اذهب الي المحتوي
منتدى العقاب

جواب سؤال: لا تستضيئوا بنار المشركين


صوت الخلافة

Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

لا تستضيئوا بنار المشركين

إلى Yeni Camii

السؤال:

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

 

سوف أرفق لكم سؤالاً سبق أن أرسلته لكم قبل شهرين، وأنا ألتمس لكم كل العذر لعدم الإجابة عليه، ودعاؤنا لكم لا ينقطع، ولكن أحببت أن أرسله لكم مرة أخرى للتذكير به، وقد أجريت عليه تعديلاً طفيفا. وكلّي ثقة بأنه سيكون محل اهتمامكم، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً.

 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أسأل الله العلي القدير أن تصلكم رسالتي هذه وأنتم بأتم الصحة والعافية، وبأعظم الرضا من الله عنكم، كما أسأله جل في علاه أن يحقق لكم مبتغاكم قريبا وأن يجدد لهذه الأمة مجدها وعزها على أيديكم قريبا.

 

[* جاء في المقدمة القسم الأول ص٢٤ (ص٢٣ من النسخة الإلكترونية) تعليقا على الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن سليمان بن بريدة عن أبيه «ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ»...] انتهى النقل.

 

يفهم من الحديث السابق أن من قبل من القبائل دخول الإسلام ثم قبل التحول أي الانتقال إلى دار المهاجرين وهي المدينة فله ما للمهاجرين وعليه ما على المهاجرين الذين سبقوه، ومن لم يقبل فإنه يكون كأعراب المسلمين الذين يسكنون البوادي حول المدينة يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم من الغنيمة والفيء.

 

* ولكن هناك مسألة فالعبارة هنا في ص٢٤ (ودار المهاجرين كانت هي دار الإسلام، وما عداها كان دار كفر)، هذه العبارة يفهم منها أن دار الإسلام هي حصرا المدينة المنورة، وما حولها من ديار الأعراب هي دار كفر.

 

* ولكن جاء في الكتاب نفسه ص١٤ ما يدل على أن ما حول المدينة من بوادي الأعراب هو أيضا دار إسلام، وقد جاء هذا صريحا حيث قال: (والطاعة لرسول الله ﷺ تكون في أمره ونهيه، أي في إجراء الأحكام. وبدليل ما رواه أحمد وابن حبان في صحيحه وأبو عبيد في الأموال عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «وَالْهِجْرَةُ هِجْرتَانِ: هِجْرَةُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي؛ فَأَمَّا الْبَادِي فَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ وَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ، وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَأَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً وَأَعْظَمُهُمَا أجْرا». ووجه الاستدلال واضح في قوله ﷺ: «فَيُطِيعُ إِذَا أَمر وَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ» لأن البادية كانت دار إسلام وإن لم تكن دار هجرة وبدليل حديث واثلة بن الأسقع عند الطبراني، قال الهيثمي بإسناد رجاله ثقات إن رسول الله ﷺ قال له: «وَهِجْرَةُ البَادِيَةِ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى بَادِيَتِكَ، وَعَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ وَمَكْرَهِكَ وَمَنْشَطِكَ وَأَثْرَةٍ عَلَيْكَ...») انتهى النقل

 

السؤال:

 

١- هل العبارات بين ص١٤ وص٢٤ متعارضة فعلا؟ وإن لم تكن فكيف نوفق بينها؟

٢- جريان أحكام الإسلام في الأعراب بطاعتهم لأمر الله ورسوله بعد إسلامهم، ألا يدل على أن دارهم قد أصبحت دار إسلام؟ فالأدلة التي ساقها ص١٤ واضحة في جريان الأحكام والطاعة...

٣- إذا ثبت أن بوادي الأعراب كانت دار إسلام، فهل يبقى حديث مسلم ص٢٤ دليلاً على التفريق في الحقوق بين المسلم الذي يعيش في دار الإسلام والذي يعيش خارجها؟ ليلة الجمعة ٢٥ شعبان ١٤٤٧هـ...] انتهى

 

الجواب:

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

 

في البداية بارك الله فيك على دعائك الطيب لنا، ونحن ندعو لك بخير، وإليك الجواب:

 

1- لا تعارض بين ما جاء في كتاب مقدمة الدستور الجزء الأول في الموضعين اللذين ذكرتهما في السؤال، وذلك لأن كل موضع منهما يتحدث عن واقع مختلف عن الموضع الآخر... ولإدراك حقيقة الأمر لا بد من معرفة الواقع بالنسبة للدولة الإسلامية في بدايات الإسلام... فالنبي ﷺ عندما انتقل إلى المدينة المنورة عند الهجرة كانت دار الإسلام هي المدينة المنورة، وكانت حولها قبائل ودول أخرى لليهود أقام الرسول ﷺ معها اتفاقيات، ولم تكن هذه القبائل ضمن دار الإسلام وإن كانت قريبة منها بل ملاصقة لها، وقد جاء في كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الثاني ما يوضح واقع هذه القبائل اليهودية:

 

- [... أما الدليل على أنه لا يجوز أن يستعان بالكفار في القتال بوصفهم دولة مستقلة، فلما رواه أحمد والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تستضيئوا بنار المشركين» ونار القوم كناية عن كيانهم في الحرب كقبيلة مستقلة أو كدولة. وقال البيهقي: والصحيح ما أخبرنا الحافظ أبو عبد الله فساق بسنده إلى أبي حميد الساعدي قال: «خرج رسول الله ﷺ حتى إذا خلَّف ثنيَّة الوداع إذا كتيبة قال: من هؤلاء؟ قالوا بني قينقاع وهو رهط عبد الله بن سلام قال: وأسلموا؟ قالوا: لا، بل هم على دينهم، قال: قولوا لهم فليرجعوا، فإنّا لا نستعين بالمشركين» فإن الرسول ﷺ رد رهط عبد الله بن سلام من بني قينقاع، لأنهم جاءوا طائفة مجتمعة في كتيبة كافرة، وجاءوا تحت رايتهم باعتبارهم من بني قينقاع التي بينها وبين الرسول معاهدات، وكانت كدولة. ومن أجل ذلك رفضهم. فرفضهم كان لكونهم جاءوا تحت رايتهم وفي دولتهم، بدليل قبوله ﷺ الاستعانة باليهود في خيبر حين جاءوا أفراداً. وحديث أبي حميد هذا يتضمن علة شرعية إذا وجدت وجد الحكم، وإذا عدمت عدم الحكم. والعلة في الحديث ظاهرة في نص الحديث فإنه يقول: «إذا كتيبة قال: من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع وهو رهط عبد الله بن سلام» فإن معنى كونهم كتيبة أنهم جيش مستقل له راية مستقلة، لأن لكل كتيبة راية. فصار كونهم كتيبة كافرة لها راية مستقلة، ومن بني قينقاع اليهود الذين هم بمقام دولة، بينهم وبين الرسول معاهدات هو علة ردهم، لا كونهم كفاراً فقط، بدليل أنه أمرهم أن يرجعوا بناء على ذلك، وعلى رفضهم الإسلام، لا على رفضهم الإسلام فقط. ويؤيد هذا حديث أنس: «لا تستضيئوا بنار المشركين» فإنه مسلط على الكيان كما يؤيده قبول الرسول الاستعانة بقزمان في نفس موقعة أحد مع أنه مشرك، فإن معنى ذلك هو رفض الاستعانة بالكافر بوصفه كياناً، وقبول الاستعانة به بوصفه فرداً. وعلى هذا تكون الاستعانة بالكفار كطائفة كافرة، أو قبيلة كافرة، أو دولة كافرة وتحت رايتهم، وكجزء من دولتهم لا تجوز ولا بوجه من الوجوه.] انتهى.

 

- [كل من كان في دار الإسلام تحت حكم الدولة الإسلامية يجب أن تطبق عليه أحكام الإسلام كما تطبق على المسلمين سواء بسواء، سواء أكان ذمياً أم معـاهداً أم مستأمناً، ولا يخير الحاكم في ذلك. بل يجب تطبيق أحكام الإسلام دون تردد، لأن الله تعالى يقول بالنسبة لأهل الكتاب: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ويقول أيضاً بالنسبة لهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وهذا عام يشمل المسلمين وغير المسلمين، لأن كلمة الناس عامة: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾. وأما قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فإن المراد منها من جاء إلى الدولة الإسلامية من خارجها ليحتكم إلى المسلمين في خصومة مع كافر آخر أو كفار آخرين، فالمسلمون مخيرون بين أن يحكموا بينهم وبين أن يعرضوا عنهم. فإن الآية نزلت فيمن وادعه رسول الله ﷺ من يهود المدينة وكانوا قبائل يعتبرون دولاً أخرى، فلم يكونوا خاضعين لحكم الإسلام بل كانوا دولاً أخرى، ولذلك كانت بينه وبينهم معاهدات. أما إن كان الكفار خاضعين لحكم الإسلام بأن كانوا ذميين، أو جاءوا مستأمنين خاضعين لحكم الإسلام، أي راضين أن يدخلوا دار الإسلام مع الخضوع لحكم الإسلام كالمعاهدين والمستأمنين فلا يجوز أن يحكم بينهم إلا بالإسلام. ومن امتنع منهم عن الرجوع إلى حكم الإسلام أجبره الحاكم على ذلك وأخذه به، لأنه إنما دخل في العهد بشرط التزام أحكام الإسلام، سواء أكان عهد ذمة، أو عهد موادعة، أو عهد أمان، لا فرق بينها ما دام في دار الإسلام.

 

كتب رسول الله ﷺ إلى أهل نجران وهم نصارى: «إن من بايع منكم بالربا فلا ذمة له» رواه ابن أبي شيبة. وقد روى ابن عمر: «أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما» رواه البخاري. وروى البخاري أيضاً «أن النبي ﷺ قتل يهودياً بجارية قتلها على أوضاح لها» وهؤلاء اليهود كانوا من رعايا المسلمين. والظاهر أنه كان ذلك بعد أن انتهت كيانات اليهود وظل منهم رعايا تحت سلطان المسلمين.] انتهى.

 

2- وبعد القضاء على دول اليهود التي حول المدينة امتد سلطان الإسلام ليشمل المناطق التي كانت فيها هذه القبائل، وكذلك امتد إلى ما حول المدينة من مناطق الأعراب/البادية، لكن سلطان الإسلام لم يشمل جزيرة العرب إلا بعد ذلك بزمن... وهكذا فإن الأعراب الذين حول المدينة المنورة صاروا من رعايا الدولة ومن حاملي تابعيتها، أي صاروا خاضعين لسلطان الإسلام وأحكامه... وهؤلاء الذين ذكرهم القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، وقوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾، وفي غير ذلك من الآيات...

 

فالبادية حول المدينة المنورة كانت خاضعة لسلطان الإسلام وكان أهلها من رعايا الدولة، لكن الهجرة إلى المدينة المنورة لم تكن مفروضة عليهم بل كان يكفي منهم الخضوع للدولة، وهم المقصودون بما جاء في مقدمة الدستور الجزء الأول من قوله:

 

[... وبدليل ما رواه أحمد وابن حبان في صحيحه وأبو عبيد في الأموال عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «وَالْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ هِجْرَةُ الْحَاضِرِ وَالْبَادِي فَأَمَّا الْبَادِي فَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ وَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ وَأَمَّا الْحَاضِرُ فَأَعْظَمُهُمَا بَلِيَّةً وَأَعْظَمُهُمَا أَجْراً». ووجه الاستدلال واضح في قوله ﷺ: «فَيُطِيعُ إِذَا أُمِرَ وَيُجِيبُ إِذَا دُعِيَ» لأن البادية كانت دار إسلام وإن لم تكن دار هجرة.].

 

فهؤلاء كانوا من بادية المدينة المنورة ومن رعايا الدولة الخاضعين لسلطانها... ويؤيد ذلك ما ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال:

 

[- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي كَثِيرٍ الزُّبَيْدِيِّ زُهَيْرِ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةُ الْبَادِي، وَهِجْرَةُ الْحَاضِرِ، فَأَمَّا هِجْرَةُ الْبَادِي فَعَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ إِذَا دُعِيَ وَأَنْ يُطِيعَ إِذَا أُمِرَ، وَأَمَّا هِجْرَةُ الْحَاضِرِ فَهِيَ أَشَدُّهُمَا بَلِيَّةً، وَأَعْظَمُهُمَا أَجْراً».

 

- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نِيَارٍ الْأَسْلَمِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ - وَذَكَرَتْ عَائِشَةُ عِنْدَهُ الْأَعْرَابَ - فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ لَيْسُوا بِأَعْرَابٍ، هُمْ أَهْلُ بَادِيَتِنَا، وَنَحْنُ أَهْلُ حَاضِرَتِهِمْ، فَإِذَا دُعُوا أَجَابُوا، فَلَيْسُوا بِأَعْرَابٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأُرَاهُ ﷺ قَدْ أَوْجَبَ لَهُمُ اسْمَ الْهِجْرَةِ بِالْإِيمَانِ، وَإِنْ كَانُوا فِي مَوَاضِعِهِمْ، إِلَّا أَنَّ لِأَهْلِ الْحَاضِرِ فَضِيلَتَهُمْ كَمَا أَعْلَمْتُكَ، فَهَذَا مِمَّا يُبَيَّنُ لَكَ أَنَّ لَهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَقّاً إِذَا احْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ، قَلَّ ذَلِكَ الْحَقُّ أَوْ كَثُرَ، إِنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ...] انتهى.

 

3- أما سائر البوادي في جزيرة العرب مما لم يكن حول المدينة فلم يكن واقعاً في سلطان الإسلام ولم تكن قد شملته دار الهجرة ودار الإسلام بعد، إلى أن امتد حكم الإسلام إلى جزيرة العرب كلها واستقر فيها، فصارت كلها دار إسلام... وعلى مثل تلك القبائل في تلك البوادي التي لم تكن واقعة في سلطان الإسلام كان ينطبق حديث سليمان بن بريدة المذكور في كتاب مقدمة الدستور الجزء الأول عند شرح المادة 5 والمادة 6 من مشروع الدستور:

 

[هاتان المادتان وضعتا لبيان أحكام من يحملون التابعية الإسلامية، سواء أكانوا مسلمين أم كانوا من أهل الذمة. أما المسلمون فإن الرسول ﷺ قد جعل المسلمين الذين يعيشون خارج الدولة ولا يكونون من رعاياها محرومين مما يتمتع به رعايا الدولة. فعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيراً عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلا تَغُلُّوا وَلا تَغْدِرُوا وَلا تَمْثُلُوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ» رواه مسلم. فهذا الحديث صريح بأن من لا يتحول إلى دار الإسلام ويحمل تابعية الدولة فإنه لا يملك حقوق الرعوية حتى لو كان مسلماً. فقد دعاهم الرسول ﷺ لأن يدخلوا تحت سلطان الإسلام حتى يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، إذ يقول: «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام. ومفهوم الحديث أنهم إن لم يتحولوا لا يكون لهم ما للمهاجرين، أي ما لمن هم من دار الإسلام، فإن هذا الحديث قد بين اختلاف الأحكام بين من يتحول إلى دار المهاجرين وبين من لا يتحول إلى دار المهاجرين، ودار المهاجرين كانت هي دار الإسلام، وما عداها كان دار كفر.].

 

فطلب التحول كان موجهاً إلى قبائل أو جهات لم تكن في دار الإسلام بل في دار الكفر، ولما أسلمت فقد عصمت دماءها بالإسلام، ولكنها لم تصبح تابعة مباشرة لسلطان الإسلام ولم تصبح منضمة مباشرة إلى دار الإسلام لأنها واقعة في دار الكفر غير الخاضعة لسلطان الإسلام، فطلب منها أن تتحول لتكون تابعة لسلطان الإسلام... ويوضح ذلك أيضاً ما روي عن النبي ﷺ حول غزوه لدار الكفر كما بيناه في كتاب مقدمة الدستور الجزء الثاني:

 

[... وأما الأمر الثاني فإن دليله ما ورد في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه في وصية الرسول لأمراء الجيوش أن الرسول ﷺ كان مما يقول لمن يؤمِّره على الجيش: «... ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ» أخرجه مسلم. ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن قول الرسول: «ثُـمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَـى دَارِ الْمُهَـاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» هو نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي ليشملهم تطبيق الدولة الأحكام عليهم، فإن لم يتحولوا فليس لهم ما لنا وليس عليهم ما علينا؛ فلا تطـبَّق عليهم الأحكام. وأيضاً فإن الرسول ﷺ اعتبر التحول إلى دار المهاجرين شرطاً في استحقاقهم من الفيء والغنيمة، وتقاس عليها سائر الأموال، فيكون من لا يتحول لدار المهاجرين من حيث حكم المال كغير المسلمين من ناحية حرمانه منه، وهذا يعني عدم تطبيق الأحكام المالية عليه لأنه لم يتحول لدار المهاجرين. ودار المهاجرين كانت دار الإسلام وما عداها دار كفر، ولذلك كان الرسول ﷺ يغزو كل بلد غير دار المهاجرين باعتبارها دار حرب. إلا أنه إن كان سكانها مسلمين لم يقاتلهم ولم يقتلهم وإنما دعاهم للذهاب إلى دار الإسلام. وإن كانوا غير مسلمين قاتلهم كما يدل على ذلك هذا الحديث، ويدل عليه أيضاً ما روي عن أنس قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَوْماً لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَاناً أَمْسَكَ، وَإِنْ لَـمْ يَسْمَعْ أَذَاناً أَغَارَ بَعْدَمَا يُصْبِحُ» أخرجه البخاري. فالرسول ﷺ كان يعتبر غير دار المهاجرين، أي غير دار الإسلام، دارَ حرب، ولو كان يسكنها مسلمون، أي دار كفر، وحكمها حكم دار الكفر من حيث تطبيق الأحكام ومنها الأحكام المالية. ولا يفرق المسلمون فيها من غير المسلمين إلا بأن المسلمين لا يقاتلون ولا يقتلون ولا تؤخذ أموالهم وغير المسلمين يقاتلون ويقتلون وتؤخذ أموالهم وما عدا ذلك فالحكم سواء، وهذا هو دليل دار الكفر ودار الإسلام، فمن يسكن دار الكفر أو دار الحرب كانت تابعيته تابعية كفر فتطبق عليه أحكام دار الكفر كلها، سواء أكان مسـلماً أم غير مسلم سوى أن المسلم معصوم الدم والمال.] انتهى.

 

وهذا يبين أن دار الكفر في ذلك الوقت كانت فيها قبائل أسلمت لكنها لم تكن خاضعة لسلطان الإسلام ولم تكن تابعة لدار الإسلام، فكان النبي ﷺ إذا غزا دار الكفر التي تعيش فيها مثل هذه القبائل المسلمة لم يغر إلى أن يتحقق إن كانت القبيلة التي يريد أن يغير عليها قد أسلمت أم لا، فإن أسلمت فإنه لا يغير عليها. وهذا يعني أن الغزو كان لقبائل في دار الكفر غير خاضعة لسلطان الإسلام وغير مشمولة بدار الإسلام لأن دار الإسلام لا تغزى ولا يغار عليها.. فمثل هذه القبائل كان يطلب منها إن أسلمت أن تتحول إلى دار الإسلام وألا تبقى في دار الكفر...

 

4- بعد امتداد سلطان الإسلام وشموله جزيرة العرب كلها لم يعد لموضوع تحول تلك القبائل إلى دار الإسلام معنى لأنهم صاروا بطبيعة الحال خاضعين لسلطان الإسلام تابعين دار الإسلام دون أن يتحولوا من دارهم...

 

آمل أن يكون في هذا الجواب الكفاية والله أعلم وأحكم.

 

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

 

9 محرّم 1448هـ

الموافق 2026/06/24م

رابط هذا التعليق
شارك

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

زوار
اضف رد علي هذا الموضوع....

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

جاري التحميل
×
×
  • اضف...