اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

 

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

 

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

 

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

 

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

 

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

 

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

 

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

 

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

 

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

 

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

 

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

 

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

 

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

 

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

 

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

 

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

 

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

 

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

 

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

 

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

 

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

 

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

 

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

 

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

  • الردود 455
  • Created
  • اخر رد

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    456

بسم الله الرحمن الرحيم

 

واقع الأمة الإسلامية اليوم

بين خذلان الأنظمة وواجب إقامة الخلافة على أنقاضها

 

في ظلال ذكرى هدم الخلافة، تمرّ الأمة الإسلامية، وخصوصاً في العامين الأخيرين، بمرحلةٍ استثنائية، عنوانها هو الخذلان وتكشّف أعداء الأمة والخاذلين لها. أمّا معنى الخذلان فهو أن يكون للمرء أو الدولة القدرة على نصرة الملهوف ثم لا ينصره، وهو كبيرة من الكبائر بدلالة الحديث الشريف: «مَنْ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَا يُصْبِحُ وَيُمْسِي نَاصِحاً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِإِمَامِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ» أخرجه الطبراني، وروى الإمام أحمد أن الرسول ﷺ قال: «وَأَيُّمَا أَهْلِ عَرَصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعاً، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ» وهذا عينُ ما حصل وما زال يحصل مع أهل فلسطين على مدار نحو ثمانين عاماً، وما زال الخذلان مستمراً إلى يوم الناس هذا، بل وامتد إلى السودان بعد أن مر على أهل بورما وتركستان الشرقية وكشمير وغيرها.

 

أمّا مَن الذي خذل الأمة عموماً، وأهل الأرض المباركة خصوصاً، فهم الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين وقادة جيوشها وكثير من علمائها ووجهائها، فهم من قال سبحانه وتعالى فيهم: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ولا نذكر هنا خذلان النظام الدولي، فهؤلاء قد تجاوزوا مراحل الخذلان إلى العداء وما بعده من الوحشية والبطش وضرب القيم النبيلة عرض الحائط، هذا بعد أن ارتد عن مبادئه التي طالما تغنى بها، مثل الحرية وحقوق الإنسان وحقوق الطفل والمرأة وغيرها، وإنما الحديث هنا عن خذلان الأنظمة القائمة في البلاد الإسلامية، بكل مكوناتها، لا عن الحكام فقط.

 

وأشكال خذلان هذه الأنظمة للأمة كثيرة منها:

 

أولاً: الحكم بغير ما أنزل الله، حيث تحكم هذه الأنظمة بالكفر، بأنظمة علمانية تفصل الدين الحنيف عن حياة الناس، ما استوجب نزول غضب الله سبحانه وتعالى عليها، وحوّل حياة الناس إلى جحيم على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية وفي جميع شؤونهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ وهذا ما جعل هذه الأنظمة والقائمين عليها إمّا كفاراً أو ظَلَمة أو فَسَقة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿... فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿... فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. والحكم بغير ما أنزل الله يعني عدم اتخاذ الإسلام نظاما ترعى شؤون الناس بحسبه، وأحكامه مقياساً لأعمال الأنظمة وواجباتها تجاه الأمة وقضاياها. ولأن هذه الأنظمة قطرية وطنية، فقد اتخذت القضايا القطرية والوطنية قضاياها الوحيدة، ولم تعتبر أي قضية خارج ذلك شأناً يعنيها، خلافاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، وخلافاً لمعنى وحدة الأمة وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات، وقد جاء ذلك في قوله ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه مسلم. ولذلك لم تجد هذه الأنظمة العلمانية القطرية أنّ من واجبها نصرة المسلمين، ولو كانوا من أهل الأرض المباركة فلسطين، فكان حالها كحال الأنظمة الغربية المعادية للأمة، فهي إما أنها ترقب المجرم وهو يفتك بالمسلمين ولا تحرك ساكنا، وإما أنها تدعم القاتل في جرائمه.

 

ثانياً: حبس الجيوش عن نصرة المسلمين وقضاياها ومنها قضية الأرض المباركة فلسطين، فالشكل الثاني من الخذلان هو حبس الأنظمة لجيوش المسلمين عن نصرة أهلهم المضطهدين في كل مكان ومنهم في الأرض المباركة فلسطين، وعن تحرير المسجد الأقصى من دنس يهود؛ لأنّ قضية فلسطين قضية عسكرية في المقام الأول، لا سياسية أو إنسانية فحسب. والقضايا العسكرية تُحسم بالعسكر، لا على طاولة المفاوضات ولا في أروقة جمعيات حقوق الإنسان أو منظمة الأمم المتحدة المتآمرة على الأمة، فلم تستنفر هذه الأنظمة أبناء الأمة من الجيوش الجرارة في البلاد الإسلامية لنصرة إخوانهم المضطهدين في فلسطين وكشمير وبورما وتركستان الشرقية وغيرها، وكيف تنتصر هذه الأنظمة للأمة وهي أنظمة علمانية عميلة للكافر المستعمر الذي يشن الحملة الصليبية تلو الحملة للنيل من الأمة؟! وكيف يشعر حكام هذه الأمة بما تشعر به الأمة من ألم وهم لا ينتمون لها، ومنهم من لا يتقن لغتها؟! فلا يفهم هؤلاء الحكام معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾. إن ذكر الخذلان العسكري لا يقتصر على الحكام فقط، على الرغم من كونهم المسؤولين الأوائل، بل يشترك معهم السياسيون والوزراء وقيادات الأركان وأجهزة المخابرات والأجهزة الأمنية، فهؤلاء جميعاً أصحاب نفوذ، وهم من يطلق عليهم كلمة النظام وهم من يملكون الأخذ على يد الحاكم الأول في البلاد. وهم الحكام بمجموعهم ضمن التشكيلة الديمقراطية لبلدانهم العلمانية، أو ما يطلق عليه بالسلطة التنفيذية. ولا يُقبل القول إنّهم ملتزمون بما فرضه عليهم الحاكم أو القانون الدولي، أو معاهدات التطبيع الخيانية؛ إذ المعلوم من الدين بالضرورة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما قال ﷺ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» رواه البخاري. كما أن الخذلان مخالفٌ للعقيدة العسكرية في الإسلام، ومخالف للقوانين الوضعية والأعراف الدولية، وقد ورد صريحاً في قرارات محكمة العدل والجنايات الدوليتين. لذلك كان خذلان الأنظمة كبيرة من الكبائر.

 

ثالثاً: خذلان العلماء والمشايخ والمؤثرين ورجال الأعمال وأهل الحلّ والعقد

 

قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ فهؤلاء هم بيضة القبان في المجتمع، ولا يستطيع أي نظام أن يتجاوزهم، فهم يسيطرون على مفاصل المجتمع، ويملكون القدرة على الأخذ على يد الحكام إن أرادوا. ومهما كان النظام طاغية، فهو لا يستطيع تجاوز هذه الشريحة القوية، التي تعادل قوتها قوة الجيوش والقبائل وغيرها. وقصة العز بن عبد السلام، الملقّب ببائع الملوك، دليل على قدرة العلماء، ليس على الأخذ على أيدي الحكام فحسب، بل وعلى بيعهم في سوق الرقيق. وكذلك وجهاء القبائل الذين يفرضون إرادتهم على أبنائهم في الجيوش وفي المناصب الحساسة، كما لا يخفى على عاقل دور أصحاب رؤوس الأموال وقدرتهم على التأثير على اختيار صناع القرار والتأثير عليهم. وقد حث الشرع على اتخاذ البطانة الصالحة، في دلالة على أهمية هذه الشريحة في صناعة القرار، وحذر من بطانة السوء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ فهذه الشريحة التي خذلت الأمة وأهل الأرض المباركة، ومنهم أهل غزة، تشارك الحكام في الإثم سواء؛ لأن ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجلب غضب الله، كما قال ﷺ: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشْكِنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عُقُوبَةً مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ». رواه أحمد والترمذي، فالسكوت يعمّ الجميع بالعذاب ويحرِم استجابة الدعاء.

 

العمل المطلوب الآن ودون تأخير

 

بعد أن تبيّن أصل الداء وأُسّ البلاء، وهو هذه الأنظمة وأذرعها، صار العلاج واضحاً، وواجباً شاخصاً عند الجميع، لا يختلف عليه اثنان، وخصوصاً المخلصون الذين تغلي الدماء في عروقهم من هول ما يرون، والذين يخشون يوم الحساب ويرجون رضوان الله وجنات عرضها السماوات والأرض. والواجب الواضح هو الإطاحة بهذه الأنظمة وأذرعها، وإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة على أنقاضها، ويتلخص العمل المطلوب في نقطتين:

 

أولا: تبنّي مشروع الخلافة

 

يجب على جميع المخلصين من مختلف شرائح الأمة، حركات وعلماء ومشايخ ورجال أعمال وأهل حل وعقد ووجهاء، تبنّي مشروع الخلافة الذي يدعو إليه حزب التحرير، واعتبار الخلافة على منهاج النبوة مطلباً لهم وللأمة. وقد أوضح الحزب معالم الخلافة وتفاصيلها في كتبه وإصداراته، وهي متاحة لكل من يبتغي وجه الله.

 

ثانيا: إعطاء النصرة من أهل القوة والمنعة

 

يجب على أهل القوة والمنعة من الضباط المخلصين في جيوش الأمة إعطاء النصرة لحزب التحرير، والإطاحة بجميع العروش الفاسدة، وكنس بطانتهم، وتخليص البلاد والعباد من أذرع الاستعمار والمنبطحين له. كما يجب على جميع الحركات والعلماء والمشايخ وأهل الحلّ والعقد ووجهاء الناس وعامة المسلمين مطالبة أهل القوة والمنعة بإعطاء النصرة للحزب، ومبايعة أمير الحزب العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة خليفةً راشداً في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

وأخيراً: إنّ النصر بيد الله وحده لا شريك له، وهو سبحانه ينصر من ينصره، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وعليه، فالعاملون المخلصون لهذا الدين يجب ألا يشكّوا في نصر الله لهم إذا أدّوا واجبهم؛ فالنصر وعد الله، وليست نُصرةُ هذا الدين منّةً على الله، بل هي واجب وشرف عظيم لا يناله إلا من كان أهلاً له، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

بلال المهاجر – ولاية باكستان

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

إيران ودورها الوظيفي لصالح أمريكا

 

 

إن ما تشهده إيران اليوم من اضطرابات ومظاهرات ليس حدثاً معزولاً، ولا انفجاراً عفوياً خارج سياق التاريخ السياسي للمنطقة، بل هو حلقة جديدة في مسلسل الصراع الدولي على بلاد المسلمين، حيث لا مكان للصدفة، ولا وزن لإرادة الشعوب في حسابات الدول الاستعمارية، وعلى رأسها أمريكا، رأس الكفر العالمي، وقائدة المشروع الاستعماري الحديث.

 

لقد أُسقط نظام الشاه عام 1979، ليس لأن الشعب الإيراني انتصر، ولا لأن الإسلام عاد إلى الحكم، بل لأن عميل بريطانيا انتهت صلاحيته، فاستبدلت أمريكا به نظاما آخر، في عملية نقل نفوذ استعماري محسوبة. فجاء الخميني ليؤدي وظيفة محددة وهي احتواء المدّ الإسلامي، وتفريغه من مضمونه السياسي، وتحويله إلى أداة تخدير لا أداة تغيير.

 

ومنذ أكثر من أربعين عاماً، أثبت نظام الملالي أنه نظام وظيفي بامتياز، لا يحكم بالإسلام، ولا يعمل لإقامة دولة الإسلام، ولا يحمل همّ وحدة الأمة، بل قام بدور خطير في تمزيق الأمة على أساس طائفي خبيث: تشويه فكرة الحكم بالإسلام وربطها بالاستبداد والقمع، وضرب الثورات المبدئية، وإجهاض أي حراك صادق، وحراسة أمن كيان يهود عملياً عبر إشغال الأمة بنفسها.

 

واليوم، حين تخرج التصريحات الأمريكية، وعلى رأسها تحذيرات ترامب لنظام إيران، فإنها لا تعكس قلقاً على المتظاهرين، بل إعلاناً صريحاً بتقليص دور إيران. فأمريكا لا تحذر أزلامها إلا عندما تقرر التضحية بهم، ولا تتباكى على الشعوب إلا حين تريد توجيه غضبها في المسار الذي يخدمها.

 

وعليه، فإن المظاهرات الجارية - رغم أن السخط الشعبي حقيقي ومشروع - ليست حراكاً مبدئياً واعياً، بل يجري استثماره وتوجيهه بعناية، تمهيداً لمرحلة جديدة من مراحل إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الأمريكية. أما مصلحة أمريكا من ذلك، فهي واضحة لا لبس فيها؛ فرض مشروع الشرق الأوسط الجديد بالقوة، بعد فشل كل محاولات الضبط الناعم. مشروعٌ يقوم على اجتثاث أي إمكانية لقيام حكم إسلامي، ومنع أي تغيير جذري، وتسليم زمام المنطقة أمنياً لكيان يهود، ليكون شرطيها، وحارس حدودها، وسيفها المسلط على رقاب المسلمين.

 

وفي هذا السياق، أعلنت أمريكا عملياً أنها لا تريد إسلاماً يحكم، ولا جهاداً يحرر، ولا أمةً تتوحد. لكن ما لا تدركه أمريكا، ولا تدركه أدواتها، أن الإسلام ليس لحية، ولا شعاراً، ولا نظاماً مذهبياً، بل هو عقيدة سياسية انبثق عنها نظام حكم ودولة وأمة. وأن محاولات الاحتواء والتبديل والتشويه، لن توقف حتمية الصدام بين مشروع الإسلام ومشروع الكفر.

 

إن حزب التحرير، وهو يكشف هذه المخططات، يؤكد أن التغيير الحقيقي لا يأتي عبر الشارع المُدار، ولا عبر الثورات الملوّنة، ولا عبر تبديل العملاء، بل عبر وعي سياسي مبدئي، يقوده الإسلام، وتُتوَّج ثماره بـإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تقتلع النفوذ الاستعماري من جذوره، وتحرر بلاد المسلمين، وتُنهي وجود كيان يهود، وتحمل الإسلام رسالة هداية وسياسة إلى العالم. ﴿وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾، وما بين مكرهم ومكر الله، تسقط المشاريع، وتُفضح الأدوات، ويبقى وعد الله حقاً، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(الضمان الاجتماعي):

بونزي القانوني الذي يبتلع أموال الناس!

 

يُطلب من الناس أن تؤمن، لا أن تفهم. أن تثق، لا أن تحاسب. وأن تصفّق لكلمة "التضامن أو الضمان الاجتماعي"، لكن عندما نجرّد أنظمة التأمين الصحي والتقاعد من اللغة الشعبوية التي يروج لها النظام، ونضعها على طاولة الحساب، يظهر سؤال واحد: ما الفرق الحقيقي بين هذا النظام ومخطط بونزي؟

 

سنناقشه من شقيه؛ الواقعي بالأرقام، والشرعي، وللإجابة يجب علينا معرفة ما هو نظام بونزي الاحتيالي:

 

مخطط بونزي ببساطة:

 

  • الداخل الجديد يموِّل المشترك القديم
  • لا قيمة حقيقية ولا استثمار حقيقي يغطي الالتزامات
  • الاستمرار مشروط بدخول مشتركين جدد
  • توقف الجدد = انهيار المخطط كله

بهذه الآلية يعمل مخطط بونزي.

 

أما الضمان الاجتماعي العمومي فيعمل بنظام "ادفع اليوم لتستفيد لاحقاً"

  • العامل اليوم يموّل المريض والمتقاعد اليوم
  •  
  • لا حساب فردي حقيقي (لا يوجد حساب خاص بك يُجمع فيه كل اشتراك لك ويُستثمر ليعود عليك لاحقاً، أموالك تُستخدم فورا لدفع مستحقات الآخرين (المتقاعدين أو المرضى)
  •  
  • لا تراكم كاف (الاعتماد على الجيل الحالي لدفع تراكمات الجيل السابق)
  •  
  • لا وعد بالاستدامة، فقط تأجيل (النظام لا يضمن أن ما يتم دفعه اليوم سيستمر بالطريقة نفسها غدا أو بعد 20 سنة)
  •  

هذا بتلخيص نظام بونزي والضمان الاجتماعي، والفرق بينهما أن الأول نظام احتيالي يستغل جهل الناس، والثاني مفروض بقوة القانون لتتنصل الدولة من واجبها الأصلي الذي هو رعاية شؤون الناس وتترك الناس يدفع بعضهم لبعض.

 

لنحللها بالأرقام والمعادلات حتى نلجم كل من لا يؤمن بالشرع:

 

هناك معادلة تسمى قانون التوازن المالي لأي نظام تقاعدي أو تأميني؛ ببساطة لا يمكنك توزيع المال بأكثر مما تحصل عليه يعني:

 

عدد العاملين * اقتطاع العامل = عدد المستفيدين * ما يحصل عليه المستفيد

فعدد العاملين هو الأكثر حساسية وتأثيرا، وهو يواجه تحديين رئيسيين:

 

  • التغيير الديموغرافي (شيخوخة السكان)
  • معدلات البطالة
  •  

يشهد النمو الديموغرافي تغيرا ملحوظا، خصوصا وفقا لآخر الإحصائيات في المغرب، حيث انخفض معدل النمو السكاني إلى 0.85٪ سنويا، كما تراجع معدل الخصوبة إلى 1.97 طفلا لكل امرأة. خلاصة هذه الإحصائيات أن المغرب تتقلص فيه نسبة الولادات وتزداد نسبة الشيخوخة.

 

أما معدل البطالة: فحتى لو كان البلد يمتلك شباباً فإن البطالة تخرجهم فعليا من المعادلة، فالعاطل لن يدفع أي اشتراك. وقد بلغ معدل البطالة الوطني حوالي 13.3% في 2024 ما يعني أن أكثر من 1.6 مليون مغربي في سن العمل هم خارج دائرة المساهمة في صناديق التقاعد.

 

المشكلة الحقيقية ليست في الرقم العام، بل في تركيبة العاطلين:

 

فئة الشباب (15-24): المعدل يقارب 38%

حاملو الشهادات: يصل المعدل إلى حوالي 19%

 

وهذه أرقام رسمية تعلنها الدولة، أما الواقع الفعلي فأعلى والكل يعلم واقع البلد.

 

لو طبقنا هذه الإحصائية على هذه المعادلة:

 

عدد العاملين * اقتطاع العامل = عدد المستفيدين * ما يحصل عليه المستفيد

فسنلاحظ أن عدد العاملين يتراجع طبيعيا بفعل انخفاض معدل الولادة وارتفاع البطالة، في حين عدد المستفيدين يرتفع بشكل تصاعدي ما يؤدي حتما إلى وقوع خلل في معادلة التوازن. وهذا بالضبط ما يقع في مخطط بونزي عندما يتقلص عدد الداخلين الجدد وتتضخم الالتزامات فتنفجر الفقاعة.

 

الفرق هو أن بونزي ليس له غطاء سياسي يحميه من الانفجار، عكس الضمان الاجتماعي الذي توفر الدولة له غطاء يحميه ويؤجل الانفجار عبر:

 

  • رفع سن التقاعد
  • خفض التغطية الصحية
  • تقليص العلاجات
  • زيادة الاقتطاعات
  • تحميل الشباب الفاتورة
  •  

وهذا تدوير للخسارة وليس إنقاذا!

 

هذا هو النظام الرأسمالي الذي يتنصل من أي دور حقيقي له على الناس، يتنصل من رعايتهم ويترك الرعاية لبعضهم بعضا، يتنصل ويترك الناس يدفع بعضهم لبعض عن طريق الضرائب.

 

هذا كان تبياناً لفساد (الضمان الاجتماعي) ولا يقتصر الإشكال على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى البعد الشرعي أيضاً.

 

ففي الشرع، يُشترط في عقود المعاوضات أن يكون العوض معلوما ومحددا. غير أنه في نظام (الضمان الاجتماعي): المشترك يدفع مبلغاً غير محدد، القيمة الإجمالية مرتبطة بسنوات عمله. والمنفعة التي سيحصل عليها مجهولة، فقد يموت قبل التقاعد فلا يأخذ شيئاً، أو يعمر طويلاً فيأخذ أضعاف ما دفع.

 

هذا التفاوت يجعل العقد يدور بين الغرم والغنم، وهو عين القمار المحرم، حيث يعتمد الربح أو الخسارة على المصادفة (طول العمر أو قصر الأجل أو المرض وعدم المرض). يقول رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» حديث صحيح أخرجه أحمد والبيهقي والدارقطني

 

في نظام بونزي يتم إغراء الناس بالربح أما في (الضمان الاجتماعي) فيتم انتزاع أموال الناس بالقوة؛ إجبار الجيل الجديد على سداد تكاليف الجيل القديم دون رضاه ودون ضمان حصوله على المنفعة هو أكل أموال الناس بالباطل.

 

إن الإسلام هو دين الله العظيم الذي ارتضاه لعباده وقد شرع فيه من الأحكام والتشريعات ما يكفل للإنسان جميع حاجاته الأساسية دون تمييز بين رضيع أو شاب أو شيخ، فجعل الدولة مسؤولة بشكل مباشر عن رعاية شؤون الناس كافة في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم بغض النظر عن مراحل أعمارهم. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» متفق عليه، وهذا ليس منة أو فضلا من الحاكم على الرعية بل هو واجب عليه يحاسب عليه إن لم يقم به.

 

وأخيرا، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾، فالعيش بدون الإسلام بوصفه منهج حياة ودستوراً هو ضنك العيش الذي نعيشه؛ فقد ابتغينا في الرأسمالية العزة فأذلنا الله وأذاقنا ضنك العيش، وابتغينا في الاشتراكية والشيوعية العزة فأذلنا الله وأذاقنا ضنك العيش... أفلم يأن لهذا الشعب أن يستفيق ويعلم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين الذين يرتضون أن يكون الحكم لله وحده؟!

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منار عبد الهادي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

توقيع مشروع "مجلس السلام" في دافو

سيُعدّ بمثابة إضفاء الشرعية على الإبادة الجماعية في غزة

 

في 21 كانون الثاني/يناير 2026، غادر رئيس أوزبيكستان شوكت ميرزياييف في زيارة عمل للمشاركة في مراسم توقيع مشروع "مجلس السلام" الذي يُعقد في دافوس بسويسرا، بدعوة من الرئيس الأمريكي ترامب. وفي 19 كانون الثاني/يناير، أعلن المتحدث باسم رئيس أوزبيكستان، شيرزود أسادوف، قبوله عرض ترامب بالانضمام إلى المجلس كدولة مؤسسة. وفي رسالته إلى ترامب، وصف ميرزياييف المبادرة بأنها "خطوة مهمة نحو حل النزاعات المزمنة في الشرق الأوسط وضمان السلام والاستقرار في المنطقة ككل".

 

تستند هذه المبادرة إلى "الخطة الشاملة" لإنهاء الصراع في غزة، والتي أقرها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وكما هو معلوم، تُستخدم قرارات الأمم المتحدة كوسيلة لإضفاء الشرعية على إرادة القوى الكبرى، ولا سيما أمريكا. وتسعى "مبادرات السلام" التي تقودها أمريكا - كما في حالة اتفاقيات أبراهام - إلى تغيير موازين القوى في المنطقة لصالح كيان يهود. أما مشاريع أمريكا في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا والسودان، التي نُفذت تحت شعارات (السلام والاستقرار والديمقراطية)، فقد خلّفت في نهاية المطاف القتل والقمع والاحتلال والدمار. ويتكرر السيناريو نفسه في قضية غزة. فالخطة التي أضفى عليها قرار مجلس الأمن الدولي الشرعية، لا تهدف في الواقع إلى إنهاء الاحتلال، بل إلى ترسيخه في شكل سياسي جديد؛ لأن المأساة في غزة هي نتيجة احتلال وعدوانية كيان يهود وسياسة أمريكا التي تدعمه. لهذا السبب، فإن خطط السلام التي يقترحها ترامب لا تهدف إلى حل النزاع، بل إلى إدارته. فأمريكا تُسلّح الكيان المجرم، وتُوفّر له الحماية السياسية، ثم تتحدث عن السلام! هذه ليست وساطة، بل هي حكمٌ محض. هذه الخطط لا تقضي على القمع والوحشية والمجازر، بل تُضفي عليها غطاءً قانونياً!

 

وإن إقحام الأنظمة الخائنة في البلاد الإسلامية في هذه الخطط البغيضة إنما هو تقاسم للمسؤولية وتخفيف للمقاومة. فأمريكا تريد تبرير جرائمها عبر حكام المسلمين العملاء. يوقعون باسم السلام، لكن هذه التوقيعات تُستخدم لتبرير إراقة دماء الأبرياء في غزة العزة.

 

مع أن الوثيقة التي ستُوقّع في دافوس تُسمى "سلاماً" على الورق، إلا أن جوهرها السياسي هو إضفاء الشرعية على نظام أمريكا الجديد في الشرق الأوسط وتجميد قضية غزة تحت السيطرة. وهي تتجاهل عمداً جرائم الاحتلال التي يرتكبها والحصار المجرم، والاعتداءات الوحشية، وسياسة العقاب الجماعي لأهل غزة.

 

على الرغم من أن النظام الأوزبيكي يروج لشعار "سياسة خارجية محايدة ومتوازنة" في سياسته الرسمية، فإن انضمامه إلى هيكل أطلقته أمريكا ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بمصالح كيان يهود، يُعدّ عملياً تخلياً عن الحياد. فعضويته في "مجلس السلام" تجعله شريكا مباشرا في سياسة أمريكا في الشرق الأوسط، ولا سيما في الجرائم المرتكبة في غزة. وسيفرض هذا القرار التزامات سياسية ومالية، بل وعسكرية، جسيمة على الدولة، منها:

 

1- الدعم الدبلوماسي: تعزيز أنشطة المجلس وإشراك دول أخرى. وبناءً على ذلك، سيتعين على أوزبيكستان دعم أنشطة المجلس على الساحة الدولية، وإضفاء الشرعية عليه، واتخاذ إجراءات دبلوماسية فعّالة لإشراك دول أخرى في هذا الهيكل. وهذا يعني عملياً أن تصبح داعمة للمبادرات الأمريكية.

 

2- الالتزام المالي: وفقاً للخطة، سيُنشئ المجلس صناديق دولية لإعادة إعمار غزة. وسيُكلّف الحصول على مقعد دائم مليار دولار أمريكي. وهذا عبء مالي ثقيل بالنسبة لدولة تعاني من مشاكل داخلية.

 

3- الالتزامات العسكرية والأمنية: سيُجبر أعضاء المجلس على إرسال قواتهم بذريعة نزع سلاح غزة وضمان الأمن. وهذا من شأنه أن يزيد من خطر انجرار أوزبيكستان مباشرةً إلى دوامة الصراعات العسكرية والسياسية.

 

إذا أخطئ في تصنيف المشكلة، فسيكون الحل خطأً أيضاً. تكمن المشكلة في غزة في وجود كيان يهود، وحلها هو القضاء عليه قضاءً تاما. إذا لم يُعترف بالمشكلة على حقيقتها، فإن جميع المبادرات لحلها لن تُسهم إلا في ترسيخها تحت ستار "سلام" زائف. لذلك، يتطلب الحل العملي لقضية غزة قوة سياسية قادرة على كنس كيان يهود من الأرض المباركة وطرد القوى التي تقف وراءه من البلاد الإسلامية. هذه القوة هي الخلافة الراشدة. لذا، يجب على المسلمين اتخاذ خطوات جادة لإقامتها راشدة على منهاج النبوة بقيادة حزب التحرير، الذي يعمل وفقاً للسيرة النبوية، رافضا السياسات الداخلية والخارجية للأنظمة الحالية التي تمليها القوى الاستعمارية. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد العزيز الأوزبيكي

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 سدّ النهضة سلاحٌ استراتيجي على نهر النيل

وامتحان وجودٍ للأمة وجيوشها

 

 

سدّ النهضة ليس مجرّد مشروعٍ هندسي لتوليد الكهرباء، ولا خلافاً فنّياً حول حصص المياه، بل هو سلاحٌ استراتيجي مائي موجه مباشرة إلى قلب مصر والسودان، إلى حياة الناس وزراعتهم وغذائهم وأمنهم. فحين يُمسك طرفٌ ما بمفاتيح النهر الذي تقوم عليه حياة أكثر من مائة وخمسين مليون إنسان، فإن الأمر يتجاوز الاقتصاد والبيئة إلى سؤال الوجود ذاته: من يملك قرار الحياة والموت؟ ومن يملك التحكم في شريان الأمة؟

 

لقد أثبتت السنوات الماضية أن السد لم يكن يوماً مشروعاً بريئاً، وأن مسار بنائه وفرضه وتشغيله خارج أي اتفاق ملزم يكشف عن نية استخدامه أداة ضغط وابتزاز وتهديد، لا سيما في ظل نظام دولي يجعل من المياه والغذاء أدوات حرب لا تقل خطورة عن السلاح العسكري.

 

يقع سدّ النهضة على النيل الأزرق، الذي يمدّ مصر بنحو 85% من مواردها المائية. وأي تحكّم في تدفّق هذا النهر، سواء عبر الملء أو التشغيل أو حتى التهديد بهما، يعني عملياً القدرة على خنق الزراعة، وتعطيش المدن، وضرب الأمن الغذائي، وخلق اضطرابات مجتمعية واقتصادية هائلة.

 

والخطر لا يتوقف عند التشغيل المتعسّف، بل يتفاقم عند الحديث عن احتمالات الانهيار أو التدمير الجزئي أو الكلي. فالسدّ يخزّن عشرات المليارات من الأمتار المكعبة من المياه، وانهياره لأي سبب كان سيُطلق موجة مائية مدمّرة تجتاح السودان أولاً، مدمّرة المدن والقرى والسدود، ثم تُحدث فوضى مائية قد تصل آثارها إلى مصر، مع خسائر بشرية واقتصادية لا يمكن حصرها. وهكذا يصبح السد قنبلة مائية موقوتة، وجوده خطر، وتشغيله خطر، وانهياره خطر، وكل ذلك يُفرض على الأمة فرضاً دون قدرة حقيقية على المنع أو الردع.

 

الدور الأمريكي صانع الأزمة لا وسيطا فيها

 

في خضم هذا الخطر، تخرج أمريكا لتعرض الوساطة، متقمّصة دور الحَكَم الحريص على الاستقرار. لكن الوقائع تُظهر بجلاء أن أمريكا هي المحرّك الرئيسي للأزمة، لا المتفرّج عليها.

 

فأمريكا كانت حاضرة في كل المراحل المفصلية للمفاوضات، وضغطت لإبقاء الملف ضمن مسارات تفاوضية عقيمة بلا نتائج ملزمة، ومنعت أي تحرك حاسم يغيّر ميزان القوى. فأمريكا في الواقع تستخدم السد كورقة ضغط دائمة على مصر والسودان، لإبقائهما في دائرة التبعية السياسية والأمنية.

 

إن ادّعاء الوساطة الأمريكية ليس إلا إدارة للأزمة لا حلّاً لها، وإبقاءً للسيف مسلطاً فوق رقاب الشعوب، بحيث يُستدعى عند الحاجة، ويُجمّد عند الحاجة، وفق المصالح الأمريكية وحدها. وهذا الأسلوب معروف في السياسة الدولية: صناعة الخطر ثم عرض الحماية منه.

 

إن أخطر ما في ملف سدّ النهضة ليس السد ذاته فحسب، بل العجز السياسي المفروض على الأمة، والتعامل مع قضية وجودية بعقلية المفاوضات المفتوحة إلى ما لا نهاية، وكأن الزمن ليس عاملاً قاتلاً!

 

فالمياه في الإسلام ليست سلعة ولا ورقة ضغط، بل حق وملك عام، ومنعها أو التحكم بها لإيذاء الناس يُعدّ عدواناً صريحاً. وقد قرر الإسلام أن ما تقوم به حياة الناس من ضروريات كالماء والغذاء تجب حمايته بالقوة إن لزم الأمر، لأن التفريط فيه تفريطٌ بالأنفس. كما أن القاعدة الشرعية تقرر أن (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). وحفظ النفس والأمة لا يتم هنا إلا بامتلاك القوة والقدرة والقرار الحقيقي، لا بالاستجداء السياسي ولا بالارتهان للوسطاء.

 

لقد أثبت الواقع أن السدود الكبرى تحوّلت في العصر الحديث إلى أسلحة جيوسياسية؛ فهي تتحكم في تدفّق المياه، وتُستخدم لفرض الشروط السياسية، وتشكّل تهديداً وجودياً عند النزاعات، كما تُعد أهدافاً عسكرية شديدة الحساسية.

 

ومن هنا، فإن وجود سدّ معادٍ على شريان حياة أهل مصر والسودان ليس مسألة سيادة إثيوبية داخلية كما يُروَّج، بل مسألة أمن استراتيجي إقليمي، بل مسألة حرب وسلام. والتاريخ العسكري يشهد أن الجيوش تحرّكت مراراً لمنع أخطار أقل من ذلك بكثير.

 

إن ما يجب تجاه قضية سدّ النهضة لا يقتصر على البيانات ولا المفاوضات، بل يتمثل في مسار واضح يعتبر السد تهديداً استراتيجياً مباشراً للأمة، لا ملفاً فنياً، ويرفض أي دور للوسيط الأمريكي الذي ثبت أنه جزء من المشكلة، ويعلنها صريحة أن التحكم بمياه النيل عدوانٌ على الأمة، يُعامل معاملة العدوان العسكري. ومن ثم تهيئة الأمة وجيوشها نفسياً وسياسياً لفهم أن حماية المياه كحماية الأرض والعِرض. وتحريك الجيوش، لأنها وُجدت لحماية الأمة، لا لحراسة حدود رسمها المستعمر، ولا للانشغال بالسياسة الداخلية. فالإسلام لا يقرّ أن يُترك عشرات الملايين تحت تهديد التعطيش أو الغرق أو الابتزاز، بينما تُكبّل الجيوش بقيود السياسة الدولية.

 

إن سدّ النهضة ليس اختباراً لمصر والسودان فحسب، بل اختبارٌ للأمة كلها: هل تقبل أن تُدار شؤون حياتها من خارجها؟ وهل ترضى أن يكون الماء أصل الحياة أداة إخضاع؟

 

لقد آن الأوان للخروج من وهم الوساطات، وفهم حقيقة الصراع، والعودة إلى ميزان القوة والشرع معاً. فالأمة التي لا تحمي ماءها، لا تحمي وجودها، والجيوش التي لا تتحرك لحماية حياة شعوبها، تفقد معناها وشرعيتها. فما بين نهرٍ يُخنق، وسدٍّ يُفرض، ووسيطٍ يخادع، يبقى الحكم لله، ويبقى الواجب على الأمة أن تأخذ بأسباب القوة، حتى تُصان الدماء، وتُحفظ الحياة، ويُقطع الطريق على كل سلاح يُرفع في وجهها، ولو كان من ماء.

 

كيف تتعامل دولة الخلافة مع قضية سدّ النهضة والسدود؟

 

إن دولة الخلافة، حين قيامها على منهاج النبوة، لن تتعامل مع قضية سدّ النهضة بوصفها نزاعاً فنياً أو ملفاً تفاوضياً طويل الأمد، بل تنظر إليها من زاوية حفظ الضروريات التي جاءت الشريعة بحمايتها، وفي مقدمتها حفظ النفس، وما لا تقوم النفس إلا به من ماء وغذاء وأمن.

 

فالمياه في الإسلام ملك عام، لا يجوز احتكاره ولا التحكم به لإيذاء الناس أو ابتزازهم، وقد جعل الشرع وليّ الأمر مسؤولاً مباشرة عن ضمان وصولها للرعية ومنع أي اعتداء عليها. ومن هنا، فإن دولة الخلافة تعتبر أي سدٍّ يُقام على أنهار الأمة ويُستخدم أو يُحتمل استخدامه للإضرار بها، عدواناً يجب منعه أو إزالته، ولا يُترك رهينة نوايا الخصوم أو تطمينات الوسطاء.

 

وتتعامل دولة الخلافة مع ملف سدّ النهضة عبر مسارات واضحة وحاسمة:

 

أولاً: تجريد القضية من الهيمنة الدولية، فلا تقبل بدور أمريكا ولا غيرها من القوى الاستعمارية كوسيط، لأنها أطراف متدخلة تسعى لإدارة الصراع لا حله، وتستخدمه أداة ضغط سياسي دائم.

 

ثانياً: فرض الحل الملزم شرعاً، وهو ضمان التدفق الآمن للمياه ومنع أي تحكم أحادي بها، فإن لم يتحقق ذلك بالاتفاق العادل الواضح، انتقلت الدولة إلى استخدام ما تملكه من قوة سياسية وعسكرية، لأن إزالة الضرر واجبة، ولا يُشترط فيها رضا المعتدي.

 

ثالثاً: التعامل مع السدود كسلاح استراتيجي، فتخضع لتقدير عسكري دقيق، وتُدرج ضمن حسابات الأمن القومي للأمة، كما تُدرج القواعد العسكرية والأسلحة الثقيلة، لأن أثرها قد يكون أوسع وأشد فتكاً.

 

رابعاً: حماية الشعوب لا الأنظمة، فدولة الخلافة لا تسمح بقيام منشآت تهدد حياة الملايين في السودان أو مصر أو غيرهما، سواء عبر التعطيش أو عبر خطر الانهيار والغرق، وتتحرك لمنع ذلك قبل وقوع الكارثة، لا بعدها.

 

خامساً: إعادة تعريف وظيفة الجيوش، فالجيوش في دولة الخلافة وُجدت لحماية الأمة ومقدراتها، لا لحراسة اتفاقيات الاستعمار ولا للانكفاء خلف حدود مصطنعة، وتُستعمل حين يتعين استعمالها شرعاً، بلا تردد ولا ارتهان.

 

وبهذا، تُغلق دولة الخلافة باب الابتزاز المائي نهائياً، وتُسقط استخدام السدود كسلاح سياسي، وتعيد للنيل ولغيره من أنهار الأمة مكانته كنعمةٍ، لا كسيفٍ مسلط.

 

إن قضية سدّ النهضة، في ميزان الإسلام، ليست أزمة تفاوض، بل مسألة سيادة ووجود وعدل، ولن تُحل جذرياً إلا بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تحكم بالإسلام، وتملك قرارها، وتحمل همّ رعاياها، وتعلم أن التفريط بالماء تفريط بالحياة، وأن السكوت عن العدوان ولو كان باسم التنمية جريمة لا يقرّها الشرع ولا ينساها التاريخ.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ

 

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الليثي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل

×
×
  • اضف...