، تهدف إلى التأثير على نتيجة الانتخابات عبر نشر معلومات مضللة، وشائعات عن المرشحين.

 

 وفي مصر أثناء ثورة عام 2011 وما بعدها، تم توظيف الذباب الإلكتروني لتشويه صورة الثوار والمعارضين، ونشر الفوضى عبر حسابات مزيفة تدعو للعنف وتفريق صفوف المحتجين، والترويج للنظام.

 

وكذلك الأمر في سوريا حيث تم نشر حملات ضخمة عبر وسائل التواصل الإلكتروني من أطراف مختلفة، منها النظام والمعارضة، لنشر الأكاذيب عن الأوضاع، وتحريض الطوائف بعضها ضد بعض، وكذلك تشويه سمعة المجاهدين وتلميع وتبرير تصرفات الحكومة الجديدة التي لا ترتقي لمستوى التضحيات.

 

وما شهدته الهند بعد أحداث شغب أو انتخابات حيث انتشرت حملات تروج لخطاب الكراهية ضد العرقيات الصغيرة وتضليل الرأي العام عبر حسابات وهمية تروج لأخبار مزيفة لصالح جماعات معينة.

 

وما نراه اليوم في اليمن خلال الحرب الأهلية من حملات تركز على دعم فصائل معينة أو تشويه سمعة الأطراف الأخرى، مستعملة الأكاذيب والإشاعات كوسيلة حرب نفسية.

 

ولعل لعملية طوفان الأقصى، الدور الأكبر في تعرية وكشف هذا الذباب الإلكتروني الذي يخدم كيان يهود من خلال تشويش وتضليل الرأي العام، بنشر معلومات مغلوطة وأخبار كاذبة حول الأحداث المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ما يشتت انتباه الجمهور ويضعف الدعم الشعبي للمقاومة والعمل على خلق انقسامات داخل فلسطين والدول العربية عبر نشر محتوى يثير الفتن بين الفصائل أو الجماهير، بهدف إضعاف تماسك الصفوف، وتشويه صورة المقاومة والفصائل عن طريق الترويج لأخبار كاذبة عنهم وعن أفرادهم بهدف التقليل من مصداقيتها وتشويه صورتها أمام الرأي العام العالمي، وإظهار المقاومة كأداة للدمار وإهلاك الشعوب والمناداة بالسلم والتطبيع كحل جذري للقضية.

 

ويبقى السؤال من هم الذباب الإلكتروني ومن يقف وراءهم؟

 

الذباب الإلكتروني هو شبكة من الحسابات والأشخاص المدربين أو المستأجرين الذين يعملون بتنظيم دقيق لخدمة أهداف سياسية أو استخباراتية، وغالبا تمولهم وتنظمهم جهات رسمية، مثل أجهزة المخابرات، ووزارات الإعلام، وأحيانا شركات علاقات عامة تعمل لصالح دول أو كيانات معينة، أو شركات تسويق إلكتروني تقوم بتوظف موظفين أو متطوعين لنشر محتوى موجه بتقنيات متقدمة. أو مجموعات مستقلة، تتبع خططا سياسية أو فكرية معينة، بعضهم يدفع أموالا وبعضهم يعمل بدافع الانتماء، وفي الواقع ليس كلهم يهود، بل قد ينتمون لأعراق وجنسيات مختلفة وقد يكون بعضهم موظفين مباشرين لدى مخابرات يهود أو يعملون لصالحها عبر عقود، أما البعض الآخر فهم عملاء غير رسميين أو مجندون يتلقون توجيهات أو تحفيزات، ويسهل التعرف عليهم من خلال وجود نشاط مكثف ومتزامن على منصات التواصل ينشر الرسائل أو المواضيع نفسها في وقت واحد ويستخدم حسابات جديدة أو وهمية (بروفايلات بدون معلومات شخصية وعدد متابعين منخفض مقابل كمية كبيرة من المشاركات)، تجد لغتهم مشحونة وأسلوبهم تحريضي يروج سياسات محددة.

 

ولمواجهة جيوش الظل، ظهر نهج الوعي المقاوم، الطرف الآخر في المعركة، الذي أدرك أنه لا يمكن الانتصار في المعركة ما لم ندرك أولا أننا مستهدفون. وأن التوعية هي الحصن الأول، فبدأ بكشف وجود الذباب الإلكتروني وأهدافه، وتعليم الناس مهارات التحقق من المعلومات وعدم الانجرار وراء العناوين الزائفة، وعمل على تعزيز الرقابة الذاتية من خلال جعل المسؤولية فردية وجماعية، فكل مستخدم يجب أن يكون خط دفاع عن مجتمعه، يبلغ عن الحسابات المشبوهة، ويشارك فقط ما تأكد من صحته، ويساهم في بناء شبكات موثوقة لتداول الأخبار. ولم يكتف هذا الوعي بالدفاع بل هاجم بالحق وصنع محتوى توعويا صادقا بأسلوب ممنهج ومؤثر واستخدمه كسلاح للمقاومة الحقيقة في الفضاء الرقمي.

 

إن الوعي المقاوم هو السبيل الوحيد لكشف هذه الألاعيب، فهو يتحقق من مصادر المعلومات، ويعمل على تثقيف النفس والمجتمع، وتعزيز دور الصحافة الحرة والنزيهة.

 

 إلا أن التضييق على أصحاب المحتوى الواعي هو أحد أكبر التحديات التي تواجه الوعي المقاوم، لكن هذا لا يعني الاستسلام، بل على العكس، يجب استخدام أساليب مبتكرة مثل التشفير، والحسابات البديلة، ونشر المحتوى في أوقات وبأشكال مختلفة، كما يمكن بناء شبكات دعم بين صانعي المحتوى، ونقل الرسائل عبر قنوات متعددة، ما يصعب السيطرة عليه، والعمل على تعزيز الوعي الجماهيري، فكلما زاد وعي الجمهور، زادت الضغوط على الجهات التي تحاول التضييق. وهذا يتطلب الصبر والاستمرارية، فالوعي الحقيقي لا يأتي بين ليلة وضحاها، بل هو نتيجة صبر وجهد مستمرين، حتى لو واجه تضييقات، فالتضييق ليس نهاية الطريق بل هو حافز للابتكار والتمسك بالموقف، وإيجاد طرق جديدة للوصول إلى الجمهور وإحداث التأثير، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 

ولأن المعركة في ساحات التواصل لا تقل أهمية عن ساحات الميدان، فإن وعي الجماهير وتحصينهم بالمعلومات الصحيحة هو الدرع الأقوى لصد هذا المد المظلم. فلا بد للوقوف صفا واحد لكشف الأكاذيب وفضح الأهداف الخفية، واستخدام قوة المعرفة كالسيف الذي يقطع أوهامهم، لأن النصر الحقيقي يبدأ من الوعي المقاوم والفهم العميق لما يحدث خلف الشاشات.

 

ختاما، لا ينسى المؤمن أن النصر بيد الله وحده، وأن الواجب عليه أن يرفع سلاح الوعي والإيمان، ويحصن قلبه وعقله بالعلم واليقين. قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، فلتكن هذه الآية نبراسنا في معركتنا مع الذباب الإلكتروني، ولنعلم أن الصدق والثبات هما درعنا وأسلحتنا في وجه أعداء الحق، فكل كلمة صادقة وكل موقف رشيد هو جهاد بحد ذاته. فلنستيقظ ونتحد ونحمل راية الوعي المقاوم، وندعو الله أن يثبتنا وينصرنا في معركتنا هذه، لتحقيق غايتنا الكبرى وهي إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

﴿مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾

 

 

ليل ثقيل مظلم، رحلة طويلة شاقة، وعيون تترقب أملا لم يأت بعد، تساؤلات لا نهاية لها، لماذا؟ وإلى متى علينا أن نصبر على ما لا يطاق أو أن نستوعب ما لا يفهم.

 

لا تثريب على حيرتنا، فعالمنا تتكاثر فيه الفتن وتنقلب فيه الموازين، نشاهد أحداثا لا تفسير لها ومشاهد لا تفسر بالمنطق؛ أهل غزة قصفت بيوتهم، ودفنت عائلاتهم، وأحياؤهم سكنوا الخيام التي أنهكتها كثرة الترحال، ومزقتها الأمطار.

 

أطفالهم بردى، جوعى، مرضى، فنتساءل لماذا تم خذلانهم؟ أما أهل سوريا، فبعد ثورة كلفت دماء زكية وتركت نساء ثكلى وأيتاما بلا مأوى، نرى أصحابها اليوم يتنازلون عن مبادئهم باسم المرحلة أو الواقعية، ويتغنون بولائهم بالغرب وإظهاره كحل وحيد لبقاء الشعوب وازدهارها، فلا عجب لو انهمرت علينا أسئلة لا جواب لها: هل بيعت الدماء في سوق السياسة؟ ولماذا من قَتَل حرّ طليق بينما صاحب الحق في السجون؟ حتى على مستوى حياة الفرد لماذا يظلم أو يخذل أو يحرم من حقوقه؟

 

يا لها من أفكار وتساؤلات لا تنتهي، حتى وقفتُ عند آية في سورة الكهف: ﴿مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾...

 

لقد شعرت بثقل هذه العبارة، كأنها تفتح نافذة على سر عميق في حياة الإنسان، سر الصبر الذي يجب أن نتعلمه رغم مرارته، ونعانقه رغم قسوته.

 

فما هو ذلك الأمر الذي لا نستطيع الصبر عليه؟

 

ما أشد وقع هذه الآية على من ظن أن عقله قادر على احتواء حكمة الأقدار، ثم اكتشف أن الحكمة لا تؤخذ من ظاهر الأشياء، بل ترتشف من عمق الصبر، ومن تسليم لا يقاس بالحسابات الأرضية.

 

كم من مشهد في واقعنا اليوم يشبه مشاهد العبد الصالح مع موسى عليه السلام؟

 

حين خرق السفينة فظنه ظلما، فكان نجاة!

 

وحين قتل الغلام فظنه قسوة، فكان رحمة!

 

وحين أقام الجدار في أرض القوم الظالمين، فظنه عبثا، فكان أمانة!

 

نحن اليوم نحكم على الأقدار كما لو أننا نراها كلها، وننسى أن خلف كل ستار تدبيرا إلهيا لا يقاس بالبصر، بل بالبصيرة؛ فكم من حزن أنقذك! وكم من فقد حماك!

 

﴿مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ لم يكن عجزا منك، بل درسا لتتعلم كيف ترفع رأسك نحو السماء لا نحو المواقف. فكم من موقف تسرّعنا في رفضه، لأننا لم نحتمل صبرا على تأويله؟ وكم من مشهد سياسي، أو قرار ثوري تبنته الشعوب وأريقت الدماء، وبدا في لحظته بداية بطولة ونجاة، ثم ما لبث أن تكشف عن كونه تمكينا للحكم السابق وبابا واسعا للفتنة؟ ولنا في سوريا مثال.

 

﴿مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ ليست آية من قصة قديمة فقط، بل هي مرآة لواقع نعيشه؛ حين يطلب منا الإيمان في زمن يقدس الحسابات، وينتظر منا الثبات في لحظة يبدو فيها كل شيء من حولنا مضادا ومتناقضا، فهل نصبر ونلتزم بغرز رسول الله ﷺ دون تفريط ولا إفراط؟ أم ننزلق في فخ الاستعجال، ونفقد البوصلة، ونكون كمن اعترض على السفينة قبل أن تغرق، أو على الجدار قبل أن يكشف كنزه؟

 

علينا أن نفهم أن بعض المواقف التي نراها اليوم خسائر، قد تكون في حقيقتها نصرا مؤجلا، ولنا في غزة عبرة.

 

هذا المقال ليس ترفا فكريا، ولا دعوة للانسحاب من الواقع، بل رسالة لمن ضاق صدره، وتعب قلبه، وثقلت عليه الطريق.

 

فطريق الدعوة إلى إقامة الحق والخلافة، وإن بدا بعيدا وشاقا، قد يكون ﴿مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾، هو نفسه درب الخلاص والتمكين، لو صبرنا.

 

هنا تبدأ الحكاية، وهنا يبدأ الإيمان الحقيقي؛ فما لم تصبر عليه اليوم، قد يكون سر نجاتك غدا.

 

فيا من أثقلتك المحن، وضاق صدرك من الانتظار، اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ولا تيأس إن بدا لك الواقع مظلما، فالأنبياء أنفسهم لم تكشف لهم الحكمة إلا بعد الابتلاء. سيدنا موسى لم يفهم أفعال العبد الصالح حتى انتهى اللقاء، وكل ذلك كان ابتلاء للإيمان، وتمحيصا لليقين، فاثبت وكن من الصابرين، فإن في كل محنة حكمة، وفي كل وجع رسالة، وفي كل تأخير لطفا لا يرى.

 

وما لم نستطع عليه صبرا اليوم، سيكون يوما ما شاهدا على عمق إيماننا بالله، وثقتنا بأن النصر لا يأتي إلا من عند الله، لا من حسابات الأرض ولا من تحالفات الضعفاء.

 

قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾، هل أدركنا المقصود بقوله تعالى: كتب الله "لنا" لا "علينا"، ما يدل على الرحمة والخير والفضل، أي أن ما يصيبنا هو لصالحنا في النهاية، حتى لو بدا أذى أو ضررا، فالله كتبه "لنا"، أي فيه خير أو مصلحة لنا في الدنيا أو الآخرة، فيا ليتنا نثق بتدبير الله ونصبر على ما لم نستطع عليه صبرا.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بين الاغترار بالخطاب وكشف الحقيقة

 

ليس كل من أيّد شخصاً كان فاسد النيّة، ولا كل من دافع عن قائدٍ كان شريكاً في خطئه؛ فكثير من الناس يُضَلَّلون بحسن الظاهر وقوة الخطاب، ويقعون في الاغترار دون قصد. إلا أن المشكلة لا تبدأ من حسن الظن، بل من الإصرار عليه بعد تتابع القرائن، ومن تحويل الأشخاص إلى قضايا مقدّسة لا تُناقش ولا تُراجَع.

 

إن النظر إلى أحمد الشرع لا ينبغي أن يكون من زاوية العاطفة أو الحاجة النفسية إلى "رمز"، بل من زاوية المبدأ والمسار والنتائج. فالرجال يُعرَفون بمواقفهم المتراكمة، لا بخطبةٍ مؤثرة ولا بمرحلةٍ عابرة. والتاريخ القريب والبعيد علّمنا أن أخطر أنواع الانحراف هو الانحراف المتدرّج الذي يُلبس نفسه لباس الضرورة والواقعية حتى يصبح التنازل عن الأصول أمراً عادياً لا يُستنكَر.

 

إن أول ما يلفت المتأمل هو التبدّل الواضح في الخطاب السياسي والعسكري، لا من باب فقه التنزيل كما يقولون! بل من باب إعادة تعريف الصراع نفسه. فحين تتغيّر الأولويات، ويُعاد رسم العدو والصديق بما ينسجم مع ضغوط الواقع الدولي لا مع ثوابت الصراع العقدي والسياسي للأمة، فإن هذا التبدّل لا يمكن تسويغه بمجرد الدعوى العامة عن "المصلحة"؛ لأن المصلحة في ميزان الإسلام لا تُنشئ حكماً، بل تُفهَم في ضوء الحكم.

 

ثم إن أخطر ما في المسألة ليس خطأً واحداً يمكن تبريره، بل سلسلة من التحولات التي تسير في اتجاه واحد: تليين الخطاب حيث يجب التشديد، وتشديده حيث يجب الجمع، والتكيّف المستمر مع ما تفرضه القوى الفاعلة دولياً، لا مع ما تفرضه أحكام الشرع ومصالح الأمة بعيدة المدى. وهذا المسار لا يدل على اجتهادٍ متوازن، بل على خضوعٍ تدريجي لمنطق الواقع القاهر، حتى يصبح الواقع هو الذي يحدّد سقف المبدأ، لا العكس.

 

ولا يصح هنا الاحتجاج بأن "الظروف صعبة" أو أن "المرحلة تفرض ذلك"، لأن هذا التبرير نفسه هو الذي استُعمل عبر التاريخ لتبرير أعظم الانحرافات. فلو كان تغيّر الظروف مبرراً لتغيير الأصول، لما بقي في الأمة أصلٌ ثابت، ولما كان للثبات معنى، ولا للتضحية قيمة.

 

أما الذين لا يزالون يدافعون عنه، فكثير منهم لا يدافع عن الوقائع بقدر ما يدافع عن صورةٍ كوّنها في ذهنه، وعن أملٍ يخشى سقوطه. وهنا مكمن الخطر؛ إذ يتحول الدفاع من بحثٍ عن الحق إلى خوفٍ من الاعتراف بالخطأ. وهذا حالٌ بشري مفهوم، لكنه لا يجوز أن يُحكم به على الدماء والمصائر.

 

إن الميزان العادل لا يطلب من الناس تكفيراً ولا تخويناً بلا بيّنة، لكنه في الوقت ذاته يرفض تعطيل العقل، ويرفض تعليق النقد بحجة "الحساسية" أو "المرحلة". فالقيادة التي لا تُسأل ولا تُحاسَب هي بذرة طغيان، مهما كان خطابها في البداية.

 

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: إن من كان اليوم مغترّاً بأحمد الشرع لا يُلام إن كان جاهلاً بالوقائع، لكنه يُلام إن عُرضت عليه المؤشرات والقرائن ثم آثر التغافل عنها، لأن الإصرار بعد البيان ليس حسن ظن، بل تعطيل للبصيرة.

 

إن الواجب الشرعي والأخلاقي يقتضي أن يُوزن كل شخص بميزان واحد لا يتغير: ماذا قدّم للمبدأ؟ ماذا غيّر فيه؟ إلى أين يقود الناس؟ ومع من ينسّق؟ وعلى أي حساب تكون التنازلات؟ فإذا كانت الإجابات تثير القلق أكثر مما تبعث الطمأنينة، فالصمت حينها ليس حكمة، بل تواطؤ غير مقصود.

 

وفي الختام، فإن الرجوع عن الاغترار ليس هزيمة، بل شجاعة. والاعتراف بالخطأ ليس سقوطاً، بل نجاة. أما الاستمرار في تبرير المسار الخاطئ خشية انهيار الصورة، فهو الطريق الأقصر لتحويل الخديعة الفردية إلى كارثة جماعية. فالحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال يُعرفون بالحق، ومن خالفه سقطت عنه كل الزخارف مهما علت كلماته.

 

فلتعِ الأمة ولتعرف طبيعة المرحلة وما هو الحل الجذري لمشاكلها كلها؛ هو غياب الحاكم الذي يحكم بالإسلام ويوحدها وينشر الإسلام للعالم، غياب الخليفة، فإلى هذا الفرض العظيم فلنعمل.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هيثم الراجحي – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الربا الآفة الاقتصادية التي تفتك بالأفراد والأمم

 

كثيراً ما تقدم الحكومات والمؤسسات الدولية الاقتراض على أنه الحل لسد الفجوات المالية، ومع أن الإسلام يحرم الربا قطعا ولكن جميع البلاد الإسلامية تعتمد عليه بشكل أساسي، متجاهلة الحكم الشرعي بوصفه "رجعيا وسببا للتخلف"! فهل أحكام الإسلام هي سبب فقر المسلمين وتخلفهم وراء الأمم؟

 

لطالما حاولت الأنظمة والمؤسسات البنكية تقديم صورة خيالية عن الاقتراض وعن المشاريع التي ستنقذ البلاد والمكاسب السريعة التي ستعوض قيمة الدين، ولكن الواقع يظهر التأثير الكارثي للدين العام على الدول من خلال:

 

استنزاف الموارد واختلال الأولويات: تتحول خدمة الدين (سداد الأقساط والربا) إلى أكبر عبء على الموازنة العامة، حيث إن دولة تنفق على سداد ديونها لأطراف خارجية أكثر مما تنفق على تعليم أبنائها أو صحتهم، حتى في البلاد الغنية مثل دول الخليج والتي تُعرف بالترف والرفاهية فإن ديونها تجاوزت 938 مليار ريال سعودي ما يعادل 250.1 مليار دولار أمريكي، وحتى أمريكا فإن ديونها تجاوزت 37 تريليون دولار أمريكي وتدفع سنويا 970 مليار دولار وهو ثالث أكبر بند في ميزانيتها السنوية، فأي مشروع قادر أن يعود بمكاسب تعوض 970 مليار سنويا؟

 

إضعاف السيادة وفرض السياسات: غالباً ما تأتي القروض، خاصة من المؤسسات المالية الدولية، مرتبطة بشروط صارمة تُفرض من خارج الإرادة الذاتية، هذه الشروط التي قد تشمل خصخصة الممتلكات العامة أو رفع الدعم عن الضروريات، تتعارض مع مسؤولية الحاكم في الإسلام وعن رعاية مصالح الرعية وحماية أموالهم من الهدر والتبعية.

 

التبعية الاقتصادية والهشاشة: تجعل الديون الربوية الدولة رهينة لتقلبات الاقتصاد العالمي، فعندما ترتفع أسعار الربا عالمياً، تزيد فاتورة السداد فجأة دون أن تكون للدولة يد في هذا القرار، ما يخلق حالة من عدم اليقين والظلم المالي الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ، والمحق هنا هو ذهاب البركة وزيادة الخراب، وهو ما نراه متمثلاً في أزمات الديون.

 

وإن الناظر إلى قضية الربا بعين البصيرة، يدرك أن الالتزام بالحكم الشرعي لم يكن يوماً سبباً في الفقر أو التخلف؛ بل هو حاجز منيع يحمي الأفراد والمجتمعات من الوقوع في مستنقع الديون والاستغلال، وإن أوامر الله ونواهيه هي خير مرشدٍ فلا يجوز أن تُستبدل بها مناهج بشرية قاصرة، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن شاكر – ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الاستقرار الظالم أم الفوضى المخيفة؟!

 

في الخطاب السياسي المهيمن على العديد من البلدان الإسلامية التي طغى عليها الظلم، يتردد صدى عبارة "إما نحن أو الفوضى". تُقدَّم هذه المعادلة كتحذير نهائي من أن أي تحرك للمطالبة بالتغيير لن يكون سوى دافع نحو الهاوية. والنظام الحالي يطرح نفسه باعتباره الحاجز الوحيد أمام طوفان من الفوضى والتمزق، ما يجعل الاستسلام للواقع القائم، مهما كان مجحفاً، يبدو كبديل "عقلاني".

 

لكن عند تدقيق النظر، تتبدى هذه المعادلة كمغالطة تُخفي الأسباب الحقيقية للاضطراب، وتُبطل إمكانية أي مستقبل أفضل، وتجمد المنطقة في حالة من الاستقرار الهش القائم على القلق والخوف من المستقبل.

 

تفكيك المغالطة: الاستقرار الظالم ليس بديلاً عن الفوضى، بل هو طليعتها

 

الفرضية الأساسية لخطاب "إما نحن أو الفوضى" تقوم على افتراضين خاطئين: الأول أن النظام القائم هو الضامن الوحيد للاستقرار، والآخر أن البديل الوحيد الممكن هو الفوضى الشاملة! الواقع يُكذّب كلا الافتراضين؛ فجميع الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية التي تروج لهذا الخطاب هي نفسها أنظمة استبدادية أظهر الواقع هشاشتها.

 

إن الأنظمة الفاسدة في بلادنا تدرك غضب المسلمين من ظلمهم، وتعلم أن هذا الغضب سيغلب الخوف يوماً ما. لذلك، تعمد إلى ملء الأجواء باليأس، وتوجيه نظر الناس إلى البلدان التي ثارت ضد حكامها، وإلى القتل والخراب الذي صنعه الظالمون بأيديهم، ثم تتهم الناس بأنهم سبب الفوضى، ليخمدوا عزيمتهم. فيتجه الناس نحو انتظار تغيير حالهم من الله وحده، دون أن يسعى النظام لتصحيح مساره أو تلبية الحقوق.

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرحمن شاكر – ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...