اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تُباع قضايا الأمة بثمنٍ بخس

 

 

لم تكن صفقة الغاز بين مصر وكيان يهود الغاصب مجرد اتفاق اقتصادي، بل بدت كصفعة مدوية على وجه قضايا الأمة؛ في لحظة يتكدس فيها شهداء غزة، ويكبر الجرح في جسد الأمة. إن مجيء هذه الصفقة في هذا التوقيت ليس تفصيلاً عابراً، بل هو إعلان صريح بأن المصالح الباردة تغلب الأخلاق، وأن الشعارات التي تتغنى بقضايا الأمة لم تعد ترى هذه القضايا أكثر من ورقة لاستجداء الجماهير وقت الحاجة، ثم تُلقى في سلة المهملات عند أول صفقة.

 

مصر، الدولة التي كانت ذات يوم تتغنى بقضايا الأمة، تحولت إلى أول المهرولين؛ ولم تبدُ هرولتها هرولة خوف، بل كأنها تسابق لالتقاط اليد الممدودة قبل أن تُغسل من دماء المسلمين. والأدهى أنها لم تُبدِ أي حساسية تجاه رمزية اللحظة؛ فلا خطاب يواسي، ولا موقف يوازن، ولا حتى محاولة لإخفاء التطبيع خلف ستارٍ من الأعذار، بل تبريرات جامدة متعالية على وجدان الأمة.

 

إن من يوقع مع الاحتلال صفقة بمليارات الدولارات بينما جراح أهل فلسطين تنزف، لا يمكن له الادعاء بأنه يحمل همّ الأمة أو يدافع عن قضاياها. القرارات ليست مجرد تجارة، القرارات رسائل؛ ورسائل هذه الصفقة واضحة: واشنطن لم تعد بحاجة إلى ضغوط علنية، بل نظرة إشارة أو تلميح دبلوماسي يكفي ليهرول الحكام نحو ما تريده، وحاكم مصر أول من لبى النداء، وكأنه يسعى لإثبات الولاء قبل تحقيق المكاسب.

 

بدلاً من أن تكون مصر بوابة الدعم للفلسطينيين، أصبحت البوابة التي تمر عبرها الشرعية الاقتصادية للاحتلال. وفي لحظة كانت الشعوب الإسلامية تنتظر فيها من القاهرة أن تتصدر المشهد احتجاجاً أو رفضاً، أو حتى صمتاً مشرفاً؛ فُوجئ شعب الكنانة بعقد صفقة استراتيجية مع الطرف الذي يقصف ويحتل ويقتل إخوانهم.

 

إن صفقة العار ليست مجرد اتفاق، بل هي موقف؛ لأنها قيم تُستنزف، وذاكرة تُهان، وقضية تُباع. لقد أصبحت مصر الدولة التي تفتح الطريق في لحظات الانكسار، ولم يعد الرئيس المصري ينظر إلى فلسطين كقضية، بل كملف مهمش لا يستحق التأجيل. دخلت مصر من خلال هذه الصفقة بوابة التطبيع من أوسع أبوابها، ورفعت راية المصالح فوق المبادئ، والبراغماتية فوق الأخلاق.

 

يا شعب الكنانة، ويا شعوب الأمة جميعاً؛ لا تجعلوا الخوف سيدكم، ولا تصدقوا أوهام الطغاة بأنهم قدر لا يتغير. إن القيود التي تكبلكم تبدأ من عقولكم قبل أيديكم، فإذا تحرر الفكر سقط الجلاد. لا تنتظروا من طاغية أن يمنحكم الكرامة، فالكرامة تُنتزع ولا تُوهب. ابدؤوا بالوعي، بالكلمة، بكسر الصمت؛ فالكرامة ميراث، ومن سار نحو النور لا يعود للظلام أبداً.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 470
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    471

بسم الله الرحمن الرحيم

قسد والنظام السوري: صراع داخل القفص!

 

 

من يتابع المشهد السوري بوعيٍ، لا بعين العاطفة ولا بضجيج العناوين، يدرك حقيقة باتت اليوم واضحة وهي أنه لا يوجد في سوريا فاعلٌ عسكري أو سياسي خارج المدار الأمريكي. ومن هنا، فإن الحديث عن صدامٍ سيادي بين الجيش السوري وقوات قسد هو حديثٌ يفتقر إلى الدقة، بل يندرج ضمن إدارة الوهم السياسي، لا توصيف الواقع.

 

فلا يمكن لأي متابعٍ جاد أن يزعم أن أحمد الشرع، أو المشروع الذي يمثله، قد خرج يوماً عن المعية الأمريكية. فهو ليس حالة طارئة، ولا ظاهرة مستقلة، بل نتاج مسارٍ طويل من إعادة التدوير السياسي؛ صنيعةُ ظرفٍ دولي محدد، أو أداةٌ وظيفية أُخرجت من المشهد ثم أُعيدت إليه عندما تغيّرت الحاجة. وكل من يقرأ خريطة التحركات، وتوقيت الظهور، وسقف الخطاب، يدرك أن الهامش الممنوح له مرسوم بدقة، وأن الخروج عن هذا المسار غير واردٍ أصلاً.

 

أما ما يُروَّج عن صدامٍ بين الجيش السوري وقسد، فليس إلا اشتباكاً داخل القفص الأمريكي؛ فقسد ذراعٌ ميدانية مباشرة لواشنطن، وظيفتها ضبط الشرق السوري لا تحريره. والنظام السوري بدوره ليس حليفاً ولا عدواً، بل ملفٌّ قابل للاستخدام عند الحاجة.

 

لذلك، فالصراع مسموحٌ به، مضبوط الإيقاع، ممنوع الحسم، كي يبقى الجميع محتاجاً إلى الراعي الأمريكي، ولكي تُمنَع إمكانية تشكّل دولة مستقلة، فيُستهلَك الداخل بدل أن يتجه الصراع إلى الخارج. وكل حلقةٍ في هذه العملية لا تخرج عن حسابات واشنطن.

 

المشكلة ليست في تعدد الفصائل، بل في تصديق الرواية التي تصوّر الصراع على أنه معركة كرامة، بينما هو في حقيقته أداة نفوذ، وحين يُقدَّم بهذا الشكل يكون الخطر قد بلغ ذروته.

 

فالدم السوري يُستنزَف، لا لإسقاط مشروع، ولا لبناء دولة، بل لإدامة حالة اللادولة.

 

وإن أخطر ما تواجهه سوريا اليوم هو الوهم: وَهْمُ أن هناك من يقاتل خارج الإرادة الأمريكية، ووهم أن بعض الرموز تمثل خلاصاً، وهي في حقيقتها أدوات مرحلية. فمن لا يملك قرار الحرب، لا يملك قرار السلم، ولا يصنع مستقبل بلاده.

 

فيا أبناء الشام، يا من كتبتم بدمائكم أطول فصول الألم، وصبرتم حتى صار الصبر جزءاً من هويتكم: أما آن للوعي أن يسبق العاصفة؟

 

إن أخطر ما تتعرض له الشعوب بعد الحروب ليس الدمار، بل المشاريع التي تُقدَّم بثوب الخلاص، وهي في حقيقتها إعادة تدوير للهيمنة، ومشاريع تُدار من خارج الحدود. لكن التاريخ علّمنا أن من يُسلِّم وعيه اليوم، سيدفع ثمنه أضعافاً غداً. وأن استعادة سوريا تبدأ من استعادة الوعي، وأن الوعي لا يُمنَح بل يُنتَزَع.

 

وهذه دعوة لأن تكونوا أصحاب القرار، لا وقودَ المشاريع.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

دولة الخلافة هي وحدها التي تقطع اليد التي تمتد إلى القرآن بسوء

وليس الأنظمة الوضعية التي تشارك الأعداء في الإساءة إليه

 

بعد أن توقفت المظاهرات والوقفات الاحتجاجية الأسبوعية التي يدعو لها الحوثيون في مناطق سيطرتهم، المناصرة لغزة على حد زعمهم، في شهر تشرين الأول/أكتوبر المنصرم إثر موافقة حماس وكيان يهود المجرم على خطة ترامب التي صنعها بموافقة أتباعه من حكام المسلمين منذ أن ترأس اجتماع الأمم المتحدة في شهر أيلول/سبتمبر عام 2025م حيث ضم الاجتماع السعودية والإمارات وقطر ومصر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا، والخطة هي تقوية ليهود وضياع للأرض المباركة فلسطين... فقد دعت اللجنة المنظمة لمناصرة الأقصى التابعة للحوثيين والتي كانت تنظم المظاهرات والوقفات خلال عامين، دعت الخميس الموافق 18/12/2025م، للخروج يوم الجمعة 19/12/2025م في مظاهرات نصرة للقرآن إثر تدنيس المصحف الشريف من أحد الساقطين من أعداء الأمة.

 

إن إساءات أعداء الأمة المتكررة للقرآن الكريم التي تحدث بين الفينة والأخرى ما كانت لتحدث لو كان للمسلمين خليفة يرد الصاع صاعين؛ فعندما عزمت فرسنا ثم بريطانيا على إقامة مسرح يسيء للإسلام ونبيه الكريم ﷺ وعلم بذلك خليفة المسلمين (في عهد الخلافة العثمانية) أرسل لهم رسالة شديدة اللهجة فلم يتجرؤوا على فعل ذلك لأنهم يهابون دولة الخلافة العثمانية ويخشون أن تغزوهم في عقر دارهم.

 

إن التعبير عن الغضب الشديد تجاه الإساءة للقرآن الكريم بالمسيرات والوقفات والخطب وغيرها، كل ذلك فيه خير وهو من أعمال الأفراد والجماعات، أما الدولة فعملها هو الرد العسكري والمقاطعة الاقتصادية الحقيقية لجميع بضائع الدول الاستعمارية كلها واتخاذهم جميعا أعداء، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾.

 

إن الدول والأنظمة الخائنة ليس في قاموسها الدفاع عن الإسلام ورموزه ومقدساته لأنها أنظمة علمانية اتخذت الإسلام عدوا لها كما اتخذه أسيادها الغرب.

 

أما الحوثيون الذين ما زالوا يتظاهرون بحبهم للإسلام ويرفعون شعار المسيرة القرآنية والموت لأمريكا ويحشدون الجموع للتنديد بالإساءة للقرآن الكريم فإنهم قد أساؤوا إليه كما أساء إليه غيرهم من الأنظمة الخائنة؛ فقد ألقوه وراء ظهورهم ولم يحكموا به مطلقا بل حكموا بالعلمانية وهذا هجر للقرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾.

 

فدولة القرآن هي الخلافة التي يحارب الحوثيون العاملين لإقامتها تحت الشعار الأمريكي (مكافحة الإرهاب) حتى أصبح لهم جهاز أمني خاص يسمى مكافحة الإرهاب! وما زالوا يعتقلون شباب حزب التحرير في اليمن لا لشيء إلا لأنهم وزعوا منشورا يبين حقيقة المؤامرة على غزة وأهلها تحت عنوان (ترامب يقود أتباعه من الحكام في بلاد المسلمين إلى صفقة خزي وعار فيطأطئون رؤوسهم وراءه بجعل غزة هاشم تحت الوصاية والاستعمار).

 

وهذا يؤكد أنهم مع غزة ظاهرياً فقط وإلا لبادروا برفض خطة ترامب وهم يرفعون شعار (الموت لأمريكا)، فالخطة في صالح كيان يهود المجرم تقوّيه وتحقق له ما لم يحققه بالحرب، فالخطة تمنح "مجلس السلام"، وهو مجلس حكم ويديره أعداء الأمة لحكم غزة، وهو بدوره ينشئ قوة استقرار دولية وإدارة حكم انتقالية غير سياسية لإبعادها عن شؤون الحكم، كما يتحكم بحركة الأشخاص عند دخولهم غزة وخروجهم منها.

 

إن دولة القرآن هي التي تطبق شرع الله وتحكم بما أنزل الله وتقيم الحدود وتحمي الثغور وتجاهد في سبيل الله لنشر رسالة الإسلام إلى العالم كله، وتقطع كل يد تمتد إلى القرآن بسوء، بينما نجد أن الأنظمة الخائنة القائمة اليوم لا تحكم بالقرآن ولا تطبق أحكامه، وهذه إساءة إلى الإسلام كله؛ القرآن والسنة، وفوق ذلك فهي تحكم بالقوانين الوضعية التي شرعها البشر، وتشيع الفواحش والمنكرات والرذائل، وتحارب العمل لإعادة أحكام الإسلام إلى الحياة والدولة والمجتمع حرباً لا هوادة فيها، وهم يحكمون بأنظمة ملكية وجمهورية تسيّر دفتها قوانين وضعية ما أنزل الله بها من سلطان، بل حرم الله الاحتكام إليها تحريما مطلقا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

 

فجميع الأنظمة الوضعية القائمة اليوم في بلاد المسلمين تستميت في حكمها بالطاغوت والاستمرار فيه وتطبيق القوانين الوضعية وملاحقة كل من يعارضها ويبين خطأها ومخالفتها للإسلام وتجعل السيادة للشعب وتكرس التجزئة بين المسلمين وتسهل هيمنة الكفار عليهم.

 

فالدولة التي تطبق القرآن وجميع أحكام الإسلام هي دولة الخلافة التي تجعل السيادة للشرع وتوحد المسلمين وتجاهد أعداء الإسلام.

 

أيها المسلمون: إن دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة هي وحدها التي تطبق الإسلام وتقيمه في حياتكم وهي التي تقطع كل لسان يسيء للإسلام أو لنبيه أو للقرآن أو للمسلمين، فسارعوا للعمل الجاد مع حزب التحرير ورصوا صفوفكم خلف قيادته لإعادة الإسلام إلى الحياة والدولة والمجتمع بإقامة الخلافة، فالخلافة هي فرض ربكم ومبعث عزكم وقاهرة عدوكم وحامية دينكم ومقدساتكم ومحررة أرضكم، وهي منارة الخير والعلم والعدل في ربوع العالم.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاشد قاسم – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

عرائس الشيطان: حكام يحركهم الغرب... وخلافة تتهيأ للنهوض

 

 

في ظلال ليل طويل، تتمايل دمى على مسرح السياسة، لا تنطق من تلقاء نفسها، ولا تتحرك إلا بإشارة خفية من يد لا تُرى؛ هم ليسوا قادة، بل عرائس معلقة بخيوط مشدودة من عواصم الغرب، ترقص حين يصفق الشيطان الأكبر، وتصمت حين يطلب منها الخضوع. تدّعي الحكمة، وتظهر السيادة، لكنها في حقيقتها مستأجرة، معدومة القرار، مرهونة الإرادة للشيطان الأكبر؛ أمريكا، التي تسحق الشعوب وتنهب الثروات باسم الحرية.

 

أمريكا لم تعد ترسل جيوشا، بل ترسل شروطا، وقروضا، وتوصيات، وأوامر. أما حكام المسلمين، فما هم إلا منفذون، أدوات تنفيذ لخطة أكبر من حدودهم. إلا أن الأكثر إيلاما هو أن أمريكا لا تتحكم بالحكام فقط، بل تمسك برقاب الشعوب من خلالهم، فالحاكم مجرد موظف تتحكم فيه شرعيته الدولية باعتبار أن أمريكا تملك التأثير الأكبر على المؤسسات الدولية (مثل الأمم المتحدة، صندوق النقد، مجلس الأمن)، فمتى ما أرادت، تبدأ حملات تشويه ضد الحاكم فتنعته بالديكتاتور والقمعي والفاسد، وهكذا، فتسحب منه الشرعية تدريجيا، وتعزله دوليا.

 

ناهيك عن تهديده بالعقوبات أو تجميد الأرصدة أو وقف الدعم الدولي، فالاقتصاد هو نقطة ضعف الأنظمة في بلادنا لأنها هشة ومعتمدة على الخارج، ومن ثم تستخدم أمريكا أقذر أدواتها في إحداث الفوضى، فهي تملك نفوذا على الإعلام والنخب والمنظمات، وحتى الأجهزة الأمنية، فمتى أرادت تفجّر أزمة داخلية أو مظاهرات أو تشجع انقلابا عسكريا ثم تبدأ بتلميع ودعم بديل له، فتلوح بدعم شخصية أخرى ربما من الجيش أو المعارضة أو من داخل العائلة الحاكمة، عندها يشعر الحاكم أن وجوده صار مهددا، فيسرع بالطاعة وتقديم تنازلات أو ضخ أموال طائلة لأمريكا التي تعتمد هذا الأسلوب لإدراكها أن الحاكم حين يُهدَّد، يسخِّر الدولة كلها لحماية كرسيه؛ فيقمع الشعب، ويرفع الأسعار، ويحول الإعلام لبوق غربي، ويطبّع مع الاحتلال ويشيطن كل من يعارضه، وهكذا، تصبح الشعوب رهائن لابتزاز خارجي، وأدوات لحماية النظام، وليس العكس.

 

فسيسي مصر جاء بانقلاب، ويعيش على دعم الغرب. صمت مطبق أمام الاحتلال، وتطبيع فعلي معه... أما ابن سلمان السعودية فأخرج كيان يهود من الظل إلى العلن، وصار أكثر المتحمسين للتطبيع معه، تحت ذريعة التحول والانفتاح... كذلك الأمر مع ابن زايد حاكم الإمارات عراب الثورات المضادة، داعم الانقلابات، وممول حملات تشويه كل فكر تحرري... وطامتنا الكبرى عبد الله الثاني ملك الأردن حليف أمن الاحتلال في السر والعلن، والتنسيق الأمني لا يتوقف... وليس أخيرا بل أكثرهم حداثة أحمد الشرع رئيس سوريا فهو رئيس بلا سيادة، تديره واشنطن وتبقيه في الحكم ما دام يحافظ على أمن يهود، لا قرار له، ولا مشروع، سوى تنفيذ الأوامر وتثبيت الأمر الواقع كما تريده أمريكا.

قد يتساءل القارئ: لماذا لا تسقط أمريكا رغم أزماتها؟

 

سؤال جوابه كمن غرس السهم بيده في قلبه وتركه ينزف ليتغذى عليه مصاص دماء طفيلي، بمعنى موسع: رغم ما تعانيه أمريكا من أزمات اقتصادية، وانقسام سياسي، وتفكك اجتماعي، فإنها لا تسقط لأنها تتغذى علينا؛ نفطنا بالدولار يبقي عملتها مهيمنة، واحتياطاتنا النقدية تمول ديونها، وصفقات أسلحتنا تنعش مصانعها، وتبعية حكامنا تمنحها شرعية في كل محفل.

 

باختصار نحن من نبقي الشيطان الأكبر على قيد الحياة يتحكم فينا ويقتلنا ويقبض ثمن قتلنا منا، وإن تسبب في دمار بلد ما، فعلينا أن نعيد بناءه، هل أدركتم إلى أي درجة من الاستغباء والذل الذي وصلنا إليه من أجل ثلة من طواغيت علينا ودمى بيد شيطان أعور عاجز؟!

 

إن الخلاص لن يأتي من داخل الأنظمة، بل من خارجها؛ من مشروع منافس لها يعيد السيادة، ويجمع الأمة، ويقف ندا للهيمنة الغربية؛ ألا وهو مشروع الخلافة كنظام عالمي عادل، لا شعارا تاريخيا، فهو الوحيد القادر على وضع حد لهذا الشيطان وقطع جميع الموارد التي تغذيه، فتعيده إلى وضعه الطبيعي كأي دولة أخرى لها كما عليها، مجردة من كل أدوات الهيمنة.

 

إن من أوجب الواجبات اليوم علينا هو فضح حكامنا وإسقاطهم، والعمل على إقامة دولة الخلافة لتأسيس حكم إسلامي حقيقي يعلن ولاءه للأمة لا للغرب، ويحكم بشرع الله لا بقوانين الاستعمار، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾، إنها خارطة طريق، تقسم العالم إلى قسمين لا ثالث لهما: من يقاتل في سبيل الله، ومن يقاتل في سبيل الطاغوت. وكل نظام يحارب الإسلام، أو يحاصر الدعوة، أو يطبع مع الاحتلال، فهو من أولياء الشيطان، وإن لبس قناع الوطنية أو الحداثة.

 

وتختم الآية بعبارة تزرع اليقين بقوة المؤمنين مقابل كيد الشيطان الضعيف، لأنهم يملكون عقيدة ثابتة راسخة.

 

أما نحن، فأمامنا مشروع عظيم يتهيأ للنهوض؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة تجمع الأمة، وتكسر القيد، وترد المظالم، وتحمل الإسلام نورا وعدلا للعالم. فمن لم يكن لها كان عليها.

 

﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تسويغُ تبعيةِ الحاكمِ وقبولِ المنكرات والهوانِ

بذريعة: "لو كنتم مكانه ماذا كنتم ستفعلون؟"!

 

لا تزال السجالات مستمرة بين العاملين لأجل التغيير الإسلامي، حول حكام النظام الجديد في سوريا بعد إسقاط بشار أسد. فهناك فريق يرى أنهم عملاء يسيرون في ركاب أمريكا وعملائها، وأنهم تنكروا للأهداف الإسلامية التي كانوا يصرحون بها، وانقلبوا على العاملين لأجلها. وفريق آخر، يدافع عن هذا النظام وحكامه، ويسوِّغ سياساتهم بذريعة الضعف وموازين القوى، ويصف مواقفهم بالحكمة، ويتهم الفريق الأول بأنهم خياليون، يحلمون بإقامة الخلافة وتطبيق الإسلام، غافلين عن الموقف الدولي والنظام العالمي المعادي للإسلام، وعن أن سوريا هي اليوم بقايا دولة وليست دولة.

 

لقد كان فرح المسلمين بسقوط نظام بشار عظيماً ومميزاً، لأنه كان أحد أشد الأنظمة ظلما في العالم وأطغاها. وتوقع كثيرون أن النظام الجديد الذي يقوده أحمد الشرع الذي اشتهر قبل ذلك بتاريخ جهادي ومنهجية إسلامية سلفية، سيطبق الإسلام في سوريا، ويتبني قضايا المسلمين في محيطها كلبنان وغزة. وبخاصة أنّ تصريحاته كانت معروفة بالنعي على ما يُسمى الاعتدال أو الوسطية الإسلامية، وعلى من اتخذ هذا المنهج الذي عدَّه انحرافاً عن الإسلام إرضاءً للغرب المهيمن على المنطقة.

 

ولكن الأحداث جاءت بعد ذلك لتكشف عن سياسة مخالفة للمعهود عنه في كل الجماعات التي سار فيها أو قادها. وأخذت المفاجآت في مواقفه وسياسة نظامه الجديد تتوالى، وتزداد معها التساؤلات والسجالات بين المؤيدين والمعارضين بسبب مواقف الذل والهوان المتلاحقة، إضافة إلى عدم ظهور أي تأثير للإسلام في مواقفه السياسية. وقد ظهر هذا في مواقف لا تكاد تُحصى، كالصمت المثير حيال اعتداءات قوات كيان يهود المستمرة، والتي تتوغل في سوريا وتستولي على المزيد من أراضيها، وتقيم الحواجز العسكرية فيها، وتقصف العاصمة دمشق وتقتل كما تشاء... إضافة إلى المواقف الضعيفة تجاه طوائف أو قوميات تتمرد وتعتدي وتقتل، في حين يصوِّر أحمد الشرع مواقفه هذه حكمةً. هذا ناهيك عن عدم ظهور أي توجه لتطبيق الإسلام. إضافةً إلى رضاً مميز عنه - حالياً - من ترامب ومبعوثيه، ومن غيره كحكام السعودية وتركيا.

 

لقد كانت هذه الوقائع وأمثالها سبباً للاختلاف بين المراقبين والمتطلعين لإقامة الدولة الإسلامية، وللتخلص من هيمنة الكفر المستشرس على المسلمين. فمنهم من أصيب بخيبة أمل كبيرة من هذا النظام، فأخذ يتهمه بالمخادعة والانحراف، ومنهم من أخذ يلتمس له الأعذار ويتذرع بالأوضاع الداخلية والخارجية وموازين القوى. ولما كانت الغالبية في الفريقين من الصادقين في تطلعاتهم، وإن اختلفت رؤاهم وأفهامهم للواقع وللشرع، وجب النظر في حجج الفريقين للوقوف على حقيقة المشكلة وموضع الخطأ.

 

أما حجج الفريق الأول بأن النظام الجديد يسير مع أمريكا وينتهج نهج عملائها المعهود في الخضوع للنظام العالمي وقوانينه، وما إلى ذلك من مظاهر الفسق المتزايدة في الحياة العامة التزاماً بقوانين الأمم المتحدة المتعلقة بالحريات العامة وحقوق الإنسان، ومن الاستعداد للتطبيع مع كيان يهود، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ويعترف به الفريق الثاني المدافع عن النظام ورئيسه.

 

أما حجج الفريق الثاني بأن سوريا اليوم ضعيفة، بل هي بقايا دولة ولا تستطيع أن تواجه كيان يهود، ولا أن تفرض نفوذها على كامل أرضها بلهَ أن تمد سلطانها إلى محيطها، ولا تستطيع أن تتمرد على النظام الدولي، فهذا أيضاً صحيح ومن المكابرة إنكاره. ويضيف هذا الفريق أن إقامة الخلافة في هذه الأوضاع في سوريا، أو تطبيق الإسلام في سياسات الدولة الداخلية والخارجية أمر غير واقعي، ولا يمكن تحقيقه. وليس ثمَّة مشكلة في هذا الفهم أو القول، ولكن المشكلة بل التيه، هي في الاتكاء على هذا الفهم لاستباحة تطبيق الكفر، وتوهم وجود رخصة شرعية في ذلك، وفي التبعية للدول المتنفذة، وهي أيضاً في تسويغ تطبيق قوانين كفر، بذرائع الضعف والخوف من مفاسد كبيرة، وفيما يؤدي إليه ذلك من مواجهة النظام الجديد في سوريا الدعوة إلى الخلافة وتطبيق الإسلام.

 

ولمقاربة هذا الاختلاف بشكل سليم، ينبغي قبل كل شيء تقرير الحقائق كما هي. ومن ذلك أن ما يقوم به النظام الجديد في سوريا غير شرعي بتاتاً، فهو يطبق قوانين كفر، ويسير في سياسات كفر، ولا يوجد أي رخصة شرعية تبيح ذلك. وبالمقابل، لا تقوم دولة إسلامية بمعنى الكلمة في سوريا وحدها اليوم. وهنا يقع الفريق المدافع عن هذا النظام في خطئه الكبير في عدم فهم الإسلام وأحكامه في هذا الأمر. وهو أنه إذا لم يكن هناك إمكانية لإقامة دولة إسلامية، فهل هذا عذرٌ أو ذريعة لنقيم دولة كفر؟! وإذا لم يكن الحاكم أو من يريد الاستيلاء على الحكم قادراً على تطبيق الإسلام، فهل هذا سبب رخصة لتطبيق الكفر؟!

 

لم يقدِّم الفريق المدافع عن هذا النظام أي دليل على هذا الأمر، ولا يستطيع ذلك. لأن نصوص القرآن في وجوب الحكم بالإسلام وتحريم الحكم بغيره كثيرة وقطعية، وليس فيها استثناء أو تخصيص. وكل ما يقدمه هذا الفريق لا يزيد عن أشواق وتأييد لتغيير الحكام الطُغاة والفُجار. وهي أشواق تعبر عن نفسية إسلامية، ولكنها ليست دليلاً على حكم شرعي، ولا على رخصة شرعية. وهذه الأشواق والتأييد لخلع نظام الكفر والانتقام منه هي مشاعر إسلامية وموقف إسلامي يدفع لتأييد الذين أزالوه والدفاع عنهم. لذلك، يتمسك المدافعون عن مواقف هذا النظام برخص يطبقونها في غير موضعها، تدفعهم إليها ميول ورغبات، ولو كانت في غير موضعها كالضرورات، وما كان من قبيلها كالظروف الضاغطة وموازين القوى، وهم يأملون أن تتغير هذه الظروف وأن يسعفهم النظام الجديد بمواقف مشرفة منه ليثبتوا بها صحة موقفهم، وهم يرون أن هذا النظام يسارع في إبعادهم عما يأملونه، كتوجهه نحو التطبيع مع كيان يهود، والتوقيع على اتفاقات أبراهام.

 

وهنا ينشأ سؤال: إذا كانت إقامة الخلافة أو تطبيق الإسلام كاملاً غير ممكن في سوريا في هذا الواقع، وفي الوقت نفسه لا يجوز الخضوع للكفر ولا الحكم بغير ما أنزل الله، ولا يوجد رخصة في ذلك، فما العمل إذن؟

 

وهنا يكمن ما يغيب عن كثير من العاملين المخلصين، والذي هو سبب الاندفاع في الحديث عن الضرورات والاستطاعة والوسع والرُّخَص، وفي الاستدلال الخطأ بقواعد عامة في مواضع فيها نصوص خاصة، كالاستدلال بقاعدة درء المفسدة الأكبر بالأصغر، أو بقاعدة أهون الشرين، في مواضع حسمتها النصوص.

 

إن الحكم الشرعي في هذا الواقع هو ألا يُقدم المسلم على الحكم أو استلام الحكم ما لم يكن قادراً على تجنب الحكم بأنظمة كفر أو بقانون كفر. وإذا قيل: وهل نترك الأمر لفلان الفاجر أو الكافر؟ فالجواب هو أنه لا يجوز القيام بالمنكر كي لا يقوم به أحدٌ آخر لأنه فاجر أو كافر أو حاقد على الإسلام. وإذا أراد هذا الآخر أن يقوم بالمعصية فهو يبوء بإثمه. والواجب هو العمل والكفاح ليصل الإسلام إلى الحكم، وليس ليصل إلى الحكم كفرٌ ولكن بيد عاملٍ محب للإسلام وتطبيقه!

 

إن الأدلة على هذا الأمر كثيرة، أكتفي ههنا بواحد منها، وهو أنه عندما عرض كفار مكة على النبي ﷺ أن يعبدوا الله مدة سنة ويعبد هو إلههم سنة، أي أن يحكم بالإسلام مدة من الزمن، مقابل أن يخضع وتخضع مكة لحكم الكفر مدة مماثلة، رفض ﷺ هذا العرض رفضاً قاطعاً، ونزل في هذا الأمر خطابٌ لكل كفار العالم، تكرر فيه هذا الرفض ثلاث مرات، وكان إعلاناً عالمياً لكل الناس عن الحكم في الدولة، وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور محمود عبد الهادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السعودية والإمارات: وكلاء نفوذ وخدمة المصالح الدولية

 

في قلب الصراع اليمني المستمر منذ أكثر من عقد، تبدو المعادلة الدولية واضحة المعالم؛ فاليمن ليس ساحة نزاع داخلي، بل ميدان لتقاطع النفوذ الدولي، حيث تؤدي السعودية والإمارات دور الأدوات الرئيسة في هذا المشهد المركّب، خدمةً لمصالح القوى الكبرى، أمريكا وبريطانيا.

 

تتجلى وظيفة السعودية في حراسة النفوذ الأمريكي، إذ تحوّل دورها من تدخل عسكري مباشر إلى إدارة أزمات وضبط استقرار. وبذلك تتحمل الأعباء السياسية والعسكرية، فيما تحافظ أمريكا على مصالحها الاستراتيجية في باب المندب وخطوط الطاقة والملاحة البحرية، من دون الانخراط المباشر في مستنقع الصراع.

 

وعلى الضفة الأخرى، تلعب الإمارات دور الوكيل الاقتصادي والسياسي للنفوذ البريطاني في اليمن؛ فقد نجحت في بسط سيطرتها على الموانئ والمنافذ البحرية، ودعمت فصائل في الجنوب بما يضمن تفكك الدولة اليمنية، وهو هدف تقليدي للسياسة البريطانية التي اعتادت إدارة النفوذ عبر وكلاء محليين بدل السيطرة المباشرة.

 

ومن هذا السياق، يمكن فهم الصراع اليمني بوصفه حقل تجارب للنفوذ الدولي: السعودية تؤدي الدور الأمني والعسكري لصالح أمريكا، فيما تعمل الإمارات على ترسيخ الهيمنة الاقتصادية والسياسية لصالح بريطانيا.

 

أما الفصائل اليمنية، وعلى الرغم من أهميتها المحلية، فإنها لا تحمل مشروعاً مستقلاً، بل تُستَخدم أدواتٍ لإبقاء المشهد ضمن دائرة التحكم الدولي، بما يضمن استمرار الصراع دون حسم.

 

وعليه، فإن الحرب في اليمن ليست مجرد نزاع محلي أو إقليمي، بل ساحة لإعادة توزيع النفوذ الدولي عبر وكلاء إقليميين. ولم يعد اليمن مجرد مسرح للصراع، بل تحوّل إلى اختبار فعلي للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

 

وفي هذا التوقيت تحديداً، تسعى واشنطن إلى إنهاء ملف اليمن، ليس بدوافع إنسانية، بل بهدف إعادة ضبط الإقليم وحماية مصالحها الاستراتيجية، مستفيدةً من السعودية بوصفها أداة تنفيذية على الأرض. فالسعودية التي تحملت عبء الحرب لسنوات، تُستَغل لتوجيه الفصائل اليمنية والضغط عليها بما يخدم أمريكا، بينما تبقى أمريكا بعيدة عن أي مواجهة مباشرة.

 

لقد استنزفت الحرب الجميع، وحان وقت تصفية الملف قبل أن يتحول إلى تهديد حقيقي للأمن البحري العالمي أو إلى عبء يهدد منظومة النفوذ نفسها. ومن هنا، فإن تحرك أمريكا ليس وليد الصدفة، بل جزء من استراتيجية إقليمية أوسع: السعودية تدير الأرض، والفصائل اليمنية تتحرك تحت ضغطها، فيما تصوغ هي واقعاً سياسياً يحفظ خطوط الملاحة، ويحدّ من النفوذ الإيراني، دون أن تتحمل كلفة المواجهة المباشرة.

وفي هذه المعادلة، لا يكون الفائز من يقاتل على الأرض، بل من يخطط من بعيد، ويبقى الخاسر الأكبر هو الشعب اليمني، الذي يدفع الثمن دماً وخراباً، ونهباً لثرواته، واستغلالاً لموقعه الجغرافي الحيوي في الملاحة الدولية.

 

إن الخلاص الحقيقي للشعب اليمني، ولسائر الشعوب الإسلامية الممزقة، لا يأتي بالانتظار ولا بالتواكل، بل بالعمل الدؤوب لاستعادة الدولة والكرامة والعزة. وهذا الرائد الذي لا يكذب أهله يدعوكم إلى الفعل، وإلى السعي لاسترداد المجد المفقود. فهلمّ إلى سفينة النجاة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ثورة سوريا المباركة أمل الأمة الإسلامية المرتجى

 

كذب من قال إن الأمة الإسلامية سوف تموت، وخاب مكر الغرب الكافر وأعوانه عندما مارسوا عملية ضغط على الثورة في إدلب، لكي يصنعوا منها علمانية فجة تخدم مشروعهم الفاشل، امتدادا لأسرة أسد المجرمة فجاءوا بأحمد الشرع ممثلا لهم بعدما لم يجدوا من يخلف بشار نسخة طبق الأصل، فركبت أمريكا وعملاؤها في المنطقة موجة النهر الجارف، الذي يحمل عنوانا عريضا من الثورة المباركة من أول يوم "ما لنا غيرك يا الله" "هي لله هي لله". فتواثق أهل الثورة المخلصون أن يصلوا بها إلى معانيها الصادقة؛ إسلام نقي إلى سدة الحكم في كيان وسلطان واحد؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. لقد تخللت الثورة مطبات ومتاريس ورياح جافة وأجواء ملبدة وما زالت، إلا أن الثورة كل يوم تزداد بريقا ولمعانا حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا، يتعلق بلم شمل هذه الأمة تحت وحدة واحدة؛ خليفة المسلمين. لتكون سوريا نقطة الارتكاز كما كانت المدينة نقطة الارتكاز الأولى للكيان العظيم الذي بناه رسول الله ﷺ ثم انطلقت الدولة وحققت أعظم إنجاز عرفته البشرية من عيش طويل من عمر الدول المبدئية على وجه التاريخ. ها هي ثورة الشام اليوم يعود صداها بقوة تريد أن تزلزل الدنيا رغم أنف المنافقين والكافرين.

 

من يصدق أن تذكر الخلافة على لسان رئيس وزراء كيان يهود المغتصب لأرض الإسراء والمعراج؟ نشر تلفزيون روسيا اليوم بتاريخ 21/4/2025م: نتنياهو يحذر "لن نقبل بقيام أي خلافة على شاطئ البحر المتوسط والرد سيكون قاسيا".

 

لقد اهتمت مراكز الدراسات التي يطلق عليها مراكز أوعية التفكير مثل مركز راند ومعهد نيكسون وغيرها بدراسة أحوال المسلمين بشكل مركز وقدمت عدة توصيات بضرورة اعتماد سياسة ركوب الموجة، باستغلال جماعات ما يسمى بالإسلام المعتدل وإشراكها في اللعبة السياسية والحكم واستخدامها كأداة لضرب التوجهات الإسلامية الحقيقية التي يصفها أصحاب هذه المراكز بالمتطرفة والإرهابية.

 

أما الدوائر الاستخباراتية فتخاف من الصدمة الأولى لإعلان دولة الخلافة. نقلا عن مجلة الوعي العدد ٢٧٠-٢٧١ بعنوان "الخلافة في عيون الغرب"، في أواخر سنة 2002، خبرا تحت عنوان جهاز الاستخبارات الألماني يحذر من قيام الخلافة: "يقوم رئيس جهاز الاستخبارات الألماني أوغست هانينغ بجولة في عدد من الدول العربية بدأها بمنطقة الخليج، والتقى خلالها بقادة عدد من أجهزة الاستخبارات العربية، وكان ملف العراق والأصولية الإسلامية هما أبرز الموضوعات بالنسبة للرجل الذي يرأس واحدا من أنشطة الاستخبارات الدولية. وفي شأن الأصولية الإسلامية، فإن محللي الاستخبارات الألمانية يتوقعون أن يشن الألوف من أنصار الحركات الإسلامية في أوزبيكستان وطاجيكستان وقرغيزستان هجوما واسعا لإقامة الخلافة في المنطقة، على حد زعمهم، والمسؤولون الألمان يولون توقعات جهاز الاستخبارات قدرا كبيرا من الثقة والمصداقية".

 

قال المفكر الأمريكي هنري كيسنجر في خطاب له ألقاه في الهند بتاريخ السادس من تشرين الثاني 2004 في مؤتمر هندوستان تايمز الثاني للقادة "إن التهديدات ليست آتية من الإرهاب الذي شهدناه في 11 أيلول/سبتمبر ولكن التهديدات من الإسلام الأصولي المتطرف الذي يعمل على تقويض الإسلام المعتدل المناقض لما يراه الأصوليون في مسألة الخلافة الإسلامية"، وقال كيسنجر أيضا إن العدو الرئيسي هي الشريحة الأصولية الناشطة في الإسلام التي تريد في آن واحد قلب المجتمعات الإسلامية المعتدلة وكل المجتمعات الأخرى التي تعتبرها عائقا أمام إقامة الخلافة. (مجلة نيوزويك في عددها الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر 2004م).

 

لقد عاد زخم الثورة المباركة المسنود بإخلاص الرجال الرجال ليبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار. ففي الذكرى الأولى لسقوط طاغية الشام بتاريخ الثامن من كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥ وفي سير العرض العسكري للجيش السوري المكون من الفصائل التي قاتلته وهي التي استجابت لنداءات حزب التحرير ونصائحه المميزة الناضجة فكريا وسياسيا وذلك لقطع الطريق أمام أردوغان بفكرته لفتح المعابر للتغطية على النظام وتذويب الثورة والقضاء عليها فمنعت الفصائل ذلك ومعها الشباب المخلصون، ثم استمرت المظاهرات الليلية التي دامت شهورا لتكشف كل مخطط يحاك ضد الثورة، وطلبت من الفصائل أن تفتح الجبهات حتى لا تتآكل الثورة وتموت، وكان النظام السوري في أضعف حالاته. فما كان من تلك الفصائل إلا أن تستجيب لتلك النداءات المخلصة فزادت حماسة الثورة وتدفقت فيها دماء جديدة فانهار النظام في أقل من أسبوعين رغم كثرة عتاده وخبرته فمنّ الله على هؤلاء بنصر مؤزر رغم المؤامرات والدسائس والخطط الأردوغانية بأن يتوج مجهوداته بطلا عند الغرب خدمة لهم لمشروعهم المضلل على أساس الإسلام الذي يسمونه المعتدل الذي بموجبه يخلطون مفاهيم العلمانية بمفاهيم الإسلام ليزيدوا المسلمين غباشا على غباش.

 

لقد استمر الحراك ليظهر أعظم حكم شرعي ظل محل خوف عظيم عند الغرب والعلمانيين؛ ذروة سنام الإسلام، الجهاد، فأثناء العرض العسكري برز هذا المفهوم بشكل قوي، وهذا الحكم الشرعي أحد مرتكزات الثورة المباركة التي تنادي بالجهاد فدوت حناجر جيش مؤمن بقضية مصيرية يتخذ في أمرها إما الموت أو الحياة وأغاظت كيان يهود والغرب والمنافقين مرددين "غزة غزة غزة شعار، غزة نصر وثبات، غزة دمار ليل ونهار، طالع لك يا عدوي طالع، طالع لك من جبل النار، اعمل لك من دمي ذخيرة واعمل من دمك أنهار"، الأمر الذي دفع المنظومة الأمنية في كيان يهود لعقد اجتماعات شارك فيها كبار المسؤولين لمناقشة ما ظهر في الفيديوهات، ومن المتوقع أن تتخذ خطوات في توجيه رسائل حادة للنظام السوري، بحسب إذاعة يهود فإن كيان يهود يتعامل مع النظام السوري الجديد وفق منهج الشك والاشتباه وينظر إليه بريبة كاملة وأن طبيعة النظام جهادية متطرفة ونحن لا نخلط في تقييمنا لهم.

 

إنه أمر عظيم يسرّ القلب بأن تظل ثورة سوريا واعية على أهدافها وتدرك أبعاد مشروع الأمة العظيم وأن لا شيء يخسر بعد الآن بعدما ضحى أهل سوريا بأغلى ما يملكون من أنفس وتشريد وعيش في الخيام لمدة تفوق عقداً من الزمان، فإن الأمة تنتظر الخلاص والفوز والسؤدد والعودة إلى تشريع رب العالمين. إن من أعظم الأمور المفرحة ثبات ثورة سوريا التي أثرت في محيط هذه الأمة، وجعلت الأمة تغلي كالمرجل، وإن التحول في الجيوش هي الخطوة المرجوة منذ حراك الربيع العربي الذي سُرق من الأمة لعدم وعيها، إلا أن ثورة سوريا المباركة ظلت أملا للأمة وهي تريد أن تكمل الدائرة التي ظلت عصية بفعل القيود التي وضعها الغرب الكافر على جيوش الأمة ليضمن بقاءه في بلاد المسلمين ينهب الثروات ويخرب عقول الأمة ويقتلها وينتهي منها، إلا أنها أمة القرآن أمة الإسلام المعجزة الباقية إلى يوم الدين لقول رسول الله ﷺ «فَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي...» فهي أمة حية رغم الأمراض والمعاول التي اشتغلت فيها ردحا من الزمن. لقد من الله على هذه الأمة بثلة واعية، حزب رائد (حزب التحرير) الذي لا يكذب أهله، يخطط لها ويرفع من شأنها ويقودها من نصر إلى نصر في واحدة من أشرس المعارك الفكرية رغم كبر المؤامرات التي تحاك ليل نهار والتي يطلق عليها اصطلاحا معركة الأفكار، أملا من ثورة الشام أن تطلق البيان الأول الذي يزلزل الدنيا وذلك هو النصر الأعظم؛ خلافة راشدة ثانية لأمة لا تريد إلا الخير للعالم وتخاف من ربها وتطمع في جنات ربها والفوز في الدنيا والآخرة ولا تحمل الحقد ولا التشفي ممن ألحقوا بها الأذى الذي لا يمحى أثره أبدا.

 

لقد ظلت ثورة الشام الأبية محط أنظار الأمة وهي حتما سوف تحرك الجيوش وما موال هذا الجيش الذي كنا ننتظره طويلا ليكون أيقونة لموال جيوش الأمة في الفترة القادمة أملا في أن نسمع نداء قويا في كل جيوش الأمة في الفترات القادمة. إن كل المؤشرات تؤكد بشارات النصر القادم لا محالة، وإننا في غبطة وسرور موقنين بنصر الله تعالى. قال الله تعالى في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الشيخ محمد السماني – ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السكون الأخلاقي في زمن الجريمة الصامتة

مآسي الأسرى شاهد لا يكذب

 

في زمن كثرت فيه الكلمات، وسكتت الأخلاق، وازداد فيه الضجيج الإعلامي، فغابت الإنسانية... نعيش عصر الجريمة الصامتة، ليس لأن الجرائم أقل، بل لأن الشعور بها مات، والقلوب ألفت مشاهد القهر، حتى أصبح المعتقل المظلوم رقماً في نشرة، أو مجرد اسم يتكرر دون رجفة في الصدر أو وجع في العين.

 

أسرى في سجون الاحتلال والأنظمة، رجال ونساء يعذبون، يحرمون من نور الشمس، من الأهل، من الحياة... ويظل الساكت عنهم في أمنه يأكل ويشرب، وربما يبتسم تحت صورهم، مغيّب في دهاليز الشهوات لدنيا زائلة!

 

فالأسير عبد الله البرغوثي، صاحب أعلى حكم في تاريخ البشرية، 67 مؤبدا (5420 سنة!)، لم ينكسر، بل بقي في زنزانته الانفرادية يؤلف الكتب، يعلّم الأسرى، ويرفع هممهم برسائله رغم 17 سنة في العزل. كتب مرة: "هنا، في هذا القبر الصغير، كل شيء ضدي إلا يقيني بالله".

 

والأسير الطبيب محمد القيق، الذي خاض إضرابا أسطوريا عن الطعام حتى حافة الموت، قال: "كنت أقاتل عن كرامتي وحريتي بجسدي، لأن لا سلاح لي إلا الإرادة".

 

والله لا أدري أيهما السجين حقا! الساكت أم الأسير؟!

 

إننا لا نعيش فقط أزمة ظلم، بل أزمة مشاعر! لا أحد يطالب، لا أحد يغضب، لا أحد يصرخ... وكأن الأسرى بلا أهل، بلا أمة!

 

وفي سوريا الجريحة حيث لا صوت يعلو فوق صوت البطش، يقبع شباب حزب التحرير في سجون حكومة جديدة جاءت على أنقاض من طالبوا بتحكيم شرع الله، فإذ بها تفرج عمن تلطخت أيديهم بالدماء، وتسجن من قالوا: ربنا الله، وطالبوا بتحكيم شرع الله، فاتُّهموا بـ"تهديد الأمن القومي"! سجنوا لأنهم لم يحملوا السلاح، بل حملوا فكرا، وأرادوا للأمة نهضة على أساس الإسلام، زمن أصبح فيه الفكر أخطر من سفك الدماء!

 

وفي غزة ذلك الجرح النازف، والبطولة المستمرة حيث لا وقت للبكاء، ولا فسحة للراحة، عاش أهلها حربا لم تكن فقط نيرانا وقنابل، بل حرب استنزاف متواصلة، حرباً على الصبر، على الكرامة، على أنفاس الحياة.

 

وبعد الحرب، بدأت حرب أخرى: حرب البقاء؛ لا ماء، لا كهرباء، لا دواء، لا مأوى...

 

شهداء بلا أسماء، أجساد بلا أكفان، عائلات بأكملها محيت من السجلات وبقيت فقط في الصور!

 

الناس تنشر صورهم للترند، أو تجمع باسمهم تبرعات لا تصلهم!

 

بينما الجريح هناك لا يجد من يضمد نزفه، ولا الأم الثكلى من يمسح دمعها.

 

الشهداء صاروا أرقاما، والحياة في غزة أصبحت مقاومة يومية، حتى الطفل هناك يولد وفي قلبه نداء: "يا رب خفف عنا البلاء".

 

ووسط هذا سكون أخلاقي عالمي وعربي، مطبق بالصمت، قاتل بالخذلان.

 

فهل صرنا نتعامل مع مآسي إخواننا كقصص على الشاشات؟ هل فقدنا الشعور؟!

 

السكوت على الظلم جريمة، والتغافل عن أنات الجوعى خيانة إنسانية، وغض البصر عن خيانة التبرعات والسرقات التي ترتكب باسمهم عار على كل من سكت.

 

غزة لا تحتاج تعاطفا موسميا، بل وفاء يوميا، ودعما صادقا، ونصرة تليق بحجم وجعها.

 

كن مع المظلوم لا لأجل الصورة، بل لأجل الله.

 

بكل صدق ووجع نروى قصة السودان؛ فهو اليوم ليس مجرد بلد منكوب، بل مرآة لحقيقة أن الدم العربي إذا لم يسل بيد العدو، سفك بسلاح الأخ، وتحت صمت الجميع!

 

ما حدث ويحدث في السودان هو جريمة موثقة، لكن بلا مجرم يحاسَب؛ حرب عبثية مزقت شعبا مسلما؛ قسمت العائلات، وهجرت الملايين، وشوارع تحولت إلى مقابر، وبيوت إلى ركام، وأحلام إلى فتات.

 

السودان اليوم يذبحه الصراع على الكرسي، وأدوات الذبح ليست فقط الرصاص والدبابات، بل أيضا التآمر الدولي، والتجاهل العربي، وخيانة بعض قادته الذين باعوا البلاد مقابل دعم سياسي أو فتات دولارات.

 

أصبح الإنسان في السودان رهينة الخوف والجوع والتشريد، فمن لا يموت برصاصة، يموت بالمرض أو القهر أو في طابور الخبز!

 

والأشد مرارة أننا لا نرى السودان في الشاشات إلا حين يُستثمر في نشرات الأخبار، أو يستغل لجمع التعاطف. أما أهل السودان الحقيقيون فهم منسيون إلا من رب لا ينسى.

 

ما وصلنا إليه من تلبد شعوري، وعدم مبالاة جماعية، وتبلد في الإحساس تجاه المآسي، هو نتيجة تراكمات متشابكة أهمها غياب الدين الحقيقي (العمل لا الشعارات)؛ فغياب التربية على الإيمان بالله، واليوم الآخر والحساب، جعل كثيرا من القلوب خاوية، تتلقى المصائب كأخبار لا تخصهم! فضعف الوازع الديني جعل الناس يتفاعلون مع الدماء وكأنها مشاهد لا تعنيهم!

 

نعم إنه حب الدنيا وكراهية الموت كما أخبر النبي ﷺ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». هذا الوهن يجعل الإنسان يعيش لنفسه فقط، يخشى فقْد المكاسب، ويهرب من كل ما يذكّره بالمصير أو التضحية.

 

أما أخطرها فهو الغزو الفكري والإعلامي الممنهج: طوال 100 عام وأكثر، بنيت عقولنا عبر أفلام الرعب، والدمار... فالدم صار مشهدا "درامياً"، لا إنسانيا! بل إن البعض يرى مشاهد المجازر الحقيقية، ويتابعها ببرود، وكأنها مشهد في مسلسل!

 

وأكثرها تأثيرا هي التربية الحديثة المفرغة من المعنى: جيل تربى على "افعل ما يسعدك" بدل "افعل ما يرضي الله". و"أنت مركز الكون" بدل "أنت عبد لله"، فصارت الأنا معبوداً، والوجع الجماعي لا يعنيه إلا إن مسّه شخصيا.

 

فكانت النتيجة المؤلمة تغييب الأمة عن قضاياها.

 

فما أصاب الأمة من تبلد، وضياع، وانهيار أخلاقي ونفسي، لا يعالج بحملات توعية موسمية، ولا بخطابات عاطفية تنتهي مع انطفاء الحدث، بل يبدأ الحل من العودة إلى الأصل: قيادة راشدة تقود الناس بحكم الإسلام لا بهوى الحكام... قيادة على نهج النبوة، لا تفرط ولا تساوم، تعيد بوصلة الأمة نحو الآخرة، وتربط حياتها كلها بالإسلام: في الإعلام، والتعليم، والاقتصاد، والسياسة...

 

نحن لا نحتاج من يرقق قلوبنا فحسب، بل من يربطها بالله، ويقودها بإيمان حي، نحتاج إماما يتقي الله فينا، لا يرى في دمائنا أرقاما، ولا في قضايانا أوراق مساومة. نحتاج خلافة راشدة تسحق المشروع الغربي الذي لعب بعقولنا، وزرع فينا حب الحياة والفردية وعدم المبالاة، وتعيد بناء أمة تعرف أن الله خلقها لتقود لا لتقاد، ولتعيش بعقيدة تحيي القلوب، لا تقتلها بالخوف والضعف.

 

فاللهم عجل لنا بفرجك، وبإمام حق، يعيد للأمة دينها، وكرامتها، وحياتها.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ليبيا على حافة الفراغ

تداعيات مقتل رئيس الأركان الليبي في تركيا

 

 

في الدول المستقرة تسقط الطائرات، وتُفتح التحقيقات، ثم تُطوى الصفحة. أمّا في الدول الهشّة، فحتى الحوادث العرضية تتحوّل إلى زلزال سياسي، لأن الأشخاص فيها لا يمثّلون أنفسهم فقط، بل يرمزون إلى توازنات كاملة في توزيع النفوذ.

 

لذلك، لم يكن مقتل رئيس أركان القوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة خبراً عابراً في نشرة عاجلة، بل لحظة كاشفة لواقع الدولة الليبية التي ما تزال تعاني من التمزّق الداخلي. فهي دولة بلا جيش موحّد، ولا سيادة مكتملة، ولا مؤسسات قادرة على الصمود. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا يعني غياب محمد الحداد؟ ومن المستفيد من موته؟

 

لقد بدأ الصراع في ليبيا بعد عام 2011 يأخذ طابعاً دولياً، لا سيما بين أمريكا وبريطانيا. فقد سحبت أمريكا البساط من تحت أقدام بريطانيا والأوروبيين في منتدى الحوار السياسي الليبي، حين منح مجلس النواب الليبي، في 10 آذار/مارس 2021، الثقة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة بعد حصولها على 132 صوتاً من أصل 188 (بي بي سي، 14/3/2021). وبذلك انتهت عملياً حكومة فايز السراج.

 

وعقب ذلك، أكّد سفير أمريكا لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، دعم أمريكا للمجلس الرئاسي والحكومة الجديدة، مهنئاً المشاركين في الحوار السياسي الليبي والقيادات الليبية.

 

أما التدخل التركي، فقد جاء عبر اتفاقيات مع حكومة السراج السابقة، ولم تتأثر هذه الاتفاقيات بتغير الحكومة، إذ لم تعارض حكومة الدبيبة الجديدة تلك الاتفاقيات ولا الوجود التركي في البلاد، باستثناء طلبها آنذاك إخراج المقاتلين السوريين.

 

في المقابل، كان موقف مصر يقوم على احتواء محمد المنفي وتثبيت حكومة الدبيبة، بينما تبنّت المغرب والجزائر وتونس - وهي دول فاعلة ضمن حسابات بريطانيا - القبول بالأمر الواقع، مع التشديد على ضرورة خروج القوات الأجنبية من ليبيا.

 

وبالعودة إلى واقع ليبيا، يتبيّن أن مقتل محمد الحداد ورفاقه لم يكن حدثاً عادياً، بل شكّل خسارة كبيرة لقدرة المجلس العسكري، وبداية تصدّع جديد في حالة "الاستقرار المعلّق" التي تعيشها البلاد: حكومة قائمة بلا شرعية انتخابية، مؤسسات مالية مخترقة سياسياً، وأمن تديره شبكات مسلحة لا جيش دولة، فضلاً عن انقسام الجيش بين شرق وغرب، ووحدة شكلية بلا قيادة فعلية.

 

صحيح أنه لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة على أن ما حدث عملية اغتيال، لكن السياسة لا تنتظر الأدلة لتستثمر الأحداث. فخصوم حكومة الغرب سيستخدمون هذه الحادثة لإثبات فشل مشروع الدولة في طرابلس، وهشاشة حكومة الدبيبة. ويأتي ذلك في سياق زيارة كبير مستشاري رئيس أمريكا ترامب للشؤون العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، مسعد بولس، ولقائه بحكومة الدبيبة، حيث شملت مطالبه: توسيع التعاون الاقتصادي وفتح شراكة اقتصادية واسعة، مع تقديم عرض استثماري بقيمة 70 مليار دولار للشركات الأمريكية الكبرى. ودعم جهود الاستقرار السياسي والعسكري، وتشجيع العملية السياسية والدفع نحو الانتخابات وبرامج سياسية شاملة. (الجزيرة نت، 24 حزيران/يونيو 2025).

 

وهنا يبرز الخلاف بين عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي، إذ إن لكل منهما مرشحه المفضل لرئاسة التغيير الهيكلي في الجيش الليبي إن حدث. فالدبيبة كان يفضّل الفريق أول محمد علي الحداد، رئيس الأركان التابع لحكومته، في حين يدعم محمد المنفي اللواء أسامة الجويلي، الذي لعب دوراً محورياً في بناء التوازنات المسلحة بعد عام 2011، خصوصاً في غرب ليبيا، وله توترات سابقة مع حكومة الدبيبة بسبب اختلاف التوجهات.

 

ومع غياب الحداد - الذي كان يشكّل عامل كبح أمام أي إعادة خلط جذري للأوراق داخل القيادات العسكرية في غرب ليبيا - سيُطرح اسم أسامة الجويلي بقوة، الأمر الذي سيستفز المليشيات الموالية للدبيبة، والتي قد تعتبر ذلك انقلاباً سياسياً داخل مؤسسات الحكومة، ما قد يعيد الفوضى إلى الشارع الليبي، ويضعف فرص توحيد الجيش، ويعزز منطق الانقسام. وسيجد الشرق في ذلك دليلاً إضافياً على عجز الغرب عن بناء مؤسسة عسكرية وطنية، ما يعمّق الانقسام، حتى وإن لم يكن الهدف المعلن هو تقسيم البلاد.

 

إن مقتل محمد الحداد - وهو الذي كان يرفض الاقتتال الداخلي، ولا يرغب في مواجهة حفتر، وكان يرى إمكانية جمع المليشيات ضمن هيكلية جيش وطني، ويُعد من أبرز المعارضين لتقسيم ليبيا - لا يعني فقط غياب شخص، بل ضربة لمسار.

 

فالمستفيد الحقيقي من موته ليس أفراداً بعينهم، بل مسارٌ كامل: مسار يدعم منطق المليشيات بدل الجيش، وتعدد مراكز القرار، وتعطيل توحيد المؤسسة العسكرية، واستمرار الحاجة إلى التدخل الخارجي، وإضعاف معسكر حكومة الدبيبة.

 

وعليه، فإن موت محمد الحداد ليس مجرد حدث أمني، ولا مسألة تعيين بديل، بل تعبير صارخ عن عجز الدولة عن التوحّد.

 

هذه الأحداث لا تُقاس بحجمها الظاهري، بل بما تكشفه من حقائق. فمقتل محمد الحداد ورفاقه - سواء أكان حادثاً عرضياً أم واقعة غامضة لم تكتمل فصولها بعد - لم يخلق أزمة جديدة بقدر ما فضح أزمة قديمة: دولة تُدار بالأشخاص لا بالمؤسسات، وبالتوازنات لا بالقانون.

 

المشكلة ليست في من يقود الجيش، بل في غياب الجيش ذاته ككيان وطني موحّد، مستقل عن الحكومات المؤقتة، وعن السلاح المنفلت، وعن الرعايات الخارجية. قد يربح بعض الفاعلين نفوذاً مؤقتاً من هذا الفراغ، وقد تُستغل الحادثة لتعميق الانقسام أو تبديل الأدوار، لكن الخسارة الدائمة هي غياب الدولة الراعية. فالدول لا تنهار بموت قادتها، بل تموت بعجز مؤسساتها.

 

ومن هنا، فإن على الشعب الليبي أن يبحث عن حل جذري يخلّصه من التدخلات الخارجية، ويقيم نظاماً قوياً يدير مؤسساته بمرجعية مستقلة. ولا وجود لنظام أصلح لذلك من نظام الخلافة، الذي يقطع كل يد تمتد للعبث بالبلاد، وهو الوحيد القادر على بناء دولة تتحدى الصعوبات، وتعيد لهذه الأمة عزتها. فمقدرات المسلمين تُهدر اليوم بسبب البعد عن الدين، الذي كان ولا يزال الدرع الواقي للأمة، والمتمثل في دولة الخلافة الراشدة التي بشّر بها رسول الله ﷺ حين قال: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

تسلل ناعم وسقوط عميق!

التدرج القيمي الذي أطاح بهويتنا

 

هل تساءلنا يوما كيف وصلنا إلى هذا التدرج الجذري في قيمنا؟

 

الواقع المرير يشير إلى أننا الآن نجني ثمار أفكار ومخططات زرعت منذ أجيال، بداية من أجدادنا، ثم آبائنا، ووصلت إلينا كجيل السبعينات والثمانينات، لنصبح نحن اليوم آباء لجيل التسعينات والألفين.

 

آباؤنا كانوا الشجرة، ونحن الثمار، وأطفالنا هم البذور الجديدة لعصر مخطط له بإحكام: نزع الإيمان وتشويهه بطريقة ممنهجة!

 

هل فكرت لماذا كانت القيم عند أجدادنا أشد وأقوى؟ لماذا آباؤنا كان لديهم نوع من الانضباط والتمسك بالقيم أكثر منا؟ ولماذا جيلنا مختلف؟ ولماذا أطفالنا الآن يعيشون في فضاء مفتوح بلا حدود؟

 

مثال بسيط: هل كان مسموحا شرب الخمر في زمن أجدادنا؟ أبدا. هل كان ممنوعا في زمن آبائنا؟ كان ممنوعا بشدة. أما الآن؟ فقد صار الأمر "حرية"، وغدا قد يصبح "مباحاً"!

 

كيف بدأت هذه التغييرات؟ الإعلام مثلا في البداية، كانت الأفلام والمسرحيات تحت رقابة صارمة ثم تراجعت الرقابة بحجة "حرية التعبير"، ثم ظهرت المنصات ويوتيوب بحرية مطلقة، بل ومحمية من الرقابة.

 

وهكذا، تدريجيا بدأت الفضيلة تنكسر، والقيم التي كانت تزرع وتحفظ وتغرس في الأرض الصالحة بدأت تتلاشى.

 

 فلنلق نظرة خاطفة على واقع مدارسنا وجامعتنا، أليس الاختلاط اليوم أهم مقوماتها وإن لم يختلط الذكر مع الأنثى يكتب فيه تقرير مشككا بميوله!! وكأن التزامه بعدم الاختلاط تهمة توجب التحقيق فيها!!

 

وهل جربت أن تجلس وتشاهد أفلام الكرتون أو المسلسلات التي تستهدف أطفالك؟ ستجدها تعرض العري والقبلات والأحضان وتشجع على استقلال الصبيان عن بيت العائلة، وترسم لهم الحياة المستقلة الوردية، ولهم كل الحق في تجربة الحياة واكتشاف المحيط الممتع، غارقين في الزنا والمخدرات، أليست طروحات غربية تركز على اللذة والشهوانية لا تمسنا بطرف؟

 

هل تصفحت يوما ماذا أضيف لمادة التاريخ الذي درسته مشوهاً حتى بدت الآن ممسوخة؟ نحن جيل قرأنا عن خالد بن الوليد على الأقل، أما اليوم ففكرة الجهاد تطرح على أنها عنف وإرهاب، وأن السلام الدائم هو الذي يؤدي للازدهار وإن عشت بلا كرامة! ناهيك عن زرع فكرة تقديس الحاكم وعدم المساس بسيادته... دهر عشنا فيه لكن قلوبنا مستنكرة، أما اليوم فقد تطور للدعوة لطاعة (ولي الأمر) وإن كان طاغوتا أو ظالما أو فاسقا، وتجدهم يدافعون عنه قلبا وقالبا.

 

لأوضح الفكرة أكثر، دعوني أسلط الضوء على مسألة أخرى؛ قضية القوامة وحقوق المرأة، فقد بدأ الأمر بسحب القوامة من الرجل تدريجيا، حتى أصبحت المرأة مستقلة ماديا، ولها حقوق تفوق الرجل، وهذا كله نتاج لمجتمع يحكم بموجب حقوق غربية شاذة عن ديننا وقيمنا.

 

أعطيت المرأة حق العمل، بينما الرجل يعاني من البطالة، فالرجل الذي لا يملك مالاً يشعر بالنقص، والمرأة المستقلة تشعر بالاستغناء عنه، وهكذا لم يعد للرجل كلمة في بيته، ولا حتى على أطفاله، فالطفل اليوم له حقوق دولية، وقادر على سجن والديه!

 

بينما في الماضي، كانت الأسرة لها رب يرعاها، يهابه الجميع، وكانت أشد وثاقا، والروابط بين أفرادها أقوى، إلا أنها بدأت بالتفكك تدريجيا، وأصبح العيش ضمن نموذج أسرة إسلامية مستقرة قائمة على المودة والرحمة، والقوامة والطاعة للوالدين ضرباً من الخيال!

 

صدق رسول الله ﷺ حين قال: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا» وهذا هو واقعنا اليوم، فالمرأة اليوم حرة، تخرج متى تريد، وتسافر وحدها، تقيم في الخارج بدون محرم بحجة العمل أو الدراسة، وصارت تختار عريسها بنفسها، بينما في الماضي كانت تقول: "ما يرضاه أبي، أرضاه". أما اليوم فتقول: "أريده وليس لك من الأمر شيء"، وربما بعد سنوات تخبر والديها برسالة أنها تزوجت، من حقها! أليس كذلك؟ فهي ثمرة من الثمار التي نتجت من زراعة الشيطان في تربتنا.

 

فلنُجر التفاتة سريعة، لمثال آخر للانحراف التدريجي وهو قضية المثلية والشذوذ:

 

في السابق، كان المجتمع إذا اكتشف مثلية وشذوذا في أسرة ما، يهدر دم ذلك الشخص، ثم تدرج الأمر وأصبح الشاذ يلجأ إلى بلد أجنبي يسمح بذلك. أما اليوم فنجد أن هناك اتفاقيات تمنحهم كامل الحقوق، فلا تستغرب بعد عشر سنين أن تجد حفيدك متزوجاً من رجل في بيتك! ليست نكتة بل واقع قد يحدث إن غفلنا.

 

إن هذه الأمثلة هي غيض من فيض ولا يسعنا المقام لذكر موسع لقضايا مصيرية لُوثت وقريبا ستموت.

 

قد نستنكر هذا الوضع بدون حزم أو ضبط، لكن الخطر يكمن في جيل أبنائنا فهو جيل متقبل ومتشرب قوي للفكرة.

 

 أليس من المؤسف أن نجد أنفسنا بعد عشر سنين لا نملك حق الاعتراض على تصرفات أحفادنا؟

 

دعونا نقف نحن جيل الآباء اليوم أمام مرآة واقعنا كلحظه استدراك... ولنعترف أننا جيل يفتقر لمعرفة تاريخنا ومجد أجدادنا ورسولنا ﷺ، ففراغنا النسبي أدى لجيل فارغ تماما، فلو سألنا عن مسألة دينية نجد الجهل سيد الموقف، وإذا سألنا عن اسم ممثل أو برنامج تلفزيوني نبرع في الإجابة!

 

إذا كنا نحن بهذه الحالة، فحتما ستكون ثمار أبنائنا فارغة، أما ثمار أحفادنا فهي ثمار ميتة، لا دين لها، ولا هوية، ولا عزة.

 

فهل أدركتم خطورة ما قد تؤدي إليه هذه البذور إذا تركناها تنمو في هذه التربة التي نجّسها الشيطان؟ هل فكرنا يوما كيف سيكون حال أبنائنا إذا استمررنا في قبول هذه القيم؟

 

لنحذر ولنقف معا لإعادة زرع القيم الأصيلة التي تجعل أبناءنا بذورا صالحة تنبت ثمارها في أحفادنا، فلنقف معا قبل فوات الأوان، ولندرك أبناءنا ونُعِدْ زرع القيم الحقيقية القائمة على منهاج الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم ﷺ، لنحصد ثمارا صالحة تنشأ من جديد في أسرة قائمة على نهج رسول الله، أسمى أهدافها إعادة الخلافة على منهج رسول الله، تكسر معول الشيطان وتتطهر الأرض وتعيد حراثتها وفقا لقيم إسلامية عليا، فتنصر المظلوم وتكرم المرأة، وتعيد للرجل قوامته، وللبشرية فطرتها السليمة، وإلا فلا تلوموا إلا أنفسكم لأن أدوات الشيطان اليوم ومغرياته ليست عادية، بل مدعومة بمنصات، وتشريعات، وقوانين، وإعلام، ومؤسسات تربوية، واقتصاد عالمي موجه... إنها أعظم من أن يواجهها فرد بمفرده مهما بلغ من الوعي، ومهما حاول، فالمعركة أكبر من أن تخاض بدون سند، فلنغذ السير مع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية ووضع شرع الله موضع التطبيق بإقامة الخلافة الراشدة، عندها سيمكننا الله من النصر تحت قيادة خليفة يرعى شؤون الناس ويقودهم بنور الوحي، ويعيد للعقيدة مكانتها التي تكسر أصنام الفكر الغربي المزروع في أجيالنا وأجيال أبنائنا وتعيد صياغة القيم فينا على ميزان الشرع لا الهوى، فالفرد وحده ينهزم والأمة بهدي الله تنتصر.

 

قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

الدور الوظيفي المشبوه لدول الخليج

في خدمة الغرب وتغريب الأمة

 

في العقود الأخيرة، تحولت بعض دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات وقطر، من مجرد كيانات نفطية إلى أدوات سياسية فاعلة في رسم ملامح المنطقة. غير أن هذا الدور لم يكن في صالح الأمة الإسلامية، بل لتنفيذ سياسات خارجية، تخدم مصالح القوى الغربية، وتُسهم في تفكيك البلاد الإسلامية، فكرياً وسياسياً وأمنياً...

 

جذور السلطة: بين الحماية البريطانية والخضوع لأمريكا

 

نشأت الأنظمة الحاكمة في الخليج في ظل الحماية البريطانية، حيث عقدت بريطانيا معاهدات مع مشيخات الخليج في القرن التاسع عشر لضمان مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. ثم في ظل ضعفها دوليا، نفذت الولايات المتحدة للخليج، فتم توقيع اتفاقيات أمنية واقتصادية، أبرزها:

 

- اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وأمريكا (1951م).

 

- استضافة قواعد عسكرية أمريكية في قطر (قاعدة العديد) والإمارات (الظفرة).

 

- اتفاقيات أمنية واستخباراتية غير معلنة تشمل تبادل المعلومات والتدريب والتسليح.

 

الانبهار بالنموذج الغربي: تغريب ممنهج أم تحديث مشوه؟

 

شهدت السنوات الأخيرة انفتاحاً غير مسبوق على الغرب، لم يقتصر على الاقتصاد والتكنولوجيا، بل شمل:

- تبني أنماط الحياة الغربية في اللباس، والفنون، والترفيه، على حساب القيم الإسلامية.

- تغيير مناهج التعليم بما يتماشى مع حضارة الغرب الكافر

- تقييد المؤسسات الدينية، وتهميش العلماء والدعاة، وفرض خطاب ديني رسمي يتماشى مع السياسات الغربية.

- ترويج "الإسلام المعتدل" كنسخة مفرغة من مضامينها، تُستخدم لتبرير التطبيع والتبعية.

هذا الانبهار بالنموذج الغربي، رغم ما يعانيه من تفكك أسري، وانحلال أخلاقي، وأزمات روحية، يُطرح كبديل حضاري، في تجاهل تام للهوية الإسلامية.

 

التدخلات الإقليمية: من دعم الثورات إلى تغذية الحروب

 

- اليمن: تحالف عسكري بقيادة السعودية، ودعم إماراتي لفصائل انفصالية، أدى إلى تقسيم فعلي للبلاد.

- سوريا: دعم قطري واسع لفصائل المعارضة، ثم تراجع خليجي تدريجي لصالح إعادة العلاقات مع النظام.

- السودان: اتهامات للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، ما ساهم في إشعال الحرب الأهلية.

- ليبيا: دعم إماراتي لحفتر، مقابل دعم قطري لحكومة الوفاق، ما عمّق الانقسام.

هذه التدخلات، رغم تبريرها بـ(محاربة الإرهاب) أو دعم الاستقرار، أدت إلى تدمير البنى التحتية، وتهجير الملايين، وتغذية الصراعات الطائفية والعرقية.

 

التطبيع مع كيان يهود: من السر إلى العلن

 

- اتفاقيات أبراهام 2020: وقعتها الإمارات والبحرين، بدعم سعودي، لتطبيع العلاقات مع كيان يهود.

- قطر: رغم عدم توقيعها رسمياً، إلا أن علاقاتها التجارية والرياضية مع كيان يهود قائمة منذ التسعينات.

هذا التطبيع يُعد تحولاً استراتيجياً في الموقف الخليجي، ويُنظر إليه كخطوة نحو دمج كيان يهود في المنطقة على حساب القضية الفلسطينية.

 

ثروات الأمة في خدمة الغرب

 

- استثمارات بمئات المليارات في أمريكا وأوروبا.

- شراء أسلحة بمبالغ خيالية تُستخدم ضد الشعوب الإسلامية.

- دعم مشاريع ترفيهية ضخمة، مقابل تجاهل الأزمات في غزة، واليمن، وسوريا، والصومال، وأفغانستان.

 

الوجه الفكري: محاربة الوعي وتدجين الشعوب

 

- تكميم أفواه العلماء والمفكرين، اعتقال المخلصين من حملة الدعوة ومن يعارض السياسات الرسمية.

- ترويج إعلامي مكثف لتلميع صورة الغرب، وتشويه الحركات الإسلامية.

- إقصاء التيارات الإسلامية من المشهد السياسي، وشيطنتها أمام الرأي العام...

 

الوجه الشرعي: موقف الإسلام من التبعية والظلم

 

- الإسلام يرفض التبعية لغير المسلمين: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.

- يحرم نصرة الظالمين: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.

- يُوجب نصرة المظلوم، لا قصفه أو خذلانه.

 

نحو بوصلة وعي جديدة

 

المطلوب اليوم ليس فقط كشف هذه السياسات، بل بناء وعي سياسي وفكري يُميز بين الشعوب والأنظمة، ويُعيد توجيه البوصلة نحو العدو الحقيقي: المشروع الصهيوني والاستعماري والشرق الأوسط الجديد الذي يسعى لتفكيك الأمة، ويُوظف بعض الأنظمة لتحقيق ذلك.

 

إن ما استعرضناه من أدوار وظيفية لأنظمة الخليج في خدمة المشروع الغربي، وتغريب الأمة، وتفكيك بنيتها العقدية والسياسية، ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة غياب المشروع السياسي المستنبط من الإسلام باجتهاد صحيح جامع لوحدة الأمة، كما أنه نتيجة تغوّل التبعية، وتغييب مفهوم السيادة للشرع والسلطان للأمة وأن نصب خليفة واحد فرض.

 

ومن هنا، فإن الرؤية الشرعية التي ينبغي أن تكون عليها الحال، تنطلق من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾. فالأمة الإسلامية، بعربها وعجمها، لا تعرف التشرذم إلا حين تُفصم عرى الإسلام، ولا تعرف العزة إلا حين تلتف حول قيادة شرعية راشدة، تقيم الدين، وتحكم بشرع الله، وتوحد الصف، وتحرر الثروات من قبضة المستعمر، وتوجهها لخدمة الأمة لا أعدائها.

 

إن وحدة البلاد الإسلامية ليست حلماً طوباوياً، بل هي فريضة شرعية وضرورة واقعية، لا تتحقق إلا بإزالة الحواجز المصطنعة، وتفكيك الأنظمة الوظيفية، وبناء كيان جامع على أساس العقيدة، يقود الأمة نحو التحرير ويعيد لها دورها في هداية البشرية، كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

 

وفي ظل هذه القيادة الشرعية الواحدة، تُستثمر الثروات في بناء القوة، وتُستعاد فلسطين، وتُرفع راية الإسلام في المحافل، ويُنسى الغرب الكافر وساوسه، ويُدعى الناس إلى نور الوحي، فيفوز من استجاب برضوان الله، وجنة عرضها السماوات والأرض، أُعدّت للمتقين.

 

اللهم اجعلنا من الدعاة إلى الحق، العاملين له، الثابتين عليه، حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.

 

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خريف الوكلاء:

السياسة الأمريكية وتفكيك تركة سايكس بيكو

 

ما يجري في اليمن بين الحلفاء الأعداء؛ السعودية والإمارات، هل هو صراع بين وكلاء بالإنابة؟ أم هو صراع نفوذ بين الاستعمار القديم والاستعمار الجديد، يتخفى في ظاهره خلف صراع إقليمي بين دول دخلت في حلف لقتال عدوٍّ مشترك هو الحوثيون وكلاء إيران في اليمن؟

 

إن وجود السعودية والإمارات جاء بعد تشكّل حلف تقوده السعودية ودول الخليج للوقوف في مواجهة الحوثيين الذين استولوا على العاصمة صنعاء في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز. حينها، لم يحرك الملك ساكناً إبان تقدم الحوثيين نحو صنعاء، بل دفع برجلهم في اليمن، الرئيس علي عبد الله صالح، للتحالف مع الحوثيين الذين كانوا يرفعون شعار الإصلاح ومحاربة الفساد في البلاد.

 

إن دفع علي عبد الله صالح لركوب موجة الحوثيين والتحالف معهم - وهو المشهور بكونه من كبار الفاسدين - كان يهدف إلى إسقاط مصداقية الشعارات التي رفعها الحوثيون وجعلها بلا قيمة، وبالتالي دفع الجماهير اليمنية للانفضاض عنهم وحصرهم في إطار اتباع مذهبهم فقط، وهم الذين لا يمثلون أكثر من 30% من إجمالي أهل اليمن.

 

لكن الحوثيين أدركوا أن تحالف صالح كان تحالفاً مرحلياً، وأن رجل بريطانيا القوي في اليمن ما هو إلا أفعى لا بد من التخلص منها في أقرب وقت؛ وهو ما حدث فعلاً بعدما فقد قوته ولم يعد يُستفاد منه، فتمت تصفيته.

 

وحينما توفي الملك عبد الله بن عبد العزيز وارتقى عرش السعودية أخوه سلمان بن عبد العزيز، قرر ابنه محمد تنظيف الوسط السياسي السعودي من رجالات بريطانيا، وتفكيك القوى العسكرية التي تقبض على مفاصل الدولة، وعلى رأسها قوات الحرس الوطني السعودي التي كانت تُعتبر جيش الملك عبد الله؛ فتم إرسالها إلى حرب اليمن في عملية أُطلق عليها عاصفة الحزم بقيادة السعودية والإمارات والبحرين وقطر.

 

تأسس هذا الحلف في جدة إبان دورة ترامب الأولى، ورغم كونه حلفاً واحداً، إلا أنه ضمّ أجنحة الاستعمار القديم بريطانيا (الإمارات والبحرين وقطر) والاستعمار الحديث أمريكا (السعودية)؛ ولذلك طال أمد الحرب ولم تُحسم بسبب اختلاف التوجهات والخدمات والأهداف.

 

أما وقد اعتلى ترامب سدة الحكم في أمريكا، فقد بدأت تتضح ملامح خطته وسياسته العالمية، وهي: تحجيم أوروبا وإبقاؤها في حالة حرب واستنزاف مع روسيا داخل القارة العجوز، وتنظيف العالم من نفوذها، خاصة في منطقة الشرق الأوسط لأهميته ومكانته الجغرافية؛ فهو ملتقى القارات وممر التجارة العالمي ومخزون الموارد الطبيعية، في ظل ضعف البنى السياسية التي أدارت المنطقة منذ نشأتها بأقلام الاستعمار الأوروبي.

 

لذلك، تبدو تصريحات المسؤولين الأمريكيين واضحة كالشمس في رابعة النهار حين يقولون: (إن اتفاقية سايكس بيكو لم يعد لها وجود ولا تعنينا بشيء)؛ وهذا يعني أن تلك التشكيلات السياسية والجغرافية قد انتهت، ولا بد من عملية جراحية كاملة لإعادة صياغتها. وهذا يقتضي بالضرورة انتهاء النفوذ البريطاني؛ وليس أمام هؤلاء العملاء إلا الدخول تحت عباءة أمريكا بولاء تام، وإلا فإن المصير الذي واجهه عملاء بريطانيا في العراق وليبيا وتونس واليمن هو الحل الوحيد المطروح على الطاولة.

 

بناءً عليه، فإن ما يجري في اليمن يصب في السياق ذاته، وصراع رجالات بريطانيا ليس إلا رقصة المذبوح. وقد جاءت عملية كراكاس في سياق الرسالة العملية التي تبعثها أمريكا لكل الأنظمة المهترئة والساقطة عملياً بأن هذه النتيجة حتمية لمن يعاند. وهو ما نراه واضحاً في تحركات رجالات أمريكا الذين يجوبون الشرق الأوسط حاملين الأوامر التنفيذية للعملاء بضرورة الدخول في بيت الطاعة الأمريكي؛ فأمريكا لا تريد عبثاً في البيت الشرق أوسطي، بل تريده هادئاً لتعيد صياغته بما يتوافق مع سياستها القادمة، خاصة مع تصريحات ترامب بأن على الدول التي تضم قواعد عسكرية أمريكية التنازل عن تلك الأراضي، سواء أكان ذلك بالرضا أو بالقوة!

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سالم أبو سبيتان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السودان بين كماشة التمرد واستراتيجية شد الأطراف

 

 

أولاً: المشهد الميداني – السودان في عين العاصفة

 

إن ما يجري في السودان ليس مجرد صراع داخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل هو صراع دولي للسيطرة على السودان. فبعد أن أحكمت قوات الدعم السريع سيطرتها على إقليم دارفور، بدأت تتحرك على محاور جديدة:

 

- محور إثيوبيا: تشير تقارير موثوقة إلى أن مليشيا الدعم السريع، مدعومة بقوات من الحركة الشعبية – شمال، ومرتزقة من إثيوبيا وجنوب السودان، تستعد لشن هجوم على الكرمك وقيسان انطلاقاً من معسكرات تدريب داخل إقليم بني شنقول الإثيوبي. وقد رُصد وجود قيادات بارزة مثل جوزيف توكا وعبيد أبو شوتال في مدينة أصوصا، وسط إنزال عتاد عسكري يُعتقد أنه إماراتي المصدر.

 

- محور الشرق: في كسلا وبورتسودان، تتكرر مشاهد التسليح القبلي، حيث سُمح لكتل قبلية متصارعة تاريخياً بالتدريب داخل إريتريا، ثم العودة إلى السودان بقوات مسلحة، في مشهد يعيد إلى الأذهان بدايات كارثة دارفور.

 

ثانياً: قراءة استراتيجية – سياسة شد الأطراف

 

ما يجري هو تنفيذ دقيق لاستراتيجية شد الأطراف، حيث تُفتح جبهات متعددة لإرهاق الجيش السوداني وتفكيك الدولة المركزية. الهدف ليس فقط إسقاط الخرطوم، بل تفكيك السودان إلى كانتونات عرقية وجهوية، تُدار بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية.

 

هذه الاستراتيجية تُدار بأدوات محلية (مليشيات، حركات مسلحة، صراعات قبلية)، لكنها تُموّل وتُسلّح وتُوجّه من الخارج، في ظل غياب مشروع سياسي يرتكز على عقيدة الأمة جامع للشمل، وتواطؤ بعض النخب، وتآمر دولي مريب.

 

ثالثاً: الحل من منظور شرعي – واجب الأمة تجاه السودان

 

من منظور شرعي، فإن ما يجري في السودان هو فتنة عمياء، واعتداء سافر على أمة الإسلام، وتهديد مباشر لتمزيق بلاد المسلمين. والسودان هو جزء أصيل من جسد الأمة الإسلامية، تربطه بها روابط العقيدة والتاريخ والمصير. قال رسول الله ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» وقال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ وعليه، فإن الواجب الشرعي على الأمة شعوباً وجيوشاً أن تهب لنصرة السودان، ليس بالكلمات فقط، بل بالفعل والانحياز الحقيقي.

 

- استنفار جيوش المسلمين: يجب أن تتحرك جيوش الأمة، ليس لحماية حدود سايكس بيكو، بل لنصرة المستضعفين، وردع التمرد، وقطع يد التدخلات الخارجية التي تعبث بأمن السودان.

 

- إقامة مشروع جامع: لا خلاص للسودان ولا لغيره من بلاد المسلمين إلا بمشروع جامع يعيد للأمة وحدتها وكرامتها، وهو مشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، الذي يوحّد الصفوف، ويعيد السيادة للأمة، ويقطع التبعية للخارج.

 

رابعاً: نداء إلى أهل القوة والمنعة

 

إلى أهل القوة والمنعة من أبناء الأمة، والقوى الفاعلة فيها من العلماء والدعاة والمفكرين:

 

- اتقوا الله في أمتكم، ولا تكونوا عوناً للظالمين، ولا شهود زور على تمزيقها.

 

- اجعلوا ولاءكم لله ولرسوله ولأمتكم، وليس للحدود المصطنعة والأنظمة التابعة.

 

- انحازوا إلى مشروع الأمة، مشروع الخلافة، فهو وحده القادر على وقف النزيف، وردع العدوان، وتحرير الإرادة.

 

إن التاريخ يسجل، والله يسأل، والأمة تنتظر. فهل من مجيب؟

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

دور الغرب الكافر في تمزيق أمتنا

والقضاء على خلافتنا رمز قوتنا

 

يوم كنّا أمة واحدة من دون النّاس كانت دولتنا تظلّل برايتها كل الأرجاء؛ فكانت الحامية والحاضنة والرادعة لكل من تسًوّل له نفسه الاعتداء ولو على مسلم واحد، فكان المسلمون جسدا واحدا يتداعى بعضهم لبعض بالنصرة والعون والمدد، وكان إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى! ثمّ فهم الأعداء أنّ تلكم الوحدة وتلكم الدولة هما سبب قوّة الأمة الإسلامية والدرع الحامي لها فعمدوا لذلك الدرع يحاولون نزعه، وبذلوا جهدا جهيدا في ذلك على مرّ سنوات طوال حتّى وصلوا لمبتغاهم، مع الأسف، وقضوا على دولة الخلافة سنة 1924م فمزّقوا أمة الإسلام مزقا عديدة للحيلولة دون رجوعها لسالف عهدها!

 

إنّ الخلافة لم تسقط فجأة لعوامل داخليّة فقط بل هُدمت تدريجياً عبر مخطط طويل قادته الدول الاستعمارية الغربية، وبمشاركة خونة المسلمين من العرب والترك حينها الذين تأثروا بدعاويهم من قومية وانفصالية وغيرها، وبالتالي فالهدم كان فكريا وسياسيا قبل أن يكون عسكريا.

 

أبرز ملامح ذلك المخطط كانت:

 

- إضعاف الفكرة الإسلامية لدى المسلمين عبر الغزو الفكري وتشويه الإسلام وزرع الفكر القومي سعيا لتفكيك وحدة الأمة وتحويل الولاء من الإسلام إلى العِرق والأرض.

 

- بسط النفوذ السياسي غير المباشر في مرحلة أولى عبر الديون والتدخل في تعيين وعزل السلاطين.

 

- هدم الخلافة رسمياً.

 

- تقسيم بلاد المسلمين بعد ذلك إلى دول كرتونية ووضع الحدود بهدف منعهم من التوحد ثانية.

 

- تقسيم المقسّم بعد ذلك ومواصلة إثارة الحروب والنعرات.

 

إنّ المدقق في تاريخ الدولة الإسلامية يدرك اليد الكبيرة للغرب فيما حصل، وهذا لا يعني إنكارنا لتقصير الخلفاء والعلماء والأمة لعدم تسلحهم بالسلاح القادر على ردّ كيد الأعداء وإنّما أردنا هنا تسليط الضوء أكثر على مكر الغرب العظيم ودوره الكبير فيما حدث بُغية إدراك عظم ما قاموا به وأخذ العبرة منه والنهوض من جديد بإفشال كل مخططاتهم!

 

لقد شنّ الغرب الكافر حربا شعواء على أفكار الإسلام فلم يكد يوجد أيّ فكر أو حكم إسلامي لم يطله التشويه والتلبيس والافتراء، ونتيجة لضعف فهم الأذهان في العصور المتأخرة للخلافة لم ينبر العلماء للتصدّي لتلك الهجمة بالقوّة الكافية ما أدّى إلى تسلل المفاهيم الغربية والقوانين الأوروبية بادئ الأمر على أساس عدم تعارضها مع الإسلام وتوافقها معه ما تسبب لاحقاً في انتشار الفكر الغربي ومعالجاته والسكوت عن ذلك!!

 

ترافق ذلك كله مع الأسف مع ضعف الخلافة آخر عهودها وتنامي إساءة التطبيق فيها إذ لم تعد تلكمُ الدولة التي تطبق المبدأ الإسلامي وتحمله بقوّة بسبب استبداد بعض الخلفاء وضعف الإدارة وتسلل النفوذ الأجنبي وتكبيله القرار السياسي عن طريق الديون الخارجية بالإضافة إلى تراجع القطاع الصناعي والاهتمام بالعلوم وغير ذلك. ولا ننسى طبعا تقاعس الدولة عن امتلاك السلاح المطوّر وتهاونها في ذلك ما أدّى إلى تخلف عدّتها نسبيا مقاربة بالدول الأخرى وتسبّب ذلك في هزائم عديدة وبدأ تلاشي صورة الدولة التي لا تقهر ونجاح الغرب في المقابل في تصوير نفسه الغالب الذي لا بدّ من اتباع قوانينه وإملاءاته على العالم!

 

ولم يكتف الأعداء بذلك طبعا بل عمدوا إلى خونة العرب والترك وجنّدوهم ليقودوا حركات انفصالية وليكونوا دعاة للقومية والوطنية والعلمنة والتغريب فزادوا الطين بلّة وزادوا الضعف ضعفاً، ولم يكن مصطفى كمال إلا أحد هؤلاء الخونة الذين رضوا أن يكونوا معاول هدم بيد الأعداء هدموا من خلاله صرح الخلافة العظيم واستبدلوا بها دولة قومية قبلت بتقسيم الأمة الإسلامية لاحقا!

 

بإسقاط الخلافة تداعت أوروبا وعلى رأسها بريطانيا على أمة الإسلام كتداعي الأكلة على قصعتها فواصلوا ما بدأوه من تقسيم واستعمار قبل هدمها وقاموا باتفاقيات مثل اتفاقية سايكس بيكو وغيرها فرسموا الحدود وأقاموا السدود ووضعوا على رأس كل خرقة ناطوراً أمره بيد أسياده.

 

وبسبب ذلك احتلّت فلسطين ولا تزال ليومنا هذا تشكو خيانة الخائنين وتقاعس المتقاعسين وتدفع ضريبة الفرقة وغياب الدولة، ورحم الله الخليفة عبد الحميد الذي حال دون تدنيسها حتى آخر رمقه إذ لا تزال مقولته تقرع آذاننا قرعاً "إذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن. أما وأنا حيٌّ فإنّ عمل المِبْضَع في بدني لأهون علىّ من أن أرى فلسطين قد بُتِرت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون؛ إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة".

 

نعم لقد عشنا مع الأسف تشريح أجسادنا ونحن أحياء، فما يعانيه إخواننا في فلسطين إلى الآن ليس بمعزل عن كل ما عاناه كل المسلمين بسبب الاستعمار، ولائحة جراح أمتنا النازفة تطول من كشمير إلى الشيشان ومن تركستان إلى تيمور الشرقية إلى ميانمار وغيرها.

 

فهل اكتفى الغرب بكل ما قام به؟! طبعا لا، بل لا يزال يبذل كل ما في وسعه ليحول دون عودة الخلافة، وأصبحت أمريكا تتفنّن في تقسيم المقسّم وتذكي النعرات والقوميات ما أمكنها ذلك، فحال اليمن والسودان وسوريا وغيرها اليوم لا يخفى على أحد!

 

أيها المسلمون: إنّكم أمة واحدة من دون النّاس كانت وحدتكم وخلافتكم سبب قوّتكم ونهضتهم ورضا ربّكم عنكم، ولذلك هدمها الغرب الكافر المستعمر، إذاً ألا تشمّرون عن سواعد همتكم لتعودوا كما كنتم أمّة واحدة لها دولة واحدة وراية واحدة لتغيظوا أعداءكم؟! ألا تهفو قلوبكم لاستعادة عزّتكم ومجدكم فتطهروا أقصاكم وكعبتكم وتنصروا إخوانكم المستضعفين في كل مكان؟!

 

ألا إنّ العمل لإعادة الخلافة لهو عزّ الدنيا والآخرة، فبها وحدها تستعيدون ريادتكم وتُحفظ بيضتكم بل وتنقذوا العالم بأسره من الظلم والجور والحضيض الذي وصل له، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ﴾.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منّة الله طاهر

#أقيموا_الخلافة

 

#في_ذكرى_هدم_الخلافة

 

#خلافت_کو_قائم_کرو

 

ReturnTheKhilafah#

 

#YenidenHilafet

 

#TurudisheniKhilafah

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

شهر رجب ووحدة المسلمين

(مترجم)

 

 

بالنسبة لكثير من المسلمين اليوم، تبدو كلمة الخلافة غريبة، يربطها البعض بكتب التاريخ، بينما يراها آخرون شيئاً مجرّداً أو غير مألوف. وهذا أمرٌ مفهوم، لا سيما بالنسبة لجيل لم يعش إلا في ظلّ نظام الدولة القومية الحديثة. ومع ذلك، يذكّرنا شهر رجب كل عام بنقطة تحول عميقة في تاريخ المسلمين. ففي رجب عام 1342هـ هُدمت الخلافة. لم يكن هذا مجرد نهاية لحكومة، بل كان فقداناً لإطار عمل نظّم وحدة الأمة الإسلامية لأكثر من ثلاثة عشر قرناً.

 

في صميم الإسلام فكرة أنّ المسلمين أمة واحدة، ومجتمعٌ واحد يجمعه الإيمان والمسؤولية والالتزام الأخلاقي. هذه ليست استعارة أو شعاراً عاطفياً، بل هي مبدأ قرآني واضح. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

 

 ويربط الله أيضاً الوحدة مباشرةً بالهداية والحماية، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.

 

أوضح علماء الفقه الأوائل أنّ حبل الله يشيرُ إلى الإسلام باعتباره منهج حياة متكاملا، يشمل الطاعة الجماعية والسلطة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إنّ حبل الله هو الجماعة أي جماعة المسلمين المتحدين.

 

لذا، لم يكن المقصود من الوحدة في الإسلام الاقتصار على الجانب الروحي الشخصي فحسب، بل كان الهدف منها توجيه كيفية تنظيم المسلمين لحياتهم الجماعية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.

 

وعلى مدار معظم التاريخ الإسلامي، تجسّدت هذه الوحدة عملياً. فقد كانت الخلافة بمثابة الإطار السياسي الذي يُدير من خلاله المسلمون العدل والأمن والرفاهية العامة والحماية المتبادلة. ولم تقضِ الخلافة على الثقافات أو اللّغات؛ بل كان التنوّع موجوداً ومقبولاً. وما وحّد المسلمين لم يكن العرق أو الأرض، بل الإسلام نفسه.

 

وقد أكدّ النبي ﷺ على فكرة المسؤولية الجماعية هذه بقوله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» صحيح مسلم

 

عندما أُلغيت الخلافة، لم يفقد المسلمون إيمانهم، ولم يصبح الإسلام فجأةً غير عملي. ما تغيّر هو البنية. والأهم من ذلك، أنّ هذه البنية لم يُستبدل بها شيء محايد، بل ظهرت طرق تفكير جديدة أعادت تدريجياً تشكيل فهم المسلمين للهوية والولاء والسّلطة والمسؤولية.

 

كانت القومية من أكثر هذه الأفكار تأثيراً، لكنها لم تكن الوحيدة. فقد علّمت القومية المسلمين إعطاء الأولوية للدولة القومية على الأمة، وللحدود على الأخوة، ولـ"المصلحة الوطنية" على الواجب الأخلاقي!

 

إلى جانب القومية، أعادت مفاهيم أخرى تشكيل الفكر الإسلامي. فقد حصرت العلمانية الدين في الحياة الخاصة. وأعادت الرأسمالية تعريف النجاح من منظور الرّبح والسّلطة. وأضعفت الفردية المسؤولية الجماعية. فأعادت هذه الأفكار مجتمعةً تشكيل الوعي السياسي الإسلامي.

 

يحذرنا الله سبحانه وتعالى فيقول: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.

 

والنتيجة واقعٌ يُدركه كثيرٌ من المسلمين اليوم. ثمة قلقٌ عميقٌ وتضامنٌ عندما يُضّطهد المسلمون، ولكن أيضاً شعورٌ مؤلمٌ بالعجز. ليس هذا لأن المسلمين لا يُبالون، بل لأن الأمة مُشتتة.

 

لاحظ ابن تيمية رحمه الله أنّه كلما انقسم المسلمون، سمح الله لأعدائهم بالتغلب عليهم.

 

إذا فُهمت الخلافة على هذا النحو، فإنها ليست خيالاً أو دعوةً للاضطراب، بل هي محاولةٌ لتنظيم حياة المسلمين حول القيم الإسلامية بمسؤولية، والعدل أساساً.

 

إنّ رجب ليس شهراً للذكرى فحسب، بل هو لحظةٌ للتأمل والصّفاء، إنه يدعو المسلمين إلى التفكير ملياً في الوحدة، لا كشعار، بل كمسؤوليةٍ حيّة. لم يكن تفرق الأمة صدفة، وكذلك ليس التوق إلى التماسك والعدل الذي لا يزال يسكن قلوب المسلمين، كما يُذكرنا الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.

 

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ياسمين مالك

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

 

#أقيموا_الخلافة

 

#في_ذكرى_هدم_الخلافة

 

#خلافت_کو_قائم_کرو

 

ReturnTheKhilafah#

 

#YenidenHilafet

 

#TurudisheniKhilafah

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من ضربة جزاء ضائعة إلى ضربات في حق أبناء البلد

سياسة الخبز والملعب في نسختها المغربية

 

تبدأ الحكاية من منطقة الجزاء، بلقطة يراها البعض خطأً تحكيمياً، لكنها في الحقيقة نافذة تطل على مشهد أوسع وأخطر. تلك الركلة التي لم تُحتسب ليست سوى انعكاس لغياب العدل في بلد يُدفع بمنتخبه كواجهة براقة لتغطية شروخ لا تسترها أضواء الملاعب.

 

إن الإصرار على استضافة مونديال 2030 ليس طموحاً رياضياً، بل هو مشروع استثماري خاص مغلف برداء وطني. فخلف ستار المصلحة العليا، بدأت عملية هندسة الثروة؛ حيث يتم الاستحواذ على العقارات الاستراتيجية وشراء سلاسل الفنادق وضمها للمحافظ المالية للعائلات النافذة. هذا البناء ليس لخدمة البلد بل هو عملية تحويل ممنهجة لثروات البلد من مشاع للشعب إلى ملكيات خاصة تحت مسمى التجهيز للمونديال.

 

وهنا يجب كشف الحقيقة الجوهرية وهي أن هذه الأنظمة لم تنشأ أصلاً لرعاية شؤون الناس أو تحقيق رفاهيتهم، بل هي أنظمة وظيفية صُممت لتكون عصا الغرب التي تقمع الشعوب. المعادلة واضحة ومخزية وهي أن الغرب ينهب الثروات، والنظام يقمع الاحتجاجات. دور النظام هو تأمين مصالح القوى الخارجية وضمان تدفق الموارد، مقابل الصمت عن فساده وتثبيت أركان حكمه. المونديال والبطولات ليست إلا شهادات حسن سير وسلوك يقدمها النظام للغرب، ليُظهر للعالم استقراراً زائداً مبنياً على القهر.

 

نحن أمام نسخة عصرية من القاعدة الرومانية القديمة؛ حيث يُعوَّض نقص الخبز بزيادة الألعاب. بينما تئن ميزانية البلد تحت وطأة سحر الأسعار، حيث تُبنى الملاعب بمليارات الدراهم!

 

إنها محاولة لجر أبناء هذا البلد إلى غيبوبة وطنية تافهة تجعله ينسى أن ثمن فرحته بالفوز قد دُفع سلفاً من ميزانية تعليمه وصحته. لكن سحر الكرة مخدر تنتهي صلاحيته بمجرد العودة للسوق، حيث يكتشف المشجع أن النية لا تشتري خبزاً، وأن الإنجازات الكروية لا تُصرف في المصارف.

 

إن الانفجار القادم هو نتيجة حتمية لسياسة ترى في الشعب جمهوراً يصفق، وفي البلد ضيعة تُستغل. ويمكن تلخيص هذا المسار في المعادلة التالية: (ترف ولهو + فراغ سياسي وقمع وظيفي ÷ واقع معيشي منهار = انهيار حتمي).

 

إن طبول الحرب الجيوسياسية تكشف هشاشة هذا الاستثمار في الوهم الكروي. فالملاعب لن تحمينا، والفنادق التي يمتلكها الكبار لن توفر الأمن للصغار. الانفجار لن تخمده صافرة حكم؛ لأن سحر الجلد المنفوخ يتبخر دائماً أمام حقيقة الجوع والظلم والتبعية للخارج.

 

وفي نهاية هاته المتاهة من الوطنية المزيفة، ألم يأنِ لهذا الشعب أن يعلم أن له تاريخاً تليداً، تاريخاً مليئاً بعز الإسلام يوم كنا تحت لواء التوحيد، فوصلنا بجيوشنا إلى قلب الأندلس ووقفنا فاتحين على حدود باريس؟ إن عزتنا لم تكن يوماً بكرة تتقاذفها الأرجل، بل بعقيدة صنعت مجداً دانت له الأرض.

 

إن سنن الله ثابتة لا تجامل أحداً؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾. فالتغيير المنشود لن يكون بجلدٍ منفوخ تتقاذفه الأرجل في الملاعب، بل بسواعد رجالٍ صدقوا الله ما عاهدوا عليه، ليعملوا بيقينٍ وإخلاص لتحقيق وعد الله وبشرى رسوله ﷺ؛ بعودة الأمة إلى دينها وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تعيد للحق نصابه وللأمة كرامتها وللإسلام عزه المسلوب.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منار عبد الهادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

أحمد الشرع ما عجز عن تطبيق الإسلام

لكنه انخرط في كفر النظام الغربي رأساً

فكفى اختلاقاً للأعذار وتزييفاً لحقيقته!

 

 

 

هو الحصاد المر لانعدام الوعي السياسي وغياب تصور المشروع الحضاري الإسلامي لكثير ممن تصدر عملية التغيير، فاجتمعت بذلك آفتان؛ غياب التصور المبدئي لحلول الإسلام ومعالجاته للمعضلات القائمة طوال 105 من السنوات العجاف لغياب الإسلام عن الحكم والحياة، ومعها آفة الواقع الاستعماري الذي سحق العقول عبر غزوه الثقافي بقواعده ومقاييسه ورؤاه ومعالجاته العلمانية التي لُقنت عبر مناهج التعليم والحياة الثقافية والسياسية التي نعيش بحسبها، والتي ما كانت إلا بنات ثقافة وحضارة المستعمر الغربي، فأصبحت كل رؤية سياسية زاوية نظرها وبوصلتها هي المنظومة العلمانية الرأسمالية الغربية وما تطرحه من حلول ومعالجات، وانتفى مع هذه الواقعية الثقافية والسياسية الوعيُ السياسي على أساس عقيدة الإسلام وبحسب وجهة نظر الإسلام ومعالجة قضايانا بأحكام شرعنا الحنيف.

 

فالحالة السورية اليوم ورئيسها أحمد الشرع حالة نموذجية في غياب المبدئية الإسلامية والوعي السياسي في تعييرها وتحقيق واقعها وتقييمها، علما أنها حالة واضحة فاضحة في مناقضة الحاكم والحكم بسوريا للإسلام قانونا وأنظمة وسياسة...

 

بدءاً بالإعلان الدستوري الذي اتخذه أحمد الشرع دستورا وقانونا لحكم سوريا وسياستها، فمرجعيته العلمانية فاضحة لا تستتر، كما أعلنها هو عن نفسه في مقدمته وأسبابه الموجبة لتشريعاته، جاء في مقدمة الإعلان الدستوري "واستناداً إلى القيم العريقة والأصيلة التي يتميز بها المجتمع السوري بتنوعه وتراثه الحضاري، وإلى المبادئ الوطنية والإنسانية الراسخة، وحرصا على إرساء قواعد الحكم الدستوري السليم المستوحى من روح الدساتير السورية السابقة، ولا سيما دستور عام ١٩٥٠ دستور الاستقلال، وإعمالا لما نص عليه إعلان انتصار الثورة السورية الصادر بتاريخ ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٥، الذي يُعد أساسا متينا لهذا الإعلان، فإن الرئيس يُصدر الإعلان الدستوري الآتي، والذي تعد مقدمته جزءاً لا يتجزأ منه...".

 

فالجذر الدستوري للإعلان الدستوري لأحمد الشرع هو دستور المستعمر الغربي الكافر مصمم الدولة الوطنية ودساتير آل الأسد الملاعين.

 

ثم انخراط أحمد الشرع في مقدمات خيانة التطبيع مع الكيان الغاصب، فكان اللقاء الفاجر بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع وزير الشؤون الاستراتيجية للكيان الغاصب رون ديرمر في باريس، اللقاء الرسمي الأول مع قادة كيان يهود الذي اعترفت به صراحة إدارة أحمد الشرع، وقد أتى بعد سلسلة لقاءات غير معلنة في الإمارات وأذربيجان وباريس. مع استمرار الكيان في إبادة أهل غزة وعربدته طولا وعرضا في سوريا.

 

ثم انغمس أحمد الشرع في المنظومة الوطنية التي أقامها الاستعمار ونظامها الإقليمي الوظيفي للاستعمار، وتوالت زياراته لحكام الدويلات الوظيفية في الإقليم، إقرارا منه أنه جزء من نظامهم الإقليمي الوظيفي وعلى نهجهم وسياستهم وعمالتهم للاستعمار.

 

ثم كانت ثالثة الأثافي أن شَرَعَ أبواب سوريا لأمريكا وانخرط في نظامها الدولي الاستعماري، فكانت زيارته لأممها المتحدة إقرارا بنظامها الدولي، ثم تلتها زيارته الفاضحة لواشنطن وتسليم مفاتيح سوريا لترامب، اقتطع بعدها ترامب الجولان وسلمه للكيان، أعقبها منشور وزارة خارجية أحمد الشرع لخارطة سوريا مبتورة من الجولان إقرارا لترامب على جريمته في غصب الجولان أرض الإسلام. ثم كان الانضمام لحلف أمريكا الصليبي لمحاربة الإسلام وأهله، وبه تم الانغماس التام لأحمد الشرع في كفر المنظومة الغربية ونظامها الدولي ونظامها الإقليمي، ما دفع بالمبعوث الأمريكي للتصريح "سوريا عادت إلى صفنا"، وأشنع منها ما صرح به رئيسه ترامب "الحكومة السورية والرئيس الجديد قاتلوا إلى جانبنا"، وتلتها الشواهد الكاشفة الفاضحة في خضوع أحمد الشرع التام لمقررات واشنطن في حربها للإسلام وإعادة سوريا كدولة وطنية وظيفية للاستعمار، والتي من شروطها مهادنة الكيان الغاصب والخنوع لعربدته في سوريا، وموادعة كل خونة سوريا (فلول النظام السابق والهجري وجماعته وشرذمة قسد ونصيرية الساحل)، في المقابل التصدي لكل من يحمل مشروع الإسلام وقضية التحرير على أساسه من الأخيار الأغيار حملة مشروع الإسلام العظيم والمجاهدين، فأضحى التنكيل بالمسلمين وسجنهم ومعاملتهم كالمجرمين سياسة أحمد الشرع، فتوالت الأحكام الظالمة بعشرات السنين للأبرياء من حملة قضية الإسلام، في حين صدر العفو عن عتاة المجرمين من فلول نظام السفاح بشار الأسد، فتوالت النكبات بحجم سياسات أحمد الشرع.

 

ليست القضية في الحكم الجديد وحاكمه أحمد الشرع، فدولته الوطنية وإعلانه الدستوري وعضويته في الجامعة العربية كجزء من النظام الإقليمي الوظيفي للاستعمار وعضويته في الأمم المتحدة وإقراره بالنظام الدولي الغربي الاستعماري والنفوذ الأمريكي على سوريا وخضوعه للمبعوث الأمريكي الخاص توم باراك وانخراطه في حلف أمريكا الصليبي لمحاربة الإسلام، وتحقيق ذلك ميدانيا عبر سجن حملة مشروع الإسلام وإخوانهم من المجاهدين في محاكمات ومحاكم تذكر بمحاكم الصليبيين في أقبية تحت الأرض وقضاة ملثمين وتهم باطلة وأحكام جائرة جاهزة، وأشنع منها طائرات التحالف الصليبي التي تقصف وتقتل أبناء الإسلام على أرض سوريا بمباركة حاكمها أحمد الشرع، كل هذا وغيره كثير دليل قاطع على انغماس الحكم الجديد ورئيسه أحمد الشرع في المنظومة العلمانية الغربية الاستعمارية ونظامها الدولي الكافر الظالم المعادي للإسلام.

 

لكن القضية هي في غياب المعيار الإسلامي والميزان الشرعي عند البعض في تقييم الحكم الجديد وسياساته، وهنا الفاجعة ومعها أصبحت الواقعية العلمانية ومعايير الواقع العلماني الاستعماري قواعد ومقاييس للحكم والتقييم، وأصبحت المقاصد النفعية العلمانية والإسقاطات المغرضة لأحداث التاريخ والقراءة العلمانية للسيرة وحديبية المصطفى الهادي ﷺ والمآلات والنتائج الاستعمارية مبررات ومسوغات لتقييم الحكم الجديد بل وأسلمته!

 

وسط هذه المتاهات العلمانية تنتفي أحكام الشرع وتضيع البوصلة الفقهية والمقياس الشرعي وينعدم تقييم الحكم الجديد على أساس الإسلام، ومرد هذه المعضلة هي الحياةُ العلمانية التي فرضها علينا الاستعمار والتي نحيا لأكثر من قرن بحسبها، ومناهجُ تعليمها وأجواؤها الثقافية والسياسية التي شكلت العقليات وسحقتها بقواعدها ومقاييسها ورؤاها ومعالجاتها العلمانية، وأنكى من ذلك أنها أضفت عليها قشرة إسلامية فاكتملت بها الخديعة والفاجعة.

 

وهذه المعيارية العلمانية المستبطنة في عقول المسلمين تجعل الديمقراطية حكما رشيدا وليست نظام كفر علماني، والدولة الوطنية شكلا من أشكال الدولة العصرية المرغوبة، وحقوق الإنسان والحريات والمساواة مطلبا من مطالب الشعب، والانخراط في النظام الدولي الغربي هو السياسة الخارجية للدولة بل هو اعتراف بها، واقتصاد السوق الرأسمالي هو باب التنمية والازدهار، وبهذا أصبح البنيان العلماني وتشريعاته وأنظمته وسياساته هو المعيار في صلاح النظام وفساده!

وأفجع من ذلك هو صنيع البعض في دعم الحكم الجديد وإسناده عبر تبرير وتسويغ تشريعاته وأنظمته وسياساته عبر تلفيق فقهي شنيع بغية شرعنته. ومع هؤلاء انتفى الفقه والفقيه وطغى التلفيق، فلسنا معهم في خضم الفقه وآلة الفقيه في فهم الواقعة والإحاطة بمناطها ثم تتبع واستجماع ودرس وفهم الأدلة المتعلقة بها ثم ينتهي باستنباط حكمها الشرعي. بل المعايير العلمانية المستبطنة والواقعية السياسية العلمانية المستحكمة التي انتفى معها الشرع ومقاييسه والفقه وأحكامه هي المعيار والمقياس، فالقضية عند البعض هي في تقرير صلاح الحكم الجديد وليس في تحقيق واقعه والتحقق منه ثم تقييمه على أساس الإسلام، بل تتكفل الواقعية السياسية العلمانية بهذه النتيجة (إشادة ترامب بالحاكم الجديد كفيلة بذلك!) يساق بعدها تجميع وتلفيق الأدلة لتزييف حقيقته.

 

علما أن قضيتنا المصيرية بوصفنا مسلمين هي الحكم بما أنزل الله، وهذه القضية لا تعالج باستبدال حاكم بحاكم، بل في اقتلاع كل المنظومة العلمانية الرأسمالية الغربية التي زرعها الاستعمار الغربي في أرض الإسلام، ولن تقتلع إلا عن طريق الحكم بالإسلام كل الإسلام ولا شيء سواه.

 

فشرعية النظام والحاكم لا تنفك عن سيادة الشرع والحكم بشريعة الله، بحيث تكون العقيدة الإسلامية هي أساس الدولة بحيث لا يتأتى وجود شيء في كيانها أو جهازها أو محاسبتها أو كل ما يتعلق بها إلا بجعل العقيدة الإسلامية أساسه. فالعقيدة الإسلامية أساس الدستور والقوانين ولا يسمح البتة بوجود شيء مما له علاقة بأي منهما إلا إذا كان منبثقا عن العقيدة الإسلامية، فدستور الدولة وقوانينها أحكام شرعية مستنبطة من أدلة الكتاب والسنة. قال جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾. ومن حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه.

 

لكن الأخطر في المعيارية العلمانية وواقعيتها الثقافية والسياسية هي نتائجها الكارثية، عبر التأسيس لنموذج علماني بمسحة إسلامية زائفة، يصبح سقف التغيير نظاما علمانيا آخر وظيفيا للاستعمار بمسحة إسلامية زائفة يرسخها الحاكم ذو الخلفية الإسلامية، ويُصَدَّرُ هذا النموذج للأمة باعتباره مدرسة في التغيير. وشدة الكارثة هي في تخدير الأمة بهكذا نظام عبر رضاها بالواقع الجديد كإنجاز إسلامي وهدف إسلامي للتغيير وقد تحقق، ما يعني قعودها وانتكاستها.

 

يصبح الواقع الجديد معروفا ومستحسنا، وكل محاسبة له أو إنكار عليه منكراً ومستقبَحاً، وما يجري اليوم في الشام خير شاهد، فكل محاسبة وإنكار لمنكر تعطيل حاكم سوريا أحمد الشرع لشرع الله وانخراطه في السياسات الاستعمارية لأمريكا هي موضع إنكار بل سباب وفجور في الخصومة، حتى يخيل للمسلم وكأنه تعرض لصحابي جليل وجلب عليه نقمة أهل الإسلام!

 

فكما كانت مملكة آل سعود التي سموها زورا وبهتانا دولة التوحيد فتنة البعض، وما زالت نتائجها الكارثية حتى الساعة يكتوي بها خلق عظيم، وقد أصّلت لمدرسة شاذة منحرفة خبيثة في التأسيس لطاعة عملاء الاستعمار وإن حكمونا وساسونا بكفر الغرب المستعمر.

 

وهي لعمرك الفاجعة والنكاية الكبرى أن يصبح سقف التغيير عوض التحرر من الاستعمار على أساس الإسلام هو تغيير حارس المستعمرة والإبقاء على المنظومة الاستعمارية الكافرة ومعها السجن المستعمرة.

 

﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

[من كلمات مؤتمر الخلافة السنوي الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يوم السبت 21 رجب الفرد 1447هـ الموافق 10 كانون الثاني/يناير 2026م عبر قناة الحزب (الواقية)،

وكان بعنوان "الخلافة قضية الأمة المصيرية"]

 

غزة شرارة لن تنطفئ

 

الأستاذ خالد سعيد – الأرض المباركة (فلسطين) – غزة

 

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

أما بعد،

 

فقد شاء الله عز وجل، ولله الأمرُ من قبل ومن بعد، أن ينطلقَ من الأرضِ المباركةِ، من غزةَ العزة طوفانُ الأقصى بكل ما فيه من حمولة، لتعمَّ آثارُه في الأرضِ كلِّها، شأنُه في التاريخ شأنُ الأحداثِ العظامِ والوقائعِ الجسامِ، تلك الأحداثِ التي تكتبُ بالدماء، ولكنَّها بإذنِ الله تؤتي أُكلَها ولو بعد حين.

 

ولقد كان هذا الطوفانُ مشهدا عجيبا، حين وقف الإجرامُ على أرضِ غزةَ في مواجهةِ البطولة، وحيث الدباباتُ والطائراتُ وأحدثُ الأسلحةِ توجِّهُ حممَ انتقامِها ولؤمِها نحو الأطفال، فتبترُ أَطرافهم وتحرق أَجسادهم، مستعينةً عليهم بالجوع، فكان الابتلاء الكبير يقابلهُ الصبرُ الكبير، وقد اصطفت خلفَ كيانِ يهودَ ضباعُ الأرضِ وأرتالُ الظالمين، فرعون وشيعتُه وجالوت بجنودِه، تقارِعُهم ثلةٌ مؤمنةٌ مجاهدةٌ تحتَ الحصار، حيثُ الأمهاتُ الصابرات، وحيث المجاهدون الأبطال.

 

نعم لقد كان في الطوفانِ ما كان، حتى إذا توقفت شراسةُ الحربِ في القطاع، حيثُ بؤرة الحدث، ظنَّ البعضُ أنَّ الأمرَ قد انتهى، وأنَّ المعركةَ قد خُتِمت أو حُسِمت، وأنَّ العدوَ قد نالَ من تلكَ الأمَّةِ الكريمةِ نيلا، وظَفِر منها بنصر، ولكن هيهات.

 

فمن ظنَّ أن الطوفانَ قد انحسرَ فهو مخطئ، ومن ظن أنَّ المعركةَ قد انتهت فهو واهم.

 

نعم، لقد أرادَ الظالمونَ المجرمونَ له أن ينحسر، وأن ينكسر، ولكنهَّم أخطأوا الظن، ولعلَّ ظَنَّهم هذا سَيرُديهم، فحربُ الطوفانِ المباركة أعمقُ أثراً مما يَحسَبون، وامتدادُها أوسعُ بكثيرٍ من ميدانِ المعركة، وتأثيرُها أطولُ زمناً مما يظنُ الكثيرون.

 

أمَّا أنَّ الحربَ أوسعُ من ميدانِ تلك المعركةِ التي جرتْ على أرضِ غزة، فإنَّ كلَّ ذي بصرٍ وبصيرةٍ قد رأى تأثيرات الطوفانِ في العالم كلِّه، فقد أسقطَ الطوفانُ أولاً هيبةَ الكيان، فكشف عورةَ ضعفهِ كشفاً لا يُستر، وأَحدثَ في ردعهِ وغرورِه كسراً لا يجبر، ولم يكنْ جنونُ البطشِ إلا محاولةً فاشلةً لاستعادة ردعِه مكَّنَهُ منها الحكامُ قاتَلهم الله.

 

ثم إنَّ أحداثَ الطوفانِ دمرتْ للكيانِ صورتَه التي بناها منذُ تأسيسِه على الكذب، وادِّعاءِ المظلومية، حتى باتت شعوبُ الأرضِ تراهُ شيطاناً رجيماً، فباتَ منبوذاً لدى تلك الشعوب، مكروهاً حتى في دول رعاته ومواطن حاضنيه، وصارت الحكوماتُ التي تدعمُه موضع اتهامٍ وإنكارٍ ومحاسبةٍ أمامَ شعوبِها، لا فرقَ في ذلك بين أوروبا وأمريكا، ولا حتى بينَ يمينٍ ويسار، وقد التحقَ بطلابِ الجامعاتِ إعلاميون وسياسيون وشرائحُ واسعة.

 

نعم لقد سقطَ الكيان عالميا، وكأنَّه بإِجرامِهِ يقلعُ جذورَه من الدنيا بيديه، ويباشرُ بنفسِه مقدماتِ سقوطه، وهو الذي يعتمدُ على القوى الخارجيةِ في بقائِه، ليصدقَ فيهم قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، وقد أسقطَ مَعَه كذلكَ قيماً غربيةً زائفة، ومؤسساتٍ كانت تقومُ عليها، ولعمري إنَّها مقدماتُ الزوالِ بإِذن الله.

 

وأمَّا أنَّ تأثيراتِ الطوفانِ أطولُ عمراً مما يظنون، فإنَّ صورَ الجريمةِ التي شاهدتها الدنيا كلُّها، وشَهِدت عليها عبرَ الشاشات، لن تمحى من الذاكرةِ بتلكَ السهولة، وقد انطبعتْ في الأذهانِ صورُ المجرمين، وتمَّ وسمُ المتخاذلين المتآمرين، ولم يعد ممكناً أن يعودَ التاريخُ إلى الوراء، خصوصاً وأنَّ الكيانَ لا يزالُ يمارسُ جرائِمَهُ، وقد ازدادَ في صلفِهِ وغرورِهِ وفسادِه، ليكونَ هلاكُه على أيدي سفهائِه، ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾.

 

وأمَّا أنَّها أعمقُ أثرا، فإنَّ هذا الطوفانَ قد حرَّك الرواكدَ في الأمة، فأثبتَ أنَّ عقيدةَ الإسلامِ لا تزالُ حية في نفوس أبنائها، وما زالتْ تُؤتي ثمارَها، تضحيةً وجهاداً واستشهاداً، وبطولةً تقفُ لها الدنيا إعجاباً وتقديرا، تماماً كما كان أَجدادُهم من الصحابة، وأسلافُهم عبرَ التاريخ، وأثبتَ أنَّ أمةَّ محمدٍ ما زالَ فيها من يَشري نَفسَه ابتغاءَ مرضاة الله، حين أحيا المجاهدونَ مفهومَ الشهادة، وأعادوا الاعتبارَ لمعنى الجهاد، فكانت صورةُ المؤمنِ المقدامِ حافياً فوق الدبابات، والحافظِ لكتاب الله المقاتلِ، والشهيد الساجد...

 

نعم لقد كان الطوفانُ عظيمَ الأثر، حين كشفَ أنَّ جسدَ هذه الأمةِ لا يزالُ حياً، يسري فيه الشعورُ بالفخرِ كما يسري فيه الشعورُ بالألم.

 

ولكنَّه كشفَ أيضاً أنَّ هذا الجسدَ الحيَ عليل، وصحيحٌ أنَّ غزةَ كانت بؤرةَ الألمِ وموضعَ الجرحِ والنزيف، ولكنَّ جسدَ الأمةِ هو المصاب.

 

لقد كشفَ أنَّ مشكلةَ الأمةِ أكبرُ من مشكلةِ غزةَ المبتلاة، وإلا فكيفَ يُخذَلُ الأبطال، ويتُركُ المجاهدونَ دون مدد؟! وكيف يُجوَّع الأطفالُ ويموتونَ بنارِ الحرقِ وألمِ البردِ وشدةِ الحصار؟! وكيف تبكي الماجدات؟! وتشرّدُ العفيفات لينَمنَ في الطرقات، فيما ينتفشُ العدوُ اللئيمُ زهواً بإجرامهِ وانتقامهِ؟! وكلُّ ذلكَ يجري في غزة، غزةَ التي ليست على الأطراف، بل في قلبِ أُمتها التي تحيطُ بها إحاطةَ السوارِ بالمعصم!!

 

لقد أبانَ الطوفانُ للأمةِ، بما لا ريب فيه، أنَّ الذي يحولُ بينها وبين أن تنصرَ نفسَها، وتنكأَ جراحَها وتغيثَ أبناءَها، ليسَ إلا حكامَها العملاء، الخاذلين الجبناءِ المتآمرين.

 

لقد أرادَ الحكامُ لهذا الطوفانِ أن تكسرَ أمواجُه، وقد أَرعَبَهم، وهم الذين تآمروا على ثوراتِ الأمةِ بثوراتٍ مضادة، وظَنُّوا أَنهَّم أَخمدوا أنفاسَها، أَن يروا في الأمةِ جذوةَ الحياةِ مرةً أُخرى، وأَنها عصيةً على الدفن، أَرعَبَهم أَن يهزَّ الطوفانُ عروشَهُم، فحاصَروه معَ العدو وتآمروا، فحبسوا الجيوش وأقفلوا الحدود.

 

تذرعَ الجبناءُ في خذلانِهم بالضعفِ وانعدام الكِفايةِ لمواجهةِ الكيان، ولكنَّ الحقيقةَ أنَّهم أَرادوا لغزةَ أن تكونَ للشعوبِ عبرةً ونَكالا، وقد غَفِلَ هؤلاءِ أَنَّ العاقبةَ هيَ بيدِ اللهِ تعالى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، كما غَفِلوا عن نهايةِ من يتَخذُ أعداءَ اللهِ أولياءَ ويتآمرُ مَعَهم وكأنَّهم ما قرأوا قول الله تعالى ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ!

 

وأخيرا:

 

فإنَّ ما سُقناهُ من أَثرٍ لطوفانِ الأقَصى حقيقٌ بأنْ يُبنى عليه، وهذا هو دورُ العلماءِ وواجِبُهُم، ومسؤوليةُ الحركاتِ والنخبِ العاملةِ لنهضةِ هذهِ الأمةِ وخلاصِها، فتلكَ الطاقةُ الهائلةُ التي أَطلَقَها الطوفانُ ينبغي استثمارُها، وقد وُضِعتْ بينِ أَيديهم، أي العلماءُ والعاملون، فرصةٌ يجبُ اغتنامُها، بخطابٍ صريحٍ واضحٍ للأمةِ بصراحةِ الأَحداث، دون ترددٍ أو خجل، وبتوظيفٍ لتلكَ الأحداثِ بمستوىً يليقُ بتلكَ الدماءِ الزكية، نحوَ وحدةِ الأمةِ، وإقامةِ دينِها ودولتِها، وإحياءِ الجهادِ، ونزعِ هؤلاءِ الحكامِ الخونة، واستنفارِ القوى وعلى رأسِها الجيوش، وإكمالِ المعركةِ حتى التحرير.

 

وإِن أهلَ غزةَ ما كانَ الله ليُضِيعَ إِيمانَهم، ولا لِيُضيعَ جِهادَهم ودماءَهم، ولعلَّ تلك الدماء الزكية التي سَقَت رمالَ غزةَ قد جمعت بينَ أَن تكونَ بركةً حينَ كانت نافذةً للكثيرِ من غيرِ المسلمينِ على الإسلام، حيث الصبرُ العجيبُ والإيمانُ العجيب، وبينَ أَن تكونَ لعنةً على الكيانِ ومَعَه كلّ الظالمينَ والمتآمرينَ والخاذلينَ، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.

 

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

 

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

[من كلمات مؤتمر الخلافة السنوي الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يوم السبت 21 رجب الفرد 1447هـ الموافق 10 كانون الثاني/يناير 2026م عبر قناة الحزب (الواقية)، وكان بعنوان "الخلافة قضية الأمة المصيرية"]

 

(الأقليات) في قبضة الفقر والتمييز

من ضياع المادة إلى نظام الخلافة والعدالة الإلهي

 

 

الأستاذ الدكتور محمد ملكاوي

 

نعيش اليوم في عصر "الاستعلاء المادي"، حيث بلغت الحضارة الغربية ذروتها التقنية، لكنها في المقابل تعيش حالة من "الإفلاس الأخلاقي". إن المأزق الذي يعيشه العالم اليوم ليس نقصاً في الموارد، بل هو عطب في العقول والأنظمة التي أدارت هذه الموارد. لقد دفن الإنسان الغربي عقله في "تراب المادة"، فصار يرى العالم من خلال أرقام البورصة ومؤشرات النمو، متجاهلاً "الإنسان" الذي هو محور الوجود.

 

قبل أن نبدأ في تفكيك الأزمات المتعلقة بالأقليات، يجب أن نفهم من هم هؤلاء الذين يطلق عليهم الغرب "أقليات". الأقلية في المفهوم السياسي الغربي هي مجموعة تتميز بعرق أو دين أو لغة تختلف عن الفئة المهيمنة. ولكن المفارقة المذهلة في الولايات المتحدة اليوم هي أن "الأقليات" بمجموعها (السود، اللاتين، الآسيويين، وغيرهم) بدأت تشكل إحصائياً أكثر من نصف السكان في العديد من الولايات والمدن الكبرى، ومع ذلك لا تزال تُعامل كفئات "هامشية" في مراكز صنع القرار المالي والسياسي! بل ومن حيث نسبة المال التي يملكونها مقارنة مع الفئة المتحكمة في أمريكا.

 

وحين يتحدث الناس عن الأقليات في أمريكا، يذهب الخيال فوراً إلى المهاجرين الجدد، ولكنهم يتناسون الجريمة الكبرى التي بُنيت فوقها ناطحات سحاب "وول ستريت". إنها قصة سكان أمريكا الأصليين، الذين لم يكونوا أقلية، بل كانوا أمةً تملك الأرض والماء والتاريخ.

 

لقد بنيت الولايات المتحدة عبر ما يسمى "المصير الواضح" (Manifest Destiny)، وهي فكرة استعلائية دفنت العقل الغربي في وهم "التفوق العرقي"، ما شرعن إبادة الملايين من سكان البلاد الأصليين والذين عرفوا باسم الهنود الحمر وتهجير من تبقى منهم عبر ما عُرف بـ"طريق الدموع" (Trail of Tears). لقد سلبوا منهم كل شيء، حتى حقهم في الوجود فوق الأرض، ودفعوا بهم إلى "محميات" هي في الحقيقة سجون جغرافية مفتوحة.

 

والأدهى من ذلك، أن الظلم لم يتوقف عند ذلك التاريخ المؤلم الذي تم به القضاء على ملايين من سكان أمريكا. فاليوم ونحن في عام 2026، وفي قلب أغنى دولة في العالم، لا يزال هناك مواطنون أصليون في مناطق من ولايتي نيفادا وكاليفورنيا يعيشون في ظروف بدائية صاعقة! فبسبب القوانين الجائرة التي تمنعهم من استغلال أراضيهم الأصلية، وبسبب التهميش المالي المتعمد، تعيش أسر من قبائل "بايوت" و"شوشوني" في مساكن هي أشبه بالكهوف والمغارات الجبلية، أو مقطورات متهالكة تفتقر للكهرباء والماء النظيف. هؤلاء ليسوا فقراء صدفة، بل هم ضحايا "عنصرية هيكلية" أرادت لهم أن يختفوا من الذاكرة لكي لا يطالب أحد بالحقوق المسلوبة.

 

فبينما تنفق أمريكا المليارات على استعمار الفضاء، يعيش أصحاب الأرض في "الكهوف"، وهذا هو قمة "العمى الحضاري" ودفن العقل في المادة. إنهم يحمون "حقوق الملكية" للشركات الكبرى، ويغتصبون "حقوق الوجود" للأقليات الأصلية!

 

هذا المشهد يذكرنا بكلمات النبي ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ففي الإسلام، لا يجوز سلب الأرض من أصحابها حتى في حالة الحرب، وليس أدل على ذلك من العهدة العمرية التي وقعها عمر رضي الله عنه مع حكام القدس حين تم فتحها، والتي لا تزال درة في جبين العالم. كما أن نظام "إحياء الموات" في الإسلام يعطي الحق لمن يعمر الأرض، لا لمن يغتصبها عنوة. إن العدالة الإلهية المتمثلة بنظام الإسلام الاقتصادي لا تعترف بشيء اسمه "حق الفتح" الذي يبرر الإبادة، بل تعترف بـ"حق الإنسان في التملك وإحياء الموات من الأرض".

 

وهذا الظلم التاريخي الذي مارسته عصابات البيض من رعاة البقر في أمريكا هو الذي مهد للطريق الذي سلكته أمريكا لاحقاً ضد السود والأقليات الأخرى. فعندما اعتاد العقل الجمعي على رؤية الأصليين يعيشون في "كهوف"، أصبح من السهل عليه أن يمنع السود من دخول "جامعة" أو "مطعم". إنها سلسلة متصلة من "الاستعلاء العرقي" الذي لا يكسره إلا "التواضع الإيماني" والنظام العادل الذي جاء به الإسلام، والذي مكن بلالاً الحبشي أسود اللون، والذي كان عبدا في الجاهلية، أن يقف فوق الكعبة ليقول للعالم: لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.

 

بهذا العقل المستنير بالوحي، نخرج من "كهوف العنصرية" إلى رحاب العدالة الإسلامية التي لا تفرق بين صاحب أرض ومهاجر، ولا بين غني وفقير ولا بين أبيض أو أسود.

 

ونحن ندرك تماما أن العنصرية والهمجية ضد الأقليات سابقا ولاحقا ليست مجرد مشاعر، بل هي نتاج نظام ظالم العنصرية فيه أساس وليست حالة طارئة. وحتى عهد قريب ظلت جامعات عريقة في أمريكا مثل "مسيسيبي" و"ألاباما" تمنع السود من دخول أبوابها ولم يفتحوا الأبواب إلا بقوة السلاح والحرس الوطني. وحتى في أبسط حقوق الإنسان، كدخول المطاعم، كانت هناك لافتات صريحة تقول "للبيض فقط"!. واليوم، ورغم زوال اللافتات، بقيت "اللافتات غير المرئية"؛ ففي دراسات حديثة، يواجه ذوو البشرة السمراء والأسماء العربية "رفضاً غير مبرر" في التوظيف وفي أرقى الجامعات، وقد تم إلغاء قوانين "التمييز الإيجابي" مؤخراً والتي تقضي بقبول نسبة محددة من الأقليات في الجامعات، ما يعيد الأقليات إلى نقطة الصفر في سباق الفرص. حيث إن الفرص تبقى متاحة لذوي المال والسلطة وتعود لحرمان من حرموا من المال والثروة أصلا.

 

هذه العنصرية ضد الأقليات ليست شيئا طارئا بل هي مبنيةٌ على فلسفة اقتصادية غربية تسمى "الندرة النسبية". حيث يقول آدم سميث أن الموارد شحيحة ولا تكفي لسكان بلد معين، ومن هنا نشأ الصراع للحصول على الموارد قبل أن تنفد. هذه الفلسفة هي التي تبرر اليوم إقصاء الأقليات والفقراء؛ لأن "الحصة" لا تكفي الجميع في نظرهم. والأقوى أو الأغنى يحصل على الموارد أولا ويحرم الباقين.

 

فوفقاً لتقارير منظمة أوكسفام، يمتلك أغنى 1% في العالم أكثر من ضعف ثروة 7 مليار نسمة! وهذ التمايز ليس ناتجا عن الندرة في الموارد بل على الاحتكار وتخلف العقول!

 

في أمريكا، يمتلك أغنى ثلاثة أشخاص ثروة تعادل ما يمتلكه نصف سكان الولايات المتحدة الأدنى دخلاً. هذه نتيجة حتمية للنظام الرأسمالي الذي فرض وجود الندرة النسبية فكأنه يقول للأغنياء الأقوياء سارعوا بأكل المال أكلاً لمّا قبل أن يأخذ منه الفقراء.

 

من هنا جاء التشريع الإسلامي ليغير مفهوم "الملكية". فالمال في الإسلام هو "مال الله"، والإنسان مستخلف فيه. يقول الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾.

 

والاستخلاف يعني أن لك حق "الانتفاع" وليس "الاحتكار". فعندما يحرم الإسلام "الاحتكار"، فإنها تفتح شرايين الاقتصاد للجميع، للأغلبية ولمن يسمونهم زورا وبهتانا الأقلية على حد سواء.

 

ففي الوقت الذي يعامل الفقر في الغرب وكأنه نتيجة لكسل الفرد أو العرق المعين في الحصول على الموارد الشحيحة بنظرهم، يأتي الإسلام ليقول إن الفقر هو نتيجة خلل في المنظومة الاقتصادية يجب استئصاله.

 

من هنا تم القضاء على الفقر مطلقا في دولة الخلافة الإسلامية في أقل من 3 عقود، بينما اليوم وبعد مضي أكثر من 200 عام على النظام الرأسمالي، تبلغ نسبة الفقر بين السود في أمريكا حوالي 17.1%، وبين البيض 8.2%. ما يثبت أن النظام الرأسمالي إضافة إلى أنه ينشئ الفقر حتما، فإنه يجعل من الأقليات الأكثر فقرا ومعاناة بين الناس.

 

أما الإسلام فإنه يقتل الفقر ذاته بدلا من أن يقتل الفقراء. فقد قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته".

 

قتل الإسلام الفقر بالحث على العمل، وجعل العامل المنتج أكثر أجرا من القاعد عن العمل وهو قادر عليه. وحرم التمييز بين الناس من حيث فرص العمل سواء تمييزا عرقيا أو بناء على علاقة الفرد بالسلطة كما هو حاصل اليوم، حيث تجد ابن الوزير وزيرا، وابن الحاكم ثريا، وهكذا...

 

ثم شرع الزكاة وهي مال يؤخذ من مال الغني ويُردّ على الفقير بشكل منظم. وإن تخلف أحد عن دفع الزكاة قاتلهم الإمام حتى يدفعوا الزكاة كما فعل أبو بكر رضي الله عنه بعد أن توفى الله نبيه عليه الصلاة والسلام.

 

ومن ثم تشريع الملكيات، فالإسلام شرع "ملكية الفرد" و"ملكية المجتمع" وملكية الدولة. وجعل المرافق الأساسية التي يحتاجها الناس بشكل عام ملكية عامة، لا يحق لشركة أو لفرد احتكارها أو استعمالها لمصالح فردية وهي الضمان الأخير لمنع الفقر فإن لم يتمكن الإنسان من تغطية حاجاته بعمله وجهده، تتم رعايته من زكاة الأغنياء، وإن لم تكف تتم رعايته من مال الملكية العامة والذي له حق فيه وليس لأحد أن يمن عليه بها ويجعله يشعر بأنه أقلية منبوذة.

 

وقد تمكن الإسلام في أقل من 30 عاما من نشوء دولته من القضاء على الفقر بشكل تام، حتى إنه في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، طاف عمال الزكاة فما وجدوا فقيراً واحداً يأخذها، لأن الشرع الحاكم ركز على "إشباع الحاجات" لا "تراكم الأرصدة" والثروات، فقال عمر قولته المشهورة "انثروا الحب في الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد الإسلام".

 

وقدم الإسلام "عدالة شاملة" بغض النظر عن اللون والجنس، فجعل للمرأة نصيبا في الميراث بينما أنظمة الرأسمالية لا تعير اهتماما لمثل هذا الأمر، فقد يرث الذكر كل الميراث، وفي بريطانيا مال من يسمون "اللوردات" يذهب للولد الذكر الأكبر ويتم حرمان الغير.

 

وحين شرع الإسلام الأنظمة التي تقضي على الفقر، وتساوي بين الناس بغض النظر عن العرق أو الدين أو اللون، أضاف إلى ذلك حسن الخلق حتى لا يشعر الفقير وهو يأخذ حاجته بأي شكل من أشكال النقص. قال ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ».

 

إن الغرب اليوم يعيش حالة من "الاحتضار الأخلاقي" خلف واجهة من البريق المادي. لقد دفنوا عقولهم في "تراب المادة" فنسوا "رب المادة". إن الانهيار المالي القادم ليس انهياراً في التكنولوجيا، بل هو انهيار في "العدالة".

 

والحل اليوم ليس في محاكاة نموذج يغرق في وحل المادية العفنة، بل في العودة لنظام يحمي الأقلية بـ"ذمة الله"، ويقتل الفقر بـ"حق الزكاة وحق الملكية وحق الرعاية"، ويصون المجتمع بـ"مكارم الأخلاق". لقد آن الأوان لنرفع الظلم ليس عن المسلمين في بلاد الإسلام فحسب بل وعن العالم أجمع الذي أصبح معظم سكانه عبيدا لمن يملك المال.

 

ويكفي أن الله تعالى إنما أنزل رسالاته ليقوم الناس في ظل نظام عادل حيث يقول الله تعالى قي سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. وزاد على ذلك ضرورة وجود نظام يملك القوة لتحقيق هذه العدالة حيثما وجبت فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.

 

فإلى نظام الخلافة على منهاج النبوة ندعو الناس أجمعين للقضاء على النظام الذي يميز بين الناس حسب لونهم وعرقهم ودينهم إلى نظام يقول لهم إن الله خلقهم من نفس واحدة وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا لا ليتميزوا بلونهم وعرقهم.

نظام يرد الحقوق إلى أهلها دون الحاجة لثورة الفقراء، أو السود أو اللاتين أو غيرهم. وبعيدا عن تنمر الحكام الأثرياء كما يفعل اليوم ترامب حين يصف المرأة الصومالية بأنها قاذورة، وأن اللاتينيين مصدر قذارة وجريمة، وأن القادمين من أصول عربية أو إسلامية هم بلاء على أمريكا.

 

نظام يجعل بلالاً الحبشي سيدا، وعمر بن الخطاب خادما، وأسامة بن زيد (الخادم) حبيبا لرسول الله وابن حبيبه.

 

أسأل الله تعالى أن يمن علينا وعلى العالم أجمع بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة عاجلا غير آجل لينعم العالم أجمع بعدل لم يعرفوه، وخير لم يرو من قبله خيرا، وأمنا لم يذوقوا طعمه لأكثر من قرن.

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

[من كلمات مؤتمر الخلافة السنوي الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يوم السبت 21 رجب الفرد 1447هـ الموافق 10 كانون الثاني/يناير 2026م عبر قناة الحزب (الواقية)، وكان بعنوان "الخلافة قضية الأمة المصيرية"]

السودان وحدود الدم الجديدة

 

 

الأستاذ ناصر رضا محمد عثمان

رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

 

 

 

من سودان الإسلام العظيم سودان الممالك الإسلامية القديمة، من سودان مسجد دنقلا العتيق الذي شاده المسلمون الأوائل. من السودان الذي عرف الإسلام منذ عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، حيث أمر واليه على مصر عبد الله بن سعد بن السرح بفتح بلاد السودان، فغزا بلاد النوبة في الشمال، ودخل عاصمتهم دنقلا فوجد فيها مسجدا عتيقاً، وقع معهم اتفاقية سميت باتفاقية البقط وكان من ضمن شروطها الاهتمام بمسجد دنقلا ورعايته.

 

ثم تتابع اهتمام المسلمين بأرض السودان باعتبارها البوابة الغربية للحرمين الشريفين، فكانت الغزوات المتتابعة من أجل حماية مقدسات المسلمين فدخل المسلمون السودان في عهد الخلافة الأموية وكذلك الخلافة العباسية، وكذلك المماليك حيث قاد الظاهر بيبرس الجيوش، ووضع الحاميات في سواكن، وفي مصوع، وبربرة، ليحمي البحر الأحمر من هجمات البرتغاليين التي كانت تستهدف هدم الكعبة ونبش قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وكذلك فعل العثمانيون، واستمر السودان في عيون الدولة الإسلامية حرصا على مقدسات المسلمين في أرض الحرمين. وبالقدر الذي حرص المسلمون على أرض السودان، كان حرص الدول الغربية الكافرة المستعمرة على السودان، حتى تقطع الطريق على تغلغل الإسلام إلى قلب أفريقيا، إذ يعتبر السودان بوابة الإسلام إلى قلب أفريقيا، كما أن ساحله الشرقي يمتد حوالي 853 كلم على البحر الأحمر أو بحر القلزم في اسمه القديم، وهو من أعظم الممرات المائية التي تربط شرق أفريقيا وآسيا بأوروبا، حيث تمر 13% إلى 30% من التجارة العالمية عبره كما أنه بلد زاخر بالموارد والثروات.

 

وهذا بالتحديد هو الذي عبرت عنه هيومن رايتس ووتش في مطلع التسعينات من القرن الماضي بأن النفط والدين هما اللذان دفعا بالسودان إلى سلم أولويات الإدارة الأمريكية.

 

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انفردت أمريكا بقيادة العالم، وأصبحت تصول وتجول في العالم كيف تشاء، تعبث بدول العالم، متمردة على ما يعرف بالدولة القومية القطرية التي قررتها أوروبا في مؤتمر وستفاليا عام 1648م. وفي العام 1884م عقدت الدول الأوروبية مؤتمرا في برلين لتنظيم سباق الدول الأوروبية في استعمار أفريقيا بعد أن رأى بسمارك نذر حرب أوروبية على المستعمرات، فقاموا بتقسيم الدول الأفريقية لصالح الدول الاستعمارية فأعمل المشرط الأوروبي فيها على غرار ما جرى في البلاد العربية بتقسيمها باتفاقية مارك سايكس، وفرانسوا بيكو عام 1916م بإقرار التقسيم بحدوده الجديدة الاستعمارية.

 

وحفاظا على مصالحها وحماية ربيبها كيان يهود، الذي هو رأس الحربة في تنفيذ خطتها الإجرامية في تقسيم البلاد الإسلامية، والحيلولة دون عودة الخلافة، عملت على العصف بدول حوض البحر الأحمر، فقسمت الصومال إلى ثلاث دول، وإثيوبيا إلى دولتين، والسودان إلى دولتين، وما زال الحبل على الجرار، واليمن الآن نذر التقسيم إلى ثلاث دول تلوح في الأفق، ثم ليبيا إلى دولتين، كل ذلك لتضع يدها بالكامل على حوض البحر الأحمر، حتى تبلورت لديها فكرة الشيطان الصهيوني برنارد لويس، الذي وُصِف بسياف الشرق الأوسط، والذي دعا إلى تقسيم المقسم في سايكس بيكو، وإعادة تقسيم حدود المنطقة، وهو بالتحديد ما عبرت عنه وزيرة خارجية أمريكا، كونداليزا رايس في حزيران/يونيو 2006م، حيث قالت، إن الوقت حان لإجراء عملية تغيير شامل لمنطقة الشرق الأوسط يمكن تشبيهها بالعملية الجراحية الصعبة، وأن رسم خارطة الشرق الأوسط من جديد يكون مفتاحا لتحقيق ما يعتقد أنه استقرار سياسي ومجتمعي يضمن المصالح الاقتصادية الأمريكية في المنطقة وفي صدارتها النفط!!

 

أما كيف ستقوم أمريكا بإعادة ترسيم حدود المنطقة؟ فقد نشرت المجلة العسكرية الأمريكية آرمد فورسيس جورنال، مقالا بعنوان: (حدود الدم!! كيف سيبدو الشرق الأوسط بحالته الأفضل؟!) كتبه الخبير العسكري الاستراتيجي الأمريكي رالف بيترز، الذي تضمن خريطة جديدة للمنطقة على أساس عرقي ومذهبي، وبعد عام من خرائط حدود الدم لرالف بيترز، نشرت صحيفة أتلانتيك خرائط بحدود جديدة للشرق الأوسط مصاحبة لمقالات جيفري جولد بيرج الصهيوني الأمريكي، الذي هو من جناح الرالف بيترز في السياسة الأمريكية.

 

لذلك كانت الحرب العبثية اللعينة في السودان، والتي أشعلتها أمريكا من أجل إقصاء النفوذ البريطاني في السودان، وفصل إقليم دارفور، وتمزيق ما تبقى من السودان بعد أن فصلت جنوبه عن شماله، يمكننا القول إن حرب السودان حلقة في سلسلة ممتدة هدفها كل الإقليم وليس السودان وحده، وقد جاءت تغريدة إيلي كوهين تعقيبا على إعلان الإمارات خروجها من اليمن عقب قصف السلاح الذي دفعت به بتغذية حرب اليمن قال كوهين بكل صفاقة وبجاحة: (لن نخرج من سرت ولا من الفاشر ولا من بربرة ولا من المهرة)، مؤكدا الدور القذر الذي يلعبه كيان يهود في حروب التقسيم، وحدود الدم في المنطقة لصالح أمريكا..

 

إزاء هذه الحالة المخزية التي تعيشها الأمة تمزقها الذئاب وتنال من أرضها وعرضها وشرفها ودينها، نقول،

 

متى عفت الذئبان عن لحم صيدها .. وقد أمكنتها من مقاتلها البهم

 

ألا كل أمة ضائع حقها سدى .. إذا لم يؤيد حقها المدفع الضخم

 

لقد حاول رالف بيترز، وهكذا تفعل الدول الاستعمارية الكبرى الطامعة في بلادنا، أن يسوق لعملية التقسيم والتفتيت للدول القائمة باعتبار المظالم الواقعة على الأقليات أو الاختلافات الإثنية أو العرقية أو المذهبية فهل التقسيم والانفصال حل لتلك القضايا؟!

 

وحتى لا نبتعد عن موضوعنا في السودان، حدود الدم، نضرب مثالاً بدولة الجنوب المنفصلة عن السودان، ومن قبل السودان نفسه المنفصل عن مصر حيث كانت مصر والسودان ولاية في الدولة الإسلامية، وفصلهما الإنجليز عن بعضهما، ثم جاء الأمريكان ففصلوا جنوب السودان عن شماله، فهل استقر الحكم في السودان، شماله وجنوبه؟ لقد اندلعت الحرب الأهلية من جديد في جنوب السودان بصبغة قبلية نتنة فأهلكت الناس، وكذلك ضرب الفساد الدولة الوليدة فلم ينفعها مئات الآلاف من براميل النفط ولا الثروة السمكية الهائلة، ولا الزراعية ولا الحيوانية، حيث يبلغ عدد السكان في الجنوب حوالي ثمانية مليون نسمة، وتقدر الثروة الحيوانية بثمانية ملايين رأس من الأبقار، بينما يعيش أهل الجنوب في حالة من الفقر المدقع أهلكتهما الحروب، والفقر، والمرض، وكذلك الحال في الشمال حيث فقدت حكومة السودان ما بين 70% الى 80% من إيراداتها بفصل الجنوب وذهاب حقول النفط جنوبا، فعاشت أزمة اقتصادية طاحنة عقب الانفصال الذي تم في العام 2011م، زادت منها حرب التمرد في دارفور والتي اشتعلت منذ العام 2003.

 

وكذلك انتقال الحركة الشعبية شمالا، وسيطرتها على مناطق جبال النوبة / جنوب كردفان، ومناطق جنوب النيل الأزرق، انتقلت الحرب والتوترات إلى الجنوب الجديد للسودان، إلى أن اندلعت الحرب الأخيرة عام 2023 بأمر أمريكا. وللأسف الشديد على طريقة حروب الجيل الرابع كما أشار إلى ذلك ماكس مانورانج في محاضرته الشهيرة التي وصف فيها حروب الجيل الرابع بتسليط مليشيا من أبناء وأهل البلد، لتشعل حربا في الداخل تدمر البنى التحتية للدولة وتستهدف إخراج المواطنين من دورهم ومناطقهم في طوابير من النازحين، يشعلونها في منطقة ويطفئونها في أخرى، وهكذا حتى يحقق الهدف كما قال، وهو التآكل البطيء للدولة حتى لا تقوم لها قائمة ولا تستطيع أن تتعافى من هذه الحرب المشؤومة التي تطابق تماما حربهم اللعينة في السودان.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو، كيف يمكن أن نوقف آلة التمزيق هذه، ونمنع فصل دارفور، وتفتيت ما تبقى من السودان؟

 

نقول: ما كان لأمريكا، ولا ربيبها كيان يهود، أن تعبث ببلادنا وتمزقها لولا وجود حكام عملاء خونة، يعملون على إنفاذ مخططات التمزيق، كما فعل البشير وحكومته بفصل الجنوب، وقد صرح قائلا في مقابلة صحفية: "لدينا معلومات عن أن أمريكا تريد أن تمزق السودان إلى خمس دول، وتعمل على فصل الجنوب"، وللأسف الشديد قد كان البشير نفسه من أوائل المهنئين بدويلة الجنوب المنفصلة، وقال بالحرف الواحد "اديناهم دولة كاملة الدسم بناسها وبترولها..."

 

والآن يمضي البرهان على الطريق نفسه، خدمة لأمريكا ومخططها الآثم بفصل دارفور، حيث مكن للدعم السريع تسليحا ورجالا، وتمكينا لهم من مفاصل الدولة في السودان حتى أصبح غولاً كان من الممكن أن يبتلع البلاد كلها لولا لطف الله ثم المخلصين الأوفياء من شباب الأمة المجاهدين، الذين تصدوا لجرائمهم وأحرجوا البرهان وقادة جيشه، إذاً الأمر بات واضحاً، وطريق الخلاص هو التخلص من العملاء والخونة في الداخل وقطع يد التدخلات الخارجية الأجنبية وتبني مشروع للحكم يقوم على أساس عقيدة الإسلام عقيدة الأمة، يعطي كل ذي حق حقه، ويؤسس لدولة العدل والإنصاف والانتصاف، وهي بالقطع ليست إلا دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والطريق إليها يكون باستجابة المخلصين من أبناء الأمة في القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى، بأخذ الحكم من يد العملاء والخونة وتمكين الأمة من بيعة إمام يقيم فيها حكم الشرع والدين، ونصرة شباب حزب التحرير، العاملين لإقامتها خلافة راشدة على منهاج النبوة.

 

فبالخلافة وحدها نحيا حياة إسلامية في طاعة الله وبالخلافة وحدها تصان الأعراض وتتوفر الكرامة، وبالخلافة وحدها تتوحد الأمة وتحفظ أرضها، وبالخلافة وحدها نسترد ثروات الأمة المنهوبة وحقوقها المهدورة، فهيا يا شباب الأمة شمروا عن سواعد الجد للعمل مع حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله ولا يخون، ولا يغدر، حتى يكلل السعي بالنصر والتمكين لأمة الإسلام وإقامة الدين.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

[من كلمات مؤتمر الخلافة السنوي الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يوم السبت 21 رجب الفرد 1447هـ الموافق 10 كانون الثاني/يناير 2026م عبر قناة الحزب (الواقية)، وكان بعنوان "الخلافة قضية الأمة المصيرية"]

 

ثقافة الهزيمة والخضوع

 

 

الأستاذ أبو نزار الشامي

 

 

إن أخطر الأمراض التي تفتك بالجسد هي تلك التي تضرب جهاز المناعة، فإذا ما أُضعف جهاز المناعة، فتحت مضائق الجسد أبوابها لجحافل الجراثيم تفري فيه الأذى بلا حسيب ولا رقيب. وإن من أبرز المزايا التي كانت تميز الحياة في ظل دولة الخلافة والتي نعاني اليوم ونجرع مرارة فقدها ميزتان:

 

الأولى: هي حالة الحصانة تلك التي تمثلت بما يشبه القبة الفكرية الحديدية التي كانت دولة الخلافة تحوط بها المجتمع فتذب عنه اللوثات والشبهات، وتبقي الفكرة الإسلامية حصينة نقية طاهرة. وكم شهد التاريخ الإسلامي وفقهاؤه الأفذاذ من المناظرات الشهيرة التي قضت على رؤوس الفتنة وقبرتها وقطعت ألسنة موقظيها.

 

الميزة الثانية: هي الشعور العام لدى الناس بالاعتزاز والانتماء والتمكين، شعور المسلم الذي يمشي في شوارع الخلافة أنه يركن إلى ركن شديد، يمتلئ قلبه عزة وهو يسمع انتصار الأمير يوسف بن تاشفين على جيش ألفونسو الذي حرر طليطلة، يشهد أهازيج الفرح وزينة النصر ابتهاجا بعودة القائد المظفر ألب أرسلان بعد معركة ملاذكرد التي فتحت بلاد الأناضول.

 

يقف الأطفال أو النساء بكل ثبات أمام أمرائهم، يحاسبونهم أو يسألونهم من دون أن تقصم ظهرهم أو تخرس ألسنتهم هالات العظمة والفخامة والسمو. ينظرون للحاكم بوصفه موضع محاسبة لا فوق المحاسبة، منفذ شريعة لا سيدا عليها، بل الشريعة هي التي تهيمن عليه وعليهم أجمعين. لأجل ذلك فقد انضبط أكثر الخلفاء وتولد جيل من القادة والسفراء والفاتحين لم يعرفوا طأطأة رؤوس ولا تملق شخوص، إنما عزة تقوّم الأعوج وتخيف المنحرف.

 

هاتان الميزتان الجليلتان: حصانة فكرية تنقي مفاهيم الإسلام من كل شائبة، ونفحة الاعتزاز بدين يصنع الانتصارات كل يوم، رافقتا تاريخنا الإسلامي وعززت شخصية المسلم فغدت قوية، مرهوبة عصية على الإضعاف، مكينة على التضليل.

 

لم تغفل مؤامرات الكافر المستعمر بعد أن هدم دولة الخلافة عن هاتين الميزتين ولا عن قدرتهما على إيقاظ المارد المسلم سريعا بعد سقوطه، لذلك فقد ركزوا لها ترسانتهم الفكرية بقضها وقضيضها واستدعوا لها أساطيلهم الإعلامية والثقافية معززة بجيش من علماء السوء ودعّار السياسة وقارعي طبول الفتنة.

 

والمطلوب من وراء هذا كله إنتاج نموذج مسلم فاقد للثقة بنفسه، فاقد للثقة بأمته، مخلخل الفهم لدينه، وبالتالي يغدو هذا المسلم سهل التضليل والانخداع، طيّع الاستمالة، سريع الذوبان في حضارة الغرب، فاقد الغيرة على انتهاك حرمات أمته.

 

أما بالنسبة لتكريس ثقافة الهزيمة، فقد تولى كبرها في المقام الأول علماء هم أصلا مهزومون من الداخل، أو مغرضون يأكلون على موائد السلاطين لقاء ترويجهم لثقافة الهزيمة بين الناس.

 

يتوضأ الشاب المسلم ثم يتوجه لصلاة الجمعة وقد امتلأ قلبه أسى على ضحايا المسلمين في بورما، أو مجازر الصين في الأويغور، يدخل المسجد عله يسمع ما يرفع معنوياته أو ينعش إحباطه، وإذ به يرى الخطيب على المنبر، يحمل في يده سوطا ثخينا ثم يبدأ بجلد المصلين بلا رحمة، نحن أمة لا خير فيها، أنتم جيل لا تستحقون النصر، كل الأمم متقدمة عليكم...!! وهكذا يخرج المسلم من المسجد وقد سلخ جلده من سياط الشيخ فازداد يأسه سوادا، وإحباطه اشتدادا. حتى إذا ما بقي لديه وميض من أمل تولى الإعلام إطفاءه وإخماده.

 

الإعلام والعلماء تتبعهم برامج التعليم المنهجي، ومواقع التواصل الفاسدة، وقوافل المثقفين المضبوعين بالغرب وسمومه، كلهم يعمل لتكريس ثقافة الهزيمة من الداخل، وبث الشبهات التي تفتن المسلم عن دينه.

 

وفي النهاية يحتفل الجميع بإنتاج نموذج مسلم منهزم فاقد لنخوة الإسلام، جاهل بسياسة دينه ودوره فيها، ينظر إلى الحكام على أنهم معصومون، كل حرام يقترفونه مبرر حتى لو لم يعرف التبرير.

 

ليس هذا فحسب بل لقد صاغت ثقافة الهزيمة جيلا غير قادر حتى على رؤية الأكوام من مقاطع العزة في سيرة نبي العزة عليه الصلاة والسلام. يقرؤون السيرة فلا تستوقفهم إلا الرخص والاستثناءات. لا نسمع منهم إلا عبارات (لا نستطيع) (نحن مضطرون) (الغرب أقوى منا)، لا يرون في صفحات الشموخ إلا (امحها يا علي) أو (تتقوا منهم تقاة).. هكذا من دون تبصر بمعاني النصوص ولا شروطها ولا مناطها ولا ضوابطها وسياقها. وهكذا تطيش كل ثوابت الولاء ومبادئ الاقتداء، وتهمل الأصول التي سفكت دماء الصحابة لتعزيزها. ويصبح حليم الدعاة حيران وهو يرى نفسه بحاجة إلى المحاضرات والخطب ليثبت أن الحرام حرام، والواجب واجب!!

 

بالله عليكم ماذا يتمنى الطواغيت أفضل من هذا الجيل؟؟

 

شباب يرى التطبيع مع القتلة حنكة سياسية، والخضوع للغرب مناورة مرحلية، وتعطيل الشريعة رخصة ميكيافيلية..

 

نعم أيها الإخوة:

 

المنهزمون هم أفضل أعوان للطغاة، هم عكازهم، هم المخدر الذي يشل عزيمة الشرفاء ويجهض صحوتهم.

 

أيها المنهزمون أفيقوا وافتحوا أعينكم جيدا، أفيقوا فالتاريخ لا ينصف السكارى.

 

اسألوا إعلامكم: أين تغطية الإعلام للانتشار الكاسح - بفضل الله - لدعوة الخلافة في قارات الأرض الست؟! أين نقلهم لنتائج استطلاعات الرأي العام العالمية لمراكز الدراسات الاستراتيجية كمركز بيو غلوبال، ومركز برينستون والتي تؤكد إحصاءاتها تلهّف الشعوب المسلمة للعيش في ظل الشريعة؟ لا نسمع هذا، ولكننا نسمع هذا الإعلام ينقل بشغف أخبار الاعتقالات والملاحقات لهؤلاء الدعاة، لماذا؟ لأن أخبار الاعتقالات تفت في الأعضاد وتكرس الهزيمة النفسية.

 

أين تغطية هذا الإعلام لعشرات الآلاف من النصارى واليهود والملحدين الذين يقررون ترك حياة الضلال التي يعيشونها ثم يقفون ليشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، حتى نشرت صحيفة الغارديان البريطانية التحذيرات المتكررة أن هذا الإسلام هو أسرع الأديان انتشارا (The Fastest Growing Religion) بل تقدر حساباتهم أن ديننا في غضون أربعة عقود فقط سينتزع مركز الصدارة العالمية ليصبح الديانة الكبرى والأولى في العالم. هذا كله ولا خلافة للمسلمين ولا مرجعية ولا قيادة، بل ونحن نواجه حربا عالمية ممنهجة لتشويه الإسلام وإرهاب أهله.

 

نسألكم بالله، نسأل هذا الإعلام الأعمى ونسأل المشايخ الجلادين: أليست أخبار الحفاظ، والفقهاء والمجاهدين والدعاة وجحافل الأبطال اليوم في أمتنا هي الأوْلى بخطابكم من قصص الفساق والمتنازلين وعباد الغرب؟! أليس التركيز على مواطن القوة، وما أكثرها في أمتنا، خيرا لكم من لعب دور النائحة الثكلى على الشاشات والمنابر كل يوم؟!

 

وبالطبع لن تكتمل فصول الهزيمة من دون بث الشبهات التي تزعزع فكر المسلم وتلبس عليه مفاهيمه، تلك الشبهات التي ننام على بعضها ونستفيق على آخر، شبهات وأباطيل تهدف إلى علمنة الإسلام وإفراغه من عزته وقوته ومضامينه، وتحويله إلى طقوس بيتية شعائرية كهنوتية ما أبعدها عن نهج النبوة وسيرة قائدها وسياسة خلفائها العظيم.

 

شبهات أشبه بالمخدرات الفكرية تشل الأعصاب وتقعدها عن العمل:

 

اترك الدعوة للتغيير واجلس انتظر المهدي، اقعد واترك العمل السياسي، اقعد واترك التكاتف الحزبي مع إخوانك، اقعد فلا يوجد في الإسلام نظام سياسي، اقعد فحكامك الطواغيت هم ولاة أمرك لا يجوز التغيير عليهم. اقعد فالحق عليك لا على الحكام، هذا الجيل ليس هو جيل النصر، اقعد وتفرج على عرى الإسلام تنتقض عروة عروة...

 

مخدرات أضعفت الهمة وأوهنت النخوة والغيرة حتى غدا الشباب حائرا تائها، يخاف من أقرب إخوانه، لا يملك القدرة على التمييز بين الغث والسمين.

 

سيما وأصحاب هذه البضاعة المزجاة تفتح لهم القنوات أبوابها على مصاريعها، وتنفق عليهم ملايين الدولارات، ويصدرون تحت ألقاب المفكر الإسلامي، والعلم العلامة والحبر الفهامة، كلهم يلاحق هذا المسلم المسكين في تلفازه وجواله، وبين صفحات كتبه وجدران جامعته ومسجده!

 

أيها الشباب، أيها الإخوة والأخوات:

 

هذا التحريف لديننا من له إلا أنتم، من ينفي عن الإسلام ذلك الأذى إلا سواعدكم، يقول الحبيب ﷺ: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ».

 

ألا تحبون أن تكونوا أنتم عدول هذا الخلف؟ تعلموا دينكم من علمائه الحقيقيين، وعلماؤه الحقيقيون لن تجدوا أكثرهم على الفضائيات ولا على موائد الحكام، احذروا أية دعوة تدعوكم إلى القعود أو اليأس أو زعزعة الثوابت التي رواها أجدادكم الفقهاء بمدادهم ودافع عنها أمراؤكم الخلفاء بدمائهم.

 

رسولكم يقول: «لَا تَفُتُّوا فِي أَعْضَادِ النَّاسِ»، رسولكم يقول: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ».

 

نحن بإذن الله لا غيرنا، وجيلنا لا غيره، هو من سيشهد التغيير بحول الله وقوته. ثقوا بالله وثقوا بأمتكم التي يرتعد الغرب وأساطينه من صحوتها وهو يعلم كم هي حبلى بالأبطال والأخيار.

 

أنتم لستم غثاء وإلا فلماذا يحاربكم الغرب وعملاؤه ويخشون وحدتكم؟ أنتم من هزم أمريكا ومرغ أنفها مرارا بتراب أفغانستان، أنتم من أسقط أربعة أنظمة كان يظن الناس أن ما لها من زوال. أنتم من يقدم التضحيات في فلسطين وقد مرغ مجاهدوها أنف يهود بتراب غزة.

 

ما أعظمكم وأعظم أمتكم، ما أعظمها في عقيدتها الجامعة الجذابة المقنعة التي تشقى بفقدها أنظمة العالم فتمشي مكبة على وجهها.

 

ما أعظم أمتنا في أبنائها الشباب وكم يتمنى الغرب الذي هرمت ظهور عجّازه أن يكون له ما عندكم من ريعان الشباب وهمته ونضارته.

 

ما أعظم أمتنا في موقعها الاستراتيجي وثروات برها وبحرها التي حبانا الله وحرمها أشقياء الأرض وشذاذها.

 

ما أعظمنا في شريعة ربنا التي قادت البشرية سابقا والقادرة وحدها اليوم على إنقاذنا بل وإنقاذ أمريكا وأوروبا وروسيا من وحل الرأسمالية التي يشقى بها حتى أهلها.

 

والله لا ينقصكم إلا قائد رباني حقيقي، تلتفون حوله في بيعة على كتاب الله وسنة نبيه تحيل هذه الأرض نورا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا.

 

اللهم لا تطل بنا هذا العهد واجعلنا من شهوده وجنوده وأوليائه، والحمد لله رب العالمين.

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

[من كلمات مؤتمر الخلافة السنوي الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير يوم السبت 21 رجب الفرد 1447هـ الموافق 10 كانون الثاني/يناير 2026م عبر قناة الحزب (الواقية)، وكان بعنوان "الخلافة قضية الأمة المصيرية"]


الكلمة الختامية:

هل نستطيع إقامة الخلافة في زمن الضعف والتشرذم؟

 


المهندس صلاح الدين عضاضة

 


مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

 


تيراود الأمة الإسلامية اليوم تساؤلات ملحة، وخاصة بعد الذي جرى في الشام وغزة والسودان واليمن وغيرها. ويمكن تلخيص هذه التساؤلات في أربعة أسئلة وهي:


1. هل يستطيع المسلمون أن يقيموا خلافتهم اليوم إن قرروا ذلك؟
2. إن أعاد المسلمون خلافتهم اليوم هل تستطيع أن تسلم من محاولة ضربة قاضية؟
3. إن قامت الخلافة اليوم هل تستطيع أن تكتفي بنفسها إن تمت محاصرتها أمنيا واقتصاديا؟
4. والسؤال الأخير هو: إن قامت الخلافة اليوم هل باستطاعتها أن تواكب ما وصل إليه العالم من تكنولوجيا وقدرات استراتيجية؟


أما بالنسبة للسؤال الأول وهو: هل يستطيع المسلمون أن يقيموا خلافتهم اليوم إن قرروا ذلك؟


فالجواب هو نعم يمكن لهم أن يقيموا خلافتهم اليوم، بل إنهم قادرون على إقامتها في خلال ساعات... نعم ساعات.. فلقد رأينا الأمة الإسلامية تقلب موازين السياسة والأمن في عدة بلاد في سرعة قياسية. فالأمة الإسلامية مقدامة وسريعة وأمرها واحد، فإن عزمت على أمر رأت في تحصيله رفعة لها، عاندت فيه وبذلت له الدماء والأرواح والأموال حتى تبلغه، ثم نراها تتفاعل مع نفسها ويوقظ بعضها بعضا من أجل تحقيقه فتنشأ فيها أعمال تنسيق كثيرا ما تتحول إلى جبهات مواجهة شرسة كما رأينا ما حصل في الربيع العربي في منطقة كان جميع حكامها من الطواغيت.


وسبب هذه السرعة وهذا الإقدام والتناغم، يكمن بشكل أساسي في الإسلام نفسه، حيث إن أفكار ومشاعر المسلمين لها بوصلة سياسية. فعموم المسلمين قد حفظوا منذ طفولتهم معالم قصة الإسلام كالتالي:


1. بدء نزول القرآن على سيدنا محمد ﷺ في غار حراء
2. إسلام الصحابة الكبار معه
3. الهجرة إلى المدينة المنورة وبناء المسجد النبوي
4. معركة بدر
5. معركة أحد
6. معركة الأحزاب
7. فتح مكة
8. وفاة رسول الله ﷺ
9. خلافة الصحابة الراشدة من بعده


وهذه إن نظرنا فيها نرى أنها درس سياسي في مراحل بناء الدولة قد تثقف بها جميع المسلمين، وهذا يجعل استجابة المسلمين لفكرة قيام الخلافة سريعة جدا فهي من أساسيات تصورهم عن الحياة الإسلامية الصحيحة.


ولمن ما زال في قلبه ريب من أن المسلمين مهيأون لنظام الخلافة، فلينظر كيف يصطف المسلمون لصلاتهم بالملايين في لحظة واحدة في الحرم المكي وهم شعوب قد جاءت من أقطار العالم لا يعرف بعضها بعضا، فينظمون صفوفهم للصلاة الجماعية بصمت من غير أن يكلم أحدهم الآخر. وما زال هذا المشهد المهيب في وحدة المسلمين يحير سائر شعوب الأرض.


وبينما المجتمعات الغربية يبغض بعضها بعضا، وعند الأزمات الداخلية نراها يأكل بعضها بعضا. في المقابل نجد أن المسلمين يشفقون على بعضهم البعض ويتكاتفون في أحلك الأزمات. وهو ما رأيناه من حملات التضامن مع بلاد المسلمين المكلومة كالأرض المباركة فلسطين واليمن وسوريا والسودان وغيرها. وبهذا يمكن القول بأن الاستجابة لدى الأمة الإسلامية لقيام الخلافة في يومنا هذا، خاصة مع حصول التطور في وسائل الاتصال يمكن أن يتم في ساعات.


أما السؤال الثاني وهو: إن أعاد المسلمون خلافتهم اليوم فهل تستطيع أن تسلم من محاولة ضربة قاضية؟


لقد أثبتت أحداث الثورة في سوريا وأحداث غزة بأن الضربة القاضية على الأمة الإسلامية هي بحد ذاتها ضرب من الخيال، ومن يروج لها إنما يروج للوهم والوهن بين المسلمين. فلقد رأينا كيف عجز كيان يهود ومن خلفه أمريكا عن تنفيذ ضربة قاضية على غزة رغم أن حكام المنطقة أعانوهم، فدمروا غزة تدميرا قل نظيره في التاريخ، ولو أن شعبا آخر من شعوب العالم غير المسلمة تعرض لمثل هذا القصف الوحشي لرفع راية الاستسلام ما إن وصلت أعداد الشهداء إلى الآلاف، ما يثبت أن الأمة بإذن الله عصية عن أن توجه لها الضربة القاضية.


وقد رأينا مثل هذا الأمر أيضا في الشام حيث صمد أهل الشام في وجه القنابل والبراميل وفرق الموت طوال 12 سنة حتى أسقطوا الطاغية الذي سلط عليهم بأيديهم، وذلك رغم دأب الغرب طوال فترة الثورة أن يفهمهم بأن الحل يكون بالتفاهم السياسي مع الطاغية وليس إسقاطه. ولذلك نقول بأن الأمة اليوم لا يمكن ضربها ضربة قاضية كما يحاول أن يصور المثبطون، بل إن السنوات الأخيرة أثبتت بأن الأمة الإسلامية بسرعة استجابتها للأحداث المخلصة ستربك الغرب بأسره، فكلما أراد أن يتعامل مع الواقع المستجد فرضت الأمة عليه واقعا جديدا احتاج إلى الرجوع إلى الخلف للتفكير في اتخاذ القرار. ولقد رأينا هذا يحدث في الأيام الأولى لجميع التحركات المخلصة التي قامت بها الأمة الإسلامية في السنوات الأخيرة.


أما السؤال الثالث وهو: إن قامت الخلافة اليوم هل تستطيع أن تكتفي بنفسها إن تمت محاصرتها أمنيا واقتصاديا؟


والجواب هو أن الإسلام انتشر حيث عاشت الشعوب طبيعيا، ما يعني أن الإسلام منتشر في الشعوب التي تعيش في أغنى بلاد العالم بالثروات الطبيعية، وأطيبها عيشا. فمن جبال الأطلس الخضراء في المغرب العربي إلى وادي النيل إلى بلاد الشام إلى جزيرة العرب وثروتها الثمينة، مرورا بشبه القارة الهندية وصولا إلى جنوب شرق آسيا في ماليزيا وإندونيسيا. جميع بلاد المسلمين غنية بالثروات بحيث يحتاجها العالم وهي لا تحتاجه، كما أنها تعيش على مسار التجارة العالمية ما يعني أنها هي القادرة على محاصرة العالم وليس العكس. ولقد رأينا كيف أن الغرب تاريخيا قطع القارات والمحيطات ليستعمر هذه البلاد بسبب ثرواتها وموقعها الجغرافي الذي لا يقدر بثمن. هذا ولم نذكر بعد أهم ثروات الأمة الإسلامية ألا وهي الثروة البشرية، أي المسلمون أنفسهم. فشعوب المسلمين غفيرة وفتية، معظم أهلها هم في سن الشباب، على عكس الغرب الذي بدأ يخشى أنه لن يستطيع وقف عقارب الساعة بالنسبة لشيخوخته.


أما العقدة الأمنية فلقد أثبتت أن انتشار المسلمين الجغرافي والعددي يجعل فكرة محاصرتهم فكرة فاشلة، خاصة أن بلاد المسلمين متصلة وحين تقوم الخلافة فإنها أول ما ستدعو له هو محو الحدود بين بلاد المسلمين لتوحيدهم في كيان سياسي واحد وبالتالي منذ اللحظة الأولى ستكون الخلافة في حالة اتساع مضطرد ما يجعل حصارها أمرا صعبا.


وأما السؤال الرابع والأخير: إن قامت الخلافة اليوم هل باستطاعتها أن تواكب ما وصل إليه العالم من تكنولوجيا وقدرات استراتيجية؟


وللإجابة على هذا السؤال فلينظر كل منا حوله كم من أبناء بلده قد انتشروا في العالم سعيا للعلم والمعرفة، فلقد امتلأت أهم جامعات العالم ومراكز الأبحاث بالعلماء المسلمين. ولقد رأينا كيف تحول هؤلاء إلى ظاهرة أربكت الغرب بأسره حين خرجوا بأعداد غفيرة في أكثر الجامعات المرموقة ليتظاهروا ويعتصموا نصرة لغزة.


أما مسألة سرقة الأدمغة فهي مسألة مؤقتة ما تلبث أن تنعكس إذا ما توفرت الظروف المناسبة لعودتها. ولقد رأينا أنه كلما بعث الأمل في أحد بلاد المسلمين أنها ستتخلص من الفساد وستعيد بناء نفسها من الناحية المدنية، تدفق إليها أبناؤها من حول العالم ليقدموا ما تعلموه من علوم ومعرفة لمحاول النهوض ببلادهم. وهذا يؤكد أن للأمة قدرات علمية ومعرفية ولكنها منتشرة حول العالم، وما على الأمة إلا أن تبني لها دارا آمنة، وسنرى حينها كيف ستعود هذه القدرات كالنهر الجارف، لتقدم ما عندها من علوم ومعارف لبناء دار الإسلام لتكون في مصاف الدول الأولى في العالم.


وبهذا وفي الذكرى الخامسة بعد المائة لهدم الخلافة، يرفع حزب التحرير النداء إلى المخلصين والفاعلين والقادرين من أبناء وبنات الأمة الإسلامية إلى الانضمام إلى قافلة العاملين لإعادة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، ولأن يدرك هؤلاء بأن دعاوى تأجيل إقامتها بحجة الضعف والتشرذم ما هي إلا أوهام يجب التخلص منها بسرعة، ومن ثم يغذ السير لإعادتها عاجلا غير آجل.


هذا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

يجبُ علينا التخلّص من أصنام القومية والقبلية الزائفة والفاسدة

ورميها في هاوية سحيقة!

 

(مترجم)

 

بسبب النزعة القومية والقبلية وإقامة الدّول القومية وحدودها في بلاد المسلمين، تشوّهت هويّة المسلمين وتشتتت. فبعد أن كانت الأمة الإسلامية متّحدة في أخوة واحدة ضمن دولة إسلامية واحدة، انقسمت إلى أكثر من خمسين دولة قومية وهوّيات وطنية بعد هدم الخلافة في الثامن والعشرين من رجب عام ١٣٤٢م على يد المجرم مصطفى كمال.

 

وذلك على الرّغم من أنّ النزعة القومية والقبلية مكروهة ومحتقرة في الإسلام، وأن الوحدة بجميع أشكالها يجبُ أن تكون تحت قيادة إسلامية واحدة للمسلمين. روى أبو داود أن رسول الله ﷺ قال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ»، وفي حديث آخر، قال رسول الله ﷺ عن القبلية والقومية: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ». رواه مسلم والبخاري. وروى ابن إسحاق أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال في خطبته: "وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ أَمِيرَانِ؛ فَإِنَّهُ مَهْمَا يَكُنْ ذَلِكَ يَخْتَلِفْ أَمْرُهُمْ، وَأَحْكَامُهُمْ، وَتَتَفَرَّقْ جَمَاعَتُهُمْ، وَيَتَنَازَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، هُنَالِكَ تُتْرَكُ السُّنَّةُ، وَتَظْهَرُ الْبِدْعَةُ، وَتَعْظُمُ الْفِتْنَةُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ صَلَاحٌ".

 

مع الأسف، نشهدُ اليوم في البلاد الإسلامية وضعاً يُشبه وضع الأوس والخزرج في عصر القبلية وغياب الحكم الإسلامي. لدرجة أننا نرى أفكار الدولة القومية والقبلية تُعبد كأصنام معاصرة، تُقدّمُ لها القرابين، ويُقتل الرجال والنساء في سبيلها، وتُشنُّ الحروب دفاعاً عنها. نشهدُ اليوم صراعات قومية بين المسلمين في دول مثل اليمن، وباكستان وأفغانستان، وباكستان وبنغلادش، وداخل السودان. الحدود الوطنية التي رسمها المستعمرون هي خطوط فاصلة بين البلاد الإسلامية، بينما ترفرف الأعلام الوطنية كرمز للجهل على جسد الأمة الممزق!

 

نتيجة لذلك، لم يعد المسلمون يتعاونون فيما بينهم بسبب هذه الحدود الوطنية، بل اتخذوا موقفاً مُذلاً من عدم التدخل. لدرجة أنّ الإبادة الجماعية للمسلمين في غزّة على يد يهود الغاصبين، وتعذيب مسلمي الأويغور في مراكز الاعتقال على يد الحكومة الصينية في تركستان الشرقية، وتشريد مسلمي الروهينجا وذبحهم في ميانمار، لم تُمنع أو تُوقف بسبب حدود هذه الدول القومية.

 

ليس من الخطأ فقط تكريم هذه الأصنام المعاصرة، بل إن الواجب أيضاً هو تحطيمها وإزالتها من على وجه الأرض. ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾. لقد وقف نبيُّ الإسلام ﷺ بحزم في وجه الأصنام والمعتقدات الجاهلة في عصره، ولم يتراجع قط؛ فعندما توسّل إليه زعماء قريش المشركون أن يكفّ عن إهانة آلهتهم وأن يتخلى عن دعوته، قال ﷺ: «لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ».

 

لذلك، لم يتوحّد الأوس والخزرج في مواجهة قوى الكفر إلا بعد أن نبذوا القبلية واعتنقوا الإسلام. وفي عهد الخلافة الراشدة، هزم المسلمون القوى العظمى، الرّوم والفرس، ثم أصبحوا الدولة الرائدة في العالم. كل هذا ينتظر المسلمين إذا نبذوا القومية والقبلية، وبايعوا خليفة راشداً واحداً لهم جميعا، من إندونيسيا إلى المغرب. قال رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» مسند أحمد

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

ثريا أمل يسنى

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

"ليس العاقل الذي يدفع بين الخير والشّرّ

ولكنّ العاقل الذي يختار الخير"

 

 

ما هي أسباب ضعف المسلمين اليوم؟ لماذا تُنتهك أعراضُهم وتُغتَصب أرضهم ويُفقّرون ويُجوّعون ولا يَدفعون عن أنفسهم الظّلمَ والذّلَّ والهوانَ؟ لماذا يرقب بعضهم بعضا وهم يموتون جوعا وتقتيلا وتنكيلا من الكفّار المجرمين ولا يحرّكون ساكنا؟ لماذا يشعرون بالعجز والضّعف والتّبعيّة للغرب أمام كلّ المصائب والأهوال التي تحلّ بهم؟

 

كانت أمّة الإسلام مجتمعة تحت راية دينها، يحكمها خليفة واحد ينفّذ فيها أحكام ربّها، تستجيب له وتطيع أوامره. قال جلّ وعلا في كتابه العزيز ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ فالأمرُ بالاعتصام بحبل الله جميعاً دعوةٌ للأمّة المسلمة في كلّ زمان ومكان... دعوة دائمةٌ وقائمةٌ ومستمرّةٌ، فعلى المسلمين الالتفاف حول كتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ وعليهم أن لا يتفرّقوا لأنّ ذلك هو سبب الفشل والضّعف والهوان ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

 

هذا ما كان عليه المسلمون في ظلّ دولة الخلافة أقوياء يهابهم الأعداء، لا يتجرّؤون عليهم ويخشون المساس بهم، فهم رعايا الدّولة القويّة التي ذاع صيتها وعرفت بين الأمم، ولا يتوانى خليفتها عن إعداد جيش جرار يحارب به كلّ من تسوّل له نفسه الاعتداء على فرد من رعاياه.

 

أكّد الله سبحانه وتعالى على ضرورة أن تكون الأمّة الإسلاميّة أمّة واحدة؛ ففي وحدتها قوّتُها وفي التفافها حول دينه وشرعه ديمومتُها وسيادتُها وخيريّتُها. فما المقصود بـ"أمّة" وما معنى أن يكون المسلمون أمّة واحدة؟

 

يقول سبحانه وتعالى متحدّثا عن سيّدنا إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام وأتباعه الذين آمنوا بدين واحد وتوحّدوا على عقيدة واحدة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فالأمّة بهذا المعنى هي جماعة من النّاس آمنوا بالدّين أو الفكر نفسه وبالتّالي تكون مشاعرهم واحدة فنقول "هذه أمّة رأسماليّة" و"هذه أمّة شيوعيّة" و"هذه أمّة إسلاميّة"، ولا يمكن أن نقول "هذه أمّة عربيّة" أو "أمّة تركيّة"... لأنّها رغم أنّها تخضع لنظام واحد إلّا أنّ أفرادها يختلفون في قناعاتهم وأفكارهم.

 

يقول السّعدي في تفسيره لآية ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾: "﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمَّةً﴾ أي: جماعتكم - يا معشر الرّسل - جماعة ﴿وَاحِدَةً﴾ متّفقة على دين واحد، وربّكم واحد. ﴿فَاتَّقُونِ﴾ بامتثال أوامري، واجتناب زواجري. وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين، لأنّهم بهم يقتدون، وخلفهم يسلكون، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فالواجب من كلّ المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم، أن يمتثلوا هذا، ويعملوا به".

 

فحين نتحدّث عن المسلمين علينا أن نقول الأمّة الإسلاميّة لأنّها جماعة توحّدت على الإسلام فتوحّدت أفكارها ومفاهيمها ومشاعرها وصارت أمّة واحدة؛ صارت خير أمّة أخرجت للنّاس تدعوهم إلى الخير أي إلى الإسلام فتخرجهم من الظّلمات إلى النّور، وتنقذهم من شقاء الدّنيا وعذاب الآخرة. فأمّة الإسلام هي أفضل الأمم التي بعثها الله لتكون أهلا للسّيادة والقيادة، تعمل على إزالة أسباب الفساد من الأرض بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. روى البخاري عن أبي هريرة قال: "﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، أي خير النّاس للنّاس تأتون بهم في السّلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا الإسلام".

 

لقد ميّز الله تعالى أمّة الإسلام برابطة قويّة لا تنفصم ألا وهي رابطة العقيدة. هذه الرّابطة التي جعلت منها أمّة قويّة تهابها الأمم وتتميّز عنها بعلاقة الأخوّة التي تسود بين أفرادها وتربط بينهم فيتعاونون ويتكاتفون ويتعاطفون... هم جسد واحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له بالسّهر والحمّى. «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، صدق رسول الله ﷺ في وصفه وحديثه عن أمّته.

 

فرغم ما تعانيه أمّة الإسلام من شتات وتفرقة وضعف وهوان إلّا أنّ تداعي جسدها الواحد لشكوى عضو منه هنا أو هناك يتجلّى في دعاء المسلمين وبكائهم لمصاب إخوتهم في غزّة وسوريا والسّودان وتركستان وكشمير وغيرها من بلاد المسلمين... رغم قلّة حيلتهم عن نصرتهم بسبب تلك الحدود وعمالة حكّامهم الذين يحولون دون هبّة الأمّة وانتفاضتها من أجل فكّ القيود والتّحرّر من الاستعمار.

 

في حربه ضدّ الإسلام والمسلمين كان الغرب الكافر متيقّنا من خسارته لمعركته العسكريّة ضدّ أمّة الإسلام الواحدة التي تجمعها راية واحدة ودولة واحدة تحكم كلّ بلاد المسلمين فسعى إلى أن يطبّق سياسة "فرّق تسد"، فعمل على إسقاط الدّولة بمعيّة خونة من الأمّة. وحتّى يُحكم خناقه على رقاب المسلمين وحتّى يتمكّن من عدوّه العصيّ قسّم دولة الإسلام الواحدة إلى دويلات متعدّدة ووضع على رأس كلّ واحدة منها عميلا له يحرس الحدود ويثبّت القيود ويعمل على نشر مفاهيمه وثقافته الغربيّة بين المسلمين. وتفنّن هذا العدوّ في استضعاف المسلمين في كلّ مكان ووظّف كلّ أسلحته الماديّة والفكريّة لتفتيت وحدتهم وبثّ فيهم أفكارا مسمومة كـ"القوميّة" و"الوطنيّة" لتأخذ مكان "الأمّة" حتّى يفكّك أوصال هذا الجسد الواحد.

 

فهذا هو الدّاء الذي حلّ بأمّة الإسلام التي كان الأعداء يهابونها لقوّتها وعزّتها... كانت أمّة متمسّكة بدينها تسير على هدي كتاب ربّها وسنّة نبيّها وتنشر الخير بين النّاس، فأصابها الذّلّ بعد أن حادت عن هذا الهدي واتّبعت الغرب وقوانينه التي فرضها عليها بالحديد والنّار ونشر فيها مفاهيمه المسمومة بعد أن أسقط دولة الإسلام "الحصن الحصين".

 

فصارت الأمّة ضعيفة مستضعفة منتهكة يعاني أبناؤها الويلات والظّلم والظّلمات. قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فِلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾. ولقد بيّن عمر بن الخطاب الطّريق السويّ للعزّة فقال: "نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزّة بغيره أذلّنا الله". فأن يكون المسلمون أمّة واحدة تقود العالم وتنشر الخير في النّاس واجب شرعيّ عليهم تنفيذه، فالوحدة ليست خياراً بل هي أمر إلهيّ وقرآنيّ، وتركها مخالفة لأوامر الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.

 

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إنَّ الرَّحِمَ لَتُقْطَعُ، وإنّ النِّعْمَةَ لَتُكْفَرَ، وإنّ الله إذا قَارَبَ بين القلوب لم يُزَحْزِحْهَا شَيْءٌ، ثم قَرَأَ هذه الآيةَ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جميعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبـِهِمْ ولـٰـكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾". وقد نهى الله المسلمين عن التّفرقة ففيها هلاكهم وضياع أمّتهم ﴿وَلاَ تَنَازَعُوْا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُمْ﴾.

 

فحتّى تحقّق الأمّة الإسلاميّة صفة الخيريّة التي حباها الله بها وتطيع ربّها وتصدقه لا بدّ أن تكون متّحدة تسير على خطا نبيّها ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، في تنفيذ حكم الله في الأرض. عليها أن تكون أمّة واحدة تعبد ربّها الواحد وترفع رايتها الواحدة وتطيع إمامها الواحد الذي يحكمها بشرع الله العادل، وبذلك فقط تستعيد قوّتها وتحقّق نهضتها.

 

أن يكون المسلمون أمّة واحدة هو ضرورة يفرضها الواقع الذي لم ولن يستقيم إلّا في ظلّ الكيان القويّ الذي مثّل أمّة الإسلام على مرّ العصور: دولة الخلافة التي لم ولن تحلو الحياة إلّا في ظلّها، ففيها فقط تنفّذ أحكام الله العادلة وفيها يعيش أفرادها مطمئنّين أعزّاء.

 

هكذا كانت أمّة الإسلام وهكذا تركها حبيبها المصطفى عليه الصّلاة والسّلام؛ أمّة قائدة سائدة، ويجب أن تعود كذلك... هي آخر الأمم في الدّنيا وأولى الأمم في دخول الجنّة، قال رسول الله ﷺ «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ»، ومنَّ الله عليها بشفاعة الرّسول ﷺ يوم القيامة. عن أبي جمعة قال: تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا أَسْلَمْنَا مَعَكَ وَجَاهَدْنَا مَعَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي». يكفي الأمّة الإسلاميّة شرفا أنّها أمّة محمّد ﷺ، أمّة لا إله إلّا الله، أمّة يجب أن تُقدَّر وتُحتَرم وتُوقّر وعليها أن تحرص على تحقيق هذه الصّفات فيها واسترجاعها حتى تعود كما كانت مؤهّلة لقيادة العالم إلى الخير والسّيادة عليه بما أعزّها الله به "دين الإسلام".

 

فأيّة مكانة هذه التي حظيتِ بها يا أمّةَ الإسلام؟ فكيف تتخلّين عن هذا الشّرف وعن هذه المرتبة الرّفيعة؟

 

يقول الإمام الشّافعي: "ليس العاقل الذي يدفع بين الخير والشّرّ، ولكنّ العاقل الذي يختار الخير"، ويقصد أنّ الشّخص الحكيم هو الذي يختار الخير من البداية ولا يفرّط فيه، فالتّفريط في الخير يجعله عرضة للضّياع أو النّدم لاحقاً.

 

وأمّة الإسلام خير أمّة عاقلة مفكّرة متدبّرة في خلق الله، اهتدت إلى ربّها وآمنت به وبكتابه وأحكامه، فكيف تفرّط في هذا الخير الذي أمّنها عليه رسولها لتبلّغه بقيّة الأمم فتنير دربها وتهديها إلى طريق الحقّ وتخرجها من الظّلمات؟

 

علاوة على هذا كيف سنلقى الله - نحن أبناء هذه الأمّة - وقد عاهدناه على أن لا نعبد سواه وأن لا يحكم الأرض ومن فيها إلّا دينُه وحكمُه ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾؟

 

يا أمّة الإسلام: لقد شهدنا أنّ اللهَ ربُّنا لا إله إلّا هو وأنّه خالقنا وبارؤنا ومصوّرنا ورازقنا... أحيانا ويُميتُنا وسيُحيينا لنلقاه فنفوز بجنّته التي وعد بها عباده المؤمنين الصّالحين المخلصين. فشهادتنا هذه لا بدّ من أن ننفّذها ونعمل عليها لنصدق الله فيصدقنا وعده.

 

حال المسلمين اليوم مؤلم ومحزن والطّريق إلى تغييره بيّن وجليّ...

 

لا بدّ من عودة الأمّة إلى مصدر عزّها ومجدها: كيان سياسيّ يوحّدها ويحكمها بشرع ربّها وينشر أحكامه ويرفع راية دينه فتصدق بذلك خالقها... لا بدّ لها من التّوحّد تحت ظلّ دولة واحدة يحكمها إمام واحد يخشى الله ويصدقه فيعمل على نشر دينه وإعلاء كلمته حتى تكون هي العليا، وكلمة الكافرين هي السّفلى، وحتّى يكون الحكم لله وحده.. لا بدّ للأمّة من دفع أبنائها لكسر الحدود وفكّ القيود والتّحرّر من قبضة الاستعمار.

 

نسأل الله أن نكون ممّن يعمل لتحقيق هذا العزّ ونسأله سبحانه أن نكون من العاملين لإعادة دولة الخلافة الرّاشدة الثّانية التي ستعيد للأمّة مجدها ومكانتها فتستعيد خيريّتها التي ميّزتها ورفعتها عن باقي الأمم. اللّهمّ وحّد بين أفرادها وأزل عنها كلّ ما يسبّب فرقتها وردّها إلى دينك الذي رضيت ردّاً جميلا.

 

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير

زينة الصّامت

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

تأخير سنّ الزواج عرضٌ لأزمةٍ أعمق في جسد الأمة

 

 

لم يعد تأخير سنّ الزواج في مصر وسائر بلاد المسلمين ظاهرةً عابرةً تُفسَّر بغلاء المهور أو تقلّبات السوق فحسب، بل غدا مؤشراً كاشفاً عن خللٍ بنيويّ في منظومة الحياة التي تُدار بها شؤون الناس. فحين يعجز الشاب عن الزواج حتى أواخر العشرينات أو الثلاثينات، وتبقى الفتاة سنواتٍ طويلةً تنتظر، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تأخر الزواج؟ بل: أيُّ نظامٍ هذا الذي جعل الزواج وهو من أبسط سنن الفطرة عبئاً ثقيلاً؟


يفرّق التصور الإسلامي الدقيق بين الحاجات العضوية، التي يتوقف عليها بقاء الفرد حياً، وبين الغرائز، التي وُجدت لضمان بقاء النوع وتنظيم الحياة الإنسانية. وغريزة النوع من الغرائز الأساسية في الإنسان، تظهر في الميل الجنسي، والأبوة، والأمومة، وتكوين الأسرة. فجاء الإسلام بمنظومةٍ متكاملةٍ تجعل الزواج هو الطريق الشرعي لإشباع الميل الجنسي، وقد جعله الإسلام ميسوراً ليحفظ المجتمع ويصون الإنسان من الانحراف، فالزواج ليس مشروعاً مؤجَّلاً ولا ترفاً مؤسَّساً على القدرة الاستهلاكية. قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».


فالإسلام لا يكبت الغريزة، ولا يطلقها للفوضى، بل ينظم إشباعها على الوجه الصحيح الذي يوافق الفطرة السليمة. فالزواج حفظٌ للدين، وصيانةٌ للأخلاق، وبناء للأسرة التي هي نواة المجتمع. ولم يربطه الإسلام بتراكم رأس المال ولا بتأمين نمطٍ معيشيٍّ فاخر، بل جعله ميسوراً، وحث عليه وأمر بتخفيف المهور، وحذّر من العنت. غير أن التصور الإسلامي لم يعد هو الحاكم للواقع؛ فقد أُزيح الإسلام عن الحكم، وحلّت محله رأسمالية تنظر إلى الإنسان من زاوية المنفعة والإنتاج والاستهلاك. وفي ظلها، لم تُلغَ غريزة النوع إذ لا يمكن إلغاؤها، لكن عُطِّل الطريق الشرعي لإشباعها، وجُعل الزواج مشروعاً مرهقاً مؤجلاً، لا مساراً طبيعياً للحياة. وهنا يتحول الزواج من كونه سبيلاً للعفاف والاستقرار إلى عبء اقتصادي ونفسي، مرتبط بسكنٍ مُكلف، ودخلٍ لا يكفي، ومتطلبات استهلاكية متضخّمة، وتشريعات لا تنطلق من تصوّر الأسرة في الإسلام


كيف تُدار المعادلة المقلوبة حين يُعسَّر الحلال ويُيَسَّر الحرام


إن أخطر ما أنتجته الرأسمالية الحاكمة ليس مجرد تعسير الزواج، بل قلب ميزان السلوك الاجتماعي؛ بحيث يغدو الطريق الشرعي لإشباع الميل الجنسي مليئاً بالعوائق، بينما تُفتح صراحةً أو ضمناً مسارات بديلة منحرفة، تُقدَّم بوصفها "واقعية" أو "أخف كلفة". وهذا القلب لا يحدث صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات دولةٍ لا تحكم بما أنزل الله.
أولاً: التعسير المنهجي للحلال (الزواج)

 

1. السياسة الاقتصادية


سكن مُستحيل: تحرير أسعار الأراضي والعقارات، وترك السكن لقوى السوق، حوّل أبسط شروط الزواج إلى عائقٍ كاسر.
أجور مُتآكلة: سياسات الأجور والضرائب أضعفت قدرة الشباب على الادخار، وربطت الاستقرار المالي بزمنٍ طويل.
تعميم الربا: حين تُغلق أبواب التمكين الحقيقي وتُفتح القروض الربوية، يُدفَع الشاب إلى خيارين أحلاهما مُرّ: تجيل الزواج أو البدء بدَينٍ يطارده.


2. الإطار التشريعي والإداري


تضخيم كلفة العقد: إجراءات إدارية، ورسوم، ونزاعات محتملة، تُحوِّل الزواج من "ميثاق غليظ" إلى ملفٍّ مرهق.
قوانين لا تنطلق من مقصد السكن: تشريعات تُغفل مقصد الطمأنينة والاستقرار، وتُكثِّف احتمالات الصراع، فتزيد التردّد والخوف من الارتباط.


3. الخطاب الرسمي والإعلامي


تطبيع التأجيل: يُقدَّم تأخير الزواج بوصفه "نضجاً" و"تخطيطاً سليماً"، بينما يُنظَر إلى الارتباط المبكر كتهوّر.
تضخيم المتطلبات: يُعاد تعريف "الحياة الكريمة" بمعايير استهلاكية مرتفعة، فتُرفَع العتبة النفسية للزواج.


ثانياً: تيسير الحرام وفتح بدائله


في مقابل هذا التعسير، لا تُواجَه المسارات المنحرفة بالحزم نفسه، بل تُدار بسياسة التساهل والتطبيع:


1. الفضاء الإعلامي والثقافي


تطبيع العلاقات خارج الزواج: محتوى يُلمِّع "التجربة" و"الحرية الشخصية"، ويُفرغ المسؤولية من معناها.
شيطنة الضوابط: تُصوَّر الأحكام الأخلاقية بوصفها قيوداً اجتماعية، لا ضماناتٍ إنسانية.


2. البيئة القانونية والاجتماعية


غياب الردع الحقيقي: حين يُترك المجال العام بلا ضوابط قيمية، يصبح الانحراف أقل كلفة اجتماعية من الالتزام.
فصل الأخلاق عن السياسة: تُعامَل القيم باعتبارها شأناً فردياً، فتُرفع مسؤولية الدولة عن حماية المجتمع.


3. النتيجة العملية


بدائل "أسهل" وأرخص: علاقات بلا التزام، ومسارات بلا مسؤولية، تُقدَّم بوصفها حلولاً مؤقتة، لكنها في الحقيقة تُعمِّق الأزمة وتُضعف الأسرة.


وهنا يتحقق جوهر الإفساد: تعطيل الحلال، وتعويم الحرام. فلا عجب أن تتزايد الاضطرابات الأخلاقية، وتتآكل الثقة بالأسرة، ويُستنزف الشباب نفسياً واجتماعياً.


ثالثاً: لماذا تفعل الدولة ذلك؟


لأن الدولة التي تحكم بغير الإسلام لا ترى الأسرة ركيزةً يجب حمايتها، بل ملفاً اجتماعياً ثانوياً. ولأن الرأسمالية لا تنتج حلولاً فطرية، بل تُدير الأزمات وتُعيد تدويرها. فتكون النتيجة: مجتمعاً أقل تماسكاً، وأسهل توجيهاً، وأضعف مقاومة.


إن تأخير سنّ الزواج أزمة في ذاته ولا يمكن فهمه باعتباره نتيجةً عفوية لتحولات اجتماعية بريئة، بل هو مخرَجٌ متوقعٌ لمنظومةٍ فكرية-اقتصادية أعادت تعريف الإنسان والأسرة والدور الاجتماعي لكلٍّ منهما. فحين يُطبَّق النموذج الرأسمالي في بيئةٍ لا تحكمها أحكام الإسلام، فإن غريزة النوع لا تُلغى إذ لا سبيل لإلغائها لكن يُعطَّل طريقها الشرعي، ويُعاد توجيه إشباعها بوسائل بديلة مدمِّرة للفرد والمجتمع.


لقد أدركت المراكز الفكرية الغربية منذ عقود أن الأسرة المستقرة هي أقوى بنية مجتمعية مضادّة للهيمنة؛ لأنها تُنتج قيم الانضباط، والتكافل، والهوية، والالتزام. ومن هنا كان تفكيك الأسرة لا إعلان الحرب عليها صراحة أكثر فاعليةً وأقل كلفة. ويتم ذلك عبر تعسير الزواج لا عبر منعه، وعبر تأخير سنّه لا عبر تجريمه، حتى يبدو الخلل طبيعياً وتطورياً.

 

والنتيجة المباشرة لذلك كلّه هي تعطيل الإشباع الصحيح لغريزة النوع: شبابٌ تشتدّ فيهم الدوافع الفطرية، لكن الطريق الشرعي مُغلق أو مُعسَّر، فينشأ التناقض الحاد بين الدافع والطريق. هنا تبدأ دوّامة الإفساد: كبتٌ طويل الأمد، أو انحرافات بديلة، أو علاقات هشّة بلا مسؤولية، وكلّها تصبّ في إضعاف الأسرة وتقويض المجتمع.


ولا يُفهم هذا المسار على أنه "خصوصية محلية"، بل هو نمطٌ مُصدَّر؛ إذ تُظهر المجتمعات التي سبقت في تطبيق هذه السياسات النتائج نفسها: عزوف عن الزواج، تفكك أسري، وحدة اجتماعية، وأزمات نفسية واسعة. غير أن الخطر في بلاد المسلمين أشدّ؛ لأن هذه السياسات تصطدم مباشرةً مع الفطرة ومع التصور الإسلامي، فتُحدث شرخاً قيمياً مضاعفاً.


من هنا يتبيّن أن المشكلة ليست في غريزة النوع ولا في الزواج كتشريع فهو ميسور في أصله بل في المنظومة التي عطّلت الطريق الشرعي للإشباع، ثم فتحت الأبواب لإشباعات بديلة تُضعف الإنسان وتُفكك المجتمع. وهذا هو جوهر الإفساد: تعطيل الحلال وتعويم البدائل.

 

وعليه، فإن معالجة تأخير سنّ الزواج لا تكون بالوعظ وحده، ولا بتخفيف بعض المظاهر الاجتماعية مع بقاء الأساس فاسداً، بل باقتلاع الجذر: إنهاء المنظومة الرأسمالية التي تُدير الحياة، وإعادة الإسلام ليحكم، بما يضمن فتح الطريق الشرعي لإشباع الغرائز، وصيانة الأسرة، وحفظ المجتمع من الانهيار الصامت.


إن ما تعانيه مصر وسائر بلاد المسلمين ليس معزولاً عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية المفروضة عالمياً: خصخصة، تحرير أسعار، إضعاف دور الأسرة، وتسليع المرأة تحت شعارات "التمكين" و"الاستقلال الاقتصادي". هذه السياسات لم تُنتج إنساناً أكثر سعادة، بل إنساناً أكثر شقاء ووحدةً وقلقاً، حتى في المجتمعات الغربية ذاتها، حيث ارتفعت نسب العزوف عن الزواج وتفكك الأسرة.


وفي بلاد المسلمين، جاءت هذه السياسات على غير أرضها، فصادمت الفطرة، وخلخلت القيم، وأنتجت أزمةً مركّبة: شبابٌ يريد العفاف ولا يقدر عليه، ومجتمعٌ يشتكي الانحراف ثم يصمت عن أسبابه.


إن تأخير سنّ الزواج لا يقف عند حدّ المعاناة الفردية، بل تتعداه إلى آثارٍ خطيرة على الأمة:


اضطراب أخلاقي ناتج عن كبت الفطرة أو توجيهها في مساراتٍ محرّمة.
ضعف في بناء الأسرة، بما يعنيه ذلك من هشاشة اجتماعية.
تراجع الثقة بالمستقبل لدى الشباب، حين يعجزون عن أبسط حقوقهم.
إهدار للطاقة الإنسانية في صراعات البقاء بدل البناء والعطاء.
وهذه الآثار ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لنظامٍ فاسدٍ في أساسه.


غياب الوعظ ليس هو المشكلة، ولا نقص المبادرات الخيرية، بل غياب أحكام الإسلام عن إدارة الحياة. فالإسلام حين حكم، لم يكن الزواج أزمة، لأن:

 

• الدولة كانت تكفل الحاجات الأساسية،
• والمال كان يُدار بغير ربا،
• والعمل كان متاحاً في اقتصادٍ حقيقي منتج،
• والقيم كانت تضبط السلوك العام.


والآن ومع مرور خمسةٍ ومائة عام على هدم الخلافة، تتجلى الحقيقة نفسها في كل أزمة: حين غاب الإسلام عن الحكم، تعطلت الحلول الجذرية. فقبل الهدم، لم يكن الزواج أزمة عامة، لأن الدولة كانت ترعى شؤون الناس، والاقتصاد كان قائماً على غير الربا، والقيم كانت تضبط السلوك العام.


أما اليوم، فتُطبَّق الرأسمالية، وتُستورد السياسات، ثم يُستغرَب تفكك الأسرة وتأخر الزواج! إن ما نعيشه هو ثمرة طبيعية لغياب حكم الإسلام، لا خللاً عابراً يمكن إصلاحه ببعض المسكنات.


إن معالجة تأخير سنّ الزواج لا تكون بحملات وعظية، ولا بتجميل الواقع، بل بإزالة السبب الجذري: إنهاء المنظومة الرأسمالية، وإعادة الإسلام ليحكم الحياة، فيفتح الطريق الشرعي لإشباع الغرائز، ويحفظ الأسرة، ويصون المجتمع.


خاتمة: رسالة إلى شباب الأمة


يا شباب الأمة، إن معاناتكم ليست عيباً فيكم، بل إدانة لنظامٍ عطّل فطرتكم ثم حاسبكم على نتائج تعطيله. وتأخير زواجكم ليس فشلاً شخصياً، بل أثرٌ مباشر لغياب حكم الإسلام. ومع الذكرى الخامسة بعد المائة لهدم الخلافة، تتأكد الحقيقة مرةً أخرى؛ إن جعل الحلال صعباً والحرام سهلاً ليس خطأً عارضاً، بل أثرٌ بنيويّ لغياب أحكام الإسلام عن الحكم. ومع مرور خمسةٍ ومائة عام على هدم الخلافة، تتكرر الصورة نفسها: كلما غاب الإسلام نظاماً، اختلّ ميزان السلوك، وتفككت الأسرة، ودُفع الشباب إلى مسارات لا تُشبه فطرتهم.


فلا استقرار، ولا عفاف، ولا أسرة، إلا بالإسلام نظاماً للحياة، ودولةً ترعى شؤون الناس، وتعيد للزواج يسره، وللغريزة إشباعها الصحيح، وللأمة وحدتها ﴿وَمَن أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ وما نعيشه اليوم، في أزمة الزواج وغيرها، ليس إلا بعض معاني هذه المعيشة الضنكى حتى تعود الأمة إلى الإسلام دولة وشريعة ومنهاجا. فاللهم أعد لنا دولة الإسلام وسلطانه وشرعه لنستظل بظلها من جديد؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.
 

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...