اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تُباع قضايا الأمة بثمنٍ بخس

 

 

لم تكن صفقة الغاز بين مصر وكيان يهود الغاصب مجرد اتفاق اقتصادي، بل بدت كصفعة مدوية على وجه قضايا الأمة؛ في لحظة يتكدس فيها شهداء غزة، ويكبر الجرح في جسد الأمة. إن مجيء هذه الصفقة في هذا التوقيت ليس تفصيلاً عابراً، بل هو إعلان صريح بأن المصالح الباردة تغلب الأخلاق، وأن الشعارات التي تتغنى بقضايا الأمة لم تعد ترى هذه القضايا أكثر من ورقة لاستجداء الجماهير وقت الحاجة، ثم تُلقى في سلة المهملات عند أول صفقة.

 

مصر، الدولة التي كانت ذات يوم تتغنى بقضايا الأمة، تحولت إلى أول المهرولين؛ ولم تبدُ هرولتها هرولة خوف، بل كأنها تسابق لالتقاط اليد الممدودة قبل أن تُغسل من دماء المسلمين. والأدهى أنها لم تُبدِ أي حساسية تجاه رمزية اللحظة؛ فلا خطاب يواسي، ولا موقف يوازن، ولا حتى محاولة لإخفاء التطبيع خلف ستارٍ من الأعذار، بل تبريرات جامدة متعالية على وجدان الأمة.

 

إن من يوقع مع الاحتلال صفقة بمليارات الدولارات بينما جراح أهل فلسطين تنزف، لا يمكن له الادعاء بأنه يحمل همّ الأمة أو يدافع عن قضاياها. القرارات ليست مجرد تجارة، القرارات رسائل؛ ورسائل هذه الصفقة واضحة: واشنطن لم تعد بحاجة إلى ضغوط علنية، بل نظرة إشارة أو تلميح دبلوماسي يكفي ليهرول الحكام نحو ما تريده، وحاكم مصر أول من لبى النداء، وكأنه يسعى لإثبات الولاء قبل تحقيق المكاسب.

 

بدلاً من أن تكون مصر بوابة الدعم للفلسطينيين، أصبحت البوابة التي تمر عبرها الشرعية الاقتصادية للاحتلال. وفي لحظة كانت الشعوب الإسلامية تنتظر فيها من القاهرة أن تتصدر المشهد احتجاجاً أو رفضاً، أو حتى صمتاً مشرفاً؛ فُوجئ شعب الكنانة بعقد صفقة استراتيجية مع الطرف الذي يقصف ويحتل ويقتل إخوانهم.

 

إن صفقة العار ليست مجرد اتفاق، بل هي موقف؛ لأنها قيم تُستنزف، وذاكرة تُهان، وقضية تُباع. لقد أصبحت مصر الدولة التي تفتح الطريق في لحظات الانكسار، ولم يعد الرئيس المصري ينظر إلى فلسطين كقضية، بل كملف مهمش لا يستحق التأجيل. دخلت مصر من خلال هذه الصفقة بوابة التطبيع من أوسع أبوابها، ورفعت راية المصالح فوق المبادئ، والبراغماتية فوق الأخلاق.

 

يا شعب الكنانة، ويا شعوب الأمة جميعاً؛ لا تجعلوا الخوف سيدكم، ولا تصدقوا أوهام الطغاة بأنهم قدر لا يتغير. إن القيود التي تكبلكم تبدأ من عقولكم قبل أيديكم، فإذا تحرر الفكر سقط الجلاد. لا تنتظروا من طاغية أن يمنحكم الكرامة، فالكرامة تُنتزع ولا تُوهب. ابدؤوا بالوعي، بالكلمة، بكسر الصمت؛ فالكرامة ميراث، ومن سار نحو النور لا يعود للظلام أبداً.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 409
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    410

بسم الله الرحمن الرحيم

قسد والنظام السوري: صراع داخل القفص!

 

 

من يتابع المشهد السوري بوعيٍ، لا بعين العاطفة ولا بضجيج العناوين، يدرك حقيقة باتت اليوم واضحة وهي أنه لا يوجد في سوريا فاعلٌ عسكري أو سياسي خارج المدار الأمريكي. ومن هنا، فإن الحديث عن صدامٍ سيادي بين الجيش السوري وقوات قسد هو حديثٌ يفتقر إلى الدقة، بل يندرج ضمن إدارة الوهم السياسي، لا توصيف الواقع.

 

فلا يمكن لأي متابعٍ جاد أن يزعم أن أحمد الشرع، أو المشروع الذي يمثله، قد خرج يوماً عن المعية الأمريكية. فهو ليس حالة طارئة، ولا ظاهرة مستقلة، بل نتاج مسارٍ طويل من إعادة التدوير السياسي؛ صنيعةُ ظرفٍ دولي محدد، أو أداةٌ وظيفية أُخرجت من المشهد ثم أُعيدت إليه عندما تغيّرت الحاجة. وكل من يقرأ خريطة التحركات، وتوقيت الظهور، وسقف الخطاب، يدرك أن الهامش الممنوح له مرسوم بدقة، وأن الخروج عن هذا المسار غير واردٍ أصلاً.

 

أما ما يُروَّج عن صدامٍ بين الجيش السوري وقسد، فليس إلا اشتباكاً داخل القفص الأمريكي؛ فقسد ذراعٌ ميدانية مباشرة لواشنطن، وظيفتها ضبط الشرق السوري لا تحريره. والنظام السوري بدوره ليس حليفاً ولا عدواً، بل ملفٌّ قابل للاستخدام عند الحاجة.

 

لذلك، فالصراع مسموحٌ به، مضبوط الإيقاع، ممنوع الحسم، كي يبقى الجميع محتاجاً إلى الراعي الأمريكي، ولكي تُمنَع إمكانية تشكّل دولة مستقلة، فيُستهلَك الداخل بدل أن يتجه الصراع إلى الخارج. وكل حلقةٍ في هذه العملية لا تخرج عن حسابات واشنطن.

 

المشكلة ليست في تعدد الفصائل، بل في تصديق الرواية التي تصوّر الصراع على أنه معركة كرامة، بينما هو في حقيقته أداة نفوذ، وحين يُقدَّم بهذا الشكل يكون الخطر قد بلغ ذروته.

 

فالدم السوري يُستنزَف، لا لإسقاط مشروع، ولا لبناء دولة، بل لإدامة حالة اللادولة.

 

وإن أخطر ما تواجهه سوريا اليوم هو الوهم: وَهْمُ أن هناك من يقاتل خارج الإرادة الأمريكية، ووهم أن بعض الرموز تمثل خلاصاً، وهي في حقيقتها أدوات مرحلية. فمن لا يملك قرار الحرب، لا يملك قرار السلم، ولا يصنع مستقبل بلاده.

 

فيا أبناء الشام، يا من كتبتم بدمائكم أطول فصول الألم، وصبرتم حتى صار الصبر جزءاً من هويتكم: أما آن للوعي أن يسبق العاصفة؟

 

إن أخطر ما تتعرض له الشعوب بعد الحروب ليس الدمار، بل المشاريع التي تُقدَّم بثوب الخلاص، وهي في حقيقتها إعادة تدوير للهيمنة، ومشاريع تُدار من خارج الحدود. لكن التاريخ علّمنا أن من يُسلِّم وعيه اليوم، سيدفع ثمنه أضعافاً غداً. وأن استعادة سوريا تبدأ من استعادة الوعي، وأن الوعي لا يُمنَح بل يُنتَزَع.

 

وهذه دعوة لأن تكونوا أصحاب القرار، لا وقودَ المشاريع.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

دولة الخلافة هي وحدها التي تقطع اليد التي تمتد إلى القرآن بسوء

وليس الأنظمة الوضعية التي تشارك الأعداء في الإساءة إليه

 

بعد أن توقفت المظاهرات والوقفات الاحتجاجية الأسبوعية التي يدعو لها الحوثيون في مناطق سيطرتهم، المناصرة لغزة على حد زعمهم، في شهر تشرين الأول/أكتوبر المنصرم إثر موافقة حماس وكيان يهود المجرم على خطة ترامب التي صنعها بموافقة أتباعه من حكام المسلمين منذ أن ترأس اجتماع الأمم المتحدة في شهر أيلول/سبتمبر عام 2025م حيث ضم الاجتماع السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا، والخطة هي تقوية ليهود وضياع للأرض المباركة فلسطين... فقد دعت اللجنة المنظمة لمناصرة الأقصى التابعة للحوثيين والتي كانت تنظم المظاهرات والوقفات خلال عامين، دعت الخميس الموافق 18/12/2025م، للخروج يوم الجمعة 19/12/2025م في مظاهرات نصرة للقرآن إثر تدنيس المصحف الشريف من أحد الساقطين من أعداء الأمة.

 

إن إساءات أعداء الأمة المتكررة للقرآن الكريم التي تحدث بين الفينة والأخرى ما كانت لتحدث لو كان للمسلمين خليفة يرد الصاع صاعين؛ فعندما عزمت فرسنا ثم بريطانيا على إقامة مسرح يسيء للإسلام ونبيه الكريم ﷺ وعلم بذلك خليفة المسلمين (في عهد الخلافة العثمانية) أرسل لهم رسالة شديدة اللهجة فلم يتجرؤوا على فعل ذلك لأنهم يهابون دولة الخلافة العثمانية ويخشون أن تغزوهم في عقر دارهم.

 

إن التعبير عن الغضب الشديد تجاه الإساءة للقرآن الكريم بالمسيرات والوقفات والخطب وغيرها، كل ذلك فيه خير وهو من أعمال الأفراد والجماعات، أما الدولة فعملها هو الرد العسكري والمقاطعة الاقتصادية الحقيقية لجميع بضائع الدول الاستعمارية كلها واتخاذهم جميعا أعداء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾.

 

إن الدول والأنظمة الخائنة ليس في قاموسها الدفاع عن الإسلام ورموزه ومقدساته لأنها أنظمة علمانية اتخذت الإسلام عدوا لها كما اتخذه أسيادها الغرب.

 

أما الحوثيون الذين ما زالوا يتظاهرون بحبهم للإسلام ويرفعون شعار المسيرة القرآنية والموت لأمريكا ويحشدون الجموع للتنديد بالإساءة للقرآن الكريم فإنهم قد أساؤوا إليه كما أساء إليه غيرهم من الأنظمة الخائنة؛ فقد ألقوه وراء ظهورهم ولم يحكموا به مطلقا بل حكموا بالعلمانية وهذا هجر للقرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾.

 

فدولة القرآن هي الخلافة التي يحارب الحوثيون العاملين لإقامتها تحت الشعار الأمريكي (مكافحة الإرهاب) حتى أصبح لهم جهاز أمني خاص يسمى مكافحة الإرهاب! وما زالوا يعتقلون شباب حزب التحرير في اليمن لا لشيء إلا لأنهم وزعوا منشورا يبين حقيقة المؤامرة على غزة وأهلها تحت عنوان (ترامب يقود أتباعه من الحكام في بلاد المسلمين إلى صفقة خزي وعار فيطأطئون رؤوسهم وراءه بجعل غزة هاشم تحت الوصاية والاستعمار).

 

وهذا يؤكد أنهم مع غزة ظاهرياً فقط وإلا لبادروا برفض خطة ترامب وهم يرفعون شعار (الموت لأمريكا)، فالخطة في صالح كيان يهود المجرم تقوّيه وتحقق له ما لم يحققه بالحرب، فالخطة تمنح "مجلس السلام"، وهو مجلس حكم ويديره أعداء الأمة لحكم غزة، وهو بدوره ينشئ قوة استقرار دولية وإدارة حكم انتقالية غير سياسية لإبعادها عن شؤون الحكم، كما يتحكم بحركة الأشخاص عند دخولهم غزة وخروجهم منها.

 

إن دولة القرآن هي التي تطبق شرع الله وتحكم بما أنزل الله وتقيم الحدود وتحمي الثغور وتجاهد في سبيل الله لنشر رسالة الإسلام إلى العالم كله، وتقطع كل يد تمتد إلى القرآن بسوء، بينما نجد أن الأنظمة الخائنة القائمة اليوم لا تحكم بالقرآن ولا تطبق أحكامه، وهذه إساءة إلى الإسلام كله؛ القرآن والسنة، وفوق ذلك فهي تحكم بالقوانين الوضعية التي شرعها البشر، وتشيع الفواحش والمنكرات والرذائل، وتحارب العمل لإعادة أحكام الإسلام إلى الحياة والدولة والمجتمع حرباً لا هوادة فيها، وهم يحكمون بأنظمة ملكية وجمهورية تسيّر دفتها قوانين وضعية ما أنزل الله بها من سلطان، بل حرم الله الاحتكام إليها تحريما مطلقا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

 

فجميع الأنظمة الوضعية القائمة اليوم في بلاد المسلمين تستميت في حكمها بالطاغوت والاستمرار فيه وتطبيق القوانين الوضعية وملاحقة كل من يعارضها ويبين خطأها ومخالفتها للإسلام وتجعل السيادة للشعب وتكرس التجزئة بين المسلمين وتسهل هيمنة الكفار عليهم.

 

فالدولة التي تطبق القرآن وجميع أحكام الإسلام هي دولة الخلافة التي تجعل السيادة للشرع وتوحد المسلمين وتجاهد أعداء الإسلام.

 

أيها المسلمون: إن دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة هي وحدها التي تطبق الإسلام وتقيمه في حياتكم وهي التي تقطع كل لسان يسيء للإسلام أو لنبيه أو للقرآن أو للمسلمين، فسارعوا للعمل الجاد مع حزب التحرير ورصوا صفوفكم خلف قيادته لإعادة الإسلام إلى الحياة والدولة والمجتمع بإقامة الخلافة، فالخلافة هي فرض ربكم ومبعث عزكم وقاهرة عدوكم وحامية دينكم ومقدساتكم ومحررة أرضكم، وهي منارة الخير والعلم والعدل في ربوع العالم.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاشد قاسم – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

عرائس الشيطان: حكام يحركهم الغرب... وخلافة تتهيأ للنهوض

 

 

في ظلال ليل طويل، تتمايل دمى على مسرح السياسة، لا تنطق من تلقاء نفسها، ولا تتحرك إلا بإشارة خفية من يد لا تُرى؛ هم ليسوا قادة، بل عرائس معلقة بخيوط مشدودة من عواصم الغرب، ترقص حين يصفق الشيطان الأكبر، وتصمت حين يطلب منها الخضوع. تدّعي الحكمة، وتظهر السيادة، لكنها في حقيقتها مستأجرة، معدومة القرار، مرهونة الإرادة للشيطان الأكبر؛ أمريكا، التي تسحق الشعوب وتنهب الثروات باسم الحرية.

 

أمريكا لم تعد ترسل جيوشا، بل ترسل شروطا، وقروضا، وتوصيات، وأوامر. أما حكام المسلمين، فما هم إلا منفذون، أدوات تنفيذ لخطة أكبر من حدودهم. إلا أن الأكثر إيلاما هو أن أمريكا لا تتحكم بالحكام فقط، بل تمسك برقاب الشعوب من خلالهم، فالحاكم مجرد موظف تتحكم فيه شرعيته الدولية باعتبار أن أمريكا تملك التأثير الأكبر على المؤسسات الدولية (مثل الأمم المتحدة، صندوق النقد، مجلس الأمن)، فمتى ما أرادت، تبدأ حملات تشويه ضد الحاكم فتنعته بالديكتاتور والقمعي والفاسد، وهكذا، فتسحب منه الشرعية تدريجيا، وتعزله دوليا.

 

ناهيك عن تهديده بالعقوبات أو تجميد الأرصدة أو وقف الدعم الدولي، فالاقتصاد هو نقطة ضعف الأنظمة في بلادنا لأنها هشة ومعتمدة على الخارج، ومن ثم تستخدم أمريكا أقذر أدواتها في إحداث الفوضى، فهي تملك نفوذا على الإعلام والنخب والمنظمات، وحتى الأجهزة الأمنية، فمتى أرادت تفجّر أزمة داخلية أو مظاهرات أو تشجع انقلابا عسكريا ثم تبدأ بتلميع ودعم بديل له، فتلوح بدعم شخصية أخرى ربما من الجيش أو المعارضة أو من داخل العائلة الحاكمة، عندها يشعر الحاكم أن وجوده صار مهددا، فيسرع بالطاعة وتقديم تنازلات أو ضخ أموال طائلة لأمريكا التي تعتمد هذا الأسلوب لإدراكها أن الحاكم حين يُهدَّد، يسخِّر الدولة كلها لحماية كرسيه؛ فيقمع الشعب، ويرفع الأسعار، ويحول الإعلام لبوق غربي، ويطبّع مع الاحتلال ويشيطن كل من يعارضه، وهكذا، تصبح الشعوب رهائن لابتزاز خارجي، وأدوات لحماية النظام، وليس العكس.

 

فسيسي مصر جاء بانقلاب، ويعيش على دعم الغرب. صمت مطبق أمام الاحتلال، وتطبيع فعلي معه... أما ابن سلمان السعودية فأخرج كيان يهود من الظل إلى العلن، وصار أكثر المتحمسين للتطبيع معه، تحت ذريعة التحول والانفتاح... كذلك الأمر مع ابن زايد حاكم الإمارات عراب الثورات المضادة، داعم الانقلابات، وممول حملات تشويه كل فكر تحرري... وطامتنا الكبرى عبد الله الثاني ملك الأردن حليف أمن الاحتلال في السر والعلن، والتنسيق الأمني لا يتوقف... وليس أخيرا بل أكثرهم حداثة أحمد الشرع رئيس سوريا فهو رئيس بلا سيادة، تديره واشنطن وتبقيه في الحكم ما دام يحافظ على أمن يهود، لا قرار له، ولا مشروع، سوى تنفيذ الأوامر وتثبيت الأمر الواقع كما تريده أمريكا.

قد يتساءل القارئ: لماذا لا تسقط أمريكا رغم أزماتها؟

 

سؤال جوابه كمن غرس السهم بيده في قلبه وتركه ينزف ليتغذى عليه مصاص دماء طفيلي، بمعنى موسع: رغم ما تعانيه أمريكا من أزمات اقتصادية، وانقسام سياسي، وتفكك اجتماعي، فإنها لا تسقط لأنها تتغذى علينا؛ نفطنا بالدولار يبقي عملتها مهيمنة، واحتياطاتنا النقدية تمول ديونها، وصفقات أسلحتنا تنعش مصانعها، وتبعية حكامنا تمنحها شرعية في كل محفل.

 

باختصار نحن من نبقي الشيطان الأكبر على قيد الحياة يتحكم فينا ويقتلنا ويقبض ثمن قتلنا منا، وإن تسبب في دمار بلد ما، فعلينا أن نعيد بناءه، هل أدركتم إلى أي درجة من الاستغباء والذل الذي وصلنا إليه من أجل ثلة من طواغيت علينا ودمى بيد شيطان أعور عاجز؟!

 

إن الخلاص لن يأتي من داخل الأنظمة، بل من خارجها؛ من مشروع منافس لها يعيد السيادة، ويجمع الأمة، ويقف ندا للهيمنة الغربية؛ ألا وهو مشروع الخلافة كنظام عالمي عادل، لا شعارا تاريخيا، فهو الوحيد القادر على وضع حد لهذا الشيطان وقطع جميع الموارد التي تغذيه، فتعيده إلى وضعه الطبيعي كأي دولة أخرى لها كما عليها، مجردة من كل أدوات الهيمنة.

 

إن من أوجب الواجبات اليوم علينا هو فضح حكامنا وإسقاطهم، والعمل على إقامة دولة الخلافة لتأسيس حكم إسلامي حقيقي يعلن ولاءه للأمة لا للغرب، ويحكم بشرع الله لا بقوانين الاستعمار، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾، إنها خارطة طريق، تقسم العالم إلى قسمين لا ثالث لهما: من يقاتل في سبيل الله، ومن يقاتل في سبيل الطاغوت. وكل نظام يحارب الإسلام، أو يحاصر الدعوة، أو يطبع مع الاحتلال، فهو من أولياء الشيطان، وإن لبس قناع الوطنية أو الحداثة.

 

وتختم الآية بعبارة تزرع اليقين بقوة المؤمنين مقابل كيد الشيطان الضعيف، لأنهم يملكون عقيدة ثابتة راسخة.

 

أما نحن، فأمامنا مشروع عظيم يتهيأ للنهوض؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة تجمع الأمة، وتكسر القيد، وترد المظالم، وتحمل الإسلام نورا وعدلا للعالم. فمن لم يكن لها كان عليها.

 

﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تسويغُ تبعيةِ الحاكمِ وقبولِ المنكرات والهوانِ

بذريعة: "لو كنتم مكانه ماذا كنتم ستفعلون؟"!

 

لا تزال السجالات مستمرة بين العاملين لأجل التغيير الإسلامي، حول حكام النظام الجديد في سوريا بعد إسقاط بشار أسد. فهناك فريق يرى أنهم عملاء يسيرون في ركاب أمريكا وعملائها، وأنهم تنكروا للأهداف الإسلامية التي كانوا يصرحون بها، وانقلبوا على العاملين لأجلها. وفريق آخر، يدافع عن هذا النظام وحكامه، ويسوِّغ سياساتهم بذريعة الضعف وموازين القوى، ويصف مواقفهم بالحكمة، ويتهم الفريق الأول بأنهم خياليون، يحلمون بإقامة الخلافة وتطبيق الإسلام، غافلين عن الموقف الدولي والنظام العالمي المعادي للإسلام، وعن أن سوريا هي اليوم بقايا دولة وليست دولة.

 

لقد كان فرح المسلمين بسقوط نظام بشار عظيماً ومميزاً، لأنه كان أحد أشد الأنظمة ظلما في العالم وأطغاها. وتوقع كثيرون أن النظام الجديد الذي يقوده أحمد الشرع الذي اشتهر قبل ذلك بتاريخ جهادي ومنهجية إسلامية سلفية، سيطبق الإسلام في سوريا، ويتبني قضايا المسلمين في محيطها كلبنان وغزة. وبخاصة أنّ تصريحاته كانت معروفة بالنعي على ما يُسمى الاعتدال أو الوسطية الإسلامية، وعلى من اتخذ هذا المنهج الذي عدَّه انحرافاً عن الإسلام إرضاءً للغرب المهيمن على المنطقة.

 

ولكن الأحداث جاءت بعد ذلك لتكشف عن سياسة مخالفة للمعهود عنه في كل الجماعات التي سار فيها أو قادها. وأخذت المفاجآت في مواقفه وسياسة نظامه الجديد تتوالى، وتزداد معها التساؤلات والسجالات بين المؤيدين والمعارضين بسبب مواقف الذل والهوان المتلاحقة، إضافة إلى عدم ظهور أي تأثير للإسلام في مواقفه السياسية. وقد ظهر هذا في مواقف لا تكاد تُحصى، كالصمت المثير حيال اعتداءات قوات كيان يهود المستمرة، والتي تتوغل في سوريا وتستولي على المزيد من أراضيها، وتقيم الحواجز العسكرية فيها، وتقصف العاصمة دمشق وتقتل كما تشاء... إضافة إلى المواقف الضعيفة تجاه طوائف أو قوميات تتمرد وتعتدي وتقتل، في حين يصوِّر أحمد الشرع مواقفه هذه حكمةً. هذا ناهيك عن عدم ظهور أي توجه لتطبيق الإسلام. إضافةً إلى رضاً مميز عنه - حالياً - من ترامب ومبعوثيه، ومن غيره كحكام السعودية وتركيا.

 

لقد كانت هذه الوقائع وأمثالها سبباً للاختلاف بين المراقبين والمتطلعين لإقامة الدولة الإسلامية، وللتخلص من هيمنة الكفر المستشرس على المسلمين. فمنهم من أصيب بخيبة أمل كبيرة من هذا النظام، فأخذ يتهمه بالمخادعة والانحراف، ومنهم من أخذ يلتمس له الأعذار ويتذرع بالأوضاع الداخلية والخارجية وموازين القوى. ولما كانت الغالبية في الفريقين من الصادقين في تطلعاتهم، وإن اختلفت رؤاهم وأفهامهم للواقع وللشرع، وجب النظر في حجج الفريقين للوقوف على حقيقة المشكلة وموضع الخطأ.

 

أما حجج الفريق الأول بأن النظام الجديد يسير مع أمريكا وينتهج نهج عملائها المعهود في الخضوع للنظام العالمي وقوانينه، وما إلى ذلك من مظاهر الفسق المتزايدة في الحياة العامة التزاماً بقوانين الأمم المتحدة المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان، ومن الاستعداد للتطبيع مع كيان يهود، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ويعترف به الفريق الثاني المدافع عن النظام ورئيسه.

 

أما حجج الفريق الثاني بأن سوريا اليوم ضعيفة، بل هي بقايا دولة ولا تستطيع أن تواجه كيان يهود، ولا أن تفرض نفوذها على كامل أرضها بلهَ أن تمد سلطانها إلى محيطها، ولا تستطيع أن تتمرد على النظام الدولي، فهذا أيضاً صحيح ومن المكابرة إنكاره. ويضيف هذا الفريق أن إقامة الخلافة في هذه الأوضاع في سوريا، أو تطبيق الإسلام في سياسات الدولة الداخلية والخارجية أمر غير واقعي، ولا يمكن تحقيقه. وليس ثمَّة مشكلة في هذا الفهم أو القول، ولكن المشكلة بل التيه، هي في الاتكاء على هذا الفهم لاستباحة تطبيق الكفر، وتوهم وجود رخصة شرعية في ذلك، وفي التبعية للدول المتنفذة، وهي أيضاً في تسويغ تطبيق قوانين كفر، بذرائع الضعف والخوف من مفاسد كبيرة، وفيما يؤدي إليه ذلك من مواجهة النظام الجديد في سوريا الدعوة إلى الخلافة وتطبيق الإسلام.

 

ولمقاربة هذا الاختلاف بشكل سليم، ينبغي قبل كل شيء تقرير الحقائق كما هي. ومن ذلك أن ما يقوم به النظام الجديد في سوريا غير شرعي بتاتاً، فهو يطبق قوانين كفر، ويسير في سياسات كفر، ولا يوجد أي رخصة شرعية تبيح ذلك. وبالمقابل، لا تقوم دولة إسلامية بمعنى الكلمة في سوريا وحدها اليوم. وهنا يقع الفريق المدافع عن هذا النظام في خطئه الكبير في عدم فهم الإسلام وأحكامه في هذا الأمر. وهو أنه إذا لم يكن هناك إمكانية لإقامة دولة إسلامية، فهل هذا عذرٌ أو ذريعة لنقيم دولة كفر؟! وإذا لم يكن الحاكم أو من يريد الاستيلاء على الحكم قادراً على تطبيق الإسلام، فهل هذا سبب رخصة لتطبيق الكفر؟!

 

لم يقدِّم الفريق المدافع عن هذا النظام أي دليل على هذا الأمر، ولا يستطيع ذلك. لأن نصوص القرآن في وجوب الحكم بالإسلام وتحريم الحكم بغيره كثيرة وقطعية، وليس فيها استثناء أو تخصيص. وكل ما يقدمه هذا الفريق لا يزيد عن أشواق وتأييد لتغيير الحكام الطُغاة والفُجار. وهي أشواق تعبر عن نفسية إسلامية، ولكنها ليست دليلاً على حكم شرعي، ولا على رخصة شرعية. وهذه الأشواق والتأييد لخلع نظام الكفر والانتقام منه هي مشاعر إسلامية وموقف إسلامي يدفع لتأييد الذين أزالوه والدفاع عنهم. لذلك، يتمسك المدافعون عن مواقف هذا النظام برخص يطبقونها في غير موضعها، تدفعهم إليها ميول ورغبات، ولو كانت في غير موضعها كالضرورات، وما كان من قبيلها كالظروف الضاغطة وموازين القوى، وهم يأملون أن تتغير هذه الظروف وأن يسعفهم النظام الجديد بمواقف مشرفة منه ليثبتوا بها صحة موقفهم، وهم يرون أن هذا النظام يسارع في إبعادهم عما يأملونه، كتوجهه نحو التطبيع مع كيان يهود، والتوقيع على اتفاقات أبراهام.

 

وهنا ينشأ سؤال: إذا كانت إقامة الخلافة أو تطبيق الإسلام كاملاً غير ممكن في سوريا في هذا الواقع، وفي الوقت نفسه لا يجوز الخضوع للكفر ولا الحكم بغير ما أنزل الله، ولا يوجد رخصة في ذلك، فما العمل إذن؟

 

وهنا يكمن ما يغيب عن كثير من العاملين المخلصين، والذي هو سبب الاندفاع في الحديث عن الضرورات والاستطاعة والوسع والرُّخَص، وفي الاستدلال الخطأ بقواعد عامة في مواضع فيها نصوص خاصة، كالاستدلال بقاعدة درء المفسدة الأكبر بالأصغر، أو بقاعدة أهون الشرين، في مواضع حسمتها النصوص.

 

إن الحكم الشرعي في هذا الواقع هو ألا يُقدم المسلم على الحكم أو استلام الحكم ما لم يكن قادراً على تجنب الحكم بأنظمة كفر أو بقانون كفر. وإذا قيل: وهل نترك الأمر لفلان الفاجر أو الكافر؟ فالجواب هو أنه لا يجوز القيام بالمنكر كي لا يقوم به أحدٌ آخر لأنه فاجر أو كافر أو حاقد على الإسلام. وإذا أراد هذا الآخر أن يقوم بالمعصية فهو يبوء بإثمه. والواجب هو العمل والكفاح ليصل الإسلام إلى الحكم، وليس ليصل إلى الحكم كفرٌ ولكن بيد عاملٍ محب للإسلام وتطبيقه!

 

إن الأدلة على هذا الأمر كثيرة، أكتفي ههنا بواحد منها، وهو أنه عندما عرض كفار مكة على النبي ﷺ أن يعبدوا الله مدة سنة ويعبد هو إلههم سنة، أي أن يحكم بالإسلام مدة من الزمن، مقابل أن يخضع وتخضع مكة لحكم الكفر مدة مماثلة، رفض ﷺ هذا العرض رفضاً قاطعاً، ونزل في هذا الأمر خطابٌ لكل كفار العالم، تكرر فيه هذا الرفض ثلاث مرات، وكان إعلاناً عالمياً لكل الناس عن الحكم في الدولة، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور محمود عبد الهادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السعودية والإمارات: وكلاء نفوذ وخدمة المصالح الدولية

 

في قلب الصراع اليمني المستمر منذ أكثر من عقد، تبدو المعادلة الدولية واضحة المعالم؛ فاليمن ليس ساحة نزاع داخلي، بل ميدان لتقاطع النفوذ الدولي، حيث تؤدي السعودية والإمارات دور الأدوات الرئيسة في هذا المشهد المركّب، خدمةً لمصالح القوى الكبرى، أمريكا وبريطانيا.

 

تتجلى وظيفة السعودية في حراسة النفوذ الأمريكي، إذ تحوّل دورها من تدخل عسكري مباشر إلى إدارة أزمات وضبط استقرار. وبذلك تتحمل الأعباء السياسية والعسكرية، فيما تحافظ أمريكا على مصالحها الاستراتيجية في باب المندب وخطوط الطاقة والملاحة البحرية، من دون الانخراط المباشر في مستنقع الصراع.

 

وعلى الضفة الأخرى، تلعب الإمارات دور الوكيل الاقتصادي والسياسي للنفوذ البريطاني في اليمن؛ فقد نجحت في بسط سيطرتها على الموانئ والمنافذ البحرية، ودعمت فصائل في الجنوب بما يضمن تفكك الدولة اليمنية، وهو هدف تقليدي للسياسة البريطانية التي اعتادت إدارة النفوذ عبر وكلاء محليين بدل السيطرة المباشرة.

 

ومن هذا السياق، يمكن فهم الصراع اليمني بوصفه حقل تجارب للنفوذ الدولي: السعودية تؤدي الدور الأمني والعسكري لصالح أمريكا، فيما تعمل الإمارات على ترسيخ الهيمنة الاقتصادية والسياسية لصالح بريطانيا.

 

أما الفصائل اليمنية، وعلى الرغم من أهميتها المحلية، فإنها لا تحمل مشروعاً مستقلاً، بل تُستَخدم أدواتٍ لإبقاء المشهد ضمن دائرة التحكم الدولي، بما يضمن استمرار الصراع دون حسم.

 

وعليه، فإن الحرب في اليمن ليست مجرد نزاع محلي أو إقليمي، بل ساحة لإعادة توزيع النفوذ الدولي عبر وكلاء إقليميين. ولم يعد اليمن مجرد مسرح للصراع، بل تحوّل إلى اختبار فعلي للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

 

وفي هذا التوقيت تحديداً، تسعى واشنطن إلى إنهاء ملف اليمن، ليس بدوافع إنسانية، بل بهدف إعادة ضبط الإقليم وحماية مصالحها الاستراتيجية، مستفيدةً من السعودية بوصفها أداة تنفيذية على الأرض. فالسعودية التي تحملت عبء الحرب لسنوات، تُستَغل لتوجيه الفصائل اليمنية والضغط عليها بما يخدم أمريكا، بينما تبقى أمريكا بعيدة عن أي مواجهة مباشرة.

 

لقد استنزفت الحرب الجميع، وحان وقت تصفية الملف قبل أن يتحول إلى تهديد حقيقي للأمن البحري العالمي أو إلى عبء يهدد منظومة النفوذ نفسها. ومن هنا، فإن تحرك أمريكا ليس وليد الصدفة، بل جزء من استراتيجية إقليمية أوسع: السعودية تدير الأرض، والفصائل اليمنية تتحرك تحت ضغطها، فيما تصوغ هي واقعاً سياسياً يحفظ خطوط الملاحة، ويحدّ من النفوذ الإيراني، دون أن تتحمل كلفة المواجهة المباشرة.

وفي هذه المعادلة، لا يكون الفائز من يقاتل على الأرض، بل من يخطط من بعيد، ويبقى الخاسر الأكبر هو الشعب اليمني، الذي يدفع الثمن دماً وخراباً، ونهباً لثرواته، واستغلالاً لموقعه الجغرافي الحيوي في الملاحة الدولية.

 

إن الخلاص الحقيقي للشعب اليمني، ولسائر الشعوب الإسلامية الممزقة، لا يأتي بالانتظار ولا بالتواكل، بل بالعمل الدؤوب لاستعادة الدولة والكرامة والعزة. وهذا الرائد الذي لا يكذب أهله يدعوكم إلى الفعل، وإلى السعي لاسترداد المجد المفقود. فهلمّ إلى سفينة النجاة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ثورة سوريا المباركة أمل الأمة الإسلامية المرتجى

 

كذب من قال إن الأمة الإسلامية سوف تموت، وخاب مكر الغرب الكافر وأعوانه عندما مارسوا عملية ضغط على الثورة في إدلب، لكي يصنعوا منها علمانية فجة تخدم مشروعهم الفاشل، امتدادا لأسرة أسد المجرمة فجاءوا بأحمد الشرع ممثلا لهم بعدما لم يجدوا من يخلف بشار نسخة طبق الأصل، فركبت أمريكا وعملاؤها في المنطقة موجة النهر الجارف، الذي يحمل عنوانا عريضا من الثورة المباركة من أول يوم "ما لنا غيرك يا الله" "هي لله هي لله". فتواثق أهل الثورة المخلصون أن يصلوا بها إلى معانيها الصادقة؛ إسلام نقي إلى سدة الحكم في كيان وسلطان واحد؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. لقد تخللت الثورة مطبات ومتاريس ورياح جافة وأجواء ملبدة وما زالت، إلا أن الثورة كل يوم تزداد بريقا ولمعانا حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا، يتعلق بلم شمل هذه الأمة تحت وحدة واحدة؛ خليفة المسلمين. لتكون سوريا نقطة الارتكاز كما كانت المدينة نقطة الارتكاز الأولى للكيان العظيم الذي بناه رسول الله ﷺ ثم انطلقت الدولة وحققت أعظم إنجاز عرفته البشرية من عيش طويل من عمر الدول المبدئية على وجه التاريخ. ها هي ثورة الشام اليوم يعود صداها بقوة تريد أن تزلزل الدنيا رغم أنف المنافقين والكافرين.

 

من يصدق أن تذكر الخلافة على لسان رئيس وزراء كيان يهود المغتصب لأرض الإسراء والمعراج؟ نشر تلفزيون روسيا اليوم بتاريخ 21/4/2025م: نتنياهو يحذر "لن نقبل بقيام أي خلافة على شاطئ البحر المتوسط والرد سيكون قاسيا".

 

لقد اهتمت مراكز الدراسات التي يطلق عليها مراكز أوعية التفكير مثل مركز راند ومعهد نيكسون وغيرها بدراسة أحوال المسلمين بشكل مركز وقدمت عدة توصيات بضرورة اعتماد سياسة ركوب الموجة، باستغلال جماعات ما يسمى بالإسلام المعتدل وإشراكها في اللعبة السياسية والحكم واستخدامها كأداة لضرب التوجهات الإسلامية الحقيقية التي يصفها أصحاب هذه المراكز بالمتطرفة والإرهابية.

 

أما الدوائر الاستخباراتية فتخاف من الصدمة الأولى لإعلان دولة الخلافة. نقلا عن مجلة الوعي العدد ٢٧٠-٢٧١ بعنوان "الخلافة في عيون الغرب"، في أواخر سنة 2002، خبرا تحت عنوان جهاز الاستخبارات الألماني يحذر من قيام الخلافة: "يقوم رئيس جهاز الاستخبارات الألماني أوغست هانينغ بجولة في عدد من الدول العربية بدأها بمنطقة الخليج، والتقى خلالها بقادة عدد من أجهزة الاستخبارات العربية، وكان ملف العراق والأصولية الإسلامية هما أبرز الموضوعات بالنسبة للرجل الذي يرأس واحدا من أنشطة الاستخبارات الدولية. وفي شأن الأصولية الإسلامية، فإن محللي الاستخبارات الألمانية يتوقعون أن يشن الألوف من أنصار الحركات الإسلامية في أوزبيكستان وطاجيكستان وقرغيزستان هجوما واسعا لإقامة الخلافة في المنطقة، على حد زعمهم، والمسؤولون الألمان يولون توقعات جهاز الاستخبارات قدرا كبيرا من الثقة والمصداقية".

 

قال المفكر الأمريكي هنري كيسنجر في خطاب له ألقاه في الهند بتاريخ السادس من تشرين الثاني 2004 في مؤتمر هندوستان تايمز الثاني للقادة "إن التهديدات ليست آتية من الإرهاب الذي شهدناه في 11 أيلول/سبتمبر ولكن التهديدات من الإسلام الأصولي المتطرف الذي يعمل على تقويض الإسلام المعتدل المناقض لما يراه الأصوليون في مسألة الخلافة الإسلامية"، وقال كيسنجر أيضا إن العدو الرئيسي هي الشريحة الأصولية الناشطة في الإسلام التي تريد في آن واحد قلب المجتمعات الإسلامية المعتدلة وكل المجتمعات الأخرى التي تعتبرها عائقا أمام إقامة الخلافة. (مجلة نيوزويك في عددها الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2004م).

 

لقد عاد زخم الثورة المباركة المسنود بإخلاص الرجال الرجال ليبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار. ففي الذكرى الأولى لسقوط طاغية الشام بتاريخ الثامن من كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥ وفي سير العرض العسكري للجيش السوري المكون من الفصائل التي قاتلته وهي التي استجابت لنداءات حزب التحرير ونصائحه المميزة الناضجة فكريا وسياسيا وذلك لقطع الطريق أمام أردوغان بفكرته لفتح المعابر للتغطية على النظام وتذويب الثورة والقضاء عليها فمنعت الفصائل ذلك ومعها الشباب المخلصون، ثم استمرت المظاهرات الليلية التي دامت شهورا لتكشف كل مخطط يحاك ضد الثورة، وطلبت من الفصائل أن تفتح الجبهات حتى لا تتآكل الثورة وتموت، وكان النظام السوري في أضعف حالاته. فما كان من تلك الفصائل إلا أن تستجيب لتلك النداءات المخلصة فزادت حماسة الثورة وتدفقت فيها دماء جديدة فانهار النظام في أقل من أسبوعين رغم كثرة عتاده وخبرته فمنّ الله على هؤلاء بنصر مؤزر رغم المؤامرات والدسائس والخطط الأردوغانية بأن يتوج مجهوداته بطلا عند الغرب خدمة لهم لمشروعهم المضلل على أساس الإسلام الذي يسمونه المعتدل الذي بموجبه يخلطون مفاهيم العلمانية بمفاهيم الإسلام ليزيدوا المسلمين غباشا على غباش.

 

لقد استمر الحراك ليظهر أعظم حكم شرعي ظل محل خوف عظيم عند الغرب والعلمانيين؛ ذروة سنام الإسلام، الجهاد، فأثناء العرض العسكري برز هذا المفهوم بشكل قوي، وهذا الحكم الشرعي أحد مرتكزات الثورة المباركة التي تنادي بالجهاد فدوت حناجر جيش مؤمن بقضية مصيرية يتخذ في أمرها إما الموت أو الحياة وأغاظت كيان يهود والغرب والمنافقين مرددين "غزة غزة غزة شعار، غزة نصر وثبات، غزة دمار ليل ونهار، طالع لك يا عدوي طالع، طالع لك من جبل النار، اعمل لك من دمي ذخيرة واعمل من دمك أنهار"، الأمر الذي دفع المنظومة الأمنية في كيان يهود لعقد اجتماعات شارك فيها كبار المسؤولين لمناقشة ما ظهر في الفيديوهات، ومن المتوقع أن تتخذ خطوات في توجيه رسائل حادة للنظام السوري، بحسب إذاعة يهود فإن كيان يهود يتعامل مع النظام السوري الجديد وفق منهج الشك والاشتباه وينظر إليه بريبة كاملة وأن طبيعة النظام جهادية متطرفة ونحن لا نخلط في تقييمنا لهم.

 

إنه أمر عظيم يسرّ القلب بأن تظل ثورة سوريا واعية على أهدافها وتدرك أبعاد مشروع الأمة العظيم وأن لا شيء يخسر بعد الآن بعدما ضحى أهل سوريا بأغلى ما يملكون من أنفس وتشريد وعيش في الخيام لمدة تفوق عقداً من الزمان، فإن الأمة تنتظر الخلاص والفوز والسؤدد والعودة إلى تشريع رب العالمين. إن من أعظم الأمور المفرحة ثبات ثورة سوريا التي أثرت في محيط هذه الأمة، وجعلت الأمة تغلي كالمرجل، وإن التحول في الجيوش هي الخطوة المرجوة منذ حراك الربيع العربي الذي سُرق من الأمة لعدم وعيها، إلا أن ثورة سوريا المباركة ظلت أملا للأمة وهي تريد أن تكمل الدائرة التي ظلت عصية بفعل القيود التي وضعها الغرب الكافر على جيوش الأمة ليضمن بقاءه في بلاد المسلمين ينهب الثروات ويخرب عقول الأمة ويقتلها وينتهي منها، إلا أنها أمة القرآن أمة الإسلام المعجزة الباقية إلى يوم الدين لقول رسول الله ﷺ «فَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي...» فهي أمة حية رغم الأمراض والمعاول التي اشتغلت فيها ردحا من الزمن. لقد من الله على هذه الأمة بثلة واعية، حزب رائد (حزب التحرير) الذي لا يكذب أهله، يخطط لها ويرفع من شأنها ويقودها من نصر إلى نصر في واحدة من أشرس المعارك الفكرية رغم كبر المؤامرات التي تحاك ليل نهار والتي يطلق عليها اصطلاحا معركة الأفكار، أملا من ثورة الشام أن تطلق البيان الأول الذي يزلزل الدنيا وذلك هو النصر الأعظم؛ خلافة راشدة ثانية لأمة لا تريد إلا الخير للعالم وتخاف من ربها وتطمع في جنات ربها والفوز في الدنيا والآخرة ولا تحمل الحقد ولا التشفي ممن ألحقوا بها الأذى الذي لا يمحى أثره أبدا.

 

لقد ظلت ثورة الشام الأبية محط أنظار الأمة وهي حتما سوف تحرك الجيوش وما موال هذا الجيش الذي كنا ننتظره طويلا ليكون أيقونة لموال جيوش الأمة في الفترة القادمة أملا في أن نسمع نداء قويا في كل جيوش الأمة في الفترات القادمة. إن كل المؤشرات تؤكد بشارات النصر القادم لا محالة، وإننا في غبطة وسرور موقنين بنصر الله تعالى. قال الله تعالى في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ليبيا على حافة الفراغ

تداعيات مقتل رئيس الأركان الليبي في تركيا

 

في الدول المستقرة تسقط الطائرات، وتُفتح التحقيقات، ثم تُطوى الصفحة. أمّا في الدول الهشّة، فحتى الحوادث العرضية تتحوّل إلى زلزال سياسي، لأن الأشخاص فيها لا يمثّلون أنفسهم فقط، بل يرمزون إلى توازنات كاملة في توزيع النفوذ.

 

لذلك، لم يكن مقتل رئيس أركان القوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة خبراً عابراً في نشرة عاجلة، بل لحظة كاشفة لواقع الدولة الليبية التي ما تزال تعاني من التمزّق الداخلي. فهي دولة بلا جيش موحّد، ولا سيادة مكتملة، ولا مؤسسات قادرة على الصمود. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا يعني غياب محمد الحداد؟ ومن المستفيد من موته؟

 

لقد بدأ الصراع في ليبيا بعد عام 2011 يأخذ طابعاً دولياً، لا سيما بين أمريكا وبريطانيا. فقد سحبت أمريكا البساط من تحت أقدام بريطانيا والأوروبيين في منتدى الحوار السياسي الليبي، حين منح مجلس النواب الليبي، في 10 آذار/مارس 2021، الثقة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بعد حصولها على 132 صوتاً من أصل 188 (بي بي سي، 14/3/2021). وبذلك انتهت عملياً حكومة فايز السراج.

 

وعقب ذلك، أكّد سفير أمريكا لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، دعم أمريكا للمجلس الرئاسي والحكومة الجديدة، مهنئاً المشاركين في الحوار السياسي الليبي والقيادات الليبية.

 

أما التدخل التركي، فقد جاء عبر اتفاقيات مع حكومة السراج السابقة، ولم تتأثر هذه الاتفاقيات بتغير الحكومة، إذ لم تعارض حكومة الدبيبة الجديدة تلك الاتفاقيات ولا الوجود التركي في البلاد، باستثناء طلبها آنذاك إخراج المقاتلين السوريين.

 

في المقابل، كان موقف مصر يقوم على احتواء محمد المنفي وتثبيت حكومة الدبيبة، بينما تبنّت المغرب والجزائر وتونس - وهي دول فاعلة ضمن حسابات بريطانيا - القبول بالأمر الواقع، مع التشديد على ضرورة خروج القوات الأجنبية من ليبيا.

 

وبالعودة إلى واقع ليبيا، يتبيّن أن مقتل محمد الحداد ورفاقه لم يكن حدثاً عادياً، بل شكّل خسارة كبيرة لقدرة المجلس العسكري، وبداية تصدّع جديد في حالة "الاستقرار المعلّق" التي تعيشها البلاد: حكومة قائمة بلا شرعية انتخابية، مؤسسات مالية مخترقة سياسياً، وأمن تديره شبكات مسلحة لا جيش دولة، فضلاً عن انقسام الجيش بين شرق وغرب، ووحدة شكلية بلا قيادة فعلية.

 

صحيح أنه لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة على أن ما حدث عملية اغتيال، لكن السياسة لا تنتظر الأدلة لتستثمر الأحداث. فخصوم حكومة الغرب سيستخدمون هذه الحادثة لإثبات فشل مشروع الدولة في طرابلس، وهشاشة حكومة الدبيبة. ويأتي ذلك في سياق زيارة كبير مستشاري رئيس أمريكا ترامب للشؤون العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، ولقائه بحكومة الدبيبة، حيث شملت مطالبه: توسيع التعاون الاقتصادي وفتح شراكة اقتصادية واسعة، مع تقديم عرض استثماري بقيمة 70 مليار دولار للشركات الأمريكية الكبرى. ودعم جهود الاستقرار السياسي والعسكري، وتشجيع العملية السياسية والدفع نحو الانتخابات وبرامج سياسية شاملة. (الجزيرة نت، 24 حزيران/يونيو 2025).

 

وهنا يبرز الخلاف بين عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي، إذ إن لكل منهما مرشحه المفضل لرئاسة التغيير الهيكلي في الجيش الليبي إن حدث. فالدبيبة كان يفضّل الفريق أول محمد علي الحداد، رئيس الأركان التابع لحكومته، في حين يدعم محمد المنفي اللواء أسامة الجويلي، الذي لعب دوراً محورياً في بناء التوازنات المسلحة بعد عام 2011، خصوصاً في غرب ليبيا، وله توترات سابقة مع حكومة الدبيبة بسبب اختلاف التوجهات.

 

ومع غياب الحداد - الذي كان يشكّل عامل كبح أمام أي إعادة خلط جذري للأوراق داخل القيادات العسكرية في غرب ليبيا - سيُطرح اسم أسامة الجويلي بقوة، الأمر الذي سيستفز المليشيات الموالية للدبيبة، والتي قد تعتبر ذلك انقلاباً سياسياً داخل مؤسسات الحكومة، ما قد يعيد الفوضى إلى الشارع الليبي، ويضعف فرص توحيد الجيش، ويعزز منطق الانقسام. وسيجد الشرق في ذلك دليلاً إضافياً على عجز الغرب عن بناء مؤسسة عسكرية وطنية، ما يعمّق الانقسام، حتى وإن لم يكن الهدف المعلن هو تقسيم البلاد.

 

إن مقتل محمد الحداد - وهو الذي كان يرفض الاقتتال الداخلي، ولا يرغب في مواجهة حفتر، وكان يرى إمكانية جمع المليشيات ضمن هيكلية جيش وطني، ويُعد من أبرز المعارضين لتقسيم ليبيا - لا يعني فقط غياب شخص، بل ضربة لمسار.

 

فالمستفيد الحقيقي من موته ليس أفراداً بعينهم، بل مسارٌ كامل: مسار يدعم منطق المليشيات بدل الجيش، وتعدد مراكز القرار، وتعطيل توحيد المؤسسة العسكرية، واستمرار الحاجة إلى التدخل الخارجي، وإضعاف معسكر حكومة الدبيبة.

 

وعليه، فإن موت محمد الحداد ليس مجرد حدث أمني، ولا مسألة تعيين بديل، بل تعبير صارخ عن عجز الدولة عن التوحّد.

 

هذه الأحداث لا تُقاس بحجمها الظاهري، بل بما تكشفه من حقائق. فمقتل محمد الحداد ورفاقه - سواء أكان حادثاً عرضياً أم واقعة غامضة لم تكتمل فصولها بعد - لم يخلق أزمة جديدة بقدر ما فضح أزمة قديمة: دولة تُدار بالأشخاص لا بالمؤسسات، وبالتوازنات لا بالقانون.

 

المشكلة ليست في من يقود الجيش، بل في غياب الجيش ذاته ككيان وطني موحّد، مستقل عن الحكومات المؤقتة، وعن السلاح المنفلت، وعن الرعايات الخارجية. قد يربح بعض الفاعلين نفوذاً مؤقتاً من هذا الفراغ، وقد تُستغل الحادثة لتعميق الانقسام أو تبديل الأدوار، لكن الخسارة الدائمة هي غياب الدولة الراعية. فالدول لا تنهار بموت قادتها، بل تموت بعجز مؤسساتها.

 

ومن هنا، فإن على الشعب الليبي أن يبحث عن حل جذري يخلّصه من التدخلات الخارجية، ويقيم نظاماً قوياً يدير مؤسساته بمرجعية مستقلة. ولا وجود لنظام أصلح لذلك من نظام الخلافة، الذي يقطع كل يد تمتد للعبث بالبلاد، وهو الوحيد القادر على بناء دولة تتحدى الصعوبات، وتعيد لهذه الأمة عزتها. فمقدرات المسلمين تُهدر اليوم بسبب البعد عن الدين، الذي كان ولا يزال الدرع الواقي للأمة، والمتمثل في دولة الخلافة الراشدة التي بشّر بها رسول الله ﷺ حين قال: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السكون الأخلاقي في زمن الجريمة الصامتة

مآسي الأسرى شاهد لا يكذب

 

في زمن كثرت فيه الكلمات، وسكتت الأخلاق، وازداد فيه الضجيج الإعلامي، فغابت الإنسانية... نعيش عصر الجريمة الصامتة، ليس لأن الجرائم أقل، بل لأن الشعور بها مات، والقلوب ألفت مشاهد القهر، حتى أصبح المعتقل المظلوم رقماً في نشرة، أو مجرد اسم يتكرر دون رجفة في الصدر أو وجع في العين.

 

أسرى في سجون الاحتلال والأنظمة، رجال ونساء يعذبون، يحرمون من نور الشمس، من الأهل، من الحياة... ويظل الساكت عنهم في أمنه يأكل ويشرب، وربما يبتسم تحت صورهم، مغيّب في دهاليز الشهوات لدنيا زائلة!

 

فالأسير عبد الله البرغوثي، صاحب أعلى حكم في تاريخ البشرية، 67 مؤبدا (5420 سنة!)، لم ينكسر، بل بقي في زنزانته الانفرادية يؤلف الكتب، يعلّم الأسرى، ويرفع هممهم برسائله رغم 17 سنة في العزل. كتب مرة: "هنا، في هذا القبر الصغير، كل شيء ضدي إلا يقيني بالله".

 

والأسير الطبيب محمد القيق، الذي خاض إضرابا أسطوريا عن الطعام حتى حافة الموت، قال: "كنت أقاتل عن كرامتي وحريتي بجسدي، لأن لا سلاح لي إلا الإرادة".

 

والله لا أدري أيهما السجين حقا! الساكت أم الأسير؟!

 

إننا لا نعيش فقط أزمة ظلم، بل أزمة مشاعر! لا أحد يطالب، لا أحد يغضب، لا أحد يصرخ... وكأن الأسرى بلا أهل، بلا أمة!

 

وفي سوريا الجريحة حيث لا صوت يعلو فوق صوت البطش، يقبع شباب حزب التحرير في سجون حكومة جديدة جاءت على أنقاض من طالبوا بتحكيم شرع الله، فإذ بها تفرج عمن تلطخت أيديهم بالدماء، وتسجن من قالوا: ربنا الله، وطالبوا بتحكيم شرع الله، فاتُّهموا بـ"تهديد الأمن القومي"! سجنوا لأنهم لم يحملوا السلاح، بل حملوا فكرا، وأرادوا للأمة نهضة على أساس الإسلام، زمن أصبح فيه الفكر أخطر من سفك الدماء!

 

وفي غزة ذلك الجرح النازف، والبطولة المستمرة حيث لا وقت للبكاء، ولا فسحة للراحة، عاش أهلها حربا لم تكن فقط نيرانا وقنابل، بل حرب استنزاف متواصلة، حرباً على الصبر، على الكرامة، على أنفاس الحياة.

 

وبعد الحرب، بدأت حرب أخرى: حرب البقاء؛ لا ماء، لا كهرباء، لا دواء، لا مأوى...

 

شهداء بلا أسماء، أجساد بلا أكفان، عائلات بأكملها محيت من السجلات وبقيت فقط في الصور!

 

الناس تنشر صورهم للترند، أو تجمع باسمهم تبرعات لا تصلهم!

 

بينما الجريح هناك لا يجد من يضمد نزفه، ولا الأم الثكلى من يمسح دمعها.

 

الشهداء صاروا أرقاما، والحياة في غزة أصبحت مقاومة يومية، حتى الطفل هناك يولد وفي قلبه نداء: "يا رب خفف عنا البلاء".

 

ووسط هذا سكون أخلاقي عالمي وعربي، مطبق بالصمت، قاتل بالخذلان.

 

فهل صرنا نتعامل مع مآسي إخواننا كقصص على الشاشات؟ هل فقدنا الشعور؟!

 

السكوت على الظلم جريمة، والتغافل عن أنات الجوعى خيانة إنسانية، وغض البصر عن خيانة التبرعات والسرقات التي ترتكب باسمهم عار على كل من سكت.

 

غزة لا تحتاج تعاطفا موسميا، بل وفاء يوميا، ودعما صادقا، ونصرة تليق بحجم وجعها.

 

كن مع المظلوم لا لأجل الصورة، بل لأجل الله.

 

بكل صدق ووجع نروى قصة السودان؛ فهو اليوم ليس مجرد بلد منكوب، بل مرآة لحقيقة أن الدم العربي إذا لم يسل بيد العدو، سفك بسلاح الأخ، وتحت صمت الجميع!

 

ما حدث ويحدث في السودان هو جريمة موثقة، لكن بلا مجرم يحاسَب؛ حرب عبثية مزقت شعبا مسلما؛ قسمت العائلات، وهجرت الملايين، وشوارع تحولت إلى مقابر، وبيوت إلى ركام، وأحلام إلى فتات.

 

السودان اليوم يذبحه الصراع على الكرسي، وأدوات الذبح ليست فقط الرصاص والدبابات، بل أيضا التآمر الدولي، والتجاهل العربي، وخيانة بعض قادته الذين باعوا البلاد مقابل دعم سياسي أو فتات دولارات.

 

أصبح الإنسان في السودان رهينة الخوف والجوع والتشريد، فمن لا يموت برصاصة، يموت بالمرض أو القهر أو في طابور الخبز!

 

والأشد مرارة أننا لا نرى السودان في الشاشات إلا حين يُستثمر في نشرات الأخبار، أو يستغل لجمع التعاطف. أما أهل السودان الحقيقيون فهم منسيون إلا من رب لا ينسى.

 

ما وصلنا إليه من تلبد شعوري، وعدم مبالاة جماعية، وتبلد في الإحساس تجاه المآسي، هو نتيجة تراكمات متشابكة أهمها غياب الدين الحقيقي (العمل لا الشعارات)؛ فغياب التربية على الإيمان بالله، واليوم الآخر والحساب، جعل كثيرا من القلوب خاوية، تتلقى المصائب كأخبار لا تخصهم! فضعف الوازع الديني جعل الناس يتفاعلون مع الدماء وكأنها مشاهد لا تعنيهم!

 

نعم إنه حب الدنيا وكراهية الموت كما أخبر النبي ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». هذا الوهن يجعل الإنسان يعيش لنفسه فقط، يخشى فقْد المكاسب، ويهرب من كل ما يذكّره بالمصير أو التضحية.

 

أما أخطرها فهو الغزو الفكري والإعلامي الممنهج: طوال 100 عام وأكثر، بنيت عقولنا عبر أفلام الرعب، والدمار... فالدم صار مشهدا "درامياً"، لا إنسانيا! بل إن البعض يرى مشاهد المجازر الحقيقية، ويتابعها ببرود، وكأنها مشهد في مسلسل!

 

وأكثرها تأثيرا هي التربية الحديثة المفرغة من المعنى: جيل تربى على "افعل ما يسعدك" بدل "افعل ما يرضي الله". و"أنت مركز الكون" بدل "أنت عبد لله"، فصارت الأنا معبوداً، والوجع الجماعي لا يعنيه إلا إن مسّه شخصيا.

 

فكانت النتيجة المؤلمة تغييب الأمة عن قضاياها.

 

فما أصاب الأمة من تبلد، وضياع، وانهيار أخلاقي ونفسي، لا يعالج بحملات توعية موسمية، ولا بخطابات عاطفية تنتهي مع انطفاء الحدث، بل يبدأ الحل من العودة إلى الأصل: قيادة راشدة تقود الناس بحكم الإسلام لا بهوى الحكام... قيادة على نهج النبوة، لا تفرط ولا تساوم، تعيد بوصلة الأمة نحو الآخرة، وتربط حياتها كلها بالإسلام: في الإعلام، والتعليم، والاقتصاد، والسياسة...

 

نحن لا نحتاج من يرقق قلوبنا فحسب، بل من يربطها بالله، ويقودها بإيمان حي، نحتاج إماما يتقي الله فينا، لا يرى في دمائنا أرقاما، ولا في قضايانا أوراق مساومة. نحتاج خلافة راشدة تسحق المشروع الغربي الذي لعب بعقولنا، وزرع فينا حب الحياة والفردية وعدم المبالاة، وتعيد بناء أمة تعرف أن الله خلقها لتقود لا لتقاد، ولتعيش بعقيدة تحيي القلوب، لا تقتلها بالخوف والضعف.

 

فاللهم عجل لنا بفرجك، وبإمام حق، يعيد للأمة دينها، وكرامتها، وحياتها.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ليبيا على حافة الفراغ

تداعيات مقتل رئيس الأركان الليبي في تركيا

 

 

في الدول المستقرة تسقط الطائرات، وتُفتح التحقيقات، ثم تُطوى الصفحة. أمّا في الدول الهشّة، فحتى الحوادث العرضية تتحوّل إلى زلزال سياسي، لأن الأشخاص فيها لا يمثّلون أنفسهم فقط، بل يرمزون إلى توازنات كاملة في توزيع النفوذ.

 

لذلك، لم يكن مقتل رئيس أركان القوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة خبراً عابراً في نشرة عاجلة، بل لحظة كاشفة لواقع الدولة الليبية التي ما تزال تعاني من التمزّق الداخلي. فهي دولة بلا جيش موحّد، ولا سيادة مكتملة، ولا مؤسسات قادرة على الصمود. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا يعني غياب محمد الحداد؟ ومن المستفيد من موته؟

 

لقد بدأ الصراع في ليبيا بعد عام 2011 يأخذ طابعاً دولياً، لا سيما بين أمريكا وبريطانيا. فقد سحبت أمريكا البساط من تحت أقدام بريطانيا والأوروبيين في منتدى الحوار السياسي الليبي، حين منح مجلس النواب الليبي، في 10 آذار/مارس 2021، الثقة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بعد حصولها على 132 صوتاً من أصل 188 (بي بي سي، 14/3/2021). وبذلك انتهت عملياً حكومة فايز السراج.

 

وعقب ذلك، أكّد سفير أمريكا لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، دعم أمريكا للمجلس الرئاسي والحكومة الجديدة، مهنئاً المشاركين في الحوار السياسي الليبي والقيادات الليبية.

 

أما التدخل التركي، فقد جاء عبر اتفاقيات مع حكومة السراج السابقة، ولم تتأثر هذه الاتفاقيات بتغير الحكومة، إذ لم تعارض حكومة الدبيبة الجديدة تلك الاتفاقيات ولا الوجود التركي في البلاد، باستثناء طلبها آنذاك إخراج المقاتلين السوريين.

 

في المقابل، كان موقف مصر يقوم على احتواء محمد المنفي وتثبيت حكومة الدبيبة، بينما تبنّت المغرب والجزائر وتونس - وهي دول فاعلة ضمن حسابات بريطانيا - القبول بالأمر الواقع، مع التشديد على ضرورة خروج القوات الأجنبية من ليبيا.

 

وبالعودة إلى واقع ليبيا، يتبيّن أن مقتل محمد الحداد ورفاقه لم يكن حدثاً عادياً، بل شكّل خسارة كبيرة لقدرة المجلس العسكري، وبداية تصدّع جديد في حالة "الاستقرار المعلّق" التي تعيشها البلاد: حكومة قائمة بلا شرعية انتخابية، مؤسسات مالية مخترقة سياسياً، وأمن تديره شبكات مسلحة لا جيش دولة، فضلاً عن انقسام الجيش بين شرق وغرب، ووحدة شكلية بلا قيادة فعلية.

 

صحيح أنه لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة على أن ما حدث عملية اغتيال، لكن السياسة لا تنتظر الأدلة لتستثمر الأحداث. فخصوم حكومة الغرب سيستخدمون هذه الحادثة لإثبات فشل مشروع الدولة في طرابلس، وهشاشة حكومة الدبيبة. ويأتي ذلك في سياق زيارة كبير مستشاري رئيس أمريكا ترامب للشؤون العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، ولقائه بحكومة الدبيبة، حيث شملت مطالبه: توسيع التعاون الاقتصادي وفتح شراكة اقتصادية واسعة، مع تقديم عرض استثماري بقيمة 70 مليار دولار للشركات الأمريكية الكبرى. ودعم جهود الاستقرار السياسي والعسكري، وتشجيع العملية السياسية والدفع نحو الانتخابات وبرامج سياسية شاملة. (الجزيرة نت، 24 حزيران/يونيو 2025).

 

وهنا يبرز الخلاف بين عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي، إذ إن لكل منهما مرشحه المفضل لرئاسة التغيير الهيكلي في الجيش الليبي إن حدث. فالدبيبة كان يفضّل الفريق أول محمد علي الحداد، رئيس الأركان التابع لحكومته، في حين يدعم محمد المنفي اللواء أسامة الجويلي، الذي لعب دوراً محورياً في بناء التوازنات المسلحة بعد عام 2011، خصوصاً في غرب ليبيا، وله توترات سابقة مع حكومة الدبيبة بسبب اختلاف التوجهات.

 

ومع غياب الحداد - الذي كان يشكّل عامل كبح أمام أي إعادة خلط جذري للأوراق داخل القيادات العسكرية في غرب ليبيا - سيُطرح اسم أسامة الجويلي بقوة، الأمر الذي سيستفز المليشيات الموالية للدبيبة، والتي قد تعتبر ذلك انقلاباً سياسياً داخل مؤسسات الحكومة، ما قد يعيد الفوضى إلى الشارع الليبي، ويضعف فرص توحيد الجيش، ويعزز منطق الانقسام. وسيجد الشرق في ذلك دليلاً إضافياً على عجز الغرب عن بناء مؤسسة عسكرية وطنية، ما يعمّق الانقسام، حتى وإن لم يكن الهدف المعلن هو تقسيم البلاد.

 

إن مقتل محمد الحداد - وهو الذي كان يرفض الاقتتال الداخلي، ولا يرغب في مواجهة حفتر، وكان يرى إمكانية جمع المليشيات ضمن هيكلية جيش وطني، ويُعد من أبرز المعارضين لتقسيم ليبيا - لا يعني فقط غياب شخص، بل ضربة لمسار.

 

فالمستفيد الحقيقي من موته ليس أفراداً بعينهم، بل مسارٌ كامل: مسار يدعم منطق المليشيات بدل الجيش، وتعدد مراكز القرار، وتعطيل توحيد المؤسسة العسكرية، واستمرار الحاجة إلى التدخل الخارجي، وإضعاف معسكر حكومة الدبيبة.

 

وعليه، فإن موت محمد الحداد ليس مجرد حدث أمني، ولا مسألة تعيين بديل، بل تعبير صارخ عن عجز الدولة عن التوحّد.

 

هذه الأحداث لا تُقاس بحجمها الظاهري، بل بما تكشفه من حقائق. فمقتل محمد الحداد ورفاقه - سواء أكان حادثاً عرضياً أم واقعة غامضة لم تكتمل فصولها بعد - لم يخلق أزمة جديدة بقدر ما فضح أزمة قديمة: دولة تُدار بالأشخاص لا بالمؤسسات، وبالتوازنات لا بالقانون.

 

المشكلة ليست في من يقود الجيش، بل في غياب الجيش ذاته ككيان وطني موحّد، مستقل عن الحكومات المؤقتة، وعن السلاح المنفلت، وعن الرعايات الخارجية. قد يربح بعض الفاعلين نفوذاً مؤقتاً من هذا الفراغ، وقد تُستغل الحادثة لتعميق الانقسام أو تبديل الأدوار، لكن الخسارة الدائمة هي غياب الدولة الراعية. فالدول لا تنهار بموت قادتها، بل تموت بعجز مؤسساتها.

 

ومن هنا، فإن على الشعب الليبي أن يبحث عن حل جذري يخلّصه من التدخلات الخارجية، ويقيم نظاماً قوياً يدير مؤسساته بمرجعية مستقلة. ولا وجود لنظام أصلح لذلك من نظام الخلافة، الذي يقطع كل يد تمتد للعبث بالبلاد، وهو الوحيد القادر على بناء دولة تتحدى الصعوبات، وتعيد لهذه الأمة عزتها. فمقدرات المسلمين تُهدر اليوم بسبب البعد عن الدين، الذي كان ولا يزال الدرع الواقي للأمة، والمتمثل في دولة الخلافة الراشدة التي بشّر بها رسول الله ﷺ حين قال: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...