اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

 

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

 

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

 

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

 

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

 

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

 

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

 

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

 

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

 

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

 

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

 

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

 

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

 

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

 

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

 

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

 

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

 

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

 

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

 

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

 

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

 

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

 

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

 

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 470
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    471

بسم الله الرحمن الرحيم

 

واقع الأمة الإسلامية اليوم

بين خذلان الأنظمة وواجب إقامة الخلافة على أنقاضها

 

في ظلال ذكرى هدم الخلافة، تمرّ الأمة الإسلامية، وخصوصاً في العامين الأخيرين، بمرحلةٍ استثنائية، عنوانها هو الخذلان وتكشّف أعداء الأمة والخاذلين لها. أمّا معنى الخذلان فهو أن يكون للمرء أو الدولة القدرة على نصرة الملهوف ثم لا ينصره، وهو كبيرة من الكبائر بدلالة الحديث الشريف: «مَنْ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَا يُصْبِحُ وَيُمْسِي نَاصِحاً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِإِمَامِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» أخرجه الطبراني، وروى الإمام أحمد أن الرسول ﷺ قال: «وَأَيُّمَا أَهْلِ عَرَصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعاً، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ» وهذا عينُ ما حصل وما زال يحصل مع أهل فلسطين على مدار نحو ثمانين عاماً، وما زال الخذلان مستمراً إلى يوم الناس هذا، بل وامتد إلى السودان بعد أن مر على أهل بورما وتركستان الشرقية وكشمير وغيرها.

 

أمّا مَن الذي خذل الأمة عموماً، وأهل الأرض المباركة خصوصاً، فهم الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين وقادة جيوشها وكثير من علمائها ووجهائها، فهم من قال سبحانه وتعالى فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ولا نذكر هنا خذلان النظام الدولي، فهؤلاء قد تجاوزوا مراحل الخذلان إلى العداء وما بعده من الوحشية والبطش وضرب القيم النبيلة عرض الحائط، هذا بعد أن ارتد عن مبادئه التي طالما تغنى بها، مثل الحرية وحقوق الإنسان وحقوق الطفل والمرأة وغيرها، وإنما الحديث هنا عن خذلان الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية، بكل مكوناتها، لا عن الحكام فقط.

 

وأشكال خذلان هذه الأنظمة للأمة كثيرة منها:

 

أولاً: الحكم بغير ما أنزل الله، حيث تحكم هذه الأنظمة بالكفر، بأنظمة علمانية تفصل الدين الحنيف عن حياة الناس، ما استوجب نزول غضب الله سبحانه وتعالى عليها، وحوّل حياة الناس إلى جحيم على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية وفي جميع شؤونهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ وهذا ما جعل هذه الأنظمة والقائمين عليها إمّا كفاراً أو ظَلَمة أو فَسَقة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿... فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿... فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. والحكم بغير ما أنزل الله يعني عدم اتخاذ الإسلام نظاما ترعى شؤون الناس بحسبه، وأحكامه مقياساً لأعمال الأنظمة وواجباتها تجاه الأمة وقضاياها. ولأن هذه الأنظمة قطرية وطنية، فقد اتخذت القضايا القطرية والوطنية قضاياها الوحيدة، ولم تعتبر أي قضية خارج ذلك شأناً يعنيها، خلافاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وخلافاً لمعنى وحدة الأمة وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات، وقد جاء ذلك في قوله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه مسلم. ولذلك لم تجد هذه الأنظمة العلمانية القطرية أنّ من واجبها نصرة المسلمين، ولو كانوا من أهل الأرض المباركة فلسطين، فكان حالها كحال الأنظمة الغربية المعادية للأمة، فهي إما أنها ترقب المجرم وهو يفتك بالمسلمين ولا تحرك ساكنا، وإما أنها تدعم القاتل في جرائمه.

 

ثانياً: حبس الجيوش عن نصرة المسلمين وقضاياها ومنها قضية الأرض المباركة فلسطين، فالشكل الثاني من الخذلان هو حبس الأنظمة لجيوش المسلمين عن نصرة أهلهم المضطهدين في كل مكان ومنهم في الأرض المباركة فلسطين، وعن تحرير المسجد الأقصى من دنس يهود؛ لأنّ قضية فلسطين قضية عسكرية في المقام الأول، لا سياسية أو إنسانية فحسب. والقضايا العسكرية تُحسم بالعسكر، لا على طاولة المفاوضات ولا في أروقة جمعيات حقوق الإنسان أو منظمة الأمم المتحدة المتآمرة على الأمة، فلم تستنفر هذه الأنظمة أبناء الأمة من الجيوش الجرارة في البلاد الإسلامية لنصرة إخوانهم المضطهدين في فلسطين وكشمير وبورما وتركستان الشرقية وغيرها، وكيف تنتصر هذه الأنظمة للأمة وهي أنظمة علمانية عميلة للكافر المستعمر الذي يشن الحملة الصليبية تلو الحملة للنيل من الأمة؟! وكيف يشعر حكام هذه الأمة بما تشعر به الأمة من ألم وهم لا ينتمون لها، ومنهم من لا يتقن لغتها؟! فلا يفهم هؤلاء الحكام معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾. إن ذكر الخذلان العسكري لا يقتصر على الحكام فقط، على الرغم من كونهم المسؤولين الأوائل، بل يشترك معهم السياسيون والوزراء وقيادات الأركان وأجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية، فهؤلاء جميعاً أصحاب نفوذ، وهم من يطلق عليهم كلمة النظام وهم من يملكون الأخذ على يد الحاكم الأول في البلاد. وهم الحكام بمجموعهم ضمن التشكيلة الديمقراطية لبلدانهم العلمانية، أو ما يطلق عليه بالسلطة التنفيذية. ولا يُقبل القول إنّهم ملتزمون بما فرضه عليهم الحاكم أو القانون الدولي، أو معاهدات التطبيع الخيانية؛ إذ المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما قال ﷺ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» رواه البخاري. كما أن الخذلان مخالفٌ للعقيدة العسكرية في الإسلام، ومخالف للقوانين الوضعية والأعراف الدولية، وقد ورد صريحاً في قرارات محكمة العدل والجنايات الدوليتين. لذلك كان خذلان الأنظمة كبيرة من الكبائر.

 

ثالثاً: خذلان العلماء والمشايخ والمؤثرين ورجال الأعمال وأهل الحلّ والعقد

 

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ فهؤلاء هم بيضة القبان في المجتمع، ولا يستطيع أي نظام أن يتجاوزهم، فهم يسيطرون على مفاصل المجتمع، ويملكون القدرة على الأخذ على يد الحكام إن أرادوا. ومهما كان النظام طاغية، فهو لا يستطيع تجاوز هذه الشريحة القوية، التي تعادل قوتها قوة الجيوش والقبائل وغيرها. وقصة العز بن عبد السلام، الملقّب ببائع الملوك، دليل على قدرة العلماء، ليس على الأخذ على أيدي الحكام فحسب، بل وعلى بيعهم في سوق الرقيق. وكذلك وجهاء القبائل الذين يفرضون إرادتهم على أبنائهم في الجيوش وفي المناصب الحساسة، كما لا يخفى على عاقل دور أصحاب رؤوس الأموال وقدرتهم على التأثير على اختيار صناع القرار والتأثير عليهم. وقد حث الشرع على اتخاذ البطانة الصالحة، في دلالة على أهمية هذه الشريحة في صناعة القرار، وحذر من بطانة السوء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ فهذه الشريحة التي خذلت الأمة وأهل الأرض المباركة، ومنهم أهل غزة، تشارك الحكام في الإثم سواء؛ لأن ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجلب غضب الله، كما قال ﷺ: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشْكِنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عُقُوبَةً مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ». رواه أحمد والترمذي، فالسكوت يعمّ الجميع بالعذاب ويحرِم استجابة الدعاء.

 

العمل المطلوب الآن ودون تأخير

 

بعد أن تبيّن أصل الداء وأُسّ البلاء، وهو هذه الأنظمة وأذرعها، صار العلاج واضحاً، وواجباً شاخصاً عند الجميع، لا يختلف عليه اثنان، وخصوصاً المخلصون الذين تغلي الدماء في عروقهم من هول ما يرون، والذين يخشون يوم الحساب ويرجون رضوان الله وجنات عرضها السماوات والأرض. والواجب الواضح هو الإطاحة بهذه الأنظمة وأذرعها، وإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة على أنقاضها، ويتلخص العمل المطلوب في نقطتين:

 

أولا: تبنّي مشروع الخلافة

 

يجب على جميع المخلصين من مختلف شرائح الأمة، حركات وعلماء ومشايخ ورجال أعمال وأهل حل وعقد ووجهاء، تبنّي مشروع الخلافة الذي يدعو إليه حزب التحرير، واعتبار الخلافة على منهاج النبوة مطلباً لهم وللأمة. وقد أوضح الحزب معالم الخلافة وتفاصيلها في كتبه وإصداراته، وهي متاحة لكل من يبتغي وجه الله.

 

ثانيا: إعطاء النصرة من أهل القوة والمنعة

 

يجب على أهل القوة والمنعة من الضباط المخلصين في جيوش الأمة إعطاء النصرة لحزب التحرير، والإطاحة بجميع العروش الفاسدة، وكنس بطانتهم، وتخليص البلاد والعباد من أذرع الاستعمار والمنبطحين له. كما يجب على جميع الحركات والعلماء والمشايخ وأهل الحلّ والعقد ووجهاء الناس وعامة المسلمين مطالبة أهل القوة والمنعة بإعطاء النصرة للحزب، ومبايعة أمير الحزب العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة خليفةً راشداً في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

وأخيراً: إنّ النصر بيد الله وحده لا شريك له، وهو سبحانه ينصر من ينصره، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وعليه، فالعاملون المخلصون لهذا الدين يجب ألا يشكّوا في نصر الله لهم إذا أدّوا واجبهم؛ فالنصر وعد الله، وليست نُصرةُ هذا الدين منّةً على الله، بل هي واجب وشرف عظيم لا يناله إلا من كان أهلاً له، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

إيران ودورها الوظيفي لصالح أمريكا

 

 

إن ما تشهده إيران اليوم من اضطرابات ومظاهرات ليس حدثاً معزولاً، ولا انفجاراً عفوياً خارج سياق التاريخ السياسي للمنطقة، بل هو حلقة جديدة في مسلسل الصراع الدولي على بلاد المسلمين، حيث لا مكان للصدفة، ولا وزن لإرادة الشعوب في حسابات الدول الاستعمارية، وعلى رأسها أمريكا، رأس الكفر العالمي، وقائدة المشروع الاستعماري الحديث.

 

لقد أُسقط نظام الشاه عام 1979، ليس لأن الشعب الإيراني انتصر، ولا لأن الإسلام عاد إلى الحكم، بل لأن عميل بريطانيا انتهت صلاحيته، فاستبدلت أمريكا به نظاما آخر، في عملية نقل نفوذ استعماري محسوبة. فجاء الخميني ليؤدي وظيفة محددة وهي احتواء المدّ الإسلامي، وتفريغه من مضمونه السياسي، وتحويله إلى أداة تخدير لا أداة تغيير.

 

ومنذ أكثر من أربعين عاماً، أثبت نظام الملالي أنه نظام وظيفي بامتياز، لا يحكم بالإسلام، ولا يعمل لإقامة دولة الإسلام، ولا يحمل همّ وحدة الأمة، بل قام بدور خطير في تمزيق الأمة على أساس طائفي خبيث: تشويه فكرة الحكم بالإسلام وربطها بالاستبداد والقمع، وضرب الثورات المبدئية، وإجهاض أي حراك صادق، وحراسة أمن كيان يهود عملياً عبر إشغال الأمة بنفسها.

 

واليوم، حين تخرج التصريحات الأمريكية، وعلى رأسها تحذيرات ترامب لنظام إيران، فإنها لا تعكس قلقاً على المتظاهرين، بل إعلاناً صريحاً بتقليص دور إيران. فأمريكا لا تحذر أزلامها إلا عندما تقرر التضحية بهم، ولا تتباكى على الشعوب إلا حين تريد توجيه غضبها في المسار الذي يخدمها.

 

وعليه، فإن المظاهرات الجارية - رغم أن السخط الشعبي حقيقي ومشروع - ليست حراكاً مبدئياً واعياً، بل يجري استثماره وتوجيهه بعناية، تمهيداً لمرحلة جديدة من مراحل إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأمريكية. أما مصلحة أمريكا من ذلك، فهي واضحة لا لبس فيها؛ فرض مشروع الشرق الأوسط الجديد بالقوة، بعد فشل كل محاولات الضبط الناعم. مشروعٌ يقوم على اجتثاث أي إمكانية لقيام حكم إسلامي، ومنع أي تغيير جذري، وتسليم زمام المنطقة أمنياً لكيان يهود، ليكون شرطيها، وحارس حدودها، وسيفها المسلط على رقاب المسلمين.

 

وفي هذا السياق، أعلنت أمريكا عملياً أنها لا تريد إسلاماً يحكم، ولا جهاداً يحرر، ولا أمةً تتوحد. لكن ما لا تدركه أمريكا، ولا تدركه أدواتها، أن الإسلام ليس لحية، ولا شعاراً، ولا نظاماً مذهبياً، بل هو عقيدة سياسية انبثق عنها نظام حكم ودولة وأمة. وأن محاولات الاحتواء والتبديل والتشويه، لن توقف حتمية الصدام بين مشروع الإسلام ومشروع الكفر.

 

إن حزب التحرير، وهو يكشف هذه المخططات، يؤكد أن التغيير الحقيقي لا يأتي عبر الشارع المُدار، ولا عبر الثورات الملوّنة، ولا عبر تبديل العملاء، بل عبر وعي سياسي مبدئي، يقوده الإسلام، وتُتوَّج ثماره بـإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تقتلع النفوذ الاستعماري من جذوره، وتحرر بلاد المسلمين، وتُنهي وجود كيان يهود، وتحمل الإسلام رسالة هداية وسياسة إلى العالم. ﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾، وما بين مكرهم ومكر الله، تسقط المشاريع، وتُفضح الأدوات، ويبقى وعد الله حقاً، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(الضمان الاجتماعي):

بونزي القانوني الذي يبتلع أموال الناس!

 

يُطلب من الناس أن تؤمن، لا أن تفهم. أن تثق، لا أن تحاسب. وأن تصفّق لكلمة "التضامن أو الضمان الاجتماعي"، لكن عندما نجرّد أنظمة التأمين الصحي والتقاعد من اللغة الشعبوية التي يروج لها النظام، ونضعها على طاولة الحساب، يظهر سؤال واحد: ما الفرق الحقيقي بين هذا النظام ومخطط بونزي؟

 

سنناقشه من شقيه؛ الواقعي بالأرقام، والشرعي، وللإجابة يجب علينا معرفة ما هو نظام بونزي الاحتيالي:

 

مخطط بونزي ببساطة:

 

  • الداخل الجديد يموِّل المشترك القديم
  • لا قيمة حقيقية ولا استثمار حقيقي يغطي الالتزامات
  • الاستمرار مشروط بدخول مشتركين جدد
  • توقف الجدد = انهيار المخطط كله

بهذه الآلية يعمل مخطط بونزي.

 

أما الضمان الاجتماعي العمومي فيعمل بنظام "ادفع اليوم لتستفيد لاحقاً"

  • العامل اليوم يموّل المريض والمتقاعد اليوم
  •  
  • لا حساب فردي حقيقي (لا يوجد حساب خاص بك يُجمع فيه كل اشتراك لك ويُستثمر ليعود عليك لاحقاً، أموالك تُستخدم فورا لدفع مستحقات الآخرين (المتقاعدين أو المرضى)
  •  
  • لا تراكم كاف (الاعتماد على الجيل الحالي لدفع تراكمات الجيل السابق)
  •  
  • لا وعد بالاستدامة، فقط تأجيل (النظام لا يضمن أن ما يتم دفعه اليوم سيستمر بالطريقة نفسها غدا أو بعد 20 سنة)
  •  

هذا بتلخيص نظام بونزي والضمان الاجتماعي، والفرق بينهما أن الأول نظام احتيالي يستغل جهل الناس، والثاني مفروض بقوة القانون لتتنصل الدولة من واجبها الأصلي الذي هو رعاية شؤون الناس وتترك الناس يدفع بعضهم لبعض.

 

لنحللها بالأرقام والمعادلات حتى نلجم كل من لا يؤمن بالشرع:

 

هناك معادلة تسمى قانون التوازن المالي لأي نظام تقاعدي أو تأميني؛ ببساطة لا يمكنك توزيع المال بأكثر مما تحصل عليه يعني:

 

عدد العاملين * اقتطاع العامل = عدد المستفيدين * ما يحصل عليه المستفيد

فعدد العاملين هو الأكثر حساسية وتأثيرا، وهو يواجه تحديين رئيسيين:

 

  • التغيير الديموغرافي (شيخوخة السكان)
  • معدلات البطالة
  •  

يشهد النمو الديموغرافي تغيرا ملحوظا، خصوصا وفقا لآخر الإحصائيات في المغرب، حيث انخفض معدل النمو السكاني إلى 0.85٪ سنويا، كما تراجع معدل الخصوبة إلى 1.97 طفلا لكل امرأة. خلاصة هذه الإحصائيات أن المغرب تتقلص فيه نسبة الولادات وتزداد نسبة الشيخوخة.

 

أما معدل البطالة: فحتى لو كان البلد يمتلك شباباً فإن البطالة تخرجهم فعليا من المعادلة، فالعاطل لن يدفع أي اشتراك. وقد بلغ معدل البطالة الوطني حوالي 13.3% في 2024 ما يعني أن أكثر من 1.6 مليون مغربي في سن العمل هم خارج دائرة المساهمة في صناديق التقاعد.

 

المشكلة الحقيقية ليست في الرقم العام، بل في تركيبة العاطلين:

 

فئة الشباب (15-24): المعدل يقارب 38%

حاملو الشهادات: يصل المعدل إلى حوالي 19%

 

وهذه أرقام رسمية تعلنها الدولة، أما الواقع الفعلي فأعلى والكل يعلم واقع البلد.

 

لو طبقنا هذه الإحصائية على هذه المعادلة:

 

عدد العاملين * اقتطاع العامل = عدد المستفيدين * ما يحصل عليه المستفيد

فسنلاحظ أن عدد العاملين يتراجع طبيعيا بفعل انخفاض معدل الولادة وارتفاع البطالة، في حين عدد المستفيدين يرتفع بشكل تصاعدي ما يؤدي حتما إلى وقوع خلل في معادلة التوازن. وهذا بالضبط ما يقع في مخطط بونزي عندما يتقلص عدد الداخلين الجدد وتتضخم الالتزامات فتنفجر الفقاعة.

 

الفرق هو أن بونزي ليس له غطاء سياسي يحميه من الانفجار، عكس الضمان الاجتماعي الذي توفر الدولة له غطاء يحميه ويؤجل الانفجار عبر:

 

  • رفع سن التقاعد
  • خفض التغطية الصحية
  • تقليص العلاجات
  • زيادة الاقتطاعات
  • تحميل الشباب الفاتورة
  •  

وهذا تدوير للخسارة وليس إنقاذا!

 

هذا هو النظام الرأسمالي الذي يتنصل من أي دور حقيقي له على الناس، يتنصل من رعايتهم ويترك الرعاية لبعضهم بعضا، يتنصل ويترك الناس يدفع بعضهم لبعض عن طريق الضرائب.

 

هذا كان تبياناً لفساد (الضمان الاجتماعي) ولا يقتصر الإشكال على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البعد الشرعي أيضاً.

 

ففي الشرع، يُشترط في عقود المعاوضات أن يكون العوض معلوما ومحددا. غير أنه في نظام (الضمان الاجتماعي): المشترك يدفع مبلغاً غير محدد، القيمة الإجمالية مرتبطة بسنوات عمله. والمنفعة التي سيحصل عليها مجهولة، فقد يموت قبل التقاعد فلا يأخذ شيئاً، أو يعمر طويلاً فيأخذ أضعاف ما دفع.

 

هذا التفاوت يجعل العقد يدور بين الغرم والغنم، وهو عين القمار المحرم، حيث يعتمد الربح أو الخسارة على المصادفة (طول العمر أو قصر الأجل أو المرض وعدم المرض). يقول رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» حديث صحيح أخرجه أحمد والبيهقي والدارقطني

 

في نظام بونزي يتم إغراء الناس بالربح أما في (الضمان الاجتماعي) فيتم انتزاع أموال الناس بالقوة؛ إجبار الجيل الجديد على سداد تكاليف الجيل القديم دون رضاه ودون ضمان حصوله على المنفعة هو أكل أموال الناس بالباطل.

 

إن الإسلام هو دين الله العظيم الذي ارتضاه لعباده وقد شرع فيه من الأحكام والتشريعات ما يكفل للإنسان جميع حاجاته الأساسية دون تمييز بين رضيع أو شاب أو شيخ، فجعل الدولة مسؤولة بشكل مباشر عن رعاية شؤون الناس كافة في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم بغض النظر عن مراحل أعمارهم. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه، وهذا ليس منة أو فضلا من الحاكم على الرعية بل هو واجب عليه يحاسب عليه إن لم يقم به.

 

وأخيرا، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾، فالعيش بدون الإسلام بوصفه منهج حياة ودستوراً هو ضنك العيش الذي نعيشه؛ فقد ابتغينا في الرأسمالية العزة فأذلنا الله وأذاقنا ضنك العيش، وابتغينا في الاشتراكية والشيوعية العزة فأذلنا الله وأذاقنا ضنك العيش... أفلم يأن لهذا الشعب أن يستفيق ويعلم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين الذين يرتضون أن يكون الحكم لله وحده؟!

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منار عبد الهادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

توقيع مشروع "مجلس السلام" في دافو

سيُعدّ بمثابة إضفاء الشرعية على الإبادة الجماعية في غزة

 

في 21 كانون الثاني/يناير 2026، غادر رئيس أوزبيكستان شوكت ميرزياييف في زيارة عمل للمشاركة في مراسم توقيع مشروع "مجلس السلام" الذي يُعقد في دافوس بسويسرا، بدعوة من الرئيس الأمريكي ترامب. وفي 19 كانون الثاني/يناير، أعلن المتحدث باسم رئيس أوزبيكستان، شيرزود أسادوف، قبوله عرض ترامب بالانضمام إلى المجلس كدولة مؤسسة. وفي رسالته إلى ترامب، وصف ميرزياييف المبادرة بأنها "خطوة مهمة نحو حل النزاعات المزمنة في الشرق الأوسط وضمان السلام والاستقرار في المنطقة ككل".

 

تستند هذه المبادرة إلى "الخطة الشاملة" لإنهاء الصراع في غزة، والتي أقرها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وكما هو معلوم، تُستخدم قرارات الأمم المتحدة كوسيلة لإضفاء الشرعية على إرادة القوى الكبرى، ولا سيما أمريكا. وتسعى "مبادرات السلام" التي تقودها أمريكا - كما في حالة اتفاقيات أبراهام - إلى تغيير موازين القوى في المنطقة لصالح كيان يهود. أما مشاريع أمريكا في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا والسودان، التي نُفذت تحت شعارات (السلام والاستقرار والديمقراطية)، فقد خلّفت في نهاية المطاف القتل والقمع والاحتلال والدمار. ويتكرر السيناريو نفسه في قضية غزة. فالخطة التي أضفى عليها قرار مجلس الأمن الدولي الشرعية، لا تهدف في الواقع إلى إنهاء الاحتلال، بل إلى ترسيخه في شكل سياسي جديد؛ لأن المأساة في غزة هي نتيجة احتلال وعدوانية كيان يهود وسياسة أمريكا التي تدعمه. لهذا السبب، فإن خطط السلام التي يقترحها ترامب لا تهدف إلى حل النزاع، بل إلى إدارته. فأمريكا تُسلّح الكيان المجرم، وتُوفّر له الحماية السياسية، ثم تتحدث عن السلام! هذه ليست وساطة، بل هي حكمٌ محض. هذه الخطط لا تقضي على القمع والوحشية والمجازر، بل تُضفي عليها غطاءً قانونياً!

 

وإن إقحام الأنظمة الخائنة في البلاد الإسلامية في هذه الخطط البغيضة إنما هو تقاسم للمسؤولية وتخفيف للمقاومة. فأمريكا تريد تبرير جرائمها عبر حكام المسلمين العملاء. يوقعون باسم السلام، لكن هذه التوقيعات تُستخدم لتبرير إراقة دماء الأبرياء في غزة العزة.

 

مع أن الوثيقة التي ستُوقّع في دافوس تُسمى "سلاماً" على الورق، إلا أن جوهرها السياسي هو إضفاء الشرعية على نظام أمريكا الجديد في الشرق الأوسط وتجميد قضية غزة تحت السيطرة. وهي تتجاهل عمداً جرائم الاحتلال التي يرتكبها والحصار المجرم، والاعتداءات الوحشية، وسياسة العقاب الجماعي لأهل غزة.

 

على الرغم من أن النظام الأوزبيكي يروج لشعار "سياسة خارجية محايدة ومتوازنة" في سياسته الرسمية، فإن انضمامه إلى هيكل أطلقته أمريكا ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصالح كيان يهود، يُعدّ عملياً تخلياً عن الحياد. فعضويته في "مجلس السلام" تجعله شريكا مباشرا في سياسة أمريكا في الشرق الأوسط، ولا سيما في الجرائم المرتكبة في غزة. وسيفرض هذا القرار التزامات سياسية ومالية، بل وعسكرية، جسيمة على الدولة، منها:

 

1- الدعم الدبلوماسي: تعزيز أنشطة المجلس وإشراك دول أخرى. وبناءً على ذلك، سيتعين على أوزبيكستان دعم أنشطة المجلس على الساحة الدولية، وإضفاء الشرعية عليه، واتخاذ إجراءات دبلوماسية فعّالة لإشراك دول أخرى في هذا الهيكل. وهذا يعني عملياً أن تصبح داعمة للمبادرات الأمريكية.

 

2- الالتزام المالي: وفقاً للخطة، سيُنشئ المجلس صناديق دولية لإعادة إعمار غزة. وسيُكلّف الحصول على مقعد دائم مليار دولار أمريكي. وهذا عبء مالي ثقيل بالنسبة لدولة تعاني من مشاكل داخلية.

 

3- الالتزامات العسكرية والأمنية: سيُجبر أعضاء المجلس على إرسال قواتهم بذريعة نزع سلاح غزة وضمان الأمن. وهذا من شأنه أن يزيد من خطر انجرار أوزبيكستان مباشرةً إلى دوامة الصراعات العسكرية والسياسية.

 

إذا أخطئ في تصنيف المشكلة، فسيكون الحل خطأً أيضاً. تكمن المشكلة في غزة في وجود كيان يهود، وحلها هو القضاء عليه قضاءً تاما. إذا لم يُعترف بالمشكلة على حقيقتها، فإن جميع المبادرات لحلها لن تُسهم إلا في ترسيخها تحت ستار "سلام" زائف. لذلك، يتطلب الحل العملي لقضية غزة قوة سياسية قادرة على كنس كيان يهود من الأرض المباركة وطرد القوى التي تقف وراءه من البلاد الإسلامية. هذه القوة هي الخلافة الراشدة. لذا، يجب على المسلمين اتخاذ خطوات جادة لإقامتها راشدة على منهاج النبوة بقيادة حزب التحرير، الذي يعمل وفقاً للسيرة النبوية، رافضا السياسات الداخلية والخارجية للأنظمة الحالية التي تمليها القوى الاستعمارية. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد العزيز الأوزبيكي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 سدّ النهضة سلاحٌ استراتيجي على نهر النيل

وامتحان وجودٍ للأمة وجيوشها

 

 

سدّ النهضة ليس مجرّد مشروعٍ هندسي لتوليد الكهرباء، ولا خلافاً فنّياً حول حصص المياه، بل هو سلاحٌ استراتيجي مائي موجه مباشرة إلى قلب مصر والسودان، إلى حياة الناس وزراعتهم وغذائهم وأمنهم. فحين يُمسك طرفٌ ما بمفاتيح النهر الذي تقوم عليه حياة أكثر من مائة وخمسين مليون إنسان، فإن الأمر يتجاوز الاقتصاد والبيئة إلى سؤال الوجود ذاته: من يملك قرار الحياة والموت؟ ومن يملك التحكم في شريان الأمة؟

 

لقد أثبتت السنوات الماضية أن السد لم يكن يوماً مشروعاً بريئاً، وأن مسار بنائه وفرضه وتشغيله خارج أي اتفاق ملزم يكشف عن نية استخدامه أداة ضغط وابتزاز وتهديد، لا سيما في ظل نظام دولي يجعل من المياه والغذاء أدوات حرب لا تقل خطورة عن السلاح العسكري.

 

يقع سدّ النهضة على النيل الأزرق، الذي يمدّ مصر بنحو 85% من مواردها المائية. وأي تحكّم في تدفّق هذا النهر، سواء عبر الملء أو التشغيل أو حتى التهديد بهما، يعني عملياً القدرة على خنق الزراعة، وتعطيش المدن، وضرب الأمن الغذائي، وخلق اضطرابات مجتمعية واقتصادية هائلة.

 

والخطر لا يتوقف عند التشغيل المتعسّف، بل يتفاقم عند الحديث عن احتمالات الانهيار أو التدمير الجزئي أو الكلي. فالسدّ يخزّن عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه، وانهياره لأي سبب كان سيُطلق موجة مائية مدمّرة تجتاح السودان أولاً، مدمّرة المدن والقرى والسدود، ثم تُحدث فوضى مائية قد تصل آثارها إلى مصر، مع خسائر بشرية واقتصادية لا يمكن حصرها. وهكذا يصبح السد قنبلة مائية موقوتة، وجوده خطر، وتشغيله خطر، وانهياره خطر، وكل ذلك يُفرض على الأمة فرضاً دون قدرة حقيقية على المنع أو الردع.

 

الدور الأمريكي صانع الأزمة لا وسيطا فيها

 

في خضم هذا الخطر، تخرج أمريكا لتعرض الوساطة، متقمّصة دور الحَكَم الحريص على الاستقرار. لكن الوقائع تُظهر بجلاء أن أمريكا هي المحرّك الرئيسي للأزمة، لا المتفرّج عليها.

 

فأمريكا كانت حاضرة في كل المراحل المفصلية للمفاوضات، وضغطت لإبقاء الملف ضمن مسارات تفاوضية عقيمة بلا نتائج ملزمة، ومنعت أي تحرك حاسم يغيّر ميزان القوى. فأمريكا في الواقع تستخدم السد كورقة ضغط دائمة على مصر والسودان، لإبقائهما في دائرة التبعية السياسية والأمنية.

 

إن ادّعاء الوساطة الأمريكية ليس إلا إدارة للأزمة لا حلّاً لها، وإبقاءً للسيف مسلطاً فوق رقاب الشعوب، بحيث يُستدعى عند الحاجة، ويُجمّد عند الحاجة، وفق المصالح الأمريكية وحدها. وهذا الأسلوب معروف في السياسة الدولية: صناعة الخطر ثم عرض الحماية منه.

 

إن أخطر ما في ملف سدّ النهضة ليس السد ذاته فحسب، بل العجز السياسي المفروض على الأمة، والتعامل مع قضية وجودية بعقلية المفاوضات المفتوحة إلى ما لا نهاية، وكأن الزمن ليس عاملاً قاتلاً!

 

فالمياه في الإسلام ليست سلعة ولا ورقة ضغط، بل حق وملك عام، ومنعها أو التحكم بها لإيذاء الناس يُعدّ عدواناً صريحاً. وقد قرر الإسلام أن ما تقوم به حياة الناس من ضروريات كالماء والغذاء تجب حمايته بالقوة إن لزم الأمر، لأن التفريط فيه تفريطٌ بالأنفس. كما أن القاعدة الشرعية تقرر أن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). وحفظ النفس والأمة لا يتم هنا إلا بامتلاك القوة والقدرة والقرار الحقيقي، لا بالاستجداء السياسي ولا بالارتهان للوسطاء.

 

لقد أثبت الواقع أن السدود الكبرى تحوّلت في العصر الحديث إلى أسلحة جيوسياسية؛ فهي تتحكم في تدفّق المياه، وتُستخدم لفرض الشروط السياسية، وتشكّل تهديداً وجودياً عند النزاعات، كما تُعد أهدافاً عسكرية شديدة الحساسية.

 

ومن هنا، فإن وجود سدّ معادٍ على شريان حياة أهل مصر والسودان ليس مسألة سيادة إثيوبية داخلية كما يُروَّج، بل مسألة أمن استراتيجي إقليمي، بل مسألة حرب وسلام. والتاريخ العسكري يشهد أن الجيوش تحرّكت مراراً لمنع أخطار أقل من ذلك بكثير.

 

إن ما يجب تجاه قضية سدّ النهضة لا يقتصر على البيانات ولا المفاوضات، بل يتمثل في مسار واضح يعتبر السد تهديداً استراتيجياً مباشراً للأمة، لا ملفاً فنياً، ويرفض أي دور للوسيط الأمريكي الذي ثبت أنه جزء من المشكلة، ويعلنها صريحة أن التحكم بمياه النيل عدوانٌ على الأمة، يُعامل معاملة العدوان العسكري. ومن ثم تهيئة الأمة وجيوشها نفسياً وسياسياً لفهم أن حماية المياه كحماية الأرض والعِرض. وتحريك الجيوش، لأنها وُجدت لحماية الأمة، لا لحراسة حدود رسمها المستعمر، ولا للانشغال بالسياسة الداخلية. فالإسلام لا يقرّ أن يُترك عشرات الملايين تحت تهديد التعطيش أو الغرق أو الابتزاز، بينما تُكبّل الجيوش بقيود السياسة الدولية.

 

إن سدّ النهضة ليس اختباراً لمصر والسودان فحسب، بل اختبارٌ للأمة كلها: هل تقبل أن تُدار شؤون حياتها من خارجها؟ وهل ترضى أن يكون الماء أصل الحياة أداة إخضاع؟

 

لقد آن الأوان للخروج من وهم الوساطات، وفهم حقيقة الصراع، والعودة إلى ميزان القوة والشرع معاً. فالأمة التي لا تحمي ماءها، لا تحمي وجودها، والجيوش التي لا تتحرك لحماية حياة شعوبها، تفقد معناها وشرعيتها. فما بين نهرٍ يُخنق، وسدٍّ يُفرض، ووسيطٍ يخادع، يبقى الحكم لله، ويبقى الواجب على الأمة أن تأخذ بأسباب القوة، حتى تُصان الدماء، وتُحفظ الحياة، ويُقطع الطريق على كل سلاح يُرفع في وجهها، ولو كان من ماء.

 

كيف تتعامل دولة الخلافة مع قضية سدّ النهضة والسدود؟

 

إن دولة الخلافة، حين قيامها على منهاج النبوة، لن تتعامل مع قضية سدّ النهضة بوصفها نزاعاً فنياً أو ملفاً تفاوضياً طويل الأمد، بل تنظر إليها من زاوية حفظ الضروريات التي جاءت الشريعة بحمايتها، وفي مقدمتها حفظ النفس، وما لا تقوم النفس إلا به من ماء وغذاء وأمن.

 

فالمياه في الإسلام ملك عام، لا يجوز احتكاره ولا التحكم به لإيذاء الناس أو ابتزازهم، وقد جعل الشرع وليّ الأمر مسؤولاً مباشرة عن ضمان وصولها للرعية ومنع أي اعتداء عليها. ومن هنا، فإن دولة الخلافة تعتبر أي سدٍّ يُقام على أنهار الأمة ويُستخدم أو يُحتمل استخدامه للإضرار بها، عدواناً يجب منعه أو إزالته، ولا يُترك رهينة نوايا الخصوم أو تطمينات الوسطاء.

 

وتتعامل دولة الخلافة مع ملف سدّ النهضة عبر مسارات واضحة وحاسمة:

 

أولاً: تجريد القضية من الهيمنة الدولية، فلا تقبل بدور أمريكا ولا غيرها من القوى الاستعمارية كوسيط، لأنها أطراف متدخلة تسعى لإدارة الصراع لا حله، وتستخدمه أداة ضغط سياسي دائم.

 

ثانياً: فرض الحل الملزم شرعاً، وهو ضمان التدفق الآمن للمياه ومنع أي تحكم أحادي بها، فإن لم يتحقق ذلك بالاتفاق العادل الواضح، انتقلت الدولة إلى استخدام ما تملكه من قوة سياسية وعسكرية، لأن إزالة الضرر واجبة، ولا يُشترط فيها رضا المعتدي.

 

ثالثاً: التعامل مع السدود كسلاح استراتيجي، فتخضع لتقدير عسكري دقيق، وتُدرج ضمن حسابات الأمن القومي للأمة، كما تُدرج القواعد العسكرية والأسلحة الثقيلة، لأن أثرها قد يكون أوسع وأشد فتكاً.

 

رابعاً: حماية الشعوب لا الأنظمة، فدولة الخلافة لا تسمح بقيام منشآت تهدد حياة الملايين في السودان أو مصر أو غيرهما، سواء عبر التعطيش أو عبر خطر الانهيار والغرق، وتتحرك لمنع ذلك قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.

 

خامساً: إعادة تعريف وظيفة الجيوش، فالجيوش في دولة الخلافة وُجدت لحماية الأمة ومقدراتها، لا لحراسة اتفاقيات الاستعمار ولا للانكفاء خلف حدود مصطنعة، وتُستعمل حين يتعين استعمالها شرعاً، بلا تردد ولا ارتهان.

 

وبهذا، تُغلق دولة الخلافة باب الابتزاز المائي نهائياً، وتُسقط استخدام السدود كسلاح سياسي، وتعيد للنيل ولغيره من أنهار الأمة مكانته كنعمةٍ، لا كسيفٍ مسلط.

 

إن قضية سدّ النهضة، في ميزان الإسلام، ليست أزمة تفاوض، بل مسألة سيادة ووجود وعدل، ولن تُحل جذرياً إلا بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تحكم بالإسلام، وتملك قرارها، وتحمل همّ رعاياها، وتعلم أن التفريط بالماء تفريط بالحياة، وأن السكوت عن العدوان ولو كان باسم التنمية جريمة لا يقرّها الشرع ولا ينساها التاريخ.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

مجلس السلام أم مجلس تكريس الهيمنة؟

حين يُعاد تسويق الهيمنة باسم الطمأنينة

 

 

بينما لا تزال رائحة الدم في غزة عالقة في الهواء، وتحت الأنقاض أطفال ونساء وشيوخ، خرجت الإدارة الأمريكية بمبادرة تحمل اسماً ناعماً يبعث على الاطمئنان: "مجلس السلام". اسمٌ يلامس وجدان الشعوب المتعبة من الحروب، ويستدعي في ظاهر لفظه وعداً بوقف النزيف، لكنه في حقيقته يثير سؤالاً لا يجوز القفز عنه وهو كيف يكون صانع السلام هو نفسه راعي العدوان، وكيف تدار العدالة بأيدي من موّلوا السلاح ووفّروا الغطاء السياسي للقتل والإبادة؟!

 

حين يعلن انضمام مصر ومعها عدد من البلاد الإسلامية إلى هذا المجلس الذي أطلق من منتدى دافوس برئاسة ترامب، فإننا لسنا أمام خطوة بروتوكولية عابرة، بل أمام حلقة جديدة في مسار سياسي طويل تُعاد فيه صياغة أدوار دول المنطقة بما يخدم النظام الدولي القائم، ويُعاد فيه تعريف مفاهيم خطيرة كالسلام والاستقرار والشرعية.

 

ما يسمى "مجلس السلام" لم يأتِ في فراغ، بل جاء بعد فشل كل الأدوات التقليدية في احتواء الغضب العالمي من جرائم كيان يهود في غزة، وبعد اهتزاز صورة الغرب أخلاقياً وقانونياً، وبعد انكشاف عجز المنظمات الدولية عن تبرير الصمت أو الشراكة. لذلك كان لا بد من إطار جديد، يحمل اسماً مختلفاً، ويضم وجوهاً إقليمية، ويظهر المشهد وكأنه توافق دولي لا إملاء أحادياً.

 

غير أن المتأمل في طبيعة هذا المجلس يدرك سريعاً أنه لا يتحدث عن إنهاء الاحتلال، ولا عن محاسبة المجرمين، ولا عن إعادة الحقوق إلى أهلها، بل يتحدث عن إدارة مرحلة ما بعد العدوان، وعن ترتيبات أمنية وسياسية لغزة، وعن "استقرار" يُقاس بمدى أمن الكيان الغاصب لا بمدى عدل القضية. هكذا يتحول السلام من مفهوم قائم على رفع الظلم إلى أداة لتجميده، ومن وعد بإنهاء الصراع إلى وسيلة لإدارته بما يمنع انفجاره في وجه الهيمنة الغربية.

 

أما استدعاء مصر إلى هذا المشهد فليس اعتباطياً. فمصر بما لها من ثقل تاريخي وموقع جغرافي ودور إقليمي تُستَخدم لإضفاء شرعية عربية وإسلامية على مشروع لا ينبع من إرادة الأمة ولا يخدم مصالحها. إن المطلوب من مصر في هذا السياق ليس قيادة حقيقية ولا قراراً مستقلاً، بل أداء دور الوسيط المنفذ، وتحمل كلفة سياسية وأخلاقية لخيارات لم تصنعها.

 

حين يُعرض هذا المسار على ميزان الشرع، تتكشف حقيقته بوضوح. فالإسلام لا يعادي السلام من حيث هو سلام، لكنه يرفض أن يكون السلام ستاراً للباطل أو وسيلة لتكريس الظلم. السلام في الإسلام مرتبط ارتباطاً عضوياً بالعدل، ولا قيمة له إذا كان ثمنه الأرض والعقيدة والدم. لذلك لم يكن الصلح في تاريخ الإسلام يوماً اعترافاً باغتصاب، ولا تنازلاً عن حق، ولا تمكيناً لعدو.

 

أما ما يُسوَّق اليوم فهو سلام يُبقي الاحتلال قائماً، ويمنح المعتدي حصانة سياسية، ويُحمّل الضحية مسؤولية "التهدئة"، ويحوّل المقاومة إلى مشكلة أمنية، ويجعل دماء المسلمين بنداً تفاوضياً. هذا النوع من السلام ليس حلاً، بل وصفة لإعادة إنتاج الصراع بصورة أكثر إحكاماً وأقل ضجيجاً.

 

إن الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها راعياً للسلام يتناقض مع أبسط قواعد التفكير السياسي. فالطرف الذي يزوّد كيان يهود بالسلاح، ويستخدم الفيتو لحمايته، ويمنع محاسبته في المحافل الدولية، لا يمكن أن يكون وسيطاً نزيهاً. إنما هو طرف أصيل في الجريمة، وكل مبادرة تصدر عنه محكومة بمصالحه، لا بمصالح الشعوب المقهورة.

 

إن الرؤية الصحيحة لا تبحث عن تحسين شروط التبعية ولا عن المشاركة في إدارتها، بل عن كسرها من أصلها. ولا تبحث عن مقعد في مجلس يرأسه المستعمر، بل عن استعادة القرار السياسي ليكون نابعاً من العقيدة ومصالح الأمة. والبديل الحقيقي ليس مجلساً جديداً ولا مبادرة دولية، بل مشروع سياسي مبدئي يجعل الإسلام أساسا للحكم، ويجعل تحرير الأرض واجباً لا ملفاً تفاوضياً، ويجعل نصرة المظلوم التزاماً لا خياراً.

 

يا أهل الكنانة: إن ما يُدار اليوم باسم السلام لا يشبه السلام الذي تعرفونه في دينكم ولا في تاريخكم. مصر التي كانت درع الأمة لا يليق بها أن تكون غطاءً لمشاريع تُصفّى تحتها القضايا، ولا جسراً تعبر فوقه الترتيبات الأمريكية إلى المنطقة. إن وعيكم هو خط الدفاع الأول، ورفضكم لتزييف المفاهيم هو البداية الحقيقية لأي تغيير. لا تسمحوا بأن يُقنعكم أحد أن الخضوع حكمة، أو أن الصمت مصلحة، أو أن التبعية قدر.

 

يا أجناد الكنانة: يا من تحملون السلاح وتعرفون معنى الشرف والانتماء، تذكروا أن الجيوش وُجدت لتحمي الأمة لا لتؤمّن عدوها، ولتدافع عن المظلوم لا لتشارك في حصاره، ولتحفظ كرامة البلاد لا لتكون أداة في يد من يعيدون رسم الخرائط على حساب الدماء. إن التاريخ لا يرحم، والله سائلكم عن الأمانة التي في أعناقكم، وعن موقعكم حين يُنادى لنصرة الحق.

 

إن "مجلس السلام" ليس إلا عنواناً جديداً لسياسة قديمة، سياسة تُدار فيها المنطقة من خارجها، وتُحل فيها الأزمات بما يحفظ ميزان القوى لا ميزان العدل. أما السلام الحقيقي فلن يولد في دافوس، ولن يُصنع بأيدي من تلطخت بالدم، بل سيخرج يوم تستعيد الأمة قرارها، ويُقام حكمها على أساس الإسلام، وتتحرر إرادتها من الهيمنة، ويُردّ الحق إلى أهله غير منقوص، في ظل الإسلام وحكمه ودولته الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. ذلك وعد الله، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الانسحاب المزعوم من عين الأسد:

تضليلٌ سياسي أم إعادةُ إنتاجٍ للهيمنة؟

 

 

ليس من السذاجة السياسية أن نشكك في الرواية الأمريكية حول الانسحاب من قاعدة عين الأسد في العراق، بل إن السذاجة الحقيقية تكمن في التسليم بها دون تمحيص؛ فالسياسة الأمريكية في العراق لم تُبنَ يوماً على الوضوح أو الصراحة، وإنما على إدارة المشهد عبر التضليل الإعلامي، وإعادة التموضع، وتغيير العناوين.

 

إن الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية لا يمكن فصله عن التاريخ القريب؛ إذ سبق لواشنطن أن أعلنت الانسحاب أكثر من مرة، بينما أبقت نفوذها حاضراً بأشكال متعددة، من مستشارين، أو قواعد بديلة، إلى اتفاقيات أمنية، وضغوط سياسية، وأخرى اقتصادية. وعليه، فإن ما يُسوَّق اليوم بوصفه انسحاباً لا يعدو أن يكون مناورةً تكتيكية، هدفها إعادة ترتيب الأوراق، لا إنهاء الوجود.

 

والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يأتي متزامناً مع تصعيدٍ مدروسٍ لملف الإرهاب؛ ففزّاعة تنظيم الدولة، التي تُستثمر لخدمة مشاريع خارجية، يعاد إحياؤها اليوم عبر الحديث عن هروب أو نقل مقاتلين من سوريا إلى العراق. هذا التهويل لا يهدف إلى حماية العراق، بل إلى ابتزازه أمنياً، وإقناع حكومته بأن الاستغناء عن المظلة الأمريكية ضرب من المقامرة.

 

وفي هذا الإطار، يبقى الضغط الأمريكي واضحاً: إمّا القبول باتفاقيات أمنية تُكبِّل السيادة العراقية تحت ذريعة "الشراكة الاستراتيجية"، أو ترك البلاد تواجه سيناريو جديداً من الفوضى المفتوحة. وهي معادلة قسرية اعتادت واشنطن فرضها على الدول الضعيفة أو المنقسمة، والعراق - مع الأسف - ما يزال أحد أبرز هذه الساحات.

 

كذلك لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن التحركات السياسية الداخلية المريبة، وفي مقدمتها طرح أسماء جدلية مثيرة، مثل نوري المالكي، لرئاسة الوزراء في هذا التوقيت الحساس؛ فاستدعاء شخصيات مثقلة بالإخفاقات والانقسامات ليس بريئاً، بل يخدم إعادة إنتاج الاستقطاب الداخلي، وإشعال الشارع بصراعات داخلية، تُسهِّل تمرير المشاريع الخارجية بأقل كلفة ممكنة.

 

إن ما يجري اليوم ليس مجرد ضغوط عابرة، بل هو جزء من مشروع متكامل يسعى إلى إبقاء العراق دولةً مسلوبة القرار، تُديرها أمريكا تحديداً؛ انسحابات شكلية، تهديدات أمنية مصطنعة، طبقة سياسية مأزومة، وشارع مرهق، كلها عناصر تستخدم لإدامة الهيمنة بأدوات ناعمة، بعد أن فشل الاحتلال الصلب.

 

لذا فإن الرهان على الوعي الشعبي بات ضرورةً وجودية، لا خياراً فكرياً؛ لأن الدول لا تستباح دفعةً واحدة، بل تنتهك تدريجياً عبر أكاذيب الانسحاب، وابتزاز الأمن، وتدوير الوجوه. وكل هذا، ما لم يُكسَر، سيبقي البلد يدور في حلقة مغلقة، تتغيّر فيها العناوين، ويبقى القرار مُصادَراً.

 

أيها المسلمون: إن الخلاص لا تصنعه القواعد الأجنبية المفروضة، بل تصنعه الشعوب حين تستعيد وعيها وكرامتها.

 

أيها المسلمون في العراق: إن تاريخكم المشحون بالنفائس يشهد أنكم لم تكونوا أمةً كُتب عليها الارتهان، بل أنتم ورثة حضارة عظيمة حكمت العالم يوم كانت بغداد عاصمة الرشيد، ويوم كان المعتصم يُسمِع الدنيا صدى القوة والعدل معاً. وإن التحرر يبدأ بكسر وهم العبودية المفروضة، والعودة إلى روح الأسلاف الذين صنعوا المجد، ولم ينكسروا.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

القرن الأفريقي ساحة صراع صامت بين القوى الكبرى

 

 

يُشكّل الصومال أحد أكثر الفضاءات الجيوسياسية هشاشة، كما يحتل أهمية محورية في واقع القرن الأفريقي، حيث يتقاطع الانهيار البنيوي للدولة مع موقعه الاستراتيجي الفريد المشرف على خليج عدن، والمحيط الهندي، وباب المندب.

 

لذلك يُعدّ الصومال من أبرز ساحات الصراع الدولي، عبر أدوات أمنية واقتصادية وسياسية غير تقليدية.

 

ومنذ انهيار الدولة المركزية عام 1991، لم يستعد الصومال سيادته الكاملة، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية، تحت عناوين متعددة من مثل مكافحة الإرهاب، وإعادة بناء الدولة، والمساعدات الإنسانية، وغيرها. غير أن هذه العناوين تُخفي وراءها نقاط ارتكاز أساسية في التنافس الدولي على القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

 

ويمتلك الصومال أطول ساحل في أفريقيا، يشرف على أحد أهم طرق الملاحة بين آسيا وأوروبا، ويشكّل حلقة وصل بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ما يمنحه وزناً خاصاً في حسابات الأمن البحري العالمي.

 

وفي ظل بنيته الفيدرالية ذات النزعة الكونفدرالية الواقعية، يشهد الصومال تداخلاً غير مسبوق في وجود القوى الدولية والإقليمية، حيث يتوزع نفوذها بين المركز والأقاليم، ما جعل الدولة الواحدة فضاءً متعدد الشركاء والولاءات. ومن أبرز هذه القوى:

 

الولايات المتحدة: لها وجود عسكري غير معلن بالكامل، يعتمد على قواعد مؤقتة ونقاط انتشار سريعة، وتنفّذ ضربات جوية عبر الطائرات المسيّرة ضد حركة الشباب، إلى جانب تدريب وتسليح وحدات نخبوية (داناب)، ونفوذ سياسي مباشر من خلال دعم الحكومة الفيدرالية والمؤسسات الأمنية.

 

تركيا: تمتلك أكبر قاعدة تدريب عسكري خارج أراضيها في مقديشو، إضافة إلى إدارة وتشغيل مطار وميناء مقديشو، مع حضور اقتصادي وإنساني واسع.

 

الصين: حضورها اقتصادي هادئ وغير تصادمي، يتركز على الموانئ وسلاسل الإمداد البحرية، وتنسق مع البعثات الدولية دون انخراط أمني مباشر.

 

روسيا: نفوذها محدود لكنه مرن، عبر صفقات سلاح وبناء علاقات مع النخب السياسية، دون وجود عسكري رسمي واسع.

 

الاتحاد الأوروبي: يركّز على مكافحة القرصنة والهجرة غير النظامية، عبر بعثات تدريب عسكري وأمني، ويقدّم دعماً مالياً كبيراً مقابل ضبط الهجرة.

 

الأمم المتحدة: من خلال بعثة (UNSOM) كفاعل سياسي وإداري.

 

الاتحاد الأفريقي: عبر بعثة (ATMIS) كقوة أمنية مركزية.

 

إثيوبيا: تعتبر الصومال عمقاً أمنياً لأمنها القومي، ولها وجود عسكري مباشر وغير مباشر، ونفوذ سياسي في بعض الأقاليم.

 

كينيا: حضورها مرتبط بأمنها الداخلي، مع محاولات نفوذ اقتصادي.

 

دول الخليج: للسعودية حضور سياسي، ولقطر دعم سياسي ومالي، بينما تمتلك الإمارات نفوذاً في بعض الموانئ والأقاليم، وعلاقات مباشرة مع إدارات محلية، وروابط خبيثة مع كيان يهود.

 

كيان يهود: حضور غير مباشر وسري في الغالب، مع تعاون استخباري مع بعض القوى الدولية والإقليمية لرصد النشاطات ذات الحساسية العالية. وهو يعترف بدولة أرض الصومال ليعزز الانقسام الداخلي وليستفيد من هذا الاعتراف لمصالحه، قد تكون نقل أهل غزة لهذا البلد مقابل هذا الاعتراف.

 

وبعيداً عن الخطاب المعلن حول مكافحة الإرهاب أو دعم الاستقرار، يمكن تفكيك الدوافع الدولية تجاه الصومال على النحو الآتي:

 

إشراف الصومال على أحد أخطر الممرات البحرية في العالم، وأي سيطرة عليه تعني التأثير في أمن التجارة العالمية والطاقة، ما يجعله نقطة ارتكاز خلفية للحماية أو التهديد دون كلفة مواجهة مباشرة.

 

غياب الدولة القوية يخلق بيئة مثالية للعمل دون التزام صارم بالقانون أو المساءلة السياسية، كما أن الطابع الكونفدرالي يسمح بتعدد نقاط الدخول والنفوذ.

 

يمنح الصومال القوى الكبرى منصة لمراقبة القرن الأفريقي والمحيط الهندي وشبه الجزيرة العربية، فهو ليس هدفاً بحد ذاته، بل أداة للتمدد الإقليمي.

 

منع الخصوم من التمركز، وإبقاء الصومال في حالة "لا حرب ولا دولة"، أي إدارة صراع لا حلّه.

 

وعليه، فإن الصراع العسكري المباشر على الأراضي الصومالية يبقى مستبعداً، لغياب الجدوى، ووجود آليات تنسيق غير معلنة بين القوى الكبرى. غير أن ذلك لا يمنع تصاعد صراع تنافسي استخباري وأمني واقتصادي، يتمحور حول الموانئ والعقود ودعم النخب السياسية بشكل غير مباشر.

 

إن تدافع القوى الكبرى على الصومال لا ينبع من أهميته الداخلية، بقدر ما يعكس موقعه في معادلة الصراع العالمي. والصراع المحتمل هو صراع إرادات ونفوذ طويل الأمد، تُدار فيه الفوضى بقدر ما تُدار المصالح. وقد تتحول المنطقة إلى ساحة حرب بحرية في حال وقوع حادث أمني كبير، أو توجيه ضربة لإيران، حيث يُعد الرد البحري خياراً جذاباً لها، لما له من تأثير عالمي سريع على التجارة والطاقة.

 

وفي حال حدوث ذلك، قد يتم تهديد الممرات البحرية عبر استهداف ناقلات محددة، أو نشر ألغام بحرية محدودة، أو استخدام المسيّرات البحرية، والهدف ليس الإغلاق الكامل، بل رفع كلفة التجارة العالمية. عندها يُفعَّل الوكلاء البحريون، كالحوثيين في البحر الأحمر، مع خلايا دعم لوجستي واستخباري في القرن الأفريقي، ليبرز دور الصومال لا كساحة قتال، بل كمنطقة مراقبة وإسناد. ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو محدوداً، إذ تدرك إيران عجزها عن خوض حرب بحرية مفتوحة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، كما أن أزماتها الاقتصادية تجعل الإغلاق الكامل سلاحاً مرتداً عليها.

 

وفي المحصلة، سيؤدي أي تصعيد إلى زيادة اختراق الصومال استخبارياً وعسكرياً، وتآكل سيادته بشكل أعمق.

 

إن الصومال ليس مجرد دولة تعثرت في مسار بناء الدولة، بل مرآة تعكس طبيعة النظام الدولي الرأسمالي القائم على إدارة الأزمات لا حلّها، وضبط الفوضى بدل إزالتها. لقد تحوّل موقعه الجغرافي من نعمة محتملة إلى عبء استراتيجي، وأصبحت سيادته تُقاس بهامش الحركة المسموح له لا بقدرته على اتخاذ القرار.

 

وفي الأفق المنظور، وتحت مظلة المجتمع الدولي، يبدو الصومال متجهاً نحو استقرار هش طويل الأمد: دولة قائمة بلا انهيار، وبلا سيادة مكتملة، وأمن نسبي تحرسه قوى خارجية، واقتصاد يُدار وفق أولويات غير وطنية، ونظام فيدرالي يميل عملياً إلى الكونفدرالية المفروضة بالأمر الواقع.

 

لهذا، يبقى الصومال عقدة جيوسياسية تُدار من الخارج، أو فرصة للتحول إلى دولة مستقلة تدير موقعها بدل أن تُستنزف به. فهو أحد مفاتيح استقرار القرن الأفريقي أو انفجاره.

 

ولا سبيل إلى دولة ذات سيادة حقيقية إلا بتحرك شعبها نحو حل جذري، يقوم على نبذ النخب الحاكمة الحالية، والعمل على استعادة السيادة على أساس الشرع، واستئناف الحياة الإسلامية التي تُسترد بها الحقوق المنهوبة، ويُقام بها العدل، لتعود "الجوهرة السمراء" إلى لمعانها، وينعم أهلها بخيراتها، في ظل دولة يقودها خليفة عادل ويرعاها رعاية تحفظ الأرض والإنسان.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

سقوط القناع عن النظام الدولي

القائم على القواعد والاعتراف بأنه كذبة استعمارية

 

 

قال مارك كارني في خطابه في دافوس: "إن لم تكن على الطاولة، فأنت على القائمة". لقد كشف المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 في دافوس مرة أخرى الأسس الجوفاء لما يسمى بـ"النظام الدولي القائم على القواعد"؛ وهو بناء صنعته القوى الاستعمارية لتكريس هيمنتها على الضعفاء، وخصوصا على أمة الإسلام.

 

وفي منتدى دافوس الاقتصادي لعام 2026، شهدنا مشهدا تمثل في قادة أوروبا ينوحون كالأطفال أمام سيدهم الأمريكي، المتجسد في غطرسة دونالد ترامب، حيث قرر أن يعاملهم كما يعامل سائر دول العالم. إن تصرف ترامب تجاه غرينلاند، ومعاملته لأرض ذات سيادة على أنها عقار يمكن ضمه لاستخراج الموارد والسيطرة العسكرية، ليس شذوذا عن الفكر الرأسمالي، بل هو تطبيقه في أدق صوره: القوي يأكل الضعيف. ولكن الاعتراف الأخطر لم يأت من ترامب، بل من أحد أعمدة النظام الليبرالي، وهو مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا الأسبق وركيزة النظام المالي الغربي. لقد قال كارني، متألما، إن "النظام القائم على القواعد" كان "خرافة نافعة - كذبة مريحة استمرت بفضل مكاسب الهيمنة الأمريكية". واعترف ببرود: "كنا نعلم دائما... أن القانون الدولي يُطبق بدرجات متفاوتة بحسب هوية المتهم والضحية". واعترف كارني أن هذا النظام كان "صفقة" وفرت "منافع" للغرب، من ممرات بحرية مفتوحة لشركاتهم، وأمانا لمصارفهم. لم يكن الأمر عن العدل، بل عن هيمنة العقيدة الرأسمالية. والآن يقول: "هذه الصفقة لم تعد صالحة".

 

ولكن لماذا يعلن كارني أن هذه الصفقة لم تعد تعمل؟ أهو بسبب ظلمها الباطن؟ لأنها مكنت القلة من إخضاع الكثرة؟ هل استيقظت مشاعرهم فجأة؟ هل اهتزت قلوبهم لدماء غزة أو كشمير أو إدلب؟ كلا، أبدا! لقد وهنت لأنّها لم تعد توفر لهم امتيازاتهم. إنّ الأقوى بينهم؛ أمريكا في عهد ترامب، يسعى لابتلاع حتى شركائه القدامى، وهذه هي حقيقة النظام الغربي، وهي أنه أداة استغلال تُستحضر انتقائيا لفرض السيطرة على الآخرين.

 

إن ما يسمى بـ"القانون الدولي" نشأ عن صلح وستفاليا، وهي معاهدة بين الأمم النصرانية لمواجهة الإسلام والمسلمين، وقد أصبحت أساسا لحروب صليبية دامية واستُخدمت سلاحا ضد الخلافة العثمانية، وهي القوة الوحيدة التي كانت درعا للمسلمين. ومنذ هدم الخلافة، صار هذا القانون الأداة الرئيسية لتقييد نهوض الإسلام. يرفعون شعار السيادة حين يخدم غاياتهم، ويتذرعون بالتدخل الإنساني حين يريدون غزو بلادنا ونهب خيراتنا. إن "الحرب على الإرهاب" كانت ذروة هذا النفاق، فقد كانت حملة صليبية في ثوب قانوني، هدفها منع عودة الإسلام كدولة ونظام حياة.

 

وحين تخلت أوروبا عن لباس الاستعمار الصريح في القرن العشرين، أقامت الولايات المتحدة نظاما عالميا جديدا على الأسس نفسها المعادية للإسلام، وأصبحت مؤسسات مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي أدوات للحد من نهوض الإسلام والسيطرة على الموارد وكبح أي تحدٍ للهيمنة الغربية. ويُشهرون القانون الدولي كدرع أخلاقي فقط عند مهاجمة البلاد الإسلامية، في العراق، أفغانستان، ليبيا، سوريا، وكلها دمروها بذريعة حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو الحرب على الإرهاب المفبركة! أما حين يرتكب كيان يهود مجازر الإبادة في فلسطين، وتقتل الهند المسلمين في كشمير، وتقصف أمريكا الأبرياء في اليمن والصومال، يصمت القانون ذاته. فالغرب يختبئ خلف خيال أخلاقي مجازي، لكن نفاقه بات مكشوفا.

 

إن خطاب الحرب على الإرهاب لم يكن قط لحفظ الأمن؛ بل كان حملة صليبية حديثة تستهدف نهضة الإسلام. وقد استخدموا أعراف القانون الدولي لتبرير الغزو والحصار والأنظمة العميلة، بينما نهبوا النفط والمعادن وكرامة الأمة. واليوم، مع اتساع الشقوق في تحالفهم، وترامب يطمع في غرينلاند وأوروبا تشتكي، تتهاوى أسطورتهم. إن اعتراف مارك كارني في دافوس آية من آيات الله، إذ يفضح الله خطط الكافرين بألسنتهم.

 

يا أهل القوة والمنعة: لقد انهار الخطاب الغربي، وتحطمت أصنام الديمقراطية والقانون الدولي بأيدي صانعيها، لقد اعترفوا أنه خرافة، واعترفوا أنه أداة استعمارية، فلماذا لا يزال حكامنا يتسابقون إلى مؤتمراتهم؟ ولماذا يطلب علماؤنا العدل في محاكمهم؟ ولماذا نطمئن إلى نظام صُمم لإفنائنا؟ إلى متى تخدعون أنفسكم؟ إن الغرب في حالة تصدع، ومعسكره منقسم، كاشفا هشاشة فكرٍ يقوم على المصلحة لا الحق. والبديل ليس ترميم هذا النظام الميت، ولا البحث عن مقعد أعدل على مائدة قمارهم، بل النظام الذي لا يفرق بين قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير. والبديل هو نظام الخالق، الخلافة على منهاج النبوة، نظام تُطبق فيه الشريعة لا بوصفها خرافة نافعة، بل بصفتها وحياً ربانياً للناس كافة. آن الأوان لرفض أوهام الغرب وقوانينه المتهالكة. إن فجر الحق يقترب، وزيف نظامهم إلى زوال، لأن الباطل حتما زائل. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾.

 

يا جيوش المسلمين: أزيحوا عن أعناقكم سلاسل الحكام الخونة الذين يحرسون هذا النظام الجائر. إن الأمة تنتظر نصرتكم لإقامة الخلافة، ليشهد العالم النظام القائم على القواعد الحقيقية، ذاك الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، لقد انتهى زمن الأوهام، وسقطت الأقنعة عن رواية الغرب، فالتحقوا بنداء حزب التحرير، الطليعة الحاملة للدعوة لإحياء الأمة وهدم هياكل الظلم.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد يونس – الهند

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأزمة المالية في العراق بين الفساد وانعدام الرؤية

 

لم تعد الأزمة المالية التي يمرّ بها العراق حدثاً عابراً، ولا نتيجة ظرفٍ اقتصاديٍّ طارئ، بل باتت تعبيراً واضحاً عن خللٍ بنيويٍّ في طبيعة الحكم والخيارات التي أدير بها البلد.

 

ففرض الضرائب وتقليص الرواتب ليسا حلّاً اقتصادياً بقدر ما هما اعتراف صريح بفشل الدولة في إدارة المال العام، واختيار للطريق الأسهل في تحميل الناس تبعات هذا الفشل، علماً أنّ العراق من البلاد التي حباها الله تعالى بثروات نفطية وافرة.

 

إنّ الفساد الداخلي الذي يشار إليه عادة بوصفه سبب الأزمة لا يمكن فصله عن الإطار السياسي الذي نشأ فيه؛ فالفساد لم يكن انحرافاً فردياً ولا استثناءً إدارياً، بل هو نتيجة طبيعية لنظام سياسي تأسس بموافقة أمريكية. فقد قبلت الولايات المتحدة، منذ إعادة تشكيل النظام السياسي في العراق، بحكومة عاجزة، لأنها تؤدي وظيفة محددة هي: إبقاء الدولة ضعيفة، والقرار السياسي مرتهناً، والاقتصاد تابعاً، وذلك لبسط هيمنتها ونفوذها على البلاد التابعة لها.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن عزل ما يجري في العراق عن سياسة أمريكا تجاه المنطقة برمّتها، لا سيما في عهد ترامب، حيث تصاعد منطق الضغط الاقتصادي والعقوبات، وإدارة الأزمات بوصفها أدوات هيمنة لا وسائل استقرار.

 

وبدل أن تواجه الدولة هذه التحديات ببناء اقتصاد مستقل وإصلاح جذري، اندفعت نحو تكريس الجباية، واستسهال الاستدانة، والتفريط بحقوق الناس.

 

إنّ المال العام ليس ملكاً للحاكم ولا للدولة، بل هو أمانة في أعناقهم سيسألون عنها أمام الله؛ فالمال مال الله تعالى، والناس مستخلفون فيه، والحاكم مؤتمن على توزيعه بالعدل.

 

وقد حرّم الله تعالى الظلمَ بكل أشكاله، سواء أكان عبر الضرائب الجائرة أم نهب الثروات، وحرّم تكديس المال بيد فئةٍ قليلة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾، كما حرّم الربا، والاقتراض المذل الذي يرهق الدولة ويرتهن قرارها للخارج.

 

وبناءً على ذلك، فإنّ تحميل الشعوب كلفة الفساد خيانة شرعية قبل أن يكون خطأً سياسياً، لأنّ الدولة في الإسلام وجدت لرعاية شؤون الناس وليس لاستنزافهم.

 

إنّ أخطر ما تواجهه الشعوب اليوم ليس الفقر وحده، بل فقدان الوعي؛ فحين يُقنع أهل البلد بأن لا بديل عن هذا النظام، وأنّ الظلم قدر، وأنّ الفساد واقع لا يُغيَّر، يكون الاستعباد قد بلغ ذروته. ولهذا فإنّ استعادة الوعي هي الخطوة الأولى في طريق الخلاص.

 

وعلى الشعوب أن تدرك أنّ الأزمة ليست أزمة رواتب، بل أزمة نظام، وأنّ الحل لا يكون بترقيعات اقتصادية داخل منظومة فاسدة، بل بالانتقال إلى نظام بديل يحقق العدل، ويصون الكرامة، ويحرر القرار السياسي والمالي من التبعية الغربية.

 

إنّ هذا النظام المنشود هو الذي فيه عزكم وكرامتكم، بوصفه نظاماً شاملاً للحكم والاقتصاد، فهو ليس حلماً مثالياً، ولا حنيناً إلى الماضي، بل مشروعاً واقعياً يملك أدواته ومصادره. نظام يجعل الثروات ملكاً للأمّة لا للشركات العابرة، ويحرّر الاقتصاد من الهيمنة الغربية، ويربط السياسة بالأخلاق، والسلطة بالمحاسبة، ويطمئن الإنسان فيه على كرامته وقوته، ليكون عبداً لله لا تابعاً للغرب.

 

إنّ ما يجري اليوم يجب أن يكون جرس إنذار لا لحظةَ يأس؛ فالأزمات الكبرى هي التي تصنع التحوّلات الكبرى، شرط أن تملك الشعوب وعيها، وأن تتجه بثبات نحو النظام الذي فيه عزّها وكرامتها، لا نحو تدوير الفشل والقهر والجوع.

 

وطريق الخلاص لا يبدأ من الشعارات، بل يبدأ من العقل الواعي الذي يميّز بين الأزمة والسبب، وبين الحلّ الحقيقي والحلول الترقيعية المؤقتة؛ فالأمّة التي تفكّر تفكيراً صحيحاً، وتزن واقعها بميزان العقيدة، لا تُخدع ولا تُستعبد.

 

وحين تستعيد الشعوب وعيها، تدرك أنّ عزّها لا يُستورد، وأنّ كرامتها لا تُمنح، بل تُنتزع ضمن نظامها الحق، ليعود المجد المفقود ببصيرة الحاضر وثبات الطريق.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، ولا يرفع عن أمةٍ الذلّ إلا إذا عادت إلى ميزان الحق الذي أنزله تفكيراً وسلوكاً وحكماً.

 

فمجد الأمة ليس ذكرى تُبكى، بل وعيٌ يُستعاد حين يُردّ الأمر إلى الله، ويُقام العدل، وتُحفظ الأمانة، وتُرفض أنظمة الظلم مهما تلونت، وحين تعي الأمة أنّ عزّها في طاعة ربها لا في موالاة غيره، تعود لها مكانتها، ويُكتب لها النصر والتمكين.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

من الأحادية القطبية إلى الفوضى

المُدارة الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة

 

 

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وجدت الولايات المتحدة نفسها القوة العظمى الوحيدة في النظام الدولي، لكنها دفعت ثمن هذا التفرد باهظاً. فقد أدّى اعتمادها نموذج القطبية الأحادية، وتفرّدها في إدارة الأزمات العالمية، إلى استنزاف اقتصادي ومالي متراكم، ساهم في تسريع وتيرة الأزمات والانهيارات داخل النظام الرأسمالي نفسه.

 

وفي محاولة لاحتواء هذا المسار، سعت إدارة الرئيس باراك أوباما، مدعومة بمراكز التفكير والنخب السياسية، إلى إعادة صياغة الشراكة مع الحلفاء الأوروبيين، وتخفيف حدّة التوترات الدولية. غير أن هذه المقاربة فشلت في تقليص الأعباء المالية والسياسية التي كانت تتحملها أمريكا، وبقيت هي اللاعب الأكثر إنفاقاً وتحمّلاً لتكاليف النظام العالمي.

 

ومع وصول إدارة ترامب الأولى، تغيّر الأسلوب لا الهدف. فقد انتهجت واشنطن سياسة أكثر صدامية، قائمة على الضغط المباشر، مطالبة أوروبا - الحليف التاريخي - بتحمّل نصيب أكبر من تكاليف حلف الناتو، كما طالبت الدول الواقعة تحت المظلّة الأمريكية بالمشاركة في أعباء أمنها وحمايتها. وفي الوقت ذاته، فتحت أمريكا مواجهة اقتصادية وسياسية مع الصين، متهمة إياها بالتلاعب المالي والتجاري. ولإحكام هذه المواجهة، حاولت التقارب مع روسيا بهدف تحييدها، لكنها فشلت في دفع أوروبا إلى الاصطفاف الكامل خلف رؤيتها. أما الصين، فقد تعاملت ببراغماتية عالية، معلنة صراحة أنها لا تسعى إلى حرب اقتصادية باردة مع أمريكا، مع الاستمرار في تعزيز قوتها الإنتاجية والتكنولوجية.

 

ومع إخفاق إدارة ترامب الأولى في تحقيق أهدافها الكبرى، جاءت إدارة بايدن بمقاربة أكثر تعقيداً. فقد نجحت باستدراج روسيا إلى حرب مفتوحة مع أوكرانيا، ما أدخل أوروبا في سلسلة أزمات اقتصادية وأمنية خانقة، استنزفت قدراتها وأضعفت استقلال قرارها، وفي الوقت نفسه استنزفت روسيا وحدّت من نموها المتسارع. وأعادت أمريكا تحريك ملف تايوان، ورفعت منسوب الاستفزاز السياسي والعسكري تجاه الصين.

 

أما داخلياً، ولمواجهة مخاطر الانهيار الاقتصادي، فقد لجأت أمريكا إلى ضخ كميات غير مسبوقة من الدولار في الأسواق، في خطوة أدّت إلى تضخم مالي واسع، له تداعيات طويلة الأمد على الاقتصاد العالمي.

 

ثم جاءت التطورات الصحية لبايدن في مرحلة مفصلية، لتفتح الباب أمام عودة ترامب إلى المشهد السياسي، ومنحه فرصة جديدة لاستكمال مشروعه. ومع هذه العودة، تصاعدت حدّة المواجهة مع الصين وأوروبا، بالتوازي مع مغازلة روسيا لتحييدها عن الصراع المركزي، بل وطرحها كشريك شكلي أو "ضامن سلام" في الشرق الأوسط.

 

في المقابل، تحاول أوروبا اليوم البحث عن مخرج من حالة الاستنزاف، وأن تجد لنفسها مكانة دولية بدل التبعية السياسية لأمريكا، بينما تخرج الصين من صمتها، ملوّحة بالدفاع عن نفسها عسكرياً إذا اقتضت الضرورة.

 

وبينما انشغلت أوروبا وروسيا بالحرب في أوكرانيا، تحركت أمريكا بسرعة لإعادة رسم ملامح ما تسميه "الشرق الأوسط الجديد"، وفق رؤية أمريكية تستبعد التأثير الأوروبي والروسي عن صياغته، وتهدف في جوهرها إلى تطويق الصعود الاقتصادي الصيني وما هو أبعد من هذا وهو إبعاد شبح عودة الإسلام كمبدأ عالمي. وفي هذا السياق، دعمت علمنة المجتمع في السعودية والخليج، وإبعاد الإسلام والإسلاميين. وحركت ملف إيران وهيكلة نظام الملالي المتمسح بالإسلام إلى نظام علماني، وإبعاد أي قوى إسلامية أو ذات توجه إسلامي في المنطقة ككل.

 

ويبقى السؤال الحقيقي: هل ستنجح واشنطن في تحقيق أهدافها؟ وما السبيل للخروج من هذه الأزمات الدولية؟

 

الإجابة لا تتوقف على الإرادة الأمريكية وحدها، بل على ردود أفعال القوى الدولية، وما ستقوم به الأحزاب والتيارات السياسية العالمية لتعطيل هذه السياسات ذات الطابع الاستعماري. كما تعتمد بدرجة أكبر على قدرة الأمة الإسلامية على استعادة وعيها، وبناء قوتها، ومنع الظلم العالمي، وكسر هيمنة المبدأ الرأسمالي الاستعماري، واستبدال عدل الإسلام ورحمته به.

 

فالأمة الإسلامية تمتلك قوة المبدأ والعقيدة، التي متى فُعّلت تجعلها أمةً لا تُقهر، وحاملةً لرسالة العدل والرحمة والخير للعالم. وما جرى في غزة شاهد حيّ على ذلك؛ إذ يعيد التذكير بأن المسؤولية جماعية، وأن النصر مرهون بوحدة الصف وتكامل الجهود، لا بتشتتها. حينها، ينظر الله إلى القلوب، فيهيئ للنصر والعزة والتمكين وما ذلك ببعيد.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سامر دهشة (أبو عمر)

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

ساعة يوم القيامة واليقين المنتظر

هل اقترب زوال التيه الرأسمالي؟

 

 

في كل عام، يطل علينا علماء الذرة عبر نشرتهم الشهيرة ليضبطوا عقارب "ساعة يوم القيامة" (Doomsday Clock) وفقاً لحسابات التوتر الجيوسياسي بين القوى الكبرى! يلوحون للبشرية بفناء محقق تحت وطأة الأسلحة النووية أو الكوارث المناخية، ويحبس العالم أنفاسه مع كل ثانية تقترب فيها العقارب من منتصف الليل. ولكن، بعيداً عن حسابات الثواني البشرية القلقة، هناك قراءة أخرى لمشهد التوتر العالمي؛ قراءة تنبثق من يقين لا يتزعزع بأن هذا الضجيج ليس مجرد صدفة، بل هو إيذان بنهاية نظام أرهق البشرية بظلمه، وتمهيد لولادة فجر جديد لا يخضع لموازين القوى المادية وحدها.

 

فبينما يرتجف العالم قلقاً من تحرك تلك العقارب، يوقفنا القرآن الكريم أمام الحقيقة الكبرى التي تتجاوز تقديرات مراكز الأبحاث: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾. إن هذا السؤال البشري المتكرر عن "النهاية" يعكس حالة من الإفلاس القيمي والروحي؛ فالغرب الذي صنع هذه "الساعة" يعيش اليوم رعباً حقيقياً من نتاج يده. إنهم يخشون التكنولوجيا التي طوروها، والأسلحة التي كدسوها، لأنهم يفتقرون إلى المرجعية الأخلاقية التي تضبط القوة. إن المقادير بيد مسبب الأسباب، والساعة الحقيقية لا يملك سرها إلا الله، وما هذه التوترات إلا سنن كونية تجري لحكمة إلهية بالغة لتنبيه الغافلين.

 

إن التوترات المتصاعدة بين الأقطاب الكبرى ليست مجرد صراعات حدودية أو نزاعات على الموارد الطبيعية، بل هي تعبير صارخ عن أزمة المعنى وفشل النظام الرأسمالي المتوحش. هذا النظام الذي قام على امتصاص دماء الشعوب وتأليه المادة ومركزية المنفعة على حساب القيم، يقف اليوم على حافة الهاوية. وهنا يبرز النداء الإلهي الذي يزلزل القلوب اللاهية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾. إن هذه الزلزلة ليست مجرد حدث فيزيائي مستقبلي، بل هي حقيقة يجب أن تدفعنا لإعادة النظر في ماذا قدمنا، وكيف استعدادنا للقاء رب العالمين في ظل هذا الانهيار الأخلاقي العالمي.

 

إن النظام الرأسمالي اليوم يعاني من تشققات هيكلية لم تعد تجدي معها الحلول الترقيعيّة؛ فالتضخم العالمي غير المسبوق، وتوحش الديون السيادية التي بلغت أرقاماً فلكية، واتساع الفجوة بين طبقة تملك كل شيء وشعوب لا تملك ثمن قوتها، كلها مؤشرات على أن هذا النموذج قد استنفد مبررات بقائه. إن الحروب المفتعلة في شرق أوروبا وشرق آسيا ليست إلا محاولات يائسة لتصدير الأزمات الداخلية لنظام لم يعد يملك ما يقدمه للبشرية سوى الخوف والتبعية. وإن عقارب الساعة الحقيقية تشير إلى قرب زوال هذا النموذج المتغطرس الذي ظن أصحابه أنهم ملكوا أطراف الأرض، متناسين أن القوة لله جميعاً.

 

وسط هذا الركام من التهديدات النووية والسباق المحموم نحو التسلح البيولوجي والرقمي، يبرز النور النبوي ليطمئن القلوب الوجلة ويمنحها البوصلة الحقيقية. ففي الوقت الذي تتحدث فيه مراكز الدراسات الغربية عن سيناريوهات الفناء، نتحدث نحن عن يقين البقاء والتمكين لهذا الدين. يقول النبي ﷺ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ». إن هذا الوعد النبوي ليس مجرد تخدير للمشاعر أو استرخاء بانتظار المعجزات، بل هو حتمية تاريخية وسنة من سنن الاستبدال، تتطلب منا سؤالاً محورياً: "أين دوري في هذا الوعد؟ وماذا أعددت لأكون من جنوده؟".

 

فكلما اشتد ظلام الظلم، وتصادمت القوى الطاغية فيما بينها، كان ذلك إيذاناً بفراغ استراتيجي وقيمي لا يمكن أن يملأه إلا الإسلام بقيمه القائمة على العدل المطلق والرحمة المهداة. إن العالم المتعطش للعدالة، الهارب من جحيم الرأسمالية والمادية، سيبحث حتماً عن مأوى، ولن يجد سوى سعة الإسلام التي تجمع بين عمارة الأرض وسلامة الروح. والواجب المنوط بالسياسيين والمفكرين والشعوب المسلمة اليوم ليس الانزواء ومراقبة عقارب ساعة صنعها البشر بخوفهم، بل العمل الدؤوب لتكون كلمة الله هي العليا، فالتدافع الذي نشهده اليوم بين القوى الكبرى هو تمحيص يسبق التمكين، واختبار حقيقي لإرادة التغيير لدينا.

 

وعندما تقع الواقعة وتنكشف الحقائق، سيعلم الذين اتخذوا من قوتهم العسكرية وصواريخهم العابرة للقارات إلهاً من دون الله، أن حصونهم كانت أهون من بيت العنكبوت أمام إرادة الله وسننه، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾. إن الوقت في ميزان الله يختلف عن ثواني علماء الذرة؛ فبين عشية وضحاها قد ينهار نظام عالمي ظن الناس أنه خالد، ليقوم مقامه نظام رباني يعيد للإنسان كرامته التي سحقتها الآلة الرأسمالية.

 

وختاما: إننا نقف في عام 2026 أمام مشهد مهيب؛ قوى عظمى تتصارع على ثوانٍ متخيلة، وأمة تحمل في صدرها وعداً صادقاً. فبينما يحبس العالم أنفاسه مع كل دقة من دقات ساعة يوم القيامة، نسأل كل ذي لب: أين تجد بوصلتك؟ هل تضع ثقتك في حسابات مراكز الدراسات الدولية القلقة التي تتوقع الفناء، أم في وعد الخالق الذي كتب لنهجه البقاء والظهور؟ إن العقرب الذي يجب أن تلاحقه أبصارنا ليس عقرب الساعة النووية، بل هو عقرب الاستعداد والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية.

 

إن هذا التيه الرأسمالي لن ينتهي بمجرد التمني، بل بالعمل الجاد لإقامة دولة الحق، دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة؛ فهي الوحيدة القادرة على قيادة البشرية من جحيم الصراعات إلى بر الأمان. تذكر دائماً قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾، فالسؤال ليس متى الساعة؟ بل ماذا أعددت لها ولنصرة دينك قبل فوات الأوان؟ بادر لتكون لك بصمة في هذا التحول الكوني العظيم، قبل أن تضع الحرب أوزارها ويتحقق الفتح الموعود.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. أحمد إبراهيم

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سفينة نوح هي الخلافة في زمن التقلبات السياسية

 

لم تكن سفينة نوح عليه السلام مجرد ألواح ومسامير، بل كانت موقفاً قبل أن تكون وسيلة نجاة. وحين كان نوح عليه السلام يبني سفينته، لم يكن الطوفان قد بدأ بعد، لكن الانقسام كان قد وقع؛ فريق يسخر، وفريق متردد، وقلة فقط اختارت الركوب قبل أن ترى الماء.

 

اليوم، يتكرر المشهد لكن بمسميات أخرى، ووسائل مختلفة، وطوفان أشد خداعا. والأحداث السياسية تتسارع كأمواج متلاحقة، والمواقف تتبدل، والخطاب يتلون حسب المصالح، وحملة الدعوة يُتّهمون بالتهور حينا، وبالبطء حينا آخر، ويطلب منهم أن ينتظروا، أو يهادنوا، أو يركبوا الموجة حتى تتضح الصورة.

 

اليوم تفتح الأبواب للعدو باسم "السلام"، وتزين الخيانة بعبارات المصالح، ويطلب من حملة الدعوة أن يكونوا واقعيين، وأن يتفهموا المرحلة، وأن لا يرفعوا صوتهم عاليا، لكن الحق لا يعرف لغة التدرج حين يكون التنازل عن أصل لا عن فرع.

 

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، فالركون ليس مشاركة في الجريمة، بل تبرير وتطبيل وسكوت. اليوم سفينة نوح في زمننا هي الموقف الواضح من العدو، هي الثبات على الحق، هي البراءة من مشروع الغرب ورفض الاعتراف بشرعية الاحتلال، وعدم الانخداع بشعارات السلام الاقتصادي والاستقرار الإقليمي.

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ﴾ فالولاية ليست توقيع اتفاقية فحسب، بل مشاركة في مشروع، وتبرير للرواية، وتنازل عن جوهر الصراع.

 

سفينة نوح في واقعنا مشروع حق واضح المعالم: موقف لا يساوم، ومنهج لا يقبل التدرج، ولا الموالاة، ولا الدخول في مظلة الرأسمالية، بل كيان قائم بذاته، لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يقبل بحلول خارج نطاق حكم الله وشرعه. ومن رفض الركوب بحجة الواقعية السياسية، أو خاف من الغرب، أو راهن على كراسي مؤقتة، وجد نفسه لاحقا وسط الطوفان بلا مركب. فهل نفعت القرابة حين جاء الطوفان؟ أم أن الله نفى عنها صفة القرابة؟ فالسخرية من أهل الحق ودعوتهم، والاعتصام بغير قوة الله، والوقوف موقف المتفرج، مخرجات من الإيمان، بل لم ينج إلا من ركب، لا من سخر، ولا من اغتر بقوته.

 

ومع الأسف نرى اليوم كثيرين اختاروا جبال الغرب: جبل الاقتصاد، جبل الحماية الدولية، جبل الواقعية السياسية... لكن الله قال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ولن ينجو من طوفان الفتن، والتنازلات، والتضليل الإعلامي، إلا من ركب سفينة الحق مبكرا، وتحمل ثقل الطريق، وصبر على أذى الساخرين، ورفض أن يقف في المنطقة الرمادية.

 

فالطوفان قادم، ومن اختار قوة الغرب لا قوة الله، أو تسلق جبل المصالح، سيكتشف متأخرا أنه الخاسر لأن سفينة نوح تسير إلى النجاة الجماعية تحت راية الحق، بينما الطوفان السياسي لا يرحم المترددين، ولا المنافقين ولا المطبلين لأن في عالم السياسة اليوم النجاة فردية.

 

الطوفان قادم لا محالة؛ طوفان كشف، وطوفان حساب، وطوفان سقوط الأقنعة، وحينها لن يسأل الناس: هل كنتم تحسنون الظن؟ بل أين وقفتم؟ ومع من اصطففتم؟ ولمن بررتم؟ ولماذا طبلتم؟

 

سفينة نوح عليه السلام ليست مجرد وسيلة نجاة من بحر هائج، بل كانت كيانا جامعا، وقيادة واحدة، ووجهة واضحة، وفق منهج الله الذي لا يخضع للتدرج ولا للمصالح، ولهذا لم ينقذ الله الناس أفراداً متفرقين، بل أنقذهم بسفينة.

 

واليوم تتجلى الحكمة ذاتها: فالنجاة لا تكون بمواقف فردية، ولا ببيانات خداعة، وشعارات مزيفة، إنما تكون بكيان جامع يمثل الإسلام في الحكم والسياسة، تماما كما مثلت سفينة نوح مشروع النجاة الوحيد في زمن الطوفان.

 

نعم إنها سفينة الخلافة؛ هي سفينة هذا الزمان، ليست شعارا عاطفيا، بل نظام حكم، وراية واحدة، دولة تتبنى قضايا الأمة لا تفاوض عليها.

 

قال الله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ فالسفينة لم تُبن بجهد بشري خالص، بل بوحيٍ ومنهج. وكذلك الخلافة لا تقام بالأهواء، ولا تدار بمنطق الواقعية السياسية، بل بمنهج رباني كامل. الخلافة، كالسفينة، لا تتسع للحياد، فإما ركوب كامل، أو بقاء في طوفان التبعية والذل.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالولاية ليست تحالفات دولية، ولا اتفاقيات أمنية، بل نظام حكم وفق منهج الله ورسوله. وكما لم تنقذ قرابة ابن نوح، ولا حسن ظنه بالجبل، لن تنقذ اليوم اتفاقيات التطبيع، ولا مشاريع السلام، ولا جبال الاقتصاد والدعم الدولي.

 

قال تعالى على لسان نوح: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، والرحمة اليوم ليست في الاندماج في النظام العالمي الرأسمالي، بل في ركوب سفينة الخلافة، قبل أن يجرف الطوفان كل من ظن أن بإمكانه النجاة خارجها، فالطوفان ليس ماء هذه المرة، بل تطبيع، وتفكيك، وعداء للدين...

 

فالخلافة ليست اختراعا لا واقع له، بل هي الامتداد السياسي الطبيعي للنبوة في إدارة شؤون الأمة، وحفظ دينها، وصيانة مواقفها من العدو، كما أن نوحاً لم يساوم الطوفان، ولم يعقد هدنة مع الماء، ولم يقبل سلاماً مؤقتاً مع الغرق. فإن الخلافة كسفينة نوح لا تتعايش مع التطبيع ولا مع الغرب ومنظومته الرأسمالية، لأنها قائمة على أصل: الولاء لله، والبراءة من الكفر، وحمل الدعوة إلى العالم. ولا نجاة إلا بسفينة واحدة بقيادة إمام عادل يقودها إلى بر الأمان.

 

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ»، فالإمام، أي الخليفة، ليس لقبا يتغنى به، بل درعٌ واقٍ للأمة، كما كانت السفينة درعا من الطوفان من الهلاك، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، وهذا نص خطير الدلالة: إذ يربط ﷺ النجاة من الجاهلية بوجود بيعة لقيادة عامة، لا بمشاعر إيمانية، كما أن الإيمان بنوح لم يكن كافيا دون ركوب السفينة، وقال ﷺ: «فَالْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». لم يقل: الزم رأيك، ولا اعتزل الواقع، ولا ساير الأقوى... بل جماعة تحت قيادة إمام، أي خليفة، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ».

 

وبما أن السفينة لا تحتاج إلا قائدا واحدا، فإن رسول الله يبين لنا بقوله ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا» وهو حديث يبين خطورة تفتيت القيادة، لأن السفن المتعددة في الطوفان تعني الغرق، فكما لم ينقذ الله أقرب الناس لنوح خارج السفينة، لن تنقذ الأمة اليوم أصدقُ الشعارات دون الخلافة بقيادة خليفة عادل، فالنجاة ليست عبادة صوم وصلاة فقط، بل العمل على الدعوة لإقامة الخلافة الراشدة.

 

الخلافة ليست خيارا بين خيارات، بل هي فرض وضرورة ونجاة. ومن ظن أن بإمكانه النجاة بالحياد، أو بالصمت، أو بالمساومة، سيكتشف متأخرا أن الطوفان لا يعترف بالمنطقة الرمادية ولا بالطريقة التدريجية، ولا يؤمن بفقه الواقع.

 

فطوبى لمن كان من صنّاعها، ولمن ركبها عن وعي، وصبر على أذى الساخرين، وثبت حين طبّل ونافق الجميع؛ لأن السفينة واحدة، والطوفان واحد، والنجاة لا تكون إلا بها.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

معركة حطين والطريق إلى تحرير القدس

 

شهر رجب من الأشهر الحرم، وميز الله الأشهر الحرم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾.

 

في هذا الشهر حدثت أحداث عظيمة غيرت التاريخ وقلبت الموازين منها حدث تحرير المسجد الأقصى واستعادته من قبضة الصليبيين في ٢٧ رجب ٥٨٣هـ على يد البطل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. نجحت الحملات الصليبية في احتلال القدس عام ٤٩٢هـ - ١٠٩٩م ودخلوا القدس وقاموا بالمجازر وبأبشع الأعمال وأفظعها وقد بلغ عدد قتلى المسلمين من الأطفال والنساء والرجال قرابة سبعين ألفاً حتى إن الدماء سالت أنهارا في المسجد الأقصى وفي الحارات والدروب، وبذلك استقر الصليبيون في بلاد الشام وأسسوا على سواحلها إمارات عدة امتدت من خليج الإسكندرونة إلى عسقلان ومن خليج العقبة إلى شمال الرها. فنهض البطل صلاح الدين الأيوبي بمهمة تحرير القدس وفلسطين بأعمال سياسية وعسكرية.

 

في الجانب السياسي استعاد مصر التي اقتطعت من جسم الخلافة العباسية عندما أقام الفاطميون دولتهم فيها عام ٣٥٩هـ، فأعادها عام ٥٦٧هـ ووحدها مع بلاد الشام، وكذلك شمال العراق واليمن والمغرب وسواحل أفريقيا الشمالية تحت جبهة واحدة في ظل الخلافة العباسية.

 

وقام بعد ذلك برص صفوف المسلمين نحو هدف تحرير المسجد الأقصى خاصة بعد حادث اعتداء أرناط أمير الكرك على قافلة تجارية لصلاح الدين عام ٥٨٢هـ، وإمارة الكرك هذه واقعة بين بلاد الشام ومصر، وكان بين صلاح الدين وبينها هدنة، من بنودها السماح للقوافل الإسلامية بالانتقال من مصر إلى الشام أو العكس في سلامة وأمن. وكانت نتيجة اعتداءات أرناط على القافلة الإسلامية مصادرة الأموال، وأسر الرجال. ويروي المؤرخون أن قافلة المسلمين لما وقعت في قبضة الصليبي صاحب الكرك استهان بالدين الإسلامي، والنبي ﷺ وقال للأسرى: "إن كنتم تعتقدون في محمد فادعوه أن يفك أسركم، ويخلصكم من شر ما وقعتم فيه"، فنمى هذا إلى السلطان صلاح الدين فغضب غضبا شديدا وحلف لئن أسره ليقتله بيده.

 

وبعد هذا الاعتداء الفاضح أخذ السلطان يعد العدة ويجمع الجيوش، ويهيئ كتائب المجاهدين ليوقع النكال الشديد بالإفرنج قاطبة ويسترد أرض الإسراء ومهبط الأنبياء، وبعد أن جمع الجموع ونظم الجيوش عقد مجلساً للتشاور في منازلة العدو وتوقيت المعركة، فاتفقوا على الخروج في ١٧ ربيع الآخر سنة ٥٨٣هـ بعد صلاة الجمعة، وبين تكبير المسلمين وتضرعهم بالدعاء خرج صلاح الدين من دمشق.

 

ولم يأل جهدا رحمه الله في استنفار المسلمين واستنهاض هممهم للجهاد في سبيل الله، وكان لا يُرى إلا مهتما مغتما تعلوه كآبة الحزن والأسى، بل كان عزوفا عن الطعام ولا يتناول من الغذاء إلا الشيء اليسير، ولما سئل عن سبب ذلك أجاب: كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين؛ كان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال.

 

وهجم صلاح الدين على الصليبيين هجوما عنيفا فرق فرسانهم عن مشاتهم، وتقهقرت فلولهم إلى تلال حطين من شدة ما لقوا من الهول والشدة والعطش الشديد، وبعد معارك ضارية بين الطرفين انتصر فيها صلاح الدين انتصار حاسما، وانهزم الصليبيون هزيمة منكرة، ولم يفلت منهم أحد وكانوا بين قتيل وأسير، وبلغ عدد قتلاهم عشرة آلاف، وفي تلك الأثناء سقط أسقف عكا قتيلا ووقع من بين يديه "صليب الصلبوت"، فاستولى عليه المسلمون، وأسر ملك بيت المقدس وأسر أرنا موقد شرارة الحرب، وأقيمت للسلطان صلاح الدين خيمة اجتمع فيها بذوي الرأي من أتباعه ومستشاريه، فسجد الجميع شكرا لله على ما نالهم من نصرة، ثم أمر بإحضار الملك جاي لوز جنان وصاحب الكرك أرناط فأجلسهما داخل خيمته وقد أخذ العطش من الملك كل مأخذ، فطلب ماء فأحضر له ماء مثلوجا، فشربه إلا قليلا منه ثم ناوله صاحب الكرك فقال السلطان حينئذ: "إن لم نعطه هذا الماء حتى يكون آمنا على نفسه"، ثم قام وأنب صاحب الكرك على سوء صنيعه مع قافلة المسلمين وتطاوله على مقام النبوة، ثم ضرب عنقه بيده تنفيذا لوعده وبرا بيمينه.

 

ثم توجه نحو بيت المقدس وحررها من الصليبيين. وهو في طريقه إليها أرسل له أحد المأسورين في القدس هذه الأبيات:

 

يا أيها الملك الذي * لمعالم الصلبان نكس

جاءت إليك ظلامة * تسعى من البيت المقدس

كل المساجد طهرت * وأنا على شرفي أنجس

 

ودخل المسجد الأقصى يوم الجمعة 27 رجب ٥٨٣هـ في ذكرى الإسراء والمعراج، وأعيدت فيه الصلاة والخطبة بعد انقطاع، وخطب القاضي محيي الدين بن زكي الدين، ومما قاله في هذا اليوم العظيم: "أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا، لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبا من مائة عام...)، هكذا تم تحرير القدس في ذكرى الإسراء والمعراج.

 

واليوم ما أحوجنا لتدبر هذا النصر العظيم لصناعة مثله وتحرير المسجد الأقصى وكل مغتصبات المسلمين، الطريق واضح كما سار عليه البطل صلاح الدين والأمة الإسلامية في ذلك التاريخ وهو توحيد البلاد الإسلامية وإعادة اللحمة بين أجزائها المتفرقة ورص صفوف جيوش الأمة الإسلامية.

 

تحدث المستشرق هاملتون جب عن نصر صلاح الدين على القوى الصليبية في كتابه "إنجازات صلاح الدين": (إنه رأي بوضوح ضعف الجسد السياسي للمسلمين والذي كان أحد العوامل التي سمحت بتأسيس استمرار الإمارات الصليبية كل ذلك ونتيجة للفساد السياسي، وكانت ثورة صلاح الدين ضد هذه الأوضاع، وكان هناك طريق واحد لوضع حد لذلك من خلال إحياء النظام السياسي الإسلامي وتوحيد الجبهة الإسلامية في ظل الخلافة العباسية).

 

نحن أمام حقيقة شرعية تاريخية لاستعادة وتحرير الأقصى وهي العمل على توحيد بلاد المسلمين في ظل الخلافة الثانية وهي وعد الله سبحانه وبشرى حبيبنا المصطفى ﷺ، ففي رواية لمسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمْ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوْ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ».

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح)

منسق لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حين تصير الأخوة شعاراً ويُهان المستضعفون!

 

بينما يؤكد رئيس مصر السيسي، في كلمته خلال احتفالات عيد الشرطة، في 25 كانون الثاني/يناير 2026م أن مصر ستظل ملاذاً آمناً لملايين الوافدين من دول المنطقة، ويشدد على رفض تحويل ملف الهجرة غير النظامية إلى ورقة للمساومة السياسية أو الابتزاز المادي، تعيش شوارع القاهرة والإسكندرية واقعاً آخر، يرويه اللاجئون السودانيون بوجعٍ لا تخطئه العين.

 

السيسي أوضح أن مصر تلعب دور حائط الصدّ أمام تدفقات الهجرة نحو أوروبا، انطلاقاً من اعتبارات إنسانية وأخلاقية، مؤكداً أن استضافة الملايين تأتي في إطار المسؤولية تجاه الأشقاء، بعيداً عن منطق المقايضة والمصالح. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو أين تذهب هذه الاعتبارات الإنسانية حين يُساق اللاجئ إلى الحبس؟ وأين تختفي الأخلاق حين يتحول القانون إلى أداة ضغط وجباية؟!

 

على الأرض، تشنّ الأجهزة الأمنية حملات اعتقال وتفتيش واسعة النطاق ضد اللاجئين السودانيين، طالت أحياء كاملة في القاهرة والإسكندرية، دون تمييز حقيقي بين من يملك إقامة أو بطاقة مفوضية ومن لا يملك. لاجئون يحملون أوراقاً رسمية يُحتجزون أياماً، ثم لا يُفرج عنهم إلا بعد دفع غرامات مالية تتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف جنيه مصري. أما من لا يملك إقامة، فمصيره الترحيل القسري، حتى وإن كان الهروب من الحرب هو جريمته الوحيدة!

 

هنا يصبح السؤال أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً: هل هذه حماية أم ابتزاز؟ وهل الملاذ الآمن يُدار من خلف أبواب الحجز؟

 

إن السوداني ليس غريباً عن مصر، ولا المصري غريبا عن السودان، والتاريخ يشهد أن مصر والسودان كانتا بلداً واحداً، يجمعهم الإسلام والمصير المشترك. لم يكن السوداني يوماً وافداً بالمعنى البارد للكلمة، بل شريك تاريخي أصيل، وأخ كريم تربطه أواصر العقيدة الإسلامية، فكيف تختزل هذه الأخوة اليوم في حملات تفتيش، وإذلال، وترحيل؟!

 

من زاوية الإسلام، فإن ما يجري اليوم لا يستقيم شرعاً، فالنبي ﷺ قال: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً» فلما سُئل: كيف أنصره ظالماً؟ قال: «تَمْنَعُهُ عَنْ ظُلْمِهِ». والنصرة هنا لا تعني التواطؤ مع الظلم، بل رفع المظلمة، وردّ الحق، وكفّ الأذى. فإن كان هناك تجاوز أو مخالفة، فالمحاسبة تكون بعدل ورحمة، لا بإهانة جماعية، ولا بتحويل اللاجئ إلى مصدر دخل!

 

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فأين هذه الأخوّة حين يُترك المستضعف بين خيارين: إما السجن أو الدفع والترحيل؟!

 

خلاصة القول إن التصريحات وحدها لا تصنع واقعاً، والإنسان لا يُقاس بما يقوله، بل بما يفعله. وإن كانت مصر ترفض الابتزاز سياسياً، فالأَولى أن ترفضه ميدانياً، وألّا يُمارَس على أضعف الفئات.

 

إن التاريخ لا ينسى، ودعوة المظلوم لا تُرد.

 

إن حدود سايكس بيكو جعلت هذه الشعوب تعيش غربة داخل بلادها، ولن تعود أواصر الأخوة الكاملة إلا بعد إزالة هذه الحدود المصطنعة التي تحرسها التصريحات المغلقة، وتتوحد مصر والسودان في ظل دولة إسلامية قوية؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة تطبق الإسلام وتملا الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

على وقع صرخات لاجئي السودان في مصر

أليس فيكم رجل رشيد يا أهل الكنانة؟!

 

 

طوال تاريخ الإسلام، لم تُسجَّل مواقف مخزية بين الشعوب الإسلامية تجاه بعضها بعضا إلا في ظل هذه الأنظمة الجائرة التي تستبيح دماء شعوبها وأموالهم وأعراضهم. واليوم، في ظل الحرب المشتعلة في السودان، تتكشف حقيقة القيم النفعية التي باتت تسيطر على الغالبية؛ حيث أصبح الوزن للسكن، والقيمة للمصالح، بينما غابت نصرة الأخوة الإسلامية.

 

إن ما يجري في السودان وفي كثير من بلاد المسلمين ليس إلا مرحلة من مراحل الحكم الجبري الذي أخبر عنه النبي ﷺ، حيث تُستباح الشعوب وتُستضعف، ويُترك المستضعفون بلا سند ولا حماية.

 

في عصور الإسلام الأولى، كان اللاجئ والمستجير يجد عند الأمة الإسلامية مأوىً آمناً، كما فعل الأنصار حين احتضنوا المهاجرين، فاقتسموا معهم الدُّور والمال والعيش. لم يكن هناك ترحيل قسري ولا تضييق، بل كانت الأخوة الإسلامية هي الرابط الذي يحمي الإنسان ويصون كرامته. هذا النموذج التاريخي يفضح واقع اليوم، حيث غابت القيم وتحوّلت السياسات إلى أدوات ضغط على المستضعفين.

 

إن الحكومة السودانية التي تخلّت عن حماية المدنيين في الجزيرة وسنجة والفاشر وبابنوسة، تسعى اليوم لتسليم اللاجئين السودانيين إلى مصير مجهول عبر الضغط على مصر لترحيلهم قسراً إلى البلاد.

 

إن السوداني أصبح مستباح الدم والمال والعرض؛ منازل مهدمة، ممتلكات منهوبة، وأسر مشردة بلا مأوى.

 

والمفارقة الصارخة هي أن الجيش الذي لم يدافع عن الشعب في الداخل، يطالب اليوم أبناءه العُزّل بالعودة ليكونوا وقوداً لحرب عبثية لا يملكون فيها سلاحاً ولا قدرة على الدفاع عن أنفسهم! لا سكن، لا عمل، لا خدمات، ولا أمن... فالعودة في هذه الظروف ليست إلا عودة إلى الخراب، وليست دفاعاً عن وطنٍ فقد معناه الحقيقي.

 

ومع الأسف تطالب مصر بالغلظة والتضييق على السودانيين بإقامة حملات لا ترحم الصغير قبل الكبير والمرأة والشيخ الكبير دون استثناء حتى لو كان الشخص يحمل أوراقا نظامية!

 

إن المسؤولية الأخلاقية والشرعية على مصر التي استقبلت السودانيين بعد اندلاع الحرب، مطالبة اليوم بالحذر من الاستجابة لضغوط الخرطوم. الباحثة أماني الطويل حذرت من أن أطرافاً ثالثة ولجاناً إلكترونية تضخم الإجراءات الأمنية المصرية لتشويه صورة مصر في الوجدان السوداني.

 

لا يجوز التضييق على المستضعفين أو تسليمهم إلى من يفتك بهم. فحماية اللاجئين واجب شرعي وإنساني، والاعتداء عليهم أو ترحيلهم قسراً يُعد مخالفة صريحة لأحكام الإسلام التي رموها وراء ظهورهم وهي التي من شأنها أن تضع حفظ النفس والكرامة الإنسانية في مقدمة الأولويات.

 

بدل أن تكون مصر ملاذاً آمناً، أصبح اللاجئون السودانيون يواجهون خطر الاعتقال المطوّل، والملاحقة، والتهديد بالترحيل القسري، وهو ما ينسف صورة مصر التاريخية كحاضنة للشعوب الإسلامية في أزماتها.

 

أما الأمم المتحدة، التي يفترض أن تكون حامية للاجئين، فهي تقف موقف المتفرج أمام حملات الترحيل القسري. فبطاقة اللجوء (الكرت الأصفر) لا توفر الحماية الكافية، وغض الطرف عن هذه الانتهاكات يضع المنظمة الدولية في دائرة الاتهام بالعجز والتواطؤ.

 

إن اللاجئين السودانيين الذين فروا من الحرب لا يجدون اليوم سنداً دولياً يحميهم من الترحيل، ما يفضح قصور المنظومة الأممية في أداء دورها الأساسي. على الأمم المتحدة أن تتحمل مسؤوليتها في توفير الحماية القانونية والإنسانية، وإلا فإنها تفقد ما تبقى من مصداقيتها أمام الشعوب المنكوبة.

 

إن مساعي السلطات السودانية لعودة اللاجئين ليست سوى محاولة لتغطية عجزها وفشلها في حماية الشعب. وإن عودة اللاجئ في ظل هذه الظروف تعني العودة إلى الخراب، لا إلى بلاده. السودانيون يستحقون دولة تحميهم وتوفر لهم الحياة الكريمة، لا أن تُحوّلهم قياداتهم إلى ضحايا حرب لا تنتهي!

 

إن غياب سلطان الإسلام جعل الأمة فريسة في أيدي هؤلاء الحكام، ولو استنهضت همم الرجال وقامت أحكام الإسلام لعاش الناس في أمن وأمان في ظل دولة إسلامية تضع الإنسان في صدارة أولوياتها.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حاتم العطار – ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

خطاب يوم التضامن مع كشمير

 

إنَّ التضامنَ الحقيقيَّ مع إخواننا المسلمين في كشمير يكمُن في حشدِ قواتنا المسلحة الباسلة لتحرير سريناغار، وليس ما يُكرِّره حكَّامُ باكستان عديمو الرؤية من تصريحاتِهم المعتادة الفارغة في كل عامٍ لإحياء ذكرى يوم التضامن مع كشمير! حيث يستشهد هؤلاء الحكام بقرارات مجلس الأمن الدولي، ويناشدون ما يُسمَّى بالمجتمع الدولي أن يلتفت إلى الانتهاكات الهندية المتزايدة في كشمير المحتلة! وبينما ينشغل الحكام بإرضاء ترامب وخيانة غزة، تُحكِمُ الهندُ قبضتَها على كشمير المحتلة، وتمنع تدفّق المياه إلى باكستان، وتدعم الفتن بين المسلمين، وتهدِّد بمهاجمة وضمّ آزاد كشمير المحرَّرة.

 

لقد أضاع نظامُ عاصم/ شهباز فرصةَ تحرير كشمير المحتلة من الهند، يوم سحقت قواتُنا المسلحة الباسلة عدوانها على باكستان خلال حرب الأيام الأربعة في أيار/مايو 2025.

 

علينا أن نرفض خطابَ الحكام العملاء وحلولَهم، وأن نطالب بقوةٍ بتعبئة قواتنا المسلحة لتحرير كشمير، وهو ما سيوجِّه ضربةً قاضيةً للهيمنة الهندوسية في المنطقة.

 

وعلينا جميعاً أن نعمل بجد لإعادة الخلافة الراشدة، التي ستوحِّد الأمة الإسلامية جمعاء، وتحرير كل شبرٍ من بلادها المحتلة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد سلجوق – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

حضارة تُبنى على الجسد وتنهار في الإنسان

 

ليست كل حضارة تقدّماً، ولا كل ما يلمع دليلَ رُقيّ. فثَمّة حضارات تهدم من الداخل حين تُفرغ الإنسان من قيمته، وتحوّل الجسد إلى سلعة، والأخلاق إلى عناوين، والحياء إلى تُهمة.

 

أخطر ما أصاب الإنسان المعاصر ليس الفقر ولا الجهل، بل تطبيع الانحطاط ومنحه صفة الحرية. فحين تُقدَّم المتاجرة بالجسد حقّاً، ويُسوَّق الانفلات الأخلاقي على أنه تحرّر، نكون أمام انقلاب في المعايير. ولم يعد هذا الانهيار حبيس الهامش أو الظل، بل تسلّل إلى قمة الهرم السياسي نفسه. فما ظهر في وسائل التواصل، ومن خلال الإعلام، من صور وتسريبات فاضحة منسوبة لحكّام ورؤساء دول تُصنَّف ضمن الدول العظمى، يكشف وجهاً صادماً للتناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة. أولئك الذين ينصّبون أنفسهم أوصياء على القيم، ويتصدّرون نموذج "التحضّر" ظاهرياً، يمارسون سلوكيات لا تنتمي إلا لمنظومة ترى في الجسد متعة عابرة، وفي السلطة حصانة.

 

القضية هنا ليست فضيحة أخلاقية بقدر ما هي فضيحة حضارية، حين يسقط رأس الهرم قيمياً. إن الحضارة التي تفصل التقدّم المادي عن القيم، وتمنح القوة بلا إنسانية، لا تُنتج قدوة، بل تصنع طغاةً منحرفين: حضارة تبيح كل شيء في الخفاء، ثم تُجرّم الضعفاء في العلن، حضارة تُحرّر الشهوة وتُقيّد المشاعر. ومن ارتدى ثوب التقدّم وهو عارٍ من القيم، فليس حضارة، بل سقوط أخلاقي وإفلاس روحي. وإذا كان الانحلال في المجتمعات نذير خطر، فإن الأخطر منه أن يتسلّل إلى قمة الهرم السياسي.

 

إن هذه الممارسات المكشوفة، بما تحمله من إفراط وانفلات وتجريدٍ للآخرين من كرامتهم، تؤكّد أن ما يُسمّى الحرية الغربية، حين تنفصل عن الأخلاق، تنحدر إلى بهيمية مقنّعة: حرية لا تعرف حدوداً، ولا تعترف بالحياء، ولا ترى في الإنسان إلا جسداً قابلاً للاستهلاك.

 

ما نشهده اليوم ليس فضائح أفراد، بل انكشاف منظومة تمتلك القوة، لكنها فقدت المعنى.

 

لقد بات العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى في أمسّ الحاجة إلى حضارة تعيد للإنسان قيمته، وللجسد حرمته؛ حضارة لا ترى الإنسان آلة إنتاج، ولا جسداً للاستهلاك، ولا رقماً في السوق، بل كائناً مكرّماً له غايته ورسالته. حضارة لا بوصفها خطاباً وعظياً، ولا ذاكرة تاريخية، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً يمزج بين الروح والمادة، ويوازن بين الحرية والمسؤولية، ويجعل القيم النبيلة شرطاً للتقدّم لا عائقاً أمامه. حضارة لا يكون فيها الإنسان "حيواناً متطوّراً"، بل مخلوقاً مكرّماً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، حضارة لا يكون فيها الإنسان كائناً تائهاً بلا غاية، ولا عبداً لشهواته، بل صاحب إرادة كما أراده الله أن يكون: خليفة في الأرض، مستخلفاً لا متسلّطاً.

 

إن العالم الذي أرهقته الازدواجية، وفضحته تناقضات قادته، واختنق تحت وطأة حضارة استهلاكية بلا روح، بحاجة إلى نموذج يعيد التوازن؛ نموذج لا يرفع شعار الحرية ليبرّر الانحلال، ولا يرفع شعار القيم ليُكرّس الاستبداد. فالحضارة الإسلامية ليست مشروع هيمنة، بل مشروع إنقاذ للإنسان والمجتمع من التفكّك والضياع، وللسياسة من الانفصال عن الأخلاق. وحين تُحفَظ كرامة الإنسان، وتُضبط الشهوة بالقيم، وتُربط السلطة بالأمانة، حينها فقط يمكن أن نتحدّث عن حضارة.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

رابط هذا التعليق
شارك

  • 2 weeks later...

بسم الله الرحمن الرحيم

بين قعقعة السلاح ومسرحية الصراع:

مصفوفة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط

 


تعيش منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع حالة من الاستنفار على وقع حشد عسكري أمريكي ضخم؛ يضم حاملات طائرات وبوارج حربية، تزامناً مع إخلاء قواعد عسكرية مثل عين الأسد والتنف، وقاعدة الأسطول السادس في البحرين، وتقليص عدد القوات في قاعدتي العديد في قطر والأمير سلطان في السعودية. وتتوارد التحليلات العسكرية العالمية مؤكدة أن الضربة الأمريكية باتت قاب قوسين أو أدنى، بينما تقابلها إيران بتهديد ووعيد بردٍّ قاصم يطال كيان يهود والدول التي تنطلق منها الغارات، فضلاً عن القواعد الأمريكية في المنطقة.


إن المتأمل في الواقع يدرك أن المتصرف الحقيقي في هذه المنطقة هو أمريكا، التي تريدها منطقة خالصة لها، خالية من أي شراكة أو منافسة. فهي التي تمسك بزمام القضية الفلسطينية، وهي التي تُشعل الحروب وتطفئها وفق مصالحها؛ فحرب السودان - على سبيل المثال - أُشعلت بين أدواتها؛ حميدتي والبرهان، للقضاء على النفوذ البريطاني المتمثل في المكون المدني، وهي التي قلّصت دور الإمارات في اليمن عبر ذراعها محمد بن سلمان، وهي التي احتوت الثورة السورية لمنع سقوط نظام الأسد قبل نضوج البديل، مستخدمةً أوراقاً متعددة (روسيا، وإيران، والأنظمة العربية)؛ حتى إذا جُهز البديل في ليلة ظلماء تبخر الأسد وجيشه ومرتزقته، وانتهى دور أدوات إيران وجبهة الممانعة وقسد، والدور قادم على غيرهم.


إن هذا الحشد والتهديد بالحل العسكري يأتي بعد أن أحكمت أمريكا قبضتها على النفط الفنزويلي وأغلقت ملف الاستثمارات الصينية والروسية في أمريكا الجنوبية. والهدف الآن هو منطقة الشرق الأوسط؛ لتحقيق غايتين استراتيجيتين:


1. الاستقرار القسري: جعل المنطقة هادئة تماماً تحت القبضة الأمريكية المطلقة، تحقيقاً لنبوءات كيسنجر وبريجنسكي، بحيث لا تخرج قطرة نفط أو غاز إلا بإذن واشنطن، المالك الفعلي للممرات والموانئ والثروات.


2. تحجيم الصين: دفع بكين للجلوس إلى طاولة التفاوض من موقع الضعف، تحت قاعدة فرض السلام بالقوة، وإجبارها على القبول بحصص محددة في التجارة العالمية بعد السيطرة على طرق الإمداد.


تؤمن الإدارة الأمريكية الحالية بأن زمن الأمم المتحدة ومجلس الأمن قد ولى، فهو نتاج حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أما الآن فهو زمن الترامبية وشعار "أمريكا أولاً". وكيان يهود بات منبوذاً عالمياً ولا يستمد حياته إلا من الضخ الأمريكي ومساندة الأنظمة العربية الوظيفية؛ ولولا التدخل الأمريكي لكان في خبر كان.


ومع ذلك، تدرك أمريكا التي فشلت في حروبها على مدار 50 عاماً (من فيتنام إلى الصومال وبيروت والعراق وأفغانستان) أن الحرب الشاملة ليست في مصلحتها، وقد تكون نتائجها كارثية على وضعها الداخلي المأزوم؛ ما قد يهدد بنزولها عن قمة الهرم العالمي. لذا، تتجلى أهداف هذه "المسرحية" في الاعتماد على "وكلاء أقوياء" (إيران، كيان يهود، السعودية، مصر، تركيا) ينفذون الوظيفة الأمريكية بإخلاص، مع إحكام السيطرة على النفط لابتزاز الصين.


يبقى السؤال الجوهري حول النتيجة المراد تحقيقها: هل يستطيع ترامب فرض هذا الواقع في المدة المتبقية من ولايته؟ أم سيعمد إلى تعديل الدستور ليسمح بولايات إضافية؟ أم أن حبال الكونجرس أو رصاصات الاغتيال ستسبقه؟ إن الأيام حبلى بالأحداث، والواقع يكشف أن الصراع ليس إلا إعادة ترتيب للأدوار فوق مسرح الشرق الأوسط لتحقيق السيادة الأمريكية المطلقة.

 


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزي التحرير

سالم أبو سبيتان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إيران بين الردع الإقليمي والضغط الدولي

معادلة القوة وحدود الاحتمال؟

 

في جغرافيا مشتعلة تتقاطع فيها المصالح الكبرى مع الحسابات القديمة، تقف إيران في قلب عاصفة سياسية وأمنية لا تهدأ. فمنذ الثورة عام 1979، لم تكن إيران مجرد دولة إقليمية تسعى إلى تثبيت نفوذها، بل تحولت إلى لاعب مركزي في معادلة الشرق الأوسط، يمد نفوذه من الخليج إلى البحر المتوسط، ويضع نفسه في خدمة مخططات الولايات المتحدة مع إظهار صورة العداء لها.

 

تعيش إيران منذ أكثر من عقدين حالة شد وجذب معقدة بين توسع نفوذها الإقليمي وتصاعد الضغط الدولي عليها. فبينما رسخت حضورها السياسي والعسكري في عدد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط، واجهت في المقابل عقوبات اقتصادية وعزلاً دبلوماسياً متزايداً.

 

ومنذ عام 2003، ومع سقوط نظام صدام حسين في العراق، بدأت ملامح نفوذ إيران تتصاعد في المنطقة، معتمدة على استراتيجية تقوم على دعم الحلفاء المحليين والخارجيين، سواء عبر الدعم السياسي أو الاقتصادي أو العسكري.

 

فتمدد نفوذها في العراق كقوة سياسية وفصائل عسكرية بدعم أمريكي غير معلن، وفي سوريا دعمت نظام بشار الأسد إبان الثورة، كما عززت نفوذها في لبنان عبر دعم حزبها هناك، وفي اليمن عبر دعم الحوثيين. وقد منحها هذا الامتداد أوراق ضغط استراتيجية، ورسّخ ما يعرف بمحور المقاومة، فأصبح له تأثير في موازين القوى الإقليمية، وفرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاهله في أي تسوية تخص الشرق الأوسط.

 

لكن مع تغير السياسة الأمريكية في المنطقة، تبدل المشهد؛ فتم تقليم أذرع إيران الخارجية، واغتيال عدد من شخصياتها البارزة في الخارج، وإغلاق ملفات كبرى باغتيال من كان مسؤولاً عنها، واختفت معالم تلك الملفات بوفاة رئيسها إبراهيم رئيسي. كما بدأ استهداف قيادات إيرانية في ضربات متلاحقة، وتزايد الضغط الدولي عليها بسلسلة عقوبات مرتبطة ببرنامجها النووي، خاصة منذ انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 في ولايته الأولى. وهنا تحديداً ظهرت نقطة التحول، إذ أعادت أمريكا فرض عقوبات مشددة استهدفت قطاعي النفط والمصارف.

 

ومع بصيص الأمل في محاولة إحياء الاتفاق في عهد جو بايدن، بقيت المفاوضات متعثرة، بينما استمرت إيران في رفع نسب تخصيب اليورانيوم، ما زاد المخاوف الغربية ورفع احتمال المواجهة غير المباشرة.

 

وقد زادت العقوبات من معاناة الاقتصاد الإيراني، وظهر أثرها داخلياً عبر تراجع العملة وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، ما أدى إلى احتجاجات متكررة تعكس ضغوطاً مجتمعية متزايدة.

 

وتعتمد القيادة الإيرانية على معادلة دقيقة قوامها تعظيم المكاسب الإقليمية لتعويض الخسائر الاقتصادية، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. غير أن استمرار العقوبات يفرض تحدياً بنيوياً على الاقتصاد، في حين إن الانخراط العميق في صراعات المنطقة يحمّل إيران أعباء مالية وسياسية متزايدة، ما جعلها في بعض المراحل تقبل بتخفيف حضورها في بعض الساحات تحت وطأة الضغوط.

 

واليوم يعيش الداخل الإيراني مرحلة معقدة في ظل استمرار الضغوط الخارجية وتزايد الضغوط الاقتصادية. كما أن المشهد السياسي الداخلي يشهد تغيرات، خاصة أن النظام قائم على توازن بين مؤسسات منتخبة وأخرى غير منتخبة؛ فقد تراجع حضور التيار الإصلاحي وتصاعد نفوذ التيار المحافظ، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في نسب المشاركة الانتخابية، وهو ما يعكس فتوراً شعبياً نسبياً تجاه العملية السياسية.

 

كما شهدت إيران في الفترة الماضية موجات احتجاجية متكررة، وبغض النظر عن الجهات المحركة لها، فإن الشارع يبدو مهيأً للاحتقان نتيجة الفجوة بين الشباب والسلطة، وتطلع الشباب إلى الحريات الفردية، وتأثير وسائل التواصل الإلكتروني، وتفاقم الحالة الاقتصادية. ومع كل تحرك، ينجح النظام حتى الآن في الحفاظ على معادلة الاستقرار عبر أدوات أمنية وعسكرية وخطاب تعبوي يركز على مقاومة الضغط الخارجي.

 

وفي مواجهة هذا الضغط، كثفت إيران انفتاحها على الشرق، وتجلى ذلك في علاقاتها مع الصين ضمن شراكة استراتيجية طويلة الأمد تشمل الطاقة والبنية التحتية، ومع روسيا عبر تعاون سياسي وعسكري، خاصة في ملفات إقليمية ودولية، كما انضمت إلى تكتلات غير غربية مثل منظمة شنغهاي، ما وفر لها متنفساً سياسياً واقتصادياً.

 

في المقابل، لا تسعى أمريكا إلى خنق إيران بشكل كامل، بل إلى ضبط برنامجها النووي والصواريخ الباليستية بعيدة المدى. فهي تراهن على الضغط الاقتصادي والسياسي لإجبارها على تقديم تنازلات، مع الحفاظ على تفوق حلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم كيان يهود الذي يحرص على تفوقه العسكري والنووي.

 

ويميل كيان يهود إلى إدارة الصراع عبر ما يسمى "العمليات بين الحروب"، أي ضربات محدودة سيبرانية أو جوية أو بحرية، ترفع كلفة التموضع الإيراني دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة. أما أمريكا فتعطي أولوية لمنع الانتشار النووي، لكنها تتجنب حرباً شاملة، وإن كانت لا تستبعد ضربة محدودة محسوبة لزيادة الضغط.

 

ويكمن الخلاف بين أمريكا وكيان يهود في سقف المخاطرة؛ فكيان يهود يدفع نحو خيار القوة الوقائية، بينما تترك أمريكا الباب مفتوحاً أمام اتفاقيات مؤقتة أو تفاهمات مرحلية، حفاظاً على توازن أوسع في المنطقة.

 

ولكيان يهود أدوات ضغط داخل أمريكا، أبرزها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، التي تؤثر في الكونغرس عبر الدعم السياسي والضغط التشريعي، ولها تحالفات قوية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتستخدم خطاباً أمنياً يربط أمن كيان يهود بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. غير أن هذه الأدوات لا تفرض قرار الحرب، فالقرار الأمريكي يبنى أولاً على حسابات المصالح القومية الأمريكية.

 

وقد تلجأ أمريكا إلى ضربة قصيرة محدودة إذا رأت أن أدوات الضغط الدبلوماسي لم تعد كافية، على أن تكون محسوبة بدقة: كضربة جوية محدودة، أو صراع بحري، أو هجوم سيبراني، مع تحرك دبلوماسي سريع في مجلس الأمن، وتفعيل وساطات منذ اليوم الأول، وربما محاولة زيادة الضغط الداخلي على النظام الإيراني.

 

وفي النهاية، تبقى إيران في قلب معادلة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل خطوط الردع مع حسابات الهيبة، وتتقاطع المصالح الكبرى مع اعتبارات الداخل المثقل بالتحديات.

 

ليست المسألة سؤال حرب أم سلام فحسب، بل توازن دقيق بين القوة والكلفة، بين الطموح والقدرة، وبين الرسائل العسكرية وإشارات الدبلوماسية الخفية.

 

وتدرك أمريكا أن أي خطوة غير محسوبة قد تشعل رقعة تتجاوز الحسابات التقليدية، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة واستقرار المنطقة بأسرها.

 

لذلك يبقى المشهد أقرب إلى شدّ الحبل فوق الهاوية، حيث يختبر كل طرف صبر الآخر دون أن يقطع الخيط بالكامل.

 

ولا يبدو المستقبل مرسوماً بخط مستقيم، ويبقى السؤال مطروحاً: هل ينتصر منطق الردع البارد، أم تتغلب لحظات الانفعال على حكمة الحساب؟

 

فتحولات الشرق الأوسط لا تصنعها النوايا وحدها، بل موازين القوى وتغيراتها وحدود الاحتمال، وقدرة الحاضنة الشعبية على قلب الطاولة في أي لحظة إذا ما تبدلت المعادلات.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...