صوت الخلافة قام بنشر April 2 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر April 2 بسم الله الرحمن الرحيم وهمُ القوّة والاستكبار المستكبرُ لا يرى لحظةَ سقوطه؛ لأنّه غارقٌ في وهمِ القوّة. وهذا ما يُصرّح به ترامب، وهو غارقٌ في وهمه، وكأنّه يستعلي على العالم، مطمئنّاً إلى ما يملك من أسباب القوّة والتفوّق من العوامل المادّية، ناسياً أنّ تلك الأسباب نفسها قد تتحوّل إلى عبءٍ عليه، وأنّ ما يفعله هذا الجَوّاظ، وهو يتباهى بأنّهم يملكون أقوى قوّةٍ ماديّة في العالم، ليس إلا مظهراً من مظاهر الغرور. هكذا جرت سننُ الحياة منذ القدم: صعودٌ يعقبه ثبات، ثمّ انحدارٌ لا يشعر به صاحبُه إلّا بعد فوات الأوان. ولقد قصّ علينا القرآن الكريم أخبارَ أممٍ بلغت من القوّة مبلغاً، ظنّت معه أنّها فوق كلّ الحسابات، كقوم عادٍ وثمود، الذين قالوا في غرورهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فجاءهم الردّ عمليّاً لا نظريّاً، حين انهارت حضاراتهم أمام سنن الله التي لا تُحابي أحداً. لم يكن سقوطهم فجأةً، بل كان نتيجةَ تراكمٍ من الاستكبار، وتجاهلِ الحقّ، والاستخفافِ بالقيم التي تحفظ التوازن. وإنّ ما تفعله أمريكا اليوم هو نفسه الذي كنّا نراه، أو شبيهٌ به. فترامب طاغية العصر، يتباهى بما فعلته آلته العسكريّة من دكّ مدن المسلمين، وتدميرها، وهو يعلم جيّداً أنّ هذا لم يكن ليحصل لو كان للمسلمين دولةٌ تدافع عنهم، وتحمي حقوقهم، وتصون كرامتهم. فبعد أن مزّقوا عرشَ المسلمين، بدأوا يعربدون ويصولون في بلادنا، بمساعدة نواطير نصّبوهم حكاماً علينا، ففتحوا لهم الأجواء لتكون قواعدَ وثكناتٍ عسكريّةً لطائراتهم، وقواعدَ لصواريخهم التي تدكّ مدن المسلمين. حكّامٌ مجرمون بعثروا ثروات المسلمين، وأعطوها لأعدائهم ليُموّلوا أساطيلهم لشنّ الحروب عليهم. ما كان هذا ليحصل لو كانت هناك أمّةٌ تدافع عن كرامة أبنائها. لقد كانت الأمّة الإسلاميّة سفينةً واحدة، يرفرف على جسدها النور، ويسري فيها نبض الإيمان. حينها لم يكن المسلمون مجرّد شعوبٍ متفرّقة، بل كانوا كالجسد الواحد؛ العدلُ كان قانونهم، والكرامةُ درعهم، والوحدةُ قوّتهم. أيّها المسلمون: حين فقدنا وحدتنا، فقدنا القدرة على حماية أنفسنا من المعتدين. فما يحصل اليوم، ونحن نُغزى في عُقر ديارنا، لهو علامةٌ فارقة على الضعف والوهن الذي أصابنا جرّاء تخلّينا عن دولتنا وعزّنا. ربّما يتصوّر الغرب، وعلى رأسهم الشيطان الأكبر، أنّ موازين القوّة قد استقرّت إلى الأبد، لكنّها في الحقيقة تكون قد دخلت أخطر مراحلها؛ هناك حيث يبدأ التآكل، وتتحوّل عوامل القوّة إلى أسباب ضعف، حين يعلو صوت الغرور. وهذا المعنى لا يقتصر على الماضي، بل يتكرّر في كلّ زمان؛ فالدول حين تبلغ ذروة قوّتها، وتظنّ أنّ التاريخ انتهى عندها، وأنّ موازين القوّة قد استقرّت إلى الأبد، تكون قد بدأت العدّ التنازليّ لسقوطها. إنّ هذه السنّة ليست مجرّد فكرةٍ وعظيّة، بل حقيقةٌ تشهد لها الوقائع؛ فكم من قوّةٍ عظيمةٍ سادت ثمّ بادت، وكم من أمّةٍ ضعيفةٍ نهضت حين أخذت بأسباب القوّة. فلا دوام للهيمنة، ولا خلود للسطوة، وإنّما هي الأيّام دولٌ تتعاقب، يرفع الله بها أقواماً ويضع آخرين، وفق ميزانٍ دقيقٍ لا يتبدّل. ولعلّ أخطر ما يُصيب أيّ قوّةٍ هو أن تظنّ نفسها استثناءً من هذه السنن، فتغترّ بما لديها. وهذه أمريكا الباغية العاتية تُجسّد هذه الحقيقة. فالبقاء ليس للأقوى فقط، فحضارتهم القذرة عفّنت الإنسانيّة، وجرائمهم التي تضجّ بها فضائحهم قد ملأت العالم. أيّها المسلمون: إنّ مجد أمّتكم، ومفاخر آبائكم، ومآثر أسلافكم، وتاريخكم المشحون بالكنوز القيّمة، كلّ أولئك يناديكم أن تُعيدوا مجدكم، وأن تتركوا عوامل التفرقة، لتُحرّروا أنفسكم وبلدانكم، وتنقذوا إخوانكم من القتل واستباحة الدماء والأموال. إنّ أمريكا ويهود خالفوا كلّ شريعة، وكلّ مذهبٍ إنساني، ولم يحفلوا بغير شريعة الحيوان، ولم يبقَ إلّا أنتم، الذين علّم آباؤهم هذا المستكبر الجَوّاظ في عالم الغرب كيف يُحطّم الأغلال ويفتّت القيود. أنتم الذين أعلى نظامكم الخالد حقوق الإنسان، وطبّقوه قبل أكثر من أربعة عشر قرناً؛ فلا تَأبَهوا هازئين، وفوق رؤوسكم سيف أمريكا مُسلّطاً يأخذ الأبصار. هلمّ، فهذا الرائد الذي لا يكذب أهله يدعوكم إلى سفينة النجاة، إلى العودة لاستعادة عزّكم ومجدكم العريق، لتشحذوا العزائم، واستبقوا الصراط إلى العلا والسؤدد، وانشروها على أجنحة النسائم. شعاركم مرحباً بالتاريخ يعيد نفسه، ويدعونا إلى ما نشأنا عليه من أحداث، وما عُرف لنا من مواقف، ليكتب الأبناء والأحفاد صحف المجد بأيديهم، مثلما كتبها آباؤهم وأجدادهم، ويُهيّئ لنا فرصةً لتتقدّم هذه الأمّة، ولترفع راية المجد على أعلى قمّةٍ في علياء الحياة المجاهدة. والعاقبةُ للتقوى. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير مؤنس حميد – ولاية العراق اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر April 3 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر April 3 بسم الله الرحمن الرحيم إقرار قانون إعدام الأسرى إهانة للأمة الإسلامية كلها وفصل جديد من فصول غطرسة كيان يهود صادقت الهيئة العامة لمجلس النواب في كيان يهود المسماة بالكنيست، مساء يوم الاثنين، بالقراءتين الثانية والثالثة، على قانون إعدام الأسرى، وذلك بتأييد رئيس الحكومة نتنياهو، وبأغلبية 62 صوتا، مقابل 48 معارضا. ويقضي القانون بفرض عقوبة الإعدام على من "يتسبب عمداً بمقتل إنسان في إطار عمل يُصنف على أنه عمل إرهابي". كما ينص المشروع على عدم إمكانية منح عفو في مثل هذه الحالات، وهو يسري بأثرٍ رجعيّ، ليفتح الباب أمام تنفيذ أحكام إعدام جماعية بحق مئات الأسرى، خصوصاً أولئك الذين اعتقلوا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. وهو ما يجعله قانونا ليس بهدف الإخافة من مقاومة الاحتلال، بل تلبية لعقدة النقص وشهوة العنصرية المتخمرة عند يهود. إن المصادقة على هذا القانون أقل ما يقال عنها إنها إهانة للأمة الإسلامية. فإن الشعوب اليوم تستحي أن تثبت عليها جرائم بحق أسرى الحروب الذين لديها، وهي تتهرب من تهم التعذيب وحوادث الموت تحت التعذيب. بل إن من الدول الكبرى صاحبة التاريخ الاستعماري من أصدرت القوانين التي تلزم فيها نفسها أن تدفع التعويضات لذوي أسرى الحروب الذين قتلتهم في الماضي لتثبت لسائر العالم (ولو خداعاً) أنها مترفعة عن مثل هذه الممارسات، كما هو الحال في بريطانيا واليابان وألمانيا وأمريكا وغيرها. هذا وعلى مر كل فترة صراع الأمة الإسلامية مع كيان يهود، كانت الأمة تعيد أسرى جنوده إليه سالمين معافين. رغم ذلك وبكل وقاحة فاقت التصور، يصدر كيان يهود قانونا يسمح بقتل أسرى الحرب عنده! ليس هذا وحسب بل إن أبالسة سياسييه قد فصّلوا القانون واختاروا عباراته بحيث ينطبق على المسلمين أولا. وكأن الأمة الإسلامية ليست من جنس البشر، بل إن لسان حال هذا القانون يقول بأن شباب المسلمين عندهم كالمواشي المعدّة للذبح على موائد الاستعمار وأذنابه! إن الأمة الإسلامية قد بنت حضارة بوحي من عند الله عز وجل، عمرت بها الأرض واستنارت بها البشرية من دياجير الجهل والحيوانية وملأت الدنيا خيرا ورفعة. إن أمة كهذه عمرها قارب ألفاً وخمس مائة سنة، لا يليق بها أن يجري بحقها كل هذا الإذلال وجيوشها بالملايين منتشرة في القارات، وشبابها ممتلئ بالحياة يكد ويتعب ليله ونهاره ليطعم هذه الجيوش وينفق على عتادها ويعمل لبناء بلاده. قلناها سابقا ونعيدها اليوم، لقد ضاقت الأمة ذرعا بخذلان جيوشها مع غطرسات هذا الكيان الوضيع. فهو ليس إلا فأرا جبانا يختبئ في جيب أمريكا. يطل برأسه ليبصق على الناس أو ليسرق لقمة من قصعة الأمة الإسلامية، فإن حمي الوطيس اختبأ وعلا صراخه. فلا يليق بأمة قد سمت أبناءها حمزة وعمر وعلياً وخالداً وعبيدة، وعلمتهم سيرة غزوات صلاح الدين ومحمد الفاتح وقطز، وصارعت أكبر الإمبراطوريات فجعلتها أثرا بعد عين، أن تسكت عن مثل هذه الإهانات. وإن الرأي العام في الأمة يستصرخ الجيوش كل يوم قائلا أين أنتم؟! أين أنتم وعيونكم ترى وآذانكم تسمع؟! يكفي تفريطا بالدم والأرض والثروات. إنها حالة من الغطرسة والعلو والإفساد، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾، إذ يستقوون على أسرى عزل لا حول لهم ولا قوة، مخالفين بذلك حتى الأعراف الدولية ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. إنّ الفساد والإفساد الذي وصل إليه كيان يهود لم يعد يخفى على أحد، وحتى شعوب العالم من غير المسلمين أدركوا ذلك وشاهدوه بأم أعينهم، وهذا ما سيجعل كيانهم بلا سند ولا بواكي عند المواجهة القادمة مع الأمة قريبا إن شاء الله، فسارعوا أيها المخلصون في جيوش الأمة لإعادة سلطان الأمة إليها لتتحرك تحت قيادة خليفتها الراشد صوب الأرض المباركة فلسطين محررةً إياها ومخلّصة العالم من شرور يهود. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير المهندس صلاح الدين عضاضة مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر April 3 الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر April 3 بسم الله الرحمن الرحيم الذكاء الاصطناعي بين منطق الحرب ومنطق الأخلاق لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة في النظام الدولي، ومع تسارع إدخاله في المجال العسكري برزت توترات عميقة بين المؤسسات العسكرية التي تسعى إلى تعظيم القوة تكنولوجياً، والشركات التي تحاول فرض قيود أخلاقية على استخدام منتجاتها. ويجسد الخلاف بين وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) وشركة أنثروبيك نموذجاً واضحاً لهذا الصراع، حيث جاء عبر الجزيرة نت بتاريخ 6 آذار/مارس 2026 خبر بعنوان: بعد رفضها التعاون عسكرياً... البنتاغون يصنف شركة أنثروبيك كشركة خطر على سلاسل التوريد (أي منع الشركات المتعاقدة مع الحكومة من استخدام منتجاتها)، في خطوة غير مسبوقة. في المقابل، أكدت شركة أنثروبيك أنها ستطعن في القرار أمام القضاء، معتبرة أن تصنيفها كخطر على سلاسل التوريد إجراء غير سليم قانونياً، ولم يسبق أن طُبق على شركة أمريكية، ولأول مرة تستخدمه واشنطن ضد شركة أمريكية. وفي ظل هذا النزاع، تسعى شركات أخرى إلى ملء الفراغ المحتمل في تزويد الجيش الأمريكي بتقنيات الذكاء الصناعي، مع العلم أن أمريكا استخدمت بالفعل تقنيات شركة أنثروبيك لتحليل البيانات والصور الاستخباراتية في مهام تتعلق بتحديد مواقع انتشار القوات أو تخطيط العمليات العسكرية، بما في ذلك عمليات مرتبطة بالحرب المتصاعدة اليوم في إيران، وفق مصادر مطلعة. وفي الوقت نفسه، تتوقع كل من شركة أوبن إيه آي وإكس إيه آي التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة السرية. ولكن السؤال: هل صحيح أن الخلاف مع الشركة هو خلاف أخلاقي كما جاء في الجزيرة، مع العلم أننا نعلم أن كل الشركات الغربية مبنية على النظام الرأسمالي، ولا يهمها إلا المنفعة ما دامت المادة الاقتصادية تجني أرباحاً، دون النظر إلى ما إذا كان ذلك أخلاقياً أم غير أخلاقي؟ ووفق وثائق رسمية قدمتها الحكومة الأمريكية في المحكمة، فإن الخلاف هو نزاع تعاقدي، وليس قضية حرية تعبير أو أخلاق فقط. وكما جاء عبر رويترز في 18/3/2026، حيث قالت وزارة العدل إن رفض الشركة قبول شروط العقد الحكومي لا يُعد موقفاً سياسياً، بل خلافاً تجارياً بحتاً. وجاء أيضاً في صحيفة تايمز أوف أمريكا في التاريخ نفسه 18/3/2026: (قدمت وزارة العدل الأمريكية رداً من 40 صفحة على دعوى شركة أنثروبيك يوم الثلاثاء، بحجة أن رفض الشركة الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي توقيع عقد يسمح بأي استخدام قانوني لنماذج كلود الخاصة بها من قبل الجيش هو نزاع تجاري، وليس قضية حرية التعبير، وأن البنتاغون كان ضمن حقوقه تماماً في قطع العلاقات مع الشركة). حيث إن هناك شرطاً في العقد يسمح للحكومة باستخدام الذكاء الاصطناعي في أي استخدام قانوني، ولكن الشركة رفضت هذا البند، ورغم أن الإعلام يركز على الأخلاق، إلا أن جوهر العقود العسكرية ينشأ الخلاف فيها حول توسيع الاستخدام، والذي يساوي زيادة التكلفة. وكان العقد بقيمة عالية تقارب 200 مليون دولار، وهو الآن مهدد بالإلغاء، حيث نُشر في صحيفة رويترز بتاريخ 27/2/2026: (الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك يقول إنه لا يستطيع الموافقة على طلب البنتاغون بنزع ضمانات الذكاء الاصطناعي). إذاً، الخلاف في حقيقته خلاف تعاقدي مؤكد رسمياً، وخلاف مالي ضمنياً حول من يتحمل تكلفة هذا التوسع، وخلاف أخلاقي عبّر عنه الإعلام فقط، وليس هو أصل المشكلة. ولذلك، فإن الخلاف ليس صراعاً بين الأخلاق والحرب، بل صراع على شروط التوسع ومن يدفع التكلفة؛ فموقف البنتاغون يتمثل في الرغبة باستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الأهداف، وإدارة المعارك، ودعم الجنود ميدانياً، أي السعي لإدخال الذكاء الاصطناعي في كل منظومات الحرب تقريباً: الاستطلاع، والضربات، والقرار العسكري. أما الخلاف الذي ترفضه الشركة، فهو استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة ذاتية القتل دون تدخل البشر، وهو أمر لم يتم الاتفاق عليه، كما أنه مكلف جداً. إذاً، نحن على أعتاب أزمة حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهذه الأزمة تكشف عن خلل بنيوي في إدارة التكنولوجيا العسكرية، حيث يشير الخبراء إلى أن الأطر القانونية الحالية غير كافية لتنظيم الذكاء الاصطناعي العسكري، وأن العقود مع الشركات لا يمكن أن تعوض غياب أنظمة حوكمة حقيقية. حيث إن مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري سوف تؤدي إلى تآكل السيطرة البشرية على القرار العسكري، وتسارع غير محسوب في وتيرة الحروب، واحتمالات الخطأ الكارثية في بيئات معقدة، وبداية سباق تسلح ليس نووياً بل خوارزمي. ومع الأسف، فإن انتقال البشر من حرب تُدار بالقرار البشري إلى حرب تُدار بالخوارزميات، ومن سيادة الدولة المطلقة إلى واقع تتقاسم فيه السلطة مع الشركات التكنولوجية، يمثل تحولاً خطيراً. واليوم، تتداخل الحسابات المالية مع الاعتبارات الأخلاقية لتكشف أن ما يبدو خطأً مبدئياً يخفي في جوهره صراعاً على النفوذ والتكلفة والتحكم. فعليه، فإن هذا النزاع لا يمثل خلافاً عابراً، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة تتشكل فيها الحروب، ليس فقط في ميادين القتال، بل في بنود العقود وخوارزميات القرار. إن تطلع الرأسمالية ليس تطوراً بحد ذاته مع الحفاظ على الأخلاقيات، ولا أن تكون التكنولوجيا وسيلة لتحقيق نوع من الرفاهية للبشر، بل تعمل على استخدام هذه التكنولوجيا في إبادة البشر للحصول على السلطة والمال، وإن هذا المبدأ لا يحمل من الأخلاق أي شيء، فالعالم اليوم بحاجة إلى مبدأ جديد يزيحه. إن مبدأ الإسلام، متمثلا في دولة الخلافة، مجرد وجودها على الساحات الدولية يمنع أن تصل الأمور إلى هذا الحد، حيث يكون الإنسان فيها أداة للتجربة وموته نتيجة لها! المبدأ الإسلامي هو مبدأ رباني يمنع أي شيء يسلب الإنسان إنسانيته، ويضمن العيش تحت أوامر الله التي تحقق العدل والنور والرفاهية، وتحفظ حقوق البشر من حق العيش إلى حق عدم التجسس عليه وغيرها كثير. المبدأ الإسلامي هو الوحيد الذي يستطيع تخليص البشرية من جشع وعهر الرأسمالية، لذلك نجد الهجمة شرسة على بلاد المسلمين وعلى حملة الدعوة والعاملين لإعادة استئناف الحياة الإسلامية، لأن الكفار يعلمون أنه بمجرد ظهور هذه الدولة وإعلان قيامها يبدأ العد التنازلي لزوالهم على يديها زوالاً لا رجعة فيه. لذلك نراهم يحرفون البوصلة كلما ضاقت الشعوب ذرعا وتحركت ولكن الحمد لله أن هناك حزباً يحمل قضايا الأمة المصيرية وأهمها عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كما بشرنا بها رسول الله ﷺ. إن حزب التحرير بقراءته العميقة منذ إنشائه على يد الشيخ الجليل المجتهد المطلق الأزهري تقي الدين النبهاني رحمه الله ومن تبعه من بعده حتى اليوم قد أعد للأمة مشروعا كاملا متكامل منبثقا عن الكتاب والسنة وأعد رجال دولة من الطراز الرفيع الذين سوف يعينون الأمة على الوصول إلى بر الأمان واستئناف الحياة الإسلامية وينشرون نور الإسلام وعدله وينقلون العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الرأسمالية وظلمها إلى عدل الإسلام ونوره. قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير نبيل عبد الكريم اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم آسيا الوسطى في ميدان التنافس الجيوسياسي لم تعد آسيا الوسطى منطقة هامشية في السياسة العالمية، بل تحوّلت إلى ميدان تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى. وتكتسب المنطقة أهميتها ليس بسبب موقعها الجغرافي ومواردها وممراتها النقلية فحسب، بل أيضاً بسبب البنية الدينية العميقة في مجتمعها. بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأت المنطقة تعود من جديد إلى الإسلام. وهذا يعد بالنسبة للمستعمرين خطراً مبدئياً محتملاً وعاملاً سياسياً يستدعي تشديد السيطرة. غير أنّ اهتمام المنطقة بالإسلام لم يظهر عام 1991 فحسب، بل إن آسيا الوسطى كانت عبر القرون جزءاً لا يتجزأ من البلاد الإسلامية. فقد كانت فيها دول خانية مثل بخارى وقوقند وخيوة، وكانت تبني أنظمة حكمها على أحكام الشرع. وكانت الشريعة تنظم العلاقات الأسرية والتجارة والقضاء. كما أن مكانة القضاة الشرعيين والعلماء لم تكن أقل من مكانة الحكام. وقد أسهمت المدارس الشرعية في تشكيل البيئة الفكرية، وكانت المنطقة جزءاً من إطار الحضارة الإسلامية الواسعة التي امتدت من الخلافة العثمانية حتى الهند. وقبل الحكم السوفيتي كانت المنطقة تعرف باسم تركستان. إن دخول المنطقة في إطار الإمبراطورية الروسية، ثم قيام حكم الاتحاد السوفيتي، أدّى إلى نشوء تعارضٍ حضاري حاد. فقد عمل النظام السوفيتي على إقصاء الدين من بنية الحكم ومن النظام الاجتماعي. فتم القضاء على العلماء، وأُغلقت المساجد، ووُضع رجال الدين الرسميون تحت الرقابة، كما جرى تقليص التعليم الديني إلى الحد الأدنى. ولم يعد الإسلام مصدراً للتشريع، بل حُصر في كونه مظهراً فرديا فقط. وحلّ مكان النخبة الدينية كوادر الحزب، وهكذا فرض على المنطقة بشكل كامل نموذج علماني إلحادي. ومع ذلك، بقي الإسلام حيّاً في قلوب الناس ولم يندثر تماماً. فقد حُفظ في التقاليد العائلية والعادات الاجتماعية والذاكرة الجماعية. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، بدأ الناس بصورة طبيعية بالعودة إلى هويتهم الدينية؛ فبُنيت المساجد على نطاق واسع، وافتُتحت المدارس الشرعية، وازداد عدد الملتزمين بالدين بشكل ملحوظ، وبدأ الناس يبحثون عن سند في تاريخهم وثقافتهم، فعادوا إلى القيم التي منعت طويلاً. بل إن الإسلام بدأ يؤثر حتى في مسارات الدول التي نشأت حديثاً تحت راية الاستقلال. وهذا المشهد التاريخي بالذات هو ما يزيد تعقيد الوضع الراهن؛ فالأمر هنا لا يتعلق بإدخال مبدأ جديد أو نشره، بل بالعودة إلى القيم التي شكّلت المنطقة عبر قرون طويلة. غير أنّ هذه العملية تجري في ظل تأثير السياسة العالمية، وتنافس القوى الكبرى، والتقنيات الحديثة للرقابة التي يستخدمها خصوم الإسلام. ولذلك فإن موقف جميع القوى الخارجية من الإسلام، سواء أكانت روسيا أو الصين أو الدول الغربية، يقوم في المقام الأول على حماية أمن أنظمتها. إن قدرة الإسلام على منافسة هذه الأنظمة في الميدان السياسي، وعلى تقديم حلول حقيقية لمشكلات الحياة اليومية، تشكّل بالنسبة لهم تهديداً جدياً. ولم ينسَ سكان المنطقة قوة الإسلام التي تقود إلى التقدم والعيش الكريم. وهذا ما يُجبر القوى الاستعمارية على أن تأخذ في الحسبان احتمال تحوّل الإسلام إلى بديل سياسي للأنظمة العلمانية القائمة. وهكذا تقف آسيا الوسطى اليوم عند تقاطع ثلاثة خطوط تاريخية: الحضارة الإسلامية، والبنية السوفيتية الإلحادية، والتنافس العلماني الغربي. وبالنظر إلى كل ذلك، فإن عامل الإسلام يشكل أساساً عميقاً لهويتها التي بدأت اليوم من جديد بالظهور. وانطلاقاً من ذلك، سنستعرض فيما يلي عوامل التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في آسيا الوسطى: روسيا: بالنسبة لروسيا، لا تعد آسيا الوسطى مجرد منطقة مجاورة. فعلى مدى المائة والخمسين سنة الماضية ترسخ في الوعي الاستراتيجي الروسي تصور يعتبر آسيا الوسطى حديقة خلفية تاريخية، وأن غيابها يجعل بنية الدولة الروسية تبدو ضعيفة. ولذلك فإن فقدان النفوذ في المنطقة لا ينظر إليه على أنه مجرد تراجع جيوسياسي، بل كخطوة قد تؤدي إلى توترات داخلية واحتمال التفكك. ولا يزال الكرملين يحاول التمسك بالفكرة الإمبراطورية التي تجعله المحدد لقواعد اللعبة في الفضاء ما بعد السوفيتي. وتعمل روسيا على فرض نفسها في المنطقة باعتبارها ضامناً للأمن، وحكماً في النزاعات، ومركزاً رئيسياً لاتخاذ القرار. وأي محاولة من دول آسيا الوسطى لبناء سياسة مستقلة متعددة الاتجاهات أو لتعميق التعاون مع القوى الغربية تثير في موسكو القلق، وغالباً ما تقابل بردود فعل قاسية. كما أن الاهتمام الذي تبديه أمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي لا ينظر إليه بوصفه منافسة طبيعية، بل كامتداد للتوسع داخل حدود ما تسميه روسيا "مجال مسؤوليتها التاريخية". ووفق منطق الكرملين، فإن خسارة آسيا الوسطى تعني ازدياد الضغوط الخارجية، ونمو النزعات الانفصالية داخل روسيا نفسها. ولهذا السبب فهي تسعى إلى الاحتفاظ بالمنطقة بأي ثمن. ومن خلال هياكل مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تعمل روسيا على ضبط التعاون في مجال مكافحة (الإرهاب)، وتنظيم المناورات المشتركة، وتنسيق قوائم المنظمات المحظورة، وتبادل المعلومات. كما يشارك الخبراء الروس بشكل مباشر في تقديم المشورة للأجهزة الأمنية في المنطقة، ويدعمون توجهاً يقوم على فرض رقابة صارمة على البنية التحتية الدينية، وتقييد الجماعات الإسلامية المستقلة، وتعزيز دور رجال الدين الخاضعين لإشراف الدولة. كما يخلق عامل الهجرة توتراً إضافياً. فالملايين من أهل آسيا الوسطى يعملون في روسيا، وتشكل تحويلاتهم المالية دعماً مهماً لاقتصادات بلدانهم. غير أن سياسة تشديد نظام الهجرة داخل روسيا آخذة في التزايد، حيث تُفرض حصص محددة، وتُكثَّف عمليات التفتيش، وتُنفَّذ عمليات الترحيل، وتُفرض قيود على فرص العمل. ولا تقف وراء هذه الإجراءات دوافع اجتماعية واقتصادية فحسب، بل يكمن خلفها أيضاً الخوف من خروج التنظيم الديني المستقل عن السيطرة. فالبلاد الإسلامية القادرة على التنظيم الذاتي تنظر لها النخبة الروسية كمصدر محتمل لعدم الاستقرار السياسي. وهكذا ينشأ وضع متناقض: فروسيا تحتاج اقتصادياً إلى العمالة القادمة من المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحد من تدفقها خوفاً من النتائج الديموغرافية والمبدئية طويلة المدى. وهذا الوضع يزيد العلاقات تعقيداً ويعزز التوتر الكامن. وخلاصة القول، إن استراتيجية روسيا في آسيا الوسطى تقوم على ثلاثة دوافع مترابطة: الحفاظ على المكانة الإمبراطورية، ومنع ظهور مراكز نفوذ بديلة، وإخضاع العامل الإسلامي لرقابة صارمة. ويسعى الكرملين إلى إبقاء المنطقة ضمن دائرة نفوذه ليس للحفاظ على مكانته في السياسة الخارجية فقط، بل أيضاً كوسيلة لمنع نشوء عمليات التفكك الداخلي. ووفق التفكير الاستراتيجي الروسي، فإن فقدان "الحديقة الخلفية" يعادل ازدياد الشقوق داخل الاتحاد الذي يعاني أصلاً من ضعف مبدئي. ولهذا السبب تتسم سياسة موسكو في هذه المنطقة بالحساسية الشديدة والعناد، وغالباً ما تتخذ طابعاً غير قابل للتسوية. الصين: بالنسبة للصين، لا تُعد آسيا الوسطى مجرد منطقة مجاورة، فهي قبل كل شيء جسرٌ بريٌّ يصل إلى الشرق الأوسط وأوروبا، وشريان للطاقة، ومنطقة عازلة حول تركستان الشرقية الإسلامية التي كانت في وقت من الأوقات جزءاً من فضاء واحد. وبالنسبة لبكين، تكتسب الجغرافيا أهمية استراتيجية، إذ إن استقرار حدودها الغربية يرتبط مباشرة بوحدة الدولة الداخلية. ويتمثل الاتجاه الرئيسي في سياسة الصين في تحييد العامل الإسلامي في منطقة تركستان الشرقية الأويغورية. فقد أنشأت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أوسع منظومات مراقبة المسلمين وملاحقتهم. ووفقاً لتقديرات منظمات حقوق الإنسان الدولية، أقيمت هناك سجون مفتوحة تسمى "مراكز التعليم المهني" تضم عدة ملايين من الأشخاص. كما نشرت منظومات كثيفة من المراقبة بالفيديو، وتستخدم أدوات الاستطلاع الرقمي وتحليل البيانات ومراقبة الاتصالات لمتابعة السلوك. وإلى جانب هذا النظام الصارم من الرقابة، فرضت قيوداً على الأنشطة الدينية، وشددت إجراءات التحكم في مواليد المسلمين، كما حظرت التعليم الديني خارج إطار النظام الحكومي. ومن المهم الإشارة إلى أن الصين لا تسعى إلى تصدير المبدأ الشيوعي إلى آسيا الوسطى. فاستراتيجيتها لا تقوم على التوسع المبدئي، بل على اكتساب النفوذ الاقتصادي وفرض السيطرة التكنولوجية. غير أن سياستها الداخلية القائمة على القمع الشديد لأي تنظيم إسلامي مستقل تفتح عملياً المجال أمامها لتطبيق النهج نفسه خارج حدودها عندما ترى أن ذلك ضروري لحماية استثماراتها وبنيتها التحتية. ومن خلال مشروع الحزام والطريق، تمكنت الصين من التغلغل بعمق في اقتصاد المنطقة. فقد جرى بناء وتحديث الطرق السريعة وممرات السكك الحديدية التي تربط الصين بأوروبا عبر قرغيزستان وكازاخستان. كما يجري إنشاء خط السكك الحديدية الصين - قرغيزستان - أوزبيكستان. وتم تشغيل خطوط أنابيب الغاز القادمة من تركمانستان إلى الصين عبر أوزبيكستان وكازاخستان. كما جرى توسيع الموانئ الجافة على الحدود الكازاخية الصينية، ومنها عقدة خورغوس. وتُموّل مشاريع الطاقة وخطوط الكهرباء والمناطق الصناعية. وتشارك الشركات الصينية في استخراج النفط واليورانيوم، وفي بناء مصافي النفط ومصانع الإسمنت، إضافة إلى إنشاء المراكز اللوجستية. وقد أصبحت القروض إحدى الأدوات الرئيسية للتأثير. فالبنوك الصينية تقدم قروضا بمبالغ كبيرة بضمانات حكومية ما يزيد من مستوى الاعتماد المالي. وفي الوقت نفسه، تحاول الصين أن تبدو وكأنها لا تتدخل علنا في السياسات الداخلية لدول المنطقة وتحترم سيادتها، غير أن سياستها لا تنفذ عمليا إلا في ظل الحفاظ على الاستقرار وضمان حماية مصالحها. وفي الوقت ذاته، لا تنتشر البنية التحتية وحدها، بل ينتشر معها أيضا نموذج أمني. فقد أُبرمت اتفاقيات لتبادل المعلومات حول الجماعات المشكوك فيها، كما يجري توريد تقنيات المراقبة، وكاميرات التعرف الرقمي على الوجوه، ووسائل الرقابة السيبرانية. وتقوم الصين بتدريب خبراء الأمن وتوسيع الروابط بين الأجهزة الأمنية. ويتميز نهجها بطابع براغماتي؛ فبالنسبة للصين يعد الاستقرار أكثر أهمية بكثير من الحرية. وعلى خلاف الإمبراطوريات الكلاسيكية، فإن الصين لا تسعى إلى فرض سيطرة شكلية مباشرة، لكنها تعمل على تشكيل مستوى من الاعتماد يجعل القرارات السياسية لدول المنطقة مضطرة إلى مراعاة المصالح الصينية ولا يمكنها الإفلات منها. فإذا كانت روسيا تحافظ على نفوذها في المنطقة من خلال المنطق التاريخي والعسكري، فإن الصين ترسخ حضورها عبر الاقتصاد والتكنولوجيا. وأهدافها طويلة الأمد، وأساليبها منهجية. وتكمن خصوصية تعامل الصين مع آسيا الوسطى في الجمع بين القمع الشديد لأي تنظيم إسلامي مستقل داخلياً، وبين التوسع الاقتصادي البراغماتي. الولايات المتحدة: بالنسبة لأمريكا، لم تكن آسيا الوسطى يوماً موضوعاً هامشياً بالكامل، لكنها أيضاً لم تتحول إلى أولوية من الدرجة الأولى. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأت تنخرط في عمليات المنطقة من خلال برامج دعم الاستقلال، والأمن النووي، وتنويع مصادر الطاقة. وخلال تسعينات القرن الماضي سعت إلى تقليص اعتماد المنطقة على روسيا، فاستثمرت في نزع السلاح النووي في كازاخستان، وتعزيز أمن الحدود، وتطوير مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز. وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 ازداد اهتمامها بشكل حاد. إذ تحولت آسيا الوسطى إلى قاعدة خلفية للعمليات في أفغانستان، وتم نشر منشآت عسكرية في أوزبيكستان وقرغيزستان، وتعزز التعاون في مجالات الأمن والتنسيق في مكافحة الإسلام. غير أنه مع تقليص الوجود العسكري في أفغانستان بدأ اهتمام أمريكا بالمنطقة يتراجع. وبحلول منتصف العقد الثاني من الألفية، تحول تركيزها نحو الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وعادت تعامل آسيا الوسطى كاتجاه ثانوي. وقد أدى ذلك إلى إغلاق القواعد العسكرية وانخفاض مستوى النشاط ما جعل روسيا تفرح، وانتقلت العلاقات بشكل أساسي إلى الطابع الدبلوماسي والاقتصادي. وبعد انسحاب قواتها من أفغانستان عام 2021 عادت أمريكا إلى المنطقة برؤية مختلفة، إذ لم تعد تنظر إليها كمنطلق عسكري، بل كعنصر لاحتواء روسيا والصين. وتم تعزيز صيغة C5+1 التي تجمع بين دول آسيا الوسطى الخمس وأمريكا. وفي عام 2023 عقد لقاء بين قادة المنطقة ورئيس أمريكا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان ذلك تأكيداً رمزياً على عودة الاهتمام. وقد نوقشت خلاله قضايا النقل، والطاقة، والمعادن النادرة، إضافة إلى مسائل الأمن. كما اتسمت زيارات قادة كازاخستان وأوزبيكستان لأمريكا في السنوات الأخيرة بطابع عملي قابل لإنتاج نتائج. فقد وُقّعت اتفاقيات في مجالات الاستثمار والطاقة والمعادن النادرة والتقنيات الرقمية. وتُظهر واشنطن استعدادها لتعميق الشراكة الاقتصادية من دون المطالبة بتحالف عسكري سياسي رسمي. كما تعمل على تنويع العلاقات من خلال تقديم بدائل تقلل الاعتماد على موسكو وبكين، وفتح الطريق نحو الأسواق والتكنولوجيا الغربية. ومع ذلك، فإن التطور الإسلامي ما يزال يثير قلق أمريكا. وتلعب هذه المسألة دوراً مهماً في استراتيجية أمريكا، فهي عبر تقديم نفسها قائداً لضمان الأمن الدولي، تسعى إلى الحفاظ على الأبعاد العالمية لمكافحة التطرف. وفي هذا الإطار، وعلى الرغم من تقليص تمويل بعض البرامج الفكرية، ما يزال التركيز منصبّاً على منع "التطرف"، وبرامج العمل مع الشباب، والمبادرات التعليمية، ودعم المؤسسات الدينية التقليدية. وفي الوقت نفسه تدفع أمريكا بالمبادرات الدبلوماسية الهادفة إلى تطبيع العلاقات في الشرق الأوسط، بما في ذلك اتفاقيات أبراهام. ومن بين دول آسيا الوسطى تشارك كازاخستان في هذه العملية بشكل رسمي. كما تُبذل جهود منتظمة لإدخال المنطقة في حوار حول التعاون مع كيان يهود. لقد مرّت سياسة أمريكا تجاه المنطقة بثلاث مراحل: الانخراط النشط بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم التعاون العسكري خلال الحملة في أفغانستان، ثم مرحلة تراجع الاهتمام، وأخيراً العودة البراغماتية الحالية. واليوم لا تسعى أمريكا لفرض هيمنة شاملة على المنطقة. فالهدف الحالي لها هو إبقاء المنطقة ضمن مجال اهتمامها الاستراتيجي دون السماح بوقوعها تحت نفوذ كامل لروسيا أو الصين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دورها القيادي عالمياً في قضايا الأمن وقضايا الأجندة المرتبطة بالإسلام. بريطانيا: لقد لعبت بريطانيا تاريخياً دوراً أساسياً في تشكيل الواقع الحالي للبلاد الإسلامية وآسيا الوسطى. فقد بذلت لندن جهداً كبيراً في مواجهة الخلافة العثمانية التي كانت تحافظ على نظام الحكم بالشريعة، وقد أسهمت عملياً في تفكيكها. ورغم تراجع قوتها، فإن بريطانيا واصلت تنفيذ مؤامرات معقدة وأعمال تخريبية استهدفت تقويض السلطة الإسلامية الشرعية، ما أدى إلى إضعاف الاستقرار السياسي في مناطق المسلمين. وفي الوقت الحاضر يتجلى نفوذ بريطانيا في المنطقة من خلال العمل مع النخب والقنوات المالية. فما تزال لندن واحدة من أهم المراكز التي تحفظ فيها رؤوس أموال النخب السياسية والاقتصادية في المنطقة. ومن خلال الآليات الاستثمارية، والأدوات القانونية، والبرامج التعليمية، والمنح الجامعية والمنح الدراسية، تعمل بريطانيا على تشكيل بيئة من الكوادر والمتخصصين القادرين على دفع مصالحها إلى الأمام. وعلاوةً على ذلك، تقدّم لندن دعماً استشارياً في إصلاح المؤسسات الحكومية، وتسهم في تشكيل بنية إدارية وقانونية تتوافق مع المعايير الغربية. وهذا يمنحها إمكانية التأثير في السياسات الداخلية لدول المنطقة. أما فيما يتعلق بعامل الإسلام، فإن بريطانيا تتبنى، كعادتها، موقفاً مزدوجاً. فمن جهة تعلن لندن دعمها العلني لدمج الإسلام في المجتمع العلماني. ومن جهة أخرى تواصل بريطانيا معارضة ما تسميه بالتطرف والسياسة الإسلامية بهدف منع تطور الحركات الدينية المستقلة التي قد تشكل تحدياً للنخب القائمة أو لمصالحها الخاصة. ولا تزال لندن تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها عقدة مهمة في استراتيجية كبح عودة النفوذ الإسلامي. وبذلك تستمر بريطانيا في الحفاظ على دورها العدائي في مواجهة الإسلام. الاتحاد الأوروبي: بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لم تكن آسيا الوسطى في يوم من الأيام منطقة للسيطرة المباشرة أو الهيمنة الكاملة، بل كانت محل اهتمام بوصفها مجالا للتأثير الاقتصادي والسياسي ومصدرا للموارد. فقد نظرت أوروبا تاريخياً إلى هذه المنطقة على أنها "الفناء الخلفي" لآسيا، منطقة مهمة للتجارة لكنها بعيدة وصعبة الوصول للتدخل المباشر. ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تنافست القوى الأوروبية على الوصول إلى النفط والغاز وطرق العبور في المنطقة، لكنها كانت حذرة بسبب معارضة الاتحاد السوفيتي ثم روسيا لاحقاً. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، انخرط الاتحاد الأوروبي بسرعة في عملية تشكيل نظام اقتصادي وسياسي جديد في المنطقة. وقد ركزت البعثات الأولى على دعم الإصلاحات، والاندماج في المؤسسات الدولية، وتطوير اقتصاد السوق. وكان التركيز الأساسي على معايير الحكم الليبرالي، حيث سعت أوروبا إلى توسيع نفوذها تحت شعارات الشفافية، وتحديث القوانين، ومكافحة الفساد. وخلال تلك الفترة بالذات بدأ الاتحاد الأوروبي في إنشاء صيغ للحوار مع دول آسيا الوسطى، مثل إطار "الشراكة الشرقية"، إضافة إلى إبرام اتفاقيات استراتيجية منفصلة مع كازاخستان وأوزبيكستان وقرغيزستان وطاجيكستان. واليوم تقوم استراتيجيته على التركيز على "القوة الناعمة". فآسيا الوسطى غنية بموارد الطاقة؛ إذ تمتلك كازاخستان احتياطيات كبيرة من النفط، وتمتلك تركمانستان وأوزبيكستان الغاز، وتتوفر في قرغيزستان كميات كبيرة من اليورانيوم والمعادن النادرة. وتشارك الشركات الأوروبية بنشاط في استخراج هذه الموارد ونقلها، وفي الوقت نفسه تعمل على ترسيخ اعتماد دول المنطقة على التكنولوجيا الأوروبية ومعايير الإدارة الغربية. كما يدفع الاتحاد الأوروبي بشكل متواصل بالمشاريع الاستثمارية والتعليمية والتكنولوجية. وتتطور ممرات النقل، حيث يجري تحديث خطوط السكك الحديدية التي تمر عبر كازاخستان وأوزبيكستان، وتطوير المراكز اللوجستية البرية، إضافة إلى المشاركة في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود. وتشمل الاتفاقيات في مجال الطاقة توريد الغاز والنفط إلى الأسواق الأوروبية، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وكذلك مشاريع تحديث الصناعات البتروكيميائية. وخلال السنوات الأخيرة ازداد النشاط الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ. فقد أدت اللقاءات مع قادة كازاخستان وأوزبيكستان وتركمانستان إلى توقيع مذكرات تعاون في مجالات الطاقة والنقل والمناخ والتقنيات الرقمية. كما تبقى برامج دعم التنظيم القانوني والشفافية ومكافحة الفساد من بين الاتجاهات الرئيسية. ويُعد ذلك بالنسبة للاتحاد الأوروبي آلية لتعزيز نفوذه في المنطقة دون فرض سيطرة سياسية مباشرة. ويولي الاتحاد الأوروبي اهتماماً خاصاً بالتعامل مع العامل الإسلامي في المنطقة. فرغم أن الاتحاد لا ينظر إلى الإسلام بوصفه تهديداً مباشراً، فإنه يعمل، تحت شعارات بناء المجتمع المدني، على نشر أفكار مثل التسامح، والنظام العلماني، ودمج المجال الديني. ومن خلال البرامج التعليمية والثقافية يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تشكيل بيئة موجهة نحو القيم الأوروبية، وفي الوقت نفسه إلى تقليص تأثير أفكار النهضة الإسلامية. وبذلك تعد آسيا الوسطى بالنسبة للاتحاد الأوروبي مجالاً للموارد واللوجستيات والروابط الاستراتيجية في المقام الأول. فأوروبا لا تظهر رغبة في السيطرة المباشرة، لكنها تسعى لترسيخ نفوذها طويل الأمد عبر الاستثمارات، ومعايير الإدارة، والبرامج التعليمية، والمشاريع التكنولوجية. الاتجاه العام لا تنظر القوى الاستعمارية للإسلام في آسيا الوسطى بوصفه ديناً تقليدياً أو تراثاً ثقافياً، بل باعتباره بديلا لنماذج الحكم العلمانية القائمة. فالمسألة لا تتعلق بمواجهة التدين أو الطقوس التقليدية، بل بإمكانية وصوله للحكم. وهذا هو مصدر القلق الأساسي لدى تلك القوى. فبحسب تصورهم، إذا قدم الإسلام بوصفه مشروعا سياسيا فإنه سيخرج تلقائيا عن نطاق السيطرة، ما قد يؤدي إلى فقدان أدوات السيطرة الاقتصادية القائمة على نهب الثروات والتأثير في النخب عبر الاتفاقيات. وتستند هذه المخاوف إلى الإقرار بالطبيعة العابرة للأمم التي يتسم بها الإسلام. فهو لا يقتصر على الحدود الوطنية، ولا يرتبط بإقليم محدد، وهو قادر على إنشاء روابط أفقية بين المجتمعات. وفي ظروف آسيا الوسطى، حيث تعد الدول القومية حديثة نسبياً، وما تزال المؤسسات المجتمعية في طور التشكل، يمكن للإسلام أن يتحول إلى عامل تعبئة قوي. أما النخب التي تشكلت في العهد السوفيتي وما بعده في المنطقة، فإنها تعتمد أساساً على عمودية الأجهزة الإدارية والأمنية. ويمكن للإسلام السياسي، حتى في صورته التقليدية، أن ينافسها على القيادة الأخلاقية. فإذا بدأ المجتمع ينظر إلى الشرعية الدينية باعتبارها أكثر عدلاً واتساقاً مع الحق من الإدارة البيروقراطية، فإن ذلك سيغير ميزان القوى داخل هذه الدول تغييراً جذرياً. ولهذا يجري في المنطقة تشكيل نموذج ما يسمى بـ"الإسلام التقليدي". ووفق هذا التصور يجب أن يكون الإسلام أخلاقيا وثقافيا وتراثيا ومجردا من السياسة. وتتمثل مهمة من يسمون بالإسلاميين التقليديين في "تهدئة" المجتمع ومنع ظهور مشروع بديل. وفي مواجهة الإسلام تتوحد هذه القوى، ولا يختلف بعضها عن بعض إلا في الأساليب. وعلى الرغم من العداء والأساليب غير المحدودة المستخدمة في محاربة الإسلام، فإن ميل شعوب المنطقة إلى الإسلام يظل ثابتا. إن قوتهم وإرادتهم في التغيير لم تُقدّر بعد تقديراً كاملاً. وليست المشاريع الاستعمارية التي فقدت ثقة الناس بها، بل هذه الإرادة هي التي ستحدد مستقبل المسلمين في المنطقة. من سيحافظ على الهيمنة؟ إذا أردنا استخلاص نتيجة عامة بالنظر إلى ميزان القوى من زاوية التوازن والموضوعية، فإنه لا يمكن تجاهل عمق النفوذ الروسي في المنطقة عند تحليل الديناميات المستقبلية. فروسيا ما تزال تحافظ على روابط تاريخية ولغوية وثقافية وثيقة مع المنطقة وتسعى إلى تعزيزها. وبالنسبة لجزء كبير من نخب دول آسيا الوسطى وأجهزة الحكم فيها، لا تزال اللغة الروسية وسيلة التواصل الأساسية، كما أن العديد من المؤسسات تشكلت في الحقبة السوفيتية. كما أن الاعتماد في مجال الهجرة، وتحويلات العمال المهاجرين، والتعاون في مجالي الطاقة والدفاع، يعزز هذا الواقع. وإذا أخذنا هذه الأمور في الاعتبار، فإنه من الصعب إعادة توزيع نفوذ روسيا في المنطقة من دون حدوث تغيّرات جيوسياسية كبيرة. ولذلك، يبدو أن فرض الصين هيمنة كاملة على المنطقة لن يحصل في المستقبل القريب. فالصين تعمل على تعزيز حضورها الاقتصادي والبنيوي، وتزيد بشكل منتظم من مستوى الاعتماد المتبادل في التجارة، وتوسع الإقراض، وتدفع بحلول تكنولوجية في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية الرقمية. ووفقا لتوازن القوى الحالي، فإن هذا الحجم الاقتصادي والقدرات المالية طويلة الأمد لبكين يجعل حضورها من بين أكثر القوى الخارجية نمواً وديناميكية. وتواصل أمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ممارسة نفوذها من خلال الأدوات المعيارية والآليات المالية والعمل مع النخب. وهذا يخلق بنية متعددة الطبقات من الحضور الخارجي. ونتيجة لذلك، لا تقع المنطقة ضمن مجال نفوذ مركز واحد، بل تبقى في وسط توزيع معقد لمصالح متقاطعة. وهكذا، إذا استمر الوضع القائم، فمن المرجح أن يبقى النفوذ العسكري والثقافي والمؤسسي لروسيا قائما في حين يتعزز النفوذ الاقتصادي للصين تدريجيا. غير أن هذا الاستنتاج لا يلغي دور قوى التأثير الأخرى، كما لا يستبعد احتمال إعادة توزيع ميزان القوى في المستقبل. لكن السؤال يبقى: إلى أي مدى تستطيع دول المنطقة استخدام التنافس بين مراكز القوة الخارجية لتعزيز سيادتها؟ وعليه، فإن سيناريوهات السيطرة على المنطقة تقوم على الشروط التالية: سيظل المجال الديني في بؤرة اهتمام القوى الاستعمارية، في حين إن تنامي الجماعات الإسلامية المستقلة سيترافق مع ازدياد قبول المجتمع لقيم الإسلام. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير لطيف الراسخ اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم أمة أُفرغت من روحها... كيف وصلنا إلى هذا التيه؟! لم يكن ما تعيشه الأمة اليوم حالة طارئة، ولا نتاج سنوات قليلة، بل هو حصيلة قرن كامل من إعادة تشكيل عميق لهوية المسلم، بدأ بعد حدث مفصلي غيَّر مجرى التاريخ الإسلامي؛ إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924م. منذ تلك اللحظة، لم يسقطوا نظاما سياسيا فحسب، بل بدأوا مشروعا طويلا لفصل الدين عن الحياة، وتفكيك الأمة من داخلها، حتى أصبحت تعيش الإسلام كشعائر، لا كنظام حياة. فلنتناول هذه القضية من عدة محاور ليسهل توضيحها: المحور الأول: فصل الدين عن الحياة بعد إلغاء الخلافة، لم تترك الشعوب لتختار طريقها، بل فرضت عليها أنظمة مستوردة، تقوم على العلمانية التي تفصل الدين عن الحكم والتشريع. فقد تم استبدال القوانين الوضعية بالشريعة، وربطوا انتماء الأمة بالانتماء القطري الضيق، واستبدلوا بالخلافة الجامعة دولاً ممزقة الحدود والولاءات. هذا التحول لم يكن بريئا على الإطلاق، بل جاء متزامناً مع حقبة الاستعمار الأوروبي الذي عمل على إعادة تشكيل البلاد الإسلامية وفق رؤيته، بحيث يبقى الدين حاضرا في المساجد وغائبا عن السياسة والاقتصاد والحياة العامة... المحور الثاني: صناعة "رجال الدين" وتوظيفهم في تاريخ الإسلام، لم يكن هناك طبقة كهنوتية تحتكر الدين، بل كان العلماء جزءاً من الأمة، يصيبون ويخطئون، ولا يملكون سلطة مستقلة بل مرجعيتهم للخليفة، لكن في العصر الحديث، تم تصنيع نموذج "رجل الدين الرسمي" بحيث يكون موظفا ومرتبطا بالسلطة يبرر قراراتها ويضبط وعي الناس وفق ما يخدم الحاكم، فأُعيد تعريف الدين ليصبح مجرد عبادات فردية معزولة، وطاعة مطلقة للحاكم، ولو خالف الشرع! وأخطر دور قام به رجل الدين اليوم هو تحييد لمفاهيم كبرى مثل الجهاد، فأصبح يُنادى بالجهاد حين يخدم مصالح سياسية، ويُنتقد حين يتعارض مع حسابات دولية. وهكذا تحولت دماء المسلمين في كثير من المواضع إلى أوراق تفاوض، تستثمر لا تصان. المحور الثالث: صناعة التواكل وإشغال الشعوب لم يكن كافيا فصل الدين عن الحكم، بل كان لا بد من شل إرادة الشعوب. والسؤال هنا كيف نجحوا في ذلك؟ لقد عملوا على نشر ثقافة التواكل بدل العمل، وربط التغيير بالمعجزات لا بالسنن، وإشغال الناس بالفقر والبطالة. وفي الوقت نفسه أصبح الحرام أسهل وصولاً وأصبح الحلال أصعب طريقاً، فنشأ جيل مثقل بالهموم قبل أن يبدأ حياته، فاقد للهدف، يعيش يومه لا يحمل مشروعا أو هدفا، حتى التعليم نفسه لم يسلم، إذ تم فصله عن الهوية، لينشأ جيل يعرف كل شيء إلا من دينه! المحور الرابع: السوشيال ميديا وتفاهة ممنهجة مع تطور الإعلام، دخلت الأمة مرحلة جديدة من إعادة التشكيل، لكن هذه المرة عبر الشاشات، فلم يعد التوجيه مباشرا، بل أصبح عبر صناعة نجوم من التفاهة، ومكافأة المحتوى السطحي بالانتشار وربط الشهرة والمال بالانحلال الأخلاقي، فنتجت شريحة مستعدة لبيع قيمها مقابل المشاهدات، تقيس النجاح بعدد المتابعين لا بالأثر، وهنا لم تضرب الأخلاق فقط بل ضربت المعايير. المحور الخامس: الفوضى حتى تفقد الأمة بوصلتها في مائة عام، لم تهدأ الأمة: حروب، انقلابات، أزمات اقتصادية، أوبئة، حتى أصبح الإنسان لا يبحث عن نهضة بل عن أمان فقط، وفي ظل هذا حاكم ينهب وثروات تُهدر وشعوب تُترك للفقر والعشوائية، فانتشرت الجرائم والرذيلة، والتفكك الاجتماعي، وهكذا، حين تستنزف الأمة في تفاصيل البقاء تفقد القدرة على التفكير في النهوض. المحور السادس: وعي متأخر بلا حركة بعد كل هذا، بدأت الأمة تدرك أنها ضائعة؛ تشعر أن هناك خللا عميقا، لكنها لا تثق بمن يقودها وتخشى تكرار الفشل، لأنها أُرهقت من محاولات لم تثمر، فاجتمع فيها حب الدنيا والخوف من التغيير وفقدان الثقة، فأصبحت تتمنى الحل لكنها لا تتحرك نحوه. المحور الأخير: بين التيه والنهوض الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أنه لن يتغير حال الأمة وهي تنتظر، ولا يمكن أن تستعيد عزها بشعارات ولا بوعظ ولا بخطب يوم الجمعة ولا بفتح مراكز لتعليم القرآن دون العمل به، ولا بتمني المعجزات، بل لا بد من وعي حقيقي وعمل منظم واصطفاف صادق، لأن طريق النهوض ليس مفروشاً بالراحة، بل ثمنه باهظ. لكن السؤال الذي يجب أن يطرح بصدق: هل نقبل أن نستمر أمة بلا وجهة، أم نتحمل كلفة الطريق لنستعيدها؟ فإن لم نكن نحن جيل التمكين، فلنكن على الأقل جيل الطريق إليه، ولنعمل مع من كرسوا حياتهم في العمل لإعادة الأمة إلى بوصلتها الحقيقة من خلال استعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وهم حزب التحرير. فيا جيوشنا، يا مركز انطلاقتنا، فلتكونوا أنصار هذه الأمة، ولنتهيأ للجهاد في سبيل خلافتنا، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير منال أم عبيدة اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم حين كانت العقيدة وطناً لم تكن الحدود يوماً قدراً، ولا كانت الجنسيات هويةً أزليةً للمسلم، بل هي مفاهيم حديثة وُلدت في سياقات ضيقة، بعد أن هُدمت دولة المسلمين. لقد فُرضت هذه الحدود على شعوب كانت ترى نفسها أوسع من تلك الخرائط المصطنعة. وفي قلب بلاد المسلمين لم تكن الأمة يوماً مجرد شعوب متجاورة، بل كانت كياناً حيّاً، يجمعه رابط أعمق من الأرض واللغة، إنها رابطة العقيدة الإسلامية. لقد عاشت الأمة الإسلامية قروناً دون أن تعرف هذه التقسيمات. لم يكن المسلم يُسأل عن جنسيته، بل عن دينه، ولم تكن الأرض تُجزَّأ إلى أوطان متناحرة، بل كانت تُرى داراً واحدة تتوحد قلوب أهلها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. كان الانتماء للإسلام كافياً، ليمنح الإنسان شعوراً بالانتماء الكامل والحماية والكرامة. لكن مع هدم عرش المسلمين الجامع لوحدتهم، دخلت الأمة مرحلة جديدة، فُرضت عليها القوميات والوطنيات. حتى أصبح المسلم غريباً في أرض أخيه، محكوماً بجواز سفر، ومقيّداً بحدود، ومُعرَّفاً بهوية ضيقة لا تعكس عمق انتمائه الحقيقي. وهكذا تشرذمت الأمة وتفرقت، وتبددت طاقاتها في صراعات داخلية، بدل أن تكون قوة واحدة متماسكة. لقد بات واضحاً أن هذه الانقسامات لم تجلب للأمة إلا الضعف. فكيف لأمة تؤمن بإله واحد وكتاب واحد ونبي واحد، أن تقبل بأن تُختزل في كيانات متفرقة، لكل منها علم وحدود وجيش، وكأنها أمم لا يجمعها شيء مشترك بينها؟! إن الدعوة إلى استعادة دولة المسلمين تبدأ بإزالة الحدود والخرائط من عقول المسلمين. فحين يدرك المسلم أن أخاه في أي مكان هو امتداد له، وأن قضيته واحدة ومصيره مشترك، حينها تبدأ ملامح الأمة الحقيقية في الظهور. فحين تتراجع القوميات أمام العقيدة، وتذوب الهويات الضيقة في هوية أوسع، يمكن عندها أن يُعاد بناء الأمة، الذي لم يكن حلماً، بل واقعاً عاشته الأمة طويلاً. ليس السؤال: هل يمكن أن تعود تلك الوحدة، بل السؤال: لماذا نقبل البديل ونحن نعرف أن تاريخنا شهد ما هو أعظم؟ فالأمة التي كانت يوماً جسداً واحداً، لا ينبغي أن ترضى بأن تبقى أشلاء متفرقة مهما طال الزمن. إن ما تعيشه الأمة اليوم من تفرقة وضعف ليس قدراً محتوماً، بل هو حالة طارئة يمكن تجاوزها، إذا استعاد المسلمون وعيهم بحقيقتهم وهويتهم الجامعة. فالأمة التي جمعتهم يوماً لم تكن أسطورة، بل واقعاً صنعته العقيدة، حين كانت هي المرجعية العليا، وحين كانت الأمة ترى نفسها كياناً واحداً لا تمزقه الحدود ولا تفرقه الرايات. إن استعادة ذلك المجد لا يكون بالحنين المجرد، ولا بالاكتفاء برثاء الواقع، بل بالعمل الجاد لإحياء معنى الأمة في النفوس، وترسيخ الانتماء للعقيدة فوق كل انتماء. وهذا الرائد الذي لا يكذب أهله، وهو قد نذر نفسه للعمل لهذه المهمة المقدسة، يدعوكم للعمل الجاد والسعي الصادق نحو إعادة بناء الكيان الذي يجمع المسلمين تحت راية واحدة، فلتكن هذه الدعوة نداءً لإحياء ما اندثر، واستعادة ما ضاع، والعمل على قيام دولة تجمع شتات الأمة، وتعيد لها وحدتها وقوتها، حتى تعود كما كانت خير أمة، تحمل رسالتها لتعود حضارة تنقذ العالم من عفونة النظام الرأسمالي العفن. وما ذلك على الله بعزيز. كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير مؤنس حميد – ولاية العراق اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم شركة الصناعات الأساسية السعودية SABIC شركة مساهمة تأسيسها وعملها حرامٌ شرعاً أعلنت وكالة رويترز يوم 04 آذار/مارس 2026م عن خسارة شركة سابك 6.9 مليار دولار، تسببت بإقالة المدير التنفيذي للشركة عبد الرحمن بن صالح الفقيه، وتعيين فيصل بن محمد الفقير خلفاً له اعتبارا من نيسان/أبريل 2026م. فلماذا أقدمت شركة سابك على ذلك؟ وما أسباب هذه الإقالة؟ وما تبعاتها على الشركة في ظل رئيس مجلس إدارتها الحالي خالد الدباغ؟ SABIC هي اختصار لـ Saudi Basic Industries Corporation "الشركة السعودية للصناعات الأساسية". وهي شركة مساهمة عامة متعددة الصناعات، امتلك صندوق الاستثمار السعودي 70% من أسهمها، و30% لمساهمين من القطاع الخاص في مجلس التعاون الخليجي. ومركزها الرئيسي الرياض. تعمل في مجال البتروكيماويات والكيماويات والمبلمرات الصناعية والأسمدة. وتعتبر خامس شركة بتروكيماويات في العالم، وأول شركة في الشرق الأوسط. يعمل فيها قرابة 40.000 موظف في أكثر من 100 بلد حول العالم. ولها فروع في أوروبا والأمريكيتين. بالإضافة إلى امتلاكها مراكز للأبحاث والتقنية. (بدأت SABIC أعمالها في أمريكا عام 1987م في مدينة هيوستن بولاية تكساس و14 موقعاً للتصنيع والتركيب عبر عدة ولايات، في الولايات المتحدة الأمريكية، تمتلك مركزاً مستقلاً للتكنولوجيا والابتكار في مدينة شوغار لاند بولاية تكساس، إلى جانب مواقع دعم للبحث والتطوير في ويكسوم ميشيغان، وسيلكيرك نيويورك، وماونت فيرنون إنديانا، وبيتسفيلد ماساتشوستس. بالإضافة إلى وجود مراكز للأبحاث والتقنية، وتوظف آلاف الموظفين. بدأت أعمالها في أمريكا عام 1987م). عام 1971م أسس فيصل بن عبد العزيز صندوق الاستثمارات العامة (صندوق الاستثمار السعودي هو الخامس في العالم من حيث الأموال. الأول صندوق التقاعد الحكومي النرويجي 1.7 - 1.8 تريليون دولار، والثاني شركة الصين للاستثمار، والثالث إدارة الدولة للنقد الأجنبي الصينية، والرابع جهاز أبو ظبي للاستثمار). وبعد مقتله بعام جاء تأسيس سابك بمرسوم ملكي عام 1396هـ - 1976م لاستثمار ثروات المملكة النفطية والمعدنية، بتحويل المنتجات الثانوية للنفط إلى مواد كيميائية وبوليمرات وأسمدة مفيدة. رأس الشركة د. غازي عبد الرحمن القصيبي (وزير الصناعة والكهرباء. توفي في العام 2010م)، ومديرها التنفيذي عبد الله الزامل. صندوق الاستثمارات السعودي "صندوق الثروة السيادية" - يرأسه ولي العهد محمد بن سلمان، منذ العام 2015م، ومديره التنفيذي ياسر الرميان - يحتل المركز الخامس بين الصناديق السيادية في العالم بإجمالي أصول 925 مليار دولار بنهاية نيسان/أبريل 2023م، وارتفع في آذار/مارس 2024م إلى 940.26 مليار دولار. يمتلك 70% من أسهم سابك. ومنذ آذار/مارس 2019م امتلكت شركة أرامكو 70% من أسهم شركة سابك "حصة صندوق الاستثمار" مقابل 69.001 مليار دولار. لقد سبق إعلان شركة سابك عن خسائر قرابة 7 مليارات دولار، يوم 4 آذار/مارس 2026م، عددٌ من الإخفاقات الاقتصادية؛ منها انخفاض إيراداتها خلال عام 2025م، 31.1 مليار دولار. وانخفاض سهم شركة الكيماويات في مستهل تداولات يوم 8 كانون الثاني/يناير 2026م، 4.8% وهو أدنى مستوى منذ 17 عاماً، وما تم بيعه في اليوم نفسه عن كامل حصة شركة سابك في أعمال قطاع اللدائن الهندسية الحرارية في الأمريكتين وأوروبا بقيمة إجمالية تبلغ 950 مليون دولار. ولننظر إلى تاريخ شركة سابك حين تأسست كشركة مساهمة عامة، بأيدي أمريكية خالصة، بعد مقتل فيصل بن عبد العزيز، مع قدوم جون بركنس قرصان الاقتصاد الأمريكي للاستحواذ على عائدات النفط "الطفرة" لصالح الشركات الأمريكية؛ ستون وبستر، وهاليبورتون، وبيتشتيل، ورئيسي، والبني والجذر وغيرها، التي ستقوم ببناء المدن الصناعية غربي الخليج "الجبيل، الخفجي الظهران، بقيق، وينبع على البحر الأحمر، وحقول رأس تنورة النفطية" وتزويدها بجميع ما تحتاجه من آلات وأجهزة وكمبيوترات وتحديثاتها وقطع غيارها، ما جعلها مربوطة بإحكام بأمريكا. وتهيئة فهد بن عبد العزيز للجلوس على كرسي الحكم. "وعليه ستنشأ في الصحراء مجمعات لصناعة البتروكيماويات تحيطها مناطق صناعية وعمرانية ضخمة" (الاغتيال الاقتصادي للأمم. جون بركنس ص109). جاءت شركة سابك للبتروكيميائيات، كواحدة من الشركات التي ولدت جراء عمل اللجنة الأمريكية السعودية للتعاون الاقتصادي جيكور - التي تكونت بعد قدوم جون بركنس - لبناء السعودية على النمط الأمريكي الغربي، وإقامة مجمعات صناعية وعمرانية ضخمة، ومجمعات لصناعة البتروكيماويات، ومحطات كهرباء، ومطارات، ومستشفيات، وإنشاء الطرق السريعة، ومدن الملاهي، وشبكات الاتصال، وتحسين الموانئ، وإدارتها، تتبعها صيانة مستمرة وتحديث، مقابل مليارات الدولارات حينها. خضعت كامل إدارة جيكور لوزارة الخزانة الأمريكية، دون رقابة من الكونجرس، وحجزت مليارات الدولارات من عائدات النفط ودفعتها للشركات الأمريكية المذكورة آنفاً، بهدف صريح وواضح لا لبس فيه، هو "وأن نجعل اقتصادها يزداد تشابكاً وخضوعاً لمصالحنا" (المصدر نفسه ص108) و"كان علي دائماً أن آخذ في الحسبان الأهداف الحقيقية، مثل رفع النفقات إلى الحد الأقصى لصالح الشركات الأمريكية وزيادة تبعية المملكة العربية السعودية للولايات المتحدة". (المصدر نفسه ص111). وكما كان الهدف من إنشاء سابك هو خدمة الاقتصاد الأمريكي، فهي اليوم تعاود تحقيق ذلك الهدف دون الانحراف عنه قيد أنملة، في عهد محمد بن سلمان، ويستحيل عليها أن تتسبب في الإضرار بالاقتصاد الأمريكي. "سيضمن هذا النظام تدوير أموال السعوديين للعمل في الاقتصاد الأمريكي مرة أخرى" (المصدر نفسه ص114). وقد سبق أن قامت سابك بعمليات إنقاذ لشركات أمريكية بين عامي 2003 - 2022م كشركة ساينتفك ديزاين "مقرها الرئيس ولاية نيوجرسي الأمريكية" العاملة في مجال ترخيص التقنيات الصناعية وتطوير الحفارات حين اشترت سابك نصف أسهمها المملوكة لشركة كلارينت السويسرية في 2003م، واشترت نصف أسهمها الثاني في 2022م. وكذلك فعلت شركة سابك في 2007م حين أنقذت شركة جنرال إلكتريك الأمريكية للبلاستيك من الإفلاس، العاملة في مجال البتروكيماويات والكيماويات والمبلمرات الصناعية والأسمدة والمعادن. أما الإعلان عن إخفاقات شركة سابك والتخلي عما في أيديها، بعد أن وضع محمد بن سلمان يده عليها في 2019م عن طريق شركة أرامكو، فليس سوى مساهمة طوعية، لتحاشي انهيار الاقتصاد الأمريكي، واتخاذ المبررات للبسطاء من الناس. وانظر إلى استشارة مؤسسة جولدمان ساكس الأمريكية للخدمات المالية والاستشارية وبنك جي. بي. مورغان الأمريكي! كون شركة سابك شركة مساهمة فما هو حكم الشرع في الشركات المساهمة؟ إن الشركات في الإسلام خمس: العنان، والأبدان، والمضاربة، والوجوه، والمفاوضة. وغيرها ليست من الإسلام، كالشركات المساهمة فهي شركات غربية المنشأ، لم تراع حلالا ولا حراما عند تأسيسها وإبرام عقودها! فلا مكان فيها لأركان العقود كالإيجاب والقبول، ولا اعتبار فيها لأهلية مالكي الأسهم، فيمتلك المكلف وغير المكلف أسهماً فيها، ناهيك عن امتلاك حيوانات كالكلاب والقطط أسهماً في الشركات المساهمة! وانعدام حق فسخ الشراكة في الشركة المساهمة، وتحكّم مؤسسي الشركات المساهمة في بقية مالكي الأسهم تحت عنوان حق التصرف بإرادة الغير، بما في ذلك توزيع أرباح الشركة وحجبها عنهم، وتغيير مجال عمل الشركة المساهمة. فأين كان علماء نجد والحجاز من قيام وعمل الشركات المساهمة في بلاد الحرمين طول هذا الوقت؟! ومن التصرف في عائدات النفط (ذكر ابن قدامة في كتاب المغني ج7 ص517 ما نصه "إلا أن تكون أرض ملح أو ما للمسلمين فيه المنفعة فلا يجوز أن ينفرد بها الإنسان". وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة وهي التي يوصل ما فيها من غير مونة ينتابها الناس ويستنفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والمومياء والنفط والكحل والبرام والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا تملك بالإحياء ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين لأن فيه ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم ولأن النبي ﷺ أقطع أبيض بن حمال معدن الملح فلما قيل له إنه بمنزل الماء العد رده، كذا قال أحمد) أين كانوا والنفط من الملكيات العامة تشرف الدولة على توزيع عائداته على رعاياها، ولا يجوز لها التصرف فيها؟ وفي احتفاظ الأمريكان بعائدات النفط في بنوكهم؟ وتقديمها بصورة قروض ربوية من البنك الدولي وغيره؟! إن علامات انهيار الاقتصاد الرأسمالي وزواله قد بدت، بعد أن جثم على العالم قرنين من الزمان، أذاق فيها الهنود الحُمر وأفريقيا وآسيا الأمرين ولم يرحم أوروبا، وقد أطلَّ زمن قيام دولة الخلافة، لتعيد للعالم بهجته في ظل الحكم بالإسلام، وإقامة العدل وإزالة الظلم. قال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا». كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير المهندس شفيق خميس - ولاية اليمن اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم أزمات مصطنعة: هل تُدار الفوضى لتحقيق الاستقرار؟ ليست الأزمات دائماً تلك اللحظات المفاجئة التي يختل فيها توازن العالم، بل قد تكون في بعض الأحيان نتائج ترتيب دقيق لا يُدرى، تُنسج خيوطه في الظل وتُعرض نتائجه على مسرح الواقع كقدر لا مفر منه. فبين الفوضى التي تبدو عشوائية والنظام الذي يبدو مستقراً مساحة رمادية تتشكل فيها الحقيقة بعيداً عن أعين العامة، حيث لا تُقاس الأحداث بحجمها بل بوظيفتها. في هذا السياق لا تعود الأزمات مجرد اختلالات طارئة، بل تتحول إلى أدوات إعادة تشكيل ضبط موازين القوى، وتُفرض من خلالها قواعد جديدة تحت ضغط الضرورة، وهنا يتسلل السؤال الأكثر إرباكاً: هل نحن أمام عالم يتعثر بأخطائه أم أمام نظام يتقن استخدام الفوضى كوسيلة إلى الاستقرار، مصاغة بعناية؟ بغض النظر كُتب له النجاح أو الفشل؟ في أدبيات السياسة يظهر مفهوم قريب مما يُعرف باستراتيجية الصدمة، التي تشير إلى استغلال الأزمات، سواء أكانت اقتصادية أو أمنية، لفرض تغييرات جذرية ما كانت لتُقبل في الظروف الطبيعية. الفكرة بسيطة: حين يكون المجتمع في حالة ارتباك أو خوف تقل قدرته على المقاومة، وتزداد قابليته لتقبل قرارات استثنائية أو دخول في دهليز خيارين لا ثالث لهما. وهنا لا ندخل تحت مظلة المؤامرة، مع أننا داخلها، بل سوف نقرأ الواقع ونحلله. لقد شهد العالم خلال العقدين الماضيين أموراً نريد شرحها، وقد أُثير الجدل حول طبيعتها: - الأزمة المالية العالمية السابقة التي كشفت هشاشة النظام الاقتصادي الرأسمالي، ولكن استُغلت لإعادة تشكيل موازين القوى بين الدول والمؤسسات. - الصراعات الإقليمية التي تتداخل فيها مصالح قوى كبرى، حيث تبدو بعض الحروب وكأنها تُدار بالوكالة، وتستمر ضمن سقف لا يسمح بانهيار كامل ولا بانتصار حاسم، كالحرب الروسية الأوكرانية. - أزمات صحية عالمية دفعت العالم إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة، كان باطنها مصالح أخرى، ما أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. ونلاحظ أن أغلبها كانت أزمات لإعادة ترتيب المشهد. وفي حين ننظر إلى سياسات ترامب، سواء خلال رئاسته أو في خطابه السياسي الحالي، نجد مفارقة لافتة: خطاب يَعِدُ بالاستقرار يقابله نهج يعتمد على الضغط والتصعيد وكسر القواعد التقليدية والخروج عما يقنع العقل، وهذا ما يدفع البعض إلى تفسير ما يجري في الشرق الأوسط ضمن إطار الفوضى كأداة لإعادة الترتيب. في أحداث الشرق الأوسط اليوم لا تُقاس الأمور فقط بما يحدث على السطح، بل أيضاً يجب النظر لما يُعاد تشكيله في العمق: - تصعيد التوتر في ملفات معينة قد يدفع أطرافاً إلى قبول تسويات لم تكن ممكنة سابقاً. - الضغط الاقتصادي أو السياسي أو العسكري قد يُستخدم لإعادة هندسة التحالفات الإقليمية. - إيجاد حالة من عدم اليقين قد يُجبر الدول على إعادة تموضعها الاستراتيجي. بهذا المعنى لا تكون الفوضى هدفاً بحد ذاتها، بل مرحلة انتقالية نحو نظام جديد، وهنا نسأل: أي استقرار يُراد تحقيقه؟ ولمصلحة من؟ إن حلف أمريكا يسعى من هذه الأزمات إلى تحقيق استقرار ليس بمعنى الهدوء الشامل وتخفيض التصعيد، بل قد يعني استقرارا يضمن توازن قوى يخدم مصلحة محددة. إن ما تقوم به اليوم أمريكا عبر إدارات مختلفة، من بينها إدارة ترامب، يُفهم الاستقرار غالباً على أنه منع هيمنة قوة إقليمية واحدة بالكامل، والحفاظ على توازن يمنع الانفجار الشامل في المنطقة ضمن إطار يمكن التنبؤ به والسيطرة عليه نسبياً، وهذا لا يعني غياب التوتر بالإدارة. الطاقة والممرات عامل مركزي: النفط والغاز كمصادر طاقة حيوية، والممرات البحرية مثل مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب وطرق تجارية، فإنها تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، لذلك تسعى أمريكا أن تبقي هذه الشرايين واقعة تحت سيطرتها دون إغلاق كامل في هذه المرحلة، وتأمين حضور عسكري أو تحالفات قريبة منها، وهذا ليس معناه افتعال كل الأزمات، بل هي أحياناً استجابة لها بطريقة تخدم مصالحها. تقليل الفوضى غير المسيطر عليها مع الإبقاء على أدوات الضغط قائمة ومفاتيح إعادتها بيدها. والفوضى غير المسيطر عليها هي التي لا يوجد فيها طرف قادر على فرض توازن مستقر لمصلحة أمريكا، ولا توجد خطوط حمراء واضحة تحكم التصعيد، والخسائر تمتد بلا سقف زمني أو سياسي، مثل حالة السودان اليوم. فرض واقع جديد يصبح مع الوقت طبيعياً وهي عملية ممنهجة تتم عبر مراحل: الصدمة الأولى: يحدث تغيير كبير (بالقرار السياسي أو تحرك عسكري أو إجراء اقتصادي) يثير رفضاً واسعاً، مثل الحالة السورية والتنازلات العميقة. التكيف القسري: مع مرور الوقت تبدأ الأطراف في التعامل مع الواقع الجديد لأنه أصبح موجوداً، مثل حالة فنزويلا اليوم. إعادة التأطير: ويتم تقديم هذا الواقع كأمر ضروري أو حتمي عبر الإعلام والخطاب السياسي، كحالة غزة اليوم. التطبيع: يتحول الأمر إلى جزء من الحياة اليومية وتختفي تدريجياً حدة الرفض، كما يُهيأ لدول الخليج وخاصة السعودية للتطبيع مع كيان يهود. بعبارات أخرى، قد يكون الهدف ليس إنهاء الفوضى بل إدارتها ضمن حدود يمكن التحكم بها. وهنا لا نقول أبداً إن كل الأزمات هي مصطنعة، فمنطقة الشرق الأوسط فيها تراكمات تاريخية عميقة وصراعات محلية وإقليمية متشابكة وتداخلات دولية مضطربة بالمصالح، ولا ننسى أنها المنطقة الأكثر قابلية لولادة دولة الإسلام القادمة، ولكن نقول إن بعض الأطراف قد تستثمر هذه الفوضى وتعيد توجيهها عبر مصالحها. إن ما يسهل الأمر على أمريكا أنها تمتلك اليوم القوة والهيمنة التي تساعدها في رسم الخطط دون منافس، ولا وجود اليوم لطرف مقابل على رقعة الشطرنج، فإن الصين مارد تجاري يسهل التعامل معه مع عدم وجود قوة واضحة حتى اللحظة، وهو لا يملك مبدأ حتى يموت لأجله، بل هو عقل تجاري وتكنولوجي جبان. فلن يستطيع تغيير هذا الواقع سوى ظهور دولة الإسلام، وهذا ما يخيفهم، ما جعلهم يديرون كل الصراعات على أرض المسلمين، ويعملون على تدمير البنية العسكرية والاقتصادية في المنطقة، بل ويقسّمون المقسَّم ويجعلون المنطقة رهينة كيان يهود بأن يجعلوه القوة الضاربة في المنطقة مع قدرتها على لجامه، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وإن دولة الإسلام قائمة لا محالة بإذن الله، لأنها وعد الله لنا، ولأن هناك حزباً يعمل ويحمل هذا الهدف ويضعه نصب عينيه، وهو حزب التحرير الذي لا تغفل عينه ولا يلين له عزم، ويعلم أن الله ناصره ولو بعد حين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير نبيل عبد الكريم اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر %s في %s الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر %s في %s بسم الله الرحمن الرحيم أمريكا وسُلطة البحر: القصة الكاملة لإمبراطورية الشر مقدمة تاريخية "اللهم لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً لخضته إليها في سبيلك". لم تكن هذه الكلمات مجرد رجاء أو دعاء، ولا نصا تاريخيا يُقرأ فيرهب الخصوم والأعداء، بل كانت عبارة مدوية جلجلت في الآفاق والأرجاء، وامتد صداها فوق كل أرض وتحت كل سماء، فبقيت نابضة في وجدان التاريخ ملهمة لحملة اللواء، تخاطب عقولهم وقلوبهم لتسألهم وتساءلهم: وهل يُفتقد البدر إلا في الليلة الظلماء؟ قائلها هو القائد والفاتح والمجاهد والتابعي الجليل عقبة بن نافع الفهري الذي شارك في معارك فتح أرض الكنانة مع عمرو بن العاص رضي الله عنه وقاد أولى السرايا التي دخلت إلى بُرقة واشترك معه في فتح طرابلس، ثم مع عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه في معركة سبيطلة، واستقر في بُرقة حيث ظل مرابطا فيها إلى أن ولاه معاوية بن أبي سفيان ولاية إفريقية وكانت أولى اهتماماته إنشاء قاعدة إسلامية متقدمة، بعد أن أنهى عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه سيطرة الدولة البيزنطية على البحر الأبيض المتوسط (معركة ذات الصواري سنة 35هـ)، حيث قال عقبة لرجاله: "أرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها (أي بإفريقية) مدينة نجعل فيها عسكراً، وتكون عز الإسلام إلى أبد الدهر". وفعلا أنشأ مدينة القيروان (يعود أصل تسميتها إلى اللفظ الفارسي "كيروان" ويعني المُعسكر أو مكان ذخيرة السلاح)، لتغدو منارة علم ورباط وجهاد قبل أن يواصل مسيرة جهاده غربا نحو الجزائر والمغرب. وقد مضى عقبة يفتح الحصون ويفرق الجموع وينزل الهزائم بأعداء الله حتى وصل إلى شواطئ المحيط الأطلسي أو ما كان يعرف ببحر الظلمات. هناك، تقدّم بفرسه إلى الماء، واستل سيفه، ونطق بكلمته الشهيرة الخالدة التي اختصرت روحه وهمّته رحمه الله تعالى وتقبله عنده من الشهداء الكرام البررة، ليترك المشعل لحفيده حبيب بن أبي عبيدة الفهري الذي أصبح من قادة فتح الأندلس مع موسى بن نصير وطارق بن زياد. وقد نقلت عديد المصادر أن أرض الأندلس صارت منطلقا لرحلات المسلمين في بحر الظلمات لاستكشاف ما وراءه فعلا. ولكن دارت الأيام وتقلبت الأحوال وتجلى قوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. أمريكا بين الأمس واليوم لقد اكتشف المسلمون وجود أراضي القارة الأمريكية زمن الخلافة العباسية على يد الرحالة الأندلسي الخشخاش بن سعيد بن أسود كما نقل ذلك المؤرخ والجغرافي أَبُو الحَسَنِ المَسْعُودِيُّ الهُذَلِيُّ في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" وكانت تسمى عندهم بالأرض المجهولة، قبل أن يُنسب الاكتشاف لاحقا إلى كريستوفر كولومبس ثم إلى أمريكو فسبوتشي الذي اشتق من اسمه مصطلح أمريكا، بل قبل أن تتحول النعمة إلى نقمة فتتنافس القوى الأوروبية على الاستعمار وإفراغ الأرض الجديدة من سكانها الأصليين عبر إبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر بأبشع الطرق والوسائل. فبعد اكتشاف القارة الأمريكية، شاركت كل دول أوروبا تقريبا في حرب السنوات السبع (1756-1763م)، حيث حاربت بريطانيا فرنسا من أجل السيطرة على البحار والأراضي الواقعة في أمريكا الشمالية. وقد حسمت معاهدة باريس النزاع بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا في 10 شباط/فبراير عام 1763 لتفقد فرنسا معظم مستعمراتها هناك لصالح لاعب أوروبي صاعد، هي بريطانيا التي استطاعت لاحقا إشعال فتيل حربين عالميتين. وفي المحصّلة، فإن أمريكا هي نتاج لصراع أوروبي على أرض مجهولة وامتداد لحضارة فاسدة معلولة ولعقيدة صليبية منقولة، حيث ولدت من رحم استعمار رأسمالي غاشم، يُروّج للديمقراطية في أوروبا ويمارس الإبادة الجماعية ضد سكان أمريكا وأفريقيا وآسيا، هذا إن سلمت أوروبا نفسها من الحروب والمعارك (على غرار حروب نابليون بونابرت التي أكلت الأخضر واليابس). وليس أدل على هذه الولادة القيصرية من رئاسة الجنرال البريطاني جورج واشنطن لهذا البلد، بعد قتاله ضد فرنسا في حرب السنوات السبع، وصار العرف العام في أمريكا أن ينحدر رؤساؤها بالأساس من إنجلترا، أسكتلندا، إيرلندا وهولندا، ولذلك لا يخفي ترامب اليوم احتقاره للأمريكان الذي ينحدرون من أصول أوروبية مغايرة. ومع ولادة هذه الأرض الجديدة (أمريكا) انتهى عند الغزاة عهد "الضيق الجغرافي لأوروبا" وبدأ البحر رحلة الهيمنة على الأرض لتصبح الأراضي المغزوة نقطة انطلاق للأراضي الغازية، بل نقطة التقاء بين الرأسماليين الجدد وخبراء الجيوبوليتيك، ممّن نظّروا لكيفية حكم العالم وبناء ما صار يُعرف لاحقا بالنظام العالمي الجديد، كما سيأتي بيانه. ومهما عظُمت أمريكا في عيون ناظريها، تبقى دولة استعمارية بامتياز، بلا جذور تاريخية أو حضارية على أرضها، وإنما صنعت لنفسها تاريخا حافلا بالجرائم في حق المسلمين وغير المسلمين، حيث بنت حضارتها المزيفة على جماجم الهنود الحمر، بعد أن كانت مجرد مستعمرة بريطانية إلى حدود سنة 1776، بل كانت أمريكا تدفع الجزية للجزائر العثمانية في عهد جورج واشنطن نفسه بمقتضى اتفاقية عام 1796. أما سياستها الخارجية فتقوم منذ نشأتها على صناعة الحروب وافتعال الأزمات وإشعال النيران، والقتل والدمار. والاستعمار ليس صفة لاحقة بها، بل جزء من تكوينها الجيني وثقافة متأصلة فيها تستمد منها أسباب هيمنتها وبقائها، تحركها في ذلك عقلية الكاوبوي الأمريكي. فبالأمس ظهرت عقيدة مونرو (وهي سياسة خارجية أمريكية أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، تنص على أن الأمريكتين (نصف الكرة الغربي) لم تعد مفتوحة لاستعمار القوى الأوروبية، وتعتبر أي تدخل أوروبي فيها تهديداً لأمن الولايات المتحدة، فأرست العقيدة مبدأ "أمريكا للأمريكيين"، مفصلةً مناطق النفوذ لتقسيم العالم القديم عن الجديد، رغم أصول مونرو البريطانية)، وصدرت في البداية كبيان أحادي الجانب، ولم تكن الولايات المتحدة قوية بما يكفي لفرضها، ولكن مع ازدياد قوتها، استخدمت المبدأ كذريعة للتدخل في شؤون أمريكا اللاتينية وتوسيع نفوذها، فضمت أرض التكساس سنة 1845 وأخضعت كاليفورنيا سنة 1847 بعد إبادة جماعية لأهلها، ولم تردعها أية قوة عسكرية على ضم بقية أراضي المكسيك، لتصبح جزء مما صار يُعرف لاحقا بالولايات المتحدة الأمريكية. ثم لم تتربع أمريكا على عرش السياسة الدولية إلا بعد حربين عالميتين، أُنهكت خلالهما قوى بقية الدول الاستعمارية، وراح ضحيتهما أكثر من 100 مليون قتيل، فلم تجد من يمنعها من استعمال القنبلة الذرية سنة 1945 ضد اليابان، ضمن ما يعرف بهجوم هيروشيما وناجازاكي النووي. ثم انتهزت أمريكا هذا التقدم وحافظت عليه بفرض التداول العالمي لعملة الدولار وربط اقتصاديات أوروبا المدمرة بخطة مارشال سنة 1948 وإنشاء ما بات يعرف بحلف شمال الأطلسي سنة 1949 وبالتالي ربط القارة العجوز بقيادتها العسكرية فضلا عن نشر القواعد العسكرية وأوكار التجسس عالميا، ومع ذلك فقد استطاع الاتحاد السوفيتي أن يشغلها لفترة عن استكمال مشروع الهيمنة الأمريكية على العالم رغم ضعف فكرته ومبدئه ومخالفة عقيدته لفطرة البشر، ما مهد لسقوطه في تسعينات القرن الماضي. أما اليوم، وبعد بروز لوبي الطاقة في التكساس ولوبي التكنولوجيا في كاليفورنيا (حيث اصطفت شركات التكنولوجيا وراء ترامب في عهدته الثانية وانضمت بذلك إلى شركات النفط)، فها نحن نشهد عودة مبدأ مونرو للواجهة مع تصريحات للرئيس ترامب في 2025-2026، مستخدماً إياه لتبرير استعادة نفوذ الولايات المتحدة في الأمريكتين ضد منافسين مثل الصين وروسيا على غرار ما حدث في فنزويلا ويُراد حدوثه في كوبا، في الوقت نفسه الذي يلوح فيه بوضع يده على غرينلاند الدنماركية وضم كندا لأمريكا، بكل ما يعنيه ذلك من صلف وتسلط وغرور. أمريكا وفلسفة الهيمنة: من دولة وراء البحر، إلى دولة فوق الدول من زاوية نظر جيوسياسية، فإن ما وراء بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) أرض لا تمثل سوى 6.5 بالمائة من مساحة اليابسة في العالم، هي أرض الولايات المتحدة، وتقع ضمن قارة تمثل ثلث مساحة اليابسة في العالم تقريبا، وهي أرض تقع بين محيطين، المحيط الأطلسي شرقا والمحيط الهادي غربا، ولكن الانتباه إلى فكرة التوسع والسيطرة عن طريق البحر باعتبار أن أكثر من ثلثي سطح الأرض مغطى بالماء، جعل من الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة البحرية فكرة محورية في التاريخ العسكري الأمريكي. فهذه الفكرة جعلتها تندفع نحو بناء أسطول بحري متطور (سفن حربية، حاملات طائرات، غواصات)، وتعمل على تقوية قوات المارينز حتى صارت قوة تدخل سريع للإنزال البرمائي في الأراضي الأجنبية، تؤمن دعم التدخلات العسكرية القصيرة المدى وحماية القواعد البحرية. كما جعلتها تعمل على إنشاء قواعد استراتيجية عالمية بهدف تمكين الأسطول من التحرك بسرعة والتحكم في طرق الملاحة العالمية، مع السيطرة على الممرات البحرية الحيوية على غرار قناة بنما التي وضعت يدها عليها في 1914، من أجل السيطرة البحرية على كلا المحيطين الأطلسي والهادي. صحيح أن البريطاني ماكيندر استطاع أن يفجر الحروب والصراعات حول قلب الأرض بنظريته الشهيرة، التي يرى من خلالها العالم بوصفه كيانا منقسما إلى قلب قاري صلب عصي على الاختراق تمثله الكتلة الأوراسية، وأطراف بحرية لينة تتأرجح دوما بين ضغط القوى البرية من الداخل والقوى البحرية من الخارج. فلم يكن مجرد أستاذ جغرافيا في جامعة أوكسفورد، وإنما كانت تحركه فكرة تأثير الجغرافيا على السياسة التي جعلته يحذر من خطر الداخل الأوراسي على القوة الأطلسية، فيجد لكلامه وأفكاره صدى عند صناع القرار، ممن اقتنعوا أن قلب الأرض (heartland) هو مفتاح السيطرة الجيوسياسية. ولكن ذلك كله، ورغم صعود الاتحاد السوفيتي وبروز نظرية الاحتواء، لم يغير من قناعة الخبراء الاستراتيجيين في أمريكا حول أهمية سلطة البحر، وأثرها في بسط النفوذ على دول العالم، ما مهد لبناء دولة نجحت من وراء البحار والمحيطات في اختطاف العالم وإلغاء دور أوروبا كشريك لها في رسم السياسة الدولية، لتحرمها من التأثير الدولي كما حرمت روسيا والصين. إن ألفريد ماهان هو أكثر من تكلم وكتب عن سلطة البحر، وهو صاحب مصطلح "الشرق الأوسط"، وباعتباره استراتيجيا وسياسيا دعا إلى تقوية الأسطول البحري الأمريكي، لا كضامن لسرعة التحرك والرد وحصار الأعداء، بل كضامن لانسياب التجارة العالمية باعتبارها ركيزة النظام الرأسمالي العالمي الذي تحرسه أمريكا، وظل يفكر ويكتب عن "قوة البحر" كخبير جيوسياسي لا كمجرد ضابط في البحرية. كان ماهان من أنصار الرئيس مونرو الذي فتح طرق التجارة أمام الأمريكيين، وقد رأى أن مصير أمريكا هو مصير بحري بامتياز. أما مهندس "المسيرة الأمريكية الظافرة"، فهو عالم الجيوبوليتيك نيكولاس سبيكمان وهو خبير استراتيجي مشبع بأفكار الأميرال ماهان، وكان أساس تصوره يقوم على تشابه مميز بين البحر المتوسط في تاريخ أوروبا وشمال أفريقيا، وبين المحيط الأطلسي بالنسبة للحضارة الغربية في التاريخ المعاصر، ليصبح المحيط الأطلسي بحرا متوسطا لقارة أطلسية بضفتيها الأمريكية والأوروبية، ويسبق بذلك إلى تركيب الحلف الأطلسي قبل أن يفكر فيه أحد. غير أنه يختلف عن ماهان في نقطة جوهرية شكلت منعطفا في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية ودافعا قويا لمشروع الهيمنة الأمريكية على العالم. فبينما كان ماهان يعتبر الأساس هو السيطرة على البحار والمحيطات، كان سبيكمان ينظر للسيطرة على شريط الساحل (Rimland) مؤكدا على الوزن الجيوسياسي للحافة الأرضية التي تعطي نفوذا على البر الرئيسي الساحلي، وبالتالي الولوج إلى الأرض واختراقها، ولذلك كان سبيكمان لا يرى أن القوة العالمية تأتي من البحار في حد ذاتها، وإنما من السيطرة على النقاط الاستراتيجية البحرية بوضع اليد على الممرات المائية على غرار قناة بنما، قناة السويس، مضيق جبل طارق، مضيق هرمز، باب المندب، وهكذا... فإذا كان من يسيطر على قلب اليابسة يحكم العالم (ماكيندر)، ومن يسيطر على الحواف يمنع ذلك (سبيكمان)، والأداة لتحقيق السيطرة هي البحر (ماهان)، فإن الفكرة العملية التي صاغت استراتيجية التوسع والهيمنة الأمريكية ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، هي منع أوراسيا (التي هي قلب العالم) من التوسع عبر تطويقها في "الريملاند" باستخدام القوة البحرية. هذه الفكرة ببساطة، جعلت من أمريكا أقوى دولة في العالم، وأكثر الدول قدرة في التاريخ الحديث على بسط هذا النفوذ العالمي، متجاوزة حدود جميع المحاولات الأوروبية، وهو ما احتفى به بريجنسكي سنة 1997 في كتابه (رقعة الشطرنج الكبرى) الذي اعتبر فيه أن السيطرة على القارة الأوراسية هو أساس السيطرة على العالم وأن أوراسيا هي رقعة الشطرنج التي يستمر فيها الصراع على السيطرة العالمية بل أهم بقعة في العالم لممارسة اللعب، حيث جاء فيه: "إن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة غير أوراسية، تتمتع بسيطرة دولية مع وجود قواتها منتشرة على ثلاثة حدود محيطية للقارة الأوراسية، والتي تمارس منها نفوذا على الدول التي تشغل المنطقة الخلفية الأوراسية". والحدود البحرية الثلاثة لأوراسيا التي يتحدث عنها بريجنسكي، هي التالية: أولا: الحد الغربي لأوراسيا - المحيط الأطلسي / أوروبا، حيث تتواجد أمريكا في أوروبا الغربية والبحر الأبيض المتوسط، من خلال قواعد بحرية في إيطاليا تشكل الأسطول السادس، فضلا عن حضور في النرويج وبريطانيا وإسبانيا، وتعزيز النفوذ البحري من خلال حلف الناتو. وذلك بهدف تطويق روسيا من الغرب، ومراقبة أوروبا الغربية ومحاولة التأثير في سياساتها، فضلا عن تأمين طرق التجارة عبر الأطلسي. ثانيا: الحد الجنوبي لأوراسيا - الشرق الأوسط / الخليج العربي، من خلال الأسطول الخامس في البحرين فضلا عن 19 قاعدة عسكرية متمركزة في دول الخليج، وهذا يعزز النفوذ الأمريكي في الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز، الذي يعتبر أخطر ممر طاقة في العالم، ولذلك تعمل في هذه المنطقة على حماية النفط والطاقة العالمية ومنع أي قوة إقليمية من السيطرة على المضائق الحيوية مع ضمان السيطرة على الريملاند الجنوبي لأوراسيا. ثالثا: الحد الشرقي - المحيط الهادئ / شرق آسيا، حيث يتمركز الأسطول السابع في اليابان يوكوسوكا، فضلا عن قواعد بحرية في كوريا الجنوبية، سنغافورة، وأستراليا جزئياً. والهدف من ذلك تطويق الصين ومنعها من التوسع البحري، تحت غطاء حماية تايوان، اليابان، وكوريا الجنوبية، وهذا يمكنها في الحقيقة من السيطرة على الريملاند الشرقي. وهكذا، وحين تدقيق النظر في فلسفة وجود الأساطيل البحرية الأمريكية عبر العالم، نجد أن الفكرة الرئيسية هي منع أي منافس دولي من التوسع نحو المحيطات المفتوحة وإشغاله بنفسه عن ذلك، وهي الفلسفة نفسها التي يمكن أن نفسر من خلالها دعم أوكرانيا ضد روسيا وإشغالها بالحرب عن التوسع، وضم السويد وفنلندا إلى الناتو أو التلويح بضم جزيرة غرينلاند الدنماركية كي لا تجرؤ روسيا على التفكير في التوسع في أوروبا الغربية، وكذلك ضخ المساعدات العسكرية لتايوان لمنع الصين من ضمها. وبالعودة إلى غرينلاند كمثال حي لتطبيق هذه الفلسفة، فإن هذه الجزيرة التي تقع في أقصى المحيط الأطلسي هي بوابة شمالية لتأمين الريملاند الغربي لأوراسيا، تمكن أمريكا من السيطرة على ممرات المحيط الأطلسي الشمالي، ما يجعلها مكانا استراتيجيا للمراقبة المبكرة للأنشطة العسكرية الروسية القادمة من الشمال وربما قاعدة للصواريخ والدفاع الجوي ونظام الإنذار المبكر. وهو ما لم يخفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن تصريح له مطلع العام 2026، حيث قال: إن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند "ضرورية" لمنظومة "القبة الذهبية" للدفاع الجوي والصاروخي التي يخطط لإنشائها. وكتب ترامب، الذي تعهد بالسيطرة على الجزيرة القطبية الشمالية من حليفته الدنمارك، على وسائل التواصل الإلكتروني: "تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها ضرورية لنظام القبة الذهبية الذي نبنيه". وأضاف: "يصبح حلف الناتو أكثر قوة وفعالية بكثير إذا كانت غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة. وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول". (سكاي نيوز، 2026/01/14). ولذلك فإن القاسم المشترك بين كوبا، والبحر الكاريبي، والخليج العربي، وسواحل أوروبا الشرقية وجزيرة غرينلاند، أنها جميعها ممرات ومواقع حيوية تمنح أمريكا نفوذا عالميا ظلت تحلم به طوال القرن الماضي. لقد كان واضحا منذ عقود، دخول العالم في مرحلة أخطر وأنكى من وجود تكتلات دولية وتحالفات عسكرية لأكثر من دولة، على غرار حلف شمال الأطلسي. وهي مرحلة صعود دولة مارقة تعطي نفسها وظيفة الشرطي الدولي، بحيث تحولت أمريكا من مجرد دولة وراء البحار إلى سلطة دولية تعطي صلاحية إصدار العقوبات على من لا ينصاع لرأيها في حل المشاكل، من خلال هيئاتها ومنظماتها ومجلس أمنها. وهذا لا يعني إلا وجود دولة فوق كل الدول، وفوق القانون الدولي نفسه، وبذلك تكون هي صاحبة الرأي في تقرير المشاكل أو تقرير حل المشاكل أو تبرير المشاكل أنها ليست بمشاكل. والأفظع من ذلك أنها تتظاهر أمام العالم أجمع بالسعي لحل المشاكل الدولية وإنهاء الحروب وإحلال السلام، في الوقت نفسه الذي تتعمد فيه إيجاد المشاكل الدولية وإشعال الحرائق، ثم تجعل من حلها وسيلة لكسب المنافع واستغلال الشعوب وإيجاد السيطرة والنفوذ، وهذا يعني إيجاد المشاكل وتراكمها وتعقيدها دون أن تجد هذه الدولة رادعا يقف أمام جرائمها. فوجود العالم الآن على هذه الحال هو مشكلة في حد ذاته لا بد من حله، وحلها هو من مهمات دولة الخلافة الراشدة القادمة قريبا بإذن الله، وما لم تحل هذه المشكلة فإن الحروب والقلاقل والشقاء والتعاسة ستظل هي المسيطرة على بني البشر في ظل هذا النظام العالمي الذي أرسته أمريكا. صورة لأمريكا، زمن الدولة الإسلامية طبعا حين كان للمسلمين دولة، لم تنجح أمريكا في بسط نفوذها على أراضي الإسلام، حيث خاضت الدولة العثمانية حرباً ضد الولايات المتحدة، خلال الفترة من 1801 إلى 1804، انتهت بهزيمة الأمريكان وإذلالهم في أول حرب لهم خارج حدود البلاد، وذلك بعد رفضهم دفع الجزية للحاكم العثماني يوسف قرة مانلي، نظير دخول الأسطول الأمريكي إلى البحر المتوسط. أثار رفض الأمريكان دفع الجزية للدولة العثمانية، غضب الوالي الذي أمر بتكسير سارية العلم الأمريكي في سفارة الولايات المتحدة بمدينة طرابلس الليبية، وإهانة السفير الأمريكي وطرده، وعلى خلفية ذلك، أرسل الرئيس الأمريكي حينها، توماس جفرسون، أسطول بلاده لتأديب والي طرابلس يوسف قرة مانلي، رداً على إهانته للولايات المتحدة، لتبدأ الحرب البحرية التي سرعان ما انتهت بكارثة على أمريكا حيث تمت محاصرة الأسطول الأمريكي وأُسرت أكبر سفنها "فيلادلفيا". وفي سنة 1805، جهّز الأمريكيون جيشاً لغزو مدينة درنة شرق ليبيا، والثأرِ من الهزيمة الأولى، ودرنة كما نعلم هي عروس بُرقة أو درة المتوسط، وهي التي احتضنت أولى سرايا عقبة بن نافع رضي الله عنه، كما سبق ذكره، لكن سرعان ما استنجد والي طرابلس بقوات من المغرب والجزائر وتونس والدولة العثمانية التي أرسلت قواتها من عاصمة آخر خلافة للمسلمين، وانتهت المعركة بهزيمة شنيعة أخرى للجيش الأمريكي الذي خسر في يوم واحد قرابة 1800 من جنوده وأسر 700 آخرين، فيما حوصر الباقي. وأدت هذه الهزيمة بأمريكا إلى توقيع اتفاقية مذلة لها مع ولاة تونس وطرابلس والجزائر والمغرب، بموجبها تدفع أمريكا تعويضاً للولايات الإسلامية عن كل جندي قُتل، وتدفع أيضاً الجزية مضاعفة عن السابق، والاعتذار للولايات الإسلامية الثلاث. وإلى هذا اليوم، نجد "طرابلس" في نشيد البحرية الأمريكية (المارينز) الذي لم يتغير منذ ذلك الوقت، حيث يقول مطلعه "من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس نحن نحارب معارك بلادنا في الجو والأرض والبحر"، وذلك تخليدا لهذه المعركة التي يُراد لها أن تكون حاضرة في أذهان القوات البحرية أساسا، حيث دائما ما يلاحظ تعويل أمريكا على قوات المارينز المتخصصة في الإنزال البرمائي، تحت شعار: "الوصول أولا، القتال أولا". ولم يكن من باب الصدفة أن يتصدر اسم السفينة الهجومية الأمريكية يو إس إس طرابلس (USS Tripoli) عناوين الأخبار العالمية مؤخرا، بعد التقارير التي كشفت عن تحركها نحو منطقة الشرق الأوسط ضمن تداعيات الحرب على إيران، لأن هذا التحرك لا يحمل دلالات عسكرية ورؤية استراتيجية للشرق الأوسط الكبير فحسب، بل يحيي اسما ارتبط بصراع طويل بين مشاة البحرية الأمريكية "المارينز" والأسطول الليبي في العهد القرمانلي فوق الأراضي الليبية منذ أكثر من قرنين. دخلت السفينة الخدمة رسميا في تموز/يوليو 2020، وهي واحدة من أكثر السفن الهجومية تطورا في العالم. وهي مصممة لتكون قاعدة طيران عائمة حيث يبلغ طولها 844 قدماً، وتزن حوالي 44,000 طن، وعلى عكس السفن البرمائية التقليدية، تم تصميم سفينة "طرابلس" لتركز بشكل مكثف على العمليات الجوية، حيث تضم الوحدة الاستكشافية البحرية الـ31 المكونة من 3500 بحار ومشاة البحرية، إضافة إلى طائرات النقل والمقاتلات الهجومية، كما تستوعب أحدث مقاتلات الجيل الخامس من طراز إف 35. بعبارة أخرى، هي بمثابة قاعدة عسكرية جوية متنقلة داخل البحر. والحقيقة أن هذه السفينة هي الثالثة في تاريخ البحرية الأمريكية التي تحمل اسم "طرابلس" والذي كان يطلق قديما على ليبيا الحالية. فقد بدأت هذه السلالة مع السفينة الأولى (USS Tripoli CVE-64)، وهي حاملة طائرات مرافقة دخلت الخدمة عام 1943 إبان الحرب العالمية الثانية حيث استخدمت في المحيط الأطلسي لمواجهة الغواصات الألمانية، ثم جاءت السفينة الثانية (USS Tripoli LPH-10)، وهي سفينة هجومية برمائية خدمت بين عامي 1966 و1995، وبرز اسمها في حرب فيتنام، لكن محطتها الأبرز كانت في مياه الخليج العربي عام 1991 فخلال العمليات العسكرية ضد العراق، تلقت السفينة ضربة مباشرة بلغم بحري عراقي، وصولا إلى السفينة الثالثة والأحدث (USS Tripoli LHA-7)، التي ينظر إليها الأمريكيون على أنها ذروة التطور التكنولوجي في السفن الحربية. أمريكا وأمواج السيطرة البحرية على اليابسة ثم بالعودة إلى نظرية سبيكمان التي ظلت مصدر إلهام للساسة والقادة في أمريكا (باستثناء قرار الحرب على أفغانستان تقريبا أين تاه جنود أمريكا بين الجبال الوعرة)، نجد أن كل الحروب والمعارك التي خاضتها الولايات المتحدة وحتى العمليات العسكرية المحدودة، كانت موجهة ضد دول ساحلية بالأساس، أي ضد الحافة الأرضية للدول المستهدفة (الريملاند)، أو بالأحرى ضد دول لديها منفذ بحري أو أكثر: فمن الحروب البربرية مطلع القرن التاسع عشر، وحروب المكسيك (1846-1848) وحرب إسبانيا (1898)، إلى حروب أوائل القرن العشرين على غرار الحرب مع الفلبين (1899-1902) وعملية تمرد الملاكمين ضد الصين في 1900 والعمليات العسكرية المتعددة في نيكاراغوا (1912-1933)، واحتلال هايتي (1915-1934)، إلى الحرب العالمية وما بعدها، كمهاجمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب ضد كوريا الشمالية (1950-1953)، إلى الحرب الباردة ومعارك فيتنام (1955-1975) وكمبوديا (1969-1973) إلى حرب الخليج في تسعينات القرن الماضي وحرب الصومال (1992-1994) وقصف مصنع الشفاء في السودان (1998) وقصف صربيا في 1999 بغطاء أطلسي، وحتى غزو العراق في 2003 والتدخل العسكري في ليبيا (2011) والضربات الجوية على كل من سوريا والعراق واليمن، ثم استهداف إيران المطلة على بحر قزوين شمالا والخليج العربي جنوبا والحرص على وضع اليد على مضيق هرمز وجزيرة خرج، نجد أن كل من على هذه القائمة من الدول يمتلك شريطا ساحليا أو منفذا بحريا يجعله عرضة للهجوم والاعتداء من قبل أمريكا بغض النظر عن اختلاف أهداف كل عملية عسكرية وعن اختلاف مددها الزمنية (حروب طويلة، أو عمليات قصيرة المدى). ولذلك نجد أمريكا تركز في غالب الأحيان على تحشيد السفن الحربية والقيام بعمليات نوعية تحقق لها مبتغاها في الحواف الأرضية، وبخاصة تلك التي تمكنها من وضع يدها على الرقعة الأوراسية ومحاصرتها من كل جانب. أما الحروب البرية التقليدية فلا يبدو أنها من اختصاصها، ولا المواجهة المباشرة من شيم جنودها لأنهم ببساطة ليسوا أهل قتال. فالحروب البرية ليست كبسة زر، والتكنولوجيا والطائرات لا تغنيان عن صعوبات الأرض، ولا عن إرادة الشعوب الصامدة ولذلك تفقد العقيدة العسكرية الأمريكية فاعليتها كلما اقتربت أرض المعركة. الخلافة في عيون أمريكا هي الخطر الحقيقي ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذه الاستراتيجية العسكرية عند المسلمين بمعزل عن الحرب الصليبية المعلنة منذ عهد بوش الابن وعن الدور الذي تحاول أمريكا لعبه إثر سقوط الاتحاد السوفياتي، والذي أصبح اليوم حجر الزاوية في سياستها التوسعية التي قد تضطرها إلى التلويح بحروب برّية أو حتى التورط فيها من أجل إزاحة التهديد الحضاري والوجودي المتمثل في صعود الإسلام وإمكانية عودة دولته الجامعة. بل إن الانجرار وراء كيان يهود ودعم عربدته في المنطقة والتورط وراء الحروب في غزة ولبنان وإيران وإعلان الحرب ضد كل ما هو إسلامي سنياً كان أم شيعيا، لهو دليل ساطع على أن البديل الحضاري الإسلامي الذي قد يفتكّ منها قيادة المنطقة بشكل نهائي لهو الخطر الداهم والصداع الحقيقي الذي يؤرق الإدارة الأمريكية، أكثر من خطر روسيا والصين مجتمعتين. وهو ما يجعلها تفقد جزءاً من العقلانية والبراغماتية التي دعا إليها بريجنسكي على سبيل المثال لمواجهة الصحوة السياسية العالمية التي يغذيها (التطرف الإسلامي) على حد تعبيره. هذا الخطر المتنامي لتراكم الوعي الإسلامي وسرعة انتشاره عالميا أمام تراجع الحضارة الغربية وإفلاسها الفكري والقيمي والأخلاقي، جعل مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد تطلق صيحة فزع خلال كلمة لها في مؤتمر لمؤسّسة Turning Point USA اليمينية نهاية العام 2025، حيث صرحت قائلة: "هناك تهديد لا نتحدث عنه بما يكفي: أعظم تهديد قريب وبعيد المدى لحريتنا وأمننا. إنه الأيديولوجيا الإسلاموية، لأنها تسعى إلى إنشاء خلافة عالمية تحكمنا حتى هنا في أمريكا، وتهدّد الحضارة الغربية، من خلال الحكم بالشريعة، والحكم بما يسمّونه مبادئهم الإسلامية، وإذا فشلت في الامتثال سيستخدمون العنف أو أيّ وسيلة يرونها ضرورية لإسكاتنا". مثل هذه التصريحات العدائية ليست جديدة في حقيقة الأمر، إنما هي تأكيد على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي ونظرتها للإسلام، والتي تلخصها مقولة الجنرال السابق ونائب وكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات في عهد جورج دبليو بوش، ويليام بويكن: "لا يوجد تهديد أكبر لأمريكا من الإسلام". وذلك في كلمة له ضمن مؤتمر بعنوان "كيف نستعيد أمريكا؟" في سانت لويس، ولاية ميزوري، الذي نظمته منظمة إيجل فوروم (Eagle Forum) سنة 2009. قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. لقد جاهرت أمريكا ولا تزال بعدائها الواضح للإسلام والمسلمين في كل مكان، وغيرت اسم وزارة الدفاع لتصبح وزارة الحرب. ثم جاءت بمن يعتبر نفسه أحد قادة الحملة الصليبية الجديدة على الإسلام والمسلمين، بيت هيغسيث، وعينته على رأس هذه الوزارة، ليعلن بنفسه الحرب الصريحة ضد النبوءات الإسلامية رأساً، ويناطح الإسلام دينا ووحياً فيعتبر النبوة وهماً، ويبرر كل جرائم أمريكا الداعمة لكيان يهود والمحاربة للمسلمين كافة. ولهذا الوزير نظراؤه وأمثاله بلا شك في التيار اليميني المحيط بالرئيس ترامب، ممن يعتقدون بأن تأسيس دولة (إسرائيل) "جزء من خطة إلهية تنتهي بمجيء المسيح". ويكفي أن نستشهد في هذا السياق بما كتبه هيغسيث في كتابه "الحروب الصليبية الأمريكية"، حيث قال حرفيا: "كما فعل الصليبيون المسيحيون الذين صدّوا الجحافل المسلمة في القرن الثاني عشر، سيتعين على الصليبيين الأمريكيين إظهار الشجاعة نفسها في مواجهة الإسلاميين". بل وصلت به الحالة العدائية إلى التصريح في مؤتمر صحفي بالقول: "إن أمريكا حاليا تحارب العدو الإسلامي سواء كان من السنة أو الشيعة". خاتمة: إن عقبة بن نافع رحمه الله، لم يكن يعلم زمن الخلافة الراشدة أن وراء بحر الظلمات أرضاً، ستكون حاضنة لدولة صليبية مارقة مثل أمريكا، ولكن أمة الإسلام اليوم صارت ترى أمام أعينها حجم الاستعلاء ومدى العنجهية التي تميز سلوك هذه الدولة المتوحشة في علاقتها ببقية سكان الأرض، والمستمدة مما يمكن تسميته بـ"أمان المحيطيْن" في التفكير الأمريكي. نعم، هناك بالفعل عنصر استراتيجي نفسي وجيوسياسي يزيد من حجم الغرور الأمريكي ويصنع شعورا بالغطرسة الاستراتيجية أو الثقة المفرطة لدى صناع القرار الأمريكيين، ويعود هذا إلى موقع الولايات المتحدة الفريد بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، وبُعدها عن المراكز البرية لنفوذ أوراسيا أو مناطق الصراع الإسلامي المباشر. يضاف إلى هذا العنصر عناصر أخرى، أهمها تحكّمها العالمي في قطاع الطاقة، وطفرة الذكاء الصناعي وتفوقها التكنولوجي الذي يضمن لها التجسس على الشعوب والحكومات واختراق الخصوصيات والسيطرة على البنية التحتية الرقمية عالميا، والقدرة على التأثير السياسي وفن التجسس كجزء أصيل من فن الحكم (كما جاء في مقالة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ويليام ج. بيرنز مطلع العام 2024)، فضلا عن التفوق العسكري الذي يضمن القدرة على التحرك بسرعة في أي بقعة في العالم. إلا أن تسلط هذه الدولة عالميا، وافتعالها للأزمات، وإهراقها للدماء وإشعالها للحرائق في كل مكان، وغرورها المتنامي، سيجعلها بلا شك تحترق بالنار التي تشعلها، فتعجل بانهيارها وتراجع نفوذها ودفع ضريبة استكبارها، ﴿اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾. كما أن ضعف قيادتها الفكرية وخسارة تحالفاتها الاستراتيجية وتسببها في الأزمات الاقتصادية العالمية، كلها عوامل تعجل من سقوط ولايات الشر الأمريكية المتحدة. والأهم من هذا وذاك، أنها دقت بنفسها ساعة النهاية لتكتب فصول زوالها كإمبراطورية، فهرولة السفن الحربية إلى الشرق الأوسط وخسارة النفوذ في البحار، والهزائم في ساحات الفكر والسياسة، والتصدع في البنية الداخلية، وتخبط السياسة الخارجية وفقدان الثقة الدولية، ثم الانكسارات العسكرية البحرية، ليست مجرد انتكاسات متفرقة، بل هي دقات أولى في ساعة تراجع أعظم قوة اعتمدت على إرث ماهان وسبيكمان. ففي غياب السيطرة على الممرات البحرية، وضعف الهيمنة على الأطراف الساحلية الحيوية، وفشل الحلول الدبلوماسية والعسكرية، يبدأ العالم في إعادة رسم خارطته، وتبدأ أمريكا، ببطء وبتؤدة، في سحب جناحيها من السماء التي اعتادت أن تحلق فيها بلا منازع. اليوم وقد كشرت عن أنيابها وأعلنتها حربا صليبية، وتحالفت فيها مع الصهيونية، ضد النبوءات الإسلامية، واتخذت من الخلافة الإسلامية عدوا لها، وجيشت من أجل قتل المسلمين عدتها وعتادها، فإن ردعها وإلزامها حجمها هو واجب شرعي على عاتق الأمة الإسلامية، لأنها الوحيدة القادرة على تخليص البشرية من شرها، ولا سبيل لذلك إلا بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. نعم، لقد آن أوان استعادة أمجاد عبد الله بن أبي سرح في أول وأعظم معركة بحرية، معركة ذات الصواري، حيث يُكتب التاريخ بماء البحر وسيوف الرجال. آن أوان أن تُصنع ملاحم جديدة على نهج القادسية واليرموك، ملاحم لا يعرفها الزمان إلا عن عزيمة الأبطال. آن أوان أن يتجدد صدى بطولات طارق بن زياد فاتح الأندلس، حين أطل بخطبته الخالدة: "البحر من ورائكم، والعدو أمامكم"، ليحرك القلوب قبل أن تحرك الجيوش. آن أوان تحقيق بشارة رسول الله ﷺ بفتح رومية بعد القسطنطينية، وأن تُرفع راية الحق فوق المدى. بل آن أوان استكمال مسيرة عقبة بن نافع رضي الله عنه، حيث تستمر خطوات الفتوحات على دروب العظمة، متوهجة بإرادة الرجال وعزمهم الذي لا يلين، آن أوان إتمام مشواره العسكري وتحقيق رجائه في غزو البحر الأطلسي، فيتحقق للمسلمين فتح أمريكا ورفع راية العقاب فوق البيت الأبيض، ليدرك العالم أجمع أن أمريكا هذه ليست سوى نمر من ورق، وما هزائمها وتمريغ أنفها في التراب في العراق وأفغانستان والصومال واستهداف قواعدها وبوارجها وطائراتها من قبل إيران التي كانت حليفة لها في غزو العراق وأفغانستان إلا مقدمات للنصر الذي ستحرزه الدائرة الحربية لدولة الخلافة القادمة قريبا بإذن الله. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ فِي الْبَرِّ، وَمَنْ أَجَازَ الْبَحْرَ (عبره في سفينة)، فَكَأَنَّمَا أَجَازَ الْأَوْدِيَةَ كُلَّهَا، وَالْمَائِدُ فِيهَا (الذي يصيبه الدوار والقيء) كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ (المتمرغ في دمه)» رواه الحاكم في المستدرك. كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير المهندس وسام الأطرش اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
صوت الخلافة قام بنشر منذ 17 ساعات الكاتب ارسل تقرير Share قام بنشر منذ 17 ساعات بسم الله الرحمن الرحيم فكرة قضية الجنوب العربي نشأتها وبُعدها السياسي على أهل اليمن إن ما تسمى بقضية الجنوب أو الجنوب العربي أو الحراك الجنوبي، أصبحت من أبرز الإشكالات التي يواجهها أهل اليمن في تاريخهم المعاصر، ومن أكثر التحديات التي أثرت على الانسجام والوئام وأخوة العقيدة الإسلامية بينهم في ظل أنظمة الحكم العلمانية، علما بأن الوحدة الاندماجية التي تشكلت عام 1990م لم تكن مبنية على العقيدة التي آمن بها أهل اليمن منذ فجر الإسلام، بل جاءت نتيجة لصراع محموم على النفوذ والمصالح بين المستعمر البريطاني القديم، والمستعمر الأمريكي الجديد. وفي موضوعنا هذا سنبين كيف نشأت قضية الجنوب العربي وبيان فسادها وبُعدها السياسي بين طرفي الصراع الأنجلو أمريكي، وما نتج عنها من أحداث سياسية أورثت أهل اليمن الشقاء وضنك العيش. أولاً: إن تاريخ جنوبي الجزيرة العربية ملتصق تماما بتاريخ اليمن، ومن المستحيل عند دراستنا لتاريخ عدن وما حولها من المدن في الأزمنة الأولى أن نتجنب دراسة تاريخ اليمن إلى حد كبير. فقد كانت اليمن منذ ماضيها البعيد بما فيها عدن وما حولها وحدة سياسية واحدة. وقد حكمت اليمن بين عام ١٥٠٠ ق. م حتى ظهور الإسلام ثلاث دول هي بالترتيب: الدولة المعينية، الدولة السبئية، الدولة الحميرية. وعند ظهور الإسلام اعتنق أهل اليمن الإسلام، وعيّن الرسول ﷺ الولاة والعمال على اليمن وكذلك فعل الخلفاء الأوائل من بعده ﷺ، فكان كل والٍ يحكم منطقة أو مخلافاً من مخاليف ولاية اليمن، واستمر الأمر كذلك أيام الأمويين والعباسيين والعثمانين أيضاً. إلا أنه ومع مطلع القرن التاسع عشر الميلادي بدأت الأوضاع في الخلافة العثمانية تزداد سوءا يوما بعد يوم. وكان السبب الرئيسي في ذلك هو تآمر الدول الأوروبية عليها، فقد تبنت هذه الدول وعلى رأسها بريطانيا أسلوب إثارة النعرات القومية، والنزعات الانفصالية في دولة الخلافة، وركزت على العرب والترك بشكل خاص. وبدأت السفارات الإنجليزية والفرنسية تثير تلك النعرات، وكانت أعمالها بارزة بشكل ظاهر، وخاصة في نجد والحجاز وبلاد الشام وجنوب اليمن. ثانياً: نتيجة لتلك الأحداث وبعد معركة 19 كانون الثاني/يناير 1839م احتلت بريطانيا عدن، وبدأت بالتنسيق مع سلطنات جنوب اليمن، ومن أهم المشيخات الذين نسقت معهم وأقامت علاقات واتفاقيات ومن ثم أوجدت الحدود: 1- سلطنة العبدلي التي تقطن إقليم لَحْج، الممتد في الشمال الغربي من عدن مسافة ٣٣ ميلا طولا، وثمانية أميال عرضاً، وتحد هذه القبيلة من ناحية الغرب قبيلة الصبيحي ومن الشرق قبيلة الفضلي، وتعتبر أراضيها واحة وسط الصحراء بين الواديين الكبير والصغير واللذين يتفرعان من وادي تين. والحوطة هي عاصمة لحج، وفيها يعيش السلطان وعائلته، ولحج ذات مركز متوسط في البلاد ولذا فهي أهم مركز تجاري في المنطقة يجمع فيها سلطان لحج ضرائب جمركية على السفن الراسية في ميناء عدن وعلى كل القوافل التي تمر في أراضي قبيلته وهي في طريقها من عدن إلى مناطق شمال اليمن. 2- الصبيحة: تقع قبيلة الصبيحة على الساحل بين رأس عمران وباب المندب وممتدة شمالا إلى منطقة طور الباحة، وهناك القليل من الزراعة في بعض المناطق التي تتوفر فيها الأودية ولكن معظم أفراد القبيلة رحالة، والصبيحة لا يدينون بالولاء لرئيس أكبر بل ينقسمون إلى عشائر متعددة أهمها الضبياني والمخدومي والمنصوري والرجاعي والرزيقي والأنوري. وغالبية الصبيحة يعتبرون سلطان لحج زعيمهم الأكبر يخضعون لشيخهم. وعاصمة الصبيحة قرية صغيرة تسمى أم رجاء. 3- السلطنة الفضلية: تقع أراضيها في شمال شرق عدن، وتمتد مسافة مائة ميل على طول الساحل من الحدود الشرقية للعبدلي قرب العماد إلى الحد الغربي للعولقي عند المقاطن، وتنقسم أراضيها إلى قسمين كبيرين: أراضي أبين المنخفضة والأراضي المرتفعة في الشمال الشرقي، وتشغل الواحات الخصبة جزءاً صغيراً من محافظة أبين، وميناء شقرة هي عاصمة الفضلي، وتقع بين عدن والمكلا وتبلغ المسافة بين عدن وشقرة نحو سبعين ميلا، وتقع سرية على بعد عشرين ميلا من أراضي شقرة الداخلية وأربعة أميال من الساحل، وسرية عبارة عن حصن يعيش فيه السلطان. كما تقع في أراضي الفضلي عدة قرى أهمها مسمال والأسالة، والطيران والعمودية والكور والعسلة والشريجة وثيران. والفضليون هم أقوى العرب وأشدهم بأساً حول عدن وهم يرغبون دائما في القتال. 4- العقربي: تقطن هذه القبيلة المنطقة الممتدة على طول الساحل من بير أحمد إلى رأس عمران، وكان العقارب فخذا من العبادلة إلا أنهم انفصلوا عنهم عام ۱۷۷۰ م، ولدى العقارب قرية واحدة تسمى بير أحمد وهي تقع على بعد نحو خمسة أميال غربي الشيخ عثمان، وتعتبر مركز السلطان. 5- العوالق: تمتد أراضي العوالق من الحدود الغربية لقبيلة الفضلي إلى الحدود الشرقية للذبيبي إلا أن ميناءي عرقة وحورة السفلى على هذا الساحل يسيطر عليهما شيوخ مستقلون، وتحتل العوالق أكبر مساحة من الأرض بالنسبة للقبائل الأخرى في الجنوب الغربي من الجزيرة العربية؛ إذ تمتد بلادهم نحو مائة ميل شرقاً ومثلها شمالاً. وتنقسم العوالق إلى قسمين: العوالق العليا والعوالق السفلى، وكل منهما تقع تحت حكم سلطان مستقل وتعتبر نفسها سلطنة ومشيخة مستقلة عن الأخرى. 6-الحوشبي: تقع هذه القبيلة شمالي قبيلة العبدلي، وتحدها شمالا إمارة الضالع وجنوباً الصبيحة وقسم من أراضي العبدلي والفضلي، وشرقاً اليافعي. ومن جهة قبائل مديريتي ماوية وخدير من محافظة تعز. والمسيمير عاصمة الحواشب، وهي تقع على بعد نحو خمسين ميلا من عدن، وعلى بعد ۱۲ ميلا من حدود اليمين. وأهم قرى الحوشبي الزائدة والشكعة والنوبة والمهدي والعند ونوبة دكيم وجول مدرم والملاح. وتقوم الحوشبي بإمداد عدن بالحبوب. 7- الأميري: وتقع قبيلة الأميري شمالي عدن على بعد ٩٦ ميلا منها. ويقع جبل جحاف غربي الضالع الذي تقع عليه نحو ثلاثين قرية صغيرة. وتقطن أراضي قبيلة الأميري عدة قبائل أهمها الشاعري والشعبي والحالمين، والحميدي والأحمدي والأزرقي والمحرابي والدكيمي والجليلة والعوابل. 8- المشيخات التي تقطن محافظة حضرموت الساحل والوادي: وهي قبيلة الكثيري والقعيطي والواحدي. فكل هذه المشيخات استطاع الإنجليز إثارة النعرات القبلية والقومية والانفصالية فيهم. وكانت تعطيهم مرتبات شهرية بعد أن أقاموا معها معاهدات واتفاقيات. ومن هنا بدأت هذه الفكرة تترسخ في أذهان الأجيال جيلاً بعد جيل، وكان الغرض من إثارة الإنجليز لهذه الأفكار، احتلال أجزاء كبيرة من البلاد الإسلامية وهدم دولة الإسلام المتمثلة بالخلافة العثمانية وإبعاد أحكام الإسلام عن الحكم والسلطان. ونتيجة لكل تلك الأحداث، وعلى الرغم من محاولة الخلافة العثمانية استعادة المناطق الجنوبية إلى جسمها إلا أن ارتباط مشايخها بمعاهدات مع بريطانيا كان له الأثر الكبير، واستمر الحال بالأخذ والرد بين الخلافة العثمانية وبريطانيا إلى أن تم عزل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه اللّه، وكثرة الأحداث والقلاقل وفي عام 1905م فصلت الحدود الإدارية بين شمالي اليمن وجنوبه. ثم اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 1914م وقد قام الجنرال شو حاكم عدن بإبلاغ السلطان علي بن أحمد بن علي سلطان لحج أن بريطانيا أصبحت في حالة حرب مع الخلافة العثمانية، كما أصدر حاكم عدن منشوراً وعد فيه العرب بالمحافظة على حرمة البلاد المقدسة وحريتها. وقد أبدى السلطان علي امتنانه لهذا الوعد البريطاني بالمحافظة على الأراضي المقدسة، ولا ريب أن موقفه هذا يؤكد أن تلك السلطنات وخاصة سلطنة لحج أصبحت منذ ستينات القرن التاسع عشر وإلى اليوم إحدى دعامات الوجود البريطاني في جنوب اليمن. ثالثاً: البعد السياسي 1- وبعد هدم دولة الخلافة عقب الحرب العالمية الأولى، وتغير الموقف الدولي، وصعود بريطانيا، وانطلاق ما تسمى بالثورات في البلاد الإسلامية، ولكنها لم تنجح لأنها ثورات يقودها أذناب الاستعمار البريطاني والفرنسي. وفي عام 1939م اندلعت الحرب العالمية الثانية واستمرت إلى عام 1945م وعلى إثرها صعدت أمريكا. وبدأت تنادي من منبر الأمم المتحدة حديثة التأسيس بفكرة حق الشعوب في تقرير المصير، وكان هدف الفكرة سياسيا، وهو إخراج الاستعمار الأوروبي القديم من مستعمراته في العالم آنذاك. 2- في عام 1954م بدأت بريطانيا تطرح مشروع اتحاد إمارات الجنوب العربي. وتعرض هذا المشروع لهجوم شديد من مصر واليمن الشمالي بعد عام 1962م. وهذا يدل على أن أمريكا هي بالأساس التي كانت تدير هذه التحركات وهذه الثورات وكان رجلها المعتمدة عليه جمال عبد الناصر. إلا أن الأوضاع لم تستقر لأن مشايخ القبائل في الشمال (حاشد وبكيل) كانوا عملاء لبريطانيا ويتقاضون مرتبات شهرية من السعودية التي كانت آنذاك تحت حكم فيصل بن عبد العزيز وكان تابعا لبريطانيا، وهذا ما سبب أزمة لأتباع أمريكا التي بادرت لعلاج أزمتها لأنها تشكل خطرا مباشرا على عبد الناصر بالذات وهو عمدتها في المنطقة كلها، ولهذا سارع عبد الناصر عام 1964م بالذهاب لليمن وألقى خطابين يهاجم فيهما إنجلترا بشكل عنيف فيقول في أحدهما "بريطانيا التي تنظر إلى ثورتكم بكراهية وحقد ينبغي عليها أن تحمل عصاها وترحل، إننا نعاهد الله ونحن على هذه الأرض أن نطرد بريطانيا من كل جزء من الأرض العربية ولهذا بذلنا الدماء وضحينا بالأرواح حتى حققنا النصر وسنبذل الدماء ونضحي بالأرواح وسنحقق النصر بإذن الله كما حققناه في مصر واليمن". ويذكر في الآخر صراحة أن بريطانيا يجب أن تخرج من عدن الجنوب العربي ومن عمان وأن شعب مصر وشعب اليمن مع الجنوب العربي. وهذا الكلام يراد منه إنذار إنجلترا من أن تقدم على عمل عسكري، وهو يعني أن هناك عملا عسكريا تريد أن تقدم عليه، فأرادت أمريكا تحذيرها فالجيش المصري في اليمن أداة بيد أمريكا لكي ترث إنجلترا في الاستعمار، وفيصل والبدر ومن لفّ لفيفهما أداة بيد الإنجليز لمقاومة أمريكا ولتثبيت نفوذهم وحماية مصالحهم، والصراع يباشره عبد الناصر وفيصل ولكنه صراع بين أمريكا وبين بريطانيا، وكان هذا واضحاً في نشاط بريطانيا في اليمن وقد تجلى في الإمدادات الهائلة التي قدمتها للإمام البدر من مختلف أنواع الأسلحة والمعدات ومن خبراء ومدربين ومن إعداده لهجوم كاسح على صنعاء 1962 - 1968م، وقد وصل الحال بالإمام البدر إلى حد أنه رأى من قوته ما يمكنه من احتلال صنعاء وصرح قبيل عيد الأضحى بأنه سيصلي العيد في مسجد صنعاء الذي صلى فيه صلاة الجمعة. ووصلت الجرأة لدى إنجلترا في البدء بالسلاح لدرجة أنها لما رأت أن منطقة حريب وهي الطريق الهام لتهريب الأسلحة للبدر تقف حجر عثرة في سبيلها هاجمتها بالطائرات ودمرت حصنها لتفتح الطرق أمام تهريب الأسلحة للبدر. 3- في الجنوب وبعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، اتخذت بريطانيا من قضية الجنوب مشروعا استعماريا؛ ففي 12 كانون الثاني/يناير 1963م ألقى الحاكم البريطاني في عدن السير تشارلز جونسون خطاباً بمناسبة افتتاحه دورة المجلس التشريعي وأعلن رسمياً أن سياسة بريطانيا هي الجمع بين عدن والإمارات وأعلن رسمياً انضمام عدن للاتحاد. وهكذا تطورت السياسة البريطانية في المنطقة من سياسة فرق تسد والفرقة بين السلطنات والإمارات والمشيخات إلى سياسة الضم والائتلاف. وكان هذا إثر انتشار أنباء وجود بترول في الجنوب فوجدت بريطانيا أن الأمر يتطلب منها إعادة تنظيم الأوضاع القائمة بحيث يمكنها في النهاية السيطرة الفعلية على مناطق الجنوب، وكيف تواجه أمريكا. وهكذا تتابعت الأحداث في الشمال والجنوب فكان عندما يتوافق العملاء والأتباع من الرؤساء في الشمال والجنوب تستقر الأوضاع. إلى أن جاءت وحدة اليمن الاندماجية وتوافق علي صالح وعلي سالم البيض وكانوا حينها عملاء للإنجليز، وأعلنوا الوحدة الاندماجية بين الشمال والجنوب وبحضور السفير البريطاني وعبد الله بن حسين الأحمر عام 1990م وبعدها بثلاث سنوات قامت الانتخابات البرلمانية في 27 نيسان/أبريل 1993م وحصل فوز ساحق للمؤتمر الشعبي العام. رابعاً: الأوضاع بعد وحدة اليمن الاندماجية وبعد انتخابات 1993م البرلمانية استمالت أمريكا علي سالم البيض وعلي ناصر محمد وانزعجت بريطانيا عندما أدركت أن أمريكا استطاعت استمالتهما بوسائلها المباشرة وغير المباشرة عن طريق مصر والسعودية في عهد فهد وحسني مبارك أوائل التسعينات. مع أن بريطانيا هي التي شكلت عن طريق عملائها ما أطلق عليه اسم "الجبهة القومية في جنوب اليمن" ودعتها لمفاوضات في جنيف ابتداء من 20/11/1967 لتمنحها حكم جنوب اليمن يوم 30/11/1967 بعد رحيل القوات البريطانية، وأصبح البيض حاكماً للجنوب بعد أحداث 1986م بدعم بريطانيا، فسيره مع أمريكا اعتبرته بريطانيا نكراناً للجميل! لذلك قررت إزاحته عن السلطة خاصة وأن لها إمكانية ذلك فرجلها الهالك علي صالح كانت له قوة يحسب حسابها في اليمن وليس في الشمال فحسب. وعلى إثر هذا اندلعت حرب بين قوات الشطرين سنة 1994 ولم يكن قد مضى على توحيدهما سوى أربع سنوات! ولما انتهت الحرب بهزيمة الوحدات العسكرية التي وصفت بـ"الجنوبية" هرب علي سالم البيض، وكذلك علي ناصر محمد إلى خارج اليمن. خامساً: وخلاصة الأمر بعد هزيمة علي سالم البيض، سنة 1994 واستيلاء علي صالح على مقدرات اليمن الجنوبي وتهميش أهل الجنوب واضطهاد الكثير من عسكر الجنوب، فقد تسبب كل هذا في نشوء حركات معارضة متعددة، وتأجيج فكرة الجنوب العربي والدعوة إلى الانفصال وأبرزها ثلاث حركات هي: - الحراك الجنوبي جناح علي سالم البيض وهو متقلب تارة مع أمريكا وعملائها، وتارة يوافق بريطانيا وعملاءها. - الحراك الثوري الجنوبي جناح حسن باعوم وهو مدعوم من أمريكا وأشياعها وخاصة إيران. - المجلس الانتقالي جناح الزبيدي وهو مدعوم من بريطانيا وعملائها وخاصة الإمارات. كما أسلفنا فقد ألقينا الضوء على أهم مواقف بريطانيا تجاه قضايا اليمن الجارية. وإنه لمن المؤلم أن قضايانا يعبث بها الكفار المستعمرون بأدوات صدئة من بني جلدتنا! فتُسفك دماؤنا في اليمن وغير اليمن لمصلحتهم بأدوات محلية وإدارة إقليمية. ونسي هؤلاء أو تناسوا أموراً لو عقلوها لبكوا دماً من سوء ما فعلوا: فالله القوي العزيز قد نهى نهياً جازماً عن أن يركن المسلم إلى الكفار ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، ورسول الله ﷺ يقول عن سفك الدماء بغير حق إنها أعظم عند الله من زوال الدنيا، أخرج الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» وأخرجه ابن عساكر في معجمه وقال هذا حديث حسن، فكيف وهي تُزهق لمصلحة الكفار المستعمرين؟! إنها لجريمة عظيمة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾. ومع ذلك فإن اليمن التي وصفها رسول الله ﷺ ببلد الإيمان والحكمة لا تخلو من رجال مؤمنين صادقين مخلصين سيقفون بالمرصاد لأولئك الذين يركنون للكفار المستعمرين. وسيعيدون اليمن بإذن الله دار إسلام تستظل براية الإسلام في خلافة راشدة على منهاج النبوة تعيد لها العزة فتكون كما قال ﷺ فيما أورده البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوباً الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ». كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير سليمان المهاجري – ولاية اليمن المراجع: * كتاب سياسة بريطانيا في جنوب اليمن (جاد طه) * نشرات وأجوبة أسئلة لحزب التحرير اقتباس رابط هذا التعليق شارك More sharing options...
Recommended Posts
Join the conversation
You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.