اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الخامسة والعشرون

فتح بيت المقدس... سيادة الشرع وحفظ المدينة بأحكام الإسلام

 

لم يكن فتح بيت المقدس في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثاً عسكرياً عابراً، ولا مجرد انتقال سلطة من يد إلى يد، بل كان تجسيداً عملياً لطبيعة الدولة في الإسلام: دولة تقوم على العقيدة، وتجعل السيادة للشرع، وتُخضع القوة لأحكام الله لا لأهواء المنتصرين.

 

حين تسلّم عمر رضي الله عنه مفاتيح المدينة، لم يدخلها دخول المتعالي المنتشي بالقوة، بل دخلها بوصفه خليفةً مسؤولاً عن إقامة أحكام الإسلام في أرضٍ فُتحت عنوةً بعد صراع طويل بين الإمبراطوريات. الفارق الجوهري هنا أن الفتح في الإسلام ليس توسعاً استعمارياً، ولا فرضاً لهيمنة قومية، بل إدخال أرضٍ تحت سلطان الإسلام، لتُدار بأحكامه ويُصان فيها دم الناس وأموالهم وأعراضهم.

 

أول ما يلفت النظر أن الفتح كان تثبيتا لسلطان الدولة الإسلامية بوصفها كياناً سياسياً يحمل رسالة. كتب عمر رضي الله عنه عهد الأمان لأهل إيلياء، فحفظ لهم كنائسهم وأموالهم وأنفسهم، ولم يُكرههم على تغيير دينهم. هذا السلوك لم يكن مجاملة سياسية، بل تطبيقاً لحكم شرعي في أهل الذمة، يحدد حقوقهم وواجباتهم ضمن كيان الدولة.

 

إن الدولة في الإسلام لا تُعرّف نفسها من خلال العِرق أو الأرض، بل من خلال العقيدة والنظام المنبثق عنها. لذلك لم يتحول الفتح إلى إحلال سكاني، ولا إلى إبادة ثقافية، بل إلى نقل السيادة من حكم بيزنطي إلى حكم إسلامي، مع بقاء الناس في حياتهم اليومية تحت حماية الشرع. هذه الرؤية تُظهر الفرق بين دولة تحمل الإسلام كمبدأ، ودولة مصلحية تبحث عن النفوذ.

 

ومن أهم الدروس في هذا الفتح أن القوة العسكرية في الإسلام وسيلة لإقامة حكم الله، لا غاية قائمة بذاتها. الجيوش خرجت بأمر الخليفة، وتحت راية واحدة، وبقيت منضبطة بحدود الشرع. لم يُترك الأمر لقادة يتصرفون بحسب أهوائهم، بل كانت القيادة السياسية ممثلة بالخليفة هي التي ترسم التوجه العام، وتضبط مسار الفتح. وهنا يتجلى أن الجهاد في الإسلام ليس حركة عسكرية منفصلة عن الدولة، بل عمل سياسي منظم، مرتبط بكيان جامع هو الخلافة.

 

وعند النظر إلى واقع القدس اليوم، يظهر بوضوح أثر غياب الكيان الجامع الذي يحمل قضية الأمة بوصفها قضية واحدة. المدينة المقدسة تحولت إلى ملف تفاوضي بين أنظمة متفرقة، كل منها ينظر إلى القضية من زاوية قطرية ضيقة. بينما فتحها في عهد عمر كان نتيجة مباشرة لوحدة سياسية قائمة، وجيش موحد، وقيادة واحدة تتصرف بوصفها مسؤولة عن جميع المسلمين، فالقدس فتحها خليفة وحررها صلاح الدين في ظل الخلافة، وحماها وحافظ عليها ورفض بيعها خليفة، ولم يغتصبها يهود إلا بعد هدم الخلافة.

 

الفرق بين الحالين ليس في شجاعة الأفراد، بل في وجود الدولة الجامعة من عدمها. يوم فُتحت القدس، كانت الشام والعراق ومصر وسائر الجزيرة تحت سلطان واحد، تُدار من مركز سياسي واحد، ويُحكم بينها بحكم واحد. أما اليوم، فالتجزئة السياسية جعلت القدس محاصرة بين حسابات إقليمية ودولية، في ظل غياب سلطان يجمع الأمة ويوجه طاقتها.

 

كما أن عهد عمر لأهل القدس يبين أن الدولة الإسلامية لا تُدار بردود الفعل، بل بأحكام منضبطة. فلم يكن الفتح اندفاعاً عاطفياً، بل خطوة ضمن سياسة خارجية واضحة، تهدف إلى إزالة سلطان الإمبراطوريات وإدخال الشعوب في نظام يحكم بالشرع. وهذا يرسخ أن السياسة في الإسلام ليست براغماتية متقلبة، بل منضبطة بالأحكام الشرعية في السلم والحرب، وفي المعاهدات والفتوحات.

 

إن فتح بيت المقدس يقدم نموذجاً لدولة تملك مشروعاً حضارياً متكاملاً: عقيدة تُحدد وجهتها، وأحكاماً تُنظم شؤونها، وسلطاناً يُنفذ تلك الأحكام. لذلك استقرت المدينة قروناً تحت الحكم الإسلامي، ولم تُعرف فيها المجازر التي رافقت احتلالات أخرى عبر التاريخ.

 

الدرس العميق أن تحرير الأرض في الإسلام مرتبط بإقامة الكيان السياسي الذي يطبق الإسلام. فلا يكفي الاندفاع العاطفي، ولا الخطاب المجرد، بل لا بد من دولة تحمل القضية وتحشد لها الطاقات وتتحرك بها وفق أحكام الإسلام. يوم وُجدت تلك الدولة، فُتحت القدس وصينت. ويوم غابت، ضاعت تحت سلطان قوى متنازعة.

 

وهكذا يبقى فتح بيت المقدس شاهداً على أن الأمة حين تكون موحدة تحت إمام واحد، وتجعل السيادة للشرع، وتضبط قوتها بأحكام الإسلام، تستطيع أن تغيّر موازين القوى وتحفظ المدن والإنسان معاً. أما إذا تفرقت، وتعددت قياداتها، وتباينت ولاءاتها، فإن أعظم مقدساتها تبقى رهينة ميزان دولي لا يرحم.

 

القدس لم تُفتح يوماً بخطاب، بل بدولة. ولم تُصنَ بهتاف، بل بسيادة للشرع وسلطانٍ يجمع الأمة على كلمة واحدة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة السادسة والعشرون

فتح مصر... دخل سلطان الإسلام فغيّر وجه التاريخ

 

لا يختزل فتح مصر على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه، في كونه تحركاً عسكرياً أنهى وجود الروم في البلاد، بل هو انتقال لسلطانٍ من نظامٍ إمبراطوري جائر إلى سلطان الإسلام القائم على العقيدة الإسلامية وأحكامها. الفتح في المفهوم الإسلامي ليس غزواً لأجل التوسع، ولا بحثاً عن موارد، بل إدخال أرضٍ تحت حكم الإسلام لتُدار بأحكامه، ويُصان فيها الإنسان بعقدٍ شرعي واضح، لا بإرادة حاكم متقلب.

 

كانت مصر قبل الفتح ترزح تحت سلطان الدولة البيزنطية، تُثقل كاهل أهلها بالضرائب، وتُخضعهم لتمييز ديني وسياسي. لم يكن الناس شركاء في الحكم، ولا كانت ثروات البلاد تُدار لصالحهم، بل لخدمة مركز الإمبراطورية. فجاء الفتح الإسلامي لينقل البلاد من سلطان البشر إلى سلطان الشرع، ومن نظام يقوم على إرادة القيصر إلى نظام يخضع فيه الحاكم والمحكوم لحكم الله تعالى.

 

أول ما يبرز في هذا الحدث أن الجيوش الإسلامية لم تدخل لتستنزف البلاد أو لتحولها إلى مورد خاص لقادتها، بل دخلت بأمر الخليفة، وتحت راية واحدة، ضمن سياسة خارجية واضحة تقودها دولة قائمة غايتها حمل الإسلام للعالم. هذا يؤكد أن الفتح كان فعل دولة مبدئية تقوم على الإسلام عقيدةً ونظاماً، لا حركة عسكرية منفصلة تبحث عن مكاسب آنية.

 

ثانياً: إن انتقال مصر إلى سلطان الإسلام لم يعنِ فرض تغييرات قسرية على أهلها، بل تركوا على أديانهم، وحُفظت كنائسهم وأموالهم، وفق الأحكام المتعلقة بأهل الذمة. هذا السلوك لم يكن تنازلاً سياسياً، بل تنفيذاً لحكم شرعي ينظم علاقة الدولة بغير المسلمين من رعاياها. وهنا يتجلى الفرق بين دولة تُخضع الشعوب بالقهر، ودولة تُخضع الأرض للشرع، وتُبقي الناس في دائرة الحقوق والواجبات التي حدّدها الإسلام.

 

ثالثاً: إدارة البلاد بعد الفتح لم تُترك لاجتهادات شخصية، بل خضعت لتنظيم مالي وإداري منضبط بأحكام الإسلام. بيت المال لم يكن ملكاً للخليفة أو للوالي، بل مالاً للأمة يُصرف في مصارفه الشرعية. الأرض لم تُقسّم غنيمة بين القادة، بل أُبقيت في يد أهلها مقابل خراج يدفعونه، ليبقى الإنتاج مستمراً وتستفيد الأمة كلها. هذا القرار يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الملكيات في الإسلام، ولطريقة إدارة الموارد بوصفها أمانةً لا مورداً خاصاً.

 

وعند إسقاط هذا المشهد على واقع المسلمين اليوم، يظهر الفرق بين وجود سلطان يجمع الأمة ويطبّق أحكام الإسلام، وبين واقع التجزئة الذي تتوزع فيه البلاد بين أنظمة قطرية، كل منها يتعامل مع ثرواته بمعزل عن بقية الأمة. في غياب الكيان الجامع، تتحول الموارد إلى أوراق تفاوض، وتُدار الاقتصادات وفق سياسات مستمدة من نظم وضعية، بينما كان فتح مصر جزءاً من مشروع سياسي واضح المعالم يقوده خليفة واحد، يحكم بما أنزل الله في جميع الأقاليم.

 

الفتح إذاً لم يكن تحريراً وطنياً، بل إدخالاً لبلدٍ في كيان أوسع هو أمة الإسلام، تحت إمام واحد وسلطان واحد. فمصر لم تصبح دولة مستقلة بذاتها، بل أصبحت جزءاً من دار الإسلام، تخضع لأحكام واحدة، وتشارك في حمل الدعوة مع سائر الأقاليم. هذا الفهم يرسخ أن قوة الأمة في وحدتها السياسية، لا في تفرقها ضمن حدود مصطنعة.

 

كما أن هذا الحدث يبيّن أن القوة في الإسلام ليست غاية، بل وسيلة لإزالة العوائق أمام تبليغ الدعوة وإقامة الحكم بما أنزل الله. فلم يكن الهدف إخضاع الناس لإرادة العرب، بل إخضاع الأرض لحكم الإسلام، ليُفتح المجال أمام الناس ليعيشوا في ظل نظام عادل منضبط بأحكام ثابتة لا تتغير بتغير الحكام.

 

إن قراءة فتح مصر من هذه الزاوية تعيد تصحيح المفاهيم؛ فهو لم يكن احتلالاً، لأنه لم يقم على استغلال البلاد ونهبها، ولم يكن مجرد انتصار عسكري عابر، لأنه أحدث تحولاً جذرياً في بنية الحكم ونظام الحياة. لقد انتقلت مصر من سلطان إمبراطورية تجعل التشريع حقاً للقيصر، إلى سلطان الإسلام الذي يجعل السيادة للشرع وحده.

 

والدرس الأعمق أن الأمة حين تكون لها دولة قائمة على أساس الإسلام، قادرة على بسط سلطانها، وتنظيم مواردها، وحمل دعوتها، فإنها تصنع تحولاً تاريخياً حقيقياً. أما إذا غاب هذا الكيان، وتفرقت البلاد، وفُصلت السياسة عن أحكام الإسلام، فإن القوة تتبدد، وتصبح كل رقعة عرضةً للضغط والتدخل.

 

فتح مصر كان شاهداً على أن الدولة التي تجعل الإسلام أساس سلطانها قادرة على تحويل الفتح إلى عدل، والقوة إلى رحمة، والانتقال السياسي إلى استقرار طويل الأمد. إنه درس في أن إقامة الحكم بما أنزل الله ليست شعاراً، بل واقع يصوغ التاريخ ويعيد تشكيل حياة الناس قروناً متتابعة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة السابعة والعشرون

القادسية... يوم أُزيل سلطان كسرى وأُقيم سلطان الإسلام

 

القادسية معركة فاصلة تجلّى فيها معنى الدولة في الإسلام: كيان سياسي قائم على العقيدة، يحمل الإسلام رسالةً إلى العالم، ويجعل السيادة للشرع، ويُسخّر القوة لإزالة سلطان الطواغيت وإقامة حكم الله في الأرض.

 

كانت الدولة الساسانية يوم القادسية من أعظم قوى الأرض؛ جيش جرار، ونظام إداري عريق، وثراء متراكم عبر قرون. لكنها كانت تقوم على ملكٍ عضوض، يجعل التشريع حقاً للحاكم، ويخضع الناس لطبقية قاسية، ويستنزفهم بالضرائب. في المقابل، كان جيش المسلمين جزءاً من دولة ناشئة، لكنها تقوم على أساس مبدئي واضح: الإسلام عقيدةً ونظاماً، وإمام يقود الأمة ببيعة شرعية، وجيش منضبط بأحكام الجهاد.

 

الفارق الجوهري لم يكن في العدد والعتاد، بل في طبيعة الكيان الذي يقف خلف الجيش. المسلمون لم يخرجوا عصبيةً لقوم، ولا طمعاً في أرض، بل حملا للإسلام ودعوته للعالم وبأمر خليفة، ضمن سياسة خارجية محددة، هدفها إزالة الحواجز التي تحول بين الناس وبين الدخول في سلطان الإسلام. فالقادسية لم تكن صراعاً قوميّاً، بل مواجهة بين سلطانين: سلطان بشرٍ يشرّعون من عند أنفسهم، وسلطان شرعٍ يُحتكم إليه في كل شأن.

 

أول درس في القادسية أن النصر مرتبط بإقامة الحكم بما أنزل الله، لا بتفوق الوسائل وحدها. لقد كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقود جيشاً يدرك أفراده أنهم جزء من مشروع أمة، لا مرتزقة في حرب توسع. كانوا يقاتلون تحت راية واحدة، وولاؤهم للإسلام، وطاعتهم لأميرهم جزء من طاعتهم لله. هذا الانضباط ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل انعكاس لعقيدة تجعل الطاعة في المعروف أصلاً من أصول استقامة الجيوش والدول.

 

الدرس الثاني: أن الدولة في الإسلام لا تفصل بين القوة والعقيدة. فالقوة ليست أداة هيمنة اقتصادية، ولا وسيلة لفرض نفوذ سياسي ضيق، بل وسيلة لحمل الدعوة وتأمين تطبيق الأحكام. لذلك لم تتحول البلاد المفتوحة إلى إقطاعيات للقادة، ولم تُنهب مواردها لصالح نخبة عسكرية، بل أُدخلت ضمن نظام مالي وإداري منضبط بأحكام الإسلام، يخضع لبيت مال المسلمين، ويُصرف في مصارفه الشرعية.

 

الدرس الثالث: أن الامبراطوريات، مهما بدت راسخة، تقوم على أسس إذا تصدعت سقطت. الدولة الساسانية كانت متضخمة من الداخل، مثقلة بالظلم والصراع الطبقي، منفصلة عن شعوبها. أما الدولة الإسلامية فكانت تقوم على رابطة العقيدة، وتساوي بين الناس في أصل الانتماء، وتجعل التفاضل بالتقوى لا بالعرق أو الطبقة. لذلك كان انتقال الأرض من سلطان كسرى إلى سلطان الإسلام انتقالاً من حكمٍ طبقي إلى حكمٍ يجعل الناس أمام الشرع سواء.

 

وعند إسقاط هذا المشهد على واقع الأمة اليوم، يظهر الفارق المؤلم بين وجود كيان جامع يقود الأمة بسلطان واحد، وبين واقع التجزئة الذي جعل كل قطر يتحرك ضمن حدوده يحكمه نظام الغرب وعميل للغرب، ويخضع لموازين قوى دولية، ويفاوض منفرداً، ويخشى المواجهة منفرداً. يوم القادسية، لم تكن الجزيرة والعراق والشام كيانات متفرقة، بل أقاليم تحت إمام واحد، تُدار بسياسة واحدة، وتتحرك ضمن رؤية واحدة. هذا هو السر الحقيقي لقلب الموازين.

 

اليوم تُختزل القوة في حسابات السلاح والاقتصاد، ويُظن أن التفوق المادي وحده هو الحاسم. غير أن القادسية تعلّم أن التفوق المادي إذا لم يُسند بعقيدة ونظام منبثق عنها، يبقى هشاً. كما تعلّم أن الأمة إذا فقدت كيانها السياسي الجامع، فإن طاقاتها تتبدد، ولو كثرت أعدادها وثرواتها.

 

القادسية لم تكن مغامرة عسكرية، بل نتيجة طبيعية لقيام دولة الخلافة التي حملت الإسلام إلى العالم. وجود الإمام الذي يقود، والبيعة التي تنظّم العلاقة بين الأمة والحاكم، والجيش المنضبط بأحكام الشرع، كلها عناصر كوّنت كياناً قادراً على إزالة أعظم إمبراطورية في زمانه.

 

إن استحضار القادسية اليوم ليس استدعاءً لذكرى انتصار، بل تذكير بحقيقة: أن الأمة حين يكون لها سلطان قائم على الإسلام، وجيش موحد، وسياسة خارجية واضحة منبثقة عن العقيدة، تستطيع أن تواجه أعظم القوى. أما حين تغيب هذه العناصر، وتُفصل السياسة عن الإسلام، وتُدار البلاد بأنظمة الغرب، فإن موازين القوى تبقى مختلة مهما امتلكت الأمة من موارد.

 

القادسية إذاً ليست قصة بطولة، بل شاهد على أثر قيام الدولة على أساس الإسلام. يوم وُجدت دولة تجعل السيادة للشرع، سقط سلطان كسرى. ويوم غاب هذا الكيان، أصبحت الأمة نفسها ساحة لتنافس الإمبراطوريات. وبين الحالين يكمن الفارق كله وجود دولة تطبق الإسلام وتحمله، أو غيابها.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الثامنة والعشرون

الفتنة الكبرى... حين غاب الانضباط الكامل لمنهج الخلافة فاهتزّ كيان الأمة

 

عند دراسة ما عُرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى، بعد استشهاد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، لا يصح تناول الحدث بوصفه مجرد صراع سياسي بين صحابة أجلاء، ولا حادثة تاريخية معزولة، بل ينبغي النظر إليه من زاوية النظام السياسي في الإسلام، وكيف أن أي خلل في ضبط طريقة إقامة الحكم ومحاسبة الحاكم يمكن أن يفتح باب اضطراب خطير في كيان الأمة كله.

 

لقد قامت دولة الإسلام في عهد رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده على أساس الإسلام حيث يُنصَّب الحاكم ببيعة شرعية، أي بعقدٍ صحيح مع الأمة، وتجب له الطاعة في المعروف، ويُحاسَب إذا أخطأ وفق أحكام الشرع. هذا البناء المتكامل هو الذي حفظ وحدة الأمة في أخطر المراحل، سواء في حروب الردة أو في الفتوحات الكبرى. غير أن الأحداث التي سبقت استشهاد عثمان رضي الله عنه كشفت عن دخول عوامل جديدة على المجتمع الإسلامي، من تضخم الثروات، واتساع رقعة الدولة.

 

أخطر ما في تلك المرحلة لم يكن وجود أخطاء بشرية، فالحاكم ليس معصوماً، وإنما في تحوّل الاعتراض من إطار المحاسبة الشرعية المنضبطة إلى الخروج المسلح والفوضى. الإسلام وضع آلية واضحة لمحاسبة الحاكم، وأوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحرّم الظلم، لكنه في الوقت نفسه شدد على منع التنازع المسلح الذي يؤدي إلى سفك الدماء وتمزيق الجماعة. حين يُترك هذا الميزان الدقيق، يتحول الخلاف إلى اقتتال، ويصبح الكيان كله مهدداً.

 

بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه، بويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيعة صحيحة، وانعقدت له الخلافة. غير أن مسألة القصاص من قتلة عثمان، وكيفية التعامل مع الواقع المضطرب، أدت إلى اختلاف في الاجتهاد بين كبار الصحابة. هذا الاختلاف لم يكن على أصل شرعية الخلافة، بل على ترتيب الأولويات وكيفية معالجة الجريمة الكبرى. لكن دخول عناصر مفسدة، وتأجيج العصبيات، وغياب الاستقرار الأمني الكامل، جعل النزاع يتطور إلى مواجهات عسكرية مؤلمة.

 

الدرس المركزي هنا أن وحدة الأمة السياسية ليست أمراً ثانوياً، بل فريضة شرعية. وجود خليفة واحد تُعقد له البيعة وتجب له الطاعة هو صمام أمان الأمة. وأي تساهل في حماية هذا الكيان، أو فتح الباب أمام تعدد مراكز القوة، يقود إلى انقسام خطير. الفتنة الكبرى أظهرت أن اختلال الأمن الداخلي، وترك المجال للمحرضين وأصحاب الأهواء، قد يجرّ حتى الأخيار إلى ساحات صراع لم يكونوا يقصدونها ابتداءً.

 

كما تكشف تلك الأحداث أن وجود الحاكم الشرعي وحده لا يكفي إن لم تكن آليات المحاسبة منضبطة، والأمة واعية بأحكام الشرع في التعامل مع الأخطاء. فالإسلام لا يقر الظلم، لكنه كذلك لا يبيح الفوضى. بل يجعل التغيير والمحاسبة ضمن إطار يحفظ كيان الدولة. وحين يختل هذا التوازن، تصبح النتيجة استنزافاً داخلياً يضعف الأمة أمام التحديات الخارجية.

 

ومن زاوية أعمق، فإن الفتنة الكبرى كانت بداية تحول تدريجي في طريقة ممارسة الحكم، حيث بدأت تظهر ملامح توريث السلطة لاحقاً، وانحسرت صورة الحكم العملية التي ميّزت عهد الخلفاء الراشدين. وهذا يبيّن أن الحفاظ على منهاج النبوة في الحكم ليس مضموناً تلقائياً، بل يحتاج إلى وعي دائم، وتمسك دقيق بالأحكام الشرعية المتعلقة بطريقة تنصيب الخليفة، وصلاحياته، ومحاسبته.

 

عند إسقاط هذا الدرس على واقع المسلمين اليوم، يتضح أن غياب الخلافة الجامعة أصل البلاء. الأمة اليوم لا تعاني من نزاع على خليفة واحد، بل من غياب الكيان أصلاً، وتعدد الدول والرايات والحدود. ومع ذلك، يبقى درس الفتنة حاضراً وأي مشروع لإقامة الحكم بالإسلام لا بد أن ينضبط بالكامل بطريقة شرعية واضحة، تمنع التنازع، وتحدد آليات المحاسبة، وتقطع الطريق على الفوضى المسلحة والانقلابات والصراعات الشخصية.

 

إن الفتنة الكبرى تذكّر بأن إقامة الخلافة ليست مجرد إعلان سياسي، بل بناء متكامل يحفظ وحدة السلطان، ويضبط العلاقة بين الحاكم والأمة، ويمنع تحول الخلاف في الاجتهاد إلى اقتتال. كما تؤكد أن سفك الدم الحرام داخل الأمة أخطر عليها من عدو خارجي، لأن الانقسام الداخلي يمزق الصف ويبدد القوة.

 

إن تلك المرحلة المؤلمة من التاريخ الإسلامي ليست مادة للخصومة أو الاتهام، بل مصدر وعي سياسي عميق، فوحدة الحكم فرض، والطاعة في المعروف أصل، والمحاسبة حق، لكن كل ذلك يجب أن يجري ضمن أحكام الشرع، لا بدوافع الغضب أو العصبية أو التسرع. الأمة التي تضبط خلافها بهذا الميزان تحفظ كيانها، وتبقى قادرة على حمل الإسلام رسالةً إلى العالم. أما إذا فُتح باب الفوضى، فإن أعظم إنجازاتها قد تهتز في لحظات.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة التاسعة والعشرون

عمر بن عبد العزيز... هل يكفي عدل الفرد دون اكتمال نظام الخلافة؟

 

تاريخ الحكم في الإسلام لا يُقرأ من زاوية تمجيد الأشخاص بقدر ما يُقرأ من زاوية فهم النظام الذي يحكم به. ومن أكثر النماذج استحضاراً في هذا السياق فترة الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، الذي تولى الحكم في مرحلة امتلأت بانحرافات سياسية ومالية، فحاول أن يعيد الأمور إلى نصابها وفق أحكام الإسلام. غير أن قراءة هذه التجربة قراءة منضبطة تقتضي فهم أمرين معاً: قيمة الحاكم الصالح، وحدود الإصلاح إذا لم يكن البناء السياسي مستقراً تماماً على منهاج النبوة.

 

عندما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، لم يتعامل مع المنصب باعتباره تشريفاً، بل تكليفاً شرعياً. أعاد النظر في الأموال التي جُمعت بغير وجه حق، وردّ المظالم، وأوقف مظاهر الترف السياسي، وضيّق على نفسه وأهل بيته في المال العام. هذا السلوك لم يكن زهداً فردياً فحسب، بل كان تعبيراً عن فهم أن بيت المال ملك للأمة، وأن الخليفة نائب عنها لتنفيذ أحكام الشرع عليها، لا مالكاً يتصرف وفق هواه. وهنا يظهر المعنى الجوهري: أن الحاكم في الإسلام مقيّد بأحكام الله، لا مشرّعاً من عند نفسه.

 

كما سعى عمر بن عبد العزيز إلى تخفيف الأعباء عن الرعية، وضبط الولاة، ومحاسبة المقصّرين. وقد نُقل أن أحوال بعض الولايات شهدت تحسناً ملحوظاً حتى خفّ الفقر، وهو أثر طبيعي حين تُطبّق الأحكام كما شُرعت: زكاة تُؤخذ بحق وتُصرف بحق، وخراج يُنظّم وفق ضوابطه، ومنعٌ للتعدي على أموال الناس. العدل هنا ليس شعاراً أخلاقياً، بل ثمرة مباشرة للالتزام بأحكام الشرع.

 

غير أن هذه الفترة، رغم أهميتها، تكشف كذلك حدود الإصلاح الفردي. فعمر بن عبد العزيز تولى الحكم ضمن بنية سياسية سبق أن تسربت إليها مظاهر الملك الوراثي، وتغيرت فيها بعض المفاهيم المتعلقة بطريقة تولي الحكم. لقد حاول أن يعيد الروح إلى معاني سيادة الشرع وسلطان الأمة والشورى والمحاسبة والانضباط بالشرع، لكن عمر في خلافته القصيرة أظهر أن بقاء الإصلاح مرتبط ببقاء النظام نفسه قائماً على أصوله الصحيحة. فمتى عاد الانحراف في طريقة اختيار الحاكم أو في تقييد السلطان بالشرع، عاد الخلل ولو كان الحاكم صالحاً.

 

ومن هنا يتبين أن عدل الفرد، مهما بلغ، لا يغني عن اكتمال البناء السياسي على أساس صحيح. الإسلام لم يربط صلاح الأمة بقدوم رجل استثنائي، بل أوجب إقامة نظام حكم محدد المعالم: بيعة تنعقد على أساس الشرع، سلطان يُقيَّد بأحكام الله، قضاء عدل لا يخشى في الله لومة لائم، ومحاسبة قائمة. فإذا اختل هذا البناء، أصبح الإصلاح مرتبطاً بظروف الأشخاص، لا بثبات النظام.

 

عند النظر إلى واقع المسلمين اليوم، نجد أن المشكلة لا تكمن فقط في فساد بعض الحكام، بل في غياب الكيان السياسي الذي يقوم أصلاً على تطبيق الإسلام في جميع شؤون الحكم. تُدار الدول اليوم بقوانين وضعية، وتُفصل السياسة عن أحكام الإسلام، ويُجعل التشريع حقاً للمجالس والهيئات، بينما الأصل في الحكم أن تكون السيادة للشرع، وأن يكون السلطان أداة لتنفيذه. في مثل هذا الواقع، لا يكفي استحضار نموذج حاكم عادل، لأن البيئة القانونية والسياسية نفسها لا تقوم على الإسلام.

 

فترة عمر بن عبد العزيز تذكّر الأمة بأن الحكم يمكن أن يستقيم إذا انضبط بالشرع، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الاستقامة الدائمة تحتاج إلى نظام مستقر على أساس الإسلام، لا إلى مبادرات إصلاحية متقطعة. فحين يكون اختيار الحاكم ومحاسبته كلها منضبطة بأحكام الشرع، يصبح العدل جزءاً من بنية الدولة، لا استثناءً يرتبط بشخص بعينه.

 

لقد كان عمر بن عبد العزيز مثالاً للخليفة الذي أدرك أن السلطان أمانة، وأن الأمة تُرعى بأحكام الإسلام لا بالأهواء. غير أن الدرس الأعمق من فترته هو أن الأمة تحتاج إلى كيان سياسي مكتمل يقوم على منهاج النبوة، يجعل تطبيق الشريعة أصلاً دائماً، ويمنع تحول الحكم إلى ملك أو امتياز شخصي. عندها لا يكون العدل مرتبطاً بزهد حاكم، بل منبثقاً من نظام يجعل الجميع، حاكماً ومحكوماً، تحت سلطان الشرع.

 

بهذا الفهم، يصبح استحضار عمر بن عبد العزيز دعوة إلى إعادة النظر في طبيعة الحكم ذاته: ليس البحث عن حاكم عادل فحسب، بل العمل لإقامة نظام حكم يضمن استمرار العدل لأنه قائم على الإسلام عقيدةً ونظاماً، لا على مزاج الأفراد وتقلباتهم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الثلاثون

رمضان... نقطة الانطلاق نحو نهضة الأمة الحقيقية

 

ثلاثون يوماً، لكن تأثيرها يمتد لأعوام. رمضان ليس مجرد صيام وعبادات، بل فرصة لإعادة صياغة الذات، وإعادة النظر في مسار الأمة. كل لحظة تأمل، كل ساعة صبر، كل فعل خير، هي خطوة نحو التغيير. في هذا الشهر، يمكن للفرد أن يختبر قدرته على الانضباط، وأن يستعيد وعيه بمسؤولياته تجاه نفسه وأمته.

 

رمضان مدرسة حياتية حقيقية. فهو يعلم الانضباط: تنظيم الوقت بين العبادة والعمل، بين النفس والمجتمع، بين الحاجة والواجب. يعلم الوعي: قراءة التاريخ وفهم معطيات الواقع، وتمييز الحق من الباطل. يعلم الصبر: على الفقر، على المحن، على الظلم، وعلى التحديات التي تواجه الأمة اليوم. ويعلم مراجعة الذات: النظر إلى الأخطاء، تصحيح المسار، وتحديد أولويات الحياة بما ينسجم مع العقيدة والمصلحة العامة.

 

التاريخ الإسلامي مليء بالأمثلة: الصحابة عندما واجهوا تحديات كبرى، لم يبدأوا بالأسلحة فقط، بل بدأوا بالوعي الذاتي، وبإعادة ترتيب أفكارهم ومبادئهم وفق الشرع. فتح مكة، معركة بدر، وقصص النصر والتحرر، كلها بدأت بفهم المسلم لمكانه ودوره قبل أن تتحقق على الأرض. رمضان يقدم اليوم الفرصة نفسها لكل مسلم: أن يفهم دوره، وأن يعيد ترتيب أولوياته، وأن يستعد للمساهمة في صناعة مستقبل أمته.

 

لو خرج المسلم من رمضان بوعي أعمق لتاريخه، وإدراك أكبر لمكانته، ولحجم مسؤولياته تجاه أمته، فإن هذا الوعي سيكون القوة المحركة للتغيير. ليس مجرد شعور عاطفي أو روحاني، بل إدراك عملي كيف يمكن للمسلم أن يكون جزءاً من الحل، كيف يمكن أن يساهم في إصلاح مجتمعه، وكيف يمكن للأمة أن تستعيد وحدتها وقوتها إذا التفت أبناؤها نحو مشروع حضاري واضح.

 

الأمة اليوم تواجه أزمات اقتصادية وسياسية وفكرية، ويحتاج كل مسلم أن يرى أن الحل لا يأتي من الخارج، ولا من انتظار الآخرين، بل يبدأ بالوعي والعمل. رمضان يمنح المسلم فرصة للانطلاق من مرحلة التأمل الفردي إلى العمل الجماعي، من مرحلة مراجعة الذات إلى المساهمة في إعادة بناء الأمة وفق مبادئها.

 

ليكن رمضان هذا العام نقطة انطلاق حقيقية. ليس انتهاء شهر، بل بداية رؤية جديدة، وبداية التزام جاد بفكرة الأمة ومشروعها. كل صلاة، كل صيام، كل صدقة، يمكن أن تتحول إلى تدريب على الانضباط والمسؤولية. كل ساعة يقضيها المسلم في قراءة التاريخ والتفكر في الواقع، هي خطوة نحو فهم الدور الحقيقي الذي يجب أن يلعبه في المجتمع.

 

الأمم لا تنهض إلا بأبنائها الواعين والمخلصين، ولا يعود لها مجدها إلا إذا تحرك كل فرد نحو الهدف الأكبر: استعادة الأمة لمكانتها الحقيقية بين الأمم. رمضان، إذن، ليس مجرد شهر عبادة، بل مدرسة للتغيير، وميدان لاختبار الإرادة، وبداية التحول الذي تحتاجه الأمة لتعود قوية، موحدة، قادرة على مواجهة التحديات وصنع المستقبل.

 

فالأمل قائم، والفرصة موجودة، والنقطة الأهم: التغيير يبدأ الآن، من رمضان من كل مسلم يعي دوره ومسؤولياته تجاه أمته؛ الأمة الواحدة التي تستحق أن تعيش من جديد في ظل دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الحادية والثلاثون

صلاح الدين... كيف أعادت الخلافة القدس إلى حضن الأمة؟

 

حين يُذكر اسم صلاح الدين الأيوبي تتجه الأنظار إلى مشهد تحرير القدس سنة 583هـ بعد انتصار معركة حطين. غير أن اختزال الحدث في بطولة عسكرية يضيّع جوهر التجربة؛ فالقدس لم تعد بسيفٍ مجرد، بل عادت بمشروع سياسي أعاد توحيد الأمة تحت سلطان واحد، وأعاد الاعتبار لحكم الإسلام بوصفه أساس القوة والنهوض.

 

عندما بزغ نجم صلاح الدين، لم يكن الخطر الصليبي هو المشكلة الوحيدة، بل كان الواقع الداخلي أكثر تعقيداً. البلاد الإسلامية كانت موزعة بين قوى متنازعة، والولاءات السياسية متفرقة، وبعض الكيانات ارتبطت بتحالفات أضعفت جبهة المواجهة. في مثل هذا المناخ، لا يُنتظر نصر حاسم، لأن الأمة المنقسمة سياسياً لا تستطيع أن تخوض معركة مصيرية بروح واحدة وقرار واحد.

 

صلاح الدين أدرك أن تحرير القدس لا يبدأ من أسوارها، بل من القاهرة ودمشق وحلب. لذلك عمل على إنهاء الانقسام بين مصر والشام، وأعاد ربط البلاد بسلطان واحد يدين للخلافة ويستمد شرعيته من الإسلام. هذه الخطوة لم تكن مجرد توسيع نفوذ، بل إعادة بناء الجبهة الداخلية على أساس الوحدة السياسية، لأن تعدد الكيانات يعني تعدد القرارات، وتضارب المصالح، وتقديم الحسابات الضيقة على مصلحة الأمة.

 

لقد سبق حطين إعداد طويل؛ إعادة تنظيم الجيش، تقوية الموارد، تثبيت الأمن الداخلي، وضبط العلاقة بين الحاكم والرعية على أساس الإسلام. فالقوة العسكرية في الإسلام ليست عصا غليظة بيد حاكم، بل أداة دولة راعية، تحفظ الدين والنفس والمال، وتتحرك وفق رؤية شرعية. وحين تستقيم الجبهة الداخلية، يصبح التوجه إلى العدو خطوة طبيعية لا مغامرة غير محسوبة.

 

انتصار حطين لم يكن صدفة ولا انفعالاً عاطفياً. كان نتيجة خطة استراتيجية استهدفت عزل القوات الصليبية واستنزافها ثم ضربها في الوقت المناسب. وهنا يظهر الفارق بين مشروع مبدئي واضح، وبين ردود أفعال متفرقة. فالمشروع السياسي المنبثق عن العقيدة يمنح القيادة بوصلة ثابتة، فلا تتحرك وفق ضغط اللحظة، بل وفق هدف محدد: إعادة الأرض إلى سلطان الإسلام.

 

وعندما دخل صلاح الدين القدس، أَمّن السكان، وسمح بخروج من أراد مقابل فدية عادلة، وحافظ على المقدسات، وأعاد للمسجد الأقصى مكانته. هذا السلوك يعكس طبيعة الحكم في الإسلام؛ الفتح ليس إبادة، بل نقل للسيادة من نظام إلى نظام، ومن حكم قائم على الامتيازات والقهر إلى حكم يجعل العقيدة أساس الدولة والتشريع وأحكامها حاكماً للعلاقات.

 

الدرس العميق من صلاح الدين أن تحرير الأرض مرتبط بوحدة الأمة وجرأة القرار السياسي وارتباطه بالحكم الشرعي. فلو بقيت مصر والشام متنازعتين، لبقيت القدس تحت الاحتلال. ولو انشغل كل أمير بإمارته، لما وُجدت معركة فاصلة. إن وحدة السلطان شرط في معارك المصير؛ لأن تعدد المراكز يبدد القوة ويجعل كل جزء يواجه الخطر وحده.

 

واقع الأمة اليوم يكشف صورة معاكسة؛ تعدد الدول القطرية، اختلاف السياسات، وتباين التحالفات. إذا تعرض جزء من بلاد المسلمين لعدوان، بقي الأمر محصوراً في نطاقه الجغرافي، وكأن رابطة الأمة قد تراجعت أمام اعتبارات الحدود والسيادة الوطنية المزعومة. في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن تحرير الأمة ومقدساتها حديثاً نظرياً، لأن القرار السياسي مجزأ.

 

إن استحضار صلاح الدين لا ينبغي أن يكون مناسبة لإحياء الحنين، بل لاستيعاب أن الأمة لا تنتصر بالعاطفة وحدها، بل بمشروع سياسي جامع، يقيم حكم الإسلام، ويوحد الطاقات، ويجعل من العقيدة أساساً للسياسة. فالعقيدة تمنح الدافع، والدولة تمنح القدرة على التنفيذ.

 

القدس عادت يوم توحدت الجبهة، وغاب التنازع، واستقام الحكم على أساس الإسلام. وما لم تستعد الأمة وحدتها السياسية على هذا الأساس، فستبقى جهودها متناثرة، مهما علت الأصوات أو كثرت المبادرات، ولن تعود القدس دار إسلام. إن ما فعله صلاح الدين يقول بوضوح إن النصر يبدأ من الداخل، من إقامة كيان جامع، تتوحد فيه الراية والقيادة والقرار.

 

وهكذا، فإن تحرير القدس في القرن السادس الهجري لم يكن معجزة عابرة، بل ثمرة مشروع أعاد للأمة وحدتها السياسية وربطها بحكم الإسلام. وحين تدرك الأمة اليوم أن طريق التحرير يمر عبر استعادة كيانها السياسي الجامع، فإنها تضع قدمها على بداية الطريق الصحيح، لا نحو استعادة مدينة فحسب، بل نحو استعادة دورها ومكانتها بين الأمم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الثانية والثلاثون

الغزوات الصليبية والتترية

كيف كشف سقوط بغداد واحتلال القدس قيمة الخلافة ووحدة السلطان؟

 

لم تكن الحملات الصليبية ولا اجتياح التتار مجرد حروب عابرة في تاريخ المسلمين، بل زلازل سياسية كشفت بوضوح أثر ضعف الدولة الجامعة، وأظهرت في المقابل كيف يكون النهوض حين تُستعاد وحدة السلطان ويُعاد ربط الحكم بالإسلام. إن قراءة تلك المرحلة لا ينبغي أن تكون قراءة عاطفية تقتصر على البطولات، بل قراءة سياسية واعية تميز بين زمن الضعف وزمن الاستئناف.

 

عندما سقطت القدس بيد الصليبيين، لم يكن السبب مجرد تفوق عسكري للعدو، بل حالة تمزق سياسي عاشتها بلاد المسلمين. كانت الخلافة العباسية قائمة اسماً، بينما السلطة الفعلية موزعة بين قوى متعددة، وتتنازع الولايات فيما بينها. هذا التفكك أضعف القدرة على اتخاذ قرار موحد، وجعل الثغور عرضة للغزو المنفرد. فالعدو لا ينجح في اقتحام دار الإسلام إلا حين يجدها منقسمة، تتعدد فيها مراكز القرار، ويغيب فيها الإمام الذي يوحّد الكلمة ويعبّئ الأمة.

 

ثم جاء الاجتياح التتري ليضرب قلب البلاد الإسلامية، حتى سقطت بغداد عام 1258م، وقُتل الخليفة العباسي، في مشهد هزّ وجدان الأمة. لم يكن سقوط بغداد حدثاً عسكرياً فحسب، بل إعلاناً عن انهيار مركز سياسي كان رغم ضعفه يمثل رمز وحدة المسلمين. ومع غياب ذلك المركز، دخلت الأمة مرحلة اضطراب عميق، وتجرأ الأعداء على اقتحام أراضيها من أطرافها إلى قلبها.

 

غير أن التاريخ ذاته يبين أن الأمة لم تُبعث من جديد بالخطب ولا بالمشاعر، بل بإعادة بناء القوة السياسية على أساس الإسلام. فعندما توحدت الشام ومصر تحت قيادة سياسية واعية، واستُعيد مفهوم الجهاد بوصفه سياسة دولة لا مبادرات فردية، انقلب المشهد. في عهد صلاح الدين الأيوبي، لم يكن تحرير القدس مجرد معركة ناجحة، بل ثمرة مشروع سياسي أعاد توحيد الولايات المتفرقة تحت سلطان واحد، وأعاد ترتيب الأولويات وفق رؤية إسلامية واضحة.

 

وكذلك حين واجه المسلمون التتار في معركة عين جالوت، لم يكن الانتصار معجزة عسكرية منفصلة عن السياق، بل نتيجة إعادة تنظيم الصفوف تحت قيادة سياسية قوية تمثلت في المماليك. لقد أُعيد الاعتبار آنذاك لفكرة أن الأمة تحتاج إلى كيان جامع يقود المواجهة، لا إلى جيوش متناثرة بلا قيادة موحدة ودولة جامعة.

 

الدروس هنا جلية: الخطر الخارجي يتضخم حين يسبقُه ضعف داخلي. والضعف الداخلي لا يُختزل في قلة السلاح، بل في غياب وحدة الحكم، وتراجع مفهوم أن للمسلمين إماما واحدا يقودهم. فالإسلام لم يترك مسألة الحكم لاجتهادات متفرقة، بل أوجب نصب خليفة واحد تُعقد له البيعة، ويتولى رعاية الشؤون داخلياً وحمل الدعوة خارجياً. وحين يتحول الحكم إلى كيانات متنازعة، تصبح كل منطقة هدفاً سهلاً.

 

إن استحضار الحملات الصليبية والتترية اليوم لا ينبغي أن يكون لاستثارة المشاعر، بل لإدراك أن الأمة لا تُحمى إلا بدولة تطبق الإسلام كاملاً. فالمقاومة الموضعية، أو التحالفات الظرفية، أو المعالجات الجزئية، لا تصنع نصراً دائماً. الذي يصنع التحول الحقيقي هو وجود كيان سياسي يوحد الطاقات، ويوجه الموارد، ويجعل قراره نابعاً من عقيدته، لا من إملاءات خارجية أو حسابات قطرية.

 

واقع المسلمين اليوم يكشف صورة أشد تعقيداً من زمن الصليبيين والتتار. فبدل كيان واحد ضعيف، هناك عشرات الكيانات المتفرقة تابعة للغرب يحكمها عملاؤه، ولكل منها سياساته وتحالفاته وحدوده. هذا الواقع يجعل أي تهديد خارجي قادراً على التعامل مع كل قطر بمعزل عن الآخر، ويمنع تشكل إرادة سياسية جامعة. وهنا يتكرر الدرس التاريخي أن التقسيم والتجزئة السياسية بوابة التمكين لأعداء الأمة.

 

لقد نهضت الأمة بعد تلك الكوارث حين استعادت وعيها السياسي، وربطت بين الإيمان والعمل، وبين العقيدة والدولة. فلم يكن النصر نتاج خطب حماسية، بل ثمرة إعادة بناء السلطان على أساس الإسلام، وتوحيد الصفوف تحت راية واحدة. وهذا ما ينبغي أن يُفهم اليوم؛ أن النهضة لا تبدأ من ردود الفعل، بل من مشروع واضح لإقامة حكم بالإسلام، يجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، ويعيد توحيدها تحت قيادة واحدة.

 

إن الغزوات الصليبية والتترية تذكرنا بأن الأمة قد تمرض، لكنها لا تموت إذا عادت إلى أصولها السياسية الصحيحة. أما إذا استمرت في التمزق، وأبقت الحكم مفصولاً عن الإسلام، فإنها تكرر أسباب الضعف ذاتها. بين سقوط بغداد وتحرير القدس مسافة وعي سياسي عميق؛ وبهذا الوعي وحده تستعيد الأمة مكانتها، لا بوصفها ضحية أحداث، بل بوصفها أمة رسالة تحمل مشروعاً حضارياً إلى العالم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الثالثة والثلاثون

عين جالوت... وحدة السلطان تكسر أسطورة التتار

 

 

في سنة 658هـ وقعت معركة عين جالوت، فكانت فاصلةً بين مرحلتين؛ مرحلة تهاوت فيها مدن المسلمين تحت ضربات التتار، حتى سقطت بغداد، ومرحلة استعاد فيها المسلمون زمام المبادرة، وكُسرت أسطورة "الجيش الذي لا يُهزم". غير أن هذه الواقعة لا تُقرأ قراءة عسكرية مجردة، بل قراءة سياسية عميقة تكشف أن الهزيمة والنصر مرتبطان بحال الكيان السياسي للأمة، قوةً وضعفاً.

 

قبل عين جالوت، كانت البلاد الإسلامية تعيش حالة تفكك خطير. سقطت بغداد سنة 656هـ، وقُتل الخليفة العباسي، في مشهد هزّ وجدان المسلمين وأشعرهم بأن مركزهم السياسي قد انهار. فلم يكن سقوط العاصمة مجرد ضربة عسكرية، بل كان تعبيراً عن ضعف بنية الدولة، وتعدد مراكز النفوذ، وتراجع القدرة على توحيد القرار. وحين يغيب الإمام الجامع، وتضعف هيبة السلطان، تصبح الثغور فريسة سهلة للعدو، ويصاب الناس بوهم أن العدو قوة لا تقهر.

 

هذا الوهم كان أخطر من سيوف التتار. فالأمة حين تفقد ثقتها بذاتها، وتظن أن الهزيمة حتمية، تتهيأ نفسياً للانكسار. غير أن الإسلام لا يربط النصر بالكثرة العددية ولا بالعتاد وحده، بل يجعل له سنناً، في مقدمتها وحدة الصف تحت قيادة سياسية قادرة على توجيه الطاقات وفق أحكام الشرع. ومن هنا كان التحول الذي سبق عين جالوت تحوّلاً سياسياً قبل أن يكون عسكرياً.

 

في مصر والشام برز المماليك كقوة سياسية أعادت تنظيم الجبهة الداخلية، ووحّدت القرار، وواجهت التهديد بوصفه تهديداً للأمة كلها، لا لإقليمٍ بعينه. كان السلطان الظاهر بيبرس وأميره قطز يدركان أن المعركة ليست دفاعاً عن حدود محلية، بل دفاع عن دار الإسلام. فحُشدت الطاقات، وأُعيد الاعتبار لمفهوم الجهاد باعتباره سياسة دولة، لا ردّ فعل عاطفياً أو مبادرة فردية.

 

لقد انتصر المسلمون في عين جالوت لأنهم تحركوا ضمن كيان سياسي منظم، يملك قرار الحرب والسلم، ويستند إلى شرعية مستمدة من الإسلام. لم يكن النصر نتيجة حماسة آنية، بل ثمرة إعداد، وتوحيد للصف، وضبطٍ للقيادة. ولو بقيت الأقاليم متفرقة، يتنازع أمراؤها، لما أمكن مواجهة التتار الذين اجتاحوا المشرق كالسيل الجارف.

 

الدرس هنا واضح، الخطر الخارجي يتعاظم حين يسبقه ضعف داخلي سياسي. فالتتار لم يسقطوا بغداد لأنهم أقوى فحسب، بل لأن الدولة كانت تعاني خللاً عميقاً في بنيتها. وعندما أُعيد بناء القوة السياسية في مصر والشام، وتوحدت الجبهة، انقلبت المعادلة. فوحدة السلطان شرط أساس في حفظ الأمة.

 

وإذا نُقل هذا الدرس إلى واقع المسلمين اليوم، بدا المشهد أكثر تعقيداً. فبدل كيان واحد ضعيف كما كان قبيل سقوط بغداد، توجد عشرات الكيانات القطرية، لكل منها حدوده وجيشه وسياساته وتحالفاته وكل حكامه عملاء مرتهنون للغرب. هذا الواقع يجعل أي تهديد خارجي قادراً على التعامل مع كل قطر على حدة، ويحول دون تشكل إرادة سياسية جامعة. إن التجزئة السياسية التي تعيشها الأمة اليوم أخطر في آثارها من التفكك الذي سبق عين جالوت.

 

كما أن الاعتماد على تحالفات دولية، أو الرهان على توازنات قوى عالمية، لا يغني عن بناء قوة ذاتية منبثقة عن مشروع واضح. التتار لم يُهزموا بقرارات من خارج دار الإسلام، بل بقرار سياسي داخلي موحد، جعل المواجهة خياراً لا مفر منه، وربطها بعقيدة الأمة وهويتها. وحين تكون القيادة منبثقة عن الإسلام، وتستند إلى وعي الأمة، يصبح الجندي مدافعاً عن دينه وكيانه، لا مجرد منفذ لأوامر منفصلة عن عقيدته.

 

عين جالوت تُثبت أن الأمة قد تمر بأقسى لحظات الضعف، حتى تظن أن نهايتها قد اقتربت، لكنها إن استعادت وعيها السياسي، وربطت الحكم بالشرع، ووحدت سلطانها، تستطيع قلب الموازين. فالنصر ليس حادثة عابرة، بل نتيجة لقيام دولة قادرة على رعاية الشؤون داخلياً، وحمل الرسالة خارجياً، واتخاذ قرار المواجهة دون تردد.

 

إن استحضار عين جالوت اليوم ليس لاستعادة مشهد بطولي فحسب، بل لإدراك أن كسر "أسطورة القوة العظمى" يبدأ بكسر واقع التمزق الداخلي. فالأمة التي تملك كياناً سياسياً واحداً، يجعل السيادة للشرع، ويوحد قرارها، قادرة على مواجهة أي قوة، مهما بدا بطشها. أما الأمة الممزقة، فإنها تمنح عدوها أفضليةً مجانية، قبل أن تبدأ المعركة.

 

بين سقوط بغداد وانتصار عين جالوت مسافة وعي سياسي عميق: من التفكك إلى الوحدة، ومن التردد إلى الحسم، ومن ردود الفعل إلى مشروع واضح. وهذا هو الدرس الخالد؛ أن قوة الأمة ليست في الأساطير ولا في الأماني، بل في دولة توحدها، وقيادة تضبطها بالإسلام، وإرادة جماعية تدرك أن وعد الله بالنصر مرتبط بالعمل في سبيله وفق أحكام الشرع حتى لو تأخر النصر فهو آت لا محالة.

 

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الرابعة والثلاثون

سقوط الأندلس... حين غاب سلطان الخلافة فتقدّم الأعداء

 

 

لم يكن سقوط الأندلس نهاية لمدينة أو انحساراً لوجود سياسي في بقعة من الأرض، بل كان إعلاناً مدوّياً عن نتيجة حتمية لمسار طويل من التفكك السياسي والانفصال عن الكيان الجامع للأمة. ثمانية قرون من الحكم بالإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية انتهت بتسليم غرناطة، آخر معاقل المسلمين، بعد أن تآكل البناء من الداخل قبل أن يُهاجم من الخارج.

 

إن قراءة هذا الحدث قراءة منضبطة تقتضي النظر إليه من زاوية النظام السياسي في الإسلام، لا من زاوية العاطفة أو الرثاء التاريخي. فالأندلس لم تسقط لأن العدو كان أقوى فحسب، بل لأنها انفصلت عملياً عن مركز الخلافة، ثم تحولت إلى دويلات متناحرة فيما عُرف بعصر الطوائف. وهنا يكمن جوهر الدرس: الإسلام يحفظه كيان سياسي واحد يوحّد الأمة تحت إمام واحد، فإذا تعددت الكيانات وتصارعت، أصبح كل كيان أضعف من أن يصمد منفرداً.

 

في بدايات الفتح، كانت الأندلس جزءاً من دولة الخلافة، تتحرك ضمن سياسة واحدة، وتستمد قوتها من وحدة السلطان. لكن مع ضعف الصلة السياسية بالمركز، وقيام إمارات متنافسة، بدأ منطق المصلحة الضيقة يطغى على مفهوم وحدة الأمة. فتحالف بعض ملوك الطوائف مع الممالك النصرانية ضد جيرانهم من المسلمين، ودُفعت الأموال، واستُعين بالعدو الخارجي لترجيح كفة داخلية. هذا السلوك لم يكن مجرد خطأ سياسي عابر، بل هو انحراف عن أصل شرعي يوجب وحدة المسلمين تحت راية واحدة ويحرم تمكين العدو من رقابهم أو إعانته عليهم.

 

إن أخطر ما أصاب الأندلس لم يكن الهجوم العسكري، بل انهيار مفهوم أن المسلمين أمة واحدة لها سلطان واحد. عندما تحولت الأندلس إلى دويلات، أصبح كل حاكم يسعى لتثبيت ملكه، ولو على حساب الكيان الإسلامي كله. ومع مرور الزمن، تراجعت روح الجهاد بوصفه سياسة دولة تحمل الدعوة، وحل محلها منطق البقاء المحلي، والمساومات المرحلية، والرهان على توازنات مؤقتة.

 

كما أن الترف السياسي والانشغال بالصراعات الداخلية أضعفا الجبهة الداخلية. لم يعد الحكم قائماً على مشروع واضح لحمل الإسلام، بل انحصر في إدارة رقعة جغرافية محدودة. ومع غياب الكيان الجامع، لم تعد هناك قوة مركزية قادرة على حشد طاقات الأمة كلها للدفاع عن الثغر الأندلسي. وهكذا تُركت الأندلس تقاتل وحدها، حتى سقطت مدنها تباعاً، مدينةً بعد أخرى.

 

إن سقوط غرناطة لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل خاتمة لمسار بدأ يوم فُتح باب الانقسام، ويوم قُدِّم الحفاظ على الكرسي المحلي على الحفاظ على وحدة الأمة. ولو كانت الأندلس جزءاً من دولة خلافة قوية موحدة، لما استطاعت الممالك النصرانية المتفرقة أن تستفرد بها. والتاريخ يثبت أن المسلمين حين كانوا موحدين تحت سلطان واحد، واجهوا قوى أعظم منهم عدداً وعتاداً وانتصروا. أما حين تفرقوا، أصبح كل جزء منهم هدفاً سهلاً.

 

الدرس الذي يقدمه سقوط الأندلس للأمة اليوم بالغ الوضوح؛ التجزئة السياسية أصل البلاء. فما تعيشه بلاد المسلمين من حدود مصطنعة وكيانات قطرية متنازعة هو إعادة إنتاج لعصر الطوائف بصورة معاصرة. لكل دولة حساباتها الضيقة، وتحالفاتها الخاصة، وأولوياتها المحلية، التي تتعارض مع مصلحة الأمة الكبرى. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من السهل على الغرب أن يتدخل، وأن يفرض شروطه، وأن يُضعف أي قطر بمفرده.

 

كما يكشف الحدث أن الاكتفاء بالشعارات الدينية دون وجود كيان سياسي يطبق الإسلام كاملاً لا يحمي الأمة. فقد بقي في الأندلس علماء ومساجد ومظاهر إسلامية، لكن غياب الدولة الجامعة جعل هذه المظاهر عاجزة عن حماية الوجود الإسلامي سياسياً وعسكرياً. فالإسلام ليس شعائر روحية فحسب، بل نظام حكم وسياسة وجهاد ورعاية شؤون.

 

إن استعادة العزة لا تكون بالبكاء على الأطلال، بل بفهم السنن التي تحكم قيام الدول وسقوطها. وحدة السلطان فرض شرعي، وليست خياراً. ووجود خليفة واحد للأمة يطبق الإسلام ويحمل الدعوة هو صمام الأمان الذي يمنع تكرار مأساة الأندلس. فحين تكون الأمة جسداً سياسياً واحداً، لا يستطيع العدو أن ينفرد بطرف منه دون أن يواجه الكل.

 

سقوط الأندلس ليس قصة ماضٍ، بل تحذير مستمر فالأمة التي تتخلى عن كيانها السياسي الجامع، وتقبل بالتجزئة والصراعات المحلية، تفتح الباب لانحسار سلطانها ولو بعد حين. أما الأمة التي تعيد بناء نفسها على أساس الإسلام، وتوحد سلطانها، وتجعل السيادة للشرع وحده، فإنها تملك مقومات البقاء والتمكين.

 

بين غرناطة الأمس وواقع اليوم رابط واضح: إما وحدة تحت راية واحدة وسلطان واحد، وإما تكرار دروس السقوط بأشكال جديدة. والتاريخ لا يجامل أمة تُهمل شروط بقائها.

 

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الخامسة والثلاثون

تجسّد الوعد في دولة

محمد الفاتح من البشارة إلى إقامة سلطان الإسلام

 

 

روى الإمام أحمد في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ». لم يكن هذا الحديث الشريف مجرد خبر عن واقعة مستقبلية، بل توجيهاً عملياً للأمة بأن الوعد الإلهي لا يتحقق بالأماني، وإنما بإقامة كيان سياسي يحمل الإسلام ويعمل لتحقيق مقاصده. وقد تجسد هذا المعنى حين فتح محمد الفاتح مدينة القسطنطينية سنة 857هـ/1453م، فتحاً لم يكن إنجازاً عسكرياً فحسب، بل ثمرة دولة قائمة وسلطان جامع.

 

لقد تعاقبت على محاولة فتح القسطنطينية جيوش كثيرة منذ العصر الأموي، لكنها لم تُكتب لها النهاية الحاسمة. لم يكن السبب ضعف الإخلاص أو غياب الشجاعة، بل عدم اكتمال الشروط السياسية والعسكرية التي تجعل الفتح ممكناً. فالمدينة كانت عاصمة الإمبراطورية البيزنطية، محصنة بأسوار منيعة، ومدعومة بعمق سياسي وعسكري. ولم يكن إسقاطها أمراً يتأتى بهجوم عابر، بل بقرار دولة تملك رؤية استراتيجية ونفساً طويلاً.

 

الدولة العثمانية في عهد محمد الفاتح لم تكن مجرد قوة إقليمية تبحث عن توسع، بل كانت كياناً سياسياً يقوم على الإسلام، ويجعل من حمل الدعوة والجهاد جزءاً من سياسته الخارجية. كان السلطان يملك القرار، والجيش منظماً تحت طاعته، والرعية ملتفة حول مشروع واضح. وهذا ما يبرز حقيقة أساسية: الأعمال العظمى في تاريخ المسلمين لم تصنعها مبادرات فردية أو حركات مشتتة، بل صنعتها دولة ذات سلطان نافذ.

 

لم يعتمد محمد الفاتح على الحماسة وحدها، بل أعدّ العدة إعداداً دقيقاً. طوّر المدافع الضخمة التي أحدثت ثغرات في الأسوار، وبنى قلعة روملي حصار للسيطرة على مضيق البوسفور وقطع الإمدادات، ونظم جيشاً منضبطاً قادراً على الصبر في حصار طويل. وعندما أغلقت السلاسل الحديدية مدخل القرن الذهبي، لم يعتبرها نهاية الطريق، بل نقل السفن براً في خطوة عسكرية جريئة، جسدت الجمع بين الجرأة والتخطيط.

 

غير أن جوهر الفتح لم يكن في التقنية العسكرية، بل في وجود دولة تجعل السيادة للشرع، وتتحرك وفق أحكامه. فالجيش الذي مدحه النبي ﷺ لم يكن جيش عصبية أو قومية، بل جيش دولة إسلامية يقاتل تحت راية واضحة. كان الفتح امتداداً لسياسة دولة ترى نفسها مسؤولة عن تبليغ رسالة الإسلام، لا مجرد توسيع حدود جغرافية.

 

وعندما دخلت الجيوش المدينة، لم يتحول النصر إلى فوضى. أمّن الفاتح السكان، وأبقى على كنائسهم، ومنحهم الأمن في العبادة ضمن أحكام الإسلام، ثم حوّل المدينة إلى عاصمة جديدة صارت لاحقاً مركزاً سياسياً وحضارياً للبلاد الإسلامية. هذا السلوك يعكس طبيعة الحكم في الإسلام: الفتح ليس تدميراً، بل نقل للناس من نظام إلى نظام، ومن سلطان إلى سلطان، يحقق العدل ويرعى الشؤون.

 

الدرس العميق هنا أن الوعد الإلهي لا يتحقق في فراغ سياسي. العقيدة هي الدافع، لكن الدولة هي الأداة. فإذا غابت الدولة الجامعة، بقيت النصوص حاضرة في الذاكرة، غائبة في الواقع. أما إذا قامت دولة مبدئية، توحد الأمة تحت إمام واحد، وتوجه الطاقات وفق مشروع واضح، فإن الإمبراطوريات الكبرى ليست عصية على التغيير.

 

واقع المسلمين اليوم يكشف حجم الفجوة بين نموذج الفتح وواقع التمزق. الأمة موزعة على عشرات الكيانات القطرية، لكل منها سياساته وتحالفاته، وكلها مرتهن لإرادة الغرب التي تقيد قراره. في ظل هذا التشرذم، يصبح الحديث عن إنجازات كبرى حديثاً نظرياً، لأن القرار السياسي ليس موحداً ولا موجودا أصلا، ولا السيادة للشرع في الحكم، ولا المشروع جامعاً للأمة.

 

فتح القسطنطينية يبيّن أن القوة ليست في العدد المجرد، بل في وحدة السلطان. حين يكون للأمة إمام واحد، وجيش واحد، وسياسة خارجية واحدة على أساس الإسلام، تتحول طاقاتها إلى قوة مؤثرة. أما حين تتجزأ، فإن كثرة الموارد والجيوش لا تنتج أثراً استراتيجياً حاسماً.

 

كما أن الحدث يرسّخ أن النهضة ليست انفعالاً عاطفياً، بل مشروع سياسي متكامل. محمد الفاتح لم ينتظر معجزة، بل عمل ضمن دولة قائمة، واستثمر أجهزتها، وأدار مواردها، وخطط بعقلية استراتيجية. هكذا تتحول البشارة إلى واقع، وهكذا يصبح التاريخ صناعة بشرية منضبطة بالوحي.

 

إن استحضار هذا الفتح ليس للتغني بماضٍ مجيد، بل لاستلهام سنّة ثابتة؛ إقامة سلطان الإسلام في دولة جامعة هو الطريق لتحويل العقيدة إلى قوة فاعلة في العالم. يوم قامت الدولة، تحقق الوعد، وسقطت عاصمة إمبراطورية عظمى. وحين تستعيد الأمة كيانها السياسي المبدئي، وتوحد قرارها على أساس الإسلام، فإنها قادرة بإذن الله على أن تكتب فصولاً جديدة من تاريخها، لا كحكايات تُروى، بل كواقع يُعاش.

 

 

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة السادسة والثلاثون

الأندلس... حين أسقط التمزقُ دولةً وغابت الخلافة فابتلع العدوّ البلاد

 

لم يكن سقوط الأندلس حادثة عسكرية مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل من الانحدار السياسي والفكري. ثمانية قرون من الحكم بالإسلام في شبه الجزيرة الإيبيرية انتهت سنة 897هـ/1492م بسقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين، في يد مملكتي فرناندو الثاني وإيزابيلا الأولى. لكن الهزيمة لم تبدأ يوم سُلِّمت المفاتيح، بل بدأت يوم تفرقت الأمة سياسياً، وضعفت رابطة الدولة الجامعة، وغاب السلطان الواحد الذي يحمي الثغور ويصون بيضة الأمة.

 

إن قراءة الأندلس من منظور مدني بحت تُغفل الأساس الذي قامت عليه تلك النهضة. دولة تطبق الإسلام وتحمل مشروعاً سياسياً واضحاً. يوم كانت الأندلس جزءاً من كيان سياسي قوي مرتبط بمركز الخلافة، كانت عصية على الاجتثاث. وحين تفككت إلى دويلات عُرفت في التاريخ بدويلات الطوائف، صار كل أمير يبحث عن تثبيت ملكه ولو بالاستعانة بالعدو على أخيه.

 

هنا يتجلى الدرس الجوهري؛ فالانقسام السياسي أخطر من قوة العدو. لقد استنجد بعض ملوك الطوائف بملوك النصارى ضد جيرانهم المسلمين، ودفعوا لهم الأموال، وقدموا لهم التنازلات، طلباً لبقاء عروشهم. هذا السلوك لم يكن خطأً تكتيكياً عابراً، بل انحرافاً عن مفهوم الأمة الواحدة والسلطان الواحد. حين يتحول الحكم إلى مُلك عضوض قائم على المصلحة الضيقة، تتآكل هيبة الدولة، ويصبح التدخل الخارجي أمراً اعتيادياً.

 

لم يكن العدو يملك تفوقاً مطلقاً في كل المراحل، بل استفاد من حالة التفكك. ومع مرور الزمن، تراجعت الروح السياسية الجامعة، وضعف الالتزام بأحكام الإسلام في إدارة الحكم، وازداد الترف بين بعض النخب، وانشغل الحكام بصراعاتهم. وهكذا تهيأت الأرضية لسقوط متدرج، انتهى بمشهد تسليم غرناطة وبكاء آخر ملوكها، حتى قالت له أمه مقولتها الشهيرة: (ابكِ مثل النساء ملكا لم تستطع أن تحافظ عليه مثل الرجال)!

 

إن مشهد أبي عبد الله الصغير وهو يغادر غرناطة لا يمثل هزيمة رجل، بل هزيمة كيان. فقدان المدينة كان نتيجة فقدان الدولة الجامعة قبل ذلك بسنوات طويلة. فحين تغيب الخلافة أو تضعف، وتتحول الأقاليم إلى كيانات متنازعة، يصبح كل جزء عرضة للسقوط منفرداً.

 

الأندلس تقدم برهاناً تاريخياً على أن بقاء الإسلام في الحكم مرتبط بوجود دولة قوية موحدة. لم تكن المشكلة في قلة الموارد أو ضعف السكان، بل في غياب القيادة الواحدة التي تجمع الأمة تحت راية واحدة. الكثرة بلا وحدة لا تصنع قوة، والثروة بلا سلطان جامع لا تحمي أرضاً.

 

واقع المسلمين اليوم يكاد يعيد المشهد بصورة أشد تعقيداً. عشرات الدول القطرية، لكل منها حدود وجيوش وسياسات خارجية، حكامها عملاء للغرب وكلها قيد الارتهان وترتبط بتحالفات تقيد قرارها. إذا تعرض جزء من بلاد المسلمين لعدوان، بقي الأمر محصوراً في نطاقه الجغرافي، وكأن الأمة لم تعد جسداً واحداً! هذا التفكك يشبه إلى حد بعيد حال الطوائف قبيل السقوط.

 

كما أن الارتهان السياسي للغرب يكبل القرار السيادي، ويجعل الأمة دوما تحت الضغط والابتزاز. وهذا ما حدث في الأندلس حين تحولت بعض الإمارات إلى كيانات تدفع الجزية للنصارى لتحافظ على بقائها. التاريخ يثبت أن التنازل لا يحمي الكيان، بل يؤجل سقوطه.

 

الأندلس أيضاً تبيّن أن المدنية ومظاهرها وحدها لا تكفي. قد تبلغ الأمة ذروة في العلوم والعمارة، لكن إذا لم يكن هناك كيان سياسي يحمي هذا الإنجاز، فإنه ينهار مع أول عاصفة كبرى. المدنية تحتاج إلى دولة ترعاها، والدولة تحتاج إلى عقيدة تضبطها. فإذا انفصلت السياسة عن الإسلام، صار الحكم شأناً براغماتياً تحكمه المصالح الآنية، لا رؤية الدولة التي تحمل رسالة للعالم.

 

الوحدة السياسية شرط أساسي للثبات، والانقسام مقدمة للانهيار. الأندلس لم تسقط في يوم، بل سقطت حين قبلت الأمة بالتجزئة، ورضيت بأن يكون لكل إقليم رايته وقراره المستقل. وحين غابت المرجعية الجامعة، صار كل جزء يواجه مصيره منفرداً.

 

إن استحضار الأندلس ليس للبكاء على أطلال، بل لفهم قانون واضح أن الأمة إذا لم يجمعها سلطان واحد على أساس الإسلام، تبقى معرضة للضغط والتفتيت. أما إذا استعادت كيانها السياسي الجامع، الذي يوحد القرار ويحمل الإسلام رسالة للعالم، فإنهم يملكون عناصر الثبات والقوة.

 

الأندلس إذن ليست قصة ماضٍ بعيد، بل تحذير دائم.

 

الهزيمة تبدأ من الداخل حين يتصدع الكيان السياسي، ويغيب المشروع الجامع. والنهضة تبدأ حين تدرك الأمة أن قوتها في وحدتها، وأن وحدتها لا تكون إلا بدولة على أساس الإسلام، توحد الراية، وتجمع الصف، وتحول التاريخ من ذكرى سقوط إلى بداية استعادة.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة السابعة والثلاثون والأخيرة

1924م عام غياب الخلافة، كيف أعاد تشكيل السياسة والهوية

 

لم يكن عام 1924م مجرد تاريخ يُذكر في كتب السياسة، بل كان نقطة انعطاف كبرى في مسار الأمة. في ذلك العام أُعلن إلغاء الخلافة، فسقط آخر كيان سياسي جامع للمسلمين، وتحوّلت البلاد الإسلامية من وحدة سياسية رغم ما اعتراها من ضعف إلى حفنة من الكيانات المتفرقة. لم يكن الحدث تغييراً إدارياً في قمة هرم السلطة، بل إعادة صياغة كاملة لشكل المنطقة، وحدودها، وأنظمتها، وهويتها السياسية.

 

قبل ذلك التاريخ، كانت الأمة رغم تباين أقاليمها ترتبط برابطة سياسية واحدة، تُدار من خلالها شؤون الحرب والسلم، والعلاقات الخارجية، والقضاء، وحماية الثغور. نعم، كان هناك ضعف، وكانت هناك أخطاء، لكن الإطار الجامع بقي قائماً. بإسقاط الخلافة، لم يُستبدل شكل حكم بآخر فحسب، بل أُلغيت فكرة الوحدة السياسية من أصلها، وحلّ محلها نظام دول قطرية رسمت حدودها القوى الاستعمارية وفق مصالحها، لا وفق وحدة الأمة أو مصالحها.

 

منذ ذلك الحين بدأت مرحلة جديدة بتقطيع أوصال الأمة وبلادها إلى دول، وزرع كيانات مصطنعة، وتغذية النزعات القومية والإقليمية على حساب رابطة الإسلام. أُدخلت أنظمة الغرب، وقوانينه الوضعية، ونُحّي الشرع عن مركز القرار السياسي، وأُعيد تعريف الدولة بوصفها كياناً قوميّاً منفصلاً لا جزءاً من أمة واحدة. وهكذا انتقلت الأمة من كيان سياسي واحد، وإن كان مريضاً، إلى كيانات متنافسة، لكل منها علم وحدود وجيش وسياسة خارجية، وغالباً مصالح متصادمة مع جيرانها.

 

النتيجة لم تتأخر في الظهور. قضايا الأمة الكبرى فقدت مركزية ووحدة القرار. فلم يعد هناك قرار جامع في مواجهة الاحتلال، ولا موقف واحد في قضايا الحرب والسلم، ولا سياسة اقتصادية تُدار على مستوى الأمة. أصبحت كل دولة تتحرك ضمن حساباتها الضيقة، وتخضع لموازين الغرب، وتخوض الصراعات وحدها بل تتصارع مع بعضها وغيرها وتريق دماء أبنائها لخدمة مصالح الغرب.

 

الواقع المعاصر شاهد حي على آثار ذلك التحول. حين تقع أزمة في جزء من البلاد الإسلامية، لا تتحرك الأمة كجسد واحد، بل تتحرك كل دولة وفق ميزان مصالح آنية، أو وفق مصالح سادتها في الغرب.

 

والثروات الهائلة موزعة بين دول، لكنها لا تُدار كقوة موحدة فحسب بل تمنح هبة للغرب بلا مقابل. والجيوش عديدة وقوية، لكنها ليست جزءاً من عقيدة عسكرية واحدة. فالقرارات السياسية تصدر متفرقة، وغالباً متناقضة، ولا تصاغ إلا لمصلحة الغرب. وهكذا بقيت الأمة موحدة في الشعور الديني، لكنها بعيدة عنه في القرار السياسي.

 

إن هذا التحول لم يكن حادثة تاريخية عابرة، بل أصل أزمة سياسية ممتدة. لأن الإسلام لا يقتصر على العبادة الفردية، بل يضع تصوراً شاملاً للحكم والسياسة والعلاقات الدولية، ويجعل وحدة الأمة السياسية مبدأً أصيلاً. لذلك فإن غياب الكيان الجامع لم يُفقد الأمة مجرد رمز، بل أفقدها الأداة العملية لتطبيق نظامها السياسي على مستوى شامل.

 

رمضان، بشعائره الجامعة، يطرح مفارقة لافتة. الأمة تصوم معاً، وتفطر معاً، وتتجه إلى قبلة واحدة، وتتلو كتاباً واحداً، وتشعر بوحدة وجدانية وروحية عميقة. لكن هذه الوحدة الروحية لا تنعكس على مستوى القرار السياسي. هنا يبرز السؤال الجوهري، هل يمكن لأمة توحدها العقيدة والشعائر أن تبقى إلى ما لا نهاية بلا إطار سياسي جامع يعبر عن تلك الوحدة؟

 

إن قراءة ما بعد عام 1924م تكشف أن البلاد الإسلامية لم تخرج من دائرة الأزمات المتلاحقة؛ احتلالات مباشرة، تبعية اقتصادية، نزاعات داخلية، صراعات حدودية، ضغوط سياسية، إعادة تشكيل مستمرة للمنطقة وفق مصالح القوى الكبرى... وكل ذلك يحدث في ظل غياب مرجعية سياسية واحدة قادرة على جمع الطاقات وتوجيهها ضمن مشروع موحد.

 

لا يعني هذا أن التاريخ يُستنسخ كما هو، أو أن العودة تكون بتكرار الشكل دون مراجعة، لكنه يعني أن سؤال الوحدة السياسية ليس ترفاً فكرياً، بل سؤال يتعلق بقدرة الأمة على حماية نفسها، وإدارة ثرواتها، وصياغة سياساتها الخارجية، والدفاع عن قضاياها الكبرى. حين تغيب الأداة الجامعة، تبقى الطاقات مبعثرة، حتى لو كانت هائلة.

 

إن عام 1924م لم يكن نهاية مرحلة فحسب، بل بداية طور جديد من التقسيم والتجزئة السياسية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد مائة وخمسة أعوام هل ستبقى الأمة أسيرة ذلك التقسيم بوصفه قدراً دائماً؟ أم أن فكرة وحدة الأمة بوصفها حكما شرعياً واجبا وحاجة واقعية، ستعود لتفرض نفسها بوصفها حلاً جذرياً لأزمة ممتدة؟

 

التاريخ لا يتحرك عبثاً. وإسقاط الخلافة لم يغيّر شكل الحكم فقط، بل غيّر شكل العالم من حولنا. وإعادة التفكير في تلك اللحظة ليست حنيناً إلى الماضي، بل بحث عن مفتاح لفهم حاضر مضطرب، واستشراف مستقبل تستعيد فيه الأمة قدرتها على أن تصبح أمة واحدة تربطها عقيدة الإسلام، لا مجرد الشعور المشترك.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...