اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

الميزان... ميزان الفكر والنفس والسلوك


Recommended Posts

الميزان - ميزان الفكر والنفس والسلوك - الحلقة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الأولى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدّر فهدى، الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، الحمد لله القائل: (هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنّة في بطون أمهاتكم)، الحمد لله القائل: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون). الحمد لله الذي أنزل كتابه الكريم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأرسل رسله عليهم الصلاة والسلام يبلغون رسالات الله ويبلغون الناس نظام ربهم الذي يصلح لهم ويصلحهم ويصلح أحوالهم.

 

والصلاة والسلام على خاتم النبيين، المبعوث رحمة للعالمين، الذي بلغ شريعة الله الخالدة إلى يوم القيامة، الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، الذي بلّغ نظامَ الله إلى الناس، وأوجده في واقع الحياة قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى، صلّى عليه الله وسلم تسليماً كثيراً، وجزاه خير ما جزى نبياً عن أمته. وبعد،

 

فالإنسان يختلف عن بقية المخلوقات التي تقع تحت الحس، ويتميز عنها، تميّز عنها باختصاصه بأحسن تقويم، وتميّز عنها بدوافعه السلوكية وبخاصة غريزة التدين، وتميّز عنها بعقله الذي يستطيع من خلاله التمييز بين الأشياء والحكم عليها ضمن حدود عمله وإمكاناته. وهذه المميزات تكسبه الميزة الكبرى، وهي ميزة الاستخلاف في الأرض، ميزة الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، ميزة تحمّل المسؤولية التي قبل الإنسان أن يحملها على عظمها.

 

ولكن المشاهد المحسوس على البشرية أنها تنحرف وتضلّ بغير اتباع نظام الله تعالى، ويشيع فيها الظلم والاستبداد، والتعاسة والشقاء، يستعبد الناس بعضهم بعضاً، ويأكل القوي فيهم الضعيف، وتشيع فيهم مقاييس لا تصلح لإقامة العدل بينهم، مقاييس تنبع من الميول والأهواء، وتنبع من رغبات فئة معينة فيهم، ويغلفون تلك المقاييس النابعة من ميول فئة معينة في المجتمع يغلفونها بأوصاف برّاقة خدّاعة كالديمقراطية ورأي الأكثرية، ولا تختلف في ذلك عن الجاهلية الأولى إلا في التسميات والأوصاف. وبهذا الانحراف في المقاييس تنحرف عن الميزة الأساسية، ميزة حمل الأمانة.

 

إن مقاييس البشر وحدها بعيدةً عن نظام الله تعالى؛ مقاييسُ محدودةٌ لا تصلح لتحقيق ميزة الأمانة وتحمل المسؤولية في الكون، وبيان ذلك:

 

أن مقاييس الإنسان المجردة لا تأتي إلا من إحدى جهتين، هما:

 

  • غرائزه وحاجاته العضوية وما ينتج عنها من مشاعر وميول عقله

  •  

أما الغرائز والحاجات العضوية فإنما هي دوافع داخلية تدفع صاحبها للإشباع، ويصاحبها في العادة شعور معين، وهي مجرد دوافع لا تحدّد للإنسان نوع الإشباع أو كيفيته، بل إن اختيار نوع الإشباع أو كيفيته يختارها العقل، وانسياق الإنسان وراء الدافع هو هذا الذي يُعبَّر عنه بالأهواء، وهو الشيء الذي يحصل مع الحيوان حين يثور لديه دافع غريزي، أو حاجة عضوية، فإنه يندفع للإشباع دون تمييز ودون مقياس للإشباع، بل هو مفطور على أن يندفع للإشباع بمجرد تحرك الدافع لديه.

 

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثانية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

يقول الحق جل وعلا: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ

 

وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ {14} قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)، فالله سبحانه وتعالى أخبر أن الإنسان زُيِّنَ له حب الشهوات، وذكر منها النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والزرع، وأخبر أن كل ذلك إنما هو متاعٌ قليل زائل من متاع الحياة الدنيا، وأن حسن المآب والمرجع إنما هو عند الله تعالى، حيث هناك الجنات التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، وهم فيها خالدون، وفيها الأزواج المطهرة من كل عيب، وفوق ذلك كله الرضوان من الله سبحانه، وهو سبحانه بصير بالعباد مطلع على أعمالهم.

 

ويقول سبحانه وتعالى: (} فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فإن الفطرة السليمة التي فطر اللهُ الناسَ عليها هي الدينونة لله سبحانه، الذي هو الدين الحق، وأنه لا تبديل لخلق الله، فالإنسان هو الإنسان منذ الإنسان الأول آدمَ عليه السلام، وحتى آخر بشر تقوم عليه الساعة يوم القيامة، مفطور على إقامة وجهه للدين الذي ارتضاه الله سبحانه، حنيفاً مائلاً عن الباطل إلى الحق، وهذا هو المقياس الصحيح والميزان الحق، وختم الله سبحانه قوله ذاك بقوله: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، وسنرى بعد قليل موقع العقل في الحكم على الأشياء في بحث الجهة الثانية من جهات الحكم عند الإنسان المجرد من نظام الله تعالى.

 

فغرائز الإنسان، وحاجاته العضوية ما هي إلا مجرد دوافع للسلوك والإشباع، وليس فيها مقياس للإشباع الصحيح، ولا فيها توجيه لسلوك دون غيره، وإنما تدفع الإنسان ليبحث عن المشبع الصحيح، والميل المصاحب للدافع، أو أن الدافع قد يكون مجرد ميل نحو شيء معين، فإن اتبع الإنسان هذا الميل دون محاكمة عقلية مستندة إلى مرجعية صحيحة كان قد اتبع هواه.

 

والهوى أو الميل متقلب لا يستقر على شيء، بل إنه يدفع صاحبه إن سار بحسبه فقط إلى التخبط في مستنقعات الشهوات، ويعيش حياة الشقاء في الدنيا، ويكون مصيره النار في الآخرة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حفّت النار بالشهوات)، ويقول الحق سبحانه وتعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال: كذلك أتتك أياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى).

 

أما العقل فإن حكمه على الأشياء مقيّد بآليات عمله، وبمعرفة أركان عملية التفكير: الواقع، الحس، الدماغ الصالح للربط، المعلومات السابقة، ندرك أنه مقيّد في أحكامه بقدر قوة هذه الأركان أو ضعفها، فإن ازدادت معلوماته السابقة المتعلقة بالواقع المبحوث قوي حكمه عليه، ولكنه لن يصل إلى حد الإطلاق لمحدودية معلوماته السابقة مهما بلغت، ولن يصل فيها إلى حد الإحاطة المطلقة. وإن تكرّر الإحساس مرتبطاً بالفكر تكوّن لديه الإحساس الفكري، لكنه لن يصل إلى الإحساس المطلق، وإن استخدم في حياته كل أنواع الربط وكررّها فإنه يصل إلى مستوى عال من قوة الربط وسرعته، ولكنه سيبقى محدوداً، وإن اطلع على وقائع كثيرة ارتفع لديه مستوى الإحاطة، ولكنه لا يمكن أن يصل إلى الإحاطة المطلقة، لعدم قدرته على الإحاطة بالوقائع السابقة على وجوده ولا التالية لوجوده.

 

وتبعاً لمحدودية عناصر عملية التفكير عند الإنسان فإن الحكم الناتج عنها يكون عرضةً للاختلاف والتفاوت والتناقض إضافة إلى التأثر بالبيئة.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثالثة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

وحكم العقل البشري على الأشياء من جهة وجودها أو عدمه حكم قطعي لتعلقه بالحس المباشر، والحس الصحيح المباشر لا يخطئ، فالحكم من جهة وجود المحسوس قطعي، بصرف النظر عن ماهيته، لأن الحكم على الماهية يتعلق بالمعلومات السابقة، أما الحكم على الوجود فلا يتعلق بالمعلومات السابقة.

 

ويستطيع العقل البشري أن يحكم على الأشياء من جهة موافقتها لطبعه أو منافرتها له، من جهة محبته لها وكرهه إياها، وهذه يختلف فيها الناس بحسب طباعهم وعاداتهم.

 

أما الحكم على الأشياء من جهة الحسن والقبح، أي من جهة الأخذ والترك، فإن العقل لا يملكها، لأن هذه تحتاج إلى مقاييس مطلقة لا يملكها الإنسان، وإن حكم عليها فإنما يحكم من جهة موافقة الطبع أو منافرته، أو من جهة المحبة والكره، أو من جهة منفعتها أو مضرتها كما يراها، ولذلك نجد الناس يختلفون في أحكامهم على الأشياء من جهة الأخذ والترك، أي الحسن والقبح.

 

يقول الله سبحانه وتعالى: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حلالاً وحراماً، قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون؟).

 

ويقول سبحانه وتعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون). فعلم الناس متعلق ببعض ظاهر الحياة الدنيا، ولا يتجاوزه إلى غيره، فلا يصل إلى مستوى العلم الحقيقي المطلق بالحياة الدنيا، ولا العلم بالآخرة، فهي فوق إدراك البشر وفوق إحساسهم.

 

وقد يقول قائل: نظراً لهذا الواقع في الحكم عند العقل البشري فالصواب أن يؤخذ رأي الأكثرية، أو الأغلبية، أو رأي مجموعة من الناس، أو لجنة من المتخصصين. والجواب عن ذلك أن أي رأي يؤخذ من البشر إنما يصدر إما عن عقل بشري، وإما عن مشاعر بشرية، وقد بينا افتقار الإنسان لمقاييس مطلقة للحكم على الأشياء من جهة الأخذ والترك، حتى لو اتفق على هذا الرأي أو الحكم اثنان أو ثلاثة أو مئة أو ألف أو ملايين، وتكون موافقة من وافق إما لموافقة الرأي لهواه أو طبعه، أو لحكم عقله أنه أحسن من غيره، أو دفعاً للخلاف، وليس لأنه الصواب والحق.

 

والمشاهد المحسوس هو الشقاء الذي وصلت إليه البشرية نتيجة لاتباع ما يسمونه برأي الأكثرية أو الأغلبية، ومشاهد محسوس أيضاً تغيير القوانين وتعديلاتها مع الزمن، لأنها –على حد قولهم- أصبحت لا تناسب العصر، ولا تغطي حاجات الناس، ولكن الحقيقة هي لأنها من وضع عقول قاصرة ناقصة عاجزة، لا تمتلك المقاييس المطلقة للحكم على الأشياء من جميع الجهات.

 

انظروا معي إلى قوم لوط في قولهم الذي نقله الله تعالى عنهم: (أخرجوا آلَ لوطٍ من قريتكم إنهم أناس يتطهرون)، فانظروا كيف صار التطهّر جريمة، وصار الفجور كرامة وشرفاً، والفجور نفسه نراه اليوم في برلمانات عدد من دول العالم، تقرّه عقول البشر الناقصة القاصرة، فصار إتيان النوع الواحد فاعلاً أو مفعولاً حقاً شخصياً، وحرية شخصية، وهو مما تأباه نفوس الحيوانات ولا تقوم به فضلاً عن الفطرة البشرية السليمة، وصارت الخمرة حرية شخصية، وكذلك الخنزير، وصارت البنوك الربوية هي لحركة الاقتصاد بزعمهم، مع أن الأزمة المالية العالمية التي بدأت ولم ولن تنتهي كانت البنوك الربوية سبباً رئيساً فيها.

 

وهؤلاء قوم نوح يقولون لقومهم: (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)، فبحسب مقاييسهم البشرية الضيقة جعلوا من الرسول الذي يحمل لهم المقاييس الصحيحة ضالاً، وجعلوا من أنفسهم مهتدين، وهؤلاء قوم عاد يخاطبون نبيهم هوداً عليه السلام بقولهم: (قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) يتهمون رسولهم الذي يحمل إليهم المقاييس الصحيحة بالسفاهة والكذب، وهم السفهاء باتباعهم ما وجدوا عليه آباءهم من الضلال والسفه. وهذا فرعون الذي ادّعى السداد والصواب والحق، يقول لقومه: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، ويقول عن موسى عليه السلام: (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون)، وهؤلاء حكام اليوم يتهمون كل من خالفهم بأنه يحمل (الفكر الضالّ)، وهؤلاء سدنة الأنظمة المتسلطة في بلاد المسلمين يتهمون كل من يعمل لإعادة الإسلام والحكم به بالفرية التي علمهم إياها كبيرهم بوش فرية الإرهاب، وأصبحوا يتهمون كل من يعمل لإعادة الإسلام بأنه إرهابي، ولم يبق إلا أن يقولوا: أخرجوا المتقين العاملين للإسلام من قريتكم إنهم أناس يتطهرون..

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الرابعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

فكرة الحل الوسط

 

ومما ابتليت به أمة الإسلام اليوم ومنذ غياب دولة الإسلام دولة الخلافة وغزيت به فكرة الحل الوسط المنبثقة عن المبدأ الرأسمالي الوضعي، الحل الذي ليس هو بحل، وإنما هو تقريب بين وجهات النظر، وما هو إلا محاولة ترضية للطرفين، وما هو بإنصاف ولا بإحقاق حق، وما الحل المأخوذ بواسطة فكرة الحل الوسط إلا حل واقعي.

 

 فكرة الواقعية

 

 مما ابتليت به أمة الإسلام، فكرة الواقعية، وهي الفكرة التي تجعل الواقع مصدراً للتفكير وليس موضعاً للتفكير، وما الواقع في الحقيقة إلا محلّاً يتنزل عليه الفكر لإصلاحه وتغييره، ولم يكن الواقع يوماً مصدراً للفكر، إذ إن محل التفكير البشري هو الواقع، تنقله الحواسّ إلى الدماغ فيربطه الدماغ بما لديه من معلومات سابقة عنه ليصدر عليه حكماً، أما أن يؤخذ الحكم من الواقع فما هو إلا إخلاد إلى الأرض، كمثل ذلك الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها واتبع هواه، ولاتباعه هواه وإخلاده إلى الأرض أبى الله تعالى أن يرفعه بالآيات، فصار مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.

 

إن هذا الكون بما فيه من جماد وحياة وإنسان مخلوق لخالق خلقه من العدم، وبهذا الوصف المحسوس لكل عاقل وقّاف عند الحق نشأت العلاقة بين هذا الكون بما فيه مع خالقه سبحانه وتعالى، وهي صفة المخلوقية، وهي الناحية الروحية فيه، ولكن من يدرك هذه الناحية الروحية في نفسه وفي غيره مما حوله؟ إنه الإنسان الذي يؤمن بالله سبحانه وتعالى خالقاً لهذا الكون، ومدبراً له، ومنظماً لشؤونه، إنه التقي الذي يتحرّى الحكم الشرعي في كل أعماله، فيتحقق لديه السمو الروحيّ، ويسير في حياته من عليّ إلى أعلى، وبإدراكه صلته بخالقه سبحانه وتعالى وبملاحظة هذه الصفة فيه؛ صفة المخلوقية؛ باستمرار، وإدراكه عظمة خالقه سبحانه، وبالغ حكمته، وعظيم تدبيره، وواسع لطفه، يرتقي بنفسه وذاته وروحه لأعلى المراتب، ويصبح ولياً من أولياء الله تعالى بإيمانه وتقواه، إن عاداه أحد آذَنَه الله تعالى بالحرب، أولئك الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله، ذلك الفوز العظيم.

 

أولئك الذين يتقربون إلى الله تعالى بما فرضه عليهم من أحكام شرعية متعلقة بعلاقتهم بأنفسهم، وبعلاقتهم بخالقهم، وبعلاقتهم بغيرهم من الناس، يتقربون إلى خالقهم بأحب شيء عنده، وهو الفرائض، ويزدادون تقرباً بالنوافل حتى يحبهم الله، فيكون سبحانه سمعهم الذي يسمعون به، وبصرهم الذي يبصرون به، وأيديهم التي يبطشون بها، وأرجلهم التي يمشون بها، وإن سألوه أعطاهم، وإن استعاذوه أعاذهم.

 

إن مقاييس العدل والقِسط ليست في مُكنةِ البشر إلا بالتزام نظام الله تعالى، فهم فاقدو الإحاطة، يقول سبحانه وتعالى عن الكفار: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولـمّا يأتهم تأويله)، فهم لم يحط علمهم بالقرآن ولا بما فيه. وينعى عليهم تكذيبهم به مع واقعهم هذا. ويقول الخضر لموسى عليهما السلام: (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً)، فعدم الإحاطة بالأمر تفقد الإنسان الصبر عليه، والمحيط علمهُ بكل شيء هو الله تعالى، فما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبةٍ في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، وهو الذي يعلم ما في البر والبحر، وهو الذي عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وهو الذي يصوّرنا في الأرحام، أما البشر فلا تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت، والله سبحانه هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، وهو الذي وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، وهو العلي العظيم. وهو الذي يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى. علمه مطلق، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ).

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الخامسة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

أما علم الإنسان فمحدود، لتعلقه بأدوات محدودة، الحواس: سمعاً وبصراً ولمساً وذوقاً وشمّاً، الدماغ المحدود في إمكانية عمله ومحدودية خاصية الربط فيه، والمعلومات السابقة بكمها القليل مهما بلغت عند الإنسان فإنها لا تصل إلى الإحاطة ولا تقاربها، ولا يستطيع أن يفكر إلا فيما يقع عليه حسه، فالغائب عن حسه ليس لديه القدرة على التفكير فيه.


البشر والموازيين المادية


ولننظر إلى البشر في تعاملاتهم مع أنفسهم لضبط هذه التعاملات، وتعاملاتهم مع ما حولهم من أشياء لوصف مختلف الوقائع، نجد أنهم لا يستغنون عن الميزان، والمقاييس بمختلف أنواعها، ونجدهم يخترعون مقاييس وموازين لكل ما يجدُّ في حياتهم، ففيما يُوزن يستخدمون الكيلوغرام وأجزاءه ومضاعفاته، وفي المسافات يستخدمون الكيلومتر وأجزاءه ومضاعفاته، وفي الطاقة الكهربائية يستخدمون الواط ومضاعفاته وأجزاءه، وفي المكيل يستخدمون الصاع واللتر، وفي الملابس يستخدمون قياسات خاصة، وفي الحرارة يستخدمون مقياس الحرارة بأنواعه، وفي الضغط الجوي يستخدمون مقاسات خاصة، وفي السرعة كذلك، وفي التسارع والتباطؤ، وفي الطب يستخدمون النسب، نسبة السكر وضغط الدم ونسبة الدهون والحديد... وغير ذلك, وفي مختلف العلوم يستخدمون في كل علم قياسات خاصة يصفون فيها مختلف الوقائع المتعلقة بذلك العلم، ففي الفيزياء يقيسون الجاذبية والضغط والحرارة والقوة والقدرة والطاقة والسرعة والتسارع والتباطؤ والزمن والجهد والفولتية والتوصيل والتدفق الكهربائي والمغناطيسي والموجات وغير ذلك ,, المئات أو الآلاف من المقاييس لضبط الأعمال والدراسات والصناعات الناتجة عن ذلك.

 

وفي الكيمياء يستخدمون أوزاناً ومقاييس ومعادلات مختلفة متعددة، وفي الرياضيات يستخدمون قياسات ومصطلحات ومعادلات للتعبير عن مختلف الوقائع والتعامل معها، وفي الجيولوجيا والفلك، والهندسة بفروعها، وفي كل العلوم التطبيقية.

 

أما العلوم العقلية أو النظرية أو الإنسانية فحدّث عن المقاييس ولا حرج، ففي اللغة بمختلف علومها يستخدمون المقاييس والمصطلحات المختلفة، وفي الفقه وأصول الفقه والتفسير، وفي علم الحديث مصطلحات ومقاييس كثيرة متعددة، وفي بحوث النفس والتربية والمجتمع والإدارة والاقتصاد والمحاسبة وغيرها، لا يخلو أيُّ علم من العلوم من موازين ومقاييس ومصطلحات خاصة، فلماذا؟ وهل تستقيم حياة الإنسان بغير تلك الموازين والمقاييس والمصطلحات؟ وهل من الممكن أن يتصور أن تكون الحياة المادية والعلمية لا تستغني عن الموازين والمقاييس والمصطلحات، ثم يستغني الإنسان في فكره ونفسيته وسلوكه عن مثل تلك الموازين والمقاييس والمصطلحات؟؟

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة السادسة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

حاجة الإنسان إلى الميزان في فكره وسلوكه ونفسيته:

 

إنَّ الإنسان –الخليفة في الأرض- أحوج ما يكون في فكره ونفسيته وسلوكه إلى الميزان والمقياس والمصطلحات، وذلك أنه:

 

1- المخلوق المحسوس الوحيد الذي لم يُفرض عليه نظام فكري أو نفسي أو سلوكي وهو العاقل الوحيد في المحسوسات، بخلاف باقي المخلوقات المحسوسة، فكل المخلوقات المحسوسة لها نظامها المفروض عليها، وتسير بحسبه، ذلك انها مسخرة للإنسان لينتفع منها في حياته، فليس لها اختيار، وليست عاقلة، فالجمادات تسير بحسب خواص وقوانين لا تتخلف، والنباتات تسير بحسب خواص وقوانين لا تتخلف، والحيوانات والطيور تسير بحسب خواص وقوانين لا تتخلف، هذا هو نظامها خواص لا تتخلف، ينتج عنها قوانين (علاقات) لا تتخلف، لكن الإنسان في فكره ونفسيته وسلوكه مختار، جُعل له أن يختار فكره، وتنظيم نفسيته وسلوكه، فلا بد لهذا التنظيم من موازيين ومقاييس ومصطلحات تحكم فكره ونفسيته وسلوكه.

 

2- الإنسان هو المخلوق المحسوس الوحيد الذي تنشأ مشكلات عن أي خلل في فكره ونفسيته وسلوكه، وبيان ذلك:

 

- من ناحية فكره: 

 

* نرى أن الفهم الخاطئ للواقع ينتج لديه خلل في التعامل مع هذا الواقع، فمثلاً تصور المجتمع على أنه مجرد أفراد ينتج عن هذا التصور خطأ في معالجته، فيرى صاحب هذا الفهم الخاطئ أن إصلاح أي خلل في المجتمع يكون في إصلاح الأفراد، فيقضي عمره وهو يحاول إصلاح الأفراد، وهو يرى ويشاهد أن الخلل يستمر ويكثر ويزداد بل ويتضاعف، فسوء التشخيص أنتج خطأ الحكم الصحيح، وخطأ الحكم الصحيح أنتج سوء المعالجة.

 

* ونرى أن الفهم الخاطئ لواقع التفكير أنتج خللاً في معالجته وفي تنميته، في التربية والنفس وغيرها، فلَّما استبعد الشيوعيون المعلومات السابقة من شروط عملية التفكير نتج عن ذلك أفكار كثيرة خاطئة منها استقلال الإنسان المخلوق عن خالقه الذي أعطاه المعلومات السابقة عندما خلقه،  وعدم اعتبار الحواس شرطاً في عملية التفكير أنتج افتراض علاقات مع مخلوقات غيبية، وافتراض تأثير هذه المخلوقات الغيبية على الإنسان بإحداث الأذى والضرر فيه، وزعموا أنها تسيطر عليه وعلى فكره ونفسيته وسلوكه.

 

* ونرى أن الفهم الخاطئ لواقع المصلحة جعلها غاية عند كثير من الناس، بدل أن تكون علاقة تحتاج إلى تنظيم وتحتاج إلى مقاييس تنظمها وتضبطها.

 

* ونرى أن الفهم الخاطئ لمفهوم التوكل جعله إما تواكلا عند بعض الناس، وإما أخذاً بالأسباب عند آخرين، ففقد هذا المفهوم تأثيره الإيجابي الذي يجعل الإنسان مرتبطاً ارتباطاً دائميا بالله سبحانه وتعالى مستعيناً به، ويجعله يملك من الطاقات والقدرات الفاعلة ما تقارب المعجزات كما حصل مع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابيعهم بإحسان.

 

* ونرى أن الفهم الخاطئ لفكرة الشورى أوجد عند كثير من الناس خلطاً بينها وبين حق التشريع فأطلقوا الشورى التي هي لأخذ الرأي بتفصيلات شرعية محددة, أطلقوها في كل شيء، فجعلوا التشريعات التي هي حق الله تعالى جعلوها محلاً للتشاور والحكم العقلي والتصويت عليها، وبالفهم الخاطئ لمفهوم الشورى اعتنق كثير من الناس فكرة الديمقراطية المناقضة لعقيدة الإسلام.

 

إضافة إلى العشرات بل المئات من الأفكار والمفاهيم الخاطئة الناتجة عن خطأ فهم واقعها وعدم التفكير السليم والنظرة الصحيحة لكيفية الحكم على الواقع، ولعل الله سبحانه يمُنُّ علينا بإمكانية التفصيل في ذلك في بحث الميزان إن شاء الله.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة السابعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

قلنا إن الإنسان هو المخلوق المحسوس الوحيد الذي تنشأ مشكلات عن أي خلل في فكره ونفسيته وسلوكه، وذكرنا أمثلة على فكره، والآن من ناحية نفسيته.

 

ب- من ناحية نفسيته:

 

  • الفهم الخاطئ لواقع النفس عند الإنسان أنتج كثيراً من الأخطاء في التعامل معها، وفي العيش، وكذلك أفقد الإنسان العيش الهنيء، الخالي من القلق والاضطراب والتوتر والشقاء.

  •  
  • فالفهم الخاطئ لواقع الغريزة وعدم التفريق بينها وبين الحاجة العضوية، وعدم فهم واقع كل منهما من جهة الإثارة وكونها داخلية في الحاجات العضوية أنتج خللاً في المعالجة، وخطأ في النظر إلى الحاجات الأساسية للإنسان، وخطأ في إيجاد الإثارة لمختلف الغرائز ومظاهرها في الحياة العامة.

  •  
  • والفهم الخاطئ لواقع الغريزة من جهة حتمية الإشباع أوقع الباحثين في النفس في خطأ النظرة إلى المشاكل الناتجة عن عدم إشباع الغرائز ومظاهرها، فظنوا أن عدم إشباع مظهر غريزي ما يُوقع الإنسان في الأمراض النفسية أو الجسمانية، ونتج عن ذلك خطأ معالجة الخلل في التشريعات والقوانين.

  •  
  • والفهم الخاطئ لواقع المظهر الغريزي أنتج خلل عدم التفريق بين الغريزة ومظهرها، ففقدوا بذلك إمكانيات معالجة بعض المظاهر ببعضها.

  •  
  • والفهم الخاطئ لضرورة تنظيم الغرائز وإشباعات مظاهرها التنظيم الصحيح أوقع الناس في فوضى الغرائز، أوقعهم في الشقاء والأمراض النفسية.

  •  
  • والفهم الخاطئ لغريزة التدين، وجعلُ التدين أمراً فردياً أوقع كثيراً من الناس في أخطاء إشباعها، فانصرف كثير من الناس إلى تقديس الأشخاص أو الأفكار، والبحث عن العجائب والغرائب والسعي نحو الأرقام القياسية.

  •  
  • والفهم الخاطئ لمفهوم الدافع عند الإنسان جعل منه -أي من الدافع- مقياساً لإشباعه، وليس مجرد دافع يدفع الإنسان ليبحث عن المشبع الصحيح بمقياس صحيح.

  •  
  • والفهم الخاطئ لواقع الشعور والميل عند الإنسان وعدم فهم واقع العلاقة بين الفكر والنفس أوقع الناس في الخطأ في كيفية بناء النفسية، فحدث الانفصام في شخصيات كثير من الناس، تنتابهم مشاعر وأحاسيس لا يجدون لها مفهوماً يتعلق بها وينظم إثارتها وإشباعها، فيعيشون القلق والاضطراب.

  •  

كما أوقع الناس في خطأ معالجة ذلك الانفصام، وانصرفوا عن البحث عن المفهوم الصحيح المتعلق بذلك الشعور إلى حلول ترقيعية كالتسلية وقضاء الوقت في أعمال أخرى ونسيان تأثير ذلك الشعور.

 

ج- من ناحية سلوكه:

 

والفهم الخاطئ لحقيقة السلوك عند الإنسان أدّى بدارسي النفس والتربية والسلوك إلى قياس الإنسان على الحيوان، يُجرون التجارب على الحيوان ثم يحاولون تعميم نتائجهم على الإنسان مع الفارق الكبير بين سلوك الإنسان وسلوك الحيوان, مع أن سلوك كل منهما ينتج من دافع غريزي أو دافع من حاجة عضوية، ولكنهما يختلفان في وجود العقل المميز عند الإنسان، فاختلفا من هذه الجهة.

 

بل ودفعهم الفهم الخاطئ لحقيقة السلوك الإنساني أن أخضعوا الإنسان للتجربة، يعرضونه لظروف الاختبارات ليقيسوا سلوكه مع مختلف الظروف،

 

وغفلوا عن حقيقة ارتباط سلوك الإنسان بمفاهيمه، وليس بدوافعه السلوكية وحسب.

 

والفهم الخاطئ لحقيقة سلوك الإنسان كان من نتائجه أن شَرَّقَ علماء النفس والتربية والاجتماع وغرَّبوا محاولين تفسير سلوكات تصدر من البشر، مغفلين ارتباط السلوك بالمفهوم، ولو أدركوا هذه الحقيقة لاختلف الأمر عندهم.

 

والفهم الخاطئ لحقيقة سلوك الإنسان أدّى بعلماء النفس وعلماء النقد الأدبي إلى افتراضات لا أساس لها في تفسير الموهبة عند الإنسان، فافترض فريق منهم أن الموهبة تولد مع الإنسان، كما أدّى الفهم الخاطئ لحقيقة السلوك الإنساني ببعض علماء الجريمة إلى افتراض تأصّل الجريمة في طبع الإنسان، بل وافترضوا أن بعض الناس يرثون الجريمة من آبائهم.

 

والفهم الخاطئ لحقيقة سلوك الإنسان أدّى ببعض الناس إلى التنصُّل من مسؤوليتهم تجاه أفعال صدرت منهم مبررين ذلك بمبررات واهية، كأن يقول أحدهم: رغماً عني، وآخر: مكتوب عليّ، وثالث: يفترض مؤثرات غيبية، ورابع.. وخامس.. وهكذا.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثامنة

 

 

1- يشترك الإنسان مع الحيوان في وجود الحاجات العضوية والغرائز لدى كل منهما، ويختلفان في كون الحيوان مفطوراً على السير بحسب دوافعه من حاجات عضوية وغرائز، وكون الإنسان يملك العقل ليميّز بين المشبِعات.

 

وسير الإنسان في حياته بدون ميزان لفكره ونفسيته وسلوكه لا ينحطّ به لمستوى الحيوان وحسب، بل إنه ينحط به لدَرَكٍ أدنى من مستوى الحيوان، لأن الحيوان مفروض عليه نظام سلوكي يسير بحسبه، لكن الإنسان لا يملك هذا النظام في فطرته وطبيعة خلقه، بل مفروض عليه أن يختار النظام الصحيح الذي يسعده ويرتقي به عن مستوى الحيوان إلى المستوى الإنساني. يقول الله سبحانه وتعالى: (سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى) فربنا الأعلى سبحانه خلق من العدم، وسَوَّى المخلوقات؛ أي أعطاها الشكل الذي يناسب وظيفتها، وقدَّر فيها الخواص المناسبة لها ولغيرها، الخواص التي فيها الهداية لما خلقت له، فالحيوان كسائر المخلوقات – عدا الإنسان – مهدِيٌّ لما خُلِقَ له، وأما الإنسان ففيه قابلية الهداية والضلال، وفيه العقلُ المميز، وفيه النظرة التي تدفعه للبحث عن حقيقته وحقيقة وجوده ليتناسب كل ذلك مع الأمانة التي حملها الإنسان، والتكليف والمحاسبة على تصرفاته وأفعاله، ومع ذلك أرسلَ الله سبحانه إليه الرسل ليبلغوا نظام الله الصحيح ليسير عليه. ولذلك فإن من يسير من البشر بغير نظام، أو يسير بنظام غير نظام الله فإنه ينحطُّ لأدنى من مستوى الحيوان، يقول الله سبحانه وتعالى عن الكفار ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل).

 

 

2- يقول الحق سبحانه وتعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، فالحكمة الناتجة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله سبحانه وتعالى، والعبادة تكون بحسب ما يريده المعبود، وليس كما يتهيأ للعابد، لجهل العابد بحقيقة المعبود، وجهله بالعبادة الصحيحة، فقد رأينا عبر تاريخ البشرية، كما حدثنا القرآن الكريم أيضاً كيف انحرف الناس في عبادتهم وضلوا، وعبدوا مخلوقات مثلهم، فعبدوا الشمس والقمر والنجوم وعبدوا النار والحيوانات، وعبد بعضهم بعضا. وكون الإنسان مفطوراً على التقديس، الذي هو مظهر من مظاهر غريزة التدين عند الإنسان فلا بد أن يُقدس، فكان لا بد للإنسان أن يتبع نظام الله سبحانه وتعالى في التقديس، وكان لا بد له أن يعبد الله كما يريد الله سبحانه وتعالى، فلا بد له من الميزان الصحيح والمقياس الحق في عبادة الله، وهذا لا يتأتى لعقل الإنسان المحدود أن يدركه دون إخبار الله تعالى عن طريق رسله عليهم الصلاة والسلام.

 

3 -قلنا أن الإنسان لديه حاجات عضوية وغرائز تحتاج إلى إشباع، ولا بد لهذا الإشباع من نظام يسير الإنسان بحسبه، ولا يتأتى للإنسان أن يضع هذا النظام، فقد ذكرنا أن مصدر الإنسان في مقاييسه لا يعدو جهتين: عقله ودوافعه السلوكية، وبينّا عدم صلاحية الحاجات العضوية والغرائز لوضع مقاييس للإشباع لأنها تدفع للإشباع، فهي مجرد دوافع وليس فيها مقياس أو ميزان لتقديم مشبع على آخر، وبينّا عجز عقل الإنسان عن وضع مقاييس صحيحة للسلوك لجميع البشر نظراً لتقييده بآليات عمل محدودة، مما ينتج أحكاماً متصفة بالاختلاف والتفاوت والتناقض والتأثر بالبيئة، وليس لدى الإنسان مجرداً أي مصدر آخر يضع من خلاله الأحكام الصحيحة للسلوك لجميع البشر، ولا الأحكام التي تحقق له السعادة والهناءة في العيش، فكان لا بد لإشباع حاجاته العضوية وغرائزه أن يتبع نظام الله سبحانه، المحيطِ علمُه بكل شيء، والقادر على كل شيء، العالمِ بالإنسان وحقيقته، العالمِ بما يصلحه، فهو الأعلم به إذ أنشأه من الأرض، والأعلمُ به إذ هو جنين في بطن أمه، الأعلم بما يصلحُ شأنه ويسعده، وسنفصل في بيان ذلك لاحقاً بإذن الله.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة التاسعة

 

 

الميزان

 

أخبر الله سبحانه وتعالى في مواضع ثلاثة في القرآن الكريم عن إنزاله الميزان مع الكتاب، وذلك في سورة الشورى والرحمن والحديد، قال سبحانه وتعالى في سورة الشورى: (الله الذي أنزل الكتابَ بالحق والميزان)، وقال في سورة الحديد: ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، وقال في سورة الرحمن: (والسماء رفعها ووضع الميزان).

 

وفي ما يلي بعض من أقوال المفسرين في تفسير لفظ الميزان الوارد في الآيات الثلاث: 

 

يقول الإمام ابن كثير - رحمه الله تعالى -: «{وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ} أي: العدل؛ كما قال - سبحانه -: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: ٥٢]، وهكذا قال ها هنا: {أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْـمِيزَانِ} [الرحمن: 8] أي: خلق السماوات والأرض بالحق والعدل لتكون الأشياء كلها بالعدل، ولهذا قال - سبحانه -: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْـمِيزَانَ} [الرحمن: ٩]، أي: لا تبخسوا الوزن، بل زنوا بالحق والقسط؛ كما قال - سبحانه -: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْـمُسْتَقِيمِ} [الإسراء: ٥٣][1].


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «وكذلك أنزل الله - سبحانه - الميزان في القلوب؛ لمَّا بينت الرسل العدل وما يوزن به عرفت القلوب ذلك؛ فأنزل الله على القلوب من العلم ما تزن به الأمور حتى تعرف التماثل والاختلاف، وتضع من الآلات الحسية ما تحتاج إليه في ذلك، كما وضعت موازين النقدين وغير ذلك. وهذا من وضعه - تعالى - الميزان؛ قال - تعالى -: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْـمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْـمِيزَانَ} [الرحمن: ٧ - ٩]، وقال أكثر المفسرين: هو العدل، وقال بعضهم: هو ما يوزن به ويعرف العدل، وهما متلازمان»[2].


ويقول سيد قطب - رحمه الله تعالى - عند هذه الآيات: «وإلى جوار هذه العظمة في رفع هذه السماء الهائلة الوسيعة {وَضَعَ الْـمِيزَانَ}: ميزان الحق؛ وضعه ثابتاً راسخاً مستقراً، وضعه لتقدير القيم: قيم الأشخاص والأحداث والأشياء؛ كي لا يختل تقويمها، ولا يضطرب وزنها، ولا تتبع الجهل والغرض والهوى. وضعه في الفطرة، ووضعه في المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسالات وتضمنه القرآن؛ {وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْـمِيزَانِ} [الرحمن: ٧ - 8] فتُغالُوا وتُفرِطوا، {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْـمِيزَانَ} [الرحمن: ٩]، ومن ثم يستقر الوزن بالقسط بلا طغيان ولا خسران»[3].


ويقول القاسمي - رحمه الله تعالى - عند هذه الآية: «{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} أي: الاستقامة في الطريقة، وملازمة حد الفضيلة ونقطة الاعتدال في جميع الأمور وكل القوى»[4].


ويقول الشيخ السعدي - رحمه الله تعالى -: «{وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ} أي: العدل بين العباد في الأقوال والأفعال، وليس المراد به الميزان المعروف وحده، بل هو كما ذكرنا يدخل فيه الميزان المعروف، والمكيال الذي تكال به الأشياء، والمقادير والمساحات التي يضبط بها المجهولات، والحقائق التي يفصل فيها بين المخلوقات، ويقام بها العدل بينهم»[5].


ويقول البقاعي – رحمه الله تعالى - في تفسيره لهذه الآية: «{وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ} أي: العدل الذي دبَّر به الخافقين؛ من الموازنة وهي: المعادلة لتنظيم أمورنا»[6].


ويقول ابن عاشور – رحمه الله تعالى - في التحرير والتنوير: «والميزان هنا مراد به العدل؛ مثل الذي في قوله - تعالى -: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ} [الحديد: ٥٢]؛ لأنه الذي وضعه الله - أي: عيَّنه - لإقامة نظام الخلق، فالوضع هنا مستعار للجعل، فهو كالإنزال في قوله: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ}. ومن ذلك: قول أبي طلحة الأنصاري - رضي الله عنه -: (وإن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله، فضعها يا رسول الله! حيث أراك الله) أي: اجعلها وعيِّنها لما يدُلُّك الله عليه؛ فإطلاق الوضع في الآية بعد ذكر رفع السماء مشاكلة ضدية، وإيهامُ طباق مع قوله: {رَفَعَهَا} ففيه محسِّنان بديعيان.


وقرن ذلك مع رفع السماء تنويهاً بشأن العدل بأن نُسِبَ إلى العالم العلوي، وهو عالم الحق والفضائل، وأنه نزل إلى الأرض من السماء؛ أي: هو مما أمر الله به، ولذلك تكرر ذكر العدل مع ذكر خلق السماء؛ كما في قوله - تعالى -: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْـحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلاَّ بِالْـحَقِّ} [يونس: ٥]، وقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلاَّ بِالْـحَقِّ} [الحجر: ٥٨]، وقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إلاَّ بِالْـحَقِّ} [الدخان: ٨٣ - ٩٣]. وهذا يصدِّق القول المأثور: (بالعدل قامت السماوات والأرض). وإذ قد كان الأمر بإقامة العدل من أهمِّ ما أوصى الله به إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - قُرن ذكر جعله بذكر خلق السماء، فكأنه قيل: ووضع فيها الميزان... وقوله - تعالى -: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} عطف على جملة {أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْـمِيزَانِ} على احتمال كون المعطوف عليها تفسيرية... والمعنى: اجعلوا العدل ملازماً لما تقوِّمونه من أموركم؛ كما قال - تعالى -: {وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: ٢٥١]، وكما قال: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا} [المائدة: ٨]، فيكون قوله: {بِالْقِسْطِ} ظرفاً مستقراً في موضع الحال، أو الباء للسببية، أي: راعوا في إقامة التمحيص ما يقتضيه العدل»[7].

 

انتهى قول ابن عاشور.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة العاشرة

 

 

فالميزان هو ميزان العدل والاستقامة والطريق المستقيم، ويشمل كل ميزان، فيقاس به الفكر والميل والسلوك، وتقاس به معاملات الناس بعضهم مع بعض، ووردت آيات كثيرة تأمر بالوفاء بالكيل، وبالوزن بالقسطاس المستقيم، وهو جزء من وزن السلوك البشري.

 

ووردت عشرات الآيات تأمر بالعدل بعمومه، وبعضها يأمر بالعدل خاصاً في أمورٍ معينة، كما وردت آيات تأمر بالقسط، وآيات تأمر بالاستقامة، وآيات تخبر أن ما أنزله الله سبحانه وتعالى هو الصراط المستقيم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الصراط المستقيم، وتبين آيات أخرى أن هذا الكتاب هو الهدى وهو صراط ربنا المستقيم، وهو الحاكم بالعدل بين الناس في ما اختلفوا فيه، قال سبحانه: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه..)، وأن هذا الكتاب هو الميزان مع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من بيان لما فيه.

 

وعليه فإن شريعة الله سبحانه وتعالى هي الميزان لحياة الإنسان، هي الميزان لفكره، وهي الميزان لنفسيته، وهي الميزان لسلوكه وتصرفاته، وبحسب هذا الميزان تقاس أفكار الإنسان وميوله وسلوكاته، وفي ما يلي بيان ذلك.

 

ميزان الفكر

 

تطلق كلمة الفكر ويراد بها أحد معنيين:

 

  1. الفكر بمعنى التفكير.

  2. والفكر بمعنى الأفكار التي هي ناتج عملية التفكير.

 
 

وميزان الفكر يشمل المعنيين، وتفصيل ذلك: 

 

أولاً: ميزان الفكر {التفكير}

 

واقع التفكير أن له أربعة أركان لا يتم بنقص شيء منها وهي:

 

  1. الواقع المراد التفكير فيه.

  2. الحواس التي تنقل الواقع إلى الدماغ.

  3. الدماغ الصالح للربط.

  4. المعلومات السابقة

وتتم عملية التفكير في الواقع المراد التفكير فيه بنقل هذا الواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ الصالح للربط، ويقوم الدماغ بالبحث عن معلومات سابقة مختزنة فيه عن هذا الواقع، فيربط ذلك الواقع بتلك المعلومات المتعلقة به فيفسره ويصدر حكماً عليه.

 

ولا بد أن يكون الواقع المراد التفكير فيه خارجياً، ومعنى خارجي أنه ليس جزءا من تركيبة الدماغ، ولكنه قد لا يتم التفكير فيه حين نقله، بل قد ينقل ويختزن في الدماغ، ثم يعاد التفكير فيه مرة أخرى، وبهذا لا يزول عنه وصف أنه خارجي، فربما يحصل الإنسان على معلومات عن واقع سبق أن اطّلع عليه من قبل ولم يستطع تفسيره حين مشاهدته، بل يستطيع تفسيره بعد الحصول على معلومات عنه، وفي هذه الحالة لا ينتفي عن المعلومات وصف أنها سابقة، لأن العبرة ليست بالسبق الزمني، بل العبرة بالسبق الترتيبي في عملية التفكير، لأن الإنسان في هذه الحالة بعد حصوله على المعلومات عن ذلك الواقع يستعيد ذلك الواقع في ذهنه ويربطه بالمعلومات الجديدة التي صارت سابقة بالنسبة لذلك الواقع، أي شرطاً لفهمه.

 

هذا التعريف للتفكير هو فكرة تحتاج إلى ميزان توزن به في الشرع.

 

وميزان الأفكار يتضمن شرطين:

 

الأول: مطابقة الفكرة لواقعها، أي صحتها في الواقع بأن يدرك العقل صحتها في الواقع.

 

الثاني: بناء الفكرة على العقيدة، أو انبثاقها عنها، فالانبثاق أن ترد الفكرة نفسها في مصادر التشريع، كفكرة (الشمس مخلوقة) أو (السموات والأرض مخلوقات) وغير ذلك، أما البناء فموافقة الفكرة للعقيدة وعدم مخالفتها لها. ونترك للأمثلة توضيح ذلك، ولنبدأ بتعريف التفكير.

 

فتعريف التفكير بهذه الأركان الأربعة، وبهذه الآلية فكرة إسلامية صحيحة، فالعقل يدرك مطابقة تعريف التفكير هذا لواقع التفكير، فالمشاهد المحسوس أن كل البشر يفكرون بهذه الآلية، ينقلون الواقع بحواسهم إلى أدمغتهم، فمن كان لديه معلومات سابقة متعلقة بالواقع أدركه وفهمه وفسره وأصدر حكماً عليه، ومن لم يكن لديه معلومات سابقة متعلقة بذلك الواقع لم يجب ولم يفهم الواقع، وإن أجاب فسيخطئ في ذلك، فالعقل يصدّق هذا التعريف ويدرك انطباقه على واقعه.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الحادية عشرة

 

 

وثانيهما بناء الفكرة على العقيدة، أو انبثاقها عنها، أما بناؤه على العقيدة، فقد دلّت الآيات على تلك الأركان وتلك الآلية، وبيان ذلك:

 

أمرت الآيات القرآنية الكثيرة الناس بالنظر فيما حولهم والتفكر فيه، فقال تعالى: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض)، وقال سبحانه (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا...)،  (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء. ..) وغيرها من عشرات الآيات التي ربطت الإنسان وتفكيره بما حوله وما يقع عليه حسه، وأمرته بالنظر، إحدى الحواس التي ينقل بها الإنسان الواقع المحيط به إلى الدماغ.

 

وذكرت الآيات القرآنية الحواس الخمس التي تنقل الواقع إلى الدماغ، وآيات السمع والبصر كثيرة جداً في القرآن، أما اللمس ففي قوله تعالى في سورة الأنعام:  (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين)/7،  وحاسة الذوق في قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين، ولساناً وشفتين) سورة البلد، وحاسة الشم في قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: (إني لأجد ريح يوسف).

 

وعبّرَ القرآن الكريم عن العقول بالقلوب في غير موضع، فقال سبحانه ذاكرا القلوب والسمع والبصر: (ألهم قلوب يفقهون بها. ..)، (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)، وكذلك خاطبت الآيات القرآنية العقول، (أفلا يعقلون؟)، (أفلا تعقلون)، وغيرها الكثير.

 

أما المعلومات السابقة فقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه خلق الإنسان صفرا من المعلومات السابقة، ومنَّ عليه بأدوات التعلم، ليكتسب المعلومات، فقال سبحانه: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) /النحل.

 

و ذكر الله سبحانه وتعالى أنه أعطى أدم المعلومات السابقة ليستخدمها في التفكير، ذلك أنه الإنسان الذي خُلق أولاً، من غير أب ولا أم يعلمونه، فعلّمه سبحانه، فقال: ( وعلم آدم الأسماء كلها)

 

وأخبر الله سبحانه وتعالى عن قاتل أخيه من ابني آدم أنه لم يكن لديه معلومات سابقة عما يتصرفه الإنسان مع الميت بعد ما قتل أخاه، فأخبر الله سبحانه أنه أرسل إليه غراباً ليتعلم منه دفن الميت، قال سبحانه: (فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، قال: يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواريَ سوأة أخي فأصبح من النادمين) /سورة المائدة.

 

أما اشتراط الواقع في عملية التفكير وبناؤه على العقيدة فإنه سبحانه قد عاب على الكفار أحكاماً أصدروها لمخالفتها شروط التفكير، فمن ذلك عاب عليهم لمّا قالوا عن الملائكة إنهم بنات، فقال سبحانه: (أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون). فقد حكموا على واقع لم يشهدوه فعاب عليهم ذلك.

 

وربط سبحانه وتعالى بين الحواس والعقل، فقد نقل عن الكفار في جهنم قولهم: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير).

 

ونعى على الكفار اتباعهم الظن في القضايا التي تحتاج إلى العلم والقطع، وهي قضايا العقيدة، فقال سبحانه: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى، وما لهم به من علم إن يتبعون الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا).

 

وقال سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)/43، وفي موقع آخر: (إن في ذلك لآيات للعالمين)،  والعالمون هم الذين عندهم المعلومات السابقة، فهم القادرون على العقل. 

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثانية عشرة

 

 

ومن ميزان الفكر بمعنى التفكير طريقة التفكير، أي استخدام طريقة تفكير محددة فيما هي له وتصلح له، والابتعاد عن طريقة تفكير أخرى لا تصلح لهذا الأمر، فمن ذلك استخدام الطريقة العقلية في موقعها، واستخدام الطريقة العلمية في مجالها.

 

فإنه مما ابتليت أمة الإسلام به الغزو الفكري، ومنه تقديس الطريقة العلمية في التفكير، واستخدامُها في كل شيء، فيما تصلح له وفيما لا تصلح له، وكذلك ابتليت بالطريقة المنطقية في التفكير في مرحلة من مراحل تاريخ الأمة الإسلامية.

 

والفرق بين هاتين الطريقتين والطريقة العقلية أن الطريقة العقلية تستند إلى الملاحظة والاستنتاج، أي النظر في الواقع المبحوث وربطه بالمعلومات السابقة والخروج بنتيجة أي إصدار حكم، وهي الطريقة الأصلية في التفكير.

 

أما الطريقة العلمية فبالإضافة إلى ركني الطريقة العقلية فإنها تقتضي التجربة، أي: تجربة فملاحظة فاستنتاج، وهذه الطريقة تصلح في بحث الماديات التي تقع تحت الحس مباشرة، ويمكن إخضاعها للتجربة وتغيير ظروفها،كالمواضيع العلمية في الفيزياء والكيمياء مثلا، لكنها لا تصلح لبحث الأفكار أو العقائد أو الأحكام الشرعية، ولا تصلح للحكم على سلوك الفرد ولا على المجتمع، والطريقة الصالحة لكل ذلك هي الطريقة العقلية التي تكفي فيها الملاحظة ثم الاستنتاج بربط الملاحَظة بالمعلومات السابقة.

 

أما الطريقة المنطقية فهي تستند إلى بناء مقدمات ثم الاستنتاج من المقدمات، وهي فرع من الطريقة العقلية، ويشترط فيها صحة المقدمات وصحة الربط وصحة الاستنتاج، أي استناد المقدمات إلى الحس مع صحتها، ووجوب صحة الاستنتاج، وإلا فهي قابلة للتضليل، وربما أدت إلى نتائج متناقضة، لاحتمال تطرق الخلل إما في المقدمات وإما في الربط بينها والبناء عليها، فقول بعض العلماء المضللين: (الديمقراطية تعني انتخاب الحاكم) مقدمة أولى، والقول: (الإسلام أمر بانتخاب الحاكم) مقدمة ثانية، فالنتيجة المنطقية هي أن (الديمقراطية من الاسلام)، والتضليل وقع في المقدمة الأولى فهي غير صحيحة،  وإنه وإن كانت الديمقراطية تتضمن انتخاب الحاكم ولكنها ليست انتخاب الحاكم وحسب،  بل إنها تعني أن التشريع للبشر، وهذا عين الكفر، حتى لو كان فيها انتخاب الحاكم، فالنتيجة خاطئة، لخطأ المقدمة الأولى.

 

بخلاف ما لو قلت في المقدمة الأولى: الديمقراطية تعني إعطاء حق التشريع للبشر، وفي المقدمة الثانية: الإسلام حصر حق التشريع في الله سبحانه وتعالى، فالنتيجة أن الديمقراطية تناقض الاسلام، فالمقدمتان صحيحتان والبناء عليهما صحيح، فانظر إلى محاذير الطريقة المنطقية، علماً أن في الطريقة العقلية ما يغني عن الطريقة المنطقية.

 

ومن الأخطاء التي وقع فيها بعض الناس استخدامهم الطريقة المنطقية في الغيبيات في مراحل سابقة متقدمة من التاريخ الإسلامي فخرجوا بنتائج لا تليق بالله سبحانه وتعالى، فقاسوا صفاته سبحانه وتعالى على صفات البشر، ونسبوا إليه -حاشاه- علماً محدوداً، وقدرة محدودة، وغير ذلك مما لا يليق بجلاله سبحانه،  تعالى الله عما يصفون.

 

ومن الأخطاء المعاصرة إخضاع الغيبيات للطريقة العلمية، فوجدت فئة من الناس لا تؤمن إلا بما يقع عليه الحس مباشرة، ويريدون إخضاع كل شيء للتجربة وتغيير الظروف ليلاحظوا النتائج، فضلوا وأضلوا وخرجوا بنتائج لا يقر بها العقل السليم، ومن ذلك إخضاعهم السلوك البشري للتجربة، وإخضاعهم السلوك المجتمعي للتجربة، فخرجوا بنتائج فيما يسمى بعلم النفس وعلم التربية وعلم الاجتماع خرجوا بنتائج خاطئة ومتناقضة ولا تطابق واقع الإنسان، علماً أن كل ما  سبق يمكن إخضاعه للملاحظة والاستنتاج ولا يمكن إخضاعه للتجربة.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثالثة عشرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

والميزان الأساسي للفكر {التفكير} اتخاذ قاعدة واحدة للتفكير، فينشأ لدينا مصطلح (العقلية)، وتوصف عقلية أي إنسان بوصف القاعدة أو القواعد التي يستند إليها في تفكيره، فالذي يتخذ المصلحة قاعدة وأساساً لتفكيره توسم عقليته بأنها مصلحية، ومن يتخذ الحل الوسط قاعدة وأساساً لتفكيره توسم عقليته بأنها وسطية ترقيعية، ومن يتخذ الواقع قاعدة ومصدراً لتفكيره توسم عقليته بأنها واقعية منحطة، فإن اتخذ مبدأً معيناً قاعدة لتفكيره وسم تفكيره بسمة ذلك المبدأ، فالذي يتخذ المبدأ الرأسمالي قاعدة وأساساً لتفكيره وصفت عقليته بأنها رأسمالية، ومن اتخذ المبدأ الإسلامي قاعدة وأساساً لتفكيره وصفت عقليته بأنها إسلامية، ومن اتخذ قواعد متعددة لتفكيره وصفت عقليته بالفوضوية، كالذي يستند إلى الإسلام في العبادات، ويستند إلى الرأسمالية في التعاملات وباقي الأفكار، فإن عقليته تصبح متناقضة وتوصف بأنها عقلية فوضوية.

 

يقول الله سبحانه وتعالى: (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً) فالأصل في المسلمين إذا جدّ عليهم جديدٌ من الأمنِ أو الخوف أن يردّوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو المبلغ للتشريع عن الله، أو يردّوه بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أولي الأمر منهم (الحقيقين- وليس أولياء الأمر اليوم) حتى يستنبطه الذين يعلمون من مصادره الشرعية.

 

والواجب على المسلمين أن يتخذوا العقيدة الإسلامية قاعدة فكرية وحيدة لتفكيرهم لتعود عقلياتهم إسلامية كما أراد الله سبحانه وتعالى، وكما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وتابعوهم بإحسان، وذلك بأن يتخلصوا من رواسب التفكير الأخرى غير الإسلام، وأن يجعلوا العقيدة الإسلامية هي القاعدة الوحيدة والأساس الوحيد لتفكيرهم.

 

ويكون ذلك بأن يقيسوا كل فكر وكل رأي على العقيدة الإسلامية، ويكون القياس على العقيدة الإسلامية بتحقيق الشرطين المذكورين في أول هذا الباب، وهما: 

 

  • إدراك مطابقة الفكرة لواقعها.

  •  
  • وبناء تلك الفكرة على العقيدة الإسلامية أو انبثاقها منها.

  •  

فإن فعلوا ذلك في كل فكر وفي كل رأي، واستبعدوا أي قاعدة فكرية أخرى، وطبقوا ذلك على كل الأفكار والآراء التي يتبنونها ويقولون بها، واتخذوا ذلك سنةً وطريقة مطردة صارت عقلياتهم إسلامية لا تشوبها شائبة، ولا يتطرق الخلل عندهم لأي فكر أو رأي، ولا يقعون في أي تناقض بين الأفكار أو الآراء.

 

وقد نعى القرآن الكريم على الكفار في مواضع كثيرة منه اتخاذ قواعد أخرى أساساً لتفكيرهم، فمن ذلك اتباعهم آباءهم، وقولهم بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، وقولهم إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، ونعى عليهم اتباع كبرائهم، فقال سبحانه نقلاً عن الكفار: (إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا). ونعى عليهم اتباع غيرهم في العقيدة وإنهم سيتبرأون منهم، فقال سبحانه: ( وقال الذي اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار).

 

ونعى عليهم اتخاذ الوسطية أساساً للتفكير، فلمّا عرض الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا إلهه سنة ويعبد آلهتهم سنة،  خاطب الله سبحانه رسوله بقوله: (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين). فليس هناك حل وسط في العقيدة ولا في الأمور التي يتوخى فيها الصواب.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الرابعة عشرة

 

 

ومن الأسس التي أولاها الإسلام عناية خاصة ما يسمى برأي الأكثرية، وحصره وقيده في الأمور التي تؤدي إلى عمل، والأمور التي لا يُبحث فيها عن الصواب، أما الأمور التي مآلها تحديد الصواب فلا عبرة فيها برأي الأكثرية، فالأمور التشريعية يُتّبع فيها الدليل الشرعي باستنباط صحيح ضمن الأصول الفقهية المتبعة المعتمدة، ودليل ذلك النصوص التي أمرت بطاعة الله ورسوله، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، فلم يأبه لرأي الأكثرية، بل قال: (إنما أتبع أمر ربي ولن يضيعني).

 

وكذلك الأمور التي تحتاج إلى خبرة، كالخبرة العسكرية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزل عند رأي واحد من الصحابة في كل من غزوة بدر وغزوة الخندق، ففي غزوة بدر نزل عند رأي الحباب بن المنذر، في اختيار المكان المناسب للجيش، وفي غزوة الخندق نزل عند رأي سلمان الفارسي في حفر الخندق حول المدينة. وكذلك الأمور الفكرية والتعريفات فإنها يُتّبع فيها الصواب، ويؤخذ بالرأي الصواب من المفكرين والمتخصصين وأهل العلم والخبرة.

 

أما الأمور المؤدية إلى عمل، والأمور التي لا يبحث فيها عن الخطأ والصواب، فإنه يُتّبع فيها رأي الأكثرية،  ويكون رأي الأكثرية فيه ملزماً، كاختيار خليفة من بين شخصين قام بالموافقة على ترشيحهما مجلس الأمة، وتتوافر فيهما شروط الخلافة، فإن من ينال أكثرية الأصوات يصبح هو الخليفة. وكذلك من الأمور المؤدية إلى عمل بناء مدرسة أو مستشفى في مدينة من مدن الدولة، فإن اختار الناس مكاناً معيناً للمدرسة أو المستشفى فإنه يؤخذ برأيهم أي برأي الأكثرية. فالموضوع الوحيد الذي يؤخذ فيه برأي الأكثرية أن يكون مؤدياً إلى عمل، وما عدا ذلك من الأمور التشريعية والفكرية والخبرة والاختصاص والتعريفات فإنها تؤخذ من أهلها المختصين كل بحسب اختصاصه، ويؤخذ بالصواب فيها، ولا عبرة فيها برأي الأكثرية.

 

وقد وردت آيات كثيرة ورد فيها ذمّ الكثرة والأكثرية، وآيات ورد فيها مدح القلة، فقال سبحانه وتعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) سورة الأنعام، فنسب اتباع الظن لأكثر من في الأرض، وقال سبحانه: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) سورة يوسف، نسب إلى الكثرة عدم الإيمان، وقال سبحانه أيضاً ينسب إلى الكثرة عدم الإيمان: (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) سورة الرعد، وقال سبحانه: (وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) سورة النحل، فنسب إلى الكثرة عدم العلم،  وقال سبحانه: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) سورة غافر، فنسب إلى الكثرة عدم الشكر، وقال سبحانه أيضاً في قلة الشكر: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) سورة سبأ.

 

كما أنه سبحانه نهى عن اتباع الظن في أمور العقيدة، وذمّ الذين يتبعون غيرهم ويقلدونهم في العقيدة، وأنهم سيتبرأون منهم كما تبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا، فقال سبحانه: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى {19} وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى {20} أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى {21} تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى {22} إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى) سورة النجم، فذمّهم وذمَّ اتباعَهم الظن في اتخاذ الأصنام آلهة من دون الله. وقال سبحانه وتعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) سورة يونس، وغيرها الكثير من الآيات في ذمّ اتباع الظنّ في مسائل العقيدة. وقال سبحانه وتعالى: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ {166} وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) سورة البقرة، فمن يتبعْ غيرَه في الاعتقادات يتبرأ منه يوم القيامة، وقال سبحانه وتعالى في ذم اتباع السادة والكبراء في الباطل: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا {66} وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) سورة الأحزاب.

 

وأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بطاعة الله وطاعة رسوله، وقرر حقيقة أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، وأمر المؤمنين إن تنازعوا في أمر أن يردوه إلى الله والرسول.

 

وسنتناول في نهاية الكتاب عدداً من الأفكار التي أخطأ في فهمها المسلمون،  ولو أنهم قاسوها على العقيدة الإسلامية، وجعلوا العقيدة أساساً وقاعدة لأفكارهم لما أخطأوا في فهمها. 

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الخامسة عشرة

 

 

ميزان النفس

 

النفس في الإنسان هي مجموعة الدوافع والمشاعر والميول. 

 

فالمشاهد المحسوس على الإنسان أن لديه دوافع من حاجات عضوية يسعى لإشباعها حتى لا يموت، ولديه غرائز تدفعه لإشباعها، ويصاحب تلك الدوافع مشاعر وميول، ولذلك قلنا إن النفس هي مجموعة الدوافع والمشاعر والميول، فهذا التعريف مطابق لواقعه.

 

ومن جهة بنائه على العقيدة، فهناك الكثير من الآيات دلّت على هذا المفهوم، نذكر بعض الآيات. يقول الله سبحانه نقلاً عن السامريّ: (وكذلك سوّلت لي نفسي)، فالذي سوّل له اتخاذ العجل هو نفسه، أي دوافعه الغريزية. وقال سبحانه على لسان يعقوب عليه السلام: (وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) فأنفسهم هي التي سوّلت لهم ما فعلوا، أي دفعتهم لفعل ذلك. ووصفت النفس بأنها أمارة بالسوء كما نقل سبحانه عن امرأة العزيز قولها: (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقال سبحانه عن أهل الجنة: (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ)، فالنفس فيها الشهوة وهي التي تدفع صاحبها ليقوم بالأعمال إشباعاً لتلك الدوافع النفسية أو الجسمانية. 

 

قلنا إن المشاهد المحسوس في الإنسان أن لديه نوعين من الدوافع، هما:  

 

  • - الدوافع الناتجة من الحاجات العضوية.

  •  
  • - الدوافع الناتجة من الغرائز.

  •  

ومع أن كلاً منهما نابع من نفس الإنسان، ولكن لا بد من درسهما منفصلين نظراً لاختلافهما في ناحيتين:

 

الأولى: ناحية جهة الإثارة لكل نوع منهما، أو مصدر الإثارة.

 

الثاني: ناحية ضرورة إشباع الدافع أو عدم ضرورة إشباعه.

 

فالحاجات العضوية حاجات يتطلبها جسم الإنسان لاستمرار حياته، كالأكل والشرب والنوم والإخراج.

 

وإثارتها داخلية، أي يطلبها جسم الإنسان، يطلب إشباعها، ففي حالة الجوع مثلاً ترسل إشارات عصبية للدماغ لطلب الطعام، فيأمر الدماغ بإفرازات معينة تجعل الإنسان يحس بالجوع ليندفع للإشباع، وكذلك باقي الحاجات المذكورة هنا، وغيرها من الحاجات العضوية فإثارتها داخلية.

 

ولا بد من إشباع هذه الحاجات، ولا يتوقف طلب الإشباع إلا بالإشباع، وإن استمرت حالة الطلب فترة من الزمان دون إشباع فإنه سيصل إلى حد الموت لعدم الإشباع.

 

فالحاجات العضوية إثارتها داخلية وإشباعها حتمي.

 

أما الغرائز فليست كذلك، فإن إثارتها خارجية، أي من الواقع الخارجي بالنسبة للإنسان، ويلحق بالواقع الخارجي الفكر، لأن حكمه من هذه الجهة كحكم الواقع الخارجي، فليس طلب إشباع مظهر غريزي ناتجاً عن نقص عضوي في جسم الإنسان، بل هو ناتج عن مشاهدة مثير ما، فيحس الإنسان بحاجته لإشباع ذلك المظهر الغريزي، أو هو ناتج عن التفكر في مثيرٍ ما، فيحس بالحاجة لإشباع ذلك المظهر الغريزي الذي أثاره المثير.

 

وبعد الإثارة للدافع الغريزي فالإنسان إما أن يشبع المظهر الغريزي، وإما ألا يشبعه، وفي حال عدم إشباعه تصيب الإنسان حالة من القلق والتوتر، وينتهي الأمر عند الإنسان في حالة عدم الإشباع بتغيير الجوّ النفسي بأن يفكر في أمر آخر، أو يقوم بعمل يخرجه من الجوّ الذي كان فيه.

 

فإشباع الغرائز ليس حتمياً، بل إن إشباعها يحقق للإنسان الرضا المؤقت أو الدائم بحسب بناء شخصيته. . وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً إن شاء الله.

 

فالغرائز إثارتها خارجية، وإشباعها غير حتمي.

 

والغرائز عن الإنسان ثلاث: البقاء، والنوع، والتدين. 

 

غريزة البقاء بمظاهرها تدفع الإنسان للارتقاء بوجوده وبقائه واستمراره. 

 

وغريزة النوع تدفعه لإيجاد علاقات مع بني نوعه الإنساني.

 

وغريزة التدين تدفع الإنسان للإحساس بالحاجة لمن هو أقوى منه وأعلم منه وأعظم منه، ولمن هو أقدر على التدبير والتنظيم.

 

وغريزتا البقاء والنوع متعلقتان بالحياة الدنيا.

 

وغريزة التدين تتعلق بما قبل الحياة الدنيا وبما بعدها.

 

ولكل واحدة منها مظاهر عديدة، فمن مظاهر غريزة البقاء: حب الحياة، وكراهية الموت، والتملك، والإيثار، والأثرة (الأنانية )، والعدوان، وحب السيادة، وحب الذات، وحب الذكر، وغير ذلك. 

 

 ومن مظاهر غريزة النوع الميل الجنسي بين الذكر والأنثى، وحب الأولاد، والبنات والأحفاد، والآباء والأمهات والأجداد، وصلة القربى والأرحام، وصلة الجار والصديق.  وغير ذلك من العلاقات مع بني نوعه.

 

ومن مظاهر غريزة التدين: الإحساس بالضعف، والنقص، والمحدودية، والاحتياج، والإحساس بالعجز عن إكمال نقصه واحتياجه ومحدوديته وضعفه، ومن أهم مظاهر غريزة التدين مظهر التقديس.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة السادسة عشرة

 

 

والفرق بين الغريزة ومظهر الغريزة، أن الغريزة متأصلة في خِلقة الإنسان تظهر بمظاهر متعددة، فلا يمكن محوها أو تعويضها بغريزة أخرى، بخلاف المظهر الذي يمكن إزالته بغيره، وتعويضه بمظهر آخر من مظاهر الغريزة. فمن ذلك معالجة الأثرة بالإيثار مثلاً.

 

ويرافق الدوافع عند الإنسان مشاعر وأحاسيس، كالشّوق والأمل والحرص والكره والخوف وغير ذلك.

 

ويتميز الإنسان في دوافعه عن الحيوان بأن الدوافع والمشاعر ترتبط عنده بالفكر، فالإنسان عنده عقل يميز بين المشبعات، ويختار نوع المشبع، ويختار أن يشبع أو لا يشبع، ولذلك نقول إن الدوافع عند الإنسان ومشاعرها تتعلق بمفاهيم لديه عن الإشباع.

 

والنتيجة أن الدوافع والمشاعر ترتبط بمفاهيم تحدد عند الإنسان إثارتها ابتداءً، أي تثور أو لا تثور، ثم تحدد لديه أن تشبع أو لا تشبع إذا أثيرت، ثم تحدد لديه نوع المشبع حين إرادة الإشباع.

 

من هنا يأتي الارتباط بين النفس والعقل عند الإنسان، ومن هنا ينشأ عندنا مصطلح جديد وهو مصطلح الشخصية، فشخصية الإنسان لها مكونان: العقلية والنفسية، وهذان المكونان يختلفان عن مصطلحي العقل والنفس، وسنشرح ذلك إن شاء الله لاحقاً في موضعه.

 

بعد ذلك البيان لواقع النفس، والتعريف الذي ذكرناه وشرحنا واقعه، نكمل ميزان التعريف، فقد بينّا واقعه ومطابقته لواقعه، ونبين الآن قياسه على العقيدة، أي بناءه عليها.

 

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران:  (زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث. ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب، قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد) / 14-15

 

يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الروم: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) /30

ففي الآية الأولى من آيتي آل عمران ذكر الله سبحانه وتعالى ما زُيِّن للناس، وذكر أموراً متعلقة بغريزة النوع وهي حب النساء وحب البنين، وذكر أموراً متعلقة بغريزة البقاء وهي حب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة أي المال،  مظهر التملك، والخيل المسوّمة، التي هي رمز الشجاعة والسيادة والغلبة، والأنعام، والمزروعات، من مظاهر التملك عند الإنسان.

 

ثم عّقَّب الله سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله: ( ذلك متاع الحياة الدنيا )، وصف كل ما سبق بالمتاع، الذي يُتَمَتَّعُ به ثم ينتهي، وهو متعلق بمرحلة جزئية قصيرة من حياة الإنسان وهي الحياة الدنيا.

 

وأمر الله سبحانه وتعالى في آية الروم بإقامة الوجه للدين حنيفاً، كناية عن الاستقامة على الدين، الدين الذي ارتضاه الله سبحانه، مائلاً عمَّا سواه، ذكر الله سبحانه (فطرت الله التي فطر الناس عليها)، أي أن إقامة الوجه للدين حنيفاً  عن غيره هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالتدين فطرة في الإنسان، أي غريزة فيه، وأن كل إنسان فيه هذه الفطرة فلا تبديل لخلق الله، ذلك هو الدين القيم، أي إقامة الوجه لدين الله هو الدين القويم المستقيم، وختم سبحانه الآية بحقيقة أن أكثر الناس لا يعلمون، وقد ذكر في السورة نفسها: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) الروم /6 -7

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة السابعة عشرة

 

 

ففي هاتين الآيتين، آية آل عمران الأولى (زين للناس..) وآية الروم الأولى (فأقم وجهك للدين حنيفا...)، ذكر للغرائز الثلاث عند الإنسان: البقاء، النوع، التدين، مع ذكر بعض مظاهرها، وذكرت مظاهر أخرى كثيرة في مواضع أخرى من القرآن الكريم والسنة الشريفة، سنذكر منها ما يهيئه الله سبحانه وتعالى منها بعد قليل.

 

نعود إلى الآية الثانية من آيتي آل عمران:  (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات...) فهنا في هذه الآية ربط بغريزة التدين، فبعدما أخبر الله سبحانه أن كل تلك الشهوات المزينة للإنسان، أي التي هي غرائز أو مظاهر لغرائز فيه، ذكر ما هو خير من ذلك، وهو التقوى (للذين اتقوا) التقوى المتعلقة بغريزة التدين، المذكورة في آية سورة الروم التي ذكرناها وبيناها.

 

فالمقابل لمتاع الحياة الدنيا الزائل، هو الخلود في النعيم المقيم في الآخرة، ولكنه خاص بالذين اتقوا، بالاستقامة وإقامة الوجه لدين الله تعالى، وربطِ الدوافع والمشاعر بما أمر سبحانه وتعالى به، أي الربط بالمفاهيم الصحيحة عن الإشباع والسلوك.

 

ونذكر الآن ما ييسره الله سبحانه وتعالى لنا من المظاهر الغريزية المذكورة أو المشار إليها في القرآن الكريم والسنة النبوية، بناءً لتلك المظاهر على العقيدة الإسلامية. إضافة إلى المظاهر المذكورة في آية آل عمران.

 

يقول سبحانه وتعالى في سورة العاديات عن الإنسان:  (وإنه لحب الخير لشديد) الخير وصف جامع لما يحبه الإنسان، مظهر من مظاهر غريزة البقاء.

 

ويقول سبحانه في سورة الفجر:  (وتأكلون التراث أكلا لماً، وتحبون المال حباً جماً) وحب المال مظهر للتملك للإنسان، من مظاهر غريزة البقاء.

 

 (إن الإنسان خلق هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا،) شدة الخوف، المنع والبخل (الحرص)، شدة الجزع.

 

(لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ) شدة اليأس وشدة القنوط. من غريزة البقاء.

 

(ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) الأمل. من غريزة البقاء.

 

(آلهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر) التفاخر بالآباء- بقاء

 

(إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) حب التقليد- بقاء.

 

(فلما آتاهم من فضله بخلوا به) البخل- بقاء.

 

(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ   لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴿9﴾ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء  مَسَّتْهُ   لَيَقُولَنَّ   ذَهَبَ  السَّيِّئَاتُ  عَنِّي  إِنَّهُ   لَفَرِحٌ   فَخُورٌ)

 

اليأس والفرح والفخر- بقاء.

 

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الكبر، من مظاهر البقاء.

 

(ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا..) الغيرة- بقاء.

 

(إني ليحزنني أن تذهبوا به..) الحزن على الولد- نوع.

 

(فلا تغرنكم الحياة الدنيا) الغرور بالحياة الدنيا،  بقاء.

 

(وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين) تدين.

 

(كمثل غيث أعجب الكفار نباته) الإعجاب بالنبات، تملك – بقاء.

 

(لن تنفعكم أرحامكم  ولا أولادكم) نوع.

 

(وجعل بينكم مودة ورحمة) نوع.

 

(ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم..) انتقام – بقاء.

 

وصف القرآن بأنه شفاء لما في الصدور- تدين.

 

(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها - أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين) التوبة / 24، ذكر فيها مظاهر من غريزة النوع، ومظاهر من غريزة البقاء، وأمر بمحبة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله من التدين.

 

(إذ أعجبتكم كثرتكم) الإعجاب بالكثرة – بقاء.

 

(زُيَّنَ لهم سوء أعمالهم) الذات – بقاء.

 

(ولكنهم قوم يَفْرقون) الخوف – بقاء. 

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثامنة عشرة

 

 

المشاعر

 

وردت الكثير من الآيات التي تصف شعوراً أو أكثر من المشاعر المصاحبة للحاجات العضوية والدوافع الغريزية عند الإنسان، منها:

 

(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟) الرضا – بقاء.

 

(ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يُعْطوا منها إذا هم يسخطون) الرضا الخاطئ والسخط الخاطئ.

 

(ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله..) الرضا الصحيح.

 

(يحلفون بالله لكم ليرضوكم، والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين)

 

(وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) النقمة، غضب مع حقد – بقاء.

 

(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) الفرح، الكره – بقاء.

 

(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) 

 

(ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ)

 

(إنكم رضيتم بالقعود أول مرة) 

 

(تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألا يجدوا ما ينفقون) حزن على عدم القدرة على الجهاد– تدين.

 

(إنه كان في أهله مسروراً) السرور.

 

أهل الجنة (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) نفي الخوف والحزن عن أهل الجنة.

 

(يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)

 

(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) رضوان الله – تدين،  خلود وفوز – بقاء.

 

(فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به..) الاستبشار بالفوز – بقاء

 

(وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته..) القنوط – بقاء.

 

(ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة..) الإيثار – بقاء.

 

هذا هو الإنسان بدوافعه من حاجات عضوية، وغرائز بمظاهرها، ومشاعرَ نفسية، ولا بد لتلك الدوافع والمشاعر أن تتعلق وترتبط بالمفاهيم، وهذه المفاهيم نوعان: 

  •  
  • إجمالي، يتعلق بربط الدوافع والمشاعر بالأفكار الصحيحة لتهذيبها وربطها بالعقلية لتكوين الشخصية المتميزة المبنية على العقيدة الإسلامية.

  •  
  • تفصيلي، وهي أحكام شرعية تنظم إشباع الحاجات العضوية والغرائز، وهذه تتبع لمفاهيم السلوك، نفصّل فيها في بابها بإذن الله.

 

والنوع الأول من المفاهيم هو الذي يفرض صياغة الدوافع والمشاعر بالمفاهيم الشرعية العامة والإجمالية، فتصبح إثارة تلك الدوافع مرتبطةً بالمفهوم، فإن سمح لها المفهوم أن تثار في هذا الوقت أثيرت، وإن لم يسمح لم تُثَر، وكذلك تتحول المشاعر من مجرد مشاعر تثار تلقائياً وفطرياً تتحول إلى ميول مربوطة بالمفاهيم، فلا يثور الشعور عند صاحبه إلا موافقاً للمفهوم، وإن تَمَّ هذا تحول الشعور إلى ميل، وبربط هذه الدوافع والمشاعر بالمفاهيم المبنية على أساس واحد وقاعدة فكرية واحدة تنشأ النفسية، وإن اتحدت القاعدة أو القواعد التي تربط بها الدوافع والمشاعر مع القاعدة التي تربط بها العقلية، وجدت الشخصية المتميزة، فإن كانت القاعدة أو القواعد من عقيدة واحدة تميزت الشخصية بميزة تلك العقيدة، فنقول فلان ذو عقلية إسلامية إن جعل العقيدة الإسلامية أساساً لعقليته ونفسيته، وآخر ذو عقلية رأسمالية إن جعل المبدأ الرأسمالي أساساً لعقليته ونفسيته، وثالث ذو شخصية فوضوية إن اتخذ قواعد عديدة من عقائد مختلفة أساساً لعقليته ونفسيته.

 

والمفاهيم الإجمالية أو العامة تصوغ العقلية والنفسية معاً، وذلك كالإيمان بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى، والتوكل على الله، والرزق، والأجل.. وسنفصل فيها لاحقاً إن شاء الله. 

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة التاسعة عشرة

 

 

ميزان العقلية والنفسية

 

نتناول في هذا الباب المفاهيم الأساسية المشتركة في بناء كل من العقلية والنفسية، ودور كل مفهوم في كل منهما.

 

المفهوم الأول: حل العقدة الكبرى، مفهوم حل العقدة الكبرى مفهوم عام واسع يشمل مجموعة من المفاهيم، تسهم في تشكيل العقلية وبناء النفسية، وذلك أن دافعها نفسي ينطلق من غريزة التدين عند الإنسان، لكن حله لا بد أن يكون عقلياً، حلاً يقنع العقل ويطمئن النفس، فيصبح الحل هو الأساس الفكري للإنسان يبني عليه أفكاره ومفاهيمه، وتحدث الطمأنينة والسكينة للنفس، ويصبح الأساس للمفاهيم المتعلقة بصياغة النفسية.

 

وأسئلة العقدة الكبرى ثلاثة، تشكل صلة الإنسان بما قبل الحياة الدنيا، وصلته بما بعد الحياة الدنيا، وتصوغ نظرته للحياة الدنيا وتحدد سلوكه فيها، فالسؤال المتعلق بما قبل الحياة الدنيا هو: (من أين جئت؟)، والسؤال المتعلق بالموقف من الحياة الدنيا والنظرة إليها هو: (لماذا ؟)، والسؤال المتعلق بما بعد الحياة الدنيا هو: (إلى أين؟)  . 

 

قلنا إن الدافع لهذه الأسئلة عند الإنسان هو غريزة التدين، وهي تبدأ مع كل إنسان في طفولته مع بداية إدراكه وتفكيره، توقع الإنسان في الحيرة تجاه نفسه وتجاه كل ما حوله، حتى يجد لها الحل الصحيح فتنقطع حيرته وتزول، لكن إن لم يجد لها الحل الصحيح فسيبقى في حيرته، وستبقى الأسئلة معه تثور عليه كل حين وتقلقه مهما بلغ من العمر، وهذا مشاهد محسوس في من لم يحلوا العقدة الكبرى لديهم، ولعلنا نعرض شواهد على ذلك في موضعها بعون الله تعالى.

 

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني –رحمه الله- في كتاب نظام الإسلام: (وإذا حلت هذه العقدة حلت باقي العقد)، وقد كتبتُ في شرح هذه العبارة كتابا بعنوان (العقدة الكبرى والعقد الصغرى)، خصصت به إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير، بث فيها على حلقات زادت عن الأربعين. بَيَّنتُ فيه واقع العقدة الكبرى عند الإنسان وعلاقتها بباقي العقد، وكيف أنه بحلها تحل باقي العقد الصغرى، وكيف أن الإنسان يقع في الشقاء والقلق المستمر إن لم يحلها مهما ملك من الدنيا، ومهما بلغ فيها من مكانة. مصداقاً لقوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ).

 

ويشترط في الحل الصحيح للعقدة الكبرى شرطان مرتبطان بمصدر هذه العقدة، وبأداة حلها، وهما قناعة العقل وموافقة الفطرة، ذلك أن الحل لا يكون صحيحاً إن لم تنته وتتوقف تساؤلات العقدة الكبرى الثلاث، وكذلك لا يكون صحيحا إن لم يقتنع العقل بهذا الحل، وإن لم يوافق هذا الحل قوانين العقل وقوانين الكون التي يدركها العقل.

 

وهذان الشرطان لا يتوافران إلا في العقيدة الإسلامية، فقد أجابت عن هذه الأسئلة إجابات تقنع العقل وتوافق الفطرة. وهذه الإجابات ترافق الإنسان حياته كلها مهما طالت، لا يتطرق إليها شك، بل يزداد ثقة وطمأنينة بهذا الحل كلما ازدادت علومه ومعارفه واطلاعه في هذا الكون. وهذا الحل للعقدة الكبرى يحل كل العقد الصغرى عند الإنسان.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة العشرون

 

 

ولنأت الآن إلى الإجابات العقلية لأسئلة العقدة الكبرى.

 

فجواب من أين جئت؟ هو أنه لا بد لهذا الكون وما فيه من خالق خلقه من العدم، وأن هذا الخالق قادر وقوي ومستغنٍ عما سواه، وهو الذي يدبر أمر هذا الكون، وهو الذي خلق الإنسان، واستخلفه في هذا الكون.

 

ولماذا ؟ ليسير الإنسان في حياته في هذا الكون بحسب نظام الله تعالى، ملتزماً أوامره، ومجتنباً نواهيه، ليحقق رضوانه.

 

وإلى أين ؟ إلى اليوم الآخر، يوم انتهاء الحياة في هذا الكون، ثم البعث والنشور، ثم الحساب على الأوامر والنواهي، ثم الجنة أو النار.

 

هذا الحل الصحيح يشكل الأساس الفكري لنهضة الإنسان، فعليه تُبنى أفكاره ومفاهيمه، ومنه تنبثق أحكامُ أعماله وسلوكاته, وبه تتشكل عقليته، وتصاغ نفسيته، وتوجد الشخصية المتميزة، فتتحقق النهضة التي هي الارتفاع الفكري.

 

فالمفهوم الأول وهو الأكبر، وهو الأساس لكل مفهوم ولكل فكر ولكل سلوك، هو وجود الخالق سبحانه، وهو الحقيقة المطلقة التي توجِدُ اليقين عند الإنسان، ويُقرُّ ما في فطرة الإنسان (في غريزة التدين) من إحساس بالعجر والنقص والضعف والمحدودية والاحتياج، فيطمئن الإنسان أنه ليس وحده في هذا الكون، وأنه لم يوجد فيه عبثاً، وأن هناك غايةً عظيمةً لوجوده يبحث عنها ليحققها ويعيش من أجلها، فيبدأ بإيجاد الصلة بينه وبين الخالق الذي خلقه سبحانه، ليعرف منه ماذا يريد منه ؟ولماذا خلقه ؟ ولمَّا لم يكن من سبيل أن يصل هو إلى الخالق ليعرف من هو وماذا يريد منه، فينتظر منه رسولاً يجيبه عن بقية تساؤلاته. 

 

فيجد القرآن الكريم، الذي يقول عن نفسه إنه كلام الله، وإنه من الله إلى عباده، ويجد هذا القرآن يتحدّى البشر أن يأتوا بمثله، دليلاً وإثباتاً أنه من عند الله سبحانه وتعالى، فيفكر فيه ويتدبره ليجد فعلاً أنه ليس كلام بشر ولا ككلام البشر، فيوقن حقاً أنه من عند الله خالق هذا الكون. 

 

ولكن كيف وصلنا كلام الله تعالى، فنجد أنه جاء به رجلٌ يقول إنه رسول الله إلينا، أوحى الله سبحانه وتعالى إليه كلامه في كتاب مكتوب، وقرآن يُتلى، وبما إن القرآن هو كلام الله ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، فهو معجزٌ، وهو معجزةٌ لمن أتى به، ودليل على صدق رسالة الرسول الذي قال إنه رسول الله إلينا، فنؤمن أن محمداً صلى الله عليه وسلم، هو رسول الله إلينا، يبلغنا شريعة الله سبحانه ونظامه، أوامره ونواهيه التي أراد منا أن نسير بحسبها في هذه الحياة الدنيا، نلتزم الأوامر ونفعلها، ونترك النواهي ونتجنبها، وما النتيجة من ذلك ؟إنها رضوان الله سبحانه وتعالى – الذي يصبح الغاية الكبرى لنا في هذه الحياة الدنيا. وتصبح هذه الأوامر والنواهي صلتنا بما قبل الحياة الدنيا وهو الله سبحانه، ثم إن هذه الأوامر والنواهي هي محل الحساب في اليوم الآخر بعد الموت وبعد البعث، ومن يسير بحسبها في هذه الحياة الدنيا ويحقق رضوان الله تعالى يفوز بالجنة، ومن لا يفعل يعاقب بالنار، وتصبح هذه الأوامر والنواهي هي صلتنا أيضاً بما بعد الحياة الدنيا.

 

وهنا توجد الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة، وعن صلتها جميعاً بما قبلها، وعن صلتها جميعها بما بعدها، وتصبح هذه الفكرة الكلية هي الأساس الفكري، أي القاعدة الفكرية، يبنى عليها كل فكر وكل مفهوم، وتصبح أيضاً قيادة فكرية فينبثق عنها كل حكم متعلق بأفعال الإنسان.

 

وبهذه الفكرة الكلية وبجعلها أساساً للفكر تتشكل العقلية وتُصاغ صياغة خاصة،  وبجعلها أساساً لمفاهيم  النفسية تتشكل النفسية وتصاغ صياغة خاصة، وتتشكل كل من العقلية والنفسية بأساس فكري واحد، ينتج شخصية تتميز بميزة تلك الفكرة الكلية.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان
ميزان الفكر والنفس والسلوك
الحلقة الحادية والعشرون

 


أركان الإيمان


ميزان يتألف من مجموعة من المفاهيم المؤثرة في تشكيل العقلية والنفسية، وهي:


الإيمان بالله: وقد ذكرنا قبل أنه المفهوم الأكبر والأساس الذي تبنى عليه كل المفاهيم والأفكار، وبه تشبع مظاهر الإحساس بالنقص والعجز والضعف والمحدودية والاحتياج من غريزة التدين، وبه مع مفاهيم أخرى يشبع الكثير من مظاهر الغرائز الأخرى، كالخوف والحزن وغيرهما، ونفصل ذلك في موضعه إن شاء الله، وعنه مع بعض المفاهيم الأخرى تنبثق أحكام السلوك (التي سنعرض لها في موقعها من الميزان بإذن الله).


الإيمان بالملائكة: وهم مخلوقات غيبية لا تقع تحت حس الإنسان، لهم وظائف وأعمال كثيرة، ندرك بالإيمان بهم وبمعرفة أعمالهم ووظائفهم عظمة الله تعالى وواسع قدرته، وندرك أيضاً بعض أعمالهم المتعلقة بنا كحمايتهم وحفظهم لنا، وندرك أنهم يسجلون أعمالنا وأقوالنا، فنزداد خشية لله تعالى، ونزداد استمراراً في طاعته سبحانه، والبعد عن معصيته.


3-4 الإيمان بالكتب السابقة والرسل السابقين: نؤمن أن الله سبحانه وتعالى أرسل الكثير من الرسل والأنبياء، وأنزل معهم الكتاب (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)، فندرك بهذا الإيمان حاجة البشر كلهم عبر تاريخهم إلى ميزان الله تعالى ليَزِنوا به فكرهم ونفسيتهم وسلوكهم، وأنهم – أي البشر – بغير رسل الله وبغير رسالاته وبغير ميزانه ضالّون ضائعون خاسرون، فنزداد يقيناً برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل عليه من كتاب وسنة، وما فيهما من ميزان قويم لحياتنا، فنكون أحرص على التزام ما أمرنا الله سبحانه وتعالى واجتناب ما نهانا عنه، ونعتبر مما حصل مع أقوام الرسل السابقين، وما أصابهم من غضب الله عز وجل وعذابه لما خالفوا أوامره واقترفوا نواهيه، فلا نقع في شيء لما وقعوا فيه.


الإيمان باليوم الآخر:


ميزان عظيم، تقوم عليه الحياة الدنيا كلها، لأنه مكان الحساب عن الحياة الدنيا، وفيه الثواب والعقاب، وفيه الفوز العظيم، أو الخسران المبين، وبالإيمان باليوم الآخر تتشكل الحياة الدنيا والنظرة إليها تشكلاً خاصاً متناسباً معه، يصاغ شعور الخوف من العذاب، وشعور الطمع في الثواب، وأمام هذين الشعورين يهون كل خوفٍ في الحياة الدنيا، ويصغر كل طمع في الحياة الدنيا، فلا يطمع العبد في شيء من متاع هذه الحياة الدنيا الزائل، ويزهد في الدنيا وما فيها، ولا يخاف العبد شيئاً في هذه الحياة الدنيا إزاء الخوف الحقيقي من الله سبحانه ومن عذابه في الآخرة، ويمتثل أوامر الله تعالى ويجتنب نواهيه.


و بهذا جاء الأمر من الله تعالى: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا)، ومدح الله سبحانه نبيه زكريا وولده يحيى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).


وبالإيمان باليوم الآخر يحل السؤال الثالث من أسئلة العقدة الكبرى، وهو: إلى أين ؟، فترتبط الحياة الدنيا بالحياة الآخرة، وتصبح الحياة الدنيا عند الإنسان سُلَّماً وطريقاً يسير به نحو الفوز في الحياة الآخرة، فينضبط سلوك العبد في الدنيا بما يتناسب مع تلك الغاية، وتنساق أعماله ضمن ميزان سلوكي محدد ينبثق عن حل العقدة الكبرى، عن العقيدة، عن الإيمان بالله واليوم الآخر.


فلا عجب أن يرتبط الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله أكثر من عشرين مرة في القرآن الكريم، وفي عشرات من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي التذكرة بالإيمان باليوم الآخر خيرُ موعظة وذكرى للمسلم، خاصة لمن تشكل لديه ميل الخوف من القبر وعذابه، والبعث وأهواله، والعرض وما يصاحبه من شدة على الناس، فيصبح ميل الخوف مؤثراً في شخصية العبد، يدفعه للطاعة، ويجنبه المعصية.


6- الإيمان بالقدر خيره وشره، من الله تعالى


وهو ميزان يحدد موقف الإنسان من كلَّ ما حوله وما يقع عليه حسه وما فيها كلها من خواصَّ مفروضةٍ عليها، وأن هذه الخواص وما ينتج عنها من خير أو شر إنما هي من الله تعالى وبتقدير الله سبحانه، وكذلك ما في الإنسان نفسه من خواصَّ وما ينتج عنها من خير أو شر إنما هي من الله تعالى، سواءٌ أكانت هذه الخواصّ بيولوجية متعلقة ببدنه وتركيبه البيولوجي، أم كانت متعلقة بنفسه بما فيها من حاجات عضوية وغرائز، أم كانت متعلقة بعقله وتفكيره وخواص دماغه، فيؤمن العبد أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء، وهو الذي قدر في كل مخلوقاته خواصّ قد تنتج خيراً أو شراً، وكذلك على الإنسان أن يستخدم هذه الخواصّ سواءٌ أكانت فيه أم في الأشياء التي حوله أن يستخدمها لتنتج خيراً، لينال الخير والأجر والثواب، علماً أن الله سبحانه أعطانا أيضاً ميزاناً للخير والشر سنبينه بعد قليل إن شاء الله.


كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان
ميزان الفكر والنفس والسلوك
الحلقة الثانية والعشرون

 

 

مفاهيم العقيدة الفرعية

 

وهي جملة مفاهيم تحدد موقف الإنسان من مجموعة من القضايا الكبيرة في حياة الإنسان، وتصوغ عدداً من الدوافع عند الإنسان، فتحدث له الطمأنينة والسكينة في أمور تؤرقه وتقلقه، في حاضره ومستقبله.

 

الموت والأجل: يندفع الإنسان بدافع غريزة البقاء للمحافظة على حياته واستمرارها، ويخاف عليها، ويخشى أن يهددها أي شيء، وبما إن الموت حتمي على كل إنسان فهو مصدر قلق، وعقدة من العقد الصغرى عند الإنسان، فكان الحل من العقيدة أن الموت لا يقع إلا بانتهاء أجل الإنسان، وأن الله تعالى قد كتب هذا الأجل، وأن الموت سيقع حتماً إذا انتهى الأجل، لا يؤخره خوف أو أي شيء، ولا يقدمه إقدامٌ أو شجاعة أو قتال أو قولة حق، وبما أن المؤمن يعمل للفوز في الآخرة بالجنة والنعيم المقيم فإن الموت بالنسبة له ليس نهاية حياة، بل هو بداية الحياة الحقيقية، حياة الجزاء على عمله الصالح في الدنيا، وتلك الحياة هي حياة الخلود في النعيم الدائم الذي لا ينقطع، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

يقول الله سبحانه وتعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، ويقول سبحانه: (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها)، ويقول عز وجل: ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر)، وغير ذلك من عشرات الآيات التي تدل دلالة قطعية على أن الموت متعلق بالأجل، وأن الأجل بيد الله وحده، لا سلطان لأحد غير الله تعالى أن يحيي أحداً جاء أجله، أو يميت أحداً لم يحن أجله، فيسير الإنسان في هذه الحياة الدنيا آمناً مطمئناً لا يخاف دون الله أحداً على حياته واستمرارها، ويقول دائما: (إنا لله وإنا إليه راجعون).....

 

القضاء والقدر: يختلف الإيمان بالقضاء والقدر عن الإيمان بالقدر الوارد في أركان الإيمان، فالإيمان بالقدر متعلق بخواص الأشياء وخواص الإنسان وما ينتج عنها من خير أو شر، أما الإيمان بالقضاء والقدر فمتعلق بالأفعال التي تقع من الإنسان أو عليه رغماً عنه، مع أن هذه الأفعال تكون باستخدام خواص الإنسان وخواص الأشياء، فيؤمن العبد أن الأفعال التي تقع منه أو عليه جبراً عنه ولا يملك دفعها ولا منع وقوعها إنما هي قضاء وقدر من الله تعالى، ويتحدد موقفه منها بالرضا والتسليم، والصبر والاحتساب، فينال أجر الصابرين.

 

وهذه الدائرة تشمل نوعين:

 

أولهما: ما يقتضيه نظام الوجود كما قدره الله تعالى، فالإنسان ولد رغماً عنه، ولم يختر أبويه أو أحدهما، ولم يختر المكان ولا الزمان اللذين ولد فيهما، ولم يختر شيئاً من خواصه الشكلية أو البيولوجية أو النفسية أو العقلية، وفرض عليه أن يعيش على الأرض بجاذبيتها وحراراتها والضغط الجوي فيها، يتنفس من هوائها، ويشرب من مائها ويأكل من طعامها، ولديه الخصائص التي تمكنه من التأقلم مع بيئته، واستثمار كل هذه الخواص، فلا يحاسب الإنسان على وجود تلك الخصائص فيه وفيما حوله على تلك الهيئة، وهي ضمن القضاء والقدر، ولكنه يحاسب على استخدام تلك الخواص.

 

ثانيهما: الأفعال التي تقع من الإنسان أو عليه رغماً عنه ولا يستطيع دفعها ولا ردها ولا السيطرة عليها، كسقوطه بالخطأ من مكان مرتفع وتأذيه أو تأذي غيره من سقوطه، أو وقع حادث بمركبة لم يعلم عنه ولم يتوقعه ولا يملك له دفعاً، أو تعرضه للأذى من غيره دون استطاعته منع وقوع ذلك الأذى، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة المشاهد والمحسوس وقوعها من البشر باستمرار، فهذه كلها لا تدخل ضمن الثواب والعقاب، ولا يحاسب الإنسان على وقوعها.

 

ويترتب على الإيمان بالقضاء والقدر صياغة شعور الخوف مما يمكن أن يقع من الإنسان أو جبراً عنه في الحاضر والمستقبل، فلا يخاف من شيء دون الله تعالى، فلا يخاف من حوادث مفاجئة، ولا من سجن أو تعذيب، ولا يخاف على نفسه ولا على أهله وأولاده، لأنه يؤمن أنه (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)، فلا يمنعه خوف، ويوقن أن ما سيقع لا بد أن يقع فيشحذ العبد إيمانه مستقبلا كل ما يمكن أن يصيبه قضاءً وقدراً بالرضا والصبر، فينال الخير، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن، كل أمره خير له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، ولا يكون هذا إلا للمؤمن). وبهذا الإيمان مع الإيمان بالأجل يعيش الإنسان في حياته مقبلاً غير مدبراً، مطمئناً لا يخشى شيئاً، فيعمل الصالحات، ويجتنب المنهيات، ويقول الحق أينما كان، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعمل في الدعوة إلى الله، ويجاهد في سبيله، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يخشى خطراً أو سوءاً، فكل ما يصيبه إنما هو خير له.

 

ولنقف قليلاً مع واقع البلاء للمؤمن:

 

واقع ما يقع من البلاء مما هو ضمن القضاء والقدر كما دلت النصوص الشرعية أنه قد يكون عقوبة من الله تعالى على معصية من العبد، فيعجل له العقوبة في الدنيا بدل الآخرة. وقد يكون اختباراً وتمحيصاً لإيمان العبد، وقد يكون تكفيراً لسيئات العبد، ورفعاً لدرجته عند الله تعالى، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل )، ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: (يبتلى العبد على قدر دينه) فإن كان فيه صلابة زيد في البلاء، وإن كان فيه رقة خفف عنه، وفي رواية الترمذي: (فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة).

 

ويقول الله سبحانه وتعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).

 

وأخبر سبحانه عن عقوبات الأقوام السابقين من مثل قوله سبحانه: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل).

 

وقوله سبحانه: (ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون).

 

ويقول سبحانه وتعالى في البلاء التمحيصي: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)، ويقول سبحانه: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاُ).

 

وبمعرفة هذا الميزان، يلتزم العبد الطاعات، ويجتنب المعاصي، حتى لا يقع عليه القضاء والقدر عقوبةً، وحين يقع عليه القضاء والقدر يستقبله بالرضا التام مع رجاء الرحمة من الله تعالى، وأن يجعله له كفارة ورفعاً لدرجته.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثالثة والعشرون

 

 

1- الرزق بيد الله وحده:  هذه قضية من القضايا الكبرى التي تؤرق مضجع الإنسان وتقلقه، خوفه على رزقه ورزق أولاده، وتشكل عنده عقدة من العقد الصغرى _بالنسبة إلى العقدة الكبرى_، وقد جاءت العقيدة الإسلامية بالحل الشافي لهذه العقدة، والميزان القويم الذي يحدد موقف الإنسان من مسألة الرزق والخوف عليه، وخلاصة هذا الحل أن الله تعالى هو من خلق الرزق، وهو وحده الذي قسمه بين عباده، وقسم لكل عبد رزقه منذ نفخ الروح فيه وهو جنين في بطن أمه حتى يموت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  (نفث روح القدس في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها وما قدر لها)، ويقول الله سبحانه وتعالى:  (ورزقكم في السماء وما توعدون)، ويقول عز وجل: (أهم يقسمون رحمة ربك؟ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، ورحمة ربك خير مما يجمعون).

 

وليس الأمر متعلقاً برزق الإنسان وحده، بل كذلك يتعلق بزرق أولاده، لأن في فطرة الإنسان أن يخاف على مستقبل أولاده وعلى رزقهم، فمستقبلهم كمستقبله داخل ضمن الإيمان بالقضاء والقدر، ورزقهم كرزقه قسمه الله سبحانه لهم كما قسمه له، يقول الله سبحانه وتعال:  (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقهم وإياكم)،  فنهى سبحانه وتعالى عن قتل الأولاد خوف الفقر، وأخبر أنه يرزقهم ويرزقنا، وقال سبحانه: ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم) والنهي هنا عن قتلهم بسبب الفقر، وأخبر سبحانه أنه يرزقنا ويرزقهم.

 

وهكذا يسير الإنسان في حياته لا يخشى الموت ولا يخشى ما يمكن أن يقع من القضاء والقدر ولا يخشى قلة الرزق أو انقطاعه، ولا يخاف على أولاده ولا على رزقهم، فهو مقسوم لهم كما هو مقسوم له، فينطلق في حياته آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر عاملاً بالحق صادعاً به، مستودعاً نفسه وأهله وأولاده عند من لا تضيع عنده الودائع، مطمئناً على نفسه وأهله وولده، وعلى حاضره ومستقبله راجياً رضوان الله تعالى، فلا يقف في الدنيا في وجهه شيء، محققاً أعظم الغايات، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وتابعوهم بإحسان.

 

فالعبرة في هذه الحياة الدنيا أن يسير فيها بحسب أوامر الله ونواهيه وأن يسير بحسب ما كُلِّفَ به، ورزقه مقسوم له لا يمنعه منه أحد، بل إنه سبحانه أخبرنا عن طاعات يزيد بها الله سبحانه رزق عباده، فقال سبحانه:  (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب)/6، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يبسط الله له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه)، ويقول سبحانه وتعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)، ويقول سبحانه أيضاً عن بني إسرائيل:  (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم)، وضرب لنا سبحانه أمثالاً عمن كفروا أو عصوا كيف أنهم حرموا الرزق الواسع، فهؤلاء قوم سبأ: (لقد كان لسبأٍ في مسكنهم آية، جنتان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور، فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا، وهل نجازي إلا الكفور).

 

وأولئك أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون،  وعزموا ألا يدخلنها عليهم مسكين، فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم، فحرموا ذلك الرزق الواسع لما منعوها من الفقراء والمساكين.

 

وذلك صاحب الجنتين الذي اغترّ بجنتيه وقال لصاحبه وهو يحاوره:  انا أكثر منك مالاً وأعز نفراً،  فما كان إلا أن أحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها حسرة وندامة على ما فرط في حق الله فيها، وعدم نسبة الفضل إلى الله تعالى.

 

وتلك مريم عليها السلام، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

 

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:  (إن العبد ليحرم الرزق بالمعصية..) فالرزق مرهون بأمر الله سبحانه وتعالى وتقسيمه وتدبيره، وليس مرتبطاً بعمل أو سعي، ولا بإرضاء فلان وعلان، ولا بالسعي في إرادة أمريكا أو غيرها من الدول، ولا بالمساعدات الأمريكية، ولا بقروض صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، التي لم تجلب للأمة إلا الدمار،  ولا بالإبقاء على المعاهدات مع أعداء الأمة، إنما الرزق من عند الله تعالى، وبطاعته سبحانه وتقواه يزداد.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الرابعة والعشرون

 

 

1- عقيدة التوكل: بهذه العقيدة وهذا الميزان صنع المسلمون في زمن قياسي ما عجزت عنه باقي الأمم في قرون طويلة.

 

ذلك أن الإنسان يحس بفطرته في غريزة التدين بالضعف والنقص والمحدودية والاحتياج والعجز، فهو بحاجة دوماً للقوة والعون، وبحاجة لمن يسد له ضعفه ونقصه ومحدوديته واحتياجه وعجزه، وذلك أن حاجته للطعام مثلاً ليست للطعام فحسب،  بل إن احتياجه أيضاً هو للخالق سبحانه وتعالى، الذي خلق الطعام، ووضع فيه خاصية الإشباع، واحتياجه كذلك للخالق الذي خلقه محتاجاً لهذا الطعام، ومحتاجاً لمن يمكنه من هذا الطعام وما يمكنه منه، وهكذا مع كل ما يحتاجه الإنسان في حياته الدنيا، ومع ما يريد تحقيقه  في هذه الحياة الدنيا، فيستعين بالله سبحانه وتعالى لسد حاجاته، ويستعين به لتحقيق أهدافه وغاياته، ويوقن أنه ليس بالأسباب وحدها يسد حاجاته ويحقق ما يريد, وأن قوته مهما بلغت فإنها لا تكفي لتحقيق ما يريد، بل بإرادة الله سبحانه وتعالى وحسن توفيقه وبعونه، انظر معي إلى قول الله العلي العظيم: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين).

 

يقول الله سبحانه وتعالى: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) فلا تنفع أسباب إن لم يشأ الله سبحانه للأمر أن يقع، ولا تنفع إرادة العبد في تحقيق شيء إن لم يأذن الله سبحانه وتعالى بوقوعه. وقد أخبرنا سبحانه أنه بطاعته وتقواه تنفعل الأسباب للعبد وتصبح طوع بنانه، وبكفره أو معصيته تستعصي عليه الأسباب.

 

فهؤلاء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اغترَّ بعضهم بكثرتهم، فلم يسبق لهم أن قاتلوا بمثل هذا الجيش، حتى قال قائلهم:  (لن نغلب اليوم من قلة)،  ولكن تلك الكثرة لم تغن عنهم شيئاً، واستعصت عليهم الأسباب، ولم تنفعل معهم كما كانت في الغزوات السابقة، فالواجب على المسلم أن يبقى مدركاً لصلته بالله تعالى قبل العمل وحين العمل وبعد العمل،  ويسأل نفسه دوماً: لماذا تعسَّر معي الأمر الفلاني؟ ولِمَ لم يتيسر الأمر الفلاني؟ ولعل هذا السؤال يرشد العبد لأن يستدرك ما حصل من نقص أو خلل في نفسه وإيمانه وتوكله، فلا يتكرر الأمر. 

 

وأولئك هم الصحابة رضوان الله عليهم في أحد، وبعد ما تحقق لهم النصر، تحوّل النصر إلى هزيمة بمعصية بدرت من بعضهم ممن كانوا على الجبل يحمون ظهر المسلمين، وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه وتعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين. ..) آل عمران/

152

وبامتثال أوامر الله سبحانه وتعالى واجتناب معاصيه، وحسن التوكل عليه تنفعل الأسباب للعبد، وتصبح مطواعة له، وقد ضرب الله سبحانه وتعالى أروع الأمثلة من الأنبياء والصالحين، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار حين الهجرة، يصف ربنا سبحانه ذلك الموقف بقوله عز وجل: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار! إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا. ..) الأنفال.

 

وها هو وحده صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية يمتثل أمر الله تعالى، ومخالفاً رأي كثير من الصحابة، فيصبح ذلك الصلح فتحاً مبيناً كما وصفه الله سبحانه.

 

وها هو صلى الله عليه وسلم في تبوك، مع جيش العسرة يقول: (نصرت بالرعب من مسيرة شهر). 

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الخامسة والعشرون

 

 

وهناك الكثير من الأمثلة مع الأنبياء السابقين الذين قالوا: (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون) إبراهيم/12.

 

فمنها ما يحصل مع النبي والرسول بمعجزة بتعطيل أسباب وتخلفها، ومنها ما يحصل بغير معجزة بل بالأسباب الطبيعية، فهذا إبراهيم عليه السلام كانت النار عليه برداً وسلاماً، وهذا موسى عليه السلام وعصاه التي تنقلب حية تسعى، وقد انفلق له البحر عن طريق يبسٍ لا يخاف أن يدركه فرعون وجنوده ولا يخشى، وهذا عيسى عليه السلام يرفعه الله سبحانه وتعالى إلى السماء، ويلقي شبهه على شخص آخر فيقتلونه ظناً منهم أنه عيسى عليه السلام، وهذا يونس عليه السلام ينجيه الله سبحانه من بطن الحوت، ثم يرسله سبحانه إلى أكثر من مئة ألف فآمنوا.

 

وفي قصة موسى عليه السلام بيان واضح لمضاء أمر الله تعالى، وأنه سبحانه إذا أراد أمراً هيّأ له أسبابه، فلم يقف الأمر عند تنجية موسى عليه السلام من القتل، بل حصل ما هو أبلغ من ذلك، إذ تربى في قصر فرعون، فقد ربط  الله سبحانه على فؤاد أم موسى لتكون من المؤمنين الصابرين، وأوحى إليها سبحانه أن ترضعه ثم تلقيه في اليم،  انظر إلى ربك سبحانه وتعالى وعظمة تدبيره وبالغ حكمته، يقول لأم موسى (فإذا خفت عليه فألقيه في اليم) ولم يقل لها خبئيه واحفظيه واحرصي عليه وأغلقي عليه الأبواب، بل ارميه في اليم، ثم يلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، ثم يقتل منهم رجلاً، ثم يهرب منهم، ثم يعود إليهم رسولاً، فيدخل على فرعون يأمره وينهاه وهو مطمئن إلى رعاية الله له وحفظه إياه، ثم يقع التحدي، فانظر إلى من آمن به أولا، إنهم السحرة الذين استعان بهم فرعون وأتى بهم من كل حدب وصوب، فكان في ذلك أكبر العبر لمن يعتبر، بمضاء أمر الله سبحانه. وأن الله سبحانه بالغ أمره.

 

والأمر لا يتوقف على الأنبياء فحسب، بل يشمل المؤمنين، يقول الله سبحانه وتعالى: (إنا لننصر رسلنا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)، ويقول سبحانه وتعالى: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة).

 

وهذه مريم عليها السلام: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) وهذا ذو القرنين يقول: (ما مكني فيه ربي خير).

 

وهذا صاحب موسى يقول له: (وما فعلته عن أمري).

 

وهذا مؤمن آل فرعون:  (فوقاه الله سيئات ما مكروا).

 

وهذا أحد الرجلين يقول لصاحب الجنتين: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله).

 

وهذا أوسط أصحاب الجنة يقول لهم: (ألم أقل لولا تسبحون).

 

وهؤلاء أصحاب الكهف دخلوا الكهف (فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً، فضربنا...).

 

ولو اتسع معنا المجال لضربنا أمثلة من الصحابة عليهم رضوان الله، وأمثلة من حملة الدعوة في هذا الزمان، لعل الله يهيئ لنا مكاناً آخر نبسط منه الأمر.

 

فالمؤمن من يوقن أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الكون والإنسان والحياة، وأنه قدرها كما يريد، وأن الأسباب بيد الله وحده، وما عليه إلا أن يمتثل أوامر الله سبحانه ويجتنب نواهيه، فتنفعل له الأسباب، ويحقق في هذه الدنيا ما لا يحققه غيره، وذلك لأن الله سبحانه مع المؤمنين، وهو سبحانه مع الصابرين، وهو سبحانه مع المتقين. 

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...