Jump to content
منتدى العقاب

أحمد الكاتب يحاور قادة حزب التحرير حول الخلافة والديمقراطية


Recommended Posts

أحمد الكاتب يحاور قادة حزب التحرير حول الخلافة والديمقراطية

في زيارتي لمعرض الكتاب العربي في لبنان في خريف سنة 2007 دخلت مكتبة دار الأمة التابعة لحزب التحرير، وبينما كنت أتصفح عناوين الكتب التي كانت تدعو للخلافة الإسلامية وتهاجم الديموقراطية ؛ سألني المشرف على المكتبة عن رأيي بحزب التحرير فقلت له: بصراحة إنه سلبي، فاستفسر بتعجب: لماذا؟! فقلت له: لأنه لا يؤمن بالديموقراطية. مما زاد في تعجبه ودفعه لطلب التوضيح والتعرف علي أكثر، فعرفته بنفسي وحدثته عن كتابي الجديد:"تطور الفكر السياسي السني نحو خلافة ديموقراطية" وأعطيته رابط الكتاب على موقعي في شبكة المعلومات (الإنترنت). ولما كان الجمع بين الخلافة والديموقراطية بالنسبة لعضو في حزب التحرير يعتبر كالجمع بين النقيضين، طلب مني التواصل والحوار حول الموضوع. وكان ذلك اللقاء مناسبة للتعرف على بعض قادة حزب التحرير في لبنان، الذين اهتموا بكتابي الجديد، ودعوني للقاء بهم والتحاور معهم حول الديموقراطية التي أدعو إليها ويرفضونها بشدة. وعقدوا ندوة دعوني إليها لمناقشة كتابي، وألقى المسؤول الإعلامي في الحزب الأخ أحمد القصص كلمة نقدية للكتاب، وأخذوا علي عدم أخذ كتبهم الكثيرة حول الموضوع بالاعتبار.

كما أعطوني مجموعة من كتبهم التي يدعون فيها إلى الخلافة ومحاربة الديموقراطية. وهي:

1- نظام الحكم في الإسلام، للشيخ تقي الدين النبهاني، مؤسس حزب التحرير، وعبد القديم زلوم، الطبعة السادسة، (معتمدة) 2002

2- الدولة الإسلامية، للنبهاني، دار الأمة بيروت، الطبعة الأولى سنة 1953 الطبعة السابعة (معتمدة) 2002

3- الشخصية الإسلامية، الجزء الأول والجزء الثاني، دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2003

4- الخلافة، من منشورات حزب التحرير، 2007

5- ميثاق الأمة، من منشورات حزب التحرير، الطبعة الرابعة 1998

6- حتمية صراع الحضارات، حزب التحرير، 2002

7- أجهزة دولة الخلافة في الحكم والإدارة، من منشورات حزب التحرير، الطبعة الأولى 2005

8- إزالة الأتربة عن الجذور.. ربط الأفكار والأحكام بالعقيدة الإسلامية، من كتب الحزب المعتمدة الأساسية الداخلية.

وبالرغم من أنني كنت قد اطلعت على بعض كتب حزب التحرير سابقا، ونقلت بعض الفقرات منها، إلا أنني استفدت من الحوارات التي أجريتها معهم ومن الكتب التي أعطوني إياها كثيرا، وبعضها من المكتبة الخاصة الداخلية للحزب، في تكوين صورة أدق لفكر حزب التحرير حول مشروعهم للخلافة. وقد وجدت أن الحزب رغم دعوته للخلافة، ينطوي على تطور فكري كبير يختلف عن الصورة السلبية الموروثة عن الفكر السياسي السني، والتي لا يزال يتشبث بها بعض السلفيين، كما وجدت بالطبع بعض المواقف المتشددة التي ترفض التطور الديموقراطي.

وسوف أقدم ملخصا لأهم الأفكار والملاحظات التي وردت في حواراتي مع قادة حزب التحرير (وبالأخص الدكتور محمد جابر ، رئيس الحزب والاخوة عثمان البخش وأحمد القصص ) والكتب المنشورة من قبلهم، وأبدأ بالنقاط التي أراها إيجابية، وهي:

1- الخليفة نائب الأمة

وفي هذا يقول الحزب على لسان مؤسسه الشيخ تقي الدين النبهاني:"الخليفة هو الذي ينوب عن الأمة في الحكم والسلطان، وفي تنفيذ أحكام الشرع. ذلك أن الإسلام قد جعل الحكم والسلطان للأمة، تنيب فيه من يقوم به نيابة عنها. وقد أوجب الله عليها تنفيذ أحكام الشرع جميعها. وبما أن الخليفة إنما ينصبه المسلمون، لذلك كان واقعه أنه نائب عن الأمة في الحكم والسلطان، وفي تنفيذ أحكام الشرع، لذلك فانه لا يكون خليفة إلا إذا بايعته الأمة، فبيعتها له بالخلافة جعلته نائبا عنها، وانعقاد الخلافة له بهذه البيعة أعطاه السلطان، وأوجب على الأمة طاعته. ولا يكون من يلي أمر المسلمين خليفة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد في الأمة بيعة انعقاد شرعية، بالرضى والاختيار، وكان جامعا لشروط انعقاد الخلافة".

2- اشتراط العدالة في انعقاد الخلافة

وفي هذا المجال يقول الحزب:" يشترط أن يكون المرشح للخلافة عدلا، فلا يصح أن يكون فاسقا. والعدالة شرط لازم لانعقاد الخلافة ولاستمرارها. لأن الله تعالى اشترط في الشاهد أن يكون عدلا".

3 – عدم اشتراط القرشية

وفي هذا يقول حزب التحرير:" لا يشترط لانعقاد الخلافة أن يكون الخليفة قرشيا. وأما ما روى البخاري عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله يقول:" إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ، ما أقاموا الدين" وما روى البخاري عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله:"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" فهذه الأحاديث وغيرها مما صح إسناده للرسول من جعل ولاية الأمر لقريش، فإنها وردت بصيغة الإخبار، ولم يرد ولا حديث واحد بصيغة الأمر، وصيغة الإخبار وإن كانت تفيد الطلب، ولكنه لا يعتبر طلبا جازما ما لم يقترن بقرينة تدل على التأكيد، ولم يقترن بأية قرينة تدل على التأكيد ولا في رواية صحيحة، فدل على أنه للندب لا للوجوب ، فيكون شرط أفضلية، لا شرط انعقاد... فالحديث ينص على أن الأمر فيهم، وعلى النهي عن معاداتهم. وأيضا فان كلمة "قريش" اسم وليس صفة، ويقال له في اصطلاح علم الأصول: لقب، ومفهوم الاسم أي مفهوم اللقب لا يعمل به مطلقا، لأن الاسم أي اللقب لا مفهوم له، ولذلك فإن النص على قريش لا يعني أن لا يجعل في غير قريش، ولا يعني قوله "ان هذا الأمر في قريش" و "لا يزال هذا الأمر في قريش" أن هذا الأمر لا يصح أن يكون في غير قريش.. فيكون النص عليهم غير مانع من وجود غيرهم في الخلافة".

4- اشتراط رضا الأمة في انعقاد الخلافة

وفي هذا المجال يقول النبهاني، وحزب التحرير:"الخلافة عقد مراضاة واختيار، لأنها بيعة بالطاعة لمن له حق الطاعة من ولاية الأمر، فلا بد فيها من رضا من يبايع ليتولاها، ورضا المبايعين له .. وكذلك لا يجوز أخذ البيعة من الناس بالإجبار والإكراه، لأنه حينئذ لا يصح اعتبار العقد فيها صحيحا لمنافاة الإجبار لها، لأنها عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار، كأي عقد من العقود... ومن هنا يتبين أنه لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاه المسلمون". ويؤكد"أن الخلافة عقد مراضاة واختيار، فلا يجبر أحد على قبولها، ولا يجبر أحد على اختيار من يتولاها" ويقول:" لا يكون أحد خليفة إلا إذا ولاه المسلمون، ولا يملك أحد صلاحيات الخلافة إلا إذا تم عقدها له على الوجه الشرعي كأي عقد من العقود في الإسلام".

5- الأمة هي التي تنصب الخليفة

وفي هذا يقول الشيخ النبهاني:"ان الشارع قد جعل السلطان للأمة، وجعل نصب الخليفة للمسلمين عامة، ولم يجعله لفئة دون فئة، ولا لجماعة دون جماعة، فالبيعة فرض على المسلمين عامة: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".. ولذلك ليس أهل الحل والعقد هم أصحاب الحق في نصب الخليفة دون باقي المسلمين، وكذلك ليس أصحاب الحق أشخاصا معينين، وإنما هذا الحق لجميع المسلمين دون استثناء أحد، حتى الفجار والمنافقين، ما داموا مسلمين بالغين، لأن النصوص جاءت عامة، ولم يرد ما يخصصها". ويضيف:"ان اجتمع عدة ممن توفرت فيهم صفات الخليفة فالخليفة من انعقدت له البيعة من الأكثر، والمخالف باغ". ويقول:"يجب أن يمكن جميع المسلمين من مباشرة حقهم في نصب الخليفة، بغض النظر عما إذا استعملوا هذا الحق، أم لم يستعملوه، أي يجب أن يكون في قدرة كل مسلم التمكن من القيام بنصب الخليفة، بتمكينه من ذلك تمكينا تاما... لأن الفرض الذي فرضه الله هو أن يجري نصب الخليفة من المسلمين برضاهم، لا أن يجريه جميع المسلمين... ولا يشترط عدد معين فيمن يقومون بنصب الخليفة، بل أي عدد بايع الخليفة، وتحقق في هذه البيعة رضا المسلمين بسكوتهم، أو بإقبالهم على طاعته بناء على بيعته، أو بأي شيء يدل على رضاهم ، يكون الخليفة المنصوب خليفة للمسلمين جميعا، ويكون هو الخليفة شرعا، ولو قام بنصبه خمسة أشخاص، إذ يتحقق فيهم الجمع في إجراء نصب الخليفة، ويتحقق الرضا بالسكوت والمبادرة إلى الطاعة... أما إذا لم يتحقق رضا جميع المسلمين، فإنه لا يتم نصب الخليفة إلا إذا قام بنصبه جماعة يتحقق في نصبهم له رضا جمهرة المسلمين، أي أكثريتهم، مهما كان عدد هذه الجماعة... وعلى ذلك فليس بيعة أهل الحل والعقد هي التي يجري فيها نصب الخليفة، وليس وجود بيعتهم شرطا لجعل نصب الخليفة نصبا شرعيا، بل بيعة أهل الحل والعقد أمارة من الإمارات الدالة على تحقق رضا المسلمين بهذه البيعة، لأن أهل الحل والعقد كانوا يعتبرون الممثلين للمسلمين، وكل أمارة تدل على تحقق رضا المسلمين ببيعة خليفة، يتم بها نصب الخليفة، ويكون نصبه بها نصبا شرعيا. وعلى ذلك فالحكم الشرعي هو أن يقوم بنصب الخليفة جمع يتحقق في نصبهم له رضا المسلمين، بأي أمارة من إمارات التحقق، سواء أكان ذلك بكون المبايعين أكثر أهل الحل والعقد، أم بكونهم أكثر الممثلين للمسلمين، أم كان بسكوت المسلمين عن بيعتهم له، أم بمسارعتهم بالطاعة بناء على هذه البيعة... وليس من الحكم الشرعي كونهم أهل الحل والعقد، ولا كونهم خمسة أو خمسمائة أو أكثر أو أقل، أو كونهم من أهل العاصمة، أو أهل الأقاليم، بل الحكم الشرعي كون بيعتهم يتحقق فيها الرضا من قبل جمهرة المسلمين، بأية أمارة من الإمارات، مع تمكينهم من إبداء رأيهم تمكينا تاما".

6- رفض الاستخلاف والعهد

وفي هذا المجال يقول الشيخ النبهاني وحزب التحرير في عدد من كتبه:"لا تنعقد الخلافة بالاستخلاف، أي بالعهد لأنها عقد بين المسلمين والخليفة، فيشترط في انعقادها بيعة من المسلمين، وقبول من الشخص الذي بايعوه. والاستخلاف أو العهد لا يتأتى أن يحصل فيه ذلك، فلا تنعقد به خلافة. وعلى ذلك فاستخلاف خليفة لخليفة آخر يأتي بعده لا يحصل فيه عقد الخلافة، لأنه لا يملك حق عقدها، ولأن الخلافة للمسلمين لا للخليفة. فالمسلمون يعقدونها لمن يشاءون، فاستخلاف الخليفة غيره، أي عهده بالخلافة لغيره، لا يصح، لأنه إعطاء لما لا يملك، وإعطاء ما لا يملك لا يجوز شرعا.. وعقده فضولي لا يصح.. وأما ما روي أن أبا بكر استخلف عمر، وأن عمر استخلف الستة، وأن الصحابة سكتوا، ولم ينكروا ذلك، فكان سكوتهم إجماعا، فإن ذلك لا يدل على جواز الاستخلاف، وذلك لأن أبا بكر لم يستخلف خليفة، وإنما استشار المسلمين فيمن يكون خليفة لهم، فرشح عليا وعمر. ان المسلمين خلال ثلاثة أشهر في حياة أبي بكر اختاروا عمر بأكثريتهم، ثم بعد وفاة أبي بكر جاء الناس وبايعوا عمر، وحينئذ انعقدت الخلافة لعمر، أما قبل البيعة فلم يكن خليفة، ولم تنعقد الخلافة له، لا بترشيح أبي بكر ولا باختيار المسلمين له، وإنما انعقدت حين بايعوه، وقبل الخلافة". ويضيف:" إن نظام ولاية العهد يعتبر منكرا في النظام الإسلامي، ومخالفا له كل المخالفة، وذلك لأن السلطان هو للأمة وليس للخليفة. وإذا كان الخليفة إنما ينوب عن الأمة في السلطان مع بقائه لها، فكيف يجوز له أن يمنحه لغيره؟ وما فعله أبو بكر لعمر، لم يكن ولاية عهد، بل كان انتخابا من الأمة في حياة الخليفة، ثم حصلت له البيعة بعد موته. .. بخلاف ما فعله معاوية من تولية ابنه يزيد، فإنه يخالف نظام الإسلام".

ويقول:" من الجدير ذكره أن العهد بالخلافة للابن لم يكن هو الذي يجعل الابن خليفة بعد أبيه، بل انه كان ينصب ببيعة جديدة تؤخذ من الناس، انعقادا وطاعة، بعد وفاة الخليفة السابق. غير أنه كان يساء تطبيق البيعة أحيانا فبدل أخذها بالرضا والاختيار، تؤخذ بالإكراه، إلا أن البيعة في جميع الأحوال كانت هي الطريقة لنصب الخليفة طيلة عصور الدولة الإسلامية، فتنعقد الخلافة له بالبيعة وليس بالوراثة أو ولاية العهد".

ويشرح ذلك مفصلا في موضع آخر، فيقول:" أبو بكر استشار المسلمين في بيعة عمر بعد أن ثقل المرض على أبي بكر، وظن أنه ميت، جمع الناس فقال:"إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميتا لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي" غير أن الناس لم يتفقوا على من يخلف أبا بكر، فرجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فلعلكم تختلفون، قالوا: لا، قال فعليكم عهد الله على الرضا؟ قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده.

وعاود أبو بكر استشارة كبار الصحابة، وكانت استشارته لهم سرية.. وبعد ان استقر رأيه على عمر، استشار الناس استشارة علنية،إذ أشرف على الناس من بيته، وخاطبهم قائلا: أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، فقالوا : نعم، فتابع قائلا: واني قد استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فأجاب الناس: سمعنا وأطعنا...وأقبل الناس على بيعة عمر إقبالا تاما.. فكانت بيعة عمر بن الخطاب في المسجد من المسلمين هي البيعة التي انعقدت له بها الخلفة، وبها وجبت له الطاعة عليهم. وأما عهد أبي بكر إليه فلم يعد كونه ترشيحا له بالخلافة، وحصرا للترشيح لها فيه، ولم تنعقد له به خلافة، ولم تجب له به طاعة".

7- رفض الانقلاب العسكري

ونتيجة لإيمان حزب التحرير بأن السلطان للأمة وضرورة انتخاب الإمام طوعا بإرادتها، فقد رفض الاعتراف بشرعية حكومة المتسلط، أو القادم عبر الانقلابات العسكرية، وقال:"إذا قام متسلط واستولى على الحكم بالقوة فإنه لا يصبح بذلك خليفة، ولو أعلن نفسه خليفة للمسلمين، لأنه لم تنعقد له خلافة من قبل المسلمين، ولو أخذ البيعة على الناس بالإكراه والإجبار لا يصبح خليفة ولو بويع، لأن البيعة والإجبار لا تعتبر ولا تنعقد بها الخلافة، لأنها عقد مراضاة واختيار لا يتم بالإكراه والإجبار، فلا تنعقد إلا بالبيعة عن رضا واختيار، إلا ان هذا المتسلط إذا استطاع أن يقنع الناس بأن مصلحة المسلمين في بيعته، وأن إقامة أحكام الشرع تحتم بيعته، وقنعوا بذلك ورضوا، ثم بايعوه عن رضا واختيار، فانه يصبح خليفة منذ اللحظة التي بويع فيها عن رضا واختيار، ولو كان أخذ السلطان ابتداء بالتسلط والقوة، فالشرط هو حصول البيعة، وأن يكون حصولها عن رضا واختيار، سواء كان من حصلت له البيعة هو الحاكم والسلطان، أو لم يكن".

ويضيف:"إذا لم يكن للمسلمين دولة خلافة ولا خليفة، وتطبق عليهم أنظمة الكفر وأحكامه – كما هو الحال اليوم- فقام المسلمون، أو جماعة منهم، أو أصحاب القوة والمنعة فيهم، في قطر أو أكثر من أقطار المسلمين، فاستولوا على السلطة في ذلك القطر، وأزالوا الحاكم الذي يحكمهم بأنظمة الكفر وأحكامه، بغية استئناف الحياة الإسلامية، والعودة إلى الحكم بما أنزل الله، فيجوز لمن قاموا بالاستيلاء على السلطة أن يرشحوا شخصا من المسلمين المؤهلين ليتولى الحكم والسلطان، والجامعين لشروط انعقاد الخلافة، وأن يجمعوا أهل الحل والعقد في ذلك القطر أو أكثرهم، وأن يطلبوا منهم أن يبايعوا هذا الشخص الذي رشحوه ليكون خليفة، فيقوم أهل الحل والعقد بمبايعته بالرضا والاختيار، على كتاب الله وسنة رسوله، فتنعقد له الخلافة بهذه البيعة، ثم يبايعه المسلمون في ذلك القطر مبايعة عامة، مبايعة طاعة ورضا، ومن ثم يباشر فورا بوضع الإسلام كاملا موضع التطبيق والتنفيذ، دون تأخير. وبذلك تعود دولة الخلافة إلى الحياة، ويعود تطبيق أحكام الإسلام وأنظمته إلى الوجود، وتتحول الدار في ذلك القطر إلى دار الإسلام".

وقد رفض الحزب بشدة الاستيلاء على السلطة بالقوة، وسمى ذلك اغتصابا، وقال:" ان عقد الخلافة عقد مراضاة واختيار كسائر العقود لا يتم الا بين عاقدين أحدهما: الأمة، والثاني: الحاكم أو الخليفة، فهو عقد حكم، فإذا فقد فيه أحد العاقدين بطل العقد كليا، فكان كأي عقد من العقود الباطلة، ويعتبر الحاكم حينئذ مغتصبا للحكم، كأي مغتصب، ويطبق في حقه حكم الغاصب".

وتساءل حزب التحرير عن الموقف من الغاصب المتسلط من غير بيعة من المسلمين ولا اختيار منهم وحكم بالاسلام، فهل يجب الخروج عليه؟ ثم نقل آراء بعض العلماء الذين أوصوا بالصبر وطاعة الحاكم الظالم. ولكنه أخذ عليهم الجمع في البحث بين عدة مسائل، كالبحث في الحاكم الظالم وفي أئمة الجور وفي السلطان المتغلب، على اعتبار أن كل ذلك مسألة واحدة هي منازعة السلطان، وقالوا بوجوب طاعتهم وعدم الخروج عليهم، واستدلوا بالأحاديث الواردة في طاعة الحاكم ولو ظلم مثل حديث حذيفة "تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع" (مسلم) في مقابل من استدل بعمومات من الكتاب والسنة في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالوا هذه الأحاديث أخص من تلك العمومات مطلقا، أي أنها خصصت العام فتصرف لغير الحاكم ، ويستثنى منها الحاكم". وقالوا:" إن السلطان مستثنى من حكم الغاصب، لأن أدلة حكم الغاصب عامة، وجاءت أدلة طاعة الحاكم خاصة، فهي مخصصة لذلك العموم، أي مستثناة من ذلك العموم فلا يطبق حكم الغاصب في حق السلطان، بدليل أن الرسول (ص) يقول في حديث حذيفة بن اليمان "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع". (مسلم) فهذا مخصص لعموم أدلة الغصب بل لعموم أدلة كل الأحكام، يستثنى منها الحاكم، فلا يخرج عليه لاغتصاب السلطة، فلا يطبق في حقه حكم الغاصب. بدليل ما نقله الشوكاني ، قال:" وحكى ابن المنذر عن الشافعي أنه قال: من أريد ماله أو حريمه أو نفسه فله المقاتلة، وليس عليه عقل، ولا دية، ولا كفارة، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه". انتهى. فهذا يدل على أنهم يستثنون الحاكم حتى لو كانت المسألة من باب الغصب.

ورغم اعتراف حزب التحرير بتلك الأحاديث، وإيمانه بتخصيصها للعموم الوارد في الكتاب والسنة، إلا أنه فرق بين ارتكاب الحاكم للظلم في أثناء حكمه، وبين اغتصاب السلطة من البداية، وقال:"إن الأدلة الخاصة التي تستثني الحاكم انما هي في حق الحاكم، إذا كان حاكما، ولكن مغتصب السلطة حين ارتكب جريمته لم يكن حاكما، بل كان شخصا عاديا من الناس، فاغتصبها وهو ليس بحاكم، وبعد اغتصابها صار حاكما، فلا تنطبق عليه الأحاديث، لأن الجريمة قد ارتكبت من قبله وهو ليس بحاكم، ولذلك لا تنطبق عليه أحاديث الأمر بالصبر على أئمة الجور، وينطبق عليه حكم الغاصب، ولا يدخل في الاستثناء. ولهذا فانه يطبق في حقه مغتصب السلطة من الأمة بالقوة حكم الغاصب، ولا كلام".

وتمسك حزب التحرير بوجوب رد الغاصب ما غصبه لصاحبه وتغليظ العقوبة عليه، وبجواز مقاتلته لرده عن أخذ المغصوب، ولاسترجاعه منه قتالا بالسيف، ولو أدى لقتله. واستدل على ذلك بما روي عن السائب بن يزيد ، عن أبيه، قال قال رسول الله (ص):" لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادا ولا لاعبا، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليرددها عليه" (أحمد) وعن الحسن عن سمرة عن النبي (ص) قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (ابن ماجة) وأما الدليل على مقاتلة الغاصب بالسيف لمنعه من الغصب ولاسترداد المغصوب ما رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: جاء رجل الى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال فلا تعطه مالك؟ قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار" (مسلم) وفي رواية:" يا رسول الله أرأيت إن عدي على مالي، قال: فانشد بالله، قال فإن أبوا علي، قال: فانشد بالله، قال: فإن أبوا علي؟ قال: فانشد بالله. قال فإن أبوا علي، قال: فقاتل، فان قتلت ففي الجنة، وان قتلت ففي النار" (النسائي) ففي هذا الحديث طلب جازم بمقاتلة الغاصب، أي غاصب، بدلالة قوله (ص) فإن قتلت ففي الجنة، وإن قتلت ففي النار، وهي وإن صرفت عن الوجوب بمقاتلة غاصب المال لوجود قرينة مانعة من الوجوب، وهي أن لمالك المال أن يسامح الغاصب بماله، إلا انها باقية على الوجوب بمقاتلة غاصب السلطة بقرينة مقاتلة الصحابة ليزيد".

وقال:"هذا هو حكم الغاصب، وهذه أدلته وهذا هو حكم من يأخذ السلطة بالقوة من غير أن تعطيه إياها الأمة، فكل من يقدم على اغتصاب السلطة وأخذها بالقوة من غير ان تعطيه إياها الأمة، وهو السلطان المتغلب، إذا لم تبايعه بالرضا والاختيار فحكمه أن يقاتل بالسيف، حتى يمنع من اغتصاب السلطة، وحتى تسترد منه وتعاد للأمة".

واستشهد بموقف الصحابة من جريمة اغتصاب السلطة لأول مرة في الاسلام، تلك الجريمة التي ارتكبها معاوية لابنه يزيد، وارتكبها يزيد حين تسلم الحكم بالفعل.. وأخذ السلطة والبيعة بالقوة. وذلك حين ثار كبار الصحابة على السلطان المتغلب ، ولم يسكتوا عليه ، بل نازعوه وقاوموه وخلعوه كما فعل عبد الله بن الزبير والحسين بن علي وأهل المدينة الذين لم يكتفوا بالانكار والامتناع عن البيعة ، كما حصل منهم تجاه معاوية، بل شهروا بوجهه السيف وأعلنوا عليه القتال.

ولفت الحزب هنا إلى موقف الصحابة من معاوية، حيث لم يقاتلوه على اغتصاب السلطة بل اكتفوا بالانكار والمقاومة، لأن معاوية كان حاكما وتولى أخذ البيعة ليزيد وهو حاكم، أي ارتكب هذا العمل وهو حاكم، والحاكم مستثنى من عموم أدلة الغصب بالأحاديث الواردة في طاعته، مثل حديث حذيفة "تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع" والحاكم لا يحل قتاله مهما عمل، إلا في حالة واحدة، إذا أظهر الكفر البواح، لأن هذه الحالة جاء بها النص، وما عداها لا يجوز، لأحاديث الطاعة والصبر على جور الأئمة، ولذلك لم يقاتله الصحابة واكتفوا بالانكار بالقول. أما لو ارتكب هذه الفعلة النكراء ولم يكن حاكما فانه يقاتل بالسيف أي السلاح.

8- انتخاب مجلس الشورى

وهو صيغة متطورة عن (أهل الحل والعقد) يرى حزب التحرير أنهم يجب أن يأتوا عن طريق الانتخاب وليس التعيين ، ويعطيهم دورا أكبر مما كان لهم في التاريخ الإسلامي، أي دورا إلزاميا وليس استشاريا فقط، ولو أن الحزب يفصل في الأمور فيعطي الحق لمجلس الشورى أن يفرض رأيه في بعض الأحيان، ويعطي الخليفة الحق في فرض رأيه في أمور معينة.

وحول انتخاب مجلس الشورى يقول الحزب في الدستور الذي يقترحه للمسلمين:" ينتخب أعضاء مجلس الأمة انتخابا. ولكل من يحمل التابعية إذا كان بالغا عاقلا الحق في أن يكون عضوا في مجلس الأمة، رجلا كان أو امرأة، مسلما كان أو غير مسلم، إلا ان عضوية غير المسلم قاصرة على إظهار الشكوى من ظلم الحكام أو من إساءة تطبيق الإسلام". ويقول في موضع آخر:"ينتخب أعضاء مجلس الأمة انتخابا، ولا يعينون تعيينا، وذلك أنهم وكلاء في الرأي عن الناس، والوكيل إنما يختاره موكله، ولا يفرض الوكيل على الموكل مطلقا، ولان أعضاء مجلس الأمة ممثلون للناس أفرادا وجماعات في الرأي، ومعرفة الممثل في البقعة الواسعة، والقوم غير المعروفين، لا تتأتى إلا لمن يختاره ممثلا له... وعلى ذلك فانه يستنبط من كون أعضاء مجلس الأمة وكلاء في الرأي، ومن كون العلة التي وجد من أجلها مجلس الأمة هي التمثيل للأفراد والجماعات في الرأي والمحاسبة".

وحول إلزامية مجلس الشورى يقول:" الشورى والمشورة هي أخذ الرأي مطلقا، وهي غير ملزمة في التشريع، والتعريف والأمور الفكرية ككشف الحقائق، وفي الأمور الفنية والعلمية، وتكون ملزمة عند استشارة الخليفة في كل ما هو من الأمور العملية والأعمال التي لا تحتاج إلى بحث وإنعام نظر. والمسائل التي تكون فيها الشورى ملزمة عند استشارة الخليفة يؤخذ فيها برأي الأكثرية بغض النظر عن كونه صوابا أو خطأ، أما ما عداها مما يدخل تحت الشورى فيتحرى فيها عن الصواب بغض النظر عن الأكثرية أو الأقلية".

ويؤكد:"أن مجلس الأمة يتكون من أشخاص يمثلون المسلمين في الرأي، ليرجع إليهم الخليفة لاستشارتهم في الأمور، وهم ينوبون عن الأمة في محاسبة الحكام... وأن الشورى حق لجميع المسلمين على الخليفة، فلهم عليه أن يرجع إليهم في أمور لاستشارتهم فيها...وكما أن للمسلمين حق الشورى على الخليفة، فانه يجب عليهم محاسبة الحكام على أعمالهم وتصرفاتهم، والله سبحانه وتعالى فرض على المسلمين محاسبة الحكام، وأمرهم أمرا جازما بمحاسبتهم والتغيير عليهم إذا هضموا حقوق الرعية، أو قصروا بواجباتهم تحوها، أو أهملوا شأنا من شؤونها، أو خالفوا أحكام الإسلام، أو حكموا بغير ما أنزل الله".

وبناء على ذلك يرى حزب التحرير أن مجلس الأمة له الصلاحيات التالية:

أ – استشارة الخليفة له وإشارته على الخليفة في الأعمال والأمور العملية المتعلقة برعاية الشؤون في السياسة الداخلية، مما لا تحتاج إلى بحث فكري عميق، وإنعام نظر

ب- محاسبة الخليفة على جميع الأعمال التي تحصل بالفعل في الدولة...

ج - إظهار عدم الرضا عن المعاونين والولاة والعمال، ويكون رأي أكثرية المجلس في ذلك ملزما، وعلى الخليفة عزلهم في الحال..

د – انتخاب الخليفة، وذلك عبر حصر المرشحين للخلافة من الذين قررت محكمة المظالم توفر شروط الانعقاد فيهم.

ويقول في المادة 33 من الدستور:"إن طريقة نصب الخليفة هي:

أ‌- يجري الأعضاء المسلمون في مجلس الأمة حصر المرشحين لهذا المنصب وتعلن أسماؤهم ثم يطلب من المسلمين انتخاب واحد منهم.

ب‌- تعلن نتيجة الانتخاب ويعرف المسلمون من نال أكثر أصوات المنتخبين".

9 – عزل الخليفة

وذلك فيما إذا تغيرت حال الخليفة تغيرا يخرجه عن الخلافة، ويرى الحزب أن العزل يتم عبر محكمة المظالم، التي يعطيها وحدها الحق في تقرير ما إذا كانت تغيرت حال الخليفة تغيرا يخرجه عن الخلافة أم لا، وبالتالي عزله أو إنذاره.

10- حرية الأحزاب

ويؤكد حزب التحرير على "حق المسلمين في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام أو الوصول للحكم عن طريق الأمة على شرط أن يكون أساسها العقيدة الإسلامية، وأن تكون الأحكام التي تتبناها أحكاما شرعية، ولا يحتاج إنشاء الحزب لأي ترخيص".

ويقول:"لما كان الحاكم عرضة لأن تجافيه التقوى، كان لا بد من وسيلة مادية تجبره على التنفيذ، أو تقصيه عن الحكم، وتقيم مكانه الحاكم الذي يطبق الإسلام ويحمل دعوته، وهذه الوسيلة العملية هي الأمة. ولذلك كان من واجب الأمة الإسلامية إذا رأت حاكما جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، عاملا في عباد الله بالإثم والعدوان أن تغير عليه بالقول أو الفعل أو تغيره.

وتحتاج الأمة إلى تكتل صحيح على أساس الإسلام.

وهذا التكتل هو الحزب المبدئي الذي يقوم على أساس الإسلام.

ومتى ما قام الحزب وقاد الأمة صار هو الرقيب على الدولة، لأنه الأمة أو ممثل الأمة. وهو الذي يقودها ويجعلها تقوم بواجبها، وهو مناقشة الدولة ومحاسبتها، والتغيير عليها بالقول أو الفعل، أو تغييرها إذا خيف على الإسلام منها.

ويتعسر على الأمة أن تناقش أو تحاسب الدولة دون أن يكون لها حزب يتولى مركز قيادة الأمة تجاه الدولة، لوجود صعوبات جمة أمامها، لا يذللها إلا وجود قيادة موحدة تتمثل في تكتل، لا في فرد أو أفراد. ومن هنا كان لزاما أن يقوم في الأمة حزب سياسي مبدئي. وإذن فان الضمانة الحقيقية لتطبيق الإسلام وحمل دعوته وإحسان تطبيقه هي الحزب السياسي الإسلامي".

11- وحدة الدولة الإسلامية

وفي هذا المجال يقول حزب التحرير:"ان الدولة الإسلامية استمرت في الحكم دولة واحدة ووحدة واحدة، لم تتجزأ ولم تكن دولا، وإنما كانت محاولات للوصل والى الحكم رغبة في تنفيذ فهم معين للإسلام في شؤون الحكم، ثم انتهت وظلت الخلافة واحدة وظلت الدولة الإسلامية وحدة واحدة". ويضيف:" لقد كان تعدد فهم الإسلام وعدم تبني الخليفة أحكاما معينة في نظام الحكم .. أثر في تمكين بعض الحكام من الخلفاء والولاة من توجيه الحكم وجهة تؤثر في وحدة الدولة وفي قوتها، ولكن ذلك لم يؤثر في وجودها، فقد كانت الولاية العامة للولاة وإعطاؤهم صلاحيات واسعة نيابة عن الخليفة سببا في تحرك أحاسيس السيادة فيهم، فصاروا شبه مستقلين في الولاية، واكتفوا ببيعة الخليفة والدعاء له على المنابر وضرب النقد باسمه وما شابه ذلك من الأمور الشكلية. وبقي أمر الحكم في أيديهم مما جعل هذه الولايات شبه دول مستقلة، مثل الحمدانيين والسلجوقيين وغيرهم، إلا ان الولاية العامة لم تؤثر في وحدة الدولة باعتبارها ولاية عامة... ومهما بلغت قوة الوالي لم يكن يجرؤ على عدم الاعتراف بالخليفة، ولم تكن الدولة الإسلامية في يوم من الأيام اتحاد ولايات، حتى في أشد عهود استقلال الولاة، وإنما كانت دولة واحدة لها خليفة واحد، هو وحده صاحب الصلاحية في كل ناحية من نواحي الدولة في المركز ، وفي الولايات، والمدن والقرى والدساكر على السواء".

وأكد الأخ أحمد القصص، المتحدث باسم الحزب في لبنان، في رسالة خاصة تعقيبا على الحوار بأن الحزب لا يعمل على إعادة الخلافة بشكلها الاستبدادي الذي حصل منذ بداية العهد الأموي. وإنما يعمل على إعادة الخلافة كما شرعها الإسلام، وكانت حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة تطبيقاً عملياً لها والتزمها بعده الخلفاء الراشدون، وهي ليست ظاهرة تاريخية، وإنما هي أحكام شرعية دلت عليها الأدلة الشرعية.

واشار إلى إدراك الحزب لواقع الاستبداد بالسلطة واغتصابها منذ بداية العهد الأموي وإدراك خطورتها الكبيرة، وعرض الحلول والضمانات للحؤول دون عودتها. وقال:"إن خلافنا الأساسي معك ليس في تفاصيل نظام الحكم، وإن كان هذا الخلاف موجوداً. إنما الخلاف الحقيقي في منهج التفكير. فبينما يبحث الحزب في الأدلة الشرعية ليأخذ منها الأحكام المتعلقة بنظام الحكم وسائر أنظمة الحياة والمجتمع والدولة، ترى أنت أن لا وجود لنظام سياسي في الإسلام، وبالتالي تبحث عن ذلك النظام لدى تجارب الأمم الأخرى، ولا سيما لدى الغربيين. وهذا متوقع منك حين ترى أن لا ثقة بشيء من السنة المنقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف آخر بيننا وبينك ورد ذكره في الندوة التي عقدناها وإياك في بيروت. وهو الخلاف الأهم. وبالمحصلة فإنك أخي الكريم لا تعرض مشروعاً إسلامياً، وإنما انضممت من حيث لا تدري إلى المسوّقين للحضارة الغربية أو جوانب منها على الأقل. وإنني لا أدري بعد ذلك لم تصرّ على تصدير كتابك بعنوان "نحو خلافة ديمقراطية"! فما دامت الخلافة ظاهرة تاريخية لا نظاماً إسلامياً، فلماذا تضعها عنواناً لكتابك؟!

أخي الكريم، إن اغتصاب السلطة والاستبداد بها كانت من أهم عوامل تراجع الدولة الإسلامية وانحطاط الأمة، وقد لحظها الحزب ضمن إساءات تطبيق الإسلام. إلا أن عوامل الانحطاط في الأمة أوسع بكثير من أن تختصر في هذا الجانب. فالأمم تتخذ هويتها من ثقافتها وأفكارها وأنظمتها التي تطبقها، فإن هي بدلت هذه المكوِّنات فقد بدلت هويتها. وإنك بتلمّسك عوامل النهوض للأمة من الغرب تكون قد طلبت الداء للشفاء عوضاً عن الدواء. فالديمقراطية كانت من مكونات نهوض المجتمع الغربي بوصفه مجتمعاً يقوم على عقيدة فصل الدين عن الحياة، وبالتالي فإن كونها من عوامل نهوض الغرب لا يعني البتة أن تكون من عوامل نهوض الأمة الإسلامية. ذلك أنه لا يمكن أن تتوافق مع العقيدة الإسلامية التي تنبني عليها أفكارها وتنبثق منها أنظمة خاصة بها. فأنت حين تقتبس نظاماً ساهم في نهوض مجتمع ذي هوية معينة، إلى مجتمع يراد تكوينه بهويته الخاصة المختلفة، تكون كمن ينقل دماً من جسد إلى جسد آخر مغاير له في فئة الدم، فيقتله بدل أن يمدّه بالقوة والعافية".

وأضاف:" إن تخصيص السنة للكتاب لا ينطبق عليه مدلول "الهيمنة". إذ التخصيص هو من قبيل التبيين الذي ذكره الله تعالى في كتابه العزيز بقوله:[وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون] ونحن نوافقك في منع هيمنة السنة على القرآن، ولذلك نرفض نسخ القرآن بالسنة.

إن وجوب طاعة الحاكم الظالم لا تعني، فيما نتبناه، أن تشاركه في معصيته، أو أن تنفذ المعصية التي أمر بها. وإنما يعني أن تبقى مطيعاً له في سائر أوامره الموافقة للشرع. كما أن طاعته لا تعني السكوت عن محاسبته وأمره ونهيه، وإنما يبقى ذلك واجباً، وقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم جهاداً وصف قتيله بسيد الشهداء. وبالتالي فإن ذلك لا يتعارض مع أمر الله تعالى بالعدل.

قد ورد في كتبنا أن لكل فرد من أفراد الرعية التظلم لدى محكمة المظالم على الخليفة إن رأى منه ظلماً، وفي هذه الحال فإن الخليفة لا سلطان له على محكمة المظالم.

وقد ورد أيضاً أن الحاكم إن بلغ في ظلمه حد الفسق، فإن محكمة المظالم التي لا سلطان له عليها في هذه الحال أيضاً، تحكم بعزله.

إن القول بعدم طاعة الحاكم الظالم مطلقاً، يؤدي إلى استمرار الفوضى والتمرد في الدولة الإسلامية، لأن تحديد الظلم ليس أمراً ميسوراً لكل الناس، وليس محل اتفاق بين جميعهم. وإن أخذنا بعين الاعتبار أن الحكام هم من البشر غير المعصومين، فإنه يتوقع بين آونة وأخرى أن يقع منهم خطأ أو ظلم. وتخيل الواقع لو أننا أتحنا لكل فرد من الرعية إعلان التمرد والعصيان عند أول خطأ أو ظلم. وما أعرفه أنك من الذين رفضوا "نظرية" وجوب أن يكون الحاكم "معصوماً". وللمناسبة، فإنه حتى الأنظمة الديمقراطية التي تردد ذكرها في كتاباتك، لا تعطي الناس الحق بأن يخالفوا القوانين والمراسيم والقرارات الرسمية أو الحق بالتمرد والخروج بالسلاح على الحاكم، إن هو خالف القوانين أو ارتكب ظلماً".

وتقبل تحياتي

أخوك أحمد القصص

http://www.almolltaqa.com/ib/showthread.php?104811-%C3%CD%E3%CF-%C7%E1%DF%C7%CA%C8-%ED%CD%C7%E6%D1-%DE%C7%CF%C9-%CD%D2%C8-%C7%E1%CA%CD%D1%ED%D1-%CD%E6%E1-%C7%E1%CE%E1%C7%DD%C9-%E6%C7%E1%CF%ED%E3%DE%D1%C7%D8%ED%C9

Link to comment
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
 Share

×
×
  • Create New...