اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

الميزان... ميزان الفكر والنفس والسلوك


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة السادسة والعشرون

 

 

عقيدة الهدى والضلال: يقع كثير من الناس في الخطأ في فهم هذا الميزان الدقيق، ويفهمون بعض النصوص الشرعية على ظاهرها دون ربطها بباقي النصوص الشرعية المتعلقة بالموضوع، حتى ظن بعضهم أن الله يجبر العبد على الهداية أو يجبره على الضلال _حاشاه سبحانه وتعالى_، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وتوضيحاً لهذا الميزان الدقيق وبالعودة إلى النصوص الشرعية، نجد أن الله سبحانه خالق الإنسان قد فطره على قابلية الهدى والضلال، وترك له الاختيار، وأنه سبحانه يحاسبه على هذا الاختيار، وهو الحَكَمُ العدل سبحانه: (وما ربك بظلام للعبيد).

 

يقول سبحانه وتعالى: (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها ) فقد ألهم الله سبحانه عباده على اختيار الفجور أو التقوى، وأعطاهم هذه الخاصية في فطرتهم، ثم قال بعدها: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) فالفائز من اختار تزكية نفسه بالطاعة، والخائب من اختار تغطية نفسه بالمعصية والفجور، ويقول سبحانه وتعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) فهذه هي الهداية الجبرية: قابلية اختيار سبيل الهدى أو اختيار سبيل الضلال، وهي من الخاصيات المخلوقة مع الإنسان، وهي من القضاء والقدر، يؤمن الإنسان أن الله خلقه قادراً على اختيار طريقه في الحياة الدنيا، وعليه أن يختار الطريق الصحيح، طريق الهدى.

 

وأخبر الله سبحانه وتعالى أن من اختار طريق الهدى حريصاً عليه متحرياً للحق، فإن الله تعالى يزيده هدىَ، فيهيئ له أسباب الهدى ويوفقه فيه، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة مريم: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى).

 

وأخبر سبحانه أن من اختار الضلال فإنه سبحانه سيمده في ضلاله، حتى يعزم على تركه والعودة إلى طريق الهدى، يقول الله سبحانه: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً).

 

وأخبر سبحانه أنه لا يضل أحداً حتى يبين له سبل الهداية فيرفضها ويختار الضلال، يقول سبحانه في سورة التوبة: (وما كان الله ليضل قوماً حتى يتبين لهم ما يتقون).

 

ويقول سبحانه وتعالى عن ثمود قوم صالح عليه السلام: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى. .) فالهداية هنا بمعنى البيان، وهو ما يوافق ما ورد في آية التوبة السابقة.

 

وذكر سبحانه وتعالى أنه لا يهدي من اتصف بصفات معينة، فقال سبحانه:

 

(إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله). النحل/104.

 

(وأن الله لا يهدي القوم الكافرين).

 

(والله لا يهدي القوم الظالمين).

 

(والله لا يهدي القوم الفاسقين).

 

(وأن الله لا يهدي كيد الخائنين).

 

(إن الله لا يهدي من هو كاذبٌ كفار).

 

(إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب).

 

فمن اتصف بصفة من الصفات السابقة حُرِمَ الهداية والتوفيق، والصفات الواردة في الآيات السابقة هي الكفر والظلم والفسق والخيانة والكذب والإسراف الذي هو تجاوز الحد الشرعي.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة السابعة والعشرون

 

 

وأخبر سبحانه أنه يهدي من اتصف بصفات معينة، ووصف من اتصف بصفات معينة بأنهم مهتدون، فقال سبحانه: (قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)، وقال سبحانه: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون).

 

ونَسب الله سبحانه وتعالى اختيار الهداية والضلال إلى العباد في مواضع متعددة من القرآن الكريم، فمن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما ربك بظلام للعبيد).

 

فمع خلق الله سبحانه خاصية اختيار الهدى والضلال في الإنسان، ترك له أن يختار، وهو سبحانه يحاسبه على اختياره، وعليه تفهم الآيات الكريمة التي فهمها بعض الناس على ظاهرها دون ربطها بباقي الآيات من مثل (فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء)، فهذه الآية وأمثالها لا تعني أن الله تعالى يجبر أحداً على اختيار الهدى وعلى اختيار الضلال، بل بربطها بباقي الآيات التي ذكرنا بعضها هنا تدل على أن الله سبحانه هو الذي خلق في الإنسان خاصية الاختيار بين الهدى والضلال، وتدل أيضاً أنه لا يقع شيء في ملك الله سبحانه بغير علمه وبغير مشيئته، فلا يهتدي أحد جبراً عن الله ولا يضل أحدُ جبراً عن الله: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله)، فالأولى أن تحمل هذه الآيات على الهداية والضلال المذكورين في آيات كثيرة مما أشرنا إليه (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً) (ويزيد الله الذين اهتدوا هدىً)، فمن كان في الضلالة أي من اختار الضلالة وحرص عليها فهو ممن شاء الله أن يضلهم بأن يمد له في الضلال، والذين اهتدوا هم من الذين شاء الله سبحانه أن يهديهم، يقول سبحانه وتعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم).

 

وقد أخبر الله سبحانه وتعالى بعلمه المطلق عن أناس بأعيانهم أنهم لا يؤمنون، وكان هذا معجزة للناس، وتحدياً لأولئك الذين أخبر عنهم أنهم من أصحاب النار، كأبي لهب، فالله تعالى لم يجبره على الكفر وعلى العداوة للرسول صلى الله عليه وسلم وللإسلام، لكن الله سبحانه أخبر بعلمه المطلق أنه من أصحاب النار، وانظر إلى أبي لهب كيف بقي مصراً على الكفر رغم نزول سورة المسد، ومات مصراً على الكفر بكامل إرادته، وذاك أبو جهل، وذاك الوليد بن المغيرة (سأصليه سقر)، وغيرهم.

 

وأخبر الله سبحانه وتعالى أن الهدى هو من عند الله، وأن الهدى إنما هو هدى الله، وما عداه فهو ضلال، ووصف الله سبحانه القرآن بأنه هدى، ووصف الرسول صلى الله عليه وسلم أنه هدى.

 

بهذا الميزان وبهذا الفهم لهذا الميزان، يتبع العبد هدى الله ويتوخّاه ويتحرّاه ليزيده الله سبحانه وتعالى هدى وتوفيقاً، ويوقن العبد أنه باستقامته على الحق وعلى الطريق المستقيم يكون من المهتدين، فيحرص على ذلك بالاستمرار على الالتزام بأوامر الله سبحانه واجتناب ما نهى عنه حتى لا يحرم الهدى والتوفيق.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثامنة والعشرون

 

1- عقيدة النصر

 

أحد الموازين المهمة التي لا يستغني عنها المؤمن، وتنظم جانباً مهماً من حياته، ومفهومها ان النصر من عند الله سبحانه، وأنه ينصر من يشاء، يقول سبحانه وتعالى: (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم)، ويقول سبحانه: (وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم).

 

لكن الله سبحانه وتعالى أمر المسلمين أن يعدّوا أقصى ما يستطيعون، فقال سبحانه: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم).

 

والإعداد المطلوب يشمل كل ما يلزم للحرب والقتال، من إعداد مادي من سلاح وآلة الحرب المناسبة للظروف، وإعداد الجند وتدريبهم وتثقيفهم، والإعداد العام من حسن تخطيط وتحرّي أخبار العدوّ، والوعي السياسي بإدراك المؤامرات والمخططات الدولية.

 

والله سبحانه اشترط على المسلمين شروطاً لنصرهم، أولها وأساسها الإيمان بالله سبحانه والإيمان برسوله، ثم التقوى، ثم التوكل على الله وحده، ثم الصبر، ثم نصر الله تعالى، ثم قتال الكفار ومجاهدتهم لإعلاء كلمة الله، فقال سبحانه وتعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)، وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم). فالآيتان ذكرتا الذين آمنوا، وأن الله ينصر الذين آمنوا، وهذا يعني اشتراط الإيمان لاستحقاق نصر الله، وكذلك اشترطت الآية الثانية أن ينصر المؤمنون اللهَ تعالى، ونصر المؤمن لله تكون بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وقال سبحانه وتعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)، وقال سبحانه وتعالى في سورة الصف: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ  عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {10} تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {11} يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {12} وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) فاشترطت الآية على المؤمنين أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وقبل ذلك اشترطت الإيمان بالله ورسوله.

 

وقال سبحانه وتعالى: (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) سورة الأنفال، فالله سبحانه اشترط الصبر في هذه الآية لتتحقق الغلبة أي النصر.

 

وقال سبحانه وتعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ) سورة آل عمران- 160، فذكر التوكل هنا في موضوع النصر يعني اشتراطه لتحقق النصر، فضلاً عن الأمر العام بالتوكل على الله في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) سورة الطلاق، أي كافيه كل ما يهمه، أي يكفيه كل شيء ومنه النصر، وكقوله سبحانه: (قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) سورة المائدة- 23، فضلاً عن اشتراط التوكل على الله في كل عمل يقوم به المسلم ليتم هذا العمل بتوفيق الله سبحانه، والتوكل على الله مطلوب في كل عمل يراد منه تحقيق نتيجة، والنصر نتيجة من النتائج التي هي بيد الله سبحانه.

 

وأمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يجاهدوا الكفار، ويقاتلوهم حتى يتحقق لهم نصر الله تعالى عليهم، فقال سبحانه وتعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) سورة التوبة.

 

وأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسأله النصر، وندعوه أن يكون معنا وأن يمكّن لنا، هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء ودعا ودعا حتى سقط رداؤه عن كتفيه، وهكذا كان حال النبيين من قبله، (قال رب انصرني بما كذبون) المؤمنون – 26، 39. عن اثنين من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، 

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة التاسعة والعشرون

 

 

وأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نسأله النصر، وندعوه أن يكون معنا وأن يمكّن لنا، هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، رفع يديه إلى السماء ودعا ودعا حتى سقط رداؤه عن كتفيه، وهكذا كان حال النبيين من قبله، (قال رب انصرني بما كذبون) المؤمنون – 26، 39. عن اثنين من رسل الله عليهم الصلاة والسلام،  ووردت عشرات الآيات التي تتضمن دعاء الأنبياء السابقين لله سبحانه بالنصر.

 

ونصر الله رسلَه والمؤمنينَ معهم سنة من سنن الله تعالى، وقصّ علينا سبحانه قصص الأنبياء السابقين، وبيّن لنا سبحانه كيف نصرهم، فنصر نوحاً عليه السلام بإهلاك الكافرين من قومه بالطوفان، ونصر إبراهيم عليه السلام بتنجيته من النار، ونصر موسى عليه السلام بإغراق عدوه فرعون وملئه في البحر، ونصر عيسى عليه السلام بالحواريين، ونصره برفعه إلى السماء وتنجيته من القتل.

 

وأخبر سبحانه أنه نصر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم في الغار، فقال سبحانه: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ  نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ  الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ  اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة.

 

ونصر الله سبحانه وتعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين معه في غزوة تبوك دون قتال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب من مسيرة شهر).

 

والله تعالى ينصر من يشاء، فهو ينصر الفئة الضعيفة على الفئة القوية، وينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، فقال سبحانه في نصر الفئة الضعيفة: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة) سورة آل عمران، وقال سبحانه في نصر الفئة القليلة على الكثيرة: (قد كان لكم آيةٌ في فئتين التقتا فئة تقاتلُ في سبيل الله وأخرى كافرةٌ يرونهم مثليهم رأي العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار) سورة آل عمران، وقال سبحانه في قصة طالوت: (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله، والله مع الصابرين) سورة البقرة، و "كم" هنا تفيد التكثير.

 

وأخبر سبحانه أنه يعطي نصره لعباده بعد ابتلائهم بلاءً شديداً، فقال سبحانه: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولَـمّا يأتكم مثلُ الذين خلَوْا من قبلكم مسّتهم البأساءُ والضراءُ وزلزلوا حتى يقولَ الرسولُ والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب) سورة البقرة، وقال سبحانه: (حتى إذا استيأس الرسلُ وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرُنا فنُجِّيَ من نشاءُ...) سورة يوسف، وقال سبحانه: (ولقد كُذِّبَتْ رسلٌ من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا وأُوذُوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) سورة الأنعام- 34.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثلاثون

 

 

وأخبرنا سبحانه أن هناك موانعَ للنصر، تمنَعُ تَنَزُّلَه، أو تحجِبهُ بعد نزوله، منها الركون إلى الظالمين، فقال سبحانه: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النارُ وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تُنْصَرون) هود-113.

 

ومنها الاغترار بكثرة العدد أو كثرة العُدّة، فقال سبحانه: (ويوم حنينٍ إذْ أعجبتكم كثرتُكم فلم تغنِ عنكم شيئاً) سورة التوبة.

 

ومنها المعصية، كمعصية الرسول صلى الله عليه وسلم، كما حصل مع المسلمين في غزوة أحد، فبعدما انتصر المسلمون على الكفار خالفَ الرماةُ الذين على الجبل أمْرَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، فحُجِبَ النصرُ عن المسلمين، وتحوّل إلى هزيمة، وصفها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بالقَرْح.

 

ومنها تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة، فقال سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذابُ ولا هم ينصرون).

 

وواقع الإنسان مع النصر أنه بين حالتين، إمّا أن يكون قوياً بذاته مستغنياً عن غيره فينتصر بذاته، وإمّا أن يكون له فئةٌ تنصره. والحقيقة في هذا الواقع أنْ ليسَ هناك مخلوقٌ قويٌ بذاته ومستغنٍ بذاته، لأن كل مخلوقٍ محتاجٌ وعاجزٌ وناقصٌ وضعيفٌ ومحدودٌ، وهذه صفاتٌ تُفقِدُ المخلوقَ القدرةَ على الانتصار، فمحدودية المخلوق تشمل فيه كل شيء، محدود في علمه، وقدرته، وقوته، وتدبيره، وتخطيطه، وتفكيره، فلا يدري من أين يُوْتَى، ولا كيفَ يُوْتَى.

 

ومع إدراك حقيقة أن النصر من عند الله وحده ندرك أنْ ليس هناك أحدٌ له فئةٌ ينصرونه من دون الله، فمن شاء سبحانه له أن ينتصر انتصر، بفئة أو بغير فئة، بفئة قليلة أو كثيرة، وهذا ما أخبرنا الله سبحانه وتعالى به، فقال سبحانه: (إن ينصرْكم الله فلا غالبَ لكم، وإنْ يخذُلْكم فمنْ ذا الذي ينصرُكم من بعده؟)، وكذلك أخبرنا سبحانه عن صاحب الجنتين في سورة الكهف: (ولم تكنْ له فئةٌ ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً)، وأخبرنا سبحانه وتعالى عن قارون: (فخسفنا به وبدارِه الأرضَ، فما كان له من فئةٍ ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) سورة القصص-81.

 

وكذلك أخبرنا الله سبحانه عن أولئك الذين يدعون غير الله تعالى، فقال سبحانه: (واتخذوا من دون الله آلهةً لعلهم يُنصَرون، لا يستطيعون نصرَهم وهم لهم جندٌ مُحضَرونَ) يس-74. وقال سبحانه: (والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسَهم يَنصُرون) سورة الأعراف-197.

 

ولقد أراد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين الخير كله، وهو وحده الذي يعلم الخير، فها هو سبحانه يخاطب المسلمين في بدر بقوله سبحانه: (وإذْ يعدُكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودّونَ أن غيرَ ذاتِ الشوكةِ تكونُ لكم، ويريدُ الله أن يُحِقَّ الحقَّ بكلماتِه ويقطعَ دابرَ الكافرينَ، ليحقَ الحقَّ ويبطلَ الباطل ولو كره المجرمون) سورة الأنفال، فقد كان بعض المسلمين يودّون السيطرةَ على قافلة قريش، والاستيلاء على ما فيها، لكنّ الله تعالى أراد لهم الخير، والخير هنا في النصر والغلبة وإعلاء كلمة الله، وليس في غير ذلك، حتى إن الله تعالى عبّرَ عن القافلةِ بقوله: (غير ذات الشوكة) وفي هذا التعبير من العتاب والتعليم للمسلمين ما فيه.

 

وخلاصة مفهوم النصر أن النصر من عند الله ينصر من يشاء، وأنه سبحانه ينصر رسله وعباده المتقين الصابرين المتوكلين عليه، الذين يسألونه النصر، ويعملون له حق العمل ويطيعون الله ورسوله.

 

وكذلك يتضمن المفهوم ألا نستعين بغير الله تعالى، ولا نسألَ غيره، ولا نركنَ إلى غيره، ولا نعتمد على غيره من الناس مهما بلغت قوتهم، بل نوقن أن الله تعالى هو الأقوى والأعلم والأقدر، وهو البالغُ أمرِه سبحانه، وأنه إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الحادية والثلاثون

 

 

مفاهيم تحدد وجهة النظر في الحياة

 

أولاً: مفهوم السعادة

 

يسعى الإنسان في حياته لتحقيق السعادة، التي تعني أكبر قدر ممكن من الرضا والطمأنينة، ويظن الإنسان العاديّ المجردُ من نظام الله تعالى أنه يحقق السعادة بتحقيق أكبر قدر ممكن من المال، وإشباع أكبر قدر ممكن من الشهوات، وللأسف فإن كثيراً من الناس يسيرون في هذا الطريق سنوات وسنوات يكدّون ويتعبون لتحقيق ذلك، وفي النهاية يجدون أنهم قد ضلّوا الطريق، ولم يحققوا ما يريدون، فما سبب ذلك؟ وما المفهوم الصحيح للسعادة؟

 

أما سبب ذلك فمتعلق بأمرين مرتبطين بالدوافع الغريزية عند الإنسان، وهما:

 

أولهما: غريزة التدين، وأسئلة العقدة الكبرى النابعةُ منها، وهي كما ذكرنا من قبل: من أين جئتُ؟ ولماذا؟ وإلى أينَ؟ فإن أجاب الإنسان عنها بعقله إجابة صحيحة تقنع عقله وتطمئن فطرته يكون قد وضع قدمه في طريق السعادةـ وإن جعل الجواب أساساً لفكره ونفسيته وسلوكه فإنه بذلك يحقق الرضا الدائمي، لأنه ضمن بإجابة أسئلة العقدة الكبرى ألا يثورَ عليه سؤال (وماذا بعد؟) لإن إشباعه دوافعه السلوكية سار ضمن إجابة الأسئلة الكبرى، وارتبط إشباعه  بما قبل الحياة الدنيا وهو الله تعالى، موقناً بأنه خلقه ووضع فيه الخواصّ التي يستخدمها، وارتبط إشباعه بالمفهوم عن الحياة الدنيا فسيّرَ إشباعَه بحسب الحكم الشرعين، وارتبط إشباعُه بما بعد الحياة الدنيا، وهو اليوم الآخر، فهو بتسييره إشباعه بحسب أوامر الله تعالى ونواهيه حقق الفوز في الآخرة، فبذلك يتحقق الرضا، ويرتاح من سؤال (وماذا بعد؟) والرضا هنا يكون دائمياً، وليس رضاً مؤقتاً لمجرد الإشباع، بل إنه رضا دائمي لكون الإشباع بحسب أمر الله تعالى ونهيه.

 

أما إذا لم يُجِب الإنسانُ عن أسئلة العقدة الكبرى إجابة تقنع عقله وتقرّ ما في فطرته من عجز ونقص واحتياج ومحدودية، فإنه يسير في طريق الشقاء، ولا يحسّ بالسعادة مهما فعل، وذلك أن أسئلة العقدة الكبرى تقضّ مضجعه باستمرار، ويظهر أثرها مع كل عمل وكل إشباع، والسبب هو عدم ارتباط عمله بالغاية من وجوده في هذه الحياة الدنيا، والتي هي إجابة أسئلة العقدة الكبرى، إذ إن الإنسان بعد أن يشبع أي دافع يثور عليه دون أن يسير الإشباع بحسب أمر الله تعالى ونهيه فإنه يثور لديه سؤال (وماذا بعد؟)، والأمثلة على ذلك كثيرة، فليلاحظ الإنسان على نفسه أنه إن كان جائعاً مثلاً واشتهى طعاماً معيناً، وسعى إلى تحصيله، فإنه بعد أن يأكل منه ويشبع، ويرضى عن هذا الشبع، فإنه بمجرد تغير الواقع، وبمجرد التفكير بغيره يزول أثر ذلك الإشباع، وينشأ لديه سؤال (وماذا بعد؟)، ولكن الناسَ يُمَنُّونَ أنفسهم بالإشباع القادم، وهكذا كما وصف سبحانه وتعالى الكفار في سورة الحجر: (ذرْهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأملُ فسوفَ يعلمون)، وعليه فإن من لا يجب عن أسئلة العقدة الكبرى فإنه يبقى يتعب ويكدّ ويشقى ليحصل الرضا الدائمي فلا يصل إليه، وهو يظنّ أنه يصل إليه بمجرد الإشباع، علماً أن مجرد الإشباع لا يعني إلا الإشباع فقط أي الإسكات المؤقت للدافع، مع تحقيق بعض الرضا الجزئي أثناء الإشباع، ولكن بعد انتهاء الإشباع يبدأ الشقاء، وقد رأينا الشقاء في أتباع الحضارة الغربية التي صوّرت السعادة  بأنه المتع والشهوات، فرأيناهم بعد تحصيل ما سعوا إليه ينتحرون، لأنهم فقدوا الغاية الحقيقية من وجودهم، وعندما يرى أحدهم أنه قد حقق كل ما يريد يدرك انتهاء الغاية من وجوده، فيسعى إلى إنهاء حياته بيده، بناء على فكرة الحرية الشنيعة التي أوردت الناس موارد الهلاك، فيزاد شقاء على شقاء، كل ذلك لعدم إدراكه الغاية الحقيقية من وجوده، وتصوّرها تصوّراً خاطئاً أدى به إلى الشقاء.

 

أما الأمل، فإن الأمل الحقيقي إنما هو في الباقيات الصالحات، يقول الله سبحانه وتعالى عن الأمل الحقيقي: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خيرٌ  عند ربك ثواباً وخيرٌ أملاً). سورة الكهف، فالأمل الحقيقي للإنسان هو الأعمال الصالحة الباقية له بعد موته، يفوز بها في الآخرة، وينجو بها من عذاب الآخرة.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثانية والثلاثون

 

 

وثاني ذينِكَ الأمرين المرتبطين بالدوافع الغريزية عند الإنسان هو الغرائز والحاجات العضوية، ذلك أنها حين إثارتها تتطلب مجرد الإشباع، وبالإشباع تهدأ وتتوقف الإثارة، ولكن مجرد الإشباع أيّ إشباع يحقق قدراً من الرضا المؤقت، يزول بزوال أثر الإشباع، وبانتقال الإنسان إلى التفكير بأمر آخر غير الإشباع يزول أثر الإشباع، والرضا الذي يحقق بالإشباع ينتهي بانتهاء التفكير فيه والانتقال إلى غيره، وعليه فإنه لا يمكن تحقيق الرضا الدائمي لمجرد الإشباع، بل إن الرضا المتحقق بالإشباع إنما هو رضا مؤقت سرعان ما يزول بزوال الإشباع وهدوء الدافع، فكيف للإنسان أن يحقق الرضا الدائمي؟؟

 

إن تحقيق الرضا الدائمي لا يكون إلا بالقناعة، والقناعة عقلية، أي لا يكون الرضا الدائمي إلا بفكرةٍ صحيحة يحملها الإنسان ويسير بحسبها، ولكن ما هي هذه الفكرة؟ وما الدليل على صحة ذلك؟؟

 

إن الفكرة التي تحقق الرضا الدائمي عند الإنسان ما هي إلا الإجابة الصحيحة عن أسئلة العقدة الكبرى، تلك الإجابة التي تحدد للإنسان غايته في هذه الحياة الدنيا، تحدد له الغاية من وجوده، فيسير في حياته بحسب هذه الغاية.

 

والإجابة الصحيحة عن أسئلة العقدة الكبرى كما ذكرنا سابقاً في هذا الكتاب أن الإنسان مع ما حوله من كون وحياة مخلوقون لخالق خلقهم من العدم، وكلفهم بتكاليف في هذه الحياة الدنيا سيحاسبهم عنها يوم القيامة، ولا إجابة صحيحة ً غير هذه الإجابة.

 

هذه الإجابة هي الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعن علاقتها جميعها بما قبلها وعن علاقتها حميعها بما بعدها، وهذه الإجابة تشكل الأساس الفكري والنفسي والسلوكي للإنسان، تصبح قاعدة فكرية يقيس عليها أفكاره ومفاهيمه، وقيادة فكرية تبني نفسيته بناءً خاصاً وتحدد سلوكه في هذه الحياة، فيتحقق الرضا الدائمي عند الإنسان حتى بغير إشباع، يسير مطمئناً متصلاً بخالقه سبحانه وتعالى، ويسير إشباعاتها كلها بالأحكام الشرعية فيحقق الرضا الدائمي، ولا يزول هذا الرضا بزوال الإشباع ولا بهدوء الدافع، سواءً أشبعه أم لم يشبعه، انظر إلى الصائم مثلاً كيف يستمتع بامتناعه عن الطعام والشراب والشهوة، وهو يرى أصناف الطعام وأنواع المثيرات، ذلك أن الدوافع لديه ارتبطت بالمفاهيم الصحيحة المبنية على الفكرة الكلية أو المنبثقة عنها، فيجوع ويعطش راضياً مرضياً، لأنه بجوعه هذا يحقق رضوان الله تعالى، فتطمئن نفسه وتهدأ الشواغل لديه فلا تثور، فهو يسير بحسب الفكرة الكلية التي سكَّنت عنده أسئلة من أين ولماذا وإلى أين ؟ فلا يثور لديه سؤال (وماذا بعد؟)، ولكنه إن خالف في أمرها، وعصى ربه سبحانه، تجده لا يهدأ له بال ولا تستقر نفسه ولا تهدأ، حتى يتوب ويستغفر لأن سؤال البعدية عنده يقض مضجعه، فيحاول إزالة هذا التأثير بالندم والتوبة والاستغفار .

 

فهذه هي السعادة تحقيق الرضا الدائمي، وهذا هو طريقها تحقيق رضوان الله، وتلك هي نتيجتها في الدنيا، وكذلك الفوز في الآخرة بجنات الخلد ذات النعيم المقيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وإياكم مستمعينا الكرام من أهلها.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الثالثة والثلاثون

 

 

ثانياً : مفهوم الخير والشر

 

إن الإنسان المجرد من نظام الله تعالى مفهومه عن الخير والشر قاصر، فهو ينظر إلى ما يحبه أنه خير، وما يكرهه أنه شر، وينظر إلى ما ينفعه أنه خير، وما يضره أنه شر، وهذه نظرة قاصرة ضيقة محدودة، وذلك لمحدودية علم الإنسان، فلا يدري ماذا يمكن أن يحصل لاحقاً أو مستقبلاً، ولا يدري عن نتيجة الذي ظنه أنه خير فلعله ينقلب شراً وهو لا يدري، ولذلك فإنه مقياسه هذا وميزانه للخير والشر مقياس قاصر وميزان خاطئ لا يعطيه النتائج الصحيحة، وبجعله متقلباً متردداً في أحكامه على ما يقع منه أو ما يقع له.

 

والنظرة الصحيحة والميزان الدقيق للخير والشر مبني على الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وعن علاقتها جميعها بما قبلها، وعن علاقتها جميعها بما بعدها، فهي أولاً متعلقة بالركن السادس من أركان الإيمان : (الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى) فيؤمن العبد أن الله تعالى خلق في الإنسان وفي الأشياء حوله خواصَّ مفروضةً عليها لا تتخلف، وأن ما ينتج عن هذه الخواصّ من خير أو شر إنما هو من عند الله تعالى، ثم ثانياً كل ما يقع منها على المؤمن فإنما هو خير له، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن، كل أمره خير له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرَاء صبر فكان خيراً له، ولا يكون هذا إلا للمؤمن)، فالمؤمن لا ينظر إلى نتائج الأشياء والأعمال إلا إنها خير له، فإن كان يسير أعماله بحسب أوامر الله ونواهيه كانت له خيراً بغضّ النظر عن المنفعة فيها وبغض النظر عن حبه أو كرهه لها، فيكون ما يكرهه مما يقع منها كفارةً له عن سيئةٍ اقترفها، أو معصيةٍ وقع فيها، أو تكون محبَّةً من الله تعالى للعبد ليرفع درجته، أو تمحيصاً واختباراً للعبد.

 

وعليه لا تكون نظرة المؤمن لنتائج الأعمال من منطلق المنفعة والمضرة، ولا من منطلق المحبة والكره، بل من منطلق أنها من عند الله تعالى، فتكون خيراً للمؤمن المطيع.

 

يقول الله سبحانه وتعالى : (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) فكل ما يصيب المؤمن هو من عند الله كتبه الله له ليكون خيراً له.

 

ويقول سبحانه وتعالى : (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، فالإنسان لا يعلم حقائق الأشياء ولا الأمور ، ولا ما تؤول إليه، فيجعل الشر ّخيراً للمؤمن، ويجعل ما يكرهه خيراً، فهو سبحانه القادر على ذلك بعلمه المحيط وقدرته المطلقة، وبالغِ حكمته، هو سبحانه الذي يخلق الفرج من رحم الشدة، ويخلق النصر من رحم الهزيمة، ويخلق الخير من رحم الشر.

 

لقد أمر الله سبحانه الرجال بحسن معاشرة أزواجهم، حتى لو كره أحدهم امرأته، فعليه أن يعاشرها بالمعروف في كل الأحوال، ذلك أنه لا يدري أين الخير، فقد يكون الخير في ما يكرهه الإنسان وليس في ما يحبه، يقول الله سبحانه وتعالى : (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعلَ اللهُ فيه خيراً كثيراً)، وضرب الله سبحانه لنا مثلاً في المؤمنين (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)، فماذا كانت النتيجة ؟ (فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم) وحقيقة الأمر يبينها العليم الخبير سبحانه بقوله : (إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين).

 

وضربَ الله سبحانه وتعالى للمسلمين مثلاً رائعاً في النظرة إلى الخير والشر، وذلك في حادثة الإفك التي اتُّهِمت فيها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقال سبحانه وتعالى: (إنَّ الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم، لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم) فالذين اخترعوا الإفك لهم حسابهم على الإثم الذين اكتسبوه، والذي تزعم كِبرَ ذلك الإفك له عذاب عظيم، أما الرسول صلى الله عليه وسلم، وعائشة أم المؤمنين فلهم الأجر والثواب على صبرهم على ذلك الإفك، ووصفه الله سبحانه بأن خير ونهى المسلمين أن يحسبوه شراً لهم .

 

إن مقاييس الإنسان مجرداً من نظام الله تعالى مقاييس محدودة، ونظرته ضيقة، فهو بحاجة إلى نظام الله تعالى، فيصبح يرى كل ما يقع له خيراً، ويُثاب ويؤجر على صبره فيما يقتضي الصبر، وعلى شكره فيما يقتضي الشكر.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد - الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الرابعة والثلاثون

 

 

ثالثاً : مقياس الحسن والقبح {الحلال والحرام}

 

مقياس الحسن والقبح يعني تحديد صاحب الحق في أصدار الحكم على الأشياء والأعمال بالحسن أو بالقبح، ويعني الأخذ والترك.

 

وكما ذكرنا عن قصور مصدر الحكم عند الإنسان المجرد من نظام الله عن إصدار الحكم الصحيح على الأشياء والأعمال بالحسن والقبح، فنؤكد أن كلا مصدري الحكم عند الإنسان المجرد من نظام الله قاصران عن إصدار هذا الحكم، فالمصدر الأول الذي هو دوافع الحاجات العضوية والغرائز والمشاعر، لا يصلح لأنه مجرد دافع للسلوك، وليس فيه مقياس يحدد للإنسان أي المشبعات يختار، فلا يصلح للحكم بالحسن والقبح.

 

والمصدر الثاني الذي هو العقل، غير صالح للحكم على الأشياء، والأعمال بالحسن والقبح، أو الأخذ والترك، ذلك أنه يتصف بصفات :

  •  
  •  الاختلاف في الأحكام: بين الأشخاص على الشيء الواحد، بل عند الشخص الواحد باختلاف الزمان أو المكان أو المؤثرات.

  •  
  • التفاوت في الأحكام: بين الأشخاص على الشيء الواحد، بل عند الشخص الواحد باختلاف الزمان أو المكان أو المؤثرات.

  •  
  • التناقض في الأحكام الصادرة من عقول الناس، بل الصادرة من العقل الواحد على الشيء الواحد باختلاف الزمن والعمر والخبرة والبيئة.

  •  
  • التأثر بالبيئة التي يعيش فيها الإنسان، ويلاحظ هذا كل من عاش في بيئة فترة من الزمن ثم انتقل إلى بيئة أخرى، فإنه سيتأثر بها تأثراً غير واعٍ.

 

هذه صفات أربع يتصف بها العقل البشري، وكل إنسان يلاحظ على نفسه ذلك، ولو نظر كل منا إلى أحكامه التي يصدرها على الوقائع المختلفة اليوم، ويقارنها بأحكامه على الوقائع نفسها قبل عشر سنوات لوجد العجب العجاب في ذلك، وازداد إدراكاً لمحدودية عقله .

 

والمشاهد المحسوس على الإنسان أيضاً أنه كلما امتد به العمر وازدادت معلوماته السابقة واكتسب خبرات أكثر وجد أن أحكامه اختلفت عما قبل، فيحسّ أنها صارت أقوى من ذي قبل، وصارت أكثر دقة، وهكذا، وهذا يعني استحالة وصول الإنسان إلى إصدار أحكام مطلقة على أي واقع من جهة الحسن والقبح، وهذا العجز واضح بيّن في الإنسان .

 

أضف إلى هذا أن الحكم على الأشياء والأعمال إنما يكون من جهة الثواب والعقاب، لتعلق أعمال الإنسان بما قبل الحياة الدنيا وبما بعدها، وهذه وحدها كافية للحكم على قصور عقل الإنسان عن إدراك ما قبل الحياة وما بعدها ؛ وحده بدون معرفة نظام الله تعالى، وعليه فإن الإنسان بحاجة إلى مقياس للحكم على الأشياء والأعمال بالحسن والقبح، والأخذ والترك من خالقه، خالق الكون والإنسان والحياة، فهو العليم بما قبل وبما بعد، وهو العليم بما خلق، وهو العليم بالإنسان وما يصلح له.

 

وعليه، فإن المقياس الصحيح للأشياء والأعمال أخذاً وتركاً وحسناً وقبحاً إنما يأتي حصراً من الله سبحانه، وهو ميزان الحلال والحرام، ويتضمن هذا المقياس ميزانين، ميزاناً للأشياء، وميزاناً للأعمال.

 

أما ميزان الأشياء فهو أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، وهذا الميزان مستنبط من عمومات الأدلة التي دلت على تسخير هذا الكون وما فيه للإنسان، وذكر التسخير في معرِض المَنِّ بالإنعام يقتضي إباحة الانتفاع بكل الأشياء في هذا الكون، ولا يستثنى من ذلك إلا ما ورد فيه نص شرعي يحرمه ويحرم الانتفاع منه،  وعليه فإن ميزان الأشياء إما حلال وإما حرام، قال سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)، سورة يونس، 59.

 

أما ميزان الأفعال فهو أن الأصل في الأفعال التقيدُ بالحكم الشرعي، يقول الله سبحانه وتعالى :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)، سورة الأحزاب-36،  إضافة إلى أدلة الطاعة، التي أمرت بطاعة الله ورسوله، وأدلة تحكيم الله ورسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، سورة النساء- 59. (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ)، سورة البقرة- 213. (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ)، سورة النساء- 105.

 

تعريف الحكم الشرعي: خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع .

 

وقد استنبط الفقهاء أنواع الحكم الشرعي،  خمسة، فلا يخلو عمل من أعمال الإنسان من واحد من هذه الخمسة:

  •  
  • الفرض أو الواجب: وهو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه.

  •  
  • المندوب: وهو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.

  •  
  • الحرام: وهو ما يعاقب فاعله.

  •  
  • المكروه: وهو من يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله.

  •  
  • المباح: وهو التخيير بين الفعل والترك.

 

فأعمال الإنسان يجب أن تضبط بهذا الميزان، ما كان منها متعلقاً بشيء ينظر في حكم هذا الشيء إن كان حلالاً أو حراماً، وإن لم يتعلق بشيء أخذ واحداً من الأحكام الخمسة، أخذاً أو تركاً أو تخييراً.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد

- الأردن

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الميزان

ميزان الفكر والنفس والسلوك

الحلقة الخامسة والثلاثون

 

 

رابعاً: تصوير الحياة الدنيا

 

إن النظرة إلى الحياة الدنيا يترتب عليها تحديد موقف الإنسان منها ومما فيها، ويترتب عليها تحديد سلوكه تجاهها وتجاه كل شيء فيها، والنظرة إلى الحياة الدنيا تحدد للإنسان نمط العيش فيها، وتحدد له المثل الأعلى والغاية التي يعيش من أجلها، والنظرة إلى الحياة الدنيا من أهم الأشياء التي اهتمت بها العقائد والأديان والمبادئ.

 

وعليه فلا بد من ميزان دقيق صحيح للنظرة إلى الحياة الدنيا، وهي من المفاهيم التي انبثقت عن العقيدة الإسلامية، التي هي الحل الصحيح للعقدة الكبرى عند الإنسان، ويتمثّل هذا الميزان في عدة نقاط :

 

1- هذه الحياة الدنيا وما فيها من كون وإنسان وحياة مخلوقة لخالق، خلقها من العدم، قال الله سبحانه وتعالى : *(وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق)* الأنعام/73.

 

وقال سبحانه: *(الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام)* السجدة/4.

 

2- أن هذه الحياة الدنيا وما فيها من كون وإنسان وحياة هي لله سبحانه، قال سبحانه وتعالى: *(له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى)* طه/6، وقال سبحانه وتعالى: *(الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون)* البقرة/156.

 

3- أن الإنسان -العاقل المحسوس في الأرض- مخلوق لعبادة الله تعالى: *(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)* الذاريات، وأن هذا الإنسان مستخلف في الأرض قال سبحانه: *(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)* البقرة، وقال سبحانه: *(هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره)* فاطر/39، وقال سبحانه: *(وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم)* الأنعام/165.

 

4-أن الكون وما فيه مسخر للإنسان لينتفع منه بحسب أوامر الله تعالى ونواهيه، قال سبحانه: *(وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه)* الجاثية/63،  *(وسخر لكم ما في السموات والأرض)*،  *(وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار)*،  *(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها)*،  *(ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره)* الحج/65،  *(ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرةً وباطنة)* لقمان/20، وأخبر سبحانه وتعالى عن الأرض أنه قّدر فيها أقواتها، أي أقوات أهلها، فقال سبحانه وتعالى : *(قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ... وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين)* فصلت/10.

 

5- وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه آتى الإنسان من كل ما يلزمه في حياته، قال سبحانه : *(وآتاكم من كل ما سألتموه)* إبراهيم/34، وأخبرنا سبحانه أيضاً أنه آتانا كل ذلك ليبلونا فيه، فقال سبحانه : *(ليبلوكم في ما آتاكم)* الأنعام/165،  وأنه خلقنا وخلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً، فقال سبحانه: *(الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)* الملك/2، وقال سبحانه: *(وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)* هود/7.

 

6- وأخبرنا سبحانه أن كل ما آتانا إياه في هذه الحياة الدنيا إنما هو متاع الحياة الدنيا، والمتاع ما يُتَمَتَّع به ثم ينقضي وينتهي، فليس عليه من مُعَوَّل، والتجارة فيه خاسرة وليست رابحة، وأن كل إنسان سيموت ويترك ما جمعه في هذه الدنيا، وأنه ليس له من هذه الحياة الدنيا إلا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت؟)،  *(ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)* البقرة/36، ولما أخبرنا سبحانه عَمَّا زُيِّن للناس ختم ذلك بقوله : *(ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب)* آل عمران/14،  *(وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)* آل عمران/185، وذكر سبحانه أن متاع الدنيا قليل قياساً بما في الآخرة فقال: *(فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)* التوبة/38 .وقال سبحانه وتعالى: *(وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون)* القصص/60، ويعقد الحق سبحانه وتعالى مقارنة بين من رضي بمتاع الحياة الدنيا ومن وعده الله وعداً حسناً في الآخرة فقال سبحانه: *(أفمن وعدناه وعداً حسناُ فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين)* القصص/61.

 

7- وخلاصة ما سبق أن الحياة الدنيا هي دار ممر وليست دار مقر، وأنها مزرعة للآخرة، يزرع فيها الإنسان ما عمل  من عمل صالح ليحصد ثماره في الآخرة، وأن على الإنسان أن يعمل للقاء الله في الآخرة، وتوعد من يرضى بالحياة الدنيا ولا يعمل للآخرة بالوعيد الشديد يوم القيامة، فقال سبحانه وتعالى: *(إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا والذين هم عن آياتنا غافلون، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون)* يونس/7-8.

 

وقال سبحانه: *(وويل للكافرين من عذاب شديد، الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة)* إبراهيم/2-3، وقال سبحانه :*(فعليهم غضب من ربهم ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة)* النحل/106-107 .

 

وقال سبحانه وتعالى: *(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ماصنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون)* هود/15-16 .

 

فالحياة الدنيا مرحلة عابرة في تاريخ الإنسان، عليها وعلى سيره فيها يتحدد مصيره بوم القيامة، وتتحدد حياته الحقيقية الباقية الخالدة في الآخرة، والإنسان فيها مكلف بتكاليف شرعية عليه أن يسير بحسبها، فهي ليست دار بقاء وخلود، ولا تستحق أن يتاجر بها الإنسان، بل إنه يأخذ منها بالنصيب الذي يقيم أوده، ويعينه على الاستمرار فيها على طاعة الله  تعالى، كما قيل لقارون كما نقل سبحانه وتعالى: *(إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين، وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين)* القصص 76-77 .

 

لكن ماذا كان جواب قارون؟ كان جوابه كجواب كثير من الناس اليوم، ومنهم المسلمون للأسف الشديد، فنسمع منهم قولهم: هذا تعبي، وجهدي، وتضحيتي في هذه الحياة، ويغفل عن حقيقة أن الله قد آتاه كل ما عنده، بل إنه سبحانه وتعالى خلقه وقدر فيه خواص لينتفع بها ورزقه وآتاه أموالاً وبنين وغير ذلك، كان جواب قارون *(إنما أوتيته على علم عندي)* القصص/78 .

 

فالإنسان مخلوق في هذه الحياة الدنيا لا ليجمع المال، ولا ليكنز المال، ولا ليبني القصور، ولا ليعلم أولاده كيفية الكسب، بل إنه مخلوق ليعبد الله تعالى فيما آتاه، ويتعامل مع ما آتاه الله بحسب أوامر الله ونواهيه، فقال سبحانه: *(وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه)* الحديد/7، فالمال مال الله والإنسان مستخلف فيه، ويقول سبحانه: *(ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالاً وعدده، يحسب أن ماله أخلده...)* الهمزة، ويخبر سبحانه عن مصير هذا النوع من الناس بقوله سبحانه: *(ياليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه)* الحاقة/27-29.

 

كتبها للإذاعة وأعدها: خليفة محمد- الأردن

انتهى الجزء الأول

ويليه الجزء الثاني – الحرية تعني عدم الميزان

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...