اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الصراع الدولي والأداة الإقليمية والمحلية على جنوب اليمن

 

إن الأحداث في اليمن ليست مجرد صراع داخلي بل هو مسرح لصراع نفوذ استعماري قديم وجديد حيث يلتقي الصراع بين القوى الكبرى مع مآسي الشعوب، وإن استمرار المشروع الاستعماري القديم (بريطانيا) على جنوب اليمن هو بالحفاظ على نفوذها التاريخي في جنوب اليمن والمنطقة عموما وإعادة تأهيل النخب الموالية لها، والبقاء كطرف مؤثر في المعادلة كدعمه للمجلس الانتقالي الجنوبي والمكونات الانفصالية عن طريق الإمارات، واللعب بورقة التفكيك والتمزيق.

 

إلا أن تعزيز هيمنة القوة الاستعمارية الجديدة التي هي الولايات المتحدة لترسيخ هيمنتها الكاملة على المنطقة عبر خادمتها السعودية لتسهيل نفوذها عن طريق عملائها الذين توجههم وتحركهم وتمولهم وهم الأداة المحلية الثانية في حضرموت المتمثلة بحلف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش.

 

ومع ذلك فالولايات المتحدة تحارب أي قوة منافسة (بما في ذلك الحلفاء القدامى إذا لزم الأمر) وتتم بذلك الهيمنة والمنافسة بذريعة أساسية لديهم وهي الحرب على الإرهاب، أو التنسيق الأمني المباشر وكذلك دعم تحالف دولي يخدم أجندتها.

 

أما إذا أتينا للعملاء الإقليميين كالسعودية والإمارات اللتين تعملان لتسهيل نفوذ المستعمرين الأمريكي والبريطاني بمقابل الحفاظ على عروشهما ومصالحهما الضيقة، وتنفيذ أجندة المستعمرين مقابل حمايتهما أيضا، لكن هنا نقول كيف تقوم السعودية والإمارات بتهيئة عملائها في الجنوب؟ إن ذلك يكون بالتورط المباشر في صراع مسلح، وتمويلهم بالمال، وشراء الولاءات.

 

فنجد في آخر المطاف أن كل هذا الصراع يكمن في عدة أسباب، ومن أهم هذه الأسباب نهب واستنزاف الثروات والسيطرة على الموقع المهم لليمن، وجعل أهل اليمن وقود هذه الحرب بإزهاق أرواحهم لخدمة مصالح غيرهم، وفوق كل ذلك ضمان بقاء النظام الرأسمالي مطبقاً علينا، وكل منطقة في مناطق الجنوب تمثل أهمية ولها ميزة تميزها عن غيرها فإذا نظرنا إلى الصراع المحتدم بين العملاء المحليين في حضرموت نجد أن السبب الرئيسي هو حوض المسيلة الذي يعتبر أكبر حقل نفطي في اليمن.

 

وبالتالي يعمل المستعمر الغربي لاستنزافنا وضرب بعضنا ببعض وفصلنا عن بعضنا لكي يسهل التخلص منا أولا ثم نهب وأخذ ثرواتنا.

 

ومن العجب العجاب على هؤلاء العملاء الذين لو أفنوا أرواحهم من أجل استرداد ثرواتهم والحفاظ عليها لكان خيرا لهم، وهذه الثروات هي ملك لجميع المسلمين تنفق على رعايتهم، وبالتالي تراهم يقتلون بعضهم بعضا على حقهم من أجل إرضاء المستعمر فهل يفعل هؤلاء الحكام العملاء؟!

 

وليعلموا أن كل الحلول المطروحة عبر مبعوثي الأمم المتحدة هي حلول ترقيعية تهدف إلى إدارة الأزمة وليس حلها حلا جذريا لأنها تخدم مصالح الأطراف الدولية المتصارعة وترسخ التجزئة.

 

فيجب علينا كمسلمين في بلد إسلامي يحكمه النظام العلماني أن نرفض الأمم المتحدة، ونرفض تدخلات الدول الاستعمارية المتصارعة على بلادنا، ونرفض التقسيمات المصطنعة (شمال وجنوب أو غيرها) فالبلاد الإسلامية جزء لا يتجزأ من دار الإسلام ولا تقطع ولا توهب بل يجب أن توحد تحت راية الخلافة.

 

ونؤكد أن الحل لا يكمن في انتصار طرف محلي مدعوم من هذه الدولة أو تلك، لأنه إذا تحقق ذلك كانت الخطوات الآتية وهي:

 

1- إشعال صراع قبلي، مناطقي، طائفي.

2- تقديم الحل عبر الأمم المتحدة عدوة المسلمين.

3- عقود استخراج وإنتاج لصالح الأجنبي.

 

وبذلك يستمر عمل الإمارات والسعودية التخريبي في جنوب اليمن لصالح الكفار وتبقى الضحية هي أهل اليمن وتستخدم القبائل كوقود للصراع، والواجب علينا رفض هذه المعادلة برمتها والعمل لإخراج اليمن وجميع بلاد المسلمين من دائرة النفوذ الأجنبي عبر إقامة دولة الخلافة وبذلك يتحقق للمؤمنين قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.

 

وأخيرا نقول بأن أحداث الجنوب عامة وحضرموت خاصة ليست صراعاً قبلياً عفوياً، بل مشروع نهب منظم وإن الأدوات المحلية (انفصاليون، قبائل) يُحركها أجنبي والحل ليس في تغيير الولاءات بين هذه الأدوات، بل في رفض اللعبة كلها وإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ﴾. فالولاء للإسلام وأهله، لا للانفصالي ولا للقبلي ولا للأجنبي.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

فادي السلمي – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 456
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    457

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مكانة المرأة في الإسلام وواجباتها

 

لقد عمد الغرب الكافر بعد هدم دولتنا وبث مفاهيمه الخبيثة في مجتمعنا إلى أن يجعل المرأة هدفاً من أهدافه التي من خلالها يوجه ضربة خبيثة لأمتنا الإسلامية، وما مصطلحات حقوق المرأة والمساواة والنسوية إلا من هذا القبيل.

 

وما كان الغرب الكافر ليقدر على بث سمومه بيننا واستهداف المرأة خاصة إلا لأنه هدم حصننا الحصين دولة الخلافة.

 

فحري بكل امرأة أن تغذُ السير وتكون من العاملين لإعادتها لتوقف الغرب الكافر عند حده، وبما أن العمل معقود بهذه الأجيال الصاعدة من الشباب فهذا يزيد من تبعات المرأة المؤمنة، وهذا الذي يدفعنا أن نكثف العمل وأن لا نكل ولا نمل مقتدين بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن؛ فنجعل من موقف أمّنا السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها درساً لنا في مواجهة المواقف الصعبة عندما نزل الوحي على رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه، فقد اتجه مباشرةّ إليها ليستمد منها القوة فكانت نعم المرأة الثابتة والصالحة التي أيدت الدعوة وناصرتها إلى جانب الرسول ﷺ حيث كانت أول من أسلم من النساء.

 

وقد عني الإسلام بالمرأة وأعطاها مكانة عظيمة فهي النصف الثاني إلى جانب الرجل، وكرمها وصانها من دنس الجاهلية وظلمها إلى نور الإسلام؛ فهي الأم والبنت والأخت والزوجة، ولكي تكون كما أمر الله تعالى أن تكون لا كما أراد الغرب، فالغرب قد استخدم حضارته الدنيئة التي أدخلت على حضارتنا الإسلامية بفعل فاعل من تشتيت أذهان الكثير من النساء في تتبع الموضات والموديلات لتصبح مركز تنبهها، واستعمل كل وسائل الإغراء لكي تصبح المرأة هدفاً من أهدافه في تشويه صورة المرأة المسلمة التي هي عرض يجب أن يصان لا أن يكون همها الدنيا تسير في ركاب الغرب لاهثة وراء الدنيا متتبعة لموضات الغرب التي أمر الإسلام المرأة بالابتعاد عنها وتجنبها لكي تنال رضا ربها.

 

فيجب على كل مسلمة ومؤمنة بربها أن تكون حريصة كل الحرص على عدم الانجرار وراء هذه التفاهات وأن تتحلى بالصورة التي كتبها لنا الإسلام وأمرنا بها وأن تقتدي بأمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين وأن تحمل الإسلام رسالة خير وهدى وتعمل مع العاملين لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية الموعودة بإذن الله تعالى ليقام شرع الله ويسود العدل والدين وتتحرر الأمة الإسلامية من قيود الذل والهوان والعبودية التي كبلنا بها الكافر المستعمر.

 

ولكي تصل إلى المرتقى السامي يجب أن تسعى إلى ما يرضي الله ورسوله فتفوز برضا الله، وتعمل بما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.

 

إن أمانة المرأة عظيمة فيجب عليها الالتزام بالأحكام الشرعية وتربية أبنائها ليكونوا أبطالا يخدمون دينهم وأمتهم.

 

فقد كان للمرأة حق المشاركة في مساندة الرجال في الغزوات حتى إن رسول الله ﷺ كان إذا خرج لغزوة اصطحب إحدى زوجاته لتعينه على سفره، ومن النساء اللاتي شاركن في القتال السيدة نسيبة رضي الله عنها وأرضاها. وهكذا نقول إن على كل امرأة مسلمة ومؤمنة أن يكون هدفها الأساسي في الحياة أن تكون من السابقات إلى الخير والصلاح وأن تحمل الإسلام وتنشره بين المسلمين رسالة خير وهدى إلى العالم بقوة وصلابة لا تخشى في الله لومة لائم، والله ولي ذلك والقادر عليه.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أم محمد اليمني – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الجذور التاريخية لمؤامرة تمزيق السودان

 

 

بعد احتلال بريطانيا لمصر عام ١٨٨٢م، أخذت تعمل على تقسيمها، جرياً على خطتها التي رسمتها للبلاد الإسلامية بتمزيقها لتسهل السيطرة عليها، واستغلال ثرواتها ونهبها، والحيلولة دون عودتها قوة مؤثرة تهدد مصالحها الاستعمارية، فقامت في عام ١٨٩٩م بتقسيم مصر إلى قطرين:

 

الأول حددته بما هو واقع جنوب خط عرض ٢٢ درجة وأطلقت عليه مصر، وقد أبقت على اسم مصر له خبثا ودهاء، لمحو دلالته الحقيقية من الذاكرة (كما يجري حاليا في التآمر لإطلاق اسم فلسطين على أقل من ربع مساحتها)! إن مصر قبل عام ١٨٩٩م (ما قبل الفتح الإسلامي وحتى عهد قريب، أي أثناء الحكم العثماني وحكم أسرة محمد علي)، كانت تضم مصر والسودان الحاليتين وكانتا وحدة واحدة، وبلدا واحدا اسمه مصر، وعلى الرغم من المعارضة القوية التي أظهرها المسلمون في مصر لخطة التقسيم، فإن بريطانيا التي كانت الدولة الأولى في ذلك الوقت، لم تأبه بهذه المعارضة، وأبقت على التقسيم وفرضته بقوة السلاح والنفوذ، ولجأت إلى اتباع أخبث الأساليب وأكثرها مكرا، وزاد الطين بلة تواطؤ عملائها من حكام المسلمين معها، فحاولت امتصاص النقمة وتهدئة الخواطر، فأشركت مصر (بحدودها الجديدة) معها شكلا، في حكم الإقليم الجديد (السودان)، وإدارة شؤونه، وجعلت هذا الإشراك موثقا، ومنصوصا عليه في اتفاقية الحكم الثنائي لعام ١٨٩٩م، التي احتوت على قرار التقسيم.

 

وظلت هذه الاتفاقية قائمة شكلا إلى الأول من كانون الثاني/يناير ١٩٥٦م، أي تاريخ ما أطلقوا عليه بعدئذ اسم (الجمهورية السودانية) بعدما تمت إجراءات الفصل اللازمة دوليا، وبعد إقرار مشترك من حكام مصر وبريطانيا صاحبة النفوذ الاستعماري على السودان في ذلك الوقت.

 

وقد كان لأمريكا دور حاسم في الانفصال إذ تلقفت فكرة بريطانيا بتقسيم مصر إلى إقليمي مصر والسودان فأوعزت لعملائها في مصر؛ رجال الثورة، بتوقيع اتفاقية مع بريطانيا عام ١٩٥٣م نصت على ما أطلقوا عليه حق تقرير المصير للشعب السوداني، بعد ثلاث سنوات كفترة انتقالية، يجري بعدها استفتاء شعبي برقابة دولية، وقد كانت هذه الاتفاقية بحق تمهيدا للانفصال، إذ قامت أمريكا وبريطانيا بعدها أثناء الفترة الانتقالية بتهيئة الرأي العام من خلال عملائها لقبول فكرة الانفصال، مع أن الرأي العام كان كاسحا في رفض الانفصال والمحافظة على الوحدة، وأثناء الفترة الانتقالية أوعز حكام مصر بتوجيه أمريكي إلى الحزب الوطني الاتحادي الممثل للطائفة الختمية، الموالي لهم بتغيير موقفه من رفع شعار (وحدة وادي النيل)  إلى رفع شعار الاستقلال (الانفصال) مع أنه كان قد حاز على أغلبية برلمانية كبيرة بسبب رفعه شعار الوحدة.

 

أما حزب الأمة الممثل لطائفة الأنصار والموالي للإنجليز منذ نشأته، فقد كان يروج للفكرة الإنجليزية الداعية للانفصال منذ اليوم الأول لنشأته، وبعد انتهاء الفترة الانتقالية، وقد تهيأت أجواء الانفصال، وأعلن إسماعيل الأزهري من الوطني الاتحادي رئيسا للوزراء الذي كان من أقوى المنادين بوحدة وادي النيل، أعلن في ١٩/١٢/١٩٥٥ بعدما غير جلده، بطلب من حكام مصر، موافقة البرلمان السوداني بالإجماع على الانفصال الذي أطلقوا عليه فيما بعد اسم (الاستقلال).

 

وبذلك تكون بريطانيا قد حققت هدفها بتقسيم مصر التاريخية بعد ما يزيد عن خمسين عاما بمساعدة أمريكا، بل تبنيها للخطة.

 

ولم تتوقف الخطة البريطانية عند حد تقسيم مصر التاريخية إلى إقليمي مصر والسودان، بل تعدى الأمر إلى العمل على تقسيم السودان إلى دولتين، الأولى في الشمال والأخرى في الجنوب وقد بدأت بالسعي لتنفيذ هذه الخطة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، أي في عام ١٩٢٢م وتبنت سياسة المناطق المقفولة أمام الشماليين في تعاملهم مع الجنوبيين كأساس في إدارتها المديريات الجنوبية: الاستوائية، وبحر الغزال، وأعالي النيل.

 

وحظرت على الشماليين دخول هذه المناطق أو العمل بها أو الاتجار معها، ووضعت قيودا صارمة على انتشار كل ما يمت للشماليين بصلة من عادات وتقاليد، وجعلت الجنوبيين ينظرون إليهم بعين الريبة والشك. وفي هذا الوقت حيث سلكت سياسة عزل الشمال عن الجنوب فتحت الجنوب على مستعمراتها الجنوبية في شرق أفريقيا: الحبشة وأوغندا، وكينيا، وتنزانيا وغيرها، وسعت إلى ربط مديريات الجنوب الثلاث مع هذه المستعمرات وأصدرت قرارا عام ١٩٣٠م ينص على اعتبار الجنوبيين أناسا يختلفون عن الشماليين.

 

ودفعت المبشرين والبعثات التبشيرية الآباء الفيرونيين جمعيات بروتستانتية والجمعية التبشيرية الكنيسة الإنجليكانية، دفعتهم بقوة للعمل والنشاط في تلك المديريات وفرضت اللغة الإنجليزية لغة رسمية واتخذت الكثير من الإجراءات والتدابير التي من شأنها أن تباعد بين الشماليين والجنوبيين. وقبل أن تخرج بريطانيا قواتها من السودان حرضت الجنوبيين على العصيان والتمرد المسلح، ودعمتهم مباشرة بالمال والسلاح، وبشكل غير مباشر عن طريق عملائها في مستعمراتها المجاورة، مثل عميلها هيلاسلاسي في الحبشة، وعملائها في كل من أوغندا وكينيا وتنزانيا. بدأ المتمردون تمردهم قبل مغادرة القوات البريطانية الأراضي السودانية، وظلوا يناوئون الحكومات المتعاقبة حتى تمكنوا من تحقيق فصل جنوب السودان باتفاقية نيفاشا التي تضمنت حق تقرير المصير الذي فرضته أمريكا على حكومة الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير. حيث أجري استفتاء جنوب السودان، في الفترة من 9 وحتى 15 كانون الثاني/يناير 2011 حول ما إذا كان سكان جنوب السودان يرغبون بالبقاء في دولة واحدة مع السودان أو الانفصال بدولة مستقلة وذلك تنفيذاً لبنود اتفاقية السلام الشامل التي وقعت في نيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في 9 كانون الثاني/يناير 2005.

 

وتم لأمريكا ما أرادت من فصل جنوب السودان عن شماله، وسمي كذلك (استقلالاً)! وانتقلت أمريكا في خطتها لتفتيت السودان وتمزيقه من خلال اتفاق جوبا والمسارات الخمسة وتهيئة باقي البلاد للتفكيك. وما يجري من صراع دموي بين الجيش وقوات الدعم السريع وسيطرة الدعم السريع على كامل دارفور بعد إسقاط الفاشر، يؤكد على سير الأمور نحو فصل دارفور بخطة حدود الدم، ولا قدر الله إذا تم سلخ دارفور من السودان وتم فصله يسمى (استقلالاً).

 

هكذا تسير السياسة الاستعمارية في بلادنا تمزيقا وتقطيعا منذ هدم الخلافة قبل ١٠٥ أعوام، ويسمى هذا الفصل (الاستقلال) لإضعاف الأمة الإسلامية وعدم تمكينها من عودتها قوة كبرى في هذا العالم.

 

فهلا أدرك أهل السودان وعموم الأمة الإسلامية المخاطر الكبيرة التي تحدق بها من إعادة رسم حدود جديدة بحدود الدم ودول جديدة تبنى على أشلاء وجماجم شعوب المنطقة الإسلامية؟!

 

إن العاصم لنا هو العمل بجد واجتهاد لإعادة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله وتحقيق وعد الله سبحانه وبشرى حبيبنا محمد ﷺ في هذا الشهر الكريم الذي هدمت فيه الخلافة، فلتكن إعادتها فيه كما هدمت فيه قبل ١٠٥ أعوام وليس ذلك على الله بعزيز.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح)

منسق لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إلى فراعنة هذا العصر: لكم في فرعون موسى آية

فهل منكم رجل رشيد؟!

 

اعلموا أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل لفرعون وجنوده وزناً ولا قيمة؛ فلمَّا أراد أن يمن على المستضعفين في الأرض، لم ينزل ملائكة من السماء ليقوموا بإهلاك فرعون وجنوده، فهم أقل شأناً من ذلك، بل قهرهم بشجاعة امرأة ألقت بطفلها في اليم ثقة بوعد ربها، واستعمل آل فرعون ليلتقطوه من اليم ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾، وحماه في قصر فرعون بسلاح شفاف ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فاستعمل الله عاطفة امرأة فرعون في الدفاع عن هذا الطفل الذي كانوا منه يحذرون، ثم حرَّم عليه المراضع ليحملوه إلى أمه الشجاعة وهم صاغرون، ثم نشأ عزيزاً كريماً في قصر فرعون حتى إذا بلغ أشده واستوى قهرهم بإعلان عداوته لهم، ثم شاءت حكمة الله أن يقتل منهم نفساً عن غير قصد ليغيظ بالقتل فرعون وجنوده، فيأتمرون عليه خلف الأسوار والغرف المغلقة، ثم يكشف اللهُ مؤامرتهم برجُل من آل فرعون جاءه ناصحاً، ليقهر فرعون وجنوده مرة أخرى بفشل المؤامرة، ولما قضى الله أن يقهر فرعون بالهلاك أيد موسى بالمعجزات وأخزى فرعون وملأه بالتودد للسحرة ليكونوا عنده من المقربين جزاء الغلبة التي توهمها فرعون وجنوده، فإذا بالذي وعدهم لا يملكون له شيئاً إلا أن يقولوا آمنا برب موسى وهارون، ثم لم تكن نهاية القهر صيحة أو ملائكة منزَلين، بل جعل هلاك فرعون وجنوده بعصا كان موسى عليه السلام يهش بها على غنمه، فاعلموا يا فراعنة هذا العصر أنكم أهون من بيت العنكبوت،... فكلمة الحق أقوى من عروشكم، فإذا أنصتت لها آذان الأنصار تحركت جيوش الأمة لتغرقكم بطوفان الاستخلاف والتمكين، وغداً بإذن الله لناظره قريب، «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» رواه أحمد في مسنده.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رمزي راجح – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بدون دولة راشدة جامعة، ستبقى الأمة الإسلامية متنازعة متفرقة

 

 

إن الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية بعد هدم دولتها دولة الخلافة مليء بالمآسي والفقر والحروب وتسلُّط الغرب، وحتى تنهض الأمة من كبوتها لا بد لها أن ترجع إلى وضعها الطبيعي يوم أن كانت متميزة عن باقي الأمم بنظام الحكم في الإسلام الذي بينه الرسول ﷺ حين أقام الدولة في المدينة، دولةٌ أفرزت طرازا متميزا من العيش ذات طابع فريد فقد جمعت بين الناس كافة، كل يسير بأحكام الإسلام وسلطانه، هذا السلطان الذي جمع المسلمين ووحدهم في كيان واحد، تحت نظام واحد وراية واحدة، وقد علم الكفار مكمن هذه القوة وأنها تتمثل في وحدة المسلمين وبوجود سلطانهم فعمدوا إلى تمزيق الأمة الإسلامية، فكان يوم 28 رجب تاريخ الذكرى الأليمة، تاريخ هدم الخلافة، ثم أتبعوه باتفاقية سايكس بيكو هذه الحدود القطرية التي ساهمت بشكل كبير بإضعاف الأمة الإسلامية، ولم يكتفوا بذلك، بل يسعون لتمزيق ما هو ممزق وتفتيت ما هو مفتت.

 

إن الرابط الحقيقي الذي يوحد أبناء الأمة من جديد هو الإسلام لا غير، وهو الحل الذي إن طبق بدولة الخلافة، جمع الأمة ووحدها وكشف عنها الغمة، فوحدة الأمة الإسلامية لا تتحقق إلا بالعودة إلى الإسلام نظام حكم، ومنهاج حياة، فالتقيد بأحكامه يلزم المسلمين أن يكونوا دولة واحدة كما هم أمة واحدة، فربها واحد، ونبيها واحد، ودينها واحد، وقرآنها واحد، وقبلتها واحدة، وينبغي أن يكون لها خليفة واحد، يحكمها بالإسلام ويحمله إلى العالم جميعا بالدعوة والجهاد في سبيل الله.

 

وبما أن وحدة الأمة لا تقوم لها قائمة إلا بكيان سياسي قائم على مبدأ يحوي نظاما متكاملا، ومبدأ الأمة هو الإسلام، أصبحت المهمة أن تعود إلى مبدئها فتأخذ منه نظامها ومعالجاتها، وتعيد الأمور إلى نصابها إذ إنها تملك كلّ مقومات الأمة الراقية والعظيمة: مبدأ وعقيدة وأحكام مصدرها الوحي.

 

فالأمة المبدئية التي تملك فكرة عالمية وطريقة عالمية من جنس فكرتها هي أمة تؤمن بمسئولياتها عن غيرها من الأمم فتعدَّ نفسها لذلك الدور، وتصوغ مصالحها على مستوى العالم كما تصهر المجموعة الإنسانية فتجعلها أمة واحدة ناهضة، موحدة، قوية، متماسكة، أمة تصهر كافة الشعوب المختلفة في بوتقتها لتكون جزءا منها في أمة عالمية في الشكل والمضمون.

 

ومن كل ما سبق ندرك أن ما تحتاجه الأمة اليوم هو الدولة الواحدة والإمام الواحد، الذي تقاتل من ورائه وتتقي به ويدفع عنها ظلم أعدائها، ويوحد عملها وسياستها بتطبيق الإسلام كاملا في الداخل وحمله رسالة عالمية إلى الخارج بالدعوة والجهاد، وأن وحدة الأمة على العقيدة والشريعة لا تكفي، بل لا تغني عن وحدتها السياسية وجماعتها على خليفة واحد.

 

إن العمل لإقامة هذه الدولة واجب شرعي، وضرورة واقعية، وهو الطريق الوحيد نحو استعادة وحدة الأمة وقوتها بعد قرن من الانحدار، الذي بدأ بضعف الخلافة، وتعمق حتى صرنا أضعف الأمم وأهونها، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.

 

وبدون هذه الدولة الجامعة، ستبقى الأمة متنازعة متفرقة، تستهلك قواها في الصراعات، ويستمر العجز والوهن، وتتوالى الهيمنة والاستباحة. أما حين تتجه جهود المخلصين إلى إعادة هذه الدولة الراشدة، فإن الأمة ستعود كما أرادها الله: أمة واحدة قوية راشدة حية.

 

وقد أمر النبي ﷺ أن يكون للمسلمين دولة واحدة وإمام واحد فقال: «كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنْبِيَاءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وإنَّه لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ»، قالوا: فَما تَأْمُرُنَا؟ قالَ: «فُوا ببَيْعَةِ الأوَّلِ، فَالأوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فإنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ»، ومن عظيم أهمية هذا الفرض فقد أمر النبي بقتل من يسعى لتفريق وحدة المسلمين السياسية، قال ﷺ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوه»، وقال: «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِناً مَنْ كَانَ» وقال: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا»، والأمر بقتل مسلم وإهدار دمه دليل على وجود مطلب شرعي يراد تحقيقه، والحفاظ عليه هو أعظم بكثير من حرمة دم ذلك المسلم، فدل هذا على وجوب وحدة الأمة السياسية على إمام واحد يكون المسلمون من ورائه جماعة واحدة.

 

ولقد بدأت الأمة في عمومها بالرجوع إلى الإسلام بعد عقود من التيه والدوران في حلقة مفرغة وراء شعارات تظن أنها من الإسلام، وبدأت تتحسّس طريق وحدتها إلا أن العمل على وحدتها السياسية وإعادتها جماعة من جديد كان ولا يزال أمرا محفوفا بالمخاطر والصعوبات، إلا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

رنا مصطفى

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

وحدة الأمة الإسلامية ليست شكلية أو نظرية والخلافة تجسيد عملي لها

 

 

المسلمون أمة واحدة من دون الناس، ربهم واحد، ودينهم واحد، ونبيهم ﷺ واحد، وقبلتهم واحدة وكتابهم واحد، يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، ويقول ﷺ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ دُونَ النَّاسِ» رواه البيهقي في السنن الكبرى. ويقول ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد

 

ووحدة الأمة الإسلامية ليست وحدة شكلية أو نظرية بل هي وحدة عملية نابعة من عقيدتهم التي تجعلهم إخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وهذه الوحدة يجب أن تظهر في جميع جوانب حياتهم؛ في شعائرهم وعباداتهم ولا سيما التي تؤدى بشكل جماعي وفي توقيت زماني أو مكاني محدد كصيام رمضان والحج وكعيدي الفطر والأضحى، وفي مشاعرهم فيفرح المسلم لكل خير أصاب مسلماً، ويحزن ويتألم لكل شر أو مكروه يصيب مسلماً في أي بقعة من بقاع الأرض، فقد شبه رسول الله ﷺ المسلمين بالجسد الواحد فقال: «مَثَلُ الْـمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» متفق عليه، ويجب أن تظهر أيضاً في الجانب الفكري بجعلهم العقيدة الإسلامية أساساً للفكر والسلوك ونبذ كل فكر أو رأي غير مبني على العقيدة أو منبثق عنها، وتسليمهم بأمر الله وجعله فوق الهوى والمصالح الشخصية، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ».

 

وكون المسلمين أمة من دون الناس يعني أن يظهر ذلك في وحدتهم السياسية، بحيث تكون بلاد المسلمين وحدة سياسية وجغرافية واحدة يحكمها حاكم واحد يطبَّق عليها دستور واحد مستمد من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وهذا ما تجسد عملياً في دولة الخلافة منذ أقامها الرسول ﷺ في المدينة حتى هدمها الغرب الكافر على يد مصطفى كمال في الثامن والعشرين من رجب عام 1342ه الموافق للثالث من آذار عام 1924م، وغيابها هو الذي جعل وحدة الأمة تصاب في مقتل، وجعل الأمة تعيش حالة من التشرذم والفرقة ما يزيد على قرن من الزمان، وجعل بلادنا تمزق إلى دويلات كرتونية يحكمها حكام خونة، بل إنه قد أمعن في تمزيق الممزق كما حصل في السودان.

 

إنّ دولة الخلافة هي التي تباشر الحفاظ على مظاهر ومعالم وحدة الأمة الإسلامية، فهي تمثل الترجمة العملية للوحدة الفكرية والشعورية لها، فبغيابها غزتنا الأفكار الغربية وعمل المستعمرون وأدواتهم من الحكام على أن يحل الفكر العلماني الرأسمالي محل العقيدة الإسلامية كأساس للفكر والسلوك، وعلى صعيد الوحدة الشعورية ترانا نتألم ونتحرق لما أصاب إخواننا في غزة والسودان وميانمار وتركستان الشرقية وغيرها من بلاد المسلمين ولكن الحدود المصطنعة والحكام المجرمين يحولون بيننا وبين التحرك لنصرة إخواننا المستضعفين، حتى عباداتنا وشعائرنا التي نتقرب بها لربنا وتظهر فيها وحدتنا، بغياب الخلافة قد تلاعب الحكام بها وأفسدوها علينا وعملوا جاهدين على أن لا نتوحد في أدائها، ولعل أبرز ما يدلل على ذلك أننا بتنا نصوم رمضان على أيام ونفطر ونصلي صلاة العيد على أيام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

ولا بد من التأكيد على مسألة مهمة ألا وهي أن الأمة الإسلامية وإن كانت قد اعتراها الضعف والتفرق فإن هذه الحالة حالة طارئة لا تنفي وجودها ولا تمنع وحدتها وعودة فاعليتها، فالأمة ما زالت تمتلك مقوماتها الجوهرية: العقيدة الجامعة، وأنظمة الحياة المنبثقة من هذه العقيدة، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾، ويقول ﷺ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ» فهي ليست معدومة ولا منتهية، والواجب على المسلمين اليوم العمل على استعادة فعاليتها ووحدتها، والعمل بجدية مع العاملين المخلصين لإنهاض الأمة وإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي بشر بها رسول الله ﷺ، فلا تقعدنهم دعاوى التثبيط والتيئيس، ولا مكر الغرب وأدواته، بل عليهم أن يجدّوا في عملهم ودعوتهم، واثقين بالله ونصره لعباده المؤمنين، وواثقين بأنفسهم وبأمتهم وبما تملكه من مقومات وخصائص تمكنها من تبوء سدة العز من جديد بإذن الله.

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

 

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

براءة مناصرة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

سُجِنَ لأنه قال الحق فانتشر الحق

فأين العقلاء ممن يقولون الموت لأمريكا؟!

 

 

في زمن يتاجر فيه البعض بالقضية الفلسطينية، ويملؤون الدنيا ضجيجاً باسم "العداء لأمريكا وإسرائيل"، لم يعد يُسجن من يخون أو يطبع أو يبيع الأرض، بل يُسجن من يصدع بالحق ويفضح الخونة!

 

لقد اعتقل صدام المكردي أحد شباب حزب التحرير في نقيل الإبل – تعز، الواقعة تحت سيطرة حكومة صنعاء، ليس لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه وزّع منشوراً يفضح فيه ترامب ومعاهدته الخيانية، ويكشف فيه زيف حكام الخيانة الذين خذلوا غزة وتاجروا بدماء أهلها. والأعجب من هذا، أن من اعتقله هم أنفسهم الذين يصرخون ليلاً ونهاراً بـ"الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل"، في تناقض فاضح وازدواجية مخزية! فهل يُعقل أن يُسجن من يقف مع غزة ويكشف خيانة المطبعين؟! هل ترضون هذا يا من تسمون أنفسكم أهل المسيرة القرآنية، أم أنكم فقدتم البوصلة فتربع المنتفعون والناقمون والحاقدون على الإسلام وأهله فأصبح هؤلاء سوطاً مسلطاً على الأمة وأنتم تتفرجون؟!

 

لكن شاء الله أن يكون هذا الاعتقال سبباً في انتشار الحق، فاشتهر الخبر، وتداول الناس المنشور في المجالس، وبحثوا عن مضمونه، وارتفعت وتيرة الوعي، وتحول الفعل القمعي إلى وقود للفكر والدعوة، وتحوّل السجين إلى رمز للثبات، وأصبح الرأي العام ناقماً على من سجنه.

 

وهنا نتذكّر قصة أهل الكهف الذين خافوا على دينهم، فاعتزلوا في الغار، ثم عندما عادوا، وجدوا أن الناس قد أصبحوا مؤمنين موحدين، وأن الباطل قد انزاح من الأرض. وهذا ما نرجوه ونؤمن به؛ أن تكون محنة حملة الدعوة اليوم تمهيداً لنصر عظيم، وأن تُثمر بذور الوعي ثماراً عظيمة في الأمة.

 

قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، نعم، سيُبعث الحق من جديد، وسيخرج أهل الحق من السجون، لا خائفين، بل مرفوعين الرأس، بعد أن أدوا البلاغ وأظهر الحق على الباطل.

 

رسالتنا للسجين: يا من اختارك الله لهذا الشرف، لا تحزن، فإن الله يعلم، والناس قد علمت، والمواقف الصادقة لا تذهب سُدى، وما تظنه انطفاءً، هو بدايةُ اشتعالٍ جديد، فبثباتك قرأ الناس الحقيقة، وعرفوا المنافق من الصادق.

 

رسالتنا للأمة: لا تخافوا من السجون، بل خافوا من السكوت عن الحق ونصرة الحق وأهل الحق! وإن كان قول الحق ثمنه الاعتقال، فإن الصمت ثمنه الذل والخذلان، وإننا على يقين أن ما يجري اليوم من سجن للحق وأهله، لن يكون إلا تمهيداً لظهور دولة الحق؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي ترفع راية الإسلام، وتحرر فلسطين، وتُرهب أعداء الله حقاً، لا شعاراً، رسالتنا لن يسجن أهل الحق، ابحثوا عن الحق واعرفوا أهل الحق، فحزب التحرير يحمل الحل الجذري والقضية المصيرية، يكافح أفكار الكفر ويعتبر الكفار المستعمرين هم عدونا فلم تسجنون شبابه؟ لا يغرنكم إعلام الكفار الذي يحاول تشويه الحزب ودعوته ليل نهار فالحق أبلج والباطل لجلج. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

التصعيد الأمريكي ضد إيران:

خطاب هيمنة لا منطق حرب

 

 

ليست لغةُ التهديد والوعيد التي تعتمدها الولايات المتحدة تجاه إيران طارئةً ولا استثنائية، بل هي جزءٌ بنيويٌّ من السياسة الأمريكية في إدارة العالم، القائمة على فرض الإرادة بالقوة، واستخدام الخوف أداةَ ضبطٍ لا وسيلةَ دفاع.

 

فتصعيد أمريكا لا يُقرأ في سياق الخطر الإيراني، بقدر ما يُقرأ في سياق حماية النظام الدولي الذي تقوده. ففي العقل السياسي الأمريكي لا تُدار الصراعات بالحلول، بل بإدامة التوتر؛ لأن التهديد المستمر يمنح الولايات المتحدة شرعيةَ التدخل، ويبرر الانتشار العسكري، ويكرّس حق الوصاية على قرارات الدول.

 

ومن هنا، يصبح الخطاب المتشدد ضد إيران ضرورةً وظيفية؛ فالعدو في منطق أمريكا ليس هدفاً للإزالة، بل أداة للاستخدام.

 

لم تكن إيران يوماً عدواً وجوديّاً لأمريكا، بل كانت وما زالت عدواً قابلاً للتوظيف. فوجود نظام يرفع شعارات العداء لأمريكا يسمح لها بابتزاز دول الخليج أمنيّاً، ويحول دون تشكّل قوة إقليمية مستقلة، ليبقى الشرق الأوسط في حالة خوف دائم. وعليه، فإن إسقاط النظام الإيراني لا يخدم المشروع الأمريكي؛ لأن سقوط العدو يعني سقوط الذريعة.

 

ومن هنا يأتي التصعيد بوصفه مرحلةً لازمةً قبل فرض أي اتفاق، ليكون الاتفاق نتيجة ضغط، لا خياراً سياديّاً حرّاً.

 

أما الحرب، فتعني كسر التوازن الذي تستفيد منه الولايات المتحدة؛ فالدمار قد يُسقط وظيفة إيران بوصفها "فزاعة"، كما أنه يُدخل المنطقة في فوضى لا يمكن التحكم بها. لذلك تعتمد أمريكا سياسة الإنهاك دون إسقاط، والعقاب دون حسم.

إن خطاب أمريكا المتشدد بقدر ما هو موجه لإيران، هو موجَّه أيضاً إلى المنطقة بأسرها، ولا سيما دول الخليج، ليقول لا أمن خارج مظلتها، ولا قرار سيادي دون إذنها، ولا توازن إلا بما يخدم مصالحها. وبهذا يتحول التهديد إلى خطاب تأديبي جماعي.

 

فتصعيد أمريكا ضد إيران ليس تعبيراً عن خوف، بل عن حرص على استمرار الهيمنة، وليس مقدمة حرب، بل أداة تفاوض قسرية، ووسيلة لإعادة ضبط المنطقة، ورسالة مفادها أن من يخرج عن النظام العالمي المفروض يُعاقَب ولا يُسقَط. فالولايات المتحدة لا تريد إيران قوية ولا ضعيفة، بل إيران مُقيَّدة، كما تريدها هي.

 

إن أخطر ما في سياسة أمريكا تجاه إيران والمنطقة ليس ما يُقال علناً من تهديد ووعيد، بل ما يُدار في الخفاء من إعادة هندسة للصراعات، بما يضمن بقاء الشرق الأوسط ساحةَ نفوذ لا فاعلاً مستقلّاً. فأمريكا لا تبحث عن أمن المنطقة، بل عن استدامة هشاشتها، ولا تسعى إلى حل الأزمات، بل إلى إبقائها تحت السيطرة.

 

والانخداع بلغة التصعيد، أو الاطمئنان لخطاب التهدئة، كلاهما خطأ قاتل؛ لأن الوجهين يصدران عن العقلية ذاتها: عقلية الهيمنة. فحين ترتفع نبرة التهديد، تُدفَع المنطقة نحو الارتهان، وحين تُخفَض، تمرَّر الصفقات على حساب السيادة.

من هنا، فإن واجب دول وشعوب المنطقة هو اليقظة السياسية والفكرية، وبناء وعيٍ يدرك أن أمريكا لا تصنع أعداءها إلا لتُديم نفوذها، ولا تعقد اتفاقاتها إلا لتقيِّد إرادة غيرها.

 

فالتحرير الحقيقي لا يبدأ بإسقاط تهديد هنا أو توقيع اتفاق هناك، بل بكسر معادلة الابتزاز، وإدراك أن أمن المنطقة لا يُستورد، وأن السيادة لا تُمنح، وأن من يُسلِّم قراره للخارج سيظل ورقةً في لعبة الأمم، لا لاعباً فيها.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

حين يصبح التطبيع فرضاً، من يسند ظهر الأمة؟؟

 

 

إعلان خطير: ما يجري أمام أعيننا ليس مجرد تطبيع، إنه إعادة تشكيل للمنطقة بأكملها!

 

هذه مقالة لا بد أن تُقرأ بعين الوعي، لا بعين العادة، فالمستقبل يعاد رسمه الآن، وقد نمحى من خارطته دون أن ندرك.

 

نبدأ بسم الله الرحمن الرحيم:

 

في زمن تتقن فيه الكلمات الخديعة أكثر من الحقيقة، لا يأتي التطبيع السياسي في صورة اتفاق رسمي فقط، بل في رسائل تقرأ بين السطور، ومواقف تصاغ تحت عناوين براقة تخفي وراءها تنازلات جسيمة. حين تلوح الدول الكبرى بابتسامة السلام، فإن ما وراءها في الغرف المغلقة هو ما يعاد تشكيله في المنطقة على حساب الأمة.

 

هنا، سأكشف خطورة التطبيع والحل الحقيقي له، لكن ليس بطريقة تقليدية، بل عبر طرح مجموعة من الأسئلة العميقة، وإجاباتها التي ستسلط الضوء على ما يخفى، وتقودنا نحو الطريق الصحيح.

 

 أولا: لماذا يدفع التطبيع بهذه الطريقة؟

 

الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لا ينظر للتطبيع كهدف إنساني، بل كأداة توظفها لموازنة نفوذها في المنطقة، ولتثبيت نظام دولي يتماشى مع مصالحها، ويتعامل مع الأطراف العربية باعتبارها بنادق يعاد توزيعها حسب الحاجة.

 

التطبيع ليس مجرد توقيع بروتوكول، أو تبادل علاقات دبلوماسية، إنه إعادة رسم لمنطقة بأكملها، من خلال ترتيب تحالفات، وإعادة تشكيل السيادة، وتغييب الحقوق، وعمل على تبني مفهوم مختلف عن العدو.

 

فالتطبيع السياسي لا يقتصر على تبادل سفارات أو زيارات رسمية، بل يشمل الاعتراف المتبادل بالسيادة، وتعاونا اقتصاديا وأمنيا واستخباراتيا، وهو ما يستفيد منه الطرف الأقوى في موازين القوى.

 

الغرب لا يرى التطبيع هدفا إنسانيا، بل أداة استراتيجية للسيطرة والنفوذ في المنطقة عن طريق إضعاف أي مشروع سياسي يرفض الهيمنة، وإبقاء كيان يهود "شريكا لا يمس"، وضمان مصالح اقتصادية وأمنية لا تتزعزع، كل ذلك يقدَّم على أنه حل واقعي لإنهاء الصراعات، لكن في حقيقة الأمر هو رسائل سياسية أعمق، تظهر أن المصالح تحتل كل اعتبار.

 

ثانيا: كيف يقدم التطبيع بالتدريج ثم يصبح فرضا لا خيارا؟

 

اعتُبر التطبيع الثقافي خطوة أولى، ففي بعض الدول، بدأ التطبيع ثقافيا قبل أن يكون سياسيا، وقد رأينا ذلك باستخدام الإعلام لصور طبيعية مشتركة وتبادل زيارات ثقافية غير رسمية بين الدول وكيان يهود والحديث عن التقارب والحوار الحضاري، بهدف التخفيف من شدة العداء التاريخي، وإعادة تعريف العدو عبر بنى إعلامية، ورسم صورة جديدة عن كيان يهود كطرف مشروع. هذه الأدوات ليست بريئة، بل هي جزء من مخطط كبير لإعادة ترتيب الوعي العام.

 

في سوريا، بعد سنوات الحرب، تمت محاولات لإعادة العلاقات الرسمية مع النظام، وسُمعت دعوات إلى عودته للنظام الدولي رغم استمرار انتهاكاته، وكأن القضية أصبحت مجرد ملف سياسي في مجلس الأمن! وفي الخليج، شهدنا التطبيع العلني مع يهود في إطار اتفاقيات أبراهام، كالإمارات والبحرين والمغرب بإدارة أمريكية واضحة.

 

ثالثا: السؤال المهم هل تطبّع السعودية رسميا قريبا؟

 

السعودية حتى الآن لم تعلن تطبيعا رسميا مع كيان يهود، لكنها فتحت قنوات تعاون غير معلنة، وسمحت بتبادلات اقتصادية غير مباشرة وانخرطت في حوارات أمنية دولية لا تستثني حضور كيان يهود.

 

التطبيع مع سوريا والدول العربية غالبا ما يقدم كحل واقعي للتوترات، لكنّه رسالة سياسية أعمق مفادها أننا أمام عالم لا يقدر السيادة بقدر ما يقدر الاستقرار الأمني، وأن مشاريع القوى الكبرى لا تُبنى على أساس العدل أو الحقوق، بل على أساس المصالح، وأن الشعوب تضحي في كثير من الأحيان لمنح صفقات استراتيجية فرصة للحياة.

 

ولعل أخطر ما في هذا المسار أنه يجعلنا نرى الكيان الغاصب كطرف مشروع في الحوارات الإقليمية، حتى إن الحديث عن التطبيع معه في سوريا لم يعد محرما في بعض الأوساط السياسية بسبب تهافت الإدارة الجديدة على إرضاء أمريكا.

 

رابعا: ماذا يعني هذا لنا؟

 

التطبيع ليس مجرد توقيع على ورق أو عناق دبلوماسي، إنه إعادة رسم المنطقة بأقل تكلفة للغرب، وبأعلى ثمن للأمة: الاعتراف بالعدو، والتراجع عن الحقوق، وتقديم تنازلات يصعب استرجاعها مستقبلا. إنه، بعبارة أخرى خيانة تقدم في زي دبلوماسي، يروَّج لها كحلول واقعية لإنهاء النزاعات.

 

التطبيع ليس سلاما، بل مرحلة متقدمة من الاستعمار، تفقد بها السيادة بالتدريج، حتى تصبح الدول مجرد وحدات إدارية تدير مصالح الاحتلال بأموال شعوبها وبأيدي أبنائها، فهل هذا إلا استعمار جديد؟!

 

خامسا: هل سيؤثر التطبيع تأثيرا خطيرا ومباشرا في عقيدة الجيل القادم؟

 

طبعا وهنا الطامة الكبرى لأن أخطر ما يهدف إليه التطبيع هو تفريغ العقيدة من جوهرها وفق منهج مدروس يعمل على تشويه مفهوم الولاء والبراء، فيجعل الولاء للحق والمظلوم أمرا سياسيا لا أهمية له فينشأ الجيل على التسامح العقدي، فلا يرى فرقا بين عدو قاتل ومظلوم يقاوم، جيل يرى التطبيع حكمة والمقاومة خرابا! سيؤمن أن الإسلام مجرد عبادات فردية، لا علاقة له بالكرامة أو السيادة أو نصرة المستضعفين فتنقطع صلته بالإسلام كمنهج ويستبدل الترفيه بالعقيدة، ويقدم الانحلال على أنه تقدُّم، ويعاد تعريف الدين ليُناسب قيم الاحتلال والتطبيع.

 

سادسا: هل التطبيع يضر بفلسطين فقط، أم يفتك بالشعوب نفسها؟

 

كثير من الناس يظن أن خطر التطبيع يقتصر على خيانة القضية الفلسطينية، لكن الحقيقة أخطر وأعمق. التطبيع يعيد تشكيل وعي الشعوب، ويغرس فيها أن الاحتلال مقبول إن كان واقعا قويا، وأن كيان يهود طرف طبيعي في المنطقة، والمقاومة إرهاب، والحوار مع المحتل نضج، فالكرامة والهوية يمكن المساومة عليهما مقابل اقتصاد، وسفر، وحفلات، أو مباريات... وهذا خطر وجودي على الشعوب، لأنه ينزع العداء من قلوب الأجيال ويحرم الأمة من مشروع نهضوي موحد ويفتح الباب لهيمنة اقتصادية وثقافية ناعمة ويطفئ جذوة الوعي بقضايا الأمة الكبرى.

 

لهذا، رفض التطبيع ليس تعاطفا مع فلسطين فقط بل هو دفاع عن كرامتك، ومستقبل وعي أولادك، وقيم أمتك كلها.

 

سابعا: هل تقبُّل الشعوب العربية لفكرة التطبيع أو الخضوع للمشاريع الغربية واحد في كل مكان؟

 

تختلف باختلاف الوعي السياسي والتاريخي؛ فمعظم الشعوب العربية التي عايشت الاحتلال أو كانت قريبة من ساحات الصراع، أكثر وعيا وخبرة برفض التطبيع. بينما في دول مثل الإمارات أو المغرب، يصنع الوعي من خلال إعلام موجه ونظام تعليمي بعيد عن القضية الفلسطينية، ما يسهل تمرير التطبيع كتطور عادي.

 

كما تلعب الحرية السياسية دورا في اختلاف ردود فعل الشعوب؛ ففي الدول التي لا تملك شعوبها هامش حرية للتعبير، يُفرض التطبيع قسرا، وتغلّفه السلطة بخطاب إنساني أو اقتصادي، ما يجعل المعارضة نادرة أو مكبوتة.

 

أما في الشعوب الحية، فحتى مع القمع، ترى مظاهرات ورفضا عاما، كما حصل في المغرب رغم الاتفاق الرسمي مع كيان يهود.

 

كما أن للدين والهوية تأثيراً على ردود فعل الشعوب؛ فالشعوب المتجذرة في هويتها الإسلامية ترى في التطبيع تنازلا عن كرامتها الدينية، وتربط المسجد الأقصى بوجودها نفسه. بينما الشعوب التي تم تفريغها ثقافيا أو إدماجها في مشاريع تقدمية غربية، قد تتقبل الفكرة كمصلحة اقتصادية أو سياسية.

 

ثامنا: هل التطبيع سيمر بسلاسة في كل مكان وينجح؟

 

لا، خصوصا في الدول التي عاشت الحروب والدمار، والتي لم تتخدر بعدُ برفاهية مزيفة، حتى مع محاولات الاختراق الثقافي، لا يزال هناك وعي متصاعد، خاصة في المناطق التي عايشت الاحتلال أو رأت خيانات الأنظمة.

 

هناك أمر مهم وهو أن الاحتكاك مع يهود سيولد الصدمة لأنه سيفضح الوجه الحقيقي للصهيوني المتغطرس عندما يختلط مع الشعوب، وسيسقط قناع السلام. سينشأ صراع طبقي وثقافي وشعور بالاستفزاز، ما قد يفجر اضطرابات داخلية في حالة وُوجِهَ التطبيع برفض شعبي واسع، فستواجهه الأنظمة بالقمع تحت مسمى التحريض، وهذا قد يولد فوضى، أو يقظة شعبية أوسع، فالتطبيع قنبلة موقوتة.

 

نستخلص أنه قد تتقبل بعض الشعوب العربية التطبيع شكليا تحت الضغط أو التضليل، لكن في العمق الشعبي يبقى الرفض قويا، وما تراه من صمت لا يعني القبول، بل في كثير من الأحيان هو قهر مكبوت بانتظار من يحركه ويقوده بوعي، وهذا يقودنا إلى:

 

تاسعا: السؤال الأكبر: ماذا لو اندلع بركان شعبي؟

 

قد يعتقد الغرب أنه قادر على احتواء الأزمات أو إدارتها، لكنه لا يملك مفتاح السيطرة على قوة الشعوب المتألمة. فالشعوب التي عانت من الاحتلال ومن قصف لا يتوقف ومن حصار اقتصادي ومن فساد الأنظمة ومن تلاعب القوى الكبرى... هذه الشعوب ليست قابلة للترويض بسهولة، فعندما يصل الغضب لمرحلة عدم الاحتمال، تنفجر الأمور فجأة، وتتغير قواعد اللعبة بالكامل.

 

قانون التاريخ يقول: عندما يشتد الظلم ويضعف الأمل، تنكسر القيود قبل أن تتوقع. وهنا تبرز قوة الوعي الذي لا يقاس بسياسات أو استراتيجيات لحظية.

 

عاشرا: هل يمكن استثمار هذا البركان لإعلان الخلافة؟

 

البركان الشعبي وحده ليس كافيا، لكن إذا توفرت عوامل البناء التالية، فإنه سيكون الدافع الحقيقي لتغيير جذري وهي:

 

توفر الرؤية الواضحة، ليس مجرد رفض للتطبيع أو الانحياز، بل مشروع بديل يستند إلى مبادئ ثابتة تحت قيادة رشيدة، قيادة موحدة، قادرة على صياغة استراتيجية سياسية وفكرية واضحة توجه القوة الشعبية بدقة، من خلال برنامج إصلاحي شامل؛ اقتصاد قوي، تعليم، عدل،... كلها عناصر تقوي مشروع الخلافة كحكم يلامس حاجة الشعوب الحقيقية.

 

والآن مع السؤال الجوهري: لماذا الخلافة هي الحل الوحيد لسند ظهر الأمة؟

 

لأن الخلافة تمثل مشروعا سياسيا قائما على العقيدة الإسلامية، لا على الجغرافيا أو المصلحة القطرية الضيقة، ولأسباب عدة ستكون وحدها القادرة على إسناد ظهر الأمة في مواجهة التطبيع وأخطر تبعاته، فالخلافة توحّد المسلمين في دولة واحدة، وتنهي التجزئة التي سهلت على الغرب تمرير التطبيع، وتحشد الطاقات البشرية والعسكرية والاقتصادية في وجه كيان يهود. وبخلاف الأنظمة المرتبطة تبعيا بالغرب، فإن الخلافة تقطع كل أشكال التبعية، ما يعني كسر اليد التي تحرك ملف التطبيع وتحرسه سياسيا واقتصاديا.

 

إن الخلافة لا تستمد شرعيتها من اعتراف دولي أو من علاقات تطبيعية، بل من بيعة الأمة، ما يجعل قرارها مستقلا، وسيادتها فعلية، تمكنها من التصدي لأي اختراق وتعيد القضية إلى أصلها، أي صراع وجود لا حدود. وهي وحدها من سيحرر فلسطين من يهود.

 

الخلافة ستعيد تشكيل وعي الأمة على أساس الإسلام، وستقضي على التطبيع الثقافي والإعلامي، وتحصن الجيل القادم من الذوبان في مشروع يستهدف عقيدتهم.

 

فالخلافة ليست مجرد نظام حكم، بل هي درع الأمة ورايتها، والمشروع الذي إن قام، لن يترك التطبيع ينخر في جسدها، بل يقتلع جذوره من الأرض والفكر والسياسة.

 

ومن ثم يأتي السؤال الأخير: إلى متى سنبقى هكذا؟ ننتظر الفرج ونحن نغلق أبوابه، ونرفض الحل رغم وضوحه؟!

 

إن الحل أمامنا، لكننا ندير له ظهورنا، ونرضى بالعذاب والذل والتطبيع والخذلان، أليس في تضحية يوم ما يستحق سعادة أمة بأكملها؟ أليس في وجع واحد خلاص من أوجاع ممتدة؟ فلنُقبل على العمل بيقين، بإيمان، بثقة بوعد الله. فلنضع أيدينا مع من صدقوا العهد، مع من يحملون مشروع الأمة حقا، مشروع الخلافة الراشدة على منهاج النبوة بقيادة إمام يعيد للأمة عزتها، وينزعها من التبعية، ويقودها نحو التحرير والوحدة والنهضة.

 

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، فلا نساوم على ديننا، ولا نبيع عزتنا ببضع مصالح دنيوية. ويقول عز وجل: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا﴾، ففي الاستقامة والعودة إلى نهج النبوة، فرج وخير وفتح... فلنبدأ الطريق.

 

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أن نصبح أمّةً تُحيي العالم

 

(مترجم)

 

لم يقتصر يوم 28 رجب 1342هـ، الموافق لـ3 آذار/مارس 1924م على هدم الخلافة واستبدال نظام حكم جديد بها، بل إن إزالة هذا النظام الإسلامي، مزّق كيان المسلمين الواحد إلى عشرات المزق؛ 57 مزقة اليوم. جعلهم ذلك عرضةً للظلم والاستغلال والقتل والاستعباد. ومع زوال الخلافة، أصبحت الأمة الإسلامية تُعاني من الخلافات والنزاعات، كما كانت تعاني منها الأمم السّابقة، ما جعلها عاجزةً عن الرؤية والفهم والتفكير والتخطيط ووضع الأهداف واتّخاذ الإجراءات والدفاع عن نفسها ضدّ الهجمات كما تفعل الأمة الواحدة. صحيحٌ أنّهم يشعرون بالتّرابط في مشاعرهم، إلا أن التباينات في أفكارهم وسياساتهم تُعيق تماسكهم. ويتزايد عدد المسلمين يوماً بعد يوم، لكنهم فقدوا ثرواتهم وسقفهم الآمن. نسمع ذلك خاصة من المسلمين في غزة، والمسلمين المضّطهدين في أماكن أخرى: "أين الأمة؟!"

 

صحيحٌ أن كلمة أمّة اليوم تتردّد على ألسنة الجميع، ولكن مع الأسف، لا يمكن أن يصبح الناس أمةً حقاً دون إدراك الفرق بين المفهوم البدائي للأمة والمفهوم الإسلامي الأسمى والحيوي.

 

كلمة أمة مشتقة من الجذر "أ م م"، الذي يحملُ معاني مثل: "النية، والهدف، والطلب، والقيادة، والرّيادة، والتقدم، والتحفيز، والإدارة". (سان العرب لابن منظور، القاموس المحيط).

 

وفي هذا السّياق، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.

 

استخدم القرآن كلمة وسط مقرونةً بكلمة أمة، مؤكداً معناها وغايتها. في اللغة العربية، يمكن تلخيص كلمة وسط بأنها المركز الذي تجتمع فيه القيمة والقوة والجمال. فالمركز دائماً هو القمّة! وبالتالي، فإنّ القدرة على أن تكون الأمة الإسلامية هي الأثمن والأعدل والأكرم، هي العنصر الأساسي الذي يؤهلها لتكون شاهدة على البشرية جمعاء. فالأمة الإسلامية، كقمة الجبل البارزة التي تلفت الأنظار من بعيد، وهي الأبرز والأكثر تميزاً والأعلى شأناً، كانت ولا تزال حاضرةً أمام أعين البشرية جمعاء، وهي دليلها.

 

وبالمثل، يُطلق على الشخص أو الفرع الأكثر احتراماً وتكريماً في المجتمع أو القبيلة وَسَطُ قَوْمِهِ، وَاسِطُ قومه، أي الأنبل والأبرز. وقد جعل ربنا هذه الصّفة عنواناً خاصاً بالأمة الإسلامية بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّةٍ اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. وفي تكملة الآية يربط سبحانه هذا التمييز بالشّرط: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ إلى واجب الإمام، وهو مشتق من نفس جذر كلمة الأمة.

 

بما أنّ الإمام هو القائد الذي يجمع الناس ويوحدهم، فإنّ الجماعة التي تتشكل حوله تُسمى أيضاً أمة. وفي هذا السّياق، تُعرَّف الأمة بأنها جماعة واعية اجتمعت حول قائد لغرض محدد.

 

إنّ الاجتماع الواعي حول قائد معين لغرض محدّد يعني التوحّد على فكرة أو عقيدة - دين - فيضمنُ التماسك والوحدة. وقد أوضح الله تعالى أنّ وحدة الأمة لا تتحقق إلا بالدين، أي بنظام حياة قائم على عقيدة.

 

وبناءً على ذلك، استخدم القرآن الكريم كلمة أمة كمرادف لكلمة دين. فعلى سبيل المثال، يقول ربنا سبحانه في الآيتين 22 و23 من سورة الزخرف: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلٰى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلٰى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلٰى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلٰى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.

 

أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنّه على الرّغم من أنه خلق البشرية أمةً واحدة، إلا أن الناس وقعوا في اختلاف (انقسام) باتّباع أهوائهم، والانحراف عن الطريق الذي أراهم الله إياه، وإنكار الأنبياء الذين أُرسلوا إليهم منذرين وداعين إلى الحقّ من ربهم، وهكذا أصبحوا منقسمين ومتفرقين: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾.

 

بينما تدل كلمة أمة على الوحدة والتماسك والتجانس وبنية اجتماعية ذات صراع داخلي محدود، فإنّ مصطلح اختلاف يدلُّ على الانفصال والصّراع والتّباعد. ولهذا السبب، حدّد الله سبحانه وتعالى، وهو ربنا وربّ العالمين، الغاية الواعية للأمة الإسلامية بعبادته وحده، ﴿إِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون﴾.

 

ولكي يمنعها من الانقسام بالابتعاد عن عبادته، كما فعل البشر في البداية، أمر الله سبحانه وتعالى بما يلي: ﴿وَاِنَّ هٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.

 

أليست هذه الآية هي التي تُبين بوضوحٍ تامٍّ الظلام الذي يُعاني منه المسلمون اليوم؟ ينبغي للمسلمين، مهما بلغ عددهم، أن يعيشوا كأمةٍ واحدة، كجسدٍ واحد، وأن يتصرفوا كجسدٍ واحد. ليس هذا مجرد ضرورةٍ للبقاء، بل هو أمرٌ من الله. وأي شيءٍ غير ذلك يُؤدي إلى الذلّ في الدنيا والآخرة. لا شكّ أن هناك رباً واحداً فقط (الله) قادراً على تنظيم البشرية وهدايتها. فالله هو الجّبار، والملك، والحاكم، والمالك والمصلح، والحاكم، والسّلطة المطلقة، هو الربّ الوحيد! ربُّ السماوات والأرض والعوالم جميعها، هو القادر على تنظيم البشرية جمعاء؛ لأنه القوي. هذا ما شهدنا به حين أقسمنا "لا إله إلا الله". لكن بدل أن نضع ثقتنا في الله رب العالمين، الذي يُنظم ويُدبّر جميع قواعد وأنظمة الحياة، فقد حُكم علينا بالتفتت على يدّ حكّامٍ عملاء لا يخشون قدرة الله ولا عظمته ولا غضبه، بل يخشون القوانين والأنظمة والقوى الدولية التي تحافظ على الحدود الوطنية التي رسمتها قوى استعمارية كافرة عابرة من أجل بقائها الرأسمالي. هؤلاء العملاء هم من يتركون المسلمين اليوم منفصلين، مُجرّدين من أجسادهم، مهجورين، وبلا شعور بالانتماء. فبدلاً من التقوى، أي خشية الله، يخشون كل شيء وكل شخص إلا الله: أمريكا، أوروبا، الصين، وما إلى ذلك. هؤلاء القادة الجبناء عديمو المبادئ يُقسّموننا إلى أجزاء يسهل هضمها للوحوش الجشعة المتعطشة للدّماء. ومع ذلك، فقد حذّرنا رسول الله ﷺ من هذه النتيجة بالذات؛ حيث قال النبي ﷺ: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»‏.‏ فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ»‏.‏ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» رواه ‏أبو داود

 

عندما قدّم المسلمون الخوف من العباد على الخوف من الله (التقوى)، أزال الله الخوف منهم من قلوب الكفار. والآن، يمارسون الظّلم في أي مكان في العالم كما يحلو لهم، ويرتكبون الإبادة الجماعية، ولا يرحمون حتى أبناء جلدتهم. يشعلون الحروب في أرجاء المعمورة متى شاؤوا، ويثيرون العداوات تحت راية القومية، وكأن ذلك لم يكن كافياً، فهم يزرعون الفتنة بين البشر من خلال العنصرية. ولأنّه لا توجد أمة إسلامية تقف في وجههم أو تكسر شوكتهم، فهم قادرون على إظهار وحشيتهم في أي مكان في العالم وفي أي وقت. أولئك الذين يفرضون القومية كقيمة عُليا، بات بإمكانهم الآن عبور حدود الدول الأخرى وشنّ عمليات عسكرية، بل واختطاف قادة الدول متى شاؤوا واستبدال من يختارون بهم. لا يملك الكفار المستعمرون شيئاً في أيديهم يمكن أن يوحد البشرية في وئام وسلام ورخاء وعدل، ولا يسعون إلى ذلك أصلاً، لأن أي شكل من أشكال الوحدة يُعد تهديداً لبقائهم. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّٰى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾.

 

لكنّ الله ربّ العالمين هو القادر على توحيد جميع الأديان واللغات والأعراق تحت سقف آمن وعادل ومزدهر! هو الله الذي وحّد بالإسلام قلوب الأعداء ليصبحوا قادة في العالم على العدل والأخلاق، وليكونوا الأمة الوسط. ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّٰهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَاَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلٰى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

 

لم تُسفر النزعات القومية والتعصّب والعنصرية والطائفية إلا عن عداوة الناس بعضهم لبعض. ولهذا السّبب، فإنّ مجرد كون المرء مسلماً لا يكفي. كما أن عدد المسلمين، سواء أكان قليلاً أم كثيراً، لا يُعتد به في حد ذاته. ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّٰهِ﴾

 

وهذا يعني أنّ أهم معيار للخروج من الظلام هو أولاً أن يكون المرء مسلماً، ثم أن يتّحد مع المسلمين الآخرين في جسد واحد، ألا وهو الأمة الإسلامية. ولكن لتحقيق ذلك وفقاً لمعنى كلمة أمة وأمر الآية الكريمة التالية، لا بدّ من وجود جماعة ترشد الآخرين وتقتدي بهم في الطريق الذي رسمه الله وتجسده في سيرة رسوله ﷺ. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ اُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُو۬لٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

 

هذا يعني أنّه لتحقيق الخلاص الذي وعد به الله، لا بدّ من وجود جماعة خاصة تقود المجتمع الإسلامي بأسره. وأبرز ما يميّز هذه الجماعة هو دعوتها إلى الخير (الإسلام وأوامر الله)، وأمرها بالمعروف، ونهيها عن المنكر، أي أنها تدعو إلى أحكام الشريعة. ويجب أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجهين في المقام الأول إلى الحكام. فتوحيد أمة محمد ﷺ والحفاظ عليها على دين الله وحده، وتدبير شؤون المسلمين وفقاً لأحكام الإسلام، وإيصال كل خير الإسلام إليهم، وحمايتهم من أعداء الإسلام والمسلمين، ونشر عدل الإسلام ونوره في جميع أنحاء العالم، كل ذلك هو من مسؤوليات الحاكم.

 

إنّ أول واجب يجب على أي جماعة ملتزمة بالإسلام أن تؤديه اليوم هو اختيار قائد للأمة، فالإمام هو من يوحّد ويجمّع، وبدونه لا تتحقق الوحدة. المسلمون الذين لا يستطيعون التوحّد لا يستطيعون أداء واجباتهم كأمة، ولا ينالون اللقب والشرف اللذين استحقوهما من الله. اسم قائد الأمة هو الخليفة. وقد ورد هذا في حديث رسول الله ﷺ المذكور آنفاً، وفي أحاديث أخرى كثيرة، كما عمل به الصحابة الكرام، ومن بعدهم المسلمون لقرون. يحكم الخليفة بنظام الله وحده، لعلمه أن أي نظام آخر يفصل الأمة عن حبل الله، ولذلك لا يفسح المجال لأي شيء خارج عن الإسلام. ولا خليفة إلا واحد! فلا يجوز بتاتاً أن تنقسم الأمة الواحدة، ولا يجوز تقسيمها بالقومية أو الطائفية، تحت حكم أكثر من خليفة، حتى لو ادّعوا الحكم بالإسلام. روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ قال: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا»‏‏ (رواه مسلم)

 

لذا، وبصفتكم جماعة من المسلمين وعلى الإسلام، يدعو حزب التحرير جميع المسلمين إلى إقامة هذه القيادة التي ستجلب الكرامة للمسلمين والفلاح للبشرية جمعاء. ويدعو جميع المسلمين إلى توحيد جهودهم في هذه الدعوة النبيلة، التي تُعدّ تاج الواجبات.

 

أيها المسلمون: كما أننا في أمسّ الحاجة إلى الخلافة، فإن البشرية جمعاء في أمسّ الحاجة إلى قيادتنا. إذا توحدنا من جديد، وإذا تمسكنا بحبل الله مرةً أخرى، فسنكون الأمة التي تُحيي العالم. إذا عملنا فقط على النّهج الذي أرشدنا إليه رسول الله ﷺ، نهج النبوة، دون خوف من أحد إلا الله، وأقمنا الخلافة الراشدة، فإنّ كل شيء؛ نحن، والبشرية جمعاء، والسحاب في السماء، والتّراب على الأرض، والجبال والصخور، والمياه العذبة والمالحة، سيعود إلى الحياة.

 

قال رسول الله ﷺ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزّاً يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلّاً يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» (رواه أحمد في مسنده، والطبراني في  الكبير)

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زهرة مالك

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

غرينلاند ليست صفقة:

قراءة في تصدّع النظام الأطلسي

 

 

يُكرّر الرئيس الأمريكي ترامب رغبته في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند. ففي ولايته الأولى عام 2019، عرض شراءها، لكن عرضه قوبل بالرفض، وقيل له بوضوح إنها ليست للبيع. وقد أعاد اهتمامه بها في ولايته الثانية، حيث لم يستبعد استخدام القوة للاستحواذ عليها.

 

بعد أحداث فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته من بيتهما، ثبت للعالم أنه لا توجد قوة قادرة على الوقوف في وجه ما تسعى أمريكا إلى تحقيقه. وفي اليوم التالي، وبعد نشوة العظمة التي أعقبت تلك الأحداث، قال ترامب للصحفيين: "نحن بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، فهي ذات أهمية استراتيجية كبيرة في الوقت الحالي، وغرينلاند مليئة بالسفن الروسية والصينية في كل مكان" (CNN العربية).

 

في المقابل، ردّ رئيس وزراء غرينلاند، نيس فريدريك نيلسن، قائلاً: "كفى الآن"، واصفاً فكرة السيطرة على الجزيرة بحد ذاتها بأنها ضربٌ من الخيال. كما أكدت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، أن الولايات المتحدة لا تملك أي حق في ضم أي جزء من الدول الثلاث التابعة لمملكة الدنمارك.

 

غير أن اهتمام أمريكا بغرينلاند يعود إلى فترة أبعد بكثير. فبعد احتلال ألمانيا للبرّ الدنماركي خلال الحرب العالمية الثانية، غزت أمريكا الجزيرة وأقامت فيها قواعد عسكرية، واستمر ذلك حتى بعد انتهاء الحرب. ولا تزال قاعدة بيتوفيك الفضائية قائمة حتى اليوم، والتي كانت تُعرف سابقاً بقاعدة ثولي الجوية، وتُديرها أمريكا.

 

وقبل ذلك بسنوات طويلة، كانت لدى أمريكا رغبة واضحة في امتلاك غرينلاند. ففي عام 1867، وبعد شراء ألاسكا من روسيا، حاولت شراء غرينلاند، لكنها لم تنجح في ذلك.

 

ويقول مارك ياكوبس، أحد أساتذة الكلية الملكية الدنماركية للدفاع "إذا أرسلت روسيا صواريخ باتجاه الولايات المتحدة، فإن أقصر طريق للأسلحة النووية سيكون عبر القطب الشمالي وغرينلاند، ولهذا السبب تُعد قاعدة بيتوفيك الفضائية بالغة الأهمية في الدفاع عن الولايات المتحدة".

 

إن مسألة غرينلاند لا تقف خلفها أسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، إذ تستطيع أمريكا الوصول إلى المعادن والطاقة بوسائل أخرى أقل كلفة سياسياً، ناهيك عن قدرتها على تعويض هذه الموارد من أماكن متعددة في عالم بات اليوم بين راحتيها.

 

إن أهداف أمريكا من ذلك هي أهداف جيوستراتيجية - عسكرية - نظامية، تتصل مباشرة بالأمن القومي الأمريكي، وبإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي، وهو ما صرّح به ترامب صراحة.

 

فغرينلاند ليست مجرد أرض يُتحكّم بها من حيث الموقع، فهي تعود جغرافياً إلى قارة أمريكا الشمالية، وقد أُديرت بوصفها مستعمرة حتى منتصف القرن العشرين. وتشكل اليوم أكبر كتلة جغرافية تطل على ممرات القطب الشمالي الجديدة، التي قد يفتحها ذوبان الجليد مع تسارع التغير المناخي، وهي ممرات تختصر طرقاً تجارية حيوية بين القارات.

 

ومن الأهداف الأساسية أيضاً كسر الطوق الروسي في الشمال، حيث يُعد القطب الشمالي عمقاً استراتيجياً لروسيا، يضم قواعد نووية وغواصات ردع ومنظومات إنذار مبكر. وباعتبار أن غرينلاند تقع مقابل تلك السواحل وعلى خط حركة الغواصات النووية الروسية نحو الأطلسي، فإن امتلاك أمريكا يجعلها قادرة على إغلاق ممرات الردع الروسية وتحويل الجزيرة إلى نقطة مراقبة أمريكية متقدمة.

 

كما أن استعادة العمل الكامل لقاعدة بيتوفيك، في حال أصبحت الجزيرة ملكاً لأمريكا، يمنحها حرية نشر أنظمة عسكرية جديدة دون قيود سياسية، إذ تخضع القاعدة اليوم لتفاهمات مع الدنمارك ولا تتمتع أمريكا بسيادة كاملة عليها. ويشمل ذلك تطوير منظومات اعتراض صاروخي متقدمة وتقليل زمن الإنذار المبكر إلى أدنى حد ممكن.

 

أما النقطة الأكثر حساسية، فهي تحييد أوروبا داخل حلف الناتو. فامتلاك أمريكا لغرينلاند يسحب أحد أهم الأقاليم الاستراتيجية من يد أوروبا، ويُحدث شرخاً داخل الحلف، ويوجّه رسالة واضحة مفادها أن "الأمن الحقيقي لا يمر عبر الشراكة، بل عبر السيطرة الأمريكية المباشرة".

 

وبذلك يتحول حلف الناتو من تحالف شركاء إلى بنية أمنية أمريكية بإدارة فوقية، يصبح فيها الحلف أداة لخدمة المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى. وفي الوقت الراهن، من المستبعد أن تفكر أي دولة أوروبية في الانسحاب من الحلف، إذ إن مجرد الإقدام على ذلك يعرّضها مباشرة للوقوع في مرمى روسيا دون مظلة الحماية الأمريكية.

 

ومن غير المتوقع أيضاً أن تدافع أوروبا عن الدنمارك في مواجهة أمريكا، بل قد تسعى للضغط عليها عبر المادة الخامسة من ميثاق الحلف، التي تنص على أن أي اعتداء على عضو يُعد اعتداءً على الجميع. غير أن الإشكالية هنا أن هذا ليس اعتداءً خارجياً، بل اعتداء من داخل الحلف نفسه، ومن قائده، وهو ما يُفرغ المادة الخامسة من روحها، ويفتح الباب أمام انقسام أوروبي محتمل.

 

وهنا تقف أوروبا أمام خيارين: إما القبول بواقع الناتو كأداة أمريكية لا كشراكة متكافئة، أو الشروع في مسار طويل وشاق لبناء أمن أوروبي مستقل، وهو مسار ستقف في وجهه كل من أمريكا وروسيا، كلٌّ من زاويتها الخاصة.

 

وهذا يقودنا إلى خلاصة مفادها أن الناتو بصيغته القديمة قد انتهى فعلياً، حتى وإن بقي اسمه قائماً.

 

وترى أمريكا أن بقاء غرينلاند ضمن السيادة الأوروبية يفتح الباب أمام اختراق صيني تدريجي، ولو عبر الاقتصاد والاستثمارات والأبحاث والبنية التحتية، في حين إن سيطرتها على غرينلاند تُغلق هذا الباب أمام الصين.

 

وتعتبر أمريكا غرينلاند خط الدفاع الأول ضد أي تحرك روسي أو صيني، أو في حال دخول العالم مرحلة فوضى نظامية مع تراجع الأحادية القطبية وصعود التعددية.

 

والحقيقة أن غرينلاند ليست صفقة عقارية، بل قطعة محورية على رقعة شطرنج النظام العالمي القادم. وهي اختبار صامت لطبيعة النظام الغربي نفسه؛ فعندما تطلب القوة القائدة لأكبر تحالف في العالم أرض أحد أعضائه تحت لافتة "الأمن القومي"، فإنها لا توسّع حدودها الجغرافية بقدر ما تقلّص مساحة الثقة، وتهبط بمكانتها الأخلاقية والقيادية.

 

وهنا لا يعود السؤال عن مصير جزيرة جليدية، بل عن مصير فكرة الشراكة في عالم بدأ فيه منطق القوة يطغى على منطق التوافق.

 

قد يسقط الناتو غداً، أو قد تستمر هياكله في أداء وظائفها العسكرية، لكن اللحظة التي يُعاد فيها تعريف الحلفاء بوصفهم "مواقع استراتيجية محتملة" لا "شركاء سياديين"، هي اللحظة التي يفقد فيها التحالف روحه، فيستمر شكلاً، وينتهي فعلاً.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

وحدة الأمة الإسلامية لا اتحاد الدول الإسلامية:

السبيل إلى نهضة جامعة وتغيير جذري

 

 

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا» وَخَطَّ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾. حديث صحيح رواه أحمد والنسائي

 

إن قضية توحيد الأمة وتغيير واقعها ليست محل خلاف بين المسلمين. فالغالبية العظمى من المسلمين نُخباً ومفكرين، عامة وعلماء، يُجمعون على ضرورة النهضة ويلتمسون السبل لجمع طاقات المسلمين وتوحيد قواهم. لكن في عملهم للنهضة أفراد وجماعات تفرقت بهم السبل. وعند التدقيق في الحديث الشريف والآية الكريمة من سورة الأنعام ندرك أن الأمة تواجه في معركتها مع الباطل طرقاً مشبوهة ومذاهب للباطل تكاد تضل كثيراً من الناس إلا من عصم الله.

 

إنَّه مما يجب أن يكون مُسلَّماً به في ذهن المسلم: مفهوم الأمة الواحدة، أي أننا نحن المسلمين أمة من دون الناس، فالرابط الذي يجب أن نجتمع عليه إذاً في طريق النهضة هو العقيدة الإسلامية. وهذا هو الرابط الذي يصلح حقاً لتغيير واقع أمتنا وإعادتها للمكان الذي ارتضاه لها رب العالمين: خير أمة، نُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

 

وهذا المفهوم يجب أن يتجسد في الأمة وبنيها وجماعاتها فكراً وشعوراً، فيُنتج عملاً سياسياً يصهر حركة الأمة ويحوّلها من مجرد مشاعر تُفرغ في منشورات وترندات على وسائل التواصل إلى رأي عام منبثق عن وعي عام وحركة سياسية فاعلة في المجتمع تتقصد التغيير الجذري لإنهاء أي وجود لكل ما يعيق وحدة الأمة الفعلية.

 

وحين نقول إن مفهوم الأمة الواحدة يجب أن يتحول من مشاعر إلى فكر وشعور منبثق عن الفكر فهذا لأننا أصالة مسلمون نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونقرأ كل يوم ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ونحفظ أحاديث رسول الله: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ»، «الْمُسْلِمُونَ أُمَّةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ»، فالمسلم الصومالي أقرب للمسلم في فلسطين من النصراني جاره، والمسلم في أقصى الهند أقرب للمسلم في سوريا من الدرزي والعلوي. والحديث هنا ليس عن حسن المعاملة للجيران وإنما عن الرابط الفكري والشعوري الذي يجتمع عليه المسلمون وينبثق من عقيدتنا. رابط جاء به الوحي، لا يرتبط بعصبات ولا قبلية ولا وطنية.

 

أي أن الأصل في الأمة أنها تحتكم لهذه العقيدة التي لا تقبل بحدود مصطنعة تمزق الجسد المسلم، فلا يجوز لمسلم أن يخلط بين ولائه للأمة والعقيدة ثم يتغنى بحبه للوطن، فهذا فوق أنه حرام فهو مؤشر لاهتزاز في المعايير وميوعة في الفكر لدى صاحبه. فكيف يقبل مسلم على نفسه بعد أن يقرأ حديث رسول الله «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» ثم يطاوعه قلبه أن ينادي بالوطنية أو يتجرأ بالقول إن حب الأوطان من الإسلام؟ ومرة أخرى: حب المرء للمكان أو البلد الذي نشأ فيه شيء، وربط هذه المشاعر بالولاء الفكري والانتماء العقدي أمر مغاير تماماً. الأول فطرة والثاني مخالفة لعقيدة الولاء والبراء.

 

أما الشق الآخر للمسألة وهو تحويل فكرة وحدة الأمة، على رابطة العقيدة الإسلامية التي ارتضاها الله لنا، ونبذ ما سواها من روابط سواء وطنية أو قومية، إلى رأي عام في الأمة ينتج حركة سياسية فاعلة. فهذا أيضاً مرتبط بشكل وثيق بكون الإسلام رسالة الله للناس جميعاً، وهو أيضاً مبدأ سياسي بامتياز، فالعقيدة المحمدية عقيدة تصنع رجال دولة بالدرجة الأولى، لا أقاصرة ولا رجال دين. فهذا الدين يربِّي رجاله ونساءه أنَّهم مستخلفون في الأرض، ومهمَّة المسلم الأسمى هي تعريف الناس بربِّهم سبحانه وتعالى، وهذه المفاهيم هي مفاهيم سياسية تحتاج دولة تحملها، كما كانت دولة الإسلام طوال ثلاثة عشر قرنا من الزمان تحمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد، ولسان قادة جيشها وحكامها: أسلم تسلم، وابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. والمتفكر في هذا يرى الفرق بين الإسلام ورعايته للناس ورحمة سياسييه وعدلهم وبين تجبر قادة الغرب وسياسيّيه الذين يرتكبون كل الموبقات في سبيل نهب ثروات الشعوب وحماية مصالحهم.

 

ولمَّا كانت العقيدة الإسلامية تصنع الولاء بناء على الفكر وتجعل الانتماء للأمة والدين وليس للحدود والتراب أو العائلة المالكة، كانت قطعاً عدوّا للدولة الوطنية، ووجودها يشكل خطراً على عروش كل الأنظمة الموجودة في البلاد الإسلامية اليوم، لذلك فإن الدعوة لإقامة الخلافة هي الخطر الأعظم على كل الحكام الذين يمثلون الدول الوطنية التي تكرِّس الحدود في جسد الأمة الواحدة، ويوظفون جيوشهم لحماية الحدود والعروش، مرتكبين منكراً وإثماً عظيماً، لا يقل فظاعة عن منكر تعطيل الشريعة.

 

فالدعوة لتوحيد الأمة دعوة سياسية واضحة: أن تعود الأمة جسداً واحداً له حاكم واحد، تحتكم لعقيدتها في جميع شؤونها: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، تعليم ورعاية شؤون في الداخل والخارج. دولة واحدة من إندونيسيا شرقاً للمغرب العربي بلا حدود ولا حواجز، مترامية الأطراف، يسافر المرء فيها بلا جواز سفر ولا تفتيش على الحدود القطرية المصطنعة. بيت المال فيها يوزع على أساس الإسلام لجميع المسلمين دون اعتبار للجغرافيا، فالزكاة تُجمع من كل من تجب عليه من المسلمين وتُعطى لمستحقيها أينما كانوا، وكذلك أجهزة الأمن والشرطة مرجعيتها لدولة واحدة، فلا يختلف القانون في الكويت مثلا عن القانون في باقي الجزيرة العربية، ولا وجود لمصطلحات مثل: شعب شقيق أو الأشقاء العرب كالدارج الحديث فيه عند وقوع نازلة ببلد من بلاد المسلمين.. بل الأصل أننا أمة واحدة لها دولة واحدة وحين تنزل بأي منطقة من مناطق المسلمين نازلة سواء حرب أو غيرها تجد الأمة كلها وعلى رأسها الدولة تتداعى لحماية المسلمين ومصالحهم.. فجيش دولة الخلافة سيكون جيشاً مهمته الجهاد وحماية الأمة والدولة: الأمة المسلمة أينما كانت، لا الشعب الذي يرتبط الولاء عنده بحدود تفصله عن باقي الأمة. ويكون الأمن الداخلي في الدولة موجوداً لحماية مصالح الناس ورعايتهم على أساس الإسلام، فلا فتن ولا اقتتال داخلي.. بل الإسلام الذي حمى مصالح الناس وكراماتهم وأمنهم مسلمين كانوا أم غير مسلمين، بالحق والعدل.

 

هذه هي الوحدة التي ننشدها: دولة واحدة السيادة فيها للشرع والسلطان فيها للأمة، لا دويلاتٍ السيادة فيها لسفير أمريكا أو بريطانيا، والسلطان فيها لطبقة سياسية عميلة ترعى مصالحها ومصالح أسيادها، ثم لذر الرماد في عيون الناس يتشدقون بضرورة إيجاد اتحاد بين الدول الإسلامية أو العربية.. وهم أس الداء والبلاء بأنظمتهم التي تحكم بغير الإسلام وتنفذ إملاءات العدو.

 

والقارئ بعين الوحي لمجريات الأحداث يدرك أن وحدة الأمة الحقيقية باتت أمراً واقعاً ملموساً في وجدان الأمة، سيتجسد قريباً واقعاً سياسياً عبر دولة الخلافة، رغم مكر الطغاة وبطشهم. وحينها سيدرك الغافلون مدى قوة الأمة وكم تملك من طاقات، وسيرى العالم كيف هي السياسة الحقيقية التي ترعاهم بالرحمة والعدل.

 

﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيباً

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بيان جمال

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

شهر رجب حافز لعودة الخلافة

 

 

في هذه الأيام المباركة من شهر رجب، شهر الخيرات والبركات، شهر التوبة والرحمة، فيه أسري بمحمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فكانت ليلة الإسراء والمعراج، كانت هناك ذكرى أليمة بل مصابا جللا قد يغيب عن كثير من المسلمين، هي ذكرى هدم دولتهم وحصنهم المتين، في 28 من رجب سنة 1342ه الموافق لـ3 من آذار/مارس سنة 1924م على يد مصطفى كمال.

 

لسائل أن يسأل هنا لماذا حزب التحرير منفرد بالتذكير بالخلافة وأهميتها وأنها الحل الوحيد لمشاكل المسلمين والبشرية عامة؟!

 

إننا اليوم نرى ونشهد تذمّر الأمة من الوضع الذي تعيشه والكل يبحث أو يريد حلا لكن دائما التفكير منحصر في القوالب الجاهزة والدائرة المحددة.

 

أكثر من قرن مضى منذ هدم دولة الإسلام والأمة تعيش نكبات متلاحقة فصرنا مجرد أرقام تُستعرض ليبينوا بها تخلّفنا وانحطاطنا أو ثروات تستنزفها الدول الاستعمارية لتصنع أمجادها. بهدم دولتنا خسرنا الإسلام كنظام حياة، منهاج يكون دستوره من القرآن والسنة سراجاً ينير حياة المسلم ويهديه سبل الرشاد ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ﴾. فهو نظام من عند خالق البشر فهو الخبير بعباده واللطيف بهم، فلا مجال لمقارنته بأي نظام آخر لأن ما دونه عجز ونقص وضلال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فالإسلام ليس مجرد عبادات وأخلاق بل اقتصاد، واجتماع، وسياسة خارجية، وتعليم... أي نظام شامل وكامل لا يقبل التجزئة أو الإصلاحات والترقيعات ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.

 

أما الأزمات الاقتصادية التي يشهدها العالم بعد إفلاس المنظومة الرأسمالية ومحاولات إنعاش ومد أنفاس هذه المنظومة عن طريق الجمعيات ونهب الثروات أو باستعمال أساليب خبيثة كإدخال مصطلح المصرف وكأن المعاملات مجرد عنوان تمسح العفن الموجود، فلا فرق بين مصرف وبنك ومعاملاته تقوم على الربا وبعيدة كل البعد عن الإسلام. كذلك النظام الاجتماعي في الإسلام فإنه يقوم على فصل النساء عن الرجال وجعل حياة خاصة وحياة عامة، ونظم كيفية اجتماع النساء بالرجال في حالات حددها الشرع، واليوم نرى انحدارا شديدا للأخلاق؛ فساد ورذيلة وغابت العفة والحشمة، حتى المؤسسات التربوية غدت بؤر فساد انتشرت فيها المخدرات والزنا والقمار والخمر والألفاظ البذيئة، غاب عنها الأمان والتربية... هذا من جهة ومن جهة أخرى أثقلوا كاهل الطالب ببرامج أنتجت أجيالا بشخصيات مذبذبة فاقدة الهوية، فهل يعقل أن تجد شابا مسلما لا يعرف متى يكون شهر رمضان في التقويم الهجري ولا يعرف عدد ركعات الصلوات المفروضة؟! فهل نتوسم خيرا من برامج تحقر كل ما له علاقة بالإسلام وتاريخه وتمجد تاريخ الغرب فيكون القدوة في نظر شبابنا الغرب وقادته؟! ألم تكن مدارسنا قبلة للغرب وملوكه حين كنا دولة رائدة بفكرها واليوم مع الأسف أصبحت كفايات وأدمغة المسلمين إما ذخرا للغرب أو في البطالة غارقون؟!

 

فلننظر إلى حال الأمة اليوم من الشتات الذي تعيشه والتفرقة تحت مسمى دول كرتونية، فأمسى لكل دولة علم ونشيد يقدسه ليكون الولاء للوطن! فترى المسلم يشتم ويهين أخاه من أجل لعبة سخيفة وهو بالأمس كان يصرخ نصرة له لأن الأعلام الاستعمارية كرست أفكاراً ضالة كالوطنية والقومية، فلا فرق بين تونسي وأمريكي وبين لبناني وصومالي جمعتهم العقيدة الإسلامية فكلنا إخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فما الذي يجعل الأمة منكوبة، أوصالها مقطعة، تنزف في كل شبر من جسدها؛ السودان، بورما، سوريا، فلسطين... والقائمة تطول بين حروب وصراعات دموية وسجون تنفذ فيها شتى أنواع التعذيب والتنكيل بالمسلمين؟

 

ما الذي يجعل إخواناً لنا عزلا لا يملكون من يذود عنهم وجيوش المسلمين تكتفي بالمشاهدة بحجة أن الأمر لا يخص حدودها بل تكون حامية في المقابل لحدود العدو فتكون عونا له على إخوانها؟! نملك جيوشا من أقوى الجيوش في العالم عدة وعتادا، جيش واحد منها فقط قادر على قلب الموازين، ولكن الحلقة المفقودة هي الإرادة، لأن إرادتنا مسلوبة، لأن من يملك القرار ليس بيده القرار أصلا فهو مكبل بقيود وبنود محددة لا يتجاوزها حددها له الغرب ليكون "رجلاً آلياً" بيد المستعمرين، وقد كشفت عملية طوفان الأقصى حقيقة هؤلاء الحكام فسقطت عنهم آخر ورقة توت فبانت سوءاتهم لمن كان يتوسم بهم خيرا أو يلتمس لهم أعذارا لأن هؤلاء الحكام هم حاجز بين الأمة والتغيير.

 

إن الخلافة ليست حقبة تاريخية لن تعود، فلا ينحصر المشهد كما يسوقون له على أنه جمل وصحراء وسيف، ولا دولة دينية مستبدة باسم الدين، أو رجال وكلوا نفسهم لمحاسبة الناس وتوزيع صكوك الغفران على المسلمين فجعلوا صورة الإسلام صراعا وقتلا ودمارا! حاشا وكلا! فأغلب المسلمين يتوقون للإسلام ولكن لا يملكون تصورا لهذه الدولة، بل مجرد صورة ضبابية مشوهة.

 

إن الخلافة هي دولة بشرية تطبق أحكام الله في الأرض، فكانت الأمة هي العين الساهرة فأي تعدٍّ لحدود الله من الخليفة عليها أن تحاسبه وتوقفه لأن الخليفة ليس ملكاً بجناحين، فالخطأ والزلة واردة وهنا دور الأمة. فشتان بين عدل الإسلام ورحمته وبين الظلم والاضطهاد الذي نعيشه اليوم في ظل غياب دولة الإسلام.

 

إن الداء يكمن في هذا النظام فلا يمكن أن نرتقي ونحن تتخبط في المستنقع نفسه، فالعلاج يكون بالقضاء على الداء لا الأعراض، وإن الحل الوحيد هو قلع هذا النظام.

 

إن النصر وعد الله سبحانه ووعده حق والخلافة حق، والله لا ينصر إلا عباده المخلصين العاملين لإعزاز وإعلاء كلمته فلنكن من هذا الركب المبارك، فحاجة الأمة تزداد يوما بعد يوم لدولة الإسلام؛ فلا رعاية ولا كفاية ولا وقاية إلا بالإسلام، بدولة تعيد المسلوب وتضمن الحقوق وتحقق العدل.

 

نسأل الله العلي العظيم أن نكون من العاملين الشاهدين على قيام دولة الخلافة وأن يثبتنا على هذا الطريق... اللهم آمين، آمين يا رب العرش العظيم.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

زينب بنرحومة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

القانون الدولي صنم الغرب الذي متى جاعت وحوشه أكلته!

 

 

"القانون الدولي" هو ابتكار الغرب الخالص وحيلته وخديعته لشرعنة هيمنته واستعماره، فقد صنعه الغرب لخدمة مصالحه وتكريس سيطرته، ومتى انتفت الحاجة إليه أو انتهت صلاحيته عَدَّلَهُ أو انقلب عليه أو رمى به!

 

إن ما يسمى "القانون الدولي" لا أساس له في الأعراف التشريعية والقانونية ولا سند قيمي أو أخلاقي له، هو حقيقة بدعة الغرب الخالصة في تحويل أعماله السياسة الاستعمارية إلى شرعة ومنهاج تخضع لها الدول.

 

فمن الناحية العملية التاريخية هو أداة القوى الغربية المهيمنة على الساحة الدولية في فرض وشرعنة سياستها لترسيخ وتكريس وتركيز نفوذها وهيمنتها وتحقيق مصالحها الاستعمارية، ويتم ذلك عبر تحويل الأعمال السياسية للقوى الغربية المهيمنة إلى قواعد للتحكم في الدول الأخرى وشرعنة سياستها وفرضها كسياسة دولية واتفاقيات دولية، فتصبغ هذه القواعد الخاصة بصبغة قانونية وتفرض كقواعد دولية، ثم يصطلح عليها من القوى الغربية المهيمنة "قانونا دوليا" يكرس هيمنتها على السياسة والساحة الدولية.

 

القانون الدولي ليس كما يتهيأ لكثيرين، أنه مجموعة أعراف نشأت جراء العلاقات بين المجموعات البشرية، فاكتسبت عراقة وسلطانا معنويا وصار الالتزام بها طوعيا بين هذه المجموعات المختلفة، ولا هو كذلك قواعد سياسية وضعت وتوافقت عليها دول العالم وصارت بموجب هذا التواضع والإجماع التوافقي قواعد تحكيم في علاقات الدول كلها. هذا كله لا ينطبق البتة على القانون الدولي.

 

فنظريا وعمليا استحال أن يوجد هكذا تواضع وتوافق إجماعي بين كل الدول على شكل قانون ناظم لكل العلاقات الدولية لكل هذه الدول على اختلاف ثقافاتها وحضاراتها ومصالحها.

 

فالقانون الدولي هو فكرة وبدعة الغرب وخديعته الكبرى في فرض قواعده الخاصة التي تعبر عن وجهة نظره الخاصة ونظرته الثقافية والحضارية الخاصة ورؤيته السياسية ومصالحه الخاصة به. ولقد نشأت فكرته من رحم أوروبا النصرانية كأعمال سياسية ضد الدولة الإسلامية (الخلافة العثمانية) ولصد فتحها الإسلامي الذي اكتسح بلدان أوروبا (اليونان، رومانيا، ألبانيا، يوغوسلافيا، المجر، النمسا)، ثم صيرتها أوروبا النصرانية قواعد لدولها في التعامل مع الخلافة العثمانية، ثم تطورت إلى قواعد ثابتة عبر مؤتمر وستفاليا سنة 1648م، والذي كان التأسيس الأول لمفهوم "القانون الدولي" الذي صاغته دول أوروبا النصرانية ضد الخلافة العثمانية، ومع هدم الخلافة العثمانية كدولة إسلامية وكقوة عظمى تناقض وتصارع أوروبا فلسفتها وثقافتها وحضارتها ودولها وسياستها واستعمارها، خلت الساحة الدولية لأوروبا ففرضت رؤيتها السياسية على العالم بالحديد والنار وكانت طريقتها في ذلك الاستعمار.

 

ثم مع تكاليف الاستعمار الباهظة وخاصة في الداخل الإسلامي ومجاهدة المسلمين للاستعمار الأوروبي، غَيَّر الاستعمار أسلوبه من اعتماده على القوة الصلبة الغاشمة إلى أسلوب الاستعمار الناعم عبر تطوير قواعد الاستعمار "القانون الدولي"، فتم استبدال أدوات الإكراه والقمع الصلبة الخشنة بأخرى ناعمة مغلفة، فبدل العساكر والمدافع حلت المؤسسات الاستعمارية وأجهزتها ومنظماتها وقوانينها ومواثيقها "الدولية" كأدوات مادية لفرض القواعد السياسة الأوروبية كقواعد للتحكم في العلاقات الدولية باسم القانون الدولي، الذي اكتسب شكله الحديث مع تطور الدولة القومية الاستعمارية الغربية.

 

لقد كان "القانون الدولي" حتى منتصف القرن الماضي أوروبيا خالصا ولبريطانيا اليد الطولى عليه، وبعد الحرب العالمية الثانية ونتائجها الكارثية على أوروبا تحول مركز الثقل السياسي والاستعماري الغربي من أوروبا إلى أمريكا، نتج عن ذلك هيمنة أمريكا على الموقف الدولي والساحة الدولية والسياسة الدولية، ومن ثم صياغتها لقواعدها الخاصة بنظامها الدولي الأمريكي، فصممت قوانينه وأجهزته ومؤسساته (هيئة الأمم، مجلس الأمن، صندوق النقد، البنك الدولي، الحلف الأطلسي...) تكريسا لهيمنتها وتحقيقا لمصالحها الاستعمارية الخاصة بها.

 

واليوم مع الإفلاس والفشل الحضاري والثقافي والسياسي للمنظومة الغربية، وترجمة ذلك في نموذجها الأول أمريكا الغارقة في مستنقع إفلاسها وفشلها، والذي تمثل في تصدع مجتمعي غير مسبوق أضحى معه المجتمع الأمريكي عبارة عن مجموعات بشرية متنافرة ومتدابرة ثقافيا وسياسيا، ثم إفلاس سياسي مروع ترجمه الخراب الاقتصادي الذي تعيشه الدولة الأمريكية والتي هي عمليا في حكم الدولة الفاشلة المفلسة (الدين الأمريكي 38.5 تريليون دولار حسب المعلن رسميا، ويذهب العارفون بالوضع الاقتصادي الأمريكي إلى رقم مفزع أكبر من هذا بكثير).

 

من وسط هذا المستنقع الأمريكي الآسن ومن قاعه خرج الرأسمالي ترامب الرئيس، وحِسْبَتُهُ الرأسمالية الخاصة به في إدارة إفلاس المنظومة وفشلها وإفلاس دولتها، هي عبر الوصفة الرأسمالية المعهودة في تخفيض المصاريف ورفع العائدات عبر جلب مزيد من الواردات.

 

فبالنسبة لتخفيض المصاريف وهو ما ابتدأ به ترامب سياسته في خفض تكاليف الإدارة (التسريح الواسع لموظفي الإدارة الأمريكية)، وتقليص الإنفاق الحكومي (كتقليص كبير في تمويل برنامج "ميديك إيد"، وهو نظام الرعاية الصحية الذي توفره الدولة لأصحاب الدخل المنخفض وذوي الإعاقة)، تلاها تخفيض وتوقيف الإنفاق على المشاريع والبرامج الأمريكية الدولية، وكذلك مؤسسات النظام الدولي الأمريكي.

 

أما بالنسبة لزيادة العائدات فلا يرى ترامب سوى ابتزاز الدول (الرسوم الجمركية) وفتح باب الاستعمار على مصراعيه بتكاليف جد منخفضة أو صفرية، والساحة الاستعمارية التي توفر له هذه الواردات مع تكاليف تكاد تكون صفرية هي بلادنا الإسلامية جراء فراغها الجيوستراتيجي وسفلة حكامها العملاء الأذلة للمستعمر الأمريكي، ثم الشق الغربي من الكرة الأرضية والتي تلعب الجغرافيا دورها في جعلها الساحة الاستعمارية المناسبة للمستعمر الأمريكي لقربها من دولته وبُعْدِها عن الاستعمار المنافس سواء الأوروبي أو الصيني في طور التخلق. الأمر الذي دفع بترامب للتنصيص على ذلك في ورقة استراتيجية أمنه القومي عبر التركيز على أمريكا الجنوبية والشق الغربي من الكرة الأرضية (مبدأ مونرو الاستعماري) كساحة استعمارية خالصة لأمريكا.

 

لكن هناك فرامل وكوابح أمام تنفيذ ترامب وصفته الرأسمالية، وهي قواعد النظام الدولي التي وضعتها أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، فهذه القواعد تقيد بل وتكبل ترامب وتمنع حركته، ومؤسساتها وأجهزتها لا يرى فيها ترامب سوى فرامل سياسية وأعباء مالية على دولته المفلسة. الأمر الذي دفع بترامب للشروع في هدم هذه القواعد عبر التحرك أحاديا من غير الالتفات إليها أو إلى مؤسساتها (هيئة الأمم، مجلس الأمن) وظهر ذلك في تعاطيه مع غزة وأوكرانيا وسوريا والهجوم على فنزويلا، والرسوم الجمركية...، كما يسعى لكسر المؤسسات باعتبارها نفقات غير ضرورية يجب إيقافها والتخفف من نفقاتها، وعلى رأسها الإنفاق العسكري على الحلف الأطلسي وبرامج هيئة الأمم...

 

فترامب يرى أن النظام الدولي الذي صاغت قواعده وأجهزته ومؤسساته أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد يناسب أمريكا المفلسة اليوم وأنه استنفد أغراضه، بل يراه عبئا عليها ويسعى جاهدا لهدم بنيانه وقواعده وتحطيم مؤسساته وأجهزته تخففا من قيوده السياسية وأعبائه المالية.

 

لكن مع إفلاس المنظومة الغربية وقحطها الفكري والثقافي وعقمها السياسي، ونظرة الرأسمالي ترامب القاصرة للدولة كشركة وللعالم كسوق وللعلاقات الدولية كصفقات، تبقى نظرة ترامب نذير كارثة وليست مصدر معالجة، فهو لا يبتكر شيئا ولا ينشئ جديدا ولا يؤسس لقواعد أخرى. والمعضلة الكبرى المستعصية هي استحالة حل أزمة المنظومة الرأسمالية لأن المنظومة الرأسمالية نفسها هي الأزمة!

 

فكل النهب الاستعماري الذي يطمع فيه ترامب سيذهب لأرصدة الرأسماليين وليس لخزينة الدولة المفلسة، والمفارقة السامة أن نفقات تأمين نهب الرأسماليين هي من خزينة الدولة المفلسة، ما يعني تفاقم الأزمة واستفحالها. ما يعني أن الخلاص من الأزمة هو بالتخلص من المنظومة الأزمة ثقافة وأنظمة ودولة وسياسة وساسة ورأسماليين. فترامب لن يعالج أي شيء بل سيسرع الفوضى ويضرم مزيدا من نيران الدمار والخراب.

 

تبقى القراءة الحضارية للمشهد العالمي وفوضاه هي المغيبة الغائبة وهي لحظة تحول حضاري، منظومة علمانية رأسمالية تنازع فناءها بعد تعفنها. ومنظومة إسلامية كل أشراط انبعاثها قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال: الثلة المؤمنة الواعية المخلصة صاحبة المشروع الحضاري الإسلامي العظيم، والأمة الإسلامية الحاضنة للمشروع والمتحفزة لحياتها الإسلامية وخلافتها الراشدة، وساعة الصفر في كسر أهل القوة للقيد وقد دنت وأزفت.

 

وإن الصبح لناظره لقريب.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مُناجي محمد

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الأهداف الحقيقية وراء غزو فنزويلا

 

 

إن محاولة إدارة ترامب إخضاع نصف الكرة الغربي لن تجدي نفعا في المستقبل أكثر مما حققته في الماضي، يعتقد ستيفن ميلر - مستشار ترامب - بأن (أحد قوانين التاريخ الثابتة هو أن العالم محكوم بالقوة) [عربي21، 10/1/2026]، أما القانون الثابت الذي أغفله فهو أن القادة الذين يعتقدون أن القوة هي كل شيء يرتكبون حتما الكثير من الحماقات، وكما قال المثل: (حمار محمل بالذهب يفتح المدن أكثر من أي سلاح)!

 

إن ترامب ورفاقه في الإدارة يدركون أن دول أمريكا اللاتينية قد انجذبت إلى التعامل التجاري مع دول أخرى بسبب انخفاض التكاليف وقلة العقبات التنظيمية، فإنهم يزعمون أنهم سيدفعون هذه الدول إلى رفض هذه المساعدات، ولأن إدارة ترامب إدارة انتهازية تعارض عموما المساعدات الخارجية وتسعى إلى الاستحواذ على الحصة الكبرى من فوائد جميع علاقاتها الصناعية فإنها مضطرة للاعتماد على التهديدات لتحقيق مآربها في تحقيق أعلى فائدة.

 

إن ادعاء ترامب أنه ذهب إلى فنزويلا من أجل مكافحة المخدرات واستعادة الديمقراطية ادعاء متهافت، وهذا أعلن مباشرة بعد العملية بتصريح من ترامب وروبيو وزير خارجيته وعلى ألسنة جميع أعضاء الإدارة البارزين؛ أن السبب هو السيطرة على النفط وباقي ثروات فنزويلا لأنها تحتوي على احتياطي ضخم وما تحتويه أرضها من معادن نادرة، كما تحتوي على الليثيوم اللازم لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، (قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء، إن الحكومة الفنزويلية بالوكالة ستسلم الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط، وإن العائدات ستكون تحت إدارته بصفته رئيسا) [سكاي نيوز عربية، 7/1/2026]، (أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن فنزويلا لن تشتري إلا منتجات أمريكية الصنع بعائدات النفط الذي تسوّقه الولايات المتحدة بموجب اتفاق مع كراكاس عقب اعتقال نيكولاس مادورو) [الجزيرة نت، 8/1/2026]، ذكر وزير الطاقة الأمريكي كريس وايت أن (واشنطن ستدير مبيعات النفط الفنزويلي لفترة غير محددة) [الجزيرة نت، 8/1/2026]، وذكرت كارولاين ليفيت الناطقة باسم البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي (يحتفظ بحق خيار اللجوء إلى القوة العسكرية لحماية النفط الفنزويلي) [العربية، 7/1/2026]، وأشار وزير الخارجية الأمريكي أن المرحلة الثانية من خطته لفنزويلا (تهدف إلى ضمان وصول الشركات الأمريكية والغربية إلى السوق الفنزويلية بطريقة عادلة) [الجزيرة نت، 7/1/2026]، فهي عملية سطو مسلح على دولة بقوة السلاح، وكما قدمنا في البداية فإن هذا لن ينقذ ترامب من مأزقه الداخلي واقتصاده المتأزم، ولهذا يصر ترامب على أن هذا هو السبب الحقيقي، وأن الشركات الأمريكية ستتدفق هناك وتستحوذ على النفط وتجعل أمريكا عظيمة، وهو مخطئ مرة أخرى. يمكن لترامب أن يعتقد ما يشاء (وهو ما يفعله غالبا) لكن لا توجد ثروة نفطية طائلة تنتظر أمريكا في أي وقت قريب بسبب أن النفط الفنزويلي هو من النوع الثقيل الذي يحتاج إلى تكاليف عالية لاستخراجه، وقد قدر الخبراء التكاليف من 10-40 دولارا للبرميل الواحد، وهذه التكلفة باهظة لأسعار النفط الحالية، بين 50-60 دولارا.

 

إن الأهداف الحقيقية وراء استهداف فنزويلا هي كالآتي:

 

أولا: استهداف الصين وقطع إمدادات النفط عنها، فقد بلغ النمو في الاقتصاد الصيني عام 2024م 5%، بينما بلغ معدل النمو في الاقتصاد الأمريكي في الفترة نفسها 2,8%، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني نحو 20 تريليون دولار، والاقتصاد الأمريكي نحو 30 تريليون دولار، وهذا مربط الفرس؛ إغلاق 5% من إجمالي واردات الصين (حيث إن الصين تستحوذ على 5% من صادرات النفط الفنزويلي) من النفط، وعليه اتخذت إدارة ترامب هذه الخطوة الاستباقية المتأخرة للجم تقدم الصين في الاقتصاد وتحجيمها.

 

ثانيا: رسالة من إدارة ترامب إلى نصف الكرة الغربي بتقديم فروض الطاعة وإلا سيحصل لهم ما حصل لمادورو، فهو يقول لهم ما أريكم إلا ما أرى، ولدول العالم وبالذات الدول النفطية في الشرق الأوسط وإيران وآسيا الوسطى وأفريقيا أنكم مستهدفون إذا واصلتم التعامل مع الصين وتزويدها بما تحتاج من نفط وبترول.

 

ثالثا: التغطية على ارتدادات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، فقد بلغ الفقر والعوز عندهم مداه، فقد روت تقارير أن هناك 100 مليون إنسان ما بين عجز عن توفير أساسيات الحياة أو عجز عن سداد قروض البيوت والسيارات، وخرجت مئات المظاهرات في شوارع المدن الأمريكية تطالب إدارة ترامب بالاهتمام بالناس والاقتصاد المثقل أصلا بـ40 تريليون دولار تقريبا ديون سندات وطباعة (تم التخطيط لأكثر من ألف فعالية في مختلف أنحاء البلاد للمطالبة بإنهاء عمليات الانتشار واسعة النطاق لعناصر إدارة الهجرة والجمارك) [صدى البلد، 10/1/2025].

 

رابعا: التغطية على فضيحة إبستين التي يستخدمها المشرعون الديمقراطيون سيفا مسلطا على رقبة ترامب، فأراد أن يحول الأنظار إلى الخارج بعملية استعراضية متفق عليها مع أوساط في فنزويلا وهذا سبب نجاحها وإخراجها بطريقة هوليوودية.

 

إن السيناريو الأرجح أن يتجه العالم بعد هذه العملية إلى الانقسام القسري إلى معسكرات، ولهذا سيضاعف ترامب جهوده لفرض تعرفات جمركية جديدة على الدول الصغيرة وإجبارها على المشاركة في الحرب التجارية على الصين، وهو ما سيؤدي إلى نقص السلع وارتفاع الأسعار، وفي غضون عام أو عامين سيصبح التضخم عالميا، وستتساقط اقتصادات الدول الصغيرة الواحد تلو الآخر، وسيغرق العالم بأسره في عدم استقرار اقتصادي، فلا معنى لنشوة ترامب المؤقتة.

وبالنسبة لدول الخليج النفطية فإنه يفترض أن يمثل احتجاز مادورو خطرا مضاعفا، فإلى جانب احتمال تكرار سيناريو فنزويلا عبر المؤامرات والانقلابات، يساورها القلق من سيطرة أمريكا على ما يقارب نصف نفط العالم، بات المعسكر الأمريكي الآن يضمن إمدادات النفط في حال وصلت الأمور إلى حرب مع الصين، ويتعين بالضرورة على ترامب قطع مصادر النفط البديلة عن الصين، روسيا وإيران ودول الخليج، فترامب أمامه وقت ضيق للغاية، ففي الأشهر القادمة سيضاعف جهوده في هذا المسار.

 

والسؤال: كيف سيصمد اقتصاد العالم ويتخطى مثل هذه الإجراءات المتطرفة التي ستؤثر على العالم خلال الفترة القريبة القادمة؟

 

ما نراه اليوم هو التنفيذ العملي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي تحمل عنوانا رئيسيا هو الهيمنة على نصف الكرة الغربي وضمان تأمينه وتأمين موارده لصالح أمريكا وإعادة التموضع بالتخلص من بعض أعباء الناتو في أوروبا وهذا عكس العولمة، فهل يعني ذلك تنازل أمريكا عن كونها قوة عظمى عالمية وشرطي العالم؟ لا أتوقع ذلك، لأنها لا تزال تعلن على الملأ وتقوم بإجراءات تخص غرينلاند وكندا والقطب الشمالي والشرق الأوسط، فهي تؤسس لتوازنات أمنية جديدة في العالم. فهناك مقولة منقولة عن ترامب (ما لي لي، وما لكم قابل للتفاوض).

 

إن الإمبراطوريات تنهار بالضبط في لحظة التوسع والنشاط العسكري الحربي الأقصى لها، وذلك أن هذا التوسع والتمدد يصبح في لحظة ما أكبر من قدرة المركز على الاستيعاب والهضم والسيطرة، ولهذا يتم تصدير الأزمات للخارج في محاولة للبحث عن مزيد من الموارد وافتعال المشاكل للدول والأزمات واستنزاف الخصوم، فالمنظومة الغربية بزعامة واشنطن وصلت إلى أقصى توسع ممكن في العالم بأسره بعد توهم النصر على القوى العالمية الأخرى والعيش في وهم القطب الواحد زهاء ثلاثة عقود.

 

وأقول إن هذه الأزمة يمكن أن تكون آخر المسامير في نعش أمريكا وربما النظام الرأسمالي برمته.

 

اقتضت سنة الله في خلقه أن يأتي قوم ويخلفهم قوم سواء أكانوا أهل حق أم أهل باطل، وإن الباطل اليوم يتصارع على السيطرة والنفوذ والثروات، وهذا مصداقا لقول الله تعالى في سنة التدافع ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ونحن المسلمين حين نستعرض هذه الأحداث العالمية ليس للترف السياسي بل لكي نرسم مستقبل العالم الجديد القادم بإذن الله من زاوية الإسلام، فالوعي السياسي يفرض علينا أن ننظر من زاوية العقيدة الإسلامية، فالإسلام يقول لنا لا تخافوا ولا تحزنوا من تكبر الكفار وعنجهية ترامب وزبانيته، فقد كان فرعون وقبله عاد وثمود من الأقوام الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربنا سوط عذاب، وهذا ما سيحدث لأمريكا ونظامها الرأسمالي بقدرة العزيز الجبار ثم عمل العاملين للتغيير بإقامة الخلافة على منهاج النبوة فهي وعد الله سبحانه وبشرى رسوله ﷺ بفتح روما بعد أن فتحت القسطنطينية، فهيا أيها المسلمون إلى العمل للتغيير المنشود ودحر الباطل، إن الباطل كان زهوقا، وما صراعهم وغطرستهم إلا إلى مقتل، فإلى العمل وعدم الخوف والوهن والعجز مما يظهره الباطل من انتفاشة فما هو إلا غثاء كغثاء السيل ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾.

 

﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سيف الدين عبده

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

يجب أن تنتهي دوامة الأزمات التي تعصف بالأمة

(مترجم)

 

لقد عاشت الأمة الإسلامية في دوامة أزمات على مدى 105 أعوام. هذه الدوامة التي ألمت بها كانت متعمدة ودقيقة، تهدف إلى إلحاق شتى أشكال الظلم والمعاناة بها. واليوم، نشهد العديد من الإبادات الجماعية: غزة والضفة وكشمير وتركستان الشرقية والسودان، وأعمال عنف متواصلة في نيجيريا وإثيوبيا وسوريا ولبنان والكونغو وفنزويلا. والقائمة تطول، فكل يوم يُدفع بلد جديد نحو كارثة شاملة بفعل الغرب الاستعماري، وتحديداً أمريكا، التي تنهب الدول وتزعزع استقرارها واحدة تلو الأخرى لضمان هيمنتها المطلقة.

 

عندما ننظر إلى ما يحدث حالياً في بلاد المسلمين، يصعب علينا تخيل كيف يمكن أن تسوء الأمور أكثر. ففي غزة وحدها، وخلال العامين الماضيين، صرّحت مقررة الأمم المتحدة الخاصة، فرانشيسكا ألبانيز، بأن عدد القتلى التقريبي يُرجّح أن يصل إلى 680 ألفاً، مقارنةً بالرقم الرسمي المعلن عنه وهو 70 ألفاً. أما الحرب في سوريا، فقد خلّفت ما لا يقل عن 1.2 مليون طفل يتيم. وتشهد غزة والسودان واليمن مستويات كارثية من النزوح والمجاعة. وتعيش أخواتنا في السودان وفلسطين وكشمير وتركستان الشرقية وميانمار والهند وغيرها من البلدان في خوف دائم من التعرّض للاعتداء الجنسي أو الاغتصاب. قبل أيام قليلة، تعرّضت امرأة مسلمة في مومباي للتهديد من متطرف هندوسي، وقف إلى جانب زوجته، وقال: "أنتِ امرأة مسلمة، أليس كذلك؟ اخرجي، سأستدعي رجالاً وأجعلهم يغتصبونكِ"، بسبب مشادة كلامية في متجر بقالة مزدحم! وهذا يحدث يومياً في الهند. بحسب اليونيسف، يعاني ثلاثة من كل خمسة أطفال دون سن الخامسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من انعدام الأمن الغذائي. كما أن تصاعد الإسلاموفوبيا في الدول الغربية أمرٌ مثير للقلق. فالمسلمون في أمريكا وكندا والمملكة المتحدة وأوروبا وأستراليا يتعرضون لقوانين تحظر الحجاب، وإهانات لفظية واعتداءات جسدية وتدمير المساجد والمراكز الإسلامية. ويتخذ السياسيون في هذه الدول من المسلمين والإسلام كبش فداء للحروب التي لا تنتهي (أي الإرهاب) وانهيار الأمن الاقتصادي في بلادهم، ما يؤدي إلى زيادة ملحوظة في حوادث الإسلاموفوبيا. وما يزيد الطين بلة، وجود حكام في بلادنا ليسوا منا، رجالاً ونساءً يفضلون حياة الدنيا ويتجاهلون أحكام الله تعالى. لقد تم زرعهم لخدمة مصالح الغرب الفاسد والحفاظ على هيمنته وإثراء النخب الرأسمالية. والأسوأ من ذلك، أن هذه الأرقام وهذه الجرائم ليست سوى غيض من فيض. إن الألم والمعاناة التي حلت بالأمة، لا سيما منذ الثامن والعشرين من رجب 1342هـ، إنما هي نتيجة فقداننا لدرعنا وإمامنا، القوة الرابطة التي حافظت على وحدة الأمة ودافعت عن شرفنا وحمت أمننا.

 

إن الوضع مروع عندما ننظر إلى هذه الأرقام ومدى اتساع نطاق المعاناة. ويبدو إيجاد مخرج شبه مستحيل، بسبب المتسللين من الخارج والمتآمرين من الداخل الذين بنوا جدراناً بيننا وسموها حدوداً. لقد لوثوا عقولنا بالقومية لكسر روابطنا. بدأنا نبذل جهودنا في الأنظمة التي وضعها كارل ماركس (أبو الشيوعية) أو آدم سميث (أبو الرأسمالية) ونعلق آمالنا على قادة مثل جو بايدن، أو حتى على أبناء المسلمين الذين يصبحون مسؤولين منتخبين في هذه الأنظمة الكفرية. بدل ذلك، يجب أن نتأمل في تاريخنا المجيد ونتأكد بأنفسنا كيف جاء الإسلام ولم يوحد المسلمين فحسب، بل قضى على العنصرية والطبقية وكراهية النساء المتأصلة في المجتمع كما هي عليه في ظل الأنظمة الوضعية.

 

كانت الخلافة، التي وفرت السلام والأمان للمسلمين، ومكنتهم من العيش في وئام كدولة واحدة، بغض النظر عن لغتهم أو عرقهم، هي التي صنعت السلام. لقد جعلنا الإسلام إخوة وأخوات - عرباً وغير عرب، سوداً وبيضاً - وأمرنا أن نعيش معاً برحمة ومودة. قال النبي ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسَلِّمُه» متفق عليه. لقد وفرت الخلافة ملاذاً آمناً للمضطهدين، كما حدث عندما فر يهود من إسبانيا إلى كنف الدولة الإسلامية. وكانت الخلافة الدولة الرائدة في العالم في العلوم والتكنولوجيا لمدة تزيد عن ألف عام. وقد دافعت جيوشها عن المسلمين حين تعرضوا للهجوم، وفتحت أراضي جديدة، على عكس اليوم حيث يُحكِم الحكام المستبدون قبضتهم على القوات المسلحة، متجاهلين الإبادات الجماعية المتكررة وصراخ أطفالنا الجائعين ونداءات أخواتنا اللواتي تُنتهك حقوقهن باستمرار. أغمضوا أعينكم للحظة وتخيلوا كيف سيكون حال المسلمين لو عادت الخلافة خلال العامين الماضيين. ستتلاشى الحدود الاستعمارية، كما سيتلاشى أي شعور متبقٍ بالقومية، سنكون موحدين دون الحاجة إلى جوازات سفر أو تأشيرات. وسيقود الخليفة، الذي سيحكم بلاد الإسلام الشاسعة، جيوشنا التي تضم ملايين الجنود لطرد المحتلين الغربيين وتحرير فلسطين وكشمير وغيرهما. وستعود ثروات أراضينا الغنية المسلوبة إلى أيدينا لنستخدمها في ضمان عدم جوع الناس وعيشهم بكرامة. وسيكون أبناؤنا في المدارس، يتعلمون دينهم، ويصبحون من كبار العلماء والأكاديميين الذين سيقودون العالم في سبيل الله.

 

مع أن الأمر قد يبدو اليوم حلماً بعيد المنال، إلا أنه يجب علينا أن نتذكر أنه لا شيء مستحيل على المسلمين الذين يتوكلون على الله تعالى. فالله سبحانه وتعالى هو الذي فتح الأبواب أمام نبينا الكريم ﷺ ليقيم دولة الإسلام في المدينة المنورة، وللخلفاء الراشدين الأربعة الذين فتحوا بلاداً في وجه الإمبراطوريات العظيمة في زمانهم (الفرس والروم) وللخلفاء الذين تعاقبوا على مدى ألف عام، وإن لم يكونوا كاملين في كل شيء، إلا أن الله تعالى ثبّتهم على نهجه لنشر الإسلام في أرجاء العالم وإقامة حكمه.

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سارة محمد – أمريكا

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تراجع الإنفاق على التعليم والصحة في مصر جريمة

 

تراجع الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية في مصر ليس مجرد خلل إداري أو سوء تقدير مالي، بل ظاهرة بنيوية تعكس طبيعة النظام الحاكم ووظيفته الحقيقية، وتكشف بوضوح موقع الإنسان في سلّم أولوياته. فحين تُظهر التقارير الدولية والحقوقية وعلى رأسها تقارير هيومن رايتس ووتش أن الدولة المصرية تنفق ما يقارب 1.5% فقط من الناتج المحلي على التعليم، ونحو 1.1% على الصحة، في وقت يُلزم فيه الدستور نفسه بإنفاق ما لا يقل عن 6% للتعليم و3% للصحة، فإننا لا نكون أمام أزمة موارد، بل أمام خيار سياسي واعٍ، وانحراف مقصود في وظيفة الدولة.

 

حقيقة الأزمة بالأرقام لا بالدعاية الرسمية

 

تشير الميزانيات الرسمية للعام المالي 2025/2026 إلى أن:

 

- الإنفاق الحقيقي على التعليم (بعد احتساب التضخم) هو الأدنى منذ سنوات، بل أقل بنحو 39% مما كان عليه في السنوات الأولى بعد 2013.

 

- الإنفاق على الصحة لم يقترب في أي سنة من الحد الدستوري، وبقي محصوراً بين 1% و1.4% من الناتج المحلي.

 

- أكثر من 60% من الإنفاق الصحي يتحمله الإنسان من جيبه الخاص، في مخالفة صريحة لمفهوم "الخدمة العامة" الذي يتشدق به النظام.

 

- نقص حاد في المعلمين، وتكدس فصلي يتجاوز 60 و70 طالباً في الفصل الواحد، وعجز في أعداد الأطباء والممرضين يدفع إلى الهجرة الجماعية من القطاع العام.

 

هذه الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن السياق العام، بل يجب ربطها بحقيقة أن خدمة الدين وحدها تبتلع أكثر من نصف الإنفاق العام، وأن الدولة جعلت سداد الديون أولوية مقدسة، حتى لو كان الثمن سحق أبسط حقوق الناس.

 

وهم الإصلاح داخل المنظومة نفسها

 

يروج البعض لفكرة "الإصلاح التدريجي" عبر زيادة نسب الإنفاق أو تحسين الإدارة، لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية إذ لا يمكن لنظام قائم على عقيدة فاسدة أن ينتج سياسات عادلة.

 

فما دام الربا أساس الاقتصاد، والتبعية والارتهان أصل السياسة، وإرضاء الغرب مقدماً على إرضاء الله، ورعاية مصالح الغرب مقدمة على طاعة الله ورعاية الناس الذين أوجب الله على الدولة رعايتهم، فإن أي إصلاح سيكون شكلياً، وسرعان ما يُبتلع داخل المنظومة نفسها. إن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في الأصل الذي تُبنى عليه الدولة، فالرأسمالية وديمقراطيتها هي أصل الداء والإسلام هو وحده الدواء.

 

ما هي وظيفة الدولة أصلاً؟

 

ينطلق الإسلام من تصور مغاير جذرياً لوظيفة الدولة. فالدولة في الإسلام راعية لا جابية، وُجدت لرعاية شؤون الناس لا لإدارة مصالح رأس المال أو تنفيذ إملاءات الدائنين. قال رسول الله ﷺ: «الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، والرعاية مفهوم شامل لضمان إشباع الناس لحاجاتهم الأساسية وجوبا على الدولة؛ للفرد حتى يصل لحد الكفاية في المأكل والملبس والمسكن، وللمجتمع لضمان الأمن والرعاية الصحية والتعليم على أعلى مستوى ممكن وبالمجان للجميع مسلمين وغير مسلمين، ويستوى في حق الرعاية وواجب الدولة الغني والفقير، فالرعاية هنا ليست شعاراً أخلاقياً، بل هي حكم شرعي مُلزِم، يشمل رعاية التعليم وتمكين الناس منه وأن يكون على أساس عقيدة الإسلام، لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويشمل الرعاية الصحية، لأن حفظ النفس من مقاصد الشريعة التي أوجب الإسلام الحفاظ عليها ووضع التشريعات التي تحميها وأوجب على الدولة رعايتها وحمايتها. والأمن بحيث يعيش الناس في ظل عدل الإسلام بلا خوف بعيدا عن الرأسمالية وجشعها وتوحشها. وعليه، فإن تقصير الدولة في توفير التعليم والصحة وعدم توفير الأمن ونشر الخوف هو تقصيرٌ شرعي قبل أن يكون إدارياً، ويُعد ظلماً بيّناً تُحاسب عليه.

 

التعليم في الإسلام فرض كفاية تتحمله الدولة

 

التعليم في الإسلام ليس سلعة، ولا خدمة اختيارية، ولا امتيازاً طبقياً، بل هو فرض كفاية إذا لم تقم به الدولة أثمت، وأداة أساسية لحفظ الدين والعقل، وهما من الضروريات الخمس.

 

وقد ثبت تاريخياً أن دولة الخلافة كانت تنفق بسخاء على المدارس، والمكتبات، والعلماء. وكانت رواتب المعلمين تُصرف من بيت المال، ولم تُحمِّل الدولة الناس كلفة تعليم أبنائهم، بل اعتبرته حقاً مكفولاً.

 

أما في مصر اليوم، فقد حُوِّل التعليم إلى منظومة امتحانات بلا علم، وسباق دروس خصوصية، ومدارس وجامعات استثمارية رأسمالية غايتها الربح، وفوق هذا مناهج تبني ثقافة غربية وتقتلع ما تبقى من أفكار الإسلام في أبنائنا. فصار التعليم عبئا مالياً يرهق الأسر. وكل ذلك نتيجة تجفيف متعمد للإنفاق العام على التعليم، لصالح مشروعات استعراضية أو التزامات مالية خارجية، لينتج جيل لا يتعلم ولا يعلم ولا يفكر، وبالتالي يكون سهل الانقياد لأفكار الغرب.

 

الصحة في الإسلام حق لا يُترك للسوق

 

حفظ النفس مقصد شرعي، ومن ثم فإن الرعاية الصحية واجب على الدولة، لا تجوز خصخصتها أو تركها لمنطق الربح والخسارة، وإن أباح الشرع الاشتغال والتربح من خلالها للأفراد، قال النبي ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافىً فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (رواه الترمذي) فكيف بدولة تُفرغ المستشفيات العامة من الأطباء، وتدفع الناس دفعاً إلى المستشفيات الخاصة، وتترك الفقير يختار بين المرض والموت؟

 

إن جعل الصحة سلعة، وربطها بالقدرة على الدفع، محرّم شرعاً لأنه يفضي إلى إهلاك النفوس.

 

السبب الحقيقي للأزمة النظام الاقتصادي الرأسمالي

 

لا يمكن فهم ما يجري بمعزل عن تبنّي النظام الرأسمالي، الذي يقوم على تقديس الدين والربا، وإخضاع السياسات الداخلية لإملاءات صندوق النقد الدولي، وتقليص دور الدولة في الرعاية، وتوسيعه في الجباية والقمع.

 

هذا النظام يفرض التقشف على الشعوب لا على النخب، ويعتبر التعليم والصحة نفقات لا واجبات، ويقدّم خدمة الدين على خدمة الإنسان؛ ولذلك، فإن كل حديث عن إصلاح داخل هذا الإطار هو وهم، لأن المشكلة ليست في سوء التطبيق، بل في فساد الأصل.

 

مخالفة صريحة للدستور الذي خطوه بأيديهم كصنم العجوة، ومع ذلك لا مساءلة! والمفارقة الفاضحة أن النظام نفسه يكتب في دستوره نسباً واضحة للإنفاق، ثم يلتف عليها بحيل محاسبية، ويحتسب بنوداً لا علاقة لها بالتعليم أو الصحة ضمنها. ومع ذلك، لا توجد محاسبة سياسية، ولا رقابة حقيقية، ولا قضاء يُلزم الدولة بنصوص الشرع أو حتى ما صنعوه بأيديهم! وهذا يؤكد أن الدستور نفسه ورقة تجميلية لا مرجعية مُلزِمة، طالما أن السيادة ليست للشرع ولا للأمة.

 

إن الحل الجذري لا يكون بزيادة نسب هنا أو هناك، بل بـاقتلاع النظام الرأسمالي من جذوره بكل أدواته ورموزه ومنفذيه، وإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والانعتاق من التبعية للغرب بكل أشكالها وصورها، ومن ثم اعتماد النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يمنع الربا، ويجعل الثروات ملكاً للأمة، ويوجّه الإنفاق نحو الرعاية لا القمع؛ ما يجعل التعليم والصحة خدمات عامة مجانية عالية الجودة، ويوجه موارد الأمة الهائلة لا سيما في بلاد المسلمين لخدمة الإنسان لا نهبا للغرب.

 

يا أهل مصر: إن ما تعانونه اليوم في تعليم أبنائكم، وفي علاج مرضاكم، ليس قدراً محتوماً، ولا نتيجة فقر الموارد، بل هو ثمرة نظام جائر، حاد عن الإسلام، وجعل رضا الخارج أولى من رعاية الداخل.

 

وإن الإسلام الذي أنشأ أعظم حضارة في التاريخ، لقادر إذا طُبِّق كاملاً أن يعيد للإنسان كرامته، وللدولة وظيفتها، وللأمة مكانتها. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خدمات النظام الإيراني لأمريكا

لم تشفع له عندها

 

لا ينبغي أن يخطر على البال أنّ النظام الإيراني قد تمرّد على أمريكا، أو أنّه يقدّم مصالح أمّته، التي يدّعي الانتساب إليها، على مصالح أمريكا، أو حتى أنّه يقدّم مصالحه "الوطنية" على مصالحها؛ فهذا لم يكن خياراً له، ولم يحاول يوماً التفلّت من موالاتها، منذ ذلك الانقلاب الذي قامت به لصالح الخميني وأتباعه.

 

وعلى الرغم من تقديم النظام الإيراني، وعلى رأسه خامنئي والخميني من قبل، مختلف الخدمات لتنفيذ مشاريع أمريكا في المنطقة، إلّا أنّ هذه الخدمات لم تشفع له عندها. وصدق فيهم عميلهم حسني مبارك حين قال: "المتغطي بأمريكا عريان". فمنذ قدوم نظام الملالي، شنّ حرباً ضروساً على العراق لصالح أمريكا امتدّت نحو عشر سنين، راح ضحيتها الملايين وهُدرت خلالها مليارات الدولارات، وبعدها مهّد الطريق لأمريكا لغزو أفغانستان ثمّ العراق، كما صرّح بذلك غير واحد من مسؤوليه مثل محمد علي أبطحي، النائب الأسبق للرئيس بقوله: "لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة"، وخلال تلك الفترة وبعدها، عبث في لبنان من خلال حزبه هناك، ثم في سوريا بدعمه المطلق بالمال والسلاح والجيوش والحرس الثوري للنظام النصيري، عميل أمريكا في سوريا، وقيامه بالمجازر وانتهاكه لأعراض المسلمين على مدار عقد من الزمن، وأثناء ذلك وبعده، دعم الحوثيين في اليمن لصالح أمريكا أيضاً.

 

بعد كل هذه الخدمات الكبيرة التي تعجز أمريكا نفسها عن القيام بها، والتي ما كانت لتنجح في أيٍّ من تلك الأعمال الاستعمارية في البلدان الإسلامية الآنفة الذكر، هل وصلت أمريكا إلى قناعةٍ بأن صلاحية النظام قد انتهت، وأنه لم يعد صالحاً لأيّ مشروعٍ جديد في المنطقة، خصوصاً مع وجود عملاء آخرين قادرين على تنفيذ ما تحتاجه أمريكا، مثل نظام آل سعود، والنظام المصري، وجنرالات باكستان، وكيان يهود، ومنافق أنقرة؟! وذلك في ظلّ رفض أوروبا، الحليف "اللدود" لأمريكا، التعامل معه أو قبوله في منظومة الشرق الأوسط أو حتى استساغة التعامل معه، هذا إضافةً إلى استخدام كيان يهود له ذريعةً لعدم انضباطه التام في تنفيذ إرادة أمريكا، وآخرها تنفيذ خطة ترامب في غزة؟

 

إنّ الاحتجاجات الدائرة في إيران طبيعية وعفوية، ليست من صنع أحد، لا أمريكا ولا غيرها من القوى الدولية أو الإقليمية. فالنظام الإيراني نظام فاسد كحال جميع الأنظمة القمعية الفاشلة القائمة في البلاد الإسلامية، وحال أهل إيران كحال باقي الشعوب الإسلامية التي تنقم على حكامها الذين أذاقوهم سوء العذاب، فهذه الأنظمة جميعها، لا سند شعبيّ لها، وما المظاهرات التي تخرج لإظهار تأييدها للنظام إلا جموعٌ يحشدها النظام نفسه بأساليبه البوليسية والمخابراتية المعروفة لدى الجميع. ولأنّ النظام لا سند شعبي له، تجد أن خياره الوحيد هو الانحناء أمام سيده، وموافقته على كل ما يُطلب منه من تنازلات، فإن رفض سيده تنازلاته انتظر حتى يأتي بالسكين ليذبحه على مذبح أبي رِغال وابن العلقمي، وهذا ما يبدو أنه سيقع قريباً للنظام الإيراني وعلى رأسه خامنئي نفسه.

 

ولو كان لدى النظام في إيران ذرّة كرامة أو استقلال أو نخوة، لاستبق أمريكا قبل أن تذبحه، وقام بخطواتٍ تحفظ رأسه وشيئاً من كرامته، إن بقي منها شيء، فيمكنه أن يستبق الضربة العسكرية التي تنوي أمريكا توجيهها له، بتوجيه ضربات موجعة لقواعدها العسكرية في المنطقة، وفي مقدمتها كيان يهود وقاعدة العديد في قطر، وحاملات الطائرات المتجهة نحوهم من بحر الصين، ولكن لا يبدو أن النظام قد تعلم من خطأ صدام حسين، الذي ظل ينتظر أمريكا لتنتهي من الحشد له حتى جاءت ساعة الصفر، فقضت عليه وعلى نظامه.

 

ولو كان في نظام إيران من يؤمن حقا بالله واليوم الآخر، لقام بتسليم السلطة للمخلصين من الأمّة، أصحاب مشروع الخلافة على منهاج النبوّة؛ حزب التحرير، فهو الحزب الوحيد القادر على حماية البلاد والعباد من جبروت وغزو أمريكا لإيران والمنطقة، ولكن هيهات! فقد جرت سنّة الله سبحانه وتعالى أن لا ينصر دينه ويعزّ الإسلام إلّا من آمن واتّقى وعمل عملاً صالحاً، وليس من النظام في إيران وهو عدوٌّ لله ولرسوله وللمؤمنين منذ نشأ على أيدٍ أمريكيةٍ خبيثة، ولذلك لا يُتوقّع إلّا أن نرقب القضاء على هذا النظام في الوقت الذي تختاره أمريكا نفسها، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.

 

إنّ ما يحصل في إيران وما ستؤول إليه الأحوال فيها درسٌ لكل العملاء والموالين لأمريكا من حكّام المسلمين الرويبضات، فالدرس الذي يجب أن يتعلّموه هو أنّهم ما لم ينفّذوا كل ما تأمرهم به أمريكا، سواء أكانوا قادرين على ذلك أم لا، فإنّ عدم رضاها عنهم يعني التخلّص منهم والإطاحة بهم دون أسفٍ أو ندمٍ أو تردّد، ومع ذلك، فإنّ هذا الدرس لن يتعلمه هؤلاء الرويبضات؛ فلا هم يعقلون حتى يعقلوا، ولا هم يتّقونَ حتى يرعَوُوا، ولكن يبقى التعويل على المخلصين من الأمّة من عامّة الناس والمؤثّرين وأهل القوة والمنعة أن ينقذوا هذه الأمّة من طيش وجهل هؤلاء الحكام، فيتخلّصوا منهم هم، لا أمريكا، ويستبدلوا بهم خليفة يحكم بكتاب الله وسنّة نبيّه، فإن لم يفعلوا، فسيكونون قد ضحّوا بأمّتهم ومقدّراتها، وكانوا بالسوء نفسه الذي عليه هؤلاء الحكّام، ومشاركين في إلحاق الأذى والدمار بالبلاد والعباد.

 

لذلك نهيب بالمخلصين من أهل القوّة والمنعة في مختلف بلاد المسلمين، ومنهم أهل القوّة والمنعة في إيران، أن يُعطوا النصرة لحزب التحرير لإنقاذ ما تبقّى من شعث هذه الأمّة ولملمة قواها، وبغير ذلك، فإنّ الأمور تسير من سيئٍ إلى أسوأ، فهل يستجيب أهل الحكمة والعقل والإيمان في جيوش المسلمين ومنهم المخلصون في الجيش الإيراني؟! اللهمَّ اهدهم إلى سواء السبيل بانحيازهم لأمّتهم وإعطاء النصرة لحزب التحرير. اللهمَّ آمين.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التحولات الديمغرافية في المغرب

شؤم آخر للرأسمالية العفنة

 

نشرت المندوبية السامية للتخطيط في كانون الأول/ديسمبر 2025 دراسة بعنوان "الأشخاص المسنون في المغرب، دراسة مستخلصة من نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024"، أوردت فيها إحصائيات قيمة عن تطور الهرم السكاني في المغرب والتحولات الديمغرافية العميقة التي يشهدها المغرب واتجاهه نحو شيخوخة سكانية متسارعة ما سيغيّر بعمق توازن المجتمع والاقتصاد في أفق 2050.

 

بحسب الورقة فقد بلغت نسبة من هم في سن 60 سنة فما فوق 13,8٪ سنة 2024 (تجاوز العدد 5 ملايين نسمة)، وقد ترتفع هذه النسبة إلى 22,9٪ سنة 2050، متجاوزة لأول مرة نسبة الأطفال دون 15 سنة المقدّرة بـ19%، وتضيف أن عدد كبار السن قد يصل إلى حوالي 6 ملايين عام 2030 ثم يقارب 9,7 ملايين عام 2050، أي ما يقارب ضِعف العدد الحالي. وعليه سيرتفع مؤشر الشيخوخة (عدد المسنين لكل 100 طفل) من 52 عام 2024 إلى 120 عام 2050 خلال 25 سنة فقط.

 

يعود هذا التحول إلى الانخفاض المستمر في معدلات الخصوبة، التي تراجعت من 7.2 طفل لكل امرأة عام 1962 إلى 1.97 طفل عام 2024، وهو مستوى أقل من عتبة إحلال الأجيال (2.1)، ما يعني أن ساكنة المغرب تتناقص مع الزمن ولا تزداد، بالمقابل، ارتفع أمل الحياة عند الولادة بشكل ملحوظ ليصل إلى 77.2 سنة 2024 مقارنة بـ47 سنة 1962، ما أدى إلى تغيير التركيبة العمرية وزيادة نسب الشيخوخة.

 

تخلص الدراسة إلى أن هذه التحولات ستثقل كاهل المالية العامة، خصوصاً أنظمة التقاعد والصحة والسياسات الاجتماعية، كما ستفرض تكييف البنيات التحتية في المدن والقرى مع حاجات كبار السن، وتشدد على ضرورة مقاربة استباقية تشمل الاعتراف بحقوق واستقلالية المسنين، وإصلاح أنظمة التقاعد، وتوسيع الحماية المجتمعية، وتقوية البنية الصحية، ودعم الأسر، بما يحول هذا التحدي إلى فرصة لبناء مجتمع أكثر تضامناً وعدالة بين الأجيال.

 

الغريب في الدراسة أنها مع عزوها لظاهرة تزايد الشيخوخة السكانية إلى انخفاض معدلات الخصوبة إلا أنها لم تقترح ضمن ما اقترحته من حلول، تشجيع الناس على المزيد من إنجاب الأطفال، مع أنه الحل البديهي الذي يقفز إلى الذهن، وإنما اكتفت بالدعوة إلى التكيف مع الشيخوخة القادمة!

 

لقد كان هذا المآل واضحاً منذ عقود، فانخفاض معدلات الخصوبة مستمرٌّ منذ مدة، وهو نتيجة مباشرة لمجموعة من الأمور يعلمها بسطاء الناس فضلاً عن المهتمين وهي:


1. ارتفاع سن الزواج بسبب ازدياد تكاليف المعيشة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن متوسط سن الزواج الأول للنساء ارتفع من 17.5 سنة في عام 1960 إلى 24.6 سنة في عام 2024، وللرجال من 24 سنة إلى 32.4 سنة.


2. انخفاض نسبة المواليد في العائلة الواحدة نتيجة تنامي استخدام وسائل منع الحمل (ارتفع معدل انتشارها إلى 71% عام 2018) وارتفاع تكاليف المعيشة وبالذات تعليم الأطفال، حيث أصبح الطفل مكلِفاً للأغنياء فضلاً عن الفقراء.


3. ارتفاع نسب الطلاق نتيجة تسمم العلاقة بين الرجال والنساء.


4. تغلغل المفاهيم الغربية عن الحياة، وما يسمى الحريات والفردانية، وخصوصا الحريات الجنسية.

 

لقد بقي مشكل انخفاض الولادات حكراً على المجتمعات الغربية لعقود، وكانت بلادنا الإسلامية في مأمنٍ منه، لكن سياسات الحكام الظالمة التي أفقرت الناس وبثت فيهم أفكار الغرب الفاسدة وجعلت الأبناء حملاً مادياً لا يطاق، حولتنا إلى نسخة مشوهة من هذه المجتمعات الغربية، لا هي تتنعم بالدنيا ولا هي تتنعم بأبنائها وتجعلهم ذخراً لها في كبرها.

 

لقد أوصانا رسول الله ﷺ بالتكاثر وكثرة الإنجاب، فقال: «تَنَاكَحُوا، تَكْثُرُوا، فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أبو داود وابن حبان، وأوضح ربنا أنه هو الرازق ونهانا عن قتل الأولاد خشية الفقر، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، وكانت العرب تقول "إنما العزة للكاثر" أي المكثر من الأبناء، وظل المسلمون لقرون ينجبون ويتكاثرون، يعولون أبناءهم ويحسنون إليهم، ثم يحسن الأبناء إلى آبائهم ويبرُّونهم حين يبلغون الكبر، لا يضيق الكبير بالصغير ولا الصغر بالكبير، يؤجر الكبير بإعالة الصغير، ويؤجر الصغير بالبِرِّ بالكبير، لكن الغرب الذي تجرد من الفطرة واتبع الشهوات، وجد أن الأبناء يحولون بينه وبين الانطلاق في إشباع المتع الجسدية، كما أن الإنجاب لا يعود عليه بأي منفعة لأن الأبناء متى ما كبروا تنكروا لآبائهم، فمفهوم البر بالوالدين غائب عندهم، فلم الإنجاب إذن؟ وقد استمات السياسيون في الغرب لحض الأزواج على الإنجاب وجعلوا لهم الأعطيات والمنح على ذلك، لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً، وبدل أن يعترفوا بخطأ نظرتهم للحياة، ويراجعوا سيرهم، عملوا على تصدير مشكلتهم إلينا وانشغلوا بمحاربة النسل في بلادنا، ولسان حالهم يقول: إذا عجزنا نحن عن الإنجاب فيجب أن نمنع الباقين منه حتى لا يسبقونا، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، وساير حكامُنا الغربَ كعادتهم في ذلك، فبثوا أفكاره العفنة عن علاقة الرجل بالمرأة، ويسّروا الاختلاط والتبرج، وشجعوا الزنا وزينوه فسموه حرية وانطلاقاً وعلاقات رضائية، وبموازاة ذلك جعلوا الضنك في معايش الناس ليُثنوهم عن الإنجاب، وسَنُّوا من القوانين ما يصرف الناس عن الزواج كرفع السن الأدنى للنساء ومنع التعدد، وبثوا الأفكار السامة بين الرجال والنساء وأدخلوهم في حروب طاحنة جعلت الرجل ينظر إلى المرأة كأنها ثعلب ماكر يتحين الفرصة لاستغلاله ونهب ماله، وجعلت المرأة تنظر إلى الزوج كذئب مستهتر سيفترسها ثم يلقي بها مع أبنائها على قارعة الطريق، فكثرت المشاكل الزوجية وبلغت معدلات الطلاق نسباً غير مسبوقة وصلت إلى 57% سنة 2024.

 

من نافلة القول إنه إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فسيضطر المغرب قريباً إلى استيراد يد عاملة لسد النقص، وسيتحول من مصدر لليد العاملة إلى الخارج إلى مستورد لها، مع كل ما سيترتب على ذلك من آثار على بنية المجتمع خصوصاً إن كانت هذه اليد العاملة المستوردة من غير المسلمين.

 

إن الرأسمالية وفكرها وأنظمتها شؤمٌ كلها، شؤمٌ على الناس أينما كانوا، وشؤمٌ عليهم في كل أمورهم، وكلما طال زمنها انتشر سُمُّها وعفنُها كالسرطان ليتغلغل في كل مناحي الحياة فلا يسلم منها قطاع ولا بشر. لذا فقد آن الأوان للبشرية وليس للمسلمين فقط أن تلفظها وتلتفت إلى شريعة ربها، ففيها العلاج والبلسم الشافي الموافق للفطرة دون عناء.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد عبد الله

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الفخّ الرقمي: قناع "الروحانية"

للنظام العلماني ومؤامرته على الإسلام

 

 

لم تعد وسائل التواصل الإلكتروني، ولا سيما منصّات مثل تيك توك وإنستغرام، مجرّد أدوات لتمضية الوقت، بل تحوّلت اليوم إلى أسلحة فكرية قويّة تُعيد تشكيل وعي الإنسان وأخلاق المجتمع. فـ"الثقافة الفتنوية" التي تتسرّب عبر هذه المنصّات تستهدف تقويض الأسس المعنوية للمسلمين، حيث يمارس النظام العلماني العالمي هيمنته عليهم ليس سياسياً واقتصادياً فحسب، بل أيضاً عبر الاستعمار الثقافي. وتقف تيك توك وما شابهها في طليعة هذه الاستراتيجية، إذ إن الهدف الجوهري للثقافة التي تروّج لها هو استعباد الإنسان للشهوة، وإزالة مشاعر الحياء والعفّة، وتفكيك الشخصية الإسلامية.

 

وهذا ليس مساراً عفوياً، بل هو غزو فكري عقدي محسوب بدقّة. فقد صرّح شون باركر، الرئيس السابق لفيسبوك، متحدثاً عن الهدف من إنشاء شبكات التواصل، بأنها صُمّمت لـ"استغلال نقاط الضعف في علم نفس الإنسان" و"السيطرة على الوعي البشري عبر جرعات صغيرة متواصلة من الدوبامين". وكذلك أكّد عالم السياسة الشهير والمستشار الأمريكي السابق زبيغنيو بريجنسكي ضرورة "تقديم وسائل تسلية تافهة للجماهير للسيطرة عليهم ومنعهم من التفكير السياسي الجاد"، وهو ما تنفّذه خوارزميات تيك توك اليوم بدقّة لافتة.

 

وقد بُنيت خوارزميات هذه المنصّات بحيث تشجّع أدنى النزعات الإنسانية؛ حبّ الشهرة، والاستعراض، وتجاوز الحدود الأخلاقية. ويصف تريستان هاريس، المصمّم السابق في جوجل والمتخصّص في أخلاقيات التكنولوجيا، شبكات التواصل بأنها "سلاح سحري للتحكّم في الوعي الإنساني"، كاشفاً أن هدفها فصل الناس عن القيم المعنوية ودفعهم للتكيّف مع "الترندات" التي تفرضها الخوارزميات. ومع أن الحياء في الإسلام شعبة من شعب الإيمان، فإن هذا النظام الرقمي يدفع النساء والرجال معاً إلى سلوكيات غير لائقة أمام العامة وإخراج الحياة الخاصة إلى الشارع، ما يفضي إلى إهدار الوقت وسطحيّة التفكير، ويُلهي الشباب عن القضايا الملحة الجادة المصيرية للأمة.

 

ولا ينبغي للمسلمين أن يواجهوا هذا الغزو بالمنع وحده، بل بردٍّ منظّم وبدرع فكري. ويبدأ ذلك بتعليم أبنائنا النظر إلى الأحداث بميزان الإسلام وتكوين "الفلتر العقدي". وبناء هذا النظام الدفاعي يتطلّب خطوات عملية لا غنى عنها. فأولاً، لا يجوز للمسلمين أن يتركوا الفضاء الرقمي ساحةً للأفكار الدخيلة الأجنبية، بل ينبغي استخدامه أداةً قويّة للدعوة والصراع الفكري. ولا بدّ من الانتقال إلى الهجوم عبر تقديم محتوى بديل عالي الجودة يُسهم في بناء الشخصية الإسلامية، في مواجهة المحتوى التافه المنتشر على وسائل التواصل.

 

ويجب إدراك أن شبكات التواصل في ظلّ الديمقراطية الرأسمالية لا تخدم إلا تحقيق الربح والسيطرة الفكرية على الناس. وليست سياسات النظام الأوزبيكي استثناءً من ذلك. فرغم وصف الرئيس شوكت ميرزياييف في خطاباته لوسائل التواصل بأنها "ميدان فكري يؤثّر سلباً على عقول الشباب"، فإن النظام عملياً لا يستخدم هذا المجال إلا لفرض سيطرته السياسية. فخلف كلمات ميرزياييف "اليوم، لحماية الشباب من الأفكار الأجنبية على الإنترنت، من الضروري تعزيز مناعتهم الفكرية"، يكمن مفهوم "الروحانية الوطنية"، الذي يعني الولاء للنظام، لا التفكير المستقل المبني على الإسلام.

 

ويقوم النظام بحجب أي دعوة فكرية أو سياسية تخدم النهضة الإسلامية على شبكات التواصل بسرعة، ووصمها بتهمة "التطرّف". وتُعدّ قوائم المواد المحظورة التي تُعلنها دورياً وزارة العدل، بناءً على خلاصات خبراء لجنة الشؤون الدينية وقرارات المحكمة العليا، دليلاً واضحاً على ذلك. والأكثر إيلاماً أن عداء النظام للقيم الإسلامية يتجلّى بوضوح في أحكامه الجائرة: فمن جهة، يُصدر أحكام سجن لسنوات بحقّ مسلم بسيط لمجرّد ضغطه "إعجاباً" على نشيد إسلامي أو مشاركته مع أقاربه؛ ومن جهة أخرى، يُظهر الإنسانية والرحمة تجاه شخصٍ شقيٍّ أساء علناً لنبينا ﷺ على وسائل التواصل، مكتفياً بحبسه إدارياً لمدة 12 يوماً!!

 

وهذا النفاق، أي الكيل بمكيالين، يفتح الباب لانتهاك المقدّسات الإسلامية، بينما يُجرّم تعلّم الإسلام ونشره. وتُثبت هذه الإجراءات القمعية أن هدف النظام ليس بناء مجتمعٍ أخلاقي، بل تشكيل جماهير غير مؤذية سياسياً ومشوّهة فكرياً، مع كنس أي تأثيرٍ للإسلام من الفضاء الرقمي بالكامل.

 

أما الحماية الحقيقية لوعي المسلمين فلا تكتمل إلا في ظلّ الدولة الإسلامية؛ الخلافة. ففي الخلافة، لن تُستخدم السياسة الإعلامية لإفساد الناس معنوياً أو لانتهاك المقدّسات، بل لرفعهم فكريا والارتقاء بسلوكهم.

 

وخلاصة القول: إن الفتن في شبكات التواصل اليوم اختبار لقوّتنا الإيمانية والفكرية، وواجبنا هو إخضاع التكنولوجيا لخدمة الإسلام وبناء حصن الشخصية الإسلامية في وعقول وقلوب أبنائنا. قال رسول الله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم).

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

صلاح الدين الأوزبيكي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

حين تتباكى الإمبراطوريات على المتظاهرين!

 

 

كلما اهتزّ نظامٌ خارج دائرة النفوذ الأمريكي، ارتفعت فجأة نبرة القلق العميق في واشنطن، ليتحوّل قمع المتظاهرين إلى جريمة كونية تستدعي التهديد والوعيد، وربما التلويح بالقوة العسكرية! والسؤال الذي يفرض نفسه بوقاحة الواقع: من فوّض أمريكا لتكون قاضياً وجلاداً في آنٍ واحد؟

 

إن الحديث عن توجيه ضربة عسكرية لدولةٍ معترفٍ بها في هيئة الأمم المتحدة بذريعة قمع احتجاجات داخلية، ليس فقط خروجاً على الأعراف الدولية، بل هو نفاقٌ سياسيٌّ فجّ. فلو كان دم المتظاهرين معياراً للتدخل، لكانت واشنطن أولى الدول التي تُدان وتُحاصَر وتُحاكَم؛ فتاريخها الحديث مكتوبٌ بجماجم الشعوب، لا بمواثيق حقوق الإنسان كما تدّعي.

 

أيّ وقاحةٍ هذه حين يتحدث من سوّى مدناً كاملةً بالأرض عن حماية المدنيين؟ وأيّ صفاقةٍ سياسية حين يُرفع شعار الحرية على فوهات المدافع التي لم تجلب يوماً سوى الفوضى والخراب، من العراق إلى أفغانستان، إلى غزة المنكوبة، إلى سوريا، إلى اليمن؟!

 

ومن دعم الانقلابات إلى رعاية الطغاة، كانت أمريكا دائماً في الصف الأول حين يُنتهك الإنسان، ما دام ذلك يخدم مصالحها. إن ورقة المتظاهرين ليست سوى ذريعةٍ رخيصة تُستخدم للضغط والتشويه وفرض العقوبات، لا أكثر. فالقرار العسكري لا يُتخذ بدافعٍ أخلاقي، بل حين تتعرض المصالح الكبرى للتهديد: النفط، النفوذ، أمن الحلفاء، وهيمنة القوة. أما دماء الشعوب، فلا وزن لها إلا بقدر ما يُستثمر سياسيّاً.

 

وهنا تتجلّى العنجهية في أقبح صورها: عنجهية القوة التي ترى نفسها فوق القانون، وتتعامل مع العالم بوصفه ساحة اختبار لإرادتها. من يملك القنابل يكتب الرواية، ومن يملك الإعلام يمنحها صفة الشرعية، حتى لو كانت مغموسةً بالدم!

 

إن المأساة الحقيقية ليست في كذب الخطاب الأمريكي فحسب، بل في استمرار بعض العقول في تصديقه. فالحروب لا تُشن دفاعاً عن المتظاهرين، ولا تُخاض من أجل كرامة الإنسان، بل تُدار لتثبيت الهيمنة وكسر الخصوم. وكل ما عدا ذلك خطابٌ تضليليّ يُعاد تدويره كلما اقتضت الحاجة. فحين تتباكى الإمبراطوريات على المتظاهرين، فاعلم أن الهدف ليس إنقاذهم، بل استخدامهم. أما العدالة التي تتحدث عنها واشنطن، فتبقى آخر ما يخطر ببال من جعل من الدم سياسة، ومن الدمار استراتيجية.

 

على الشعوب أن تدرك، بلا أوهام ولا سذاجة، أن أمريكا لا تبكي على الضحايا إلا حين تحتاج إلى دموعهم وقوداً لمشاريعها. فكل خطاب أمريكي عن الحرية ليس عهداً بالخلاص، بل إنذارٌ بالتدخل، وكل وعدٍ بالدعم ليس نجدةً، بل فاتورةٌ مؤجلة تُدفع سيادةً ودماً واستقراراً.

 

لقد علّمنا التاريخ أن من يفتح أبوابه للإمبراطوريات لا يستقبل الحرية، بل يستقبل الوصاية، ثم الفوضى، ثم الخراب. وأن الشعوب التي تراهن على الخارج لإنصافها، تُسلّم رقابها لمن لا يرى فيها سوى أدوات ضغط وبيادق صراع.

 

إن أخطر ما في الخداع الأمريكي ليس القنابل ولا العقوبات، بل تزييف الوعي؛ ليتحوّل القاتل إلى مُخلِّص، والهيمنة إلى دعم، والاحتلال إلى شراكة. لذلك، فإن الوعي هو خط الدفاع الأول، وفضح النفاق هو بداية التحرر. فأمريكا لا تحارب من أجل الشعوب، بل من أجل نفسها. ومن لم يفهم هذه الحقيقة مبكراً، سيفهمها متأخراً على أنقاض بلده وامتهان كرامته.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

هل نحن أمام معاهدة سايكس بيكو جديدة؟؟

 

أنكر الغرب لسنوات معاهدة سايكس بيكو التي قسمت بلاد المسلمين إلى دويلات بحدود مصطنعة بعد هدمه دولة الخلافة العثمانية، وهندستها على شكل يضمن مصالح الدول الاستعمارية حينها. فقامت تلك الكيانات المصممة على أسس هشة ضمنت فشلها الاقتصادي والسياسي واستمرار النفوذ الغربي في بلادنا بما يرسخ التبعية السياسية للغرب المستعمر، فقسمت بلاد الشام إلى دويلات صغيرة وأنشأت ممالك ودولاً بحدود وأعلام ووطنيات وقوميات تحمل في أحشائها بذور تقسيم جديد على أسس عرقية ومذهبية وطائفية.

 

وقد كانت لتلك المعاهدة آثار كارثية على الأمة الإسلامية، فالحدود والدول الجديدة دفع المسلمون ثمنها دماً وهزائم سياسية وثروات هائلة وآلاماً ونكباتٍ توالت على جسد الأمة حتى كادت تكسر ظهرها.

 

نكبات طالت الأمة، والفشل الذي لحق بتلك الكيانات المسماة دولاً ذاق مرارته كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية على مستواه الشخصي، فالفقر الذي طال جميع المسلمين في سائر بلاد المسلمين كان نتيجة حتمية لذلك التقسيم، إذ لا يمكن لتاجر أن يفكر بتجارة حرة مزدهرة عبر حدود مغلقة، كما لا يمكن لجيوش العاطلين عن العمل في بلاد مقزمة مسيجة بسياج سايكس بيكو أن تفكر بالعمل الحر والوظائف في ظل حدود مغلقة بين الإخوة، تحرسها جنود وممرات ومعابر وتأشيرات سفر وكأنك تسافر من قارة لقارة، وبين أمم مختلفة في مسافات مضحكة يستطيع المسافر فيها أن يصلي الفجر في عاصمة والظهر في أخرى والعصر في ثالثة... فأي دول هذه؟ وما هو الأفق لأي عمل أو استثمار أو نهضة اقتصادية أو إبداع علمي في هكذا سجون مغلقة على أهلها؟!

 

وبالمقابل لك أن تتصور الفرق بين حرية العمل والتجارة ونقل الأموال والثروات في ظل بلاد بلا حدود بين الأردن وسوريا ومصر والعراق والحجاز، وسعة الأفق للتجارة والعمالة والوظائف، والانطلاق حين تزول العقبات أمام العمل والتجارة وساحات الإبداع!

 

هذا ببساطة طبعا، وقبل الحديث عن استغلال الثروات الموجودة فعلا في هذه البلاد التي لا تنقصها الموارد البشرية واليد العاملة، فلك أن تتصور أيضا كيف لكفايات مصر وعمالتها أن تبدع حين تخرج من سجن سايكس بيكو اللعين بدون تأشيرات مذلة مضحكة مبكية لتذهب باتجاه السودان أو الشام أو الحجاز، ولك أن تتخيل التغيير الذي سيحدث إن تحرك تجار الشام، وكفايات فلسطين والأردن وغيرها من بلاد المسلمين الزاخرة بالشباب والعلماء باتجاه الحجاز والعراق واليمن وليبيا لينطلقوا في رحلة إبداع تفجر الطاقات وتنشر الازدهار والرفاه كما كان زمن الأجداد الفاتحين المحررين الدعاة العلماء!

 

لك أن تتخيل بحسرة تكاد تفقدك صوابك كيف ستغير عائدات النفط والغاز في البنى التحتية والمشاريع والاستثمارات في مصر والأردن وسوريا وتركيا والمغرب والجزائر؟! بل كيف سيتغير واقع حياة الملايين من فقراء الأمة الذين يعيشون في الخيام أو في القبور؟! وهذا كله دون الحديث عن الثروات ذاتها واستغلالها لنهضة الأمة ورفعتها.

 

ولك أن تتخيل ما هو الحال إذا استعادت الأمة إرادتها السياسية التي تضع الأمة في مكانتها التي تليق بها بوصفها أمة الوحي وصاحبة رسالة الإسلام للعالمين وتطرد المحتلين والمستعمرين من بلادنا.

 

لك أن تتصور جيش مكوناً من أبناء الأمة الإسلامية في مصر والسودان وليبيا وسوريا والعراق وغيرها من بلاد المسلمين يحمل عقيدة ومنهاج حياة يدفع الجميع للتضحية والنضال من أجل سيادة الدين ورفع راية الإسلام!!

 

يبدو الأمر مرعبا للغرب وأعوانه، أليس كذلك؟؟

 

لذلك فإن الغرب قد وضع الخطط الجديدة المنشورة وغير المنشورة لاستنساخ معاهدة سايكس بيكو جديدة، إذ كانت تلك المعاهدة القديمة اللعينة المشؤمة فعالةً لعقود في تقسيم الأمة وتركيعها والحيلولة دون نهضتها وحدتها المؤرقة للغرب.

 

فقادة الغرب يريدون الآن أن يقسم المقسم على أسس عرقية ومذهبية؛ ففي عام 2013 نشرت صحيفة نيويورك خطة جديدة تقسم ثلاث دول عربية إلى 14 دولة، حيث تم تقسيم سوريا والعراق إلى ثلاث دول لكل منها، واليمن إلى دولتين والسعودية إلى خمس دول كاملة.

 

لك أن تتصور كيف سيكون واقع الأمة إذا تم هذا التفتيت الجديد الذي يجري بعضه تحت سمع وبصر كل القادرين على التغيير من أهل القوة في الأمة الآن!

 

‏في خضم هذه الحالة لا يجب أن يغيب عن ذهنك أبدا أن أمريكا أنفقت على إعادة إعمار أوروبا كلها، نعم أوروبا كلها، بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن كانت كومة ركام ومقبرة كبيرة، أنفقت ما قيمته بسعر صرف الدولار اليوم ما يقارب 8٠0 مليار دولار فقط في ظل أن حكام الخليج قدموا نحو أربعة تريليونات دولار لترامب في العام الماضي، وأن قطر أنفقت على مونديال العالم لكرة القدم ما يفوق 164 مليار دولار، لك أن تخيل عزيزي القارئ النتيجة لو أن هذه الأموال أنفقت على بلاد المسلمين!!

 

إن قضية الأمة ليست في الثروات أو الأموال، بل في القرار السياسي وعودة هذه الكيانات المصنعة الفاشلة في دولة واحدة تملك ثرواتها وسيادتها، حيث لا فقر ولا ذل ولا لجوء ولا احتلال ولا هموم جاثمة على صدور الناس في الليل وفي النهار.

 

إن التشبث بحدود هذه الكيانات ندفع ثمنه دماً وذلاً وفقراً واحتلالاً، وإن أي دعوة لاستدامة هذه الحدود هو تمهيد للتقسيم الجديد، ودعوة لتشرذم قادم، وإن أي مشروع تحت مسميات وطنية أو قومية أو طائفية أو مذهبية يستند إلى ما خطه المستعمر من حدود هو انتحار سياسي وعمالة للغرب بسوء نية أو بحسنها، فلا خلاص من هذه الدائرة الكارثية على الأمة إلا بسقوط هذه الحدود من أدمغة المسلمين أولاً، وعلى أرضهم ثانياً، ولا قيامة لهذه الأمة الكريمة العظيمة بدينها إلا بدولة واحدة، هي الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تلم شتاتها وتعود بها أمة واحدة بلا حدود مصطنعة، وبرسالة رحمة ونور للبشرية جمعاء.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله العمري

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

مائة وخمسة أعوام على هدم الخلافة

بين ويلات الغياب وبشائر العودة وفرضية النهوض

 

مرت على الأمة في الأيام الماضية ذكرى أليمة لا تُقاس بالأيام ولا بالسنين، بل بما خلّفته من ويلاتٍ وانكساراتٍ ومسارٍ تاريخيٍّ انحدرت فيه الأمة من مقام القيادة إلى درك التبعية، ومن وحدة السلطان إلى التمزق والارتهان. مائة وخمسة أعوام مرّت منذ هُدمت الخلافة هدماً، ليس ككيانٍ سياسي فحسب، بل كدرعٍ واقٍ للأمة، وسلطانٍ جامعٍ لها، ونظام حكمٍ يُطبّق الإسلام في واقع الحياة، ويحمل رسالته إلى العالم.

 

لم يكن هدم الخلافة حدثاً عابراً في تاريخ المسلمين، بل كان زلزالاً حضارياً غيّر وجه بلادها بأسرها. بزوالها، فُتح الباب واسعاً أمام الاستعمار ليعيث في بلاد المسلمين تقسيماً ونهباً وتغريباً، وليزرع الحدود المصطنعة، ويقيم الدويلات الوظيفية، ويستبدل بسلطان الإسلام سلطان البشر، وبحكم الشرع قوانين وضعية مستوردة لا تمتّ إلى الإسلام بصلة.

 

بعد هدم الخلافة، فقدت الأمة وحدتها السياسية، فتحولت من أمةٍ واحدة إلى عشرات الكيانات المتناحرة، لكلٍّ علمه وحدوده ونشيده، لكنها جميعاً تشترك في غياب السيادة الحقيقية، وارتهان القرار السياسي والاقتصادي والعسكري للخارج. وفقد المسلمون بغيابها الحماية، فأصبحت دماؤهم مستباحة، وأرضهم منتهكة، ومقدساتهم عرضة للعدوان، من فلسطين إلى كشمير، ومن الشام إلى تركستان الشرقية، دون أن يكون لهم سلطانٌ يردع، أو جيشٌ واحدٌ يتحرك بوصفه جيش الأمة.

 

وبزوال الخلافة، فُقد الحكم بما أنزل الله، وهو جوهر رسالة الإسلام في شؤون الحياة. تحوّل الإسلام في واقع كثير من البلاد إلى شعائر فردية محاصَرة، بينما أُقصي عن الحكم والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وساد منطق المنفعة والمصلحة المادية، وانتشر الربا، ونهبت الثروات، وفرضت الضرائب الجائرة، وسُخّرت مقدرات الأمة لخدمة الشركات العابرة للقارات والدول الكبرى.

 

أما على الصعيد الثقافي والفكري، فقد تعرضت الأمة لعملية اقتلاع ممنهجة لهويتها. فُرضت عليها مفاهيم القومية والوطنية والعلمانية، وروّجت فكرة فصل الدين عن الحياة، وشُوّه تاريخ الخلافة، وصُوّرت على أنها عصور استبداد وتخلف، في محاولة لقطع الصلة بين المسلمين وماضيهم المجيد، ومنعهم من التفكير في استعادة سلطانهم المفقود.

 

وحين نستحضر هذه الذكرى بعد مائة وخمسة أعوام، ننظر إلى هدم الخلافة على أنه جريمة كبرى بحق الأمة الإسلامية جمعاء، لا تزال آثارها ماثلة في كل تفاصيل واقعنا السياسي والاقتصادي والأمني. وكل ما تعانيه الأمة اليوم من ضعفٍ وتبعيةٍ وتمزقٍ إنما هو نتيجة مباشرة لغياب الدولة التي كانت تطبّق الإسلام كاملاً، وتحمل رسالته إلى العالم.

 

وفي المقابل، فإن ما ينتظر الأمة عند قيام الخلافة من جديد ليس حلماً مستحيلا بعيد المنال ولا خيالاً تاريخياً، بل وعدٌ رباني وسُنّة تاريخية. فبقيام الخلافة، تعود وحدة الأمة السياسية، وتُزال الحدود المصطنعة، ويجتمع المسلمون تحت راية واحدة، ويُعاد الحكم بما أنزل الله، فيتحقق العدل، وتصان الحقوق، وتُوزع الثروات توزيعاً عادلاً، وتُستثمر مقدرات الأمة لصالح رعاياها لا لصالح المستعمرين.

 

وبقيام الخلافة، تستعيد الأمة مكانتها الدولية، لا بوصفها تابعاً في نظام عالمي ظالم، بل بوصفها دولةً كبرى تحمل مشروعاً حضارياً بديلاً، قائماً على العدل والرحمة، وتخاطب البشرية كلها بالإسلام، لا بالقهر ولا بالاستغلال، بل بالدعوة والحجة، ومعها قوة تحمي الرسالة وتصونها.

 

وفوق هذا كله، فإن إقامة الخلافة ليست خياراً سياسياً من جملة خيارات، ولا مشروعاً فكرياً قابلاً للأخذ والرد، بل هي فرضٌ شرعيٌّ واجب على الأمة كلها، تأثم بتركه، وتُحاسب عليه أمام الله جلّ وعلا. فقد أجمعت الأمة عبر تاريخها على وجوب نصب خليفة، وعلى أن تعطيل هذا الفرض معصية كبرى. وإن مرور أكثر من قرن على غياب الخلافة لا يرفع الإثم، بل يزيد المسؤولية، ويجعل السؤال أشدّ يوم الحساب: لماذا رضيتم بالبدائل، وسكتّم عن تعطيل حكم الله؟

 

من هنا، نؤكد أن العمل لإقامة الخلافة هو واجب الوقت، وأنه عمل سياسي فكري مبدئي، يقوم على إعادة الإسلام إلى مركز الحياة، وعلى إيجاد رأي عام واعٍ على هذا الفرض، وعلى طلب النصرة من أهل القوة والمنعة في الأمة، كما فعل رسول الله ﷺ حين أقام الدولة في المدينة.

 

أيها المسلمون عامة وأهل مصر خاصة: إن ما تعيشونه من ضيقٍ وغلاءٍ وقهرٍ ليس قدراً محتوماً، ولا ابتلاءً بلا مخرج، بل هو ثمرة نظامٍ فاسدٍ مفروض، لا يمتّ إلى الإسلام بصلة. وإن خلاصكم الحقيقي لا يكون بتبديل الوجوه، ولا بترقيع الأنظمة، بل بالعودة الصادقة إلى حكم الله، والعمل الجاد لإقامة دولة الإسلام الجامعة.

 

يا أجناد الكنانة وكل أجناد الأمة عامة: أنتم أبناء هذه الأمة، وسيوفها، وحماتها الحقيقيون. إن شرفكم لا يكون بحراسة حدود سايكس بيكو، ولا بحماية أنظمة ترتهن للخارج، بل بنصرة دين الله، والوقوف مع أمتكم لإقامة سلطان الإسلام من جديد. والتاريخ يفتح صفحاته اليوم لمن يكتب، وإن ذكرى هدم الخلافة ليست للبكاء على الأطلال، بل لاستنهاض الهمم، وتجديد العزم، والعمل الدؤوب. فما غابت الخلافة إلا لتعود، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

التطور الرقمي ونظام السيطرة العالمي الجديد

 

على مدى تاريخها، لم تشهد البشرية تطوراً تكنولوجياً بهذه الوتيرة والنطاق الواسع كما هو الحال اليوم. من المسلّم به أن الإنجازات العلمية والعملية تُسهّل حياة الإنسان، وتُسرّع تبادل المعلومات، وتُعزّز الروابط بين المجتمعات، إلا أن مسألة من يستخدم هذه العمليات وكيف، تستدعي تحليلاً سياسياً محددا.

 

أدى ظهور الإنترنت في نهاية القرن الماضي وانتشاره العالمي السريع إلى جمع الدول والمجتمعات في فضاء افتراضي واحد. في التصريحات الرسمية، فُسّر هذا الوضع على أنه "شفافية" و"ابتكار" و"تنمية عامة". ولكن في الواقع، يستخدم النظام الرقمي بالدرجة الأولى الطبقة السياسية التي تسعى للهيمنة العالمية. في هذه المرحلة، تبلورت القدرة على التحكم بالأخبار والأنباء، وجمع المعلومات، وتحويلها إلى أداة إدارية. وقد جعلت القيود وإجراءات التباعد المجتمعي التي فُرضت منذ عام 2020، جعلت السيطرة الإلكترونية، والمراقبة الرقمية، والتحكم في شؤون الناس أمراً شائعاً تحت ستار الحفاظ على الصحة. ورغم أن هذه الإجراءات قد تبدو وكأنها تُخفف من حدة الخوف (التهديد) على المدى القصير، إلا أنها في الواقع أرست أساساً متيناً لنظام مراقبة رقمية مركزي.

 

سيبدأ المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه السنوي في دافوس، سويسرا، في 19 كانون الثاني/يناير. وسيعقد اجتماع هذا العام تحت شعارٍ براق "روح الحوار"، وهو شعارٌ بعيدٌ كل البعد عن الواقع. سيجمع المؤتمر رؤساء البنوك الكبرى، ومحافظي البنوك المركزية، ورؤساء الدول، وقادة الشركات متعددة الجنسيات. العامل الرئيسي الذي يجمعهم هو الحفاظ على الهيمنة المالية والتكنولوجية القائمة وتعزيزها. مؤتمر دافوس ليس منبراً للأفكار والتأمل، بل هو مكانٌ تُعتمد فيه خارطة طريق؛ هناك، لا تتصادم الآراء المتباينة، بل يُفرض اتجاهٌ سياسي اقتصادي عالمي واحد من القطب المهيمن. الاجتماع الحالي مُنظّمٌ لتبني مفهوم "النظام الرقمي العالمي"، أو بالأحرى لبدء المرحلة التالية، مشروع بنية تحتية للتحكم المطلق مُخصصة للفترات المستقبلية.

 

يُعدّ المنتدى الاقتصادي العالمي بمثابة "تجمع النبلاء" للطبقة المسيطرة، حيث يتفق رؤساء أكبر البنوك ورؤساء الدول ومحافظو البنوك المركزية على التوجه الرسمي للعام. إلا أن المستلزمات هذا العام مختلفة، وتبلغ ذروتها على أعلى مستوى في التاريخ، إذ أصبحت التقنيات التي طالما حلموا بها جاهزة للتطبيق العملي. في هذا المؤتمر سيناقش إنشاء نظام عالمي للمراقبة الرقمية والهويات الرقمية (Digital ID) والعملات الرقمية (Fiat) والأصول المالية الرقمية (Digital Financial Assets) ورقمنة الأصول المادية وتنظيم وكلاء الذكاء الاصطناعي (Ai Agent). بالإضافة إلى الهويات الرقمية والعملات الرقمية والأصول المالية الرقمية ورقمنة الأصول المادية وتنظيم وكلاء الذكاء الاصطناعي (وكلاء الذكاء الاصطناعي). وبعبارة أخرى يبنون نظام مراقبة رقمياً عالمياً، أي السجون الرقمية التي سيُسيطرون بها على حقوقنا المتبقية في الخصوصية والاستقلال وحرية التنقل التي ما زلنا نتمتع بها.

 

يُظهر تحليل التقارير المنشورة خلال الأشهر الستة الماضية أن كريستين لاغارد، باستخدامها عبارات رنانة مثل "الاستقلال"، تُفسّر اليورو الرقمي على أنه مشروع متكامل يهدف إلى ترسيخ الهيمنة المالية لأوروبا. ووفقاً لها، تحتاج أوروبا إلى عملتها الرقمية الخاصة لتحرير نفسها من أنظمة الدفع الأمريكية والصينية، فضلاً عن فيزا وماستركارد وشركات التكنولوجيا الكبرى. يهدف هذا النظام أيضاً إلى إنشاء اتصال مباشر بين المؤسسات المالية الحكومية والنظام المصرفي، المخوّلين بإدارة جميع المعاملات النقدية - كالعقارات، ودفع فواتير الخدمات، وشراء السلع الأساسية. وتُفسّر البيانات الرسمية هذا النظام بمكافحة غسل الأموال غير المشروع، وتعزيز الأمن والشفافية. إلا أن هذا النظام يسمح عملياً للمؤسسات الحكومية والمالية بمراقبة وتحليل كل عملية دفع يقوم بها الناس، وتقييدها عند الضرورة. وهنا، يُحفظ مفهوم "الخصوصية" فقط فيما يتعلق بالآخرين أي الزعماء؛ إذ سيتمكن النظام الرقمي الحكومي من الوصول إلى جميع المعلومات. العملة الرقمية هي عملة قابلة للبرمجة تخضع لسيطرة البنك المركزي بشكل كامل. وعلى عكس النقد، لا تتحرك العملة الرقمية بحرية؛ إذ يمكن تقييد استخدامها أو تغييره أو إيقافه بموجب لوائح تنظيمية. وقد صرّحت لاغارد علناً بأن العملة الرقمية للبنك المركزي، مثل اليورو الرقمي، ضرورية لإدارة حالات الطوارئ، بما في ذلك ضوابط رأس المال. فعلى سبيل المثال، إذا أفلس أحد البنوك وحاول الناس سحب أموالهم لحماية أنفسهم، فلا داعي لإغلاق البنوك. يكتفي البنك المركزي الأوروبي بفرض قيود، كإيقاف سحب الأموال مثلاً. أو، على الأرجح، عند إعلان حالة الطوارئ في بلد ما، تُجمّد أموال الراغبين في مغادرة البلاد، فلا يجدون سبيلاً للفرار. ببساطة، تُمنع جميع الوسائل اللازمة لمغادرة البلاد.

 

لفهم هذه العمليات، لا حاجة إلى افتراضات نظرية، بل يكفي مثال عملي. يُعدّ نظام الثقة الافتراضية في الصين مثالاً واضحاً على كيفية عمل المراقبة الرقمية. فمنذ عام ٢٠١٤، يُقيّم هذا النظام سلوك الناس ويمنحهم أو يقيّد فرصاً معينة. ونشهد اليوم تقارير عن فئة جديدة من الناس في الصين، وهم الفقراء مالياً. لا يقتصر الأمر على من نفدت أموالهم، بل يشمل أيضاً من مُنعوا من استخدام أموالهم بسبب نظام الثقة الافتراضية الصيني.

 

ما هو نظام الثقة الافتراضي؟ يراقب هذا النظام الأفراد ويتحكم بهم ويعاقبهم أو يكافئهم بناءً على معايير سلوكية تحددها الدولة، ويقيّمهم بناءً على أفعالهم ويحدد ما يمكنهم استخدامه.

 

تستخدم الصين نظام الثقة الافتراضي لمعاقبة من لا يفرزون القمامة بشكل صحيح، أو يقودون السيارة بتهور، أو يعبرون عن آراء معارضة للنظام، أو يحتجون على الظلم، أو يعبرون الطريق في أماكن غير مخصصة، أو يتواصلون مع أشخاص ذوي سلوك سيئ، بل وحتى يستخدمون شبكات الإنترنت المحظورة. هذه مجرد بداية كارثة كبرى. أولاً، يُحرمون من القدرة على إنفاق المال، ثم يُحرمون من حرية التنقل، وفي النهاية يُزجّ بهم في براثن الفقر المدقع. هؤلاء الناس في الشوارع، ليس لأن الاقتصاد قد لقّنهم درساً، بل لأن برنامج قاعدة البيانات الافتراضية (نظام الثقة الافتراضي) قد سجنهم. هذا هو مبدأ "المتهم مذنب حتى تثبت براءته"، أي "إذا شكّك النظام فيك، فأنت مُقيّد". هذا هو تسليح النظام المالي الرقمي. تتيح العملة الرقمية للبنوك المركزية إنشاء نظام رقابي كهذا، ويتجه هذا النظام نحو تطبيقه عالمياً.

 

ومن القضايا الرئيسية الأخرى المطروحة على جدول أعمال النقاش بطاقة الهوية الرقمية. هذه الوثيقة ليست نسخة إلكترونية من جواز سفر عادي أو رخصة قيادة، بل هي مفتاح افتراضي واحد يضمن مشاركة الفرد في الحياة الرقمية. تربط بطاقة الهوية الرقمية، أي تُركّز الوصول إلى الإنترنت، واستخدام الخدمات المصرفية، وتخزين العملة الرقمية، وإجراء المدفوعات. ورغم أن هذا يُقدّم على أنه تسهيل، إلا أن المنطق الكامن وراءه بسيط: بدون بطاقة هوية رقمية، أنت غير موجود. هذا النظام، بطبيعة الحال، يُلغي حرية اختيار الشخص ويُجبره على الانضمام إليه. بعبارة أخرى، مفهوم النظام الرقمي العالمي ليس إلا مصطلحاً مُنمّقاً يُستخدم للتحكم الكامل. تذكر أن هويتنا تستند فقط إلى بطاقة هويتنا الرقمية، ولا سبيل لرفضها. بدون هوية رقمية، لا يُمكن المشاركة في أي نظام افتراضي (رقمي).

 

ومن القضايا الأخرى التي برزت على جدول الأعمال رقمنة الملكية. إذ يُخطط لتحويل العقارات والأوراق المالية وغيرها من الأموال والثروات إلى رموز رقمية. ووفقاً للتفسيرات الرسمية، سيزيد هذا من الشفافية والكفاية. مع ذلك، بمجرد أن تصبح الملكية رمزاً رقمياً، فإنها تصبح أيضاً كائناً قابلاً للبرمجة. وسيكون تجميدها أو تقييدها أو سحبها مسألة أجزاء من الثانية من الناحية التقنية. وهنا، يصبح حق الملكية حقاً مشروطاً مربوطا، خاضعاً لقواعد النظام. وقد حُدد تحويل الممتلكات إلى رموز رقمية في جدول أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي كموضوع رئيسي لعام 2026.

 

في عالمنا الرقمي اليوم، يُعدّ استخدام الأصول في أنظمة لامركزية وشفافة ومفتوحة السلسلة، لا تخضع لسيطرة أي فرد أو شركة أو حكومة، أمراً مثالياً. مع ذلك، تسعى الاحتكارات الاستعمارية إلى فرض استخدام أنظمتها الخاصة والمركزية والمغلقة. فهي تُسيطر سيطرة كاملة على هذه الأنظمة، ولها القدرة على تغييرها في أي وقت. وإذا لم يُعجبها ما نقوله أو نعتقده أو ننشره أو نفعله، فبإمكانها تجميد أصولنا أو مصادرتها فوراً. ستؤثر النقود الرقمية للبنوك المركزية ورقمنة الأصول على جميع جوانب حياتنا الشخصية والعامة.

 

أما القضية التالية على جدول الأعمال فهي تنظيم وكيل الذكاء الاصطناعي (Ai Agent). يُعتبر وكيل الذكاء الاصطناعي وكيلاً مستقلاً يمتلك محفظة رقمية خاصة به. قد يُحسّن هذا الكفاءة الاقتصادية، ولكنه يُثير أيضاً تساؤلات حول إمكانية السيطرة عليه. نحن ندخل عالماً يمتلك فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي محافظهم الخاصة وأموالهم الرقمية الشخصية للإنفاق. ووفقاً للنهج المطروح في المنتدى، يجب أن يمتلك وكلاء الذكاء الاصطناعي هوية رقمية مرتبطة بكل فرد لإجراء المعاملات المالية. سيؤدي هذا إلى استبعاد أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة مفتوحة المصدر، وإعطاء الأولوية للأنظمة المعتمدة من الشركات الكبرى. وفي هذه العملية، من المرجح أن تصبح مؤسسات مثل بلاك روك وجوجل ومايكروسوفت لاعبين رئيسيين. إن وكلاء الذكاء الاصطناعي ليسوا مجرد "ChatGPT" أو أداة نحتاجها من حين لآخر، بل هم بمثابة خدم رقميين يعملون باستقلالية تامة. لديهم محافظهم الخاصة، وأهدافهم الخاصة، ويمكنهم إجراء تحويلات مالية دون إذننا. ينظر قادة المنتدى الاقتصادي العالمي إلى هذا الوكيل المعرفي الاصطناعي باعتباره قوة عاملة ثالثة. لذلك، فهم لا يسعون فقط إلى تنظيمنا نحن البشر، بل يبذلون جهوداً حثيثة لتنظيم ملايين الروبوتات المستقلة التي ستنتشر قريباً في الاقتصاد.

 

لفهم حجم ما يحدث وتأثيره على حياتنا، علينا أن ندرك أننا نتجه نحو المدفوعات بين الآلات (M2M). تخيلوا نظام ذكاء اصطناعي في ثلاجتنا يدفع مباشرةً لنظام ذكاء اصطناعي آخر في متجر إلكتروني مقابل المنتجات التي نحتاجها. أو تخيلوا لو أن عملنا يتطلب سفراً مستمراً، ولدينا نظام ذكاء اصطناعي شخصي يحجز ويدفع لنظام الذكاء الاصطناعي في شركات الطيران. قد يبدو هذا ضرباً من الخيال، لكن في السنوات القادمة، سيشكل جزء كبير من الناتج المحلي الإجمالي مدفوعات بين أنظمة الذكاء الاصطناعي. هنا، يكمن التهديد لهويتنا في تطبيق بطاقة الهوية الرقمية عبر النظام الرقمي العالمي. يسعى المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن تمر جميع هذه المدفوعات عبر بنوكه المركزية وأنظمة الدفع الخاصة.

 

هذا يعني أنه إذا انفصلنا عن النظام المصرفي أو انخفضت معنوياتنا، فسيتم تخفيض مستوى نظام الذكاء الاصطناعي الخاص بنا وحظره. أي أن وصولنا إلى الذكاء الاصطناعي سيُحد، وسيبدأ هو نفسه باستخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة المخاطر وإدارتها. إنهم بصدد إنشاء نظام ذكاء اصطناعي خاص سيراقبنا على مدار الساعة طوال أيام السنة. فبدلاً من أن يقوم موظف البنك بتصنيف حسابنا على أنه مشبوه، سيقوم نظام ذكاء اصطناعي مستقل بذلك فوراً وبطريقة غير شفافة يستحيل الطعن فيها. هذا يخلق نظاماً مالياً فاسداً يُسيطر عليه برنامج مغلق، قائم على مبدأ "المتهم مذنب حتى تثبت براءته". إنها حرب معلنة على مستقبلنا، على هويتنا. إنهم يريدون السيطرة ليس علينا فحسب، بل على كل ما يتعلق بنا؛ بأموالنا وحريتنا وحقنا في الحياة.

 

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَـاكِرِينَ﴾

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حياة الله الأوزبيكي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

السعي بين الصفا والمروة والسعي في واقعنا

 

 

 

في مشهدٍ خالد، يتكرّر كل عام بملايين الخطا، تقف البشرية شاهدة على قصة امرأة مؤمنة، ليست نبية، ولا ملكة، بل أمٌّ مجاهدة، هي هاجر، زوجة إبراهيم، وأم إسماعيل عليهما السلام.

 

تُركت في وادٍ غير ذي زرع، بلا زادٍ ولا ماء، لا أنيس فيه ولا جدار، إلا أن يقينها بوعد الله كان أبلغ من وحشة المكان. لم تجلس تنتظر المعجزة، ولم تعترض على أمر ربها، بل سَعَتْ؛ سَعَت بين الصفا والمروة، تبحث عن ماء، أو مغيث، أو أي سبب، سبع مرات. ثم جاء الفرج نتيجة سعيها ودعائها، حيث أرسل الله جبريل فتفجرت بئر زمزم تحت قدمي إسماعيل، وهي نعمة باقية إلى يوم القيامة، وكان سبب استقرار الناس حول مكة المكرمة، فخلّد الله سعيها، وجعل من مشيها عبادةً، تُؤدى في نسك الحج والعمرة، وجعل ذلك درساً بليغاً للأمة كلها؛ أن وعد الله حقٌ، ولكن السعي واجب.

 

هاجر لم تكن تنتظر معجزة وهي جالسة، بل جمعت بين التوكل الحق والبذل الصادق، وهكذا يجب أن يكون المسلمون اليوم، وسوف نتطرق إلى كيفية ربط هذه القصة في واقعنا الحالي.

 

- لا ننتظر الخلافة ونحن قاعدون على الأرائك، بل نجعلها كهدف هاجر البحث عن مغيث دون القعود.

 

- ولا ننتظر نصرة غزة بالكلمات والدعاء فقط بل نجعلها سبب النصرة والثقة بالله كهاجر.

 

- ولا نرجو تمكين الإسلام دون أن نسعى له بإخلاصٍ وجِدٍّ وبصيرة، فبسبب سعي هاجر وتفجر بئر زمزم استقر الناس حول مكة ما مكنهم من بناء الكعبة (بيت الله الحرام) على يد نبيّ الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام.

 

فكما سعت هاجر، علينا أن نسعى، نأخذ بالأسباب الشرعية، ونحمل الدعوة، ونعمل لإقامة دين الله في الأرض، ونوقن بأن زمزم هذا الزمان هو نصر الله الذي لا يأتي إلا بعد السعي والثبات.

 

فيا أيها المسلم: كن كهاجر في يقينها، واسْعَ كما سعت، وسيجعل الله لك فرجاً من حيث لا تحتسب. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.

 

فيجب علينا اليقين بالله عز وجل، والسعي على نهج رسوله الكريم ﷺ، والثقة بالله والصبر على الاختبار الذي تمر به الأمة اليوم. فعندما ترك سيدنا إبراهيم زوجته هاجر كان بأمر من الله تعالى ليكون هذا الاختبار والبداية لقصة بناء بيت الله (الكعبة) لاحقاً، ولتكون أمة جديدة من نسل إسماعيل عليه السلام.

 

ونقول لكم: إن الاجتماعات واللقاءات الدعوية مهمة، فالهدف الحقيقي هو تغيير فكر الناس وسلوكهم وفق مقياس الإسلام، لينهض المجتمع نهضة حقيقية، لا شكلية.

 

وحامل الدعوة لا يكتفي بإلقاء الكلمات، بل يعمل على:

 

- زرع المفاهيم الصحيحة في العقول، ليفهم الناس أن الحكم بالإسلام فرض، وأن القوانين الوضعية كفر.

 

- كشف الواقع الفاسد من أنظمة، ومفاهيم مغلوطة، وتقاليد مخالفة للإسلام.

 

- ربط الأمة بقضاياها المصيرية كفلسطين والخلافة ووحدة الأمة، لا بقضايا تافهة تشغلهم عن التغيير الحقيقي.

 

- العمل المنظم والمخطط في الأمة لصياغة رأي عام واعٍ بالإسلام، ليكون المجتمع بيئة حاضنة للتغيير، لا معيقة له.

 

وهذا كله يحتاج إلى صبر، وثبات، وبصيرة، واتباع طريقة الرسول ﷺ في التغيير.

 

فحامل الدعوة طبيب أمة، لا يكتفي بالتشخيص، بل يُعالج جذور المرض حتى يبرأ الجسد كله، نعم فالاجتماع لا يكفي، فنريد أن نغيّر فكر المجتمع.

 

لسنا بحاجة لكثرة اللقاءات فقط، بل لحمل رسالة تُغيّر العقول وتُعيد الأمة إلى نهضتها، نريد أن نكسر قيود الوطنية والديمقراطية والمفاهيم الفاسدة، ونغرس في الناس أن الإسلام هو المقياس، وأن الخلافة هي الحل.

 

حامل الدعوة طبيب؛ يُشخّص الداء، ويُقدّم العلاج من وحي الإسلام، لا العاطفة، فابدأ بمن حولك، غيّر أفكارهم، اربطهم بشرع الله، واجعلهم يرون الإسلام كما أنزله الله: نظام حياة، لا طقوساً موسمية.

 

ونسأل الله تعالى أمةً على منهاج النبوّة.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

برهان البكري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...