Jump to content
منتدى العقاب

مقالات من المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير - متجدد


Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

وهمُ القوّة والاستكبار

 

 

المستكبرُ لا يرى لحظةَ سقوطه؛ لأنّه غارقٌ في وهمِ القوّة. وهذا ما يُصرّح به ترامب، وهو غارقٌ في وهمه، وكأنّه يستعلي على العالم، مطمئنّاً إلى ما يملك من أسباب القوّة والتفوّق من العوامل المادّية، ناسياً أنّ تلك الأسباب نفسها قد تتحوّل إلى عبءٍ عليه، وأنّ ما يفعله هذا الجَوّاظ، وهو يتباهى بأنّهم يملكون أقوى قوّةٍ ماديّة في العالم، ليس إلا مظهراً من مظاهر الغرور.

 

هكذا جرت سننُ الحياة منذ القدم: صعودٌ يعقبه ثبات، ثمّ انحدارٌ لا يشعر به صاحبُه إلّا بعد فوات الأوان.

 

ولقد قصّ علينا القرآن الكريم أخبارَ أممٍ بلغت من القوّة مبلغاً، ظنّت معه أنّها فوق كلّ الحسابات، كقوم عادٍ وثمود، الذين قالوا في غرورهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فجاءهم الردّ عمليّاً لا نظريّاً، حين انهارت حضاراتهم أمام سنن الله التي لا تُحابي أحداً. لم يكن سقوطهم فجأةً، بل كان نتيجةَ تراكمٍ من الاستكبار، وتجاهلِ الحقّ، والاستخفافِ بالقيم التي تحفظ التوازن. وإنّ ما تفعله أمريكا اليوم هو نفسه الذي كنّا نراه، أو شبيهٌ به.

 

فترامب طاغية العصر، يتباهى بما فعلته آلته العسكريّة من دكّ مدن المسلمين، وتدميرها، وهو يعلم جيّداً أنّ هذا لم يكن ليحصل لو كان للمسلمين دولةٌ تدافع عنهم، وتحمي حقوقهم، وتصون كرامتهم.

 

فبعد أن مزّقوا عرشَ المسلمين، بدأوا يعربدون ويصولون في بلادنا، بمساعدة نواطير نصّبوهم حكاماً علينا، ففتحوا لهم الأجواء لتكون قواعدَ وثكناتٍ عسكريّةً لطائراتهم، وقواعدَ لصواريخهم التي تدكّ مدن المسلمين. حكّامٌ مجرمون بعثروا ثروات المسلمين، وأعطوها لأعدائهم ليُموّلوا أساطيلهم لشنّ الحروب عليهم.

 

ما كان هذا ليحصل لو كانت هناك أمّةٌ تدافع عن كرامة أبنائها. لقد كانت الأمّة الإسلاميّة سفينةً واحدة، يرفرف على جسدها النور، ويسري فيها نبض الإيمان. حينها لم يكن المسلمون مجرّد شعوبٍ متفرّقة، بل كانوا كالجسد الواحد؛ العدلُ كان قانونهم، والكرامةُ درعهم، والوحدةُ قوّتهم.

 

أيّها المسلمون: حين فقدنا وحدتنا، فقدنا القدرة على حماية أنفسنا من المعتدين. فما يحصل اليوم، ونحن نُغزى في عُقر ديارنا، لهو علامةٌ فارقة على الضعف والوهن الذي أصابنا جرّاء تخلّينا عن دولتنا وعزّنا.

 

ربّما يتصوّر الغرب، وعلى رأسهم الشيطان الأكبر، أنّ موازين القوّة قد استقرّت إلى الأبد، لكنّها في الحقيقة تكون قد دخلت أخطر مراحلها؛ هناك حيث يبدأ التآكل، وتتحوّل عوامل القوّة إلى أسباب ضعف، حين يعلو صوت الغرور.

 

وهذا المعنى لا يقتصر على الماضي، بل يتكرّر في كلّ زمان؛ فالدول حين تبلغ ذروة قوّتها، وتظنّ أنّ التاريخ انتهى عندها، وأنّ موازين القوّة قد استقرّت إلى الأبد، تكون قد بدأت العدّ التنازليّ لسقوطها. إنّ هذه السنّة ليست مجرّد فكرةٍ وعظيّة، بل حقيقةٌ تشهد لها الوقائع؛ فكم من قوّةٍ عظيمةٍ سادت ثمّ بادت، وكم من أمّةٍ ضعيفةٍ نهضت حين أخذت بأسباب القوّة. فلا دوام للهيمنة، ولا خلود للسطوة، وإنّما هي الأيّام دولٌ تتعاقب، يرفع الله بها أقواماً ويضع آخرين، وفق ميزانٍ دقيقٍ لا يتبدّل.

 

ولعلّ أخطر ما يُصيب أيّ قوّةٍ هو أن تظنّ نفسها استثناءً من هذه السنن، فتغترّ بما لديها. وهذه أمريكا الباغية العاتية تُجسّد هذه الحقيقة. فالبقاء ليس للأقوى فقط، فحضارتهم القذرة عفّنت الإنسانيّة، وجرائمهم التي تضجّ بها فضائحهم قد ملأت العالم.

 

أيّها المسلمون: إنّ مجد أمّتكم، ومفاخر آبائكم، ومآثر أسلافكم، وتاريخكم المشحون بالكنوز القيّمة، كلّ أولئك يناديكم أن تُعيدوا مجدكم، وأن تتركوا عوامل التفرقة، لتُحرّروا أنفسكم وبلدانكم، وتنقذوا إخوانكم من القتل واستباحة الدماء والأموال.

 

إنّ أمريكا ويهود خالفوا كلّ شريعة، وكلّ مذهبٍ إنساني، ولم يحفلوا بغير شريعة الحيوان، ولم يبقَ إلّا أنتم، الذين علّم آباؤهم هذا المستكبر الجَوّاظ في عالم الغرب كيف يُحطّم الأغلال ويفتّت القيود. أنتم الذين أعلى نظامكم الخالد حقوق الإنسان، وطبّقوه قبل أكثر من أربعة عشر قرناً؛ فلا تَأبَهوا هازئين، وفوق رؤوسكم سيف أمريكا مُسلّطاً يأخذ الأبصار.

 

هلمّ، فهذا الرائد الذي لا يكذب أهله يدعوكم إلى سفينة النجاة، إلى العودة لاستعادة عزّكم ومجدكم العريق، لتشحذوا العزائم، واستبقوا الصراط إلى العلا والسؤدد، وانشروها على أجنحة النسائم.

 

شعاركم مرحباً بالتاريخ يعيد نفسه، ويدعونا إلى ما نشأنا عليه من أحداث، وما عُرف لنا من مواقف، ليكتب الأبناء والأحفاد صحف المجد بأيديهم، مثلما كتبها آباؤهم وأجدادهم، ويُهيّئ لنا فرصةً لتتقدّم هذه الأمّة، ولترفع راية المجد على أعلى قمّةٍ في علياء الحياة المجاهدة. والعاقبةُ للتقوى.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

Link to comment
Share on other sites

  • Replies 569
  • Created
  • Last Reply

Top Posters In This Topic

  • صوت الخلافة

    570

بسم الله الرحمن الرحيم 

إقرار قانون إعدام الأسرى إهانة للأمة الإسلامية كلها

وفصل جديد من فصول غطرسة كيان يهود

 

 

صادقت الهيئة العامة لمجلس النواب في كيان يهود المسماة بالكنيست، مساء يوم الاثنين، بالقراءتين الثانية والثالثة، على قانون إعدام الأسرى، وذلك بتأييد رئيس الحكومة نتنياهو، وبأغلبية 62 صوتا، مقابل 48 معارضا. ويقضي القانون بفرض عقوبة الإعدام على من "يتسبب عمداً بمقتل إنسان في إطار عمل يُصنف على أنه عمل إرهابي". كما ينص المشروع على عدم إمكانية منح عفو في مثل هذه الحالات، وهو يسري بأثرٍ رجعيّ، ليفتح الباب أمام تنفيذ أحكام إعدام جماعية بحق مئات الأسرى، خصوصاً أولئك الذين اعتقلوا منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. وهو ما يجعله قانونا ليس بهدف الإخافة من مقاومة الاحتلال، بل تلبية لعقدة النقص وشهوة العنصرية المتخمرة عند يهود.

 

إن المصادقة على هذا القانون أقل ما يقال عنها إنها إهانة للأمة الإسلامية. فإن الشعوب اليوم تستحي أن تثبت عليها جرائم بحق أسرى الحروب الذين لديها، وهي تتهرب من تهم التعذيب وحوادث الموت تحت التعذيب. بل إن من الدول الكبرى صاحبة التاريخ الاستعماري من أصدرت القوانين التي تلزم فيها نفسها أن تدفع التعويضات لذوي أسرى الحروب الذين قتلتهم في الماضي لتثبت لسائر العالم (ولو خداعاً) أنها مترفعة عن مثل هذه الممارسات، كما هو الحال في بريطانيا واليابان وألمانيا وأمريكا وغيرها. هذا وعلى مر كل فترة صراع الأمة الإسلامية مع كيان يهود، كانت الأمة تعيد أسرى جنوده إليه سالمين معافين.

 

رغم ذلك وبكل وقاحة فاقت التصور، يصدر كيان يهود قانونا يسمح بقتل أسرى الحرب عنده! ليس هذا وحسب بل إن أبالسة سياسييه قد فصّلوا القانون واختاروا عباراته بحيث ينطبق على المسلمين أولا. وكأن الأمة الإسلامية ليست من جنس البشر، بل إن لسان حال هذا القانون يقول بأن شباب المسلمين عندهم كالمواشي المعدّة للذبح على موائد الاستعمار وأذنابه!

 

إن الأمة الإسلامية قد بنت حضارة بوحي من عند الله عز وجل، عمرت بها الأرض واستنارت بها البشرية من دياجير الجهل والحيوانية وملأت الدنيا خيرا ورفعة. إن أمة كهذه عمرها قارب ألفاً وخمس مائة سنة، لا يليق بها أن يجري بحقها كل هذا الإذلال وجيوشها بالملايين منتشرة في القارات، وشبابها ممتلئ بالحياة يكد ويتعب ليله ونهاره ليطعم هذه الجيوش وينفق على عتادها ويعمل لبناء بلاده.

 

قلناها سابقا ونعيدها اليوم، لقد ضاقت الأمة ذرعا بخذلان جيوشها مع غطرسات هذا الكيان الوضيع. فهو ليس إلا فأرا جبانا يختبئ في جيب أمريكا. يطل برأسه ليبصق على الناس أو ليسرق لقمة من قصعة الأمة الإسلامية، فإن حمي الوطيس اختبأ وعلا صراخه. فلا يليق بأمة قد سمت أبناءها حمزة وعمر وعلياً وخالداً وعبيدة، وعلمتهم سيرة غزوات صلاح الدين ومحمد الفاتح وقطز، وصارعت أكبر الإمبراطوريات فجعلتها أثرا بعد عين، أن تسكت عن مثل هذه الإهانات. وإن الرأي العام في الأمة يستصرخ الجيوش كل يوم قائلا أين أنتم؟! أين أنتم وعيونكم ترى وآذانكم تسمع؟! يكفي تفريطا بالدم والأرض والثروات.

 

إنها حالة من الغطرسة والعلو والإفساد، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾، إذ يستقوون على أسرى عزل لا حول لهم ولا قوة، مخالفين بذلك حتى الأعراف الدولية ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

 

إنّ الفساد والإفساد الذي وصل إليه كيان يهود لم يعد يخفى على أحد، وحتى شعوب العالم من غير المسلمين أدركوا ذلك وشاهدوه بأم أعينهم، وهذا ما سيجعل كيانهم بلا سند ولا بواكي عند المواجهة القادمة مع الأمة قريبا إن شاء الله، فسارعوا أيها المخلصون في جيوش الأمة لإعادة سلطان الأمة إليها لتتحرك تحت قيادة خليفتها الراشد صوب الأرض المباركة فلسطين محررةً إياها ومخلّصة العالم من شرور يهود. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس صلاح الدين عضاضة

مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الذكاء الاصطناعي بين منطق الحرب ومنطق الأخلاق

 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية، بل أصبح أحد أهم عناصر القوة في النظام الدولي، ومع تسارع إدخاله في المجال العسكري برزت توترات عميقة بين المؤسسات العسكرية التي تسعى إلى تعظيم القوة تكنولوجياً، والشركات التي تحاول فرض قيود أخلاقية على استخدام منتجاتها. ويجسد الخلاف بين وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) وشركة أنثروبيك نموذجاً واضحاً لهذا الصراع، حيث جاء عبر الجزيرة نت بتاريخ 6 آذار/مارس 2026 خبر بعنوان: بعد رفضها التعاون عسكرياً... البنتاغون يصنف شركة أنثروبيك كشركة خطر على سلاسل التوريد (أي منع الشركات المتعاقدة مع الحكومة من استخدام منتجاتها)، في خطوة غير مسبوقة.

 

في المقابل، أكدت شركة أنثروبيك أنها ستطعن في القرار أمام القضاء، معتبرة أن تصنيفها كخطر على سلاسل التوريد إجراء غير سليم قانونياً، ولم يسبق أن طُبق على شركة أمريكية، ولأول مرة تستخدمه واشنطن ضد شركة أمريكية.

 

وفي ظل هذا النزاع، تسعى شركات أخرى إلى ملء الفراغ المحتمل في تزويد الجيش الأمريكي بتقنيات الذكاء الصناعي، مع العلم أن أمريكا استخدمت بالفعل تقنيات شركة أنثروبيك لتحليل البيانات والصور الاستخباراتية في مهام تتعلق بتحديد مواقع انتشار القوات أو تخطيط العمليات العسكرية، بما في ذلك عمليات مرتبطة بالحرب المتصاعدة اليوم في إيران، وفق مصادر مطلعة.

 

وفي الوقت نفسه، تتوقع كل من شركة أوبن إيه آي وإكس إيه آي التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة السرية.

 

ولكن السؤال: هل صحيح أن الخلاف مع الشركة هو خلاف أخلاقي كما جاء في الجزيرة، مع العلم أننا نعلم أن كل الشركات الغربية مبنية على النظام الرأسمالي، ولا يهمها إلا المنفعة ما دامت المادة الاقتصادية تجني أرباحاً، دون النظر إلى ما إذا كان ذلك أخلاقياً أم غير أخلاقي؟

 

ووفق وثائق رسمية قدمتها الحكومة الأمريكية في المحكمة، فإن الخلاف هو نزاع تعاقدي، وليس قضية حرية تعبير أو أخلاق فقط. وكما جاء عبر رويترز في 18/3/2026، حيث قالت وزارة العدل إن رفض الشركة قبول شروط العقد الحكومي لا يُعد موقفاً سياسياً، بل خلافاً تجارياً بحتاً. وجاء أيضاً في صحيفة تايمز أوف أمريكا في التاريخ نفسه 18/3/2026: (قدمت وزارة العدل الأمريكية رداً من 40 صفحة على دعوى شركة أنثروبيك يوم الثلاثاء، بحجة أن رفض الشركة الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي توقيع عقد يسمح بأي استخدام قانوني لنماذج كلود الخاصة بها من قبل الجيش هو نزاع تجاري، وليس قضية حرية التعبير، وأن البنتاغون كان ضمن حقوقه تماماً في قطع العلاقات مع الشركة).

 

حيث إن هناك شرطاً في العقد يسمح للحكومة باستخدام الذكاء الاصطناعي في أي استخدام قانوني، ولكن الشركة رفضت هذا البند، ورغم أن الإعلام يركز على الأخلاق، إلا أن جوهر العقود العسكرية ينشأ الخلاف فيها حول توسيع الاستخدام، والذي يساوي زيادة التكلفة. وكان العقد بقيمة عالية تقارب 200 مليون دولار، وهو الآن مهدد بالإلغاء، حيث نُشر في صحيفة رويترز بتاريخ 27/2/2026: (الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك يقول إنه لا يستطيع الموافقة على طلب البنتاغون بنزع ضمانات الذكاء الاصطناعي).

 

إذاً، الخلاف في حقيقته خلاف تعاقدي مؤكد رسمياً، وخلاف مالي ضمنياً حول من يتحمل تكلفة هذا التوسع، وخلاف أخلاقي عبّر عنه الإعلام فقط، وليس هو أصل المشكلة.

 

ولذلك، فإن الخلاف ليس صراعاً بين الأخلاق والحرب، بل صراع على شروط التوسع ومن يدفع التكلفة؛ فموقف البنتاغون يتمثل في الرغبة باستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل الأهداف، وإدارة المعارك، ودعم الجنود ميدانياً، أي السعي لإدخال الذكاء الاصطناعي في كل منظومات الحرب تقريباً: الاستطلاع، والضربات، والقرار العسكري. أما الخلاف الذي ترفضه الشركة، فهو استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة ذاتية القتل دون تدخل البشر، وهو أمر لم يتم الاتفاق عليه، كما أنه مكلف جداً.

 

إذاً، نحن على أعتاب أزمة حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهذه الأزمة تكشف عن خلل بنيوي في إدارة التكنولوجيا العسكرية، حيث يشير الخبراء إلى أن الأطر القانونية الحالية غير كافية لتنظيم الذكاء الاصطناعي العسكري، وأن العقود مع الشركات لا يمكن أن تعوض غياب أنظمة حوكمة حقيقية.

 

حيث إن مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي العسكري سوف تؤدي إلى تآكل السيطرة البشرية على القرار العسكري، وتسارع غير محسوب في وتيرة الحروب، واحتمالات الخطأ الكارثية في بيئات معقدة، وبداية سباق تسلح ليس نووياً بل خوارزمي.

 

ومع الأسف، فإن انتقال البشر من حرب تُدار بالقرار البشري إلى حرب تُدار بالخوارزميات، ومن سيادة الدولة المطلقة إلى واقع تتقاسم فيه السلطة مع الشركات التكنولوجية، يمثل تحولاً خطيراً.

 

واليوم، تتداخل الحسابات المالية مع الاعتبارات الأخلاقية لتكشف أن ما يبدو خطأً مبدئياً يخفي في جوهره صراعاً على النفوذ والتكلفة والتحكم.

 

فعليه، فإن هذا النزاع لا يمثل خلافاً عابراً، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة تتشكل فيها الحروب، ليس فقط في ميادين القتال، بل في بنود العقود وخوارزميات القرار.

 

إن تطلع الرأسمالية ليس تطوراً بحد ذاته مع الحفاظ على الأخلاقيات، ولا أن تكون التكنولوجيا وسيلة لتحقيق نوع من الرفاهية للبشر، بل تعمل على استخدام هذه التكنولوجيا في إبادة البشر للحصول على السلطة والمال، وإن هذا المبدأ لا يحمل من الأخلاق أي شيء، فالعالم اليوم بحاجة إلى مبدأ جديد يزيحه.

 

إن مبدأ الإسلام، متمثلا في دولة الخلافة، مجرد وجودها على الساحات الدولية يمنع أن تصل الأمور إلى هذا الحد، حيث يكون الإنسان فيها أداة للتجربة وموته نتيجة لها!

 

المبدأ الإسلامي هو مبدأ رباني يمنع أي شيء يسلب الإنسان إنسانيته، ويضمن العيش تحت أوامر الله التي تحقق العدل والنور والرفاهية، وتحفظ حقوق البشر من حق العيش إلى حق عدم التجسس عليه وغيرها كثير.

 

المبدأ الإسلامي هو الوحيد الذي يستطيع تخليص البشرية من جشع وعهر الرأسمالية، لذلك نجد الهجمة شرسة على بلاد المسلمين وعلى حملة الدعوة والعاملين لإعادة استئناف الحياة الإسلامية، لأن الكفار يعلمون أنه بمجرد ظهور هذه الدولة وإعلان قيامها يبدأ العد التنازلي لزوالهم على يديها زوالاً لا رجعة فيه.

 

لذلك نراهم يحرفون البوصلة كلما ضاقت الشعوب ذرعا وتحركت ولكن الحمد لله أن هناك حزباً يحمل قضايا الأمة المصيرية وأهمها عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كما بشرنا بها رسول الله ﷺ.

 

إن حزب التحرير بقراءته العميقة منذ إنشائه على يد الشيخ الجليل المجتهد المطلق الأزهري تقي الدين النبهاني رحمه الله ومن تبعه من بعده حتى اليوم قد أعد للأمة مشروعا كاملا متكامل منبثقا عن الكتاب والسنة وأعد رجال دولة من الطراز الرفيع الذين سوف يعينون الأمة على الوصول إلى بر الأمان واستئناف الحياة الإسلامية وينشرون نور الإسلام وعدله وينقلون العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الرأسمالية وظلمها إلى عدل الإسلام ونوره.

 

 قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

آسيا الوسطى في ميدان التنافس الجيوسياسي

 

لم تعد آسيا الوسطى منطقة هامشية في السياسة العالمية، بل تحوّلت إلى ميدان تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى. وتكتسب المنطقة أهميتها ليس بسبب موقعها الجغرافي ومواردها وممراتها النقلية فحسب، بل أيضاً بسبب البنية الدينية العميقة في مجتمعها.

 

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأت المنطقة تعود من جديد إلى الإسلام. وهذا يعد بالنسبة للمستعمرين خطراً مبدئياً محتملاً وعاملاً سياسياً يستدعي تشديد السيطرة. غير أنّ اهتمام المنطقة بالإسلام لم يظهر عام 1991 فحسب، بل إن آسيا الوسطى كانت عبر القرون جزءاً لا يتجزأ من البلاد الإسلامية.

 

فقد كانت فيها دول خانية مثل بخارى وقوقند وخيوة، وكانت تبني أنظمة حكمها على أحكام الشرع. وكانت الشريعة تنظم العلاقات الأسرية والتجارة والقضاء. كما أن مكانة القضاة الشرعيين والعلماء لم تكن أقل من مكانة الحكام.

 

وقد أسهمت المدارس الشرعية في تشكيل البيئة الفكرية، وكانت المنطقة جزءاً من إطار الحضارة الإسلامية الواسعة التي امتدت من الخلافة العثمانية حتى الهند. وقبل الحكم السوفيتي كانت المنطقة تعرف باسم تركستان.

 

إن دخول المنطقة في إطار الإمبراطورية الروسية، ثم قيام حكم الاتحاد السوفيتي، أدّى إلى نشوء تعارضٍ حضاري حاد. فقد عمل النظام السوفيتي على إقصاء الدين من بنية الحكم ومن النظام الاجتماعي. فتم القضاء على العلماء، وأُغلقت المساجد، ووُضع رجال الدين الرسميون تحت الرقابة، كما جرى تقليص التعليم الديني إلى الحد الأدنى. ولم يعد الإسلام مصدراً للتشريع، بل حُصر في كونه مظهراً فرديا فقط. وحلّ مكان النخبة الدينية كوادر الحزب، وهكذا فرض على المنطقة بشكل كامل نموذج علماني إلحادي.

 

ومع ذلك، بقي الإسلام حيّاً في قلوب الناس ولم يندثر تماماً. فقد حُفظ في التقاليد العائلية والعادات الاجتماعية والذاكرة الجماعية. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، بدأ الناس بصورة طبيعية بالعودة إلى هويتهم الدينية؛ فبُنيت المساجد على نطاق واسع، وافتُتحت المدارس الشرعية، وازداد عدد الملتزمين بالدين بشكل ملحوظ، وبدأ الناس يبحثون عن سند في تاريخهم وثقافتهم، فعادوا إلى القيم التي منعت طويلاً. بل إن الإسلام بدأ يؤثر حتى في مسارات الدول التي نشأت حديثاً تحت راية الاستقلال.

 

وهذا المشهد التاريخي بالذات هو ما يزيد تعقيد الوضع الراهن؛ فالأمر هنا لا يتعلق بإدخال مبدأ جديد أو نشره، بل بالعودة إلى القيم التي شكّلت المنطقة عبر قرون طويلة. غير أنّ هذه العملية تجري في ظل تأثير السياسة العالمية، وتنافس القوى الكبرى، والتقنيات الحديثة للرقابة التي يستخدمها خصوم الإسلام. ولذلك فإن موقف جميع القوى الخارجية من الإسلام، سواء أكانت روسيا أو الصين أو الدول الغربية، يقوم في المقام الأول على حماية أمن أنظمتها.

 

إن قدرة الإسلام على منافسة هذه الأنظمة في الميدان السياسي، وعلى تقديم حلول حقيقية لمشكلات الحياة اليومية، تشكّل بالنسبة لهم تهديداً جدياً. ولم ينسَ سكان المنطقة قوة الإسلام التي تقود إلى التقدم والعيش الكريم. وهذا ما يُجبر القوى الاستعمارية على أن تأخذ في الحسبان احتمال تحوّل الإسلام إلى بديل سياسي للأنظمة العلمانية القائمة.

 

وهكذا تقف آسيا الوسطى اليوم عند تقاطع ثلاثة خطوط تاريخية: الحضارة الإسلامية، والبنية السوفيتية الإلحادية، والتنافس العلماني الغربي. وبالنظر إلى كل ذلك، فإن عامل الإسلام يشكل أساساً عميقاً لهويتها التي بدأت اليوم من جديد بالظهور. وانطلاقاً من ذلك، سنستعرض فيما يلي عوامل التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في آسيا الوسطى:

 

روسيا:

 

بالنسبة لروسيا، لا تعد آسيا الوسطى مجرد منطقة مجاورة. فعلى مدى المائة والخمسين سنة الماضية ترسخ في الوعي الاستراتيجي الروسي تصور يعتبر آسيا الوسطى حديقة خلفية تاريخية، وأن غيابها يجعل بنية الدولة الروسية تبدو ضعيفة.

 

ولذلك فإن فقدان النفوذ في المنطقة لا ينظر إليه على أنه مجرد تراجع جيوسياسي، بل كخطوة قد تؤدي إلى توترات داخلية واحتمال التفكك.

 

ولا يزال الكرملين يحاول التمسك بالفكرة الإمبراطورية التي تجعله المحدد لقواعد اللعبة في الفضاء ما بعد السوفيتي. وتعمل روسيا على فرض نفسها في المنطقة باعتبارها ضامناً للأمن، وحكماً في النزاعات، ومركزاً رئيسياً لاتخاذ القرار. وأي محاولة من دول آسيا الوسطى لبناء سياسة مستقلة متعددة الاتجاهات أو لتعميق التعاون مع القوى الغربية تثير في موسكو القلق، وغالباً ما تقابل بردود فعل قاسية.

 

كما أن الاهتمام الذي تبديه أمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي لا ينظر إليه بوصفه منافسة طبيعية، بل كامتداد للتوسع داخل حدود ما تسميه روسيا "مجال مسؤوليتها التاريخية". ووفق منطق الكرملين، فإن خسارة آسيا الوسطى تعني ازدياد الضغوط الخارجية، ونمو النزعات الانفصالية داخل روسيا نفسها. ولهذا السبب فهي تسعى إلى الاحتفاظ بالمنطقة بأي ثمن.

 

ومن خلال هياكل مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تعمل روسيا على ضبط التعاون في مجال مكافحة (الإرهاب)، وتنظيم المناورات المشتركة، وتنسيق قوائم المنظمات المحظورة، وتبادل المعلومات. كما يشارك الخبراء الروس بشكل مباشر في تقديم المشورة للأجهزة الأمنية في المنطقة، ويدعمون توجهاً يقوم على فرض رقابة صارمة على البنية التحتية الدينية، وتقييد الجماعات الإسلامية المستقلة، وتعزيز دور رجال الدين الخاضعين لإشراف الدولة.

 

كما يخلق عامل الهجرة توتراً إضافياً. فالملايين من أهل آسيا الوسطى يعملون في روسيا، وتشكل تحويلاتهم المالية دعماً مهماً لاقتصادات بلدانهم. غير أن سياسة تشديد نظام الهجرة داخل روسيا آخذة في التزايد، حيث تُفرض حصص محددة، وتُكثَّف عمليات التفتيش، وتُنفَّذ عمليات الترحيل، وتُفرض قيود على فرص العمل. ولا تقف وراء هذه الإجراءات دوافع اجتماعية واقتصادية فحسب، بل يكمن خلفها أيضاً الخوف من خروج التنظيم الديني المستقل عن السيطرة. فالبلاد الإسلامية القادرة على التنظيم الذاتي تنظر لها النخبة الروسية كمصدر محتمل لعدم الاستقرار السياسي. وهكذا ينشأ وضع متناقض: فروسيا تحتاج اقتصادياً إلى العمالة القادمة من المنطقة، لكنها في الوقت نفسه تحد من تدفقها خوفاً من النتائج الديموغرافية والمبدئية طويلة المدى. وهذا الوضع يزيد العلاقات تعقيداً ويعزز التوتر الكامن.

 

وخلاصة القول، إن استراتيجية روسيا في آسيا الوسطى تقوم على ثلاثة دوافع مترابطة: الحفاظ على المكانة الإمبراطورية، ومنع ظهور مراكز نفوذ بديلة، وإخضاع العامل الإسلامي لرقابة صارمة.

 

ويسعى الكرملين إلى إبقاء المنطقة ضمن دائرة نفوذه ليس للحفاظ على مكانته في السياسة الخارجية فقط، بل أيضاً كوسيلة لمنع نشوء عمليات التفكك الداخلي. ووفق التفكير الاستراتيجي الروسي، فإن فقدان "الحديقة الخلفية" يعادل ازدياد الشقوق داخل الاتحاد الذي يعاني أصلاً من ضعف مبدئي. ولهذا السبب تتسم سياسة موسكو في هذه المنطقة بالحساسية الشديدة والعناد، وغالباً ما تتخذ طابعاً غير قابل للتسوية.

 

الصين:

 

بالنسبة للصين، لا تُعد آسيا الوسطى مجرد منطقة مجاورة، فهي قبل كل شيء جسرٌ بريٌّ يصل إلى الشرق الأوسط وأوروبا، وشريان للطاقة، ومنطقة عازلة حول تركستان الشرقية الإسلامية التي كانت في وقت من الأوقات جزءاً من فضاء واحد. وبالنسبة لبكين، تكتسب الجغرافيا أهمية استراتيجية، إذ إن استقرار حدودها الغربية يرتبط مباشرة بوحدة الدولة الداخلية.

 

ويتمثل الاتجاه الرئيسي في سياسة الصين في تحييد العامل الإسلامي في منطقة تركستان الشرقية الأويغورية. فقد أنشأت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أوسع منظومات مراقبة المسلمين وملاحقتهم. ووفقاً لتقديرات منظمات حقوق الإنسان الدولية، أقيمت هناك سجون مفتوحة تسمى "مراكز التعليم المهني" تضم عدة ملايين من الأشخاص. كما نشرت منظومات كثيفة من المراقبة بالفيديو، وتستخدم أدوات الاستطلاع الرقمي وتحليل البيانات ومراقبة الاتصالات لمتابعة السلوك. وإلى جانب هذا النظام الصارم من الرقابة، فرضت قيوداً على الأنشطة الدينية، وشددت إجراءات التحكم في مواليد المسلمين، كما حظرت التعليم الديني خارج إطار النظام الحكومي.

 

ومن المهم الإشارة إلى أن الصين لا تسعى إلى تصدير المبدأ الشيوعي إلى آسيا الوسطى. فاستراتيجيتها لا تقوم على التوسع المبدئي، بل على اكتساب النفوذ الاقتصادي وفرض السيطرة التكنولوجية. غير أن سياستها الداخلية القائمة على القمع الشديد لأي تنظيم إسلامي مستقل تفتح عملياً المجال أمامها لتطبيق النهج نفسه خارج حدودها عندما ترى أن ذلك ضروري لحماية استثماراتها وبنيتها التحتية.

 

ومن خلال مشروع الحزام والطريق، تمكنت الصين من التغلغل بعمق في اقتصاد المنطقة. فقد جرى بناء وتحديث الطرق السريعة وممرات السكك الحديدية التي تربط الصين بأوروبا عبر قرغيزستان وكازاخستان. كما يجري إنشاء خط السكك الحديدية الصين - قرغيزستان - أوزبيكستان. وتم تشغيل خطوط أنابيب الغاز القادمة من تركمانستان إلى الصين عبر أوزبيكستان وكازاخستان. كما جرى توسيع الموانئ الجافة على الحدود الكازاخية الصينية، ومنها عقدة خورغوس. وتُموّل مشاريع الطاقة وخطوط الكهرباء والمناطق الصناعية. وتشارك الشركات الصينية في استخراج النفط واليورانيوم، وفي بناء مصافي النفط ومصانع الإسمنت، إضافة إلى إنشاء المراكز اللوجستية.

 

وقد أصبحت القروض إحدى الأدوات الرئيسية للتأثير. فالبنوك الصينية تقدم قروضا بمبالغ كبيرة بضمانات حكومية ما يزيد من مستوى الاعتماد المالي. وفي الوقت نفسه، تحاول الصين أن تبدو وكأنها لا تتدخل علنا في السياسات الداخلية لدول المنطقة وتحترم سيادتها، غير أن سياستها لا تنفذ عمليا إلا في ظل الحفاظ على الاستقرار وضمان حماية مصالحها.

 

وفي الوقت ذاته، لا تنتشر البنية التحتية وحدها، بل ينتشر معها أيضا نموذج أمني. فقد أُبرمت اتفاقيات لتبادل المعلومات حول الجماعات المشكوك فيها، كما يجري توريد تقنيات المراقبة، وكاميرات التعرف الرقمي على الوجوه، ووسائل الرقابة السيبرانية. وتقوم الصين بتدريب خبراء الأمن وتوسيع الروابط بين الأجهزة الأمنية. ويتميز نهجها بطابع براغماتي؛ فبالنسبة للصين يعد الاستقرار أكثر أهمية بكثير من الحرية.

وعلى خلاف الإمبراطوريات الكلاسيكية، فإن الصين لا تسعى إلى فرض سيطرة شكلية مباشرة، لكنها تعمل على تشكيل مستوى من الاعتماد يجعل القرارات السياسية لدول المنطقة مضطرة إلى مراعاة المصالح الصينية ولا يمكنها الإفلات منها.

 

فإذا كانت روسيا تحافظ على نفوذها في المنطقة من خلال المنطق التاريخي والعسكري، فإن الصين ترسخ حضورها عبر الاقتصاد والتكنولوجيا. وأهدافها طويلة الأمد، وأساليبها منهجية. وتكمن خصوصية تعامل الصين مع آسيا الوسطى في الجمع بين القمع الشديد لأي تنظيم إسلامي مستقل داخلياً، وبين التوسع الاقتصادي البراغماتي.

 

الولايات المتحدة:

 

بالنسبة لأمريكا، لم تكن آسيا الوسطى يوماً موضوعاً هامشياً بالكامل، لكنها أيضاً لم تتحول إلى أولوية من الدرجة الأولى. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي بدأت تنخرط في عمليات المنطقة من خلال برامج دعم الاستقلال، والأمن النووي، وتنويع مصادر الطاقة. وخلال تسعينات القرن الماضي سعت إلى تقليص اعتماد المنطقة على روسيا، فاستثمرت في نزع السلاح النووي في كازاخستان، وتعزيز أمن الحدود، وتطوير مسارات بديلة لتصدير النفط والغاز.

 

وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 ازداد اهتمامها بشكل حاد. إذ تحولت آسيا الوسطى إلى قاعدة خلفية للعمليات في أفغانستان، وتم نشر منشآت عسكرية في أوزبيكستان وقرغيزستان، وتعزز التعاون في مجالات الأمن والتنسيق في مكافحة الإسلام.

 

غير أنه مع تقليص الوجود العسكري في أفغانستان بدأ اهتمام أمريكا بالمنطقة يتراجع. وبحلول منتصف العقد الثاني من الألفية، تحول تركيزها نحو الشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وعادت تعامل آسيا الوسطى كاتجاه ثانوي. وقد أدى ذلك إلى إغلاق القواعد العسكرية وانخفاض مستوى النشاط ما جعل روسيا تفرح، وانتقلت العلاقات بشكل أساسي إلى الطابع الدبلوماسي والاقتصادي.

 

وبعد انسحاب قواتها من أفغانستان عام 2021 عادت أمريكا إلى المنطقة برؤية مختلفة، إذ لم تعد تنظر إليها كمنطلق عسكري، بل كعنصر لاحتواء روسيا والصين. وتم تعزيز صيغة C5+1 التي تجمع بين دول آسيا الوسطى الخمس وأمريكا. وفي عام 2023 عقد لقاء بين قادة المنطقة ورئيس أمريكا على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكان ذلك تأكيداً رمزياً على عودة الاهتمام. وقد نوقشت خلاله قضايا النقل، والطاقة، والمعادن النادرة، إضافة إلى مسائل الأمن.

 

كما اتسمت زيارات قادة كازاخستان وأوزبيكستان لأمريكا في السنوات الأخيرة بطابع عملي قابل لإنتاج نتائج. فقد وُقّعت اتفاقيات في مجالات الاستثمار والطاقة والمعادن النادرة والتقنيات الرقمية. وتُظهر واشنطن استعدادها لتعميق الشراكة الاقتصادية من دون المطالبة بتحالف عسكري سياسي رسمي. كما تعمل على تنويع العلاقات من خلال تقديم بدائل تقلل الاعتماد على موسكو وبكين، وفتح الطريق نحو الأسواق والتكنولوجيا الغربية. ومع ذلك، فإن التطور الإسلامي ما يزال يثير قلق أمريكا.

 

وتلعب هذه المسألة دوراً مهماً في استراتيجية أمريكا، فهي عبر تقديم نفسها قائداً لضمان الأمن الدولي، تسعى إلى الحفاظ على الأبعاد العالمية لمكافحة التطرف. وفي هذا الإطار، وعلى الرغم من تقليص تمويل بعض البرامج الفكرية، ما يزال التركيز منصبّاً على منع "التطرف"، وبرامج العمل مع الشباب، والمبادرات التعليمية، ودعم المؤسسات الدينية التقليدية.

 

وفي الوقت نفسه تدفع أمريكا بالمبادرات الدبلوماسية الهادفة إلى تطبيع العلاقات في الشرق الأوسط، بما في ذلك اتفاقيات أبراهام. ومن بين دول آسيا الوسطى تشارك كازاخستان في هذه العملية بشكل رسمي. كما تُبذل جهود منتظمة لإدخال المنطقة في حوار حول التعاون مع كيان يهود.

 

لقد مرّت سياسة أمريكا تجاه المنطقة بثلاث مراحل: الانخراط النشط بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ثم التعاون العسكري خلال الحملة في أفغانستان، ثم مرحلة تراجع الاهتمام، وأخيراً العودة البراغماتية الحالية. واليوم لا تسعى أمريكا لفرض هيمنة شاملة على المنطقة. فالهدف الحالي لها هو إبقاء المنطقة ضمن مجال اهتمامها الاستراتيجي دون السماح بوقوعها تحت نفوذ كامل لروسيا أو الصين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على دورها القيادي عالمياً في قضايا الأمن وقضايا الأجندة المرتبطة بالإسلام.

 

بريطانيا:

 

لقد لعبت بريطانيا تاريخياً دوراً أساسياً في تشكيل الواقع الحالي للبلاد الإسلامية وآسيا الوسطى. فقد بذلت لندن جهداً كبيراً في مواجهة الخلافة العثمانية التي كانت تحافظ على نظام الحكم بالشريعة، وقد أسهمت عملياً في تفكيكها. ورغم تراجع قوتها، فإن بريطانيا واصلت تنفيذ مؤامرات معقدة وأعمال تخريبية استهدفت تقويض السلطة الإسلامية الشرعية، ما أدى إلى إضعاف الاستقرار السياسي في مناطق المسلمين.

 

وفي الوقت الحاضر يتجلى نفوذ بريطانيا في المنطقة من خلال العمل مع النخب والقنوات المالية. فما تزال لندن واحدة من أهم المراكز التي تحفظ فيها رؤوس أموال النخب السياسية والاقتصادية في المنطقة. ومن خلال الآليات الاستثمارية، والأدوات القانونية، والبرامج التعليمية، والمنح الجامعية والمنح الدراسية، تعمل بريطانيا على تشكيل بيئة من الكوادر والمتخصصين القادرين على دفع مصالحها إلى الأمام.

 

وعلاوةً على ذلك، تقدّم لندن دعماً استشارياً في إصلاح المؤسسات الحكومية، وتسهم في تشكيل بنية إدارية وقانونية تتوافق مع المعايير الغربية. وهذا يمنحها إمكانية التأثير في السياسات الداخلية لدول المنطقة.

 

أما فيما يتعلق بعامل الإسلام، فإن بريطانيا تتبنى، كعادتها، موقفاً مزدوجاً. فمن جهة تعلن لندن دعمها العلني لدمج الإسلام في المجتمع العلماني. ومن جهة أخرى تواصل بريطانيا معارضة ما تسميه بالتطرف والسياسة الإسلامية بهدف منع تطور الحركات الدينية المستقلة التي قد تشكل تحدياً للنخب القائمة أو لمصالحها الخاصة. ولا تزال لندن تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها عقدة مهمة في استراتيجية كبح عودة النفوذ الإسلامي. وبذلك تستمر بريطانيا في الحفاظ على دورها العدائي في مواجهة الإسلام.

 

الاتحاد الأوروبي:

 

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لم تكن آسيا الوسطى في يوم من الأيام منطقة للسيطرة المباشرة أو الهيمنة الكاملة، بل كانت محل اهتمام بوصفها مجالا للتأثير الاقتصادي والسياسي ومصدرا للموارد. فقد نظرت أوروبا تاريخياً إلى هذه المنطقة على أنها "الفناء الخلفي" لآسيا، منطقة مهمة للتجارة لكنها بعيدة وصعبة الوصول للتدخل المباشر.

 

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تنافست القوى الأوروبية على الوصول إلى النفط والغاز وطرق العبور في المنطقة، لكنها كانت حذرة بسبب معارضة الاتحاد السوفيتي ثم روسيا لاحقاً.

 

وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، انخرط الاتحاد الأوروبي بسرعة في عملية تشكيل نظام اقتصادي وسياسي جديد في المنطقة. وقد ركزت البعثات الأولى على دعم الإصلاحات، والاندماج في المؤسسات الدولية، وتطوير اقتصاد السوق. وكان التركيز الأساسي على معايير الحكم الليبرالي، حيث سعت أوروبا إلى توسيع نفوذها تحت شعارات الشفافية، وتحديث القوانين، ومكافحة الفساد.

 

وخلال تلك الفترة بالذات بدأ الاتحاد الأوروبي في إنشاء صيغ للحوار مع دول آسيا الوسطى، مثل إطار "الشراكة الشرقية"، إضافة إلى إبرام اتفاقيات استراتيجية منفصلة مع كازاخستان وأوزبيكستان وقرغيزستان وطاجيكستان. واليوم تقوم استراتيجيته على التركيز على "القوة الناعمة".

 

فآسيا الوسطى غنية بموارد الطاقة؛ إذ تمتلك كازاخستان احتياطيات كبيرة من النفط، وتمتلك تركمانستان وأوزبيكستان الغاز، وتتوفر في قرغيزستان كميات كبيرة من اليورانيوم والمعادن النادرة. وتشارك الشركات الأوروبية بنشاط في استخراج هذه الموارد ونقلها، وفي الوقت نفسه تعمل على ترسيخ اعتماد دول المنطقة على التكنولوجيا الأوروبية ومعايير الإدارة الغربية.

 

كما يدفع الاتحاد الأوروبي بشكل متواصل بالمشاريع الاستثمارية والتعليمية والتكنولوجية. وتتطور ممرات النقل، حيث يجري تحديث خطوط السكك الحديدية التي تمر عبر كازاخستان وأوزبيكستان، وتطوير المراكز اللوجستية البرية، إضافة إلى المشاركة في مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود. وتشمل الاتفاقيات في مجال الطاقة توريد الغاز والنفط إلى الأسواق الأوروبية، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وكذلك مشاريع تحديث الصناعات البتروكيميائية.

 

وخلال السنوات الأخيرة ازداد النشاط الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ. فقد أدت اللقاءات مع قادة كازاخستان وأوزبيكستان وتركمانستان إلى توقيع مذكرات تعاون في مجالات الطاقة والنقل والمناخ والتقنيات الرقمية. كما تبقى برامج دعم التنظيم القانوني والشفافية ومكافحة الفساد من بين الاتجاهات الرئيسية. ويُعد ذلك بالنسبة للاتحاد الأوروبي آلية لتعزيز نفوذه في المنطقة دون فرض سيطرة سياسية مباشرة.

 

ويولي الاتحاد الأوروبي اهتماماً خاصاً بالتعامل مع العامل الإسلامي في المنطقة. فرغم أن الاتحاد لا ينظر إلى الإسلام بوصفه تهديداً مباشراً، فإنه يعمل، تحت شعارات بناء المجتمع المدني، على نشر أفكار مثل التسامح، والنظام العلماني، ودمج المجال الديني. ومن خلال البرامج التعليمية والثقافية يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تشكيل بيئة موجهة نحو القيم الأوروبية، وفي الوقت نفسه إلى تقليص تأثير أفكار النهضة الإسلامية.

 

وبذلك تعد آسيا الوسطى بالنسبة للاتحاد الأوروبي مجالاً للموارد واللوجستيات والروابط الاستراتيجية في المقام الأول. فأوروبا لا تظهر رغبة في السيطرة المباشرة، لكنها تسعى لترسيخ نفوذها طويل الأمد عبر الاستثمارات، ومعايير الإدارة، والبرامج التعليمية، والمشاريع التكنولوجية.

 

الاتجاه العام

 

لا تنظر القوى الاستعمارية للإسلام في آسيا الوسطى بوصفه ديناً تقليدياً أو تراثاً ثقافياً، بل باعتباره بديلا لنماذج الحكم العلمانية القائمة. فالمسألة لا تتعلق بمواجهة التدين أو الطقوس التقليدية، بل بإمكانية وصوله للحكم. وهذا هو مصدر القلق الأساسي لدى تلك القوى. فبحسب تصورهم، إذا قدم الإسلام بوصفه مشروعا سياسيا فإنه سيخرج تلقائيا عن نطاق السيطرة، ما قد يؤدي إلى فقدان أدوات السيطرة الاقتصادية القائمة على نهب الثروات والتأثير في النخب عبر الاتفاقيات.

 

وتستند هذه المخاوف إلى الإقرار بالطبيعة العابرة للأمم التي يتسم بها الإسلام. فهو لا يقتصر على الحدود الوطنية، ولا يرتبط بإقليم محدد، وهو قادر على إنشاء روابط أفقية بين المجتمعات. وفي ظروف آسيا الوسطى، حيث تعد الدول القومية حديثة نسبياً، وما تزال المؤسسات المجتمعية في طور التشكل، يمكن للإسلام أن يتحول إلى عامل تعبئة قوي.

 

أما النخب التي تشكلت في العهد السوفيتي وما بعده في المنطقة، فإنها تعتمد أساساً على عمودية الأجهزة الإدارية والأمنية. ويمكن للإسلام السياسي، حتى في صورته التقليدية، أن ينافسها على القيادة الأخلاقية. فإذا بدأ المجتمع ينظر إلى الشرعية الدينية باعتبارها أكثر عدلاً واتساقاً مع الحق من الإدارة البيروقراطية، فإن ذلك سيغير ميزان القوى داخل هذه الدول تغييراً جذرياً.

 

ولهذا يجري في المنطقة تشكيل نموذج ما يسمى بـ"الإسلام التقليدي". ووفق هذا التصور يجب أن يكون الإسلام أخلاقيا وثقافيا وتراثيا ومجردا من السياسة. وتتمثل مهمة من يسمون بالإسلاميين التقليديين في "تهدئة" المجتمع ومنع ظهور مشروع بديل.

 

وفي مواجهة الإسلام تتوحد هذه القوى، ولا يختلف بعضها عن بعض إلا في الأساليب. وعلى الرغم من العداء والأساليب غير المحدودة المستخدمة في محاربة الإسلام، فإن ميل شعوب المنطقة إلى الإسلام يظل ثابتا. إن قوتهم وإرادتهم في التغيير لم تُقدّر بعد تقديراً كاملاً. وليست المشاريع الاستعمارية التي فقدت ثقة الناس بها، بل هذه الإرادة هي التي ستحدد مستقبل المسلمين في المنطقة.

 

من سيحافظ على الهيمنة؟

 

إذا أردنا استخلاص نتيجة عامة بالنظر إلى ميزان القوى من زاوية التوازن والموضوعية، فإنه لا يمكن تجاهل عمق النفوذ الروسي في المنطقة عند تحليل الديناميات المستقبلية. فروسيا ما تزال تحافظ على روابط تاريخية ولغوية وثقافية وثيقة مع المنطقة وتسعى إلى تعزيزها. وبالنسبة لجزء كبير من نخب دول آسيا الوسطى وأجهزة الحكم فيها، لا تزال اللغة الروسية وسيلة التواصل الأساسية، كما أن العديد من المؤسسات تشكلت في الحقبة السوفيتية.

 

كما أن الاعتماد في مجال الهجرة، وتحويلات العمال المهاجرين، والتعاون في مجالي الطاقة والدفاع، يعزز هذا الواقع. وإذا أخذنا هذه الأمور في الاعتبار، فإنه من الصعب إعادة توزيع نفوذ روسيا في المنطقة من دون حدوث تغيّرات جيوسياسية كبيرة. ولذلك، يبدو أن فرض الصين هيمنة كاملة على المنطقة لن يحصل في المستقبل القريب. فالصين تعمل على تعزيز حضورها الاقتصادي والبنيوي، وتزيد بشكل منتظم من مستوى الاعتماد المتبادل في التجارة، وتوسع الإقراض، وتدفع بحلول تكنولوجية في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية الرقمية. ووفقا لتوازن القوى الحالي، فإن هذا الحجم الاقتصادي والقدرات المالية طويلة الأمد لبكين يجعل حضورها من بين أكثر القوى الخارجية نمواً وديناميكية.

 

وتواصل أمريكا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي ممارسة نفوذها من خلال الأدوات المعيارية والآليات المالية والعمل مع النخب. وهذا يخلق بنية متعددة الطبقات من الحضور الخارجي. ونتيجة لذلك، لا تقع المنطقة ضمن مجال نفوذ مركز واحد، بل تبقى في وسط توزيع معقد لمصالح متقاطعة.

 

وهكذا، إذا استمر الوضع القائم، فمن المرجح أن يبقى النفوذ العسكري والثقافي والمؤسسي لروسيا قائما في حين يتعزز النفوذ الاقتصادي للصين تدريجيا. غير أن هذا الاستنتاج لا يلغي دور قوى التأثير الأخرى، كما لا يستبعد احتمال إعادة توزيع ميزان القوى في المستقبل. لكن السؤال يبقى: إلى أي مدى تستطيع دول المنطقة استخدام التنافس بين مراكز القوة الخارجية لتعزيز سيادتها؟

 

وعليه، فإن سيناريوهات السيطرة على المنطقة تقوم على الشروط التالية: سيظل المجال الديني في بؤرة اهتمام القوى الاستعمارية، في حين إن تنامي الجماعات الإسلامية المستقلة سيترافق مع ازدياد قبول المجتمع لقيم الإسلام.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

لطيف الراسخ

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

أمة أُفرغت من روحها... كيف وصلنا إلى هذا التيه؟!

 

 

لم يكن ما تعيشه الأمة اليوم حالة طارئة، ولا نتاج سنوات قليلة، بل هو حصيلة قرن كامل من إعادة تشكيل عميق لهوية المسلم، بدأ بعد حدث مفصلي غيَّر مجرى التاريخ الإسلامي؛ إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924م.

 

منذ تلك اللحظة، لم يسقطوا نظاما سياسيا فحسب، بل بدأوا مشروعا طويلا لفصل الدين عن الحياة، وتفكيك الأمة من داخلها، حتى أصبحت تعيش الإسلام كشعائر، لا كنظام حياة.

 

فلنتناول هذه القضية من عدة محاور ليسهل توضيحها:

 

المحور الأول: فصل الدين عن الحياة

 

بعد إلغاء الخلافة، لم تترك الشعوب لتختار طريقها، بل فرضت عليها أنظمة مستوردة، تقوم على العلمانية التي تفصل الدين عن الحكم والتشريع. فقد تم استبدال القوانين الوضعية بالشريعة، وربطوا انتماء الأمة بالانتماء القطري الضيق، واستبدلوا بالخلافة الجامعة دولاً ممزقة الحدود والولاءات.

 

هذا التحول لم يكن بريئا على الإطلاق، بل جاء متزامناً مع حقبة الاستعمار الأوروبي الذي عمل على إعادة تشكيل البلاد الإسلامية وفق رؤيته، بحيث يبقى الدين حاضرا في المساجد وغائبا عن السياسة والاقتصاد والحياة العامة...

 

المحور الثاني: صناعة "رجال الدين" وتوظيفهم

 

في تاريخ الإسلام، لم يكن هناك طبقة كهنوتية تحتكر الدين، بل كان العلماء جزءاً من الأمة، يصيبون ويخطئون، ولا يملكون سلطة مستقلة بل مرجعيتهم للخليفة، لكن في العصر الحديث، تم تصنيع نموذج "رجل الدين الرسمي" بحيث يكون موظفا ومرتبطا بالسلطة يبرر قراراتها ويضبط وعي الناس وفق ما يخدم الحاكم، فأُعيد تعريف الدين ليصبح مجرد عبادات فردية معزولة، وطاعة مطلقة للحاكم، ولو خالف الشرع! وأخطر دور قام به رجل الدين اليوم هو تحييد لمفاهيم كبرى مثل الجهاد، فأصبح يُنادى بالجهاد حين يخدم مصالح سياسية، ويُنتقد حين يتعارض مع حسابات دولية. وهكذا تحولت دماء المسلمين في كثير من المواضع إلى أوراق تفاوض، تستثمر لا تصان.

 

المحور الثالث: صناعة التواكل وإشغال الشعوب

 

لم يكن كافيا فصل الدين عن الحكم، بل كان لا بد من شل إرادة الشعوب. والسؤال هنا كيف نجحوا في ذلك؟

 

لقد عملوا على نشر ثقافة التواكل بدل العمل، وربط التغيير بالمعجزات لا بالسنن، وإشغال الناس بالفقر والبطالة. وفي الوقت نفسه أصبح الحرام أسهل وصولاً وأصبح الحلال أصعب طريقاً، فنشأ جيل مثقل بالهموم قبل أن يبدأ حياته، فاقد للهدف، يعيش يومه لا يحمل مشروعا أو هدفا، حتى التعليم نفسه لم يسلم، إذ تم فصله عن الهوية، لينشأ جيل يعرف كل شيء إلا من دينه!

 

المحور الرابع: السوشيال ميديا وتفاهة ممنهجة

 

مع تطور الإعلام، دخلت الأمة مرحلة جديدة من إعادة التشكيل، لكن هذه المرة عبر الشاشات، فلم يعد التوجيه مباشرا، بل أصبح عبر صناعة نجوم من التفاهة، ومكافأة المحتوى السطحي بالانتشار وربط الشهرة والمال بالانحلال الأخلاقي، فنتجت شريحة مستعدة لبيع قيمها مقابل المشاهدات، تقيس النجاح بعدد المتابعين لا بالأثر، وهنا لم تضرب الأخلاق فقط بل ضربت المعايير.

 

المحور الخامس: الفوضى حتى تفقد الأمة بوصلتها

 

في مائة عام، لم تهدأ الأمة: حروب، انقلابات، أزمات اقتصادية، أوبئة، حتى أصبح الإنسان لا يبحث عن نهضة بل عن أمان فقط، وفي ظل هذا حاكم ينهب وثروات تُهدر وشعوب تُترك للفقر والعشوائية، فانتشرت الجرائم والرذيلة، والتفكك الاجتماعي، وهكذا، حين تستنزف الأمة في تفاصيل البقاء تفقد القدرة على التفكير في النهوض.

 

المحور السادس: وعي متأخر بلا حركة

 

بعد كل هذا، بدأت الأمة تدرك أنها ضائعة؛ تشعر أن هناك خللا عميقا، لكنها لا تثق بمن يقودها وتخشى تكرار الفشل، لأنها أُرهقت من محاولات لم تثمر، فاجتمع فيها حب الدنيا والخوف من التغيير وفقدان الثقة، فأصبحت تتمنى الحل لكنها لا تتحرك نحوه.

 

المحور الأخير: بين التيه والنهوض

 

الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أنه لن يتغير حال الأمة وهي تنتظر، ولا يمكن أن تستعيد عزها بشعارات ولا بوعظ ولا بخطب يوم الجمعة ولا بفتح مراكز لتعليم القرآن دون العمل به، ولا بتمني المعجزات، بل لا بد من وعي حقيقي وعمل منظم واصطفاف صادق، لأن طريق النهوض ليس مفروشاً بالراحة، بل ثمنه باهظ.

 

لكن السؤال الذي يجب أن يطرح بصدق: هل نقبل أن نستمر أمة بلا وجهة، أم نتحمل كلفة الطريق لنستعيدها؟

 

فإن لم نكن نحن جيل التمكين، فلنكن على الأقل جيل الطريق إليه، ولنعمل مع من كرسوا حياتهم في العمل لإعادة الأمة إلى بوصلتها الحقيقة من خلال استعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وهم حزب التحرير. فيا جيوشنا، يا مركز انطلاقتنا، فلتكونوا أنصار هذه الأمة، ولنتهيأ للجهاد في سبيل خلافتنا، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

 

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

منال أم عبيدة

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

حين كانت العقيدة وطناً

 

 

لم تكن الحدود يوماً قدراً، ولا كانت الجنسيات هويةً أزليةً للمسلم، بل هي مفاهيم حديثة وُلدت في سياقات ضيقة، بعد أن هُدمت دولة المسلمين. لقد فُرضت هذه الحدود على شعوب كانت ترى نفسها أوسع من تلك الخرائط المصطنعة. وفي قلب بلاد المسلمين لم تكن الأمة يوماً مجرد شعوب متجاورة، بل كانت كياناً حيّاً، يجمعه رابط أعمق من الأرض واللغة، إنها رابطة العقيدة الإسلامية.

 

لقد عاشت الأمة الإسلامية قروناً دون أن تعرف هذه التقسيمات. لم يكن المسلم يُسأل عن جنسيته، بل عن دينه، ولم تكن الأرض تُجزَّأ إلى أوطان متناحرة، بل كانت تُرى داراً واحدة تتوحد قلوب أهلها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. كان الانتماء للإسلام كافياً، ليمنح الإنسان شعوراً بالانتماء الكامل والحماية والكرامة.

 

لكن مع هدم عرش المسلمين الجامع لوحدتهم، دخلت الأمة مرحلة جديدة، فُرضت عليها القوميات والوطنيات. حتى أصبح المسلم غريباً في أرض أخيه، محكوماً بجواز سفر، ومقيّداً بحدود، ومُعرَّفاً بهوية ضيقة لا تعكس عمق انتمائه الحقيقي. وهكذا تشرذمت الأمة وتفرقت، وتبددت طاقاتها في صراعات داخلية، بدل أن تكون قوة واحدة متماسكة.

 

لقد بات واضحاً أن هذه الانقسامات لم تجلب للأمة إلا الضعف. فكيف لأمة تؤمن بإله واحد وكتاب واحد ونبي واحد، أن تقبل بأن تُختزل في كيانات متفرقة، لكل منها علم وحدود وجيش، وكأنها أمم لا يجمعها شيء مشترك بينها؟!

 

إن الدعوة إلى استعادة دولة المسلمين تبدأ بإزالة الحدود والخرائط من عقول المسلمين. فحين يدرك المسلم أن أخاه في أي مكان هو امتداد له، وأن قضيته واحدة ومصيره مشترك، حينها تبدأ ملامح الأمة الحقيقية في الظهور. فحين تتراجع القوميات أمام العقيدة، وتذوب الهويات الضيقة في هوية أوسع، يمكن عندها أن يُعاد بناء الأمة، الذي لم يكن حلماً، بل واقعاً عاشته الأمة طويلاً.

 

ليس السؤال: هل يمكن أن تعود تلك الوحدة، بل السؤال: لماذا نقبل البديل ونحن نعرف أن تاريخنا شهد ما هو أعظم؟ فالأمة التي كانت يوماً جسداً واحداً، لا ينبغي أن ترضى بأن تبقى أشلاء متفرقة مهما طال الزمن.

 

إن ما تعيشه الأمة اليوم من تفرقة وضعف ليس قدراً محتوماً، بل هو حالة طارئة يمكن تجاوزها، إذا استعاد المسلمون وعيهم بحقيقتهم وهويتهم الجامعة. فالأمة التي جمعتهم يوماً لم تكن أسطورة، بل واقعاً صنعته العقيدة، حين كانت هي المرجعية العليا، وحين كانت الأمة ترى نفسها كياناً واحداً لا تمزقه الحدود ولا تفرقه الرايات.

 

إن استعادة ذلك المجد لا يكون بالحنين المجرد، ولا بالاكتفاء برثاء الواقع، بل بالعمل الجاد لإحياء معنى الأمة في النفوس، وترسيخ الانتماء للعقيدة فوق كل انتماء. وهذا الرائد الذي لا يكذب أهله، وهو قد نذر نفسه للعمل لهذه المهمة المقدسة، يدعوكم للعمل الجاد والسعي الصادق نحو إعادة بناء الكيان الذي يجمع المسلمين تحت راية واحدة، فلتكن هذه الدعوة نداءً لإحياء ما اندثر، واستعادة ما ضاع، والعمل على قيام دولة تجمع شتات الأمة، وتعيد لها وحدتها وقوتها، حتى تعود كما كانت خير أمة، تحمل رسالتها لتعود حضارة تنقذ العالم من عفونة النظام الرأسمالي العفن. وما ذلك على الله بعزيز.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مؤنس حميد – ولاية العراق

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 شركة الصناعات الأساسية السعودية SABIC

شركة مساهمة تأسيسها وعملها حرامٌ شرعاً

 

 

أعلنت وكالة رويترز يوم 04 آذار/مارس 2026م عن خسارة شركة سابك 6.9 مليار دولار، تسببت بإقالة المدير التنفيذي للشركة عبد الرحمن بن صالح الفقيه، وتعيين فيصل بن محمد الفقير خلفاً له اعتبارا من نيسان/أبريل 2026م. فلماذا أقدمت شركة سابك على ذلك؟ وما أسباب هذه الإقالة؟ وما تبعاتها على الشركة في ظل رئيس مجلس إدارتها الحالي خالد الدباغ؟

 

SABIC هي اختصار لـ Saudi Basic Industries Corporation "الشركة السعودية للصناعات الأساسية". وهي شركة مساهمة عامة متعددة الصناعات، امتلك صندوق الاستثمار السعودي 70% من أسهمها، و30% لمساهمين من القطاع الخاص في مجلس التعاون الخليجي. ومركزها الرئيسي الرياض. تعمل في مجال البتروكيماويات والكيماويات والمبلمرات الصناعية والأسمدة. وتعتبر خامس شركة بتروكيماويات في العالم، وأول شركة في الشرق الأوسط. يعمل فيها قرابة 40.000 موظف في أكثر من 100 بلد حول العالم. ولها فروع في أوروبا والأمريكيتين. بالإضافة إلى امتلاكها مراكز للأبحاث والتقنية. (بدأت SABIC أعمالها في أمريكا عام 1987م في مدينة هيوستن بولاية تكساس و14 موقعاً للتصنيع والتركيب عبر عدة ولايات، في الولايات المتحدة الأمريكية، تمتلك مركزاً مستقلاً للتكنولوجيا والابتكار في مدينة شوغار لاند بولاية تكساس، إلى جانب مواقع دعم للبحث والتطوير في ويكسوم ميشيغان، وسيلكيرك نيويورك، وماونت فيرنون إنديانا، وبيتسفيلد ماساتشوستس. بالإضافة إلى وجود مراكز للأبحاث والتقنية، وتوظف آلاف الموظفين. بدأت أعمالها في أمريكا عام 1987م).

 

عام 1971م أسس فيصل بن عبد العزيز صندوق الاستثمارات العامة (صندوق الاستثمار السعودي هو الخامس في العالم من حيث الأموال. الأول صندوق التقاعد الحكومي النرويجي 1.7 - 1.8 تريليون دولار، والثاني شركة الصين للاستثمار، والثالث إدارة الدولة للنقد الأجنبي الصينية، والرابع جهاز أبو ظبي للاستثمار). وبعد مقتله بعام جاء تأسيس سابك بمرسوم ملكي عام 1396هـ - 1976م لاستثمار ثروات المملكة النفطية والمعدنية، بتحويل المنتجات الثانوية للنفط إلى مواد كيميائية وبوليمرات وأسمدة مفيدة. رأس الشركة د. غازي عبد الرحمن القصيبي (وزير الصناعة والكهرباء. توفي في العام 2010م)، ومديرها التنفيذي عبد الله الزامل.

 

صندوق الاستثمارات السعودي "صندوق الثروة السيادية" - يرأسه ولي العهد محمد بن سلمان، منذ العام 2015م، ومديره التنفيذي ياسر الرميان - يحتل المركز الخامس بين الصناديق السيادية في العالم بإجمالي أصول 925 مليار دولار بنهاية نيسان/أبريل 2023م، وارتفع في آذار/مارس 2024م إلى 940.26 مليار دولار. يمتلك 70% من أسهم سابك. ومنذ آذار/مارس 2019م امتلكت شركة أرامكو 70% من أسهم شركة سابك "حصة صندوق الاستثمار" مقابل 69.001 مليار دولار.

 

لقد سبق إعلان شركة سابك عن خسائر قرابة 7 مليارات دولار، يوم 4 آذار/مارس 2026م، عددٌ من الإخفاقات الاقتصادية؛ منها انخفاض إيراداتها خلال عام 2025م، 31.1 مليار دولار. وانخفاض سهم شركة الكيماويات في مستهل تداولات يوم 8 كانون الثاني/يناير 2026م، 4.8% وهو أدنى مستوى منذ 17 عاماً، وما تم بيعه في اليوم نفسه عن كامل حصة شركة سابك في أعمال قطاع اللدائن الهندسية الحرارية في الأمريكتين وأوروبا بقيمة إجمالية تبلغ 950 مليون دولار.

 

ولننظر إلى تاريخ شركة سابك حين تأسست كشركة مساهمة عامة، بأيدي أمريكية خالصة، بعد مقتل فيصل بن عبد العزيز، مع قدوم جون بركنس قرصان الاقتصاد الأمريكي للاستحواذ على عائدات النفط "الطفرة" لصالح الشركات الأمريكية؛ ستون وبستر، وهاليبورتون، وبيتشتيل، ورئيسي، والبني والجذر وغيرها، التي ستقوم ببناء المدن الصناعية غربي الخليج "الجبيل، الخفجي الظهران، بقيق، وينبع على البحر الأحمر، وحقول رأس تنورة النفطية" وتزويدها بجميع ما تحتاجه من آلات وأجهزة وكمبيوترات وتحديثاتها وقطع غيارها، ما جعلها مربوطة بإحكام بأمريكا. وتهيئة فهد بن عبد العزيز للجلوس على كرسي الحكم. "وعليه ستنشأ في الصحراء مجمعات لصناعة البتروكيماويات تحيطها مناطق صناعية وعمرانية ضخمة" (الاغتيال الاقتصادي للأمم. جون بركنس ص109).

 

جاءت شركة سابك للبتروكيميائيات، كواحدة من الشركات التي ولدت جراء عمل اللجنة الأمريكية السعودية للتعاون الاقتصادي جيكور - التي تكونت بعد قدوم جون بركنس - لبناء السعودية على النمط الأمريكي الغربي، وإقامة مجمعات صناعية وعمرانية ضخمة، ومجمعات لصناعة البتروكيماويات، ومحطات كهرباء، ومطارات، ومستشفيات، وإنشاء الطرق السريعة، ومدن الملاهي، وشبكات الاتصال، وتحسين الموانئ، وإدارتها، تتبعها صيانة مستمرة وتحديث، مقابل مليارات الدولارات حينها. خضعت كامل إدارة جيكور لوزارة الخزانة الأمريكية، دون رقابة من الكونجرس، وحجزت مليارات الدولارات من عائدات النفط ودفعتها للشركات الأمريكية المذكورة آنفاً، بهدف صريح وواضح لا لبس فيه، هو "وأن نجعل اقتصادها يزداد تشابكاً وخضوعاً لمصالحنا" (المصدر نفسه ص108) و"كان علي دائماً أن آخذ في الحسبان الأهداف الحقيقية، مثل رفع النفقات إلى الحد الأقصى لصالح الشركات الأمريكية وزيادة تبعية المملكة العربية السعودية للولايات المتحدة". (المصدر نفسه ص111).

 

وكما كان الهدف من إنشاء سابك هو خدمة الاقتصاد الأمريكي، فهي اليوم تعاود تحقيق ذلك الهدف دون الانحراف عنه قيد أنملة، في عهد محمد بن سلمان، ويستحيل عليها أن تتسبب في الإضرار بالاقتصاد الأمريكي. "سيضمن هذا النظام تدوير أموال السعوديين للعمل في الاقتصاد الأمريكي مرة أخرى" (المصدر نفسه ص114). وقد سبق أن قامت سابك بعمليات إنقاذ لشركات أمريكية بين عامي 2003 - 2022م كشركة ساينتفك ديزاين "مقرها الرئيس ولاية نيوجرسي الأمريكية" العاملة في مجال ترخيص التقنيات الصناعية وتطوير الحفارات حين اشترت سابك نصف أسهمها المملوكة لشركة كلارينت السويسرية في 2003م، واشترت نصف أسهمها الثاني في 2022م. وكذلك فعلت شركة سابك في 2007م حين أنقذت شركة جنرال إلكتريك الأمريكية للبلاستيك من الإفلاس، العاملة في مجال البتروكيماويات والكيماويات والمبلمرات الصناعية والأسمدة والمعادن.

 

أما الإعلان عن إخفاقات شركة سابك والتخلي عما في أيديها، بعد أن وضع محمد بن سلمان يده عليها في 2019م عن طريق شركة أرامكو، فليس سوى مساهمة طوعية، لتحاشي انهيار الاقتصاد الأمريكي، واتخاذ المبررات للبسطاء من الناس. وانظر إلى استشارة مؤسسة جولدمان ساكس الأمريكية للخدمات المالية والاستشارية وبنك جي. بي. مورغان الأمريكي!

 

كون شركة سابك شركة مساهمة فما هو حكم الشرع في الشركات المساهمة؟ إن الشركات في الإسلام خمس: العنان، والأبدان، والمضاربة، والوجوه، والمفاوضة. وغيرها ليست من الإسلام، كالشركات المساهمة فهي شركات غربية المنشأ، لم تراع حلالا ولا حراما عند تأسيسها وإبرام عقودها! فلا مكان فيها لأركان العقود كالإيجاب والقبول، ولا اعتبار فيها لأهلية مالكي الأسهم، فيمتلك المكلف وغير المكلف أسهماً فيها، ناهيك عن امتلاك حيوانات كالكلاب والقطط أسهماً في الشركات المساهمة! وانعدام حق فسخ الشراكة في الشركة المساهمة، وتحكّم مؤسسي الشركات المساهمة في بقية مالكي الأسهم تحت عنوان حق التصرف بإرادة الغير، بما في ذلك توزيع أرباح الشركة وحجبها عنهم، وتغيير مجال عمل الشركة المساهمة. فأين كان علماء نجد والحجاز من قيام وعمل الشركات المساهمة في بلاد الحرمين طول هذا الوقت؟! ومن التصرف في عائدات النفط (ذكر ابن قدامة في كتاب المغني ج7 ص517 ما نصه "إلا أن تكون أرض ملح أو ما للمسلمين فيه المنفعة فلا يجوز أن ينفرد بها الإنسان". وجملة ذلك أن المعادن الظاهرة وهي التي يوصل ما فيها من غير مونة ينتابها الناس ويستنفعون بها كالملح والماء والكبريت والقير والمومياء والنفط والكحل والبرام والياقوت ومقاطع الطين وأشباه ذلك لا تملك بالإحياء ولا يجوز إقطاعها لأحد من الناس ولا احتجازها دون المسلمين لأن فيه ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم ولأن النبي ﷺ أقطع أبيض بن حمال معدن الملح فلما قيل له إنه بمنزل الماء العد رده، كذا قال أحمد) أين كانوا والنفط من الملكيات العامة تشرف الدولة على توزيع عائداته على رعاياها، ولا يجوز لها التصرف فيها؟ وفي احتفاظ الأمريكان بعائدات النفط في بنوكهم؟ وتقديمها بصورة قروض ربوية من البنك الدولي وغيره؟!

 

إن علامات انهيار الاقتصاد الرأسمالي وزواله قد بدت، بعد أن جثم على العالم قرنين من الزمان، أذاق فيها الهنود الحُمر وأفريقيا وآسيا الأمرين ولم يرحم أوروبا، وقد أطلَّ زمن قيام دولة الخلافة، لتعيد للعالم بهجته في ظل الحكم بالإسلام، وإقامة العدل وإزالة الظلم. قال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا».

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس شفيق خميس - ولاية اليمن

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أزمات مصطنعة:

هل تُدار الفوضى لتحقيق الاستقرار؟

 

ليست الأزمات دائماً تلك اللحظات المفاجئة التي يختل فيها توازن العالم، بل قد تكون في بعض الأحيان نتائج ترتيب دقيق لا يُدرى، تُنسج خيوطه في الظل وتُعرض نتائجه على مسرح الواقع كقدر لا مفر منه. فبين الفوضى التي تبدو عشوائية والنظام الذي يبدو مستقراً مساحة رمادية تتشكل فيها الحقيقة بعيداً عن أعين العامة، حيث لا تُقاس الأحداث بحجمها بل بوظيفتها.

 

في هذا السياق لا تعود الأزمات مجرد اختلالات طارئة، بل تتحول إلى أدوات إعادة تشكيل ضبط موازين القوى، وتُفرض من خلالها قواعد جديدة تحت ضغط الضرورة، وهنا يتسلل السؤال الأكثر إرباكاً: هل نحن أمام عالم يتعثر بأخطائه أم أمام نظام يتقن استخدام الفوضى كوسيلة إلى الاستقرار، مصاغة بعناية؟ بغض النظر كُتب له النجاح أو الفشل؟

 

في أدبيات السياسة يظهر مفهوم قريب مما يُعرف باستراتيجية الصدمة، التي تشير إلى استغلال الأزمات، سواء أكانت اقتصادية أو أمنية، لفرض تغييرات جذرية ما كانت لتُقبل في الظروف الطبيعية.

 

الفكرة بسيطة: حين يكون المجتمع في حالة ارتباك أو خوف تقل قدرته على المقاومة، وتزداد قابليته لتقبل قرارات استثنائية أو دخول في دهليز خيارين لا ثالث لهما. وهنا لا ندخل تحت مظلة المؤامرة، مع أننا داخلها، بل سوف نقرأ الواقع ونحلله.

 

لقد شهد العالم خلال العقدين الماضيين أموراً نريد شرحها، وقد أُثير الجدل حول طبيعتها:

 

- الأزمة المالية العالمية السابقة التي كشفت هشاشة النظام الاقتصادي الرأسمالي، ولكن استُغلت لإعادة تشكيل موازين القوى بين الدول والمؤسسات.

 

- الصراعات الإقليمية التي تتداخل فيها مصالح قوى كبرى، حيث تبدو بعض الحروب وكأنها تُدار بالوكالة، وتستمر ضمن سقف لا يسمح بانهيار كامل ولا بانتصار حاسم، كالحرب الروسية الأوكرانية.

 

- أزمات صحية عالمية دفعت العالم إلى اتخاذ إجراءات غير مسبوقة، كان باطنها مصالح أخرى، ما أعاد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

 

ونلاحظ أن أغلبها كانت أزمات لإعادة ترتيب المشهد.

 

وفي حين ننظر إلى سياسات ترامب، سواء خلال رئاسته أو في خطابه السياسي الحالي، نجد مفارقة لافتة: خطاب يَعِدُ بالاستقرار يقابله نهج يعتمد على الضغط والتصعيد وكسر القواعد التقليدية والخروج عما يقنع العقل، وهذا ما يدفع البعض إلى تفسير ما يجري في الشرق الأوسط ضمن إطار الفوضى كأداة لإعادة الترتيب.

 

في أحداث الشرق الأوسط اليوم لا تُقاس الأمور فقط بما يحدث على السطح، بل أيضاً يجب النظر لما يُعاد تشكيله في العمق:

 

- تصعيد التوتر في ملفات معينة قد يدفع أطرافاً إلى قبول تسويات لم تكن ممكنة سابقاً.

 

- الضغط الاقتصادي أو السياسي أو العسكري قد يُستخدم لإعادة هندسة التحالفات الإقليمية.

 

- إيجاد حالة من عدم اليقين قد يُجبر الدول على إعادة تموضعها الاستراتيجي.

 

بهذا المعنى لا تكون الفوضى هدفاً بحد ذاتها، بل مرحلة انتقالية نحو نظام جديد، وهنا نسأل: أي استقرار يُراد تحقيقه؟ ولمصلحة من؟

 

إن حلف أمريكا يسعى من هذه الأزمات إلى تحقيق استقرار ليس بمعنى الهدوء الشامل وتخفيض التصعيد، بل قد يعني استقرارا يضمن توازن قوى يخدم مصلحة محددة.

 

إن ما تقوم به اليوم أمريكا عبر إدارات مختلفة، من بينها إدارة ترامب، يُفهم الاستقرار غالباً على أنه منع هيمنة قوة إقليمية واحدة بالكامل، والحفاظ على توازن يمنع الانفجار الشامل في المنطقة ضمن إطار يمكن التنبؤ به والسيطرة عليه نسبياً، وهذا لا يعني غياب التوتر بالإدارة.

 

الطاقة والممرات عامل مركزي: النفط والغاز كمصادر طاقة حيوية، والممرات البحرية مثل مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب وطرق تجارية، فإنها تمثل شرايين الاقتصاد العالمي، لذلك تسعى أمريكا أن تبقي هذه الشرايين واقعة تحت سيطرتها دون إغلاق كامل في هذه المرحلة، وتأمين حضور عسكري أو تحالفات قريبة منها، وهذا ليس معناه افتعال كل الأزمات، بل هي أحياناً استجابة لها بطريقة تخدم مصالحها.

 

تقليل الفوضى غير المسيطر عليها مع الإبقاء على أدوات الضغط قائمة ومفاتيح إعادتها بيدها. والفوضى غير المسيطر عليها هي التي لا يوجد فيها طرف قادر على فرض توازن مستقر لمصلحة أمريكا، ولا توجد خطوط حمراء واضحة تحكم التصعيد، والخسائر تمتد بلا سقف زمني أو سياسي، مثل حالة السودان اليوم.

 

فرض واقع جديد يصبح مع الوقت طبيعياً وهي عملية ممنهجة تتم عبر مراحل:

 

الصدمة الأولى: يحدث تغيير كبير (بالقرار السياسي أو تحرك عسكري أو إجراء اقتصادي) يثير رفضاً واسعاً، مثل الحالة السورية والتنازلات العميقة.

 

التكيف القسري: مع مرور الوقت تبدأ الأطراف في التعامل مع الواقع الجديد لأنه أصبح موجوداً، مثل حالة فنزويلا اليوم.

 

إعادة التأطير: ويتم تقديم هذا الواقع كأمر ضروري أو حتمي عبر الإعلام والخطاب السياسي، كحالة غزة اليوم.

 

التطبيع: يتحول الأمر إلى جزء من الحياة اليومية وتختفي تدريجياً حدة الرفض، كما يُهيأ لدول الخليج وخاصة السعودية للتطبيع مع كيان يهود.

 

بعبارات أخرى، قد يكون الهدف ليس إنهاء الفوضى بل إدارتها ضمن حدود يمكن التحكم بها.

 

وهنا لا نقول أبداً إن كل الأزمات هي مصطنعة، فمنطقة الشرق الأوسط فيها تراكمات تاريخية عميقة وصراعات محلية وإقليمية متشابكة وتداخلات دولية مضطربة بالمصالح، ولا ننسى أنها المنطقة الأكثر قابلية لولادة دولة الإسلام القادمة، ولكن نقول إن بعض الأطراف قد تستثمر هذه الفوضى وتعيد توجيهها عبر مصالحها.

 

إن ما يسهل الأمر على أمريكا أنها تمتلك اليوم القوة والهيمنة التي تساعدها في رسم الخطط دون منافس، ولا وجود اليوم لطرف مقابل على رقعة الشطرنج، فإن الصين مارد تجاري يسهل التعامل معه مع عدم وجود قوة واضحة حتى اللحظة، وهو لا يملك مبدأ حتى يموت لأجله، بل هو عقل تجاري وتكنولوجي جبان.

 

فلن يستطيع تغيير هذا الواقع سوى ظهور دولة الإسلام، وهذا ما يخيفهم، ما جعلهم يديرون كل الصراعات على أرض المسلمين، ويعملون على تدمير البنية العسكرية والاقتصادية في المنطقة، بل ويقسّمون المقسَّم ويجعلون المنطقة رهينة كيان يهود بأن يجعلوه القوة الضاربة في المنطقة مع قدرتها على لجامه، ولكن قال الله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.

 

وإن دولة الإسلام قائمة لا محالة بإذن الله، لأنها وعد الله لنا، ولأن هناك حزباً يعمل ويحمل هذا الهدف ويضعه نصب عينيه، وهو حزب التحرير الذي لا تغفل عينه ولا يلين له عزم، ويعلم أن الله ناصره ولو بعد حين.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

أمريكا وسُلطة البحر:

القصة الكاملة لإمبراطورية الشر

مقدمة تاريخية

 

 

"اللهم لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً لخضته إليها في سبيلك".

 

لم تكن هذه الكلمات مجرد رجاء أو دعاء، ولا نصا تاريخيا يُقرأ فيرهب الخصوم والأعداء، بل كانت عبارة مدوية جلجلت في الآفاق والأرجاء، وامتد صداها فوق كل أرض وتحت كل سماء، فبقيت نابضة في وجدان التاريخ ملهمة لحملة اللواء، تخاطب عقولهم وقلوبهم لتسألهم وتساءلهم: وهل يُفتقد البدر إلا في الليلة الظلماء؟

 

قائلها هو القائد والفاتح والمجاهد والتابعي الجليل عقبة بن نافع الفهري الذي شارك في معارك فتح أرض الكنانة مع عمرو بن العاص رضي الله عنه وقاد أولى السرايا التي دخلت إلى بُرقة واشترك معه في فتح طرابلس، ثم مع عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه في معركة سبيطلة، واستقر في بُرقة حيث ظل مرابطا فيها إلى أن ولاه معاوية بن أبي سفيان ولاية إفريقية وكانت أولى اهتماماته إنشاء قاعدة إسلامية متقدمة، بعد أن أنهى عبد الله بن أبي السرح رضي الله عنه سيطرة الدولة البيزنطية على البحر الأبيض المتوسط (معركة ذات الصواري سنة 35هـ)، حيث قال عقبة لرجاله: "أرى لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا بها (أي بإفريقية) مدينة نجعل فيها عسكراً، وتكون عز الإسلام إلى أبد الدهر". وفعلا أنشأ مدينة القيروان (يعود أصل تسميتها إلى اللفظ الفارسي "كيروان" ويعني المُعسكر أو مكان ذخيرة السلاح)، لتغدو منارة علم ورباط وجهاد قبل أن يواصل مسيرة جهاده غربا نحو الجزائر والمغرب.

 

وقد مضى عقبة يفتح الحصون ويفرق الجموع وينزل الهزائم بأعداء الله حتى وصل إلى شواطئ المحيط الأطلسي أو ما كان يعرف ببحر الظلمات. هناك، تقدّم بفرسه إلى الماء، واستل سيفه، ونطق بكلمته الشهيرة الخالدة التي اختصرت روحه وهمّته رحمه الله تعالى وتقبله عنده من الشهداء الكرام البررة، ليترك المشعل لحفيده حبيب بن أبي عبيدة الفهري الذي أصبح من قادة فتح الأندلس مع موسى بن نصير وطارق بن زياد. وقد نقلت عديد المصادر أن أرض الأندلس صارت منطلقا لرحلات المسلمين في بحر الظلمات لاستكشاف ما وراءه فعلا.

 

ولكن دارت الأيام وتقلبت الأحوال وتجلى قوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.

 

أمريكا بين الأمس واليوم

 

لقد اكتشف المسلمون وجود أراضي القارة الأمريكية زمن الخلافة العباسية على يد الرحالة الأندلسي الخشخاش بن سعيد بن أسود كما نقل ذلك المؤرخ والجغرافي أَبُو الحَسَنِ المَسْعُودِيُّ الهُذَلِيُّ في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" وكانت تسمى عندهم بالأرض المجهولة، قبل أن يُنسب الاكتشاف لاحقا إلى كريستوفر كولومبس ثم إلى أمريكو فسبوتشي الذي اشتق من اسمه مصطلح أمريكا، بل قبل أن تتحول النعمة إلى نقمة فتتنافس القوى الأوروبية على الاستعمار وإفراغ الأرض الجديدة من سكانها الأصليين عبر إبادة عشرات الملايين من الهنود الحمر بأبشع الطرق والوسائل.

 

فبعد اكتشاف القارة الأمريكية، شاركت كل دول أوروبا تقريبا في حرب السنوات السبع (1756-1763م)، حيث حاربت بريطانيا فرنسا من أجل السيطرة على البحار والأراضي الواقعة في أمريكا الشمالية. وقد حسمت معاهدة باريس النزاع بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا في 10 شباط/فبراير عام 1763 لتفقد فرنسا معظم مستعمراتها هناك لصالح لاعب أوروبي صاعد، هي بريطانيا التي استطاعت لاحقا إشعال فتيل حربين عالميتين.

 

وفي المحصّلة، فإن أمريكا هي نتاج لصراع أوروبي على أرض مجهولة وامتداد لحضارة فاسدة معلولة ولعقيدة صليبية منقولة، حيث ولدت من رحم استعمار رأسمالي غاشم، يُروّج للديمقراطية في أوروبا ويمارس الإبادة الجماعية ضد سكان أمريكا وأفريقيا وآسيا، هذا إن سلمت أوروبا نفسها من الحروب والمعارك (على غرار حروب نابليون بونابرت التي أكلت الأخضر واليابس). وليس أدل على هذه الولادة القيصرية من رئاسة الجنرال البريطاني جورج واشنطن لهذا البلد، بعد قتاله ضد فرنسا في حرب السنوات السبع، وصار العرف العام في أمريكا أن ينحدر رؤساؤها بالأساس من إنجلترا، أسكتلندا، إيرلندا وهولندا، ولذلك لا يخفي ترامب اليوم احتقاره للأمريكان الذي ينحدرون من أصول أوروبية مغايرة.

 

ومع ولادة هذه الأرض الجديدة (أمريكا) انتهى عند الغزاة عهد "الضيق الجغرافي لأوروبا" وبدأ البحر رحلة الهيمنة على الأرض لتصبح الأراضي المغزوة نقطة انطلاق للأراضي الغازية، بل نقطة التقاء بين الرأسماليين الجدد وخبراء الجيوبوليتيك، ممّن نظّروا لكيفية حكم العالم وبناء ما صار يُعرف لاحقا بالنظام العالمي الجديد، كما سيأتي بيانه.

 

ومهما عظُمت أمريكا في عيون ناظريها، تبقى دولة استعمارية بامتياز، بلا جذور تاريخية أو حضارية على أرضها، وإنما صنعت لنفسها تاريخا حافلا بالجرائم في حق المسلمين وغير المسلمين، حيث بنت حضارتها المزيفة على جماجم الهنود الحمر، بعد أن كانت مجرد مستعمرة بريطانية إلى حدود سنة 1776، بل كانت أمريكا تدفع الجزية للجزائر العثمانية في عهد جورج واشنطن نفسه بمقتضى اتفاقية عام 1796. أما سياستها الخارجية فتقوم منذ نشأتها على صناعة الحروب وافتعال الأزمات وإشعال النيران، والقتل والدمار. والاستعمار ليس صفة لاحقة بها، بل جزء من تكوينها الجيني وثقافة متأصلة فيها تستمد منها أسباب هيمنتها وبقائها، تحركها في ذلك عقلية الكاوبوي الأمريكي.

 

فبالأمس ظهرت عقيدة مونرو (وهي سياسة خارجية أمريكية أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، تنص على أن الأمريكتين (نصف الكرة الغربي) لم تعد مفتوحة لاستعمار القوى الأوروبية، وتعتبر أي تدخل أوروبي فيها تهديداً لأمن الولايات المتحدة، فأرست العقيدة مبدأ "أمريكا للأمريكيين"، مفصلةً مناطق النفوذ لتقسيم العالم القديم عن الجديد، رغم أصول مونرو البريطانية)، وصدرت في البداية كبيان أحادي الجانب، ولم تكن الولايات المتحدة قوية بما يكفي لفرضها، ولكن مع ازدياد قوتها، استخدمت المبدأ كذريعة للتدخل في شؤون أمريكا اللاتينية وتوسيع نفوذها، فضمت أرض التكساس سنة 1845 وأخضعت كاليفورنيا سنة 1847 بعد إبادة جماعية لأهلها، ولم تردعها أية قوة عسكرية على ضم بقية أراضي المكسيك، لتصبح جزء مما صار يُعرف لاحقا بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

ثم لم تتربع أمريكا على عرش السياسة الدولية إلا بعد حربين عالميتين، أُنهكت خلالهما قوى بقية الدول الاستعمارية، وراح ضحيتهما أكثر من 100 مليون قتيل، فلم تجد من يمنعها من استعمال القنبلة الذرية سنة 1945 ضد اليابان، ضمن ما يعرف بهجوم هيروشيما وناجازاكي النووي. ثم انتهزت أمريكا هذا التقدم وحافظت عليه بفرض التداول العالمي لعملة الدولار وربط اقتصاديات أوروبا المدمرة بخطة مارشال سنة 1948 وإنشاء ما بات يعرف بحلف شمال الأطلسي سنة 1949 وبالتالي ربط القارة العجوز بقيادتها العسكرية فضلا عن نشر القواعد العسكرية وأوكار التجسس عالميا، ومع ذلك فقد استطاع الاتحاد السوفيتي أن يشغلها لفترة عن استكمال مشروع الهيمنة الأمريكية على العالم رغم ضعف فكرته ومبدئه ومخالفة عقيدته لفطرة البشر، ما مهد لسقوطه في تسعينات القرن الماضي.

 

أما اليوم، وبعد بروز لوبي الطاقة في التكساس ولوبي التكنولوجيا في كاليفورنيا (حيث اصطفت شركات التكنولوجيا وراء ترامب في عهدته الثانية وانضمت بذلك إلى شركات النفط)، فها نحن نشهد عودة مبدأ مونرو للواجهة مع تصريحات للرئيس ترامب في 2025-2026، مستخدماً إياه لتبرير استعادة نفوذ الولايات المتحدة في الأمريكتين ضد منافسين مثل الصين وروسيا على غرار ما حدث في فنزويلا ويُراد حدوثه في كوبا، في الوقت نفسه الذي يلوح فيه بوضع يده على غرينلاند الدنماركية وضم كندا لأمريكا، بكل ما يعنيه ذلك من صلف وتسلط وغرور.

 

أمريكا وفلسفة الهيمنة: من دولة وراء البحر، إلى دولة فوق الدول

 

من زاوية نظر جيوسياسية، فإن ما وراء بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) أرض لا تمثل سوى 6.5 بالمائة من مساحة اليابسة في العالم، هي أرض الولايات المتحدة، وتقع ضمن قارة تمثل ثلث مساحة اليابسة في العالم تقريبا، وهي أرض تقع بين محيطين، المحيط الأطلسي شرقا والمحيط الهادي غربا، ولكن الانتباه إلى فكرة التوسع والسيطرة عن طريق البحر باعتبار أن أكثر من ثلثي سطح الأرض مغطى بالماء، جعل من الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة البحرية فكرة محورية في التاريخ العسكري الأمريكي.

 

فهذه الفكرة جعلتها تندفع نحو بناء أسطول بحري متطور (سفن حربية، حاملات طائرات، غواصات)، وتعمل على تقوية قوات المارينز حتى صارت قوة تدخل سريع للإنزال البرمائي في الأراضي الأجنبية، تؤمن دعم التدخلات العسكرية القصيرة المدى وحماية القواعد البحرية.

 

كما جعلتها تعمل على إنشاء قواعد استراتيجية عالمية بهدف تمكين الأسطول من التحرك بسرعة والتحكم في طرق الملاحة العالمية، مع السيطرة على الممرات البحرية الحيوية على غرار قناة بنما التي وضعت يدها عليها في 1914، من أجل السيطرة البحرية على كلا المحيطين الأطلسي والهادي.

 

صحيح أن البريطاني ماكيندر استطاع أن يفجر الحروب والصراعات حول قلب الأرض بنظريته الشهيرة، التي يرى من خلالها العالم بوصفه كيانا منقسما إلى قلب قاري صلب عصي على الاختراق تمثله الكتلة الأوراسية، وأطراف بحرية لينة تتأرجح دوما بين ضغط القوى البرية من الداخل والقوى البحرية من الخارج. فلم يكن مجرد أستاذ جغرافيا في جامعة أوكسفورد، وإنما كانت تحركه فكرة تأثير الجغرافيا على السياسة التي جعلته يحذر من خطر الداخل الأوراسي على القوة الأطلسية، فيجد لكلامه وأفكاره صدى عند صناع القرار، ممن اقتنعوا أن قلب الأرض (heartland) هو مفتاح السيطرة الجيوسياسية.

 

ولكن ذلك كله، ورغم صعود الاتحاد السوفيتي وبروز نظرية الاحتواء، لم يغير من قناعة الخبراء الاستراتيجيين في أمريكا حول أهمية سلطة البحر، وأثرها في بسط النفوذ على دول العالم، ما مهد لبناء دولة نجحت من وراء البحار والمحيطات في اختطاف العالم وإلغاء دور أوروبا كشريك لها في رسم السياسة الدولية، لتحرمها من التأثير الدولي كما حرمت روسيا والصين.

 

إن ألفريد ماهان هو أكثر من تكلم وكتب عن سلطة البحر، وهو صاحب مصطلح "الشرق الأوسط"، وباعتباره استراتيجيا وسياسيا دعا إلى تقوية الأسطول البحري الأمريكي، لا كضامن لسرعة التحرك والرد وحصار الأعداء، بل كضامن لانسياب التجارة العالمية باعتبارها ركيزة النظام الرأسمالي العالمي الذي تحرسه أمريكا، وظل يفكر ويكتب عن "قوة البحر" كخبير جيوسياسي لا كمجرد ضابط في البحرية. كان ماهان من أنصار الرئيس مونرو الذي فتح طرق التجارة أمام الأمريكيين، وقد رأى أن مصير أمريكا هو مصير بحري بامتياز.

 

أما مهندس "المسيرة الأمريكية الظافرة"، فهو عالم الجيوبوليتيك نيكولاس سبيكمان وهو خبير استراتيجي مشبع بأفكار الأميرال ماهان، وكان أساس تصوره يقوم على تشابه مميز بين البحر المتوسط في تاريخ أوروبا وشمال أفريقيا، وبين المحيط الأطلسي بالنسبة للحضارة الغربية في التاريخ المعاصر، ليصبح المحيط الأطلسي بحرا متوسطا لقارة أطلسية بضفتيها الأمريكية والأوروبية، ويسبق بذلك إلى تركيب الحلف الأطلسي قبل أن يفكر فيه أحد. غير أنه يختلف عن ماهان في نقطة جوهرية شكلت منعطفا في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية ودافعا قويا لمشروع الهيمنة الأمريكية على العالم.

 

فبينما كان ماهان يعتبر الأساس هو السيطرة على البحار والمحيطات، كان سبيكمان ينظر للسيطرة على شريط الساحل (Rimland) مؤكدا على الوزن الجيوسياسي للحافة الأرضية التي تعطي نفوذا على البر الرئيسي الساحلي، وبالتالي الولوج إلى الأرض واختراقها، ولذلك كان سبيكمان لا يرى أن القوة العالمية تأتي من البحار في حد ذاتها، وإنما من السيطرة على النقاط الاستراتيجية البحرية بوضع اليد على الممرات المائية على غرار قناة بنما، قناة السويس، مضيق جبل طارق، مضيق هرمز، باب المندب، وهكذا...

 

فإذا كان من يسيطر على قلب اليابسة يحكم العالم (ماكيندر)، ومن يسيطر على الحواف يمنع ذلك (سبيكمان)، والأداة لتحقيق السيطرة هي البحر (ماهان)، فإن الفكرة العملية التي صاغت استراتيجية التوسع والهيمنة الأمريكية ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، هي منع أوراسيا (التي هي قلب العالم) من التوسع عبر تطويقها في "الريملاند" باستخدام القوة البحرية. هذه الفكرة ببساطة، جعلت من أمريكا أقوى دولة في العالم، وأكثر الدول قدرة في التاريخ الحديث على بسط هذا النفوذ العالمي، متجاوزة حدود جميع المحاولات الأوروبية، وهو ما احتفى به بريجنسكي سنة 1997 في كتابه (رقعة الشطرنج الكبرى) الذي اعتبر فيه أن السيطرة على القارة الأوراسية هو أساس السيطرة على العالم وأن أوراسيا هي رقعة الشطرنج التي يستمر فيها الصراع على السيطرة العالمية بل أهم بقعة في العالم لممارسة اللعب، حيث جاء فيه: "إن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة غير أوراسية، تتمتع بسيطرة دولية مع وجود قواتها منتشرة على ثلاثة حدود محيطية للقارة الأوراسية، والتي تمارس منها نفوذا على الدول التي تشغل المنطقة الخلفية الأوراسية".

 

والحدود البحرية الثلاثة لأوراسيا التي يتحدث عنها بريجنسكي، هي التالية:

 

أولا: الحد الغربي لأوراسيا - المحيط الأطلسي / أوروبا، حيث تتواجد أمريكا في أوروبا الغربية والبحر الأبيض المتوسط، من خلال قواعد بحرية في إيطاليا تشكل الأسطول السادس، فضلا عن حضور في النرويج وبريطانيا وإسبانيا، وتعزيز النفوذ البحري من خلال حلف الناتو. وذلك بهدف تطويق روسيا من الغرب، ومراقبة أوروبا الغربية ومحاولة التأثير في سياساتها، فضلا عن تأمين طرق التجارة عبر الأطلسي.

 

ثانيا: الحد الجنوبي لأوراسيا - الشرق الأوسط / الخليج العربي، من خلال الأسطول الخامس في البحرين فضلا عن 19 قاعدة عسكرية متمركزة في دول الخليج، وهذا يعزز النفوذ الأمريكي في الخليج والبحر الأحمر ومضيق هرمز، الذي يعتبر أخطر ممر طاقة في العالم، ولذلك تعمل في هذه المنطقة على حماية النفط والطاقة العالمية ومنع أي قوة إقليمية من السيطرة على المضائق الحيوية مع ضمان السيطرة على الريملاند الجنوبي لأوراسيا.

 

ثالثا: الحد الشرقي - المحيط الهادئ / شرق آسيا، حيث يتمركز الأسطول السابع في اليابان يوكوسوكا، فضلا عن قواعد بحرية في كوريا الجنوبية، سنغافورة، وأستراليا جزئياً. والهدف من ذلك تطويق الصين ومنعها من التوسع البحري، تحت غطاء حماية تايوان، اليابان، وكوريا الجنوبية، وهذا يمكنها في الحقيقة من السيطرة على الريملاند الشرقي.

 

وهكذا، وحين تدقيق النظر في فلسفة وجود الأساطيل البحرية الأمريكية عبر العالم، نجد أن الفكرة الرئيسية هي منع أي منافس دولي من التوسع نحو المحيطات المفتوحة وإشغاله بنفسه عن ذلك، وهي الفلسفة نفسها التي يمكن أن نفسر من خلالها دعم أوكرانيا ضد روسيا وإشغالها بالحرب عن التوسع، وضم السويد وفنلندا إلى الناتو أو التلويح بضم جزيرة غرينلاند الدنماركية كي لا تجرؤ روسيا على التفكير في التوسع في أوروبا الغربية، وكذلك ضخ المساعدات العسكرية لتايوان لمنع الصين من ضمها.

 

وبالعودة إلى غرينلاند كمثال حي لتطبيق هذه الفلسفة، فإن هذه الجزيرة التي تقع في أقصى المحيط الأطلسي هي بوابة شمالية لتأمين الريملاند الغربي لأوراسيا، تمكن أمريكا من السيطرة على ممرات المحيط الأطلسي الشمالي، ما يجعلها مكانا استراتيجيا للمراقبة المبكرة للأنشطة العسكرية الروسية القادمة من الشمال وربما قاعدة للصواريخ والدفاع الجوي ونظام الإنذار المبكر. وهو ما لم يخفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضمن تصريح له مطلع العام 2026، حيث قال: إن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند "ضرورية" لمنظومة "القبة الذهبية" للدفاع الجوي والصاروخي التي يخطط لإنشائها.

 

وكتب ترامب، الذي تعهد بالسيطرة على الجزيرة القطبية الشمالية من حليفته الدنمارك، على وسائل التواصل الإلكتروني: "تحتاج الولايات المتحدة إلى غرينلاند لأغراض الأمن القومي. إنها ضرورية لنظام القبة الذهبية الذي نبنيه". وأضاف: "يصبح حلف الناتو أكثر قوة وفعالية بكثير إذا كانت غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة. وأي شيء أقل من ذلك غير مقبول". (سكاي نيوز، 2026/01/14).

 

ولذلك فإن القاسم المشترك بين كوبا، والبحر الكاريبي، والخليج العربي، وسواحل أوروبا الشرقية وجزيرة غرينلاند، أنها جميعها ممرات ومواقع حيوية تمنح أمريكا نفوذا عالميا ظلت تحلم به طوال القرن الماضي.

 

لقد كان واضحا منذ عقود، دخول العالم في مرحلة أخطر وأنكى من وجود تكتلات دولية وتحالفات عسكرية لأكثر من دولة، على غرار حلف شمال الأطلسي. وهي مرحلة صعود دولة مارقة تعطي نفسها وظيفة الشرطي الدولي، بحيث تحولت أمريكا من مجرد دولة وراء البحار إلى سلطة دولية تعطي صلاحية إصدار العقوبات على من لا ينصاع لرأيها في حل المشاكل، من خلال هيئاتها ومنظماتها ومجلس أمنها. وهذا لا يعني إلا وجود دولة فوق كل الدول، وفوق القانون الدولي نفسه، وبذلك تكون هي صاحبة الرأي في تقرير المشاكل أو تقرير حل المشاكل أو تبرير المشاكل أنها ليست بمشاكل. والأفظع من ذلك أنها تتظاهر أمام العالم أجمع بالسعي لحل المشاكل الدولية وإنهاء الحروب وإحلال السلام، في الوقت نفسه الذي تتعمد فيه إيجاد المشاكل الدولية وإشعال الحرائق، ثم تجعل من حلها وسيلة لكسب المنافع واستغلال الشعوب وإيجاد السيطرة والنفوذ، وهذا يعني إيجاد المشاكل وتراكمها وتعقيدها دون أن تجد هذه الدولة رادعا يقف أمام جرائمها. فوجود العالم الآن على هذه الحال هو مشكلة في حد ذاته لا بد من حله، وحلها هو من مهمات دولة الخلافة الراشدة القادمة قريبا بإذن الله، وما لم تحل هذه المشكلة فإن الحروب والقلاقل والشقاء والتعاسة ستظل هي المسيطرة على بني البشر في ظل هذا النظام العالمي الذي أرسته أمريكا.

 

صورة لأمريكا، زمن الدولة الإسلامية

 

طبعا حين كان للمسلمين دولة، لم تنجح أمريكا في بسط نفوذها على أراضي الإسلام، حيث خاضت الدولة العثمانية حرباً ضد الولايات المتحدة، خلال الفترة من 1801 إلى 1804، انتهت بهزيمة الأمريكان وإذلالهم في أول حرب لهم خارج حدود البلاد، وذلك بعد رفضهم دفع الجزية للحاكم العثماني يوسف قرة مانلي، نظير دخول الأسطول الأمريكي إلى البحر المتوسط.

 

أثار رفض الأمريكان دفع الجزية للدولة العثمانية، غضب الوالي الذي أمر بتكسير سارية العلم الأمريكي في سفارة الولايات المتحدة بمدينة طرابلس الليبية، وإهانة السفير الأمريكي وطرده، وعلى خلفية ذلك، أرسل الرئيس الأمريكي حينها، توماس جفرسون، أسطول بلاده لتأديب والي طرابلس يوسف قرة مانلي، رداً على إهانته للولايات المتحدة، لتبدأ الحرب البحرية التي سرعان ما انتهت بكارثة على أمريكا حيث تمت محاصرة الأسطول الأمريكي وأُسرت أكبر سفنها "فيلادلفيا".

 

وفي سنة 1805، جهّز الأمريكيون جيشاً لغزو مدينة درنة شرق ليبيا، والثأرِ من الهزيمة الأولى، ودرنة كما نعلم هي عروس بُرقة أو درة المتوسط، وهي التي احتضنت أولى سرايا عقبة بن نافع رضي الله عنه، كما سبق ذكره، لكن سرعان ما استنجد والي طرابلس بقوات من المغرب والجزائر وتونس والدولة العثمانية التي أرسلت قواتها من عاصمة آخر خلافة للمسلمين، وانتهت المعركة بهزيمة شنيعة أخرى للجيش الأمريكي الذي خسر في يوم واحد قرابة 1800 من جنوده وأسر 700 آخرين، فيما حوصر الباقي.

 

وأدت هذه الهزيمة بأمريكا إلى توقيع اتفاقية مذلة لها مع ولاة تونس وطرابلس والجزائر والمغرب، بموجبها تدفع أمريكا تعويضاً للولايات الإسلامية عن كل جندي قُتل، وتدفع أيضاً الجزية مضاعفة عن السابق، والاعتذار للولايات الإسلامية الثلاث.

 

وإلى هذا اليوم، نجد "طرابلس" في نشيد البحرية الأمريكية (المارينز) الذي لم يتغير منذ ذلك الوقت، حيث يقول مطلعه "من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس نحن نحارب معارك بلادنا في الجو والأرض والبحر"، وذلك تخليدا لهذه المعركة التي يُراد لها أن تكون حاضرة في أذهان القوات البحرية أساسا، حيث دائما ما يلاحظ تعويل أمريكا على قوات المارينز المتخصصة في الإنزال البرمائي، تحت شعار: "الوصول أولا، القتال أولا".

 

ولم يكن من باب الصدفة أن يتصدر اسم السفينة الهجومية الأمريكية يو إس إس طرابلس (USS Tripoli) عناوين الأخبار العالمية مؤخرا، بعد التقارير التي كشفت عن تحركها نحو منطقة الشرق الأوسط ضمن تداعيات الحرب على إيران، لأن هذا التحرك لا يحمل دلالات عسكرية ورؤية استراتيجية للشرق الأوسط الكبير فحسب، بل يحيي اسما ارتبط بصراع طويل بين مشاة البحرية الأمريكية "المارينز" والأسطول الليبي في العهد القرمانلي فوق الأراضي الليبية منذ أكثر من قرنين.

 

دخلت السفينة الخدمة رسميا في تموز/يوليو 2020، وهي واحدة من أكثر السفن الهجومية تطورا في العالم. وهي مصممة لتكون قاعدة طيران عائمة حيث يبلغ طولها 844 قدماً، وتزن حوالي 44,000 طن، وعلى عكس السفن البرمائية التقليدية، تم تصميم سفينة "طرابلس" لتركز بشكل مكثف على العمليات الجوية، حيث تضم الوحدة الاستكشافية البحرية الـ31 المكونة من 3500 بحار ومشاة البحرية، إضافة إلى طائرات النقل والمقاتلات الهجومية، كما تستوعب أحدث مقاتلات الجيل الخامس من طراز إف 35. بعبارة أخرى، هي بمثابة قاعدة عسكرية جوية متنقلة داخل البحر.

 

والحقيقة أن هذه السفينة هي الثالثة في تاريخ البحرية الأمريكية التي تحمل اسم "طرابلس" والذي كان يطلق قديما على ليبيا الحالية. فقد بدأت هذه السلالة مع السفينة الأولى (USS Tripoli CVE-64)، وهي حاملة طائرات مرافقة دخلت الخدمة عام 1943 إبان الحرب العالمية الثانية حيث استخدمت في المحيط الأطلسي لمواجهة الغواصات الألمانية، ثم جاءت السفينة الثانية (USS Tripoli LPH-10)، وهي سفينة هجومية برمائية خدمت بين عامي 1966 و1995، وبرز اسمها في حرب فيتنام، لكن محطتها الأبرز كانت في مياه الخليج العربي عام 1991 فخلال العمليات العسكرية ضد العراق، تلقت السفينة ضربة مباشرة بلغم بحري عراقي، وصولا إلى السفينة الثالثة والأحدث (USS Tripoli LHA-7)، التي ينظر إليها الأمريكيون على أنها ذروة التطور التكنولوجي في السفن الحربية.

 

أمريكا وأمواج السيطرة البحرية على اليابسة

 

ثم بالعودة إلى نظرية سبيكمان التي ظلت مصدر إلهام للساسة والقادة في أمريكا (باستثناء قرار الحرب على أفغانستان تقريبا أين تاه جنود أمريكا بين الجبال الوعرة)، نجد أن كل الحروب والمعارك التي خاضتها الولايات المتحدة وحتى العمليات العسكرية المحدودة، كانت موجهة ضد دول ساحلية بالأساس، أي ضد الحافة الأرضية للدول المستهدفة (الريملاند)، أو بالأحرى ضد دول لديها منفذ بحري أو أكثر:

 

فمن الحروب البربرية مطلع القرن التاسع عشر، وحروب المكسيك (1846-1848) وحرب إسبانيا (1898)، إلى حروب أوائل القرن العشرين على غرار الحرب مع الفلبين (1899-1902) وعملية تمرد الملاكمين ضد الصين في 1900 والعمليات العسكرية المتعددة في نيكاراغوا (1912-1933)، واحتلال هايتي (1915-1934)، إلى الحرب العالمية وما بعدها، كمهاجمة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب ضد كوريا الشمالية (1950-1953)، إلى الحرب الباردة ومعارك فيتنام (1955-1975) وكمبوديا (1969-1973) إلى حرب الخليج في تسعينات القرن الماضي وحرب الصومال (1992-1994) وقصف مصنع الشفاء في السودان (1998) وقصف صربيا في 1999 بغطاء أطلسي، وحتى غزو العراق في 2003 والتدخل العسكري في ليبيا (2011) والضربات الجوية على كل من سوريا والعراق واليمن، ثم استهداف إيران المطلة على بحر قزوين شمالا والخليج العربي جنوبا والحرص على وضع اليد على مضيق هرمز وجزيرة خرج، نجد أن كل من على هذه القائمة من الدول يمتلك شريطا ساحليا أو منفذا بحريا يجعله عرضة للهجوم والاعتداء من قبل أمريكا بغض النظر عن اختلاف أهداف كل عملية عسكرية وعن اختلاف مددها الزمنية (حروب طويلة، أو عمليات قصيرة المدى). ولذلك نجد أمريكا تركز في غالب الأحيان على تحشيد السفن الحربية والقيام بعمليات نوعية تحقق لها مبتغاها في الحواف الأرضية، وبخاصة تلك التي تمكنها من وضع يدها على الرقعة الأوراسية ومحاصرتها من كل جانب. أما الحروب البرية التقليدية فلا يبدو أنها من اختصاصها، ولا المواجهة المباشرة من شيم جنودها لأنهم ببساطة ليسوا أهل قتال. فالحروب البرية ليست كبسة زر، والتكنولوجيا والطائرات لا تغنيان عن صعوبات الأرض، ولا عن إرادة الشعوب الصامدة ولذلك تفقد العقيدة العسكرية الأمريكية فاعليتها كلما اقتربت أرض المعركة.

 

الخلافة في عيون أمريكا هي الخطر الحقيقي

 

ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذه الاستراتيجية العسكرية عند المسلمين بمعزل عن الحرب الصليبية المعلنة منذ عهد بوش الابن وعن الدور الذي تحاول أمريكا لعبه إثر سقوط الاتحاد السوفياتي، والذي أصبح اليوم حجر الزاوية في سياستها التوسعية التي قد تضطرها إلى التلويح بحروب برّية أو حتى التورط فيها من أجل إزاحة التهديد الحضاري والوجودي المتمثل في صعود الإسلام وإمكانية عودة دولته الجامعة. بل إن الانجرار وراء كيان يهود ودعم عربدته في المنطقة والتورط وراء الحروب في غزة ولبنان وإيران وإعلان الحرب ضد كل ما هو إسلامي سنياً كان أم شيعيا، لهو دليل ساطع على أن البديل الحضاري الإسلامي الذي قد يفتكّ منها قيادة المنطقة بشكل نهائي لهو الخطر الداهم والصداع الحقيقي الذي يؤرق الإدارة الأمريكية، أكثر من خطر روسيا والصين مجتمعتين. وهو ما يجعلها تفقد جزءاً من العقلانية والبراغماتية التي دعا إليها بريجنسكي على سبيل المثال لمواجهة الصحوة السياسية العالمية التي يغذيها (التطرف الإسلامي) على حد تعبيره.

 

هذا الخطر المتنامي لتراكم الوعي الإسلامي وسرعة انتشاره عالميا أمام تراجع الحضارة الغربية وإفلاسها الفكري والقيمي والأخلاقي، جعل مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد تطلق صيحة فزع خلال كلمة لها في مؤتمر لمؤسّسة Turning Point USA اليمينية نهاية العام 2025، حيث صرحت قائلة: "هناك تهديد لا نتحدث عنه بما يكفي: أعظم تهديد قريب وبعيد المدى لحريتنا وأمننا. إنه الأيديولوجيا الإسلاموية، لأنها تسعى إلى إنشاء خلافة عالمية تحكمنا حتى هنا في أمريكا، وتهدّد الحضارة الغربية، من خلال الحكم بالشريعة، والحكم بما يسمّونه مبادئهم الإسلامية، وإذا فشلت في الامتثال سيستخدمون العنف أو أيّ وسيلة يرونها ضرورية لإسكاتنا".

 

مثل هذه التصريحات العدائية ليست جديدة في حقيقة الأمر، إنما هي تأكيد على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العالم الإسلامي ونظرتها للإسلام، والتي تلخصها مقولة الجنرال السابق ونائب وكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات في عهد جورج دبليو بوش، ويليام بويكن: "لا يوجد تهديد أكبر لأمريكا من الإسلام". وذلك في كلمة له ضمن مؤتمر بعنوان "كيف نستعيد أمريكا؟" في سانت لويس، ولاية ميزوري، الذي نظمته منظمة إيجل فوروم (Eagle Forum) سنة 2009. قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.

 

لقد جاهرت أمريكا ولا تزال بعدائها الواضح للإسلام والمسلمين في كل مكان، وغيرت اسم وزارة الدفاع لتصبح وزارة الحرب. ثم جاءت بمن يعتبر نفسه أحد قادة الحملة الصليبية الجديدة على الإسلام والمسلمين، بيت هيغسيث، وعينته على رأس هذه الوزارة، ليعلن بنفسه الحرب الصريحة ضد النبوءات الإسلامية رأساً، ويناطح الإسلام دينا ووحياً فيعتبر النبوة وهماً، ويبرر كل جرائم أمريكا الداعمة لكيان يهود والمحاربة للمسلمين كافة. ولهذا الوزير نظراؤه وأمثاله بلا شك في التيار اليميني المحيط بالرئيس ترامب، ممن يعتقدون بأن تأسيس دولة (إسرائيل) "جزء من خطة إلهية تنتهي بمجيء المسيح". ويكفي أن نستشهد في هذا السياق بما كتبه هيغسيث في كتابه "الحروب الصليبية الأمريكية"، حيث قال حرفيا: "كما فعل الصليبيون المسيحيون الذين صدّوا الجحافل المسلمة في القرن الثاني عشر، سيتعين على الصليبيين الأمريكيين إظهار الشجاعة نفسها في مواجهة الإسلاميين". بل وصلت به الحالة العدائية إلى التصريح في مؤتمر صحفي بالقول: "إن أمريكا حاليا تحارب العدو الإسلامي سواء كان من السنة أو الشيعة".

 

خاتمة:

 

إن عقبة بن نافع رحمه الله، لم يكن يعلم زمن الخلافة الراشدة أن وراء بحر الظلمات أرضاً، ستكون حاضنة لدولة صليبية مارقة مثل أمريكا، ولكن أمة الإسلام اليوم صارت ترى أمام أعينها حجم الاستعلاء ومدى العنجهية التي تميز سلوك هذه الدولة المتوحشة في علاقتها ببقية سكان الأرض، والمستمدة مما يمكن تسميته بـ"أمان المحيطيْن" في التفكير الأمريكي.

 

نعم، هناك بالفعل عنصر استراتيجي نفسي وجيوسياسي يزيد من حجم الغرور الأمريكي ويصنع شعورا بالغطرسة الاستراتيجية أو الثقة المفرطة لدى صناع القرار الأمريكيين، ويعود هذا إلى موقع الولايات المتحدة الفريد بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، وبُعدها عن المراكز البرية لنفوذ أوراسيا أو مناطق الصراع الإسلامي المباشر.

 

يضاف إلى هذا العنصر عناصر أخرى، أهمها تحكّمها العالمي في قطاع الطاقة، وطفرة الذكاء الصناعي وتفوقها التكنولوجي الذي يضمن لها التجسس على الشعوب والحكومات واختراق الخصوصيات والسيطرة على البنية التحتية الرقمية عالميا، والقدرة على التأثير السياسي وفن التجسس كجزء أصيل من فن الحكم (كما جاء في مقالة مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ويليام ج. بيرنز مطلع العام 2024)، فضلا عن التفوق العسكري الذي يضمن القدرة على التحرك بسرعة في أي بقعة في العالم.

 

إلا أن تسلط هذه الدولة عالميا، وافتعالها للأزمات، وإهراقها للدماء وإشعالها للحرائق في كل مكان، وغرورها المتنامي، سيجعلها بلا شك تحترق بالنار التي تشعلها، فتعجل بانهيارها وتراجع نفوذها ودفع ضريبة استكبارها، ﴿اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

 

كما أن ضعف قيادتها الفكرية وخسارة تحالفاتها الاستراتيجية وتسببها في الأزمات الاقتصادية العالمية، كلها عوامل تعجل من سقوط ولايات الشر الأمريكية المتحدة.

 

والأهم من هذا وذاك، أنها دقت بنفسها ساعة النهاية لتكتب فصول زوالها كإمبراطورية، فهرولة السفن الحربية إلى الشرق الأوسط وخسارة النفوذ في البحار، والهزائم في ساحات الفكر والسياسة، والتصدع في البنية الداخلية، وتخبط السياسة الخارجية وفقدان الثقة الدولية، ثم الانكسارات العسكرية البحرية، ليست مجرد انتكاسات متفرقة، بل هي دقات أولى في ساعة تراجع أعظم قوة اعتمدت على إرث ماهان وسبيكمان. ففي غياب السيطرة على الممرات البحرية، وضعف الهيمنة على الأطراف الساحلية الحيوية، وفشل الحلول الدبلوماسية والعسكرية، يبدأ العالم في إعادة رسم خارطته، وتبدأ أمريكا، ببطء وبتؤدة، في سحب جناحيها من السماء التي اعتادت أن تحلق فيها بلا منازع.

 

اليوم وقد كشرت عن أنيابها وأعلنتها حربا صليبية، وتحالفت فيها مع الصهيونية، ضد النبوءات الإسلامية، واتخذت من الخلافة الإسلامية عدوا لها، وجيشت من أجل قتل المسلمين عدتها وعتادها، فإن ردعها وإلزامها حجمها هو واجب شرعي على عاتق الأمة الإسلامية، لأنها الوحيدة القادرة على تخليص البشرية من شرها، ولا سبيل لذلك إلا بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

 

نعم، لقد آن أوان استعادة أمجاد عبد الله بن أبي سرح في أول وأعظم معركة بحرية، معركة ذات الصواري، حيث يُكتب التاريخ بماء البحر وسيوف الرجال. آن أوان أن تُصنع ملاحم جديدة على نهج القادسية واليرموك، ملاحم لا يعرفها الزمان إلا عن عزيمة الأبطال. آن أوان أن يتجدد صدى بطولات طارق بن زياد فاتح الأندلس، حين أطل بخطبته الخالدة: "البحر من ورائكم، والعدو أمامكم"، ليحرك القلوب قبل أن تحرك الجيوش. آن أوان تحقيق بشارة رسول الله ﷺ بفتح رومية بعد القسطنطينية، وأن تُرفع راية الحق فوق المدى. بل آن أوان استكمال مسيرة عقبة بن نافع رضي الله عنه، حيث تستمر خطوات الفتوحات على دروب العظمة، متوهجة بإرادة الرجال وعزمهم الذي لا يلين، آن أوان إتمام مشواره العسكري وتحقيق رجائه في غزو البحر الأطلسي، فيتحقق للمسلمين فتح أمريكا ورفع راية العقاب فوق البيت الأبيض، ليدرك العالم أجمع أن أمريكا هذه ليست سوى نمر من ورق، وما هزائمها وتمريغ أنفها في التراب في العراق وأفغانستان والصومال واستهداف قواعدها وبوارجها وطائراتها من قبل إيران التي كانت حليفة لها في غزو العراق وأفغانستان إلا مقدمات للنصر الذي ستحرزه الدائرة الحربية لدولة الخلافة القادمة قريبا بإذن الله. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

 

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ فِي الْبَرِّ، وَمَنْ أَجَازَ الْبَحْرَ (عبره في سفينة)، فَكَأَنَّمَا أَجَازَ الْأَوْدِيَةَ كُلَّهَا، وَالْمَائِدُ فِيهَا (الذي يصيبه الدوار والقيء) كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ (المتمرغ في دمه)» رواه الحاكم في المستدرك.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

فكرة قضية الجنوب العربي نشأتها

وبُعدها السياسي على أهل اليمن

 

 

إن ما تسمى بقضية الجنوب أو الجنوب العربي أو الحراك الجنوبي، أصبحت من أبرز الإشكالات التي يواجهها أهل اليمن في تاريخهم المعاصر، ومن أكثر التحديات التي أثرت على الانسجام والوئام وأخوة العقيدة الإسلامية بينهم في ظل أنظمة الحكم العلمانية، علما بأن الوحدة الاندماجية التي تشكلت عام 1990م لم تكن مبنية على العقيدة التي آمن بها أهل اليمن منذ فجر الإسلام، بل جاءت نتيجة لصراع محموم على النفوذ والمصالح بين المستعمر البريطاني القديم، والمستعمر الأمريكي الجديد. وفي موضوعنا هذا سنبين كيف نشأت قضية الجنوب العربي وبيان فسادها وبُعدها السياسي بين طرفي الصراع الأنجلو أمريكي، وما نتج عنها من أحداث سياسية أورثت أهل اليمن الشقاء وضنك العيش.

أولاً: إن تاريخ جنوبي الجزيرة العربية ملتصق تماما بتاريخ اليمن، ومن المستحيل عند دراستنا لتاريخ عدن وما حولها من المدن في الأزمنة الأولى أن نتجنب دراسة تاريخ اليمن إلى حد كبير. فقد كانت اليمن منذ ماضيها البعيد بما فيها عدن وما حولها وحدة سياسية واحدة.

 

وقد حكمت اليمن بين عام ١٥٠٠ ق. م حتى ظهور الإسلام ثلاث دول هي بالترتيب: الدولة المعينية، الدولة السبئية، الدولة الحميرية. وعند ظهور الإسلام اعتنق أهل اليمن الإسلام، وعيّن الرسول ﷺ الولاة والعمال على اليمن وكذلك فعل الخلفاء الأوائل من بعده ﷺ، فكان كل والٍ يحكم منطقة أو مخلافاً من مخاليف ولاية اليمن، واستمر الأمر كذلك أيام الأمويين والعباسيين والعثمانين أيضاً. إلا أنه ومع مطلع القرن التاسع عشر الميلادي بدأت الأوضاع في الخلافة العثمانية تزداد سوءا يوما بعد يوم. وكان السبب الرئيسي في ذلك هو تآمر الدول الأوروبية عليها، فقد تبنت هذه الدول وعلى رأسها بريطانيا أسلوب إثارة النعرات القومية، والنزعات الانفصالية في دولة الخلافة، وركزت على العرب والترك بشكل خاص. وبدأت السفارات الإنجليزية والفرنسية تثير تلك النعرات، وكانت أعمالها بارزة بشكل ظاهر، وخاصة في نجد والحجاز وبلاد الشام وجنوب اليمن.

 

 ثانياً: نتيجة لتلك الأحداث وبعد معركة 19 كانون الثاني/يناير 1839م احتلت بريطانيا عدن، وبدأت بالتنسيق مع سلطنات جنوب اليمن، ومن أهم المشيخات الذين نسقت معهم وأقامت علاقات واتفاقيات ومن ثم أوجدت الحدود:

 

1- سلطنة العبدلي التي تقطن إقليم لَحْج، الممتد في الشمال الغربي من عدن مسافة ٣٣ ميلا طولا، وثمانية أميال عرضاً، وتحد هذه القبيلة من ناحية الغرب قبيلة الصبيحي ومن الشرق قبيلة الفضلي، وتعتبر أراضيها واحة وسط الصحراء بين الواديين الكبير والصغير واللذين يتفرعان من وادي تين. والحوطة هي عاصمة لحج، وفيها يعيش السلطان وعائلته، ولحج ذات مركز متوسط في البلاد ولذا فهي أهم مركز تجاري في المنطقة يجمع فيها سلطان لحج ضرائب جمركية على السفن الراسية في ميناء عدن وعلى كل القوافل التي تمر في أراضي قبيلته وهي في طريقها من عدن إلى مناطق شمال اليمن.

 

2- الصبيحة: تقع قبيلة الصبيحة على الساحل بين رأس عمران وباب المندب وممتدة شمالا إلى منطقة طور الباحة، وهناك القليل من الزراعة في بعض المناطق التي تتوفر فيها الأودية ولكن معظم أفراد القبيلة رحالة، والصبيحة لا يدينون بالولاء لرئيس أكبر بل ينقسمون إلى عشائر متعددة أهمها الضبياني والمخدومي والمنصوري والرجاعي والرزيقي والأنوري. وغالبية الصبيحة يعتبرون سلطان لحج زعيمهم الأكبر يخضعون لشيخهم. وعاصمة الصبيحة قرية صغيرة تسمى أم رجاء.

 

3- السلطنة الفضلية: تقع أراضيها في شمال شرق عدن، وتمتد مسافة مائة ميل على طول الساحل من الحدود الشرقية للعبدلي قرب العماد إلى الحد الغربي للعولقي عند المقاطن، وتنقسم أراضيها إلى قسمين كبيرين: أراضي أبين المنخفضة والأراضي المرتفعة في الشمال الشرقي، وتشغل الواحات الخصبة جزءاً صغيراً من محافظة أبين، وميناء شقرة هي عاصمة الفضلي، وتقع بين عدن والمكلا وتبلغ المسافة بين عدن وشقرة نحو سبعين ميلا، وتقع سرية على بعد عشرين ميلا من أراضي شقرة الداخلية وأربعة أميال من الساحل، وسرية عبارة عن حصن يعيش فيه السلطان. كما تقع في أراضي الفضلي عدة قرى أهمها مسمال والأسالة، والطيران والعمودية والكور والعسلة والشريجة وثيران. والفضليون هم أقوى العرب وأشدهم بأساً حول عدن وهم يرغبون دائما في القتال.

 

4- العقربي: تقطن هذه القبيلة المنطقة الممتدة على طول الساحل من بير أحمد إلى رأس عمران، وكان العقارب فخذا من العبادلة إلا أنهم انفصلوا عنهم عام ۱۷۷۰ م، ولدى العقارب قرية واحدة تسمى بير أحمد وهي تقع على بعد نحو خمسة أميال غربي الشيخ عثمان، وتعتبر مركز السلطان.

 

5- العوالق: تمتد أراضي العوالق من الحدود الغربية لقبيلة الفضلي إلى الحدود الشرقية للذبيبي إلا أن ميناءي عرقة وحورة السفلى على هذا الساحل يسيطر عليهما شيوخ مستقلون، وتحتل العوالق أكبر مساحة من الأرض بالنسبة للقبائل الأخرى في الجنوب الغربي من الجزيرة العربية؛ إذ تمتد بلادهم نحو مائة ميل شرقاً ومثلها شمالاً. وتنقسم العوالق إلى قسمين: العوالق العليا والعوالق السفلى، وكل منهما تقع تحت حكم سلطان مستقل وتعتبر نفسها سلطنة ومشيخة مستقلة عن الأخرى.

 

6-الحوشبي: تقع هذه القبيلة شمالي قبيلة العبدلي، وتحدها شمالا إمارة الضالع وجنوباً الصبيحة وقسم من أراضي العبدلي والفضلي، وشرقاً اليافعي. ومن جهة قبائل مديريتي ماوية وخدير من محافظة تعز. والمسيمير عاصمة الحواشب، وهي تقع على بعد نحو خمسين ميلا من عدن، وعلى بعد ۱۲ ميلا من حدود اليمين. وأهم قرى الحوشبي الزائدة والشكعة والنوبة والمهدي والعند ونوبة دكيم وجول مدرم والملاح. وتقوم الحوشبي بإمداد عدن بالحبوب.

 

7- الأميري: وتقع قبيلة الأميري شمالي عدن على بعد ٩٦ ميلا منها. ويقع جبل جحاف غربي الضالع الذي تقع عليه نحو ثلاثين قرية صغيرة. وتقطن أراضي قبيلة الأميري عدة قبائل أهمها الشاعري والشعبي والحالمين، والحميدي والأحمدي والأزرقي والمحرابي والدكيمي والجليلة والعوابل.

 

8- المشيخات التي تقطن محافظة حضرموت الساحل والوادي: وهي قبيلة الكثيري والقعيطي والواحدي.

 

فكل هذه المشيخات استطاع الإنجليز إثارة النعرات القبلية والقومية والانفصالية فيهم. وكانت تعطيهم مرتبات شهرية بعد أن أقاموا معها معاهدات واتفاقيات. ومن هنا بدأت هذه الفكرة تترسخ في أذهان الأجيال جيلاً بعد جيل، وكان الغرض من إثارة الإنجليز لهذه الأفكار، احتلال أجزاء كبيرة من البلاد الإسلامية وهدم دولة الإسلام المتمثلة بالخلافة العثمانية وإبعاد أحكام الإسلام عن الحكم والسلطان. ونتيجة لكل تلك الأحداث، وعلى الرغم من محاولة الخلافة العثمانية استعادة المناطق الجنوبية إلى جسمها إلا أن ارتباط مشايخها بمعاهدات مع بريطانيا كان له الأثر الكبير، واستمر الحال بالأخذ والرد بين الخلافة العثمانية وبريطانيا إلى أن تم عزل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه اللّه، وكثرة الأحداث والقلاقل وفي عام 1905م فصلت الحدود الإدارية بين شمالي اليمن وجنوبه.

 

 ثم اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 1914م وقد قام الجنرال شو حاكم عدن بإبلاغ السلطان علي بن أحمد بن علي سلطان لحج أن بريطانيا أصبحت في حالة حرب مع الخلافة العثمانية، كما أصدر حاكم عدن منشوراً وعد فيه العرب بالمحافظة على حرمة البلاد المقدسة وحريتها. وقد أبدى السلطان علي امتنانه لهذا الوعد البريطاني بالمحافظة على الأراضي المقدسة، ولا ريب أن موقفه هذا يؤكد أن تلك السلطنات وخاصة سلطنة لحج أصبحت منذ ستينات القرن التاسع عشر وإلى اليوم إحدى دعامات الوجود البريطاني في جنوب اليمن.

 

ثالثاً: البعد السياسي

 

1- وبعد هدم دولة الخلافة عقب الحرب العالمية الأولى، وتغير الموقف الدولي، وصعود بريطانيا، وانطلاق ما تسمى بالثورات في البلاد الإسلامية، ولكنها لم تنجح لأنها ثورات يقودها أذناب الاستعمار البريطاني والفرنسي. وفي عام 1939م اندلعت الحرب العالمية الثانية واستمرت إلى عام 1945م وعلى إثرها صعدت أمريكا. وبدأت تنادي من منبر الأمم المتحدة حديثة التأسيس بفكرة حق الشعوب في تقرير المصير، وكان هدف الفكرة سياسيا، وهو إخراج الاستعمار الأوروبي القديم من مستعمراته في العالم آنذاك.

 

2- في عام 1954م بدأت بريطانيا تطرح مشروع اتحاد إمارات الجنوب العربي. وتعرض هذا المشروع لهجوم شديد من مصر واليمن الشمالي بعد عام 1962م. وهذا يدل على أن أمريكا هي بالأساس التي كانت تدير هذه التحركات وهذه الثورات وكان رجلها المعتمدة عليه جمال عبد الناصر. إلا أن الأوضاع لم تستقر لأن مشايخ القبائل في الشمال (حاشد وبكيل) كانوا عملاء لبريطانيا ويتقاضون مرتبات شهرية من السعودية التي كانت آنذاك تحت حكم فيصل بن عبد العزيز وكان تابعا لبريطانيا، وهذا ما سبب أزمة لأتباع أمريكا التي بادرت لعلاج أزمتها لأنها تشكل خطرا مباشرا على عبد الناصر بالذات وهو عمدتها في المنطقة كلها، ولهذا سارع عبد الناصر عام 1964م بالذهاب لليمن وألقى خطابين يهاجم فيهما إنجلترا بشكل عنيف فيقول في أحدهما "بريطانيا التي تنظر إلى ثورتكم بكراهية وحقد ينبغي عليها أن تحمل عصاها وترحل، إننا نعاهد الله ونحن على هذه الأرض أن نطرد بريطانيا من كل جزء من الأرض العربية ولهذا بذلنا الدماء وضحينا بالأرواح حتى حققنا النصر وسنبذل الدماء ونضحي بالأرواح وسنحقق النصر بإذن الله كما حققناه في مصر واليمن". ويذكر في الآخر صراحة أن بريطانيا يجب أن تخرج من عدن الجنوب العربي ومن عمان وأن شعب مصر وشعب اليمن مع الجنوب العربي. وهذا الكلام يراد منه إنذار إنجلترا من أن تقدم على عمل عسكري، وهو يعني أن هناك عملا عسكريا تريد أن تقدم عليه، فأرادت أمريكا تحذيرها فالجيش المصري في اليمن أداة بيد أمريكا لكي ترث إنجلترا في الاستعمار، وفيصل والبدر ومن لفّ لفيفهما أداة بيد الإنجليز لمقاومة أمريكا ولتثبيت نفوذهم وحماية مصالحهم، والصراع يباشره عبد الناصر وفيصل ولكنه صراع بين أمريكا وبين بريطانيا، وكان هذا واضحاً في نشاط بريطانيا في اليمن وقد تجلى في الإمدادات الهائلة التي قدمتها للإمام البدر من مختلف أنواع الأسلحة والمعدات ومن خبراء ومدربين ومن إعداده لهجوم كاسح على صنعاء 1962 - 1968م، وقد وصل الحال بالإمام البدر إلى حد أنه رأى من قوته ما يمكنه من احتلال صنعاء وصرح قبيل عيد الأضحى بأنه سيصلي العيد في مسجد صنعاء الذي صلى فيه صلاة الجمعة. ووصلت الجرأة لدى إنجلترا في البدء بالسلاح لدرجة أنها لما رأت أن منطقة حريب وهي الطريق الهام لتهريب الأسلحة للبدر تقف حجر عثرة في سبيلها هاجمتها بالطائرات ودمرت حصنها لتفتح الطرق أمام تهريب الأسلحة للبدر.

 

3- في الجنوب وبعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، اتخذت بريطانيا من قضية الجنوب مشروعا استعماريا؛ ففي 12 كانون الثاني/يناير 1963م ألقى الحاكم البريطاني في عدن السير تشارلز جونسون خطاباً بمناسبة افتتاحه دورة المجلس التشريعي وأعلن رسمياً أن سياسة بريطانيا هي الجمع بين عدن والإمارات وأعلن رسمياً انضمام عدن للاتحاد. وهكذا تطورت السياسة البريطانية في المنطقة من سياسة فرق تسد والفرقة بين السلطنات والإمارات والمشيخات إلى سياسة الضم والائتلاف. وكان هذا إثر انتشار أنباء وجود بترول في الجنوب فوجدت بريطانيا أن الأمر يتطلب منها إعادة تنظيم الأوضاع القائمة بحيث يمكنها في النهاية السيطرة الفعلية على مناطق الجنوب، وكيف تواجه أمريكا. وهكذا تتابعت الأحداث في الشمال والجنوب فكان عندما يتوافق العملاء والأتباع من الرؤساء في الشمال والجنوب تستقر الأوضاع. إلى أن جاءت وحدة اليمن الاندماجية وتوافق علي صالح وعلي سالم البيض وكانوا حينها عملاء للإنجليز، وأعلنوا الوحدة الاندماجية بين الشمال والجنوب وبحضور السفير البريطاني وعبد الله بن حسين الأحمر عام 1990م وبعدها بثلاث سنوات قامت الانتخابات البرلمانية في 27 نيسان/أبريل 1993م وحصل فوز ساحق للمؤتمر الشعبي العام.

 

رابعاً: الأوضاع بعد وحدة اليمن الاندماجية

 

وبعد انتخابات 1993م البرلمانية استمالت أمريكا علي سالم البيض وعلي ناصر محمد وانزعجت بريطانيا عندما أدركت أن أمريكا استطاعت استمالتهما بوسائلها المباشرة وغير المباشرة عن طريق مصر والسعودية في عهد فهد وحسني مبارك أوائل التسعينات. مع أن بريطانيا هي التي شكلت عن طريق عملائها ما أطلق عليه اسم "الجبهة القومية في جنوب اليمن" ودعتها لمفاوضات في جنيف ابتداء من 20/11/1967 لتمنحها حكم جنوب اليمن يوم 30/11/1967 بعد رحيل القوات البريطانية، وأصبح البيض حاكماً للجنوب بعد أحداث 1986م بدعم بريطانيا، فسيره مع أمريكا اعتبرته بريطانيا نكراناً للجميل! لذلك قررت إزاحته عن السلطة خاصة وأن لها إمكانية ذلك فرجلها الهالك علي صالح كانت له قوة يحسب حسابها في اليمن وليس في الشمال فحسب. وعلى إثر هذا اندلعت حرب بين قوات الشطرين سنة 1994 ولم يكن قد مضى على توحيدهما سوى أربع سنوات! ولما انتهت الحرب بهزيمة الوحدات العسكرية التي وصفت بـ"الجنوبية" هرب علي سالم البيض، وكذلك علي ناصر محمد إلى خارج اليمن.

 

خامساً: وخلاصة الأمر بعد هزيمة علي سالم البيض، سنة 1994 واستيلاء علي صالح على مقدرات اليمن الجنوبي وتهميش أهل الجنوب واضطهاد الكثير من عسكر الجنوب، فقد تسبب كل هذا في نشوء حركات معارضة متعددة، وتأجيج فكرة الجنوب العربي والدعوة إلى الانفصال وأبرزها ثلاث حركات هي:

 

- الحراك الجنوبي جناح علي سالم البيض وهو متقلب تارة مع أمريكا وعملائها، وتارة يوافق بريطانيا وعملاءها.

 

- الحراك الثوري الجنوبي جناح حسن باعوم وهو مدعوم من أمريكا وأشياعها وخاصة إيران.

 

- المجلس الانتقالي جناح الزبيدي وهو مدعوم من بريطانيا وعملائها وخاصة الإمارات.

 

كما أسلفنا فقد ألقينا الضوء على أهم مواقف بريطانيا تجاه قضايا اليمن الجارية. وإنه لمن المؤلم أن قضايانا يعبث بها الكفار المستعمرون بأدوات صدئة من بني جلدتنا! فتُسفك دماؤنا في اليمن وغير اليمن لمصلحتهم بأدوات محلية وإدارة إقليمية. ونسي هؤلاء أو تناسوا أموراً لو عقلوها لبكوا دماً من سوء ما فعلوا: فالله القوي العزيز قد نهى نهياً جازماً عن أن يركن المسلم إلى الكفار ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾، ورسول الله ﷺ يقول عن سفك الدماء بغير حق إنها أعظم عند الله من زوال الدنيا، أخرج الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» وأخرجه ابن عساكر في معجمه وقال هذا حديث حسن، فكيف وهي تُزهق لمصلحة الكفار المستعمرين؟! إنها لجريمة عظيمة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.

 

ومع ذلك فإن اليمن التي وصفها رسول الله ﷺ ببلد الإيمان والحكمة لا تخلو من رجال مؤمنين صادقين مخلصين سيقفون بالمرصاد لأولئك الذين يركنون للكفار المستعمرين. وسيعيدون اليمن بإذن الله دار إسلام تستظل براية الإسلام في خلافة راشدة على منهاج النبوة تعيد لها العزة فتكون كما قال ﷺ فيما أورده البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوباً الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ».

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سليمان المهاجري – ولاية اليمن

 

المراجع:

 

* كتاب سياسة بريطانيا في جنوب اليمن (جاد طه)

* نشرات وأجوبة أسئلة لحزب التحرير

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ما الذي يحتاج إليه العالم اليوم؟

 

عقب الهجوم الذي نفذته أمريكا وكيان يهود على إيران، تعالت أصوات دول العالم، والجماعات السياسية، بل وحتى الأفراد، يبدون آراءهم ويعبرون عن مواقفهم تجاه هذه القضية.

 

تقول الدول الشرقية والغربية المحتاجة إلى النفط والغاز إن الحالة قبل الحرب كانت صحيحة وجيدة. وتؤكد الدول المعتمدة على تكنولوجيا ومنتجات الدول المتقدمة في الشرق والغرب إن الأوضاع قبل الحرب كانت أفضل، وذلك خشية ارتفاع الأسعار وتفاقم الأزمات الاقتصادية نتيجة نقص الطاقة الذي قد تسببه الحرب.

 

وفي هذا الصدد، وعلى الرغم من اختلاف العقائد والأنظمة السياسية، فإن البلاد الإسلامية وغير الإسلامية تبدي مواقف متشابهة إلى حد بعيد. ويحمّل بعضهم ترامب وإدارته والجمهوريين مسؤولية ما حدث، ويزعمون أنه لو كان الديمقراطيون في الحكم لما وقع ذلك، وكان العالم في نظام عدل واستقامة. ويؤكد معظمهم أن قوانين الأمم المتحدة والقانون الدولي قد تعرضت لانتهاكات متكررة في الآونة الأخيرة، ويرون أنه لو كانت هذه القوانين تطبق كما ينبغي، لعاش العالم في ظل العدل والأمن والسلام.

 

فهل الأمم المتحدة، التي أسستها خمس دول كبرى، ومعها القوانين الدولية والأنظمة الاقتصادية والمالية العالمية، هي حقا مصدر العدل والسلام والرفاه؟ أم هي مصدر الحروب والمآسي والمصائب والمعاناة التي يشهدها العالم كله؟

 

إن البلاد الإسلامية، التي لم تتحرر بعدُ من آثار الاستعمار والنفوذ الاقتصادي والثقافي والعسكري وانقسمت، ما زال بعضها متمسكاً بأمريكا ويعتقد أن البقاء تحت جناحها أفضل، بينما يرى آخرون أن المستقبل في التعاون مع الصين، ويذهب قسم ثالث إلى أن الاتحاد السوفييتي كان القوة الحقيقية، وأنه آن الأوان للتعاون مع روسيا وريثه الشرعي!

 

إن قادة هذه الدول، التي انهزمت في إدارتها، يجبرون العلماء والمفتين المسلمين الموالين لهم على بث آرائهم بين الناس، وفرض رؤيتهم كآراء إسلامية على المجتمع بالقوة.

 

إن كل من يراقب فساد العالم وغرقه في الظلم والجشع والانحلال، من الجماعات السياسية، يرون مثل قادة دولهم أن السبيل إلى الإصلاح هو في الديمقراطية وتطبيق القوانين الدولية بالشكل الصحيح. فهل الأمر حقا كذلك؟

 

بعض الأشخاص والعلماء والفقهاء المسلمين الذين يدركون فساد القوانين الدولية وأن الأمم المتحدة أصبحت بؤرة الظلم والعنف في العالم، وأن المنظمات العسكرية والاقتصادية والمالية الدولية هي مصدر المصائب التي حلت بالبشرية، يرون أن سبيل النجاة منها هو الخلافة.

 

ويرى بعض العلماء والمسلمين اليوم أننا تخلفنا عن الدول المتقدمة في ميادين العلم، وأن العلم ينقذنا، ولا بد أن نعطيه اهتماما شديدا وجادا! إن عدد العلماء في شتى ميادين العلم في البلاد الإسلامية يفوق عدد العلماء في أي دولة أخرى بعدة أضعاف. فهل هذا أنقذنا؟ وهل ينقذنا في المستقبل؟

 

ويقول بعضهم إن غالبية البلاد الإسلامية فقيرة، وأننا نفتقر إلى الثروات. أيمكن لدول غنية مثل قطر، والإمارات، والسعودية، والكويت أن تنقذ نفسها حقا بفضل ثرواتها؟ أم أن الغنى وحده لا يكفي لتحقيق الأمن والاستقرار؟

 

ويذهب بعض الناس إلى أنه ليس لدينا مصانع لإنتاج الأسلحة، وأن الأمة في حاجة ماسة إليها لتأمين نفسها ولإنقاذها، فهل استطاعت باكستان أن تنقذ نفسها بامتلاكها الأسلحة النووية؟

 

ويذهب بعض الناس إلى أن أخلاق المسلمين قد تدهورت، وأن السبيل إلى الإصلاح يكمن في تربية الأجيال على الفضائل والقيم الأخلاقية النبيلة...

 

هل تستطيع الأنظمة الرأسمالية، أو الديمقراطية، أو الاشتراكية، أو القوانين الدولية، أو الأمم المتحدة، أو أي تكتل عسكري أو اقتصادي أو سياسي ناشئ من جديد أن تضمن للبشرية السعادة والرخاء، أم أن هذا مجرد وهم؟

 

إن نظام الإسلام الذي أنزله الخالق سبحانه وتعالى، هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن ينقذ المسلمين بل كل البشرية من الجهل والظلم والعنف، ومن الانهيار الاقتصادي والانحلال الأخلاقي، ويهبهم السعادة الدائمة والرفاه الحقيقي الذي لا ينضب. إن هذا النظام لا يتطلب من البشرية أن تبتكره أو تخترعه، فهو قائم منذ أكثر من 14 قرنا دون تحريف أو فساد، باقٍ في صورته الطاهرة كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية.

 

كل البشرية، وخصوصا أمة الإسلام، بحاجة إلى قادة رشيدين قادرين على فهم هذا النظام كما هو، بدون خلط مع أشياء أخرى، ونقله بشكل صحيح، وتطبيقه على الوجه الصحيح.

 

هل في الأمة من يتمتع بهذه الصفات؟ نعم، إنهم موجودون بينكم ومعكم منذ عام 1953. أيها المسلمون الأعزاء، يا من تسمعون، ويا من ترون، أنصتوا لهم بقلوب صافية وانظروا لهم بأبصار بصيرة حقيقية، لتدركوا الحق كما هو. أنصتوا لهم، وتمسكوا بهم، وأطيعوهم، وأعينوهم، وطبقوا أقوالهم بوعي تام وبإخلاص صادق، لتكون خطواتكم متوافقة مع الحق والهدى.

 

إن كل العالم، وخصوصا أنتم أيها المسلمون، اليوم في أمس الحاجة إلى هذا الأمر، فهو السبيل الوحيد إلى النجاة والهداية والرفاهية الحقيقية.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أحمد هادي

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم 

ظاهرة انتحار القوى الكبرى

(ترامب وأمريكا نموذجاً)

 

 

يرى الكثير من المؤرخين، وعلى رأسهم بول كيندي، أن الدول العظمى لا تسقط عادة بسبب قوة خصومها فحسب، بل بسبب تآكل داخلي ناتج عن سوء تقدير في إدارة شؤون البلاد، وعدم التمييز بين الاستراتيجي والتكتيكي؛ فقد تخوض الدول العظيمة والكبيرة حروباً هي في نظرها حروب استراتيجية مع أنها ليست كذلك، أو أن تخوض حروباً كان من الممكن تفاديها سواء بتنازلات الخصم أو أن يكون خوض هذه الحروب مكلفاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

 

وفي حالة أمريكا، فإننا أمام دولة غلبت عليها الغطرسة والكبر، بحيث إنها ترى أن أي شيء يمكن تحقيقه بالقتل والتدمير، لذلك تراها عاشت إخفاقاً في إخفاق. والناظر في سياستها الخارجية منذ بداية ما بعد الحرب العالمية الثانية يرى أنها أخفقت في الشرق الأوسط والأقصى والأدنى، وأخفقت في أوروبا وآسيا، ما جعلها بالتالي تراجع سياستها الخارجية كل وقت وحين، إلى أنْ غلبت عليها عقلية وسلوك الدولة الاستعمارية التي تسعى لتحقيق مصالحها والقيام عليها بنفسها، وتركيع خصومها وضرب الأحلاف التي كانت تستعين بها؛ بمعنى أنها تريد أن تدير العالم دون معاونة أحد، ولذلك وأمام هذه التصورات المجنونة فإنها اختارت شخصاً يمثل هذه العقلية الإجرامية الوقحة مثل ترامب.

 

ويرى الكثير من المؤرخين تحت عبارة (فخ التمدد الزائد) أو تجاوز القدرات، أن الدولة إذا وصلت إلى مرحلة العظمة في القدرات العسكرية والاقتصادية، فإنها حينها تبدأ بنشر جيوشها وقواعدها في كل مكان لحماية مصالحها، وتصبح هناك مشكلة حقيقية وهي كون ذلك الهوس الزائد في التوسع أعلى من العائد الاقتصادي الذي تجنيه منها، وبالتالي تكون الدولة تلك تحت عجز دائم يستحيل علاجه، ما يؤدي بالتالي إلى عجز الدولة عن سداد الديون وتلجأ دائماً للاقتراض سواء بإصدار السندات، وفي حالة أمريكا رفع سقف الدين.

 

عندما يقود الدول الكبرى شخص مهووس يرى أن إرادته فوق قواعد اللعبة الدولية أو المؤسسات الناظمة للمجتمعات، كما في حالة نابليون أو هتلر أو ترامب، فإن الدولة تبدأ بالتراجع ولو ظهر عليها خلاف ذلك في بداية الأمر. فتآكل التحالفات التي كانت تتقوى بها أمريكا، بل وأشرفت هي بنفسها على إنشائها مثل حلف الناتو أو منظمة التجارة العالمية، هو من عوامل الإضعاف والتراجع؛ فإن أمريكا الآن توشك أن تضحي بكل الحلفاء، وهذا بالإضافة لسياسة الابتزاز الفعلي الذي تمارسه تجاه دول هي في حقيقتها تحمل عقلية استعمارية مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ولا يصح مع هذه الدول أن ينظر لها نظرة دونية وإلا فإننا أمام تفكيك حقيقي لهذه الأحلاف والخاسر الفعلي هو أمريكا. وقد أظهرت حرب أمريكا على إيران هذا التفكك والتشظي فيما يسمى حلف الناتو، بل إن الابتزاز الزائد لهذه الدول ووصفها بالجبانة جعلها تصرح أن حرب أمريكا وترامب ليست حربها.

 

إن إهمال أمريكا للقوة الناعمة وجعلها في الطائرات والدبابات، وترك النموذج القيمي والأخلاقي الذي كانت تتستر به والذي كشفه أبو غريب وغوانتنامو، هو مؤذن بزوال حامية الرأسمالية وسيدة العالم. وإن حالة الاستقطاب الداخلي الذي يوشك أن يفتك بوحدة المجتمع في أمريكا، إذا أضيف إلى ما قمنا بتوصيفه آنفاً، يوشك أن يجهز على أي دولة وإن سنة التاريخ لا تحابي أحداً. وإذا صح لنا أن نقرأ أمريكا قراءة جديدة، فإنها بعد الحرب العالمية الثانية وإلى بداية التسعينات من القرن الماضي كانت تحافظ على شيء من اللباقة السياسية مع الأحلاف والمؤسسات الدولية والعملاء، ولكنها مع مجيء الجمهوريين ومع بداية حرب الخليج الأولى ومجيء رجال للحكم أقل كفاية وأكثر تهوراً، خلعت أمريكا عن نفسها ثوب الدبلوماسية، ووصول ترامب للحكم شاهد على هذا الشكل الجديد.

 

إن ظهور الدولة الأولى في العالم بمظهر المنفلت من القوانين الدولية، أو الدولة التي لا تهتم إلا بمصالحها الضيقة والضرب عرض الحائط بمصالح الأحلاف والأتباع، يجعل حلفاء الأمس أعداء اليوم بحيث يبدأ هؤلاء بالبحث عن بديل، وبريكس ودولها مثال على ذلك.

 

إن أمريكا الآن في مأزق حقيقي، فهي تسعى للإمساك والقيام على مصالحها نيابة عن العملاء والحلفاء، وإن صعود الصين الصاروخي قد جعلها تفكر في سياسة الخنق بدل سياسة الاحتواء؛ ففنزويلا ومضيق هرمز يمثلان الشريان التاجي بالنسبة للصين. ولا نبالغ إذا قلنا إن أمريكا تعتبر معركتها ضد إيران معركة ضد الصين، وأنها تظن أن هذه ربما تكون آخر فرصة تاريخية لها للحيلولة دون إزاحتها عن كونها الدولة الأولى في العالم، لذلك فهي تضرب بأقصى قوتها وربما قد تستخدم أي سلاح لكسب حربها مع إيران وتركيعها.

 

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو المعتز بالله الأشقر

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

أخطر الأسئلة تلك التي نتوقف عن طرحها

 

 

ليست السلطة في جوهرها مجرد قدرة على فرض القرارات، بل هي قبل ذلك قدرة على تشكيل ما يُسأل وما لا يُسأل، فحين تتوقف الشعوب عن طرح الأسئلة لا تكون قد بلغت اليقين، بل غالباً تكون قد دخلت في مرحلة الخضوع غير المعلن، وإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الحياة السياسية ليس وجود إجابات خاطئة، بل غياب الأسئلة نفسها.

 

في البداية تُطرح الأسئلة بوصفها حقاً طبيعياً: لماذا يُطبق علينا هذا النظام؟ أليس هو امتداداً للسابق؟ من المستفيد؟ لماذا لا نطبق نظاماً يمثلنا؟ ...إلخ. لكن مع مرور الوقت، وتحت تأثير الخوف أو الدعاية أو الإشباع الزائف، حُوّلت بعض الأسئلة إلى محظورات غير مكتوبة، وهنا تبدأ السياسة في الانحراف من كونها إدارة للشؤون العامة إلى كونها إدارة للوعي.

 

عندما تتوقف السلطة السياسية عن التشكيك في شرعيتها وعن الخضوع لأسئلة الناس، فإنها تنتقل من مرحلة السلطة القائمة على الإقناع إلى مرحلة السلطة القائمة على الإرهاق، وهنا يكمن الخطر، ليس في كثرة الأسئلة بل في غيابها.

 

قبل عام 2011، أي قبل ما سُمي بالربيع العربي، كانت الدول العربية تعيش الجمود السياسي الناتج عن تحنيط السؤال لإطالة عمر الجلوس على كرسي السلطة، في الأسئلة الكبرى مثل: من يحكم؟ لماذا هذا القرار؟ أين تذهب مواردنا؟ أصبحت أسئلة منسية أو أسئلة مجاباً عنها مسبقاً عبر خطاب أحادي لا يقبل النقاش.

 

وحين اندلعت الاحتجاجات لم تكن مجرد انتفاضات جياع، بل عودة عنيفة للأسئلة المكبوتة: كيف يحكمنا من لا يُسأل؟ كيف نعيش بكرامة دون أن نشارك في قرارنا؟

 

ففي الخطاب السياسي الاستبدادي يُعاد تعريف طرح الأسئلة الجوهرية بوصفها تشكيكاً في الثوابت أو تآمراً على الأمن الوطني، هنا تتحول أخطر الأسئلة إلى أسئلة محظورة يُعاقب عليها.

 

في عدد من الدول التي شهدت انقلابات عسكرية، كان النقاش في بدايتها محتدماً حول شرعية السلطة، ثم مع مرور الزمن اختفى السؤال تدريجياً ليحل محله سؤال أقل خطورة: كيف نتكيف مع الوضع القائم؟ وهنا يكمن الخطر، فالتكيف مع الواقع دون مساءلته يُنتج واقعاً مهما كان مختلاً.

 

ففي الاقتصاد تُعرض غالباً بلغة تقنية معقدة على العوام (نمو - تضخم - استثمارات - عوائد...)، لكن السؤال الحقيقي: لمن يذهب هذا النمو؟ عندما تتوقف الشعوب عن طرح هذا السؤال، يمكن أن تنمو الأرقام بينما تتدهور العدالة في المجتمع.

 

وفي حالة الأمن مقابل الحرية يُطرح سؤال: ما هي حدود السلطة الأمنية؟ حيث تحت ذريعة الاستقرار تُمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة، ويُقنع المرء بأن التضحية بجزء من حريته أمر مؤقت، فيستيقظ على واقع تصبح فيه الحرية استثناء لا قاعدة.

 

فحين يبدأ الأفراد بمراقبة أنفسهم وتجنب الأسئلة التي قد تضعهم في دائرة الشبهة أو العزلة، تكون السلطة قد نجحت في أخطر مراحلها، حيث لا يعود الصمت مفروضاً بل يصبح خياراً يبدو عقلانياً!

 

لا تُقاس حيوية الشعوب بمدى اتفاقها، بل بقدرتها على الاختلاف وطرح الأسئلة الصعبة دون خوف، فالسؤال ليس تهديداً للاستقرار كما يُصور أحياناً، بل هو الضمانة الوحيدة لعدم تحول الاستقرار إلى الجمود، وعدم تحول السلطة إلى يقين مغلق، وإن المجتمعات التي تفقد شجاعتها في السؤال تفقد تدريجياً قدرتها على التصحيح، ثم على الفهم، ثم على البقاء.

 

في الإسلام تختلف الموازين، حيث إن المشرع هو الله، والنظام (الخلافة) مأخوذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب يمارسه المسلمون بشكل طبيعي، ومجلس الأمة ينوب عنهم بهذه المحاسبة؛ عمل المجلس ومحاسبة الخليفة والمعاون والوالي والعامل، أي كل مناصب الحكم، وأيضاً فإن محكمة المظالم يعود لها أي خلاف مع السلطة وأدواتها والشعب، فتفصل الخصومات بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فإن الأصل في نظام الخلافة أن يطلب من الرعية أن تسأل أي سؤال، ولا وجود للأسئلة المحرمة أو المجمدة، بل لقد أمر الشارع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوجد لهذا العمل مسالكه الشرعية، وهناك أدلة كثيرة تحث على ذلك. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وفي حديث رسول الله ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».

 

ففي الإسلام السؤال واجب دون أي تبعة تتعلق بالسائل، بل هناك حث على ذلك كما جاء في حديث رسول الله ﷺ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». ولأي عضو في مجلس الأمة، باعتباره يمثل المسلمين، أن يسأل أي سؤال مهما كانت خطورته، فليس هناك سؤال محظور. هذا هو المنهج الرباني الذي يحفظ للإنسان إنسانيته ويضمن له العيش بالعز والكرامة، اللهم عجل لنا بعودة دولة الخلافة الراشدة التي وعدت.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم 

من الدكتورة عافية صديقي إلى آسيا أندرابي

لقد تخلت باكستان عن أخت شجاعة أخرى وسلّمتها إلى الكفار!

 

(مترجم)

 

 

في 24 آذار/مارس 2026، حكمت محكمةٌ خاصةٌ في دلهي على الزعيمة الكشميرية الصامدة آسيا أندرابي، وهي أمٌّ لثلاثة أطفال وتبلغ من العمر 64 عاما، بالسجن المؤبَّد ثلاث مرات. أما زوجها، المُقاتل المتمسّك بالإسلام محمد قاسم فاكتو، فهو قابعٌ بالفعل في زنازينهم منذ عام 1993، حيث حُكم عليه سابقاً بالسجن المؤبَّد بالتهمة نفسها، وهي رفضه الخضوع للمحتَلِّ الهندوسي. هذه الأسرة لم تُدمر بفعل العدالة، بل بفعل الحرب المدبرة التي يشنها الهندوس ضد كل أسرة مسلمة تجرؤ على التمسّك بأن كشمير بلد خراجي تنتمي لأمة محمد ﷺ.

 

وفي الحكم نفسه، أصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن ثلاثين عاماً على زميلتيها المقربتين: ناهيدة نسرين، والأكثر إثارة للأسى، صوفي فهميدة، التي تعرضت لاعتقالات مستمرة ووحشية. واليوم، تخرج الناشطة التي كانت مُفعَمة بالحيوية سابقاً بعد سنواتٍ من الحبس العنيف في سجن تيهار، مُقعدة على كرسيٍّ متحرّك، بعد أن حطّمتها قسوة المحتَلِّ المنهجية. هذه ليست مجرّد عقوبة، بل هي تدمير متعمّد لحرائر المسلمين اللواتي يرفضن البقاء صامتات في وجه الاحتلال.

هذه ليست مجرد حالات فردية من الظلم، بل إنها فصل مدروس في كتاب مفتوح عن القهر الهيكلي الذي كتبته الدولة الهندوسية بدماء مسلمي كشمير على مدى أكثر من سبعة عقود. فالاحتلال لا يقتصر على الوجود العسكري على الأرض، بل هو نظام قمع متعدد المستويات صُمِّم ليكسِر إرادة، وعقلَ، وروحَ كل مسلم يجرؤ على الإصرار والتأكيد بأن كشمير تخصّ الأمة وليس أتباع الديانة الهندوسية الوثنيّة.

 

لقد انكشفت حقيقة ما تُسمى بالسلطة القضائية الهندية ليتضح أنها ليست سوى ذراع للدولة الهندوسية. فتحت قانون "منع الأنشطة غير القانونية" (UAPA) القاسي، الذي يُعد أداة للإرهاب المقنن، تُصدر هذه السلطة أحكاماً بالسجن المؤبد وعقوبات بالسجن لعشرات السنين ضد المقاومة السياسية، بينما تحمي قوات الاحتلال من المساءلة. وتُظهر قضيتا آسيا أندرابي وصوفي فهميدة هذه المهزلة بوضوح. كما أن الآلاف من الرجال والنساء الكشميريين المسلمين، صغاراً وكباراً، يتعفنون في السجون الهندية بتهم ملفقة، ويتم حرمانهم من محاكمات عادلة، ويتعرضون للتعذيب، ومنسيون من قبل العالم. بالمقابل، وبموجب قانون الصلاحيات الخاصة للقوات المسلحة (AFSPA)، يرتكب الجنود الهندوس جرائم القتل والاغتصاب والتعذيب ويتمتعون بحصانة قانونية، وتقوم المحاكم بالتعامل مع هذه الفظائع باعتبارها "أمن قومي".

 

وبينما تمارس الدولة الهندوسية عقاباً جماعياً منهجياً ومدروساً، فإن النظام في إسلام آباد، تماماً كما سلَّم الدكتورة عافية صديقي إلى أمريكا الصليبية لتعذب في سجونها المظلمة، ها هو الآن يتخلى عن آسيا أندرابي وصوفي فهميدة ويتركهما في قبضة الهندوس الوثنيين.

 

إن موافقة القيادة الخائنة في باكستان الضمنية على إلغاء المادة 370، واستسلامها المتعمد، كشفا عن تواطؤها التام. لقد أثبت حكام باكستان استعدادهم للتضحية بمسلمي كشمير من أجل إرضاء النظام الدولي والحفاظ على الوضع الراهن. إن هذه القيادة تُطبّع الاحتلال، ملتزمةً بإملاءات أسيادها الاستعماريين، بينما تُدفن أمهات مثل آسيا وبنات مثل صوفي أحياء في السجون الهندية. لقد تخلوا تماماً عن أمر الله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾.

 

أيها الضباط والجنود المخلصون في الجيش الباكستاني! استمعوا إلى الصرخات الموجهة إليكم من حرائر هذه الأمة المستضعفات، أيها الرجال المسلحون الحائزون على الأوسمة. انظروا إلى آسيا أندرابي، تلك الأم المسنة البالغة من العمر 64 عاماً، وإلى صوفي فهميدة، تلك الشابة التي أصبحت الآن مقيدةً على كرسي متحرك بسبب وحشية المحتل. وتذكروا الدكتورة عافية صديقي، التي لا تزال تقبع في جحيم السجون الأمريكية. انظروا كيف يبقين صامدات، ويرفضن التنازل قيد أنملة عن عزمهن في وجه الكفار. إنهن غير مسلحات ومسجونات، ومع ذلك يظل إيمانهن راسخاً. فما هو عذركم إذن؟ أنتم تمتلكون الدبابات والطائرات والأسلحة الثقيلة، وتتباهون بقوتكم العسكرية وتزينون صدوركم بالميداليات ليعجب العالم بها، ومع ذلك لا تحركون كتيبةً واحدةً لتحرير أخواتكم من هذا الظلم اللئيم!

 

لقد فتح الله عز وجل أمامكم فرصة سانحة؛ فالهيمنة الزائفة للولايات المتحدة تتداعى، والنظام الدولي الذي يُقدَّس زوراً ها هو يُنتهك على أيدي من أنشأوه. والقوى الاستعمارية مشغولة في أمورها وتتهاوى. فماذا تنتظرون؟ اتخذوا خطوة الرجال الحقيقيين! اكسروا قيود حكامكم الخائنين وكونوا أنصار هذه الأمة!

 

والله، إن لم تتحركوا، فإن صرخات آسيا وعافية ودموعهن المتدفقة، وكذلك صرخات ودموع حرائر هذه الأمة المستضعفات، ستكون شاهدة عظيمة عليكم يوم القيامة. إن وزر الخيانة والخذلان مرعبٌ ولن تطيقوا تحمله يوم تقفون بين يدي خالق السماوات والأرض. فالاحتلال مؤقت، ونصر الإسلام حتمي. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.

 

إن الأمة تنتظر نُصرتكم، فلن تُحرَّر حرائر هذه الأمة من الكفّار إلا بالخلافة الراشدة. فيا أيها الضباط في الجيش الباكستاني! إن لم تتحرّكوا الآن، فما أعظمَ الخزي الذي سيحلّ عليكم في الدنيا والآخرة أمام الله! حطموا قيودكم، وانصروا المُستضعَفين في كشمير.

 

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمّد عبد الله – الهند

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى أين يتجه مسار السياسة في قرغيزستان؟

 

 

في أعقاب عزل الرئيس السابق للجنة الدولة للأمن القومي، كامشيبيك تاشييف، عزل عدد من المسؤولين المرتبطين به من مناصبهم، كما قدّم عدة نواب استقالاتهم من عضوية البرلمان. وقد أصبح ذلك علامة على النهاية الرسمية لتحالف شخصين نافذين كانا يديران السلطة خلال السنوات الخمس الماضية. وقبل تحليل الأحداث الجارية حالياً واتجاهاتها المستقبلية، دعونا نتوقف بإيجاز عند ماضي السياسة في قرغيزستان.

 

وصل الإسلام إلى منطقة آسيا الوسطى، بما في ذلك قرغيزستان، في القرن الثامن الميلادي. ففي عام 751م وقعت معركة طلاس الشهيرة، التي دارت بين جيش المسلمين والجيش الصيني، وانتهت بانتصار المسلمين. ونتيجة لذلك، انقطع نفوذ الصين من المنطقة لما يقارب ألف عام. وخلال تلك الحقبة، حُكمت المنطقة بالإسلام تحت مسميات السلطنة والإمارة والخانية. ومع حلول القرن التاسع عشر، بدأت الإمبراطورية الروسية في الصعود وشرعت في محاولة احتلال آسيا الوسطى. وفي عام 1876م خضعت قرغيزستان للاحتلال القيصري الروسي. وانتهت ثورات المسلمين ضد هذا الاحتلال بالفشل، وكان من بين الأسباب الرئيسية لذلك ضعف ارتباط المنطقة بالسلطة المركزية في عهد الخلافة العثمانية.

 

وبعد سقوط روسيا القيصرية وتأسيس الاتحاد السوفييتي، أصبحت قرغيزستان إحدى الدول التابعة له. وهكذا، بقيت قرغيزستان تحت الحكم المباشر لروسيا من عام 1876 حتى عام 1991. وعندما تفكك الاتحاد السوفييتي، استقلت قرغيزستان شكلياً، إذ استمر نفوذ روسيا القوي فيها. ويظهر ذلك بوضوح في السياسات التي اتُّبعت خلال عهد أول رئيس، عسكر أكاييف، والتي كانت خاضعة بالكامل لروسيا، فقد أدخل قرغيزستان في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تهيمن عليها روسيا عسكرياً، وفتح المجال لنشر القواعد العسكرية الروسية داخل البلاد. أما سياسياً، فقد أصبحت عضواً في رابطة الدول المستقلة التي أنشئت بديلاً عن الاتحاد السوفييتي. ومن الناحية الاقتصادية، فتح المجال أمام تدفق مئات الآلاف من المهاجرين إلى روسيا، وحوّل البلاد إلى دولة تعتمد على الاستيراد، مع التركيز على جلب السلع الأساسية من روسيا. كما منح أكاييف اللغة الروسية صفة رسمية، ما ضمن استمرار الثقافة الروسية في البلاد.

 

وفي أواخر تسعينات القرن الماضي، ومع انشغال روسيا بحربها ضد الشيشان، أعلنت أمريكا حربها ضد الإسلام وغزت أفغانستان والعراق. واستغلت هذه المرحلة لتجد فرصة للتأثير، ولو جزئياً، على السياسيين في قرغيزستان. ولا سيما في عهد جورج بوش الابن، حيث بدأت بإقامة علاقات مع قادة آسيا الوسطى. وبالفعل، في عام 2001، افتتحت قاعدة ماناس الجوية الأمريكية قرب بيشكيك. ولم تعارض روسيا ذلك، إذ كانت حملة أمريكا ضد الإرهاب تحت مسمى الإسلام في أوجها عالمياً، وقد حاولت روسيا من خلال موافقتها على افتتاح القاعدة احتواء السياسة الأمريكية الخبيثة. ولا شك أن هذا الوضع مهّد لدخول نفوذ أمريكا إلى البلاد.

 

وخلال عهد أكاييف، غرق المسؤولون في الفساد، وأدى عجزهم عن الحكم إلى دفع البلاد نحو الهاوية. ونتيجة لسوء الإدارة وانتشار الرشوة على نطاق واسع، تفاقم الفقر ودخل الاقتصاد في حالة من الركود. إضافة إلى ذلك، تم في عام 2003 إجراء استفتاء وأدخلت تعديلات على الدستور، ونتيجة لذلك تقلص دور البرلمان، وتوسعت صلاحيات الرئيس، وفتح الطريق أمام أكاييف لإعادة انتخابه رئيساً من جديد.

 

يمكن اعتبار ذلك داءً لدى من يتولّون قيادة هذا البلد؛ لأنهم إن وصلوا إلى السلطة، سعوا إلى الحكم الأبدي. وفي النهاية، يلجؤون عبر الاستفتاءات إلى توسيع صلاحياتهم وزيادة مدة ولايتهم الرئاسية. وقد سئم الشعب من هذا الوضع، فقام عام 2005 بثورة أسقطت أكاييف، وجاء باكييف مكانه. وخلال حملته الانتخابية، أعلن تشكيل تحالف مع الجنرال فيليكس كولوف، صاحب النفوذ في الشمال. وكان كولوف قد سُجن بدوافع سياسية في عهد أكاييف، ثم أطلق سراحه أثناء الثورة. لكن لم تمضِ سنة حتى انهار هذا التحالف القائم على المصالح، وتركّزت مقاليد السلطة كاملة في يد باكييف.

 

كانت روسيا تعتقد أنه رغم مجيء باكييف من صفوف المعارضة، فإنه بعد وصوله إلى الحكم سينفّذ مطالبها بالكامل، لأن أدوات النفوذ الأساسية في البلاد كانت بيدها، وكانت تعلم أن أيّاً كان من يتولى الحكم سيجبر على تنفيذ أوامرها. غير أن حالة عدم الاستقرار والفوضى والاضطرابات الشعبية فتحت المجال أمام دخول القوى الغربية إلى البلاد، وعلى رأسها أمريكا. إضافة إلى ذلك، كان باكييف نفسه ضمن دائرة القوى الموالية للغرب، كما برزت شخصيات سياسية أخرى ذات توجه غربي بعد هذه الثورة إلى البرلمان ومفاصل السلطة. إلا أنه، كما أسلفنا، وبسبب ارتباط قرغيزستان عسكريا وسياسيا واقتصاديا بروسيا، فإن من يتولى القيادة يضطر للخضوع لها.

 

في المرحلة الأولى من رئاسته، التزم باكييف بموقف روسيا وسعى إلى تنمية اقتصاد البلاد. لكنه لاحقاً اتجه نحو سياسة متعددة الاتجاهات، وسعى إلى افتتاح مركز لتدريب القوات الخاصة الأمريكية في البلاد. وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأ بتوسيع التعاون مع الصين. ولم ترض روسيا عن ذلك، إذ كان افتتاح مركز لتدريب القوات الخاصة الأمريكية بمثابة خط أحمر بالنسبة لها، لما يمثله من تهديد مباشر. إضافة إلى ذلك، استحوذ ابن باكييف وأقاربه على مناصب مهمة، وبدأوا بالتحكم في البلاد كما يشاؤون، ما أثار سخط الشعب. ونتيجة لذلك، وفي عام 2010، استغلت روسيا حالة السخط الشعبي وتمكنت من إسقاط باكييف، وشُكّلت حكومة مؤقتة برئاسة روزا أوتونباييفا.

 

وفور انتهاء الثورة، اندلع صراع عرقي في جنوب البلاد، أودى بحياة عدد كبير من الناس، وكانت روسيا وراء هذا الصراع القذر، إذ سعت من خلاله إلى إعادة أوزبيكستان إلى قبضتها من جديد؛ لأنها كانت قد قطعت علاقاتها مع روسيا وبدأت تتجه نحو أمريكا. فقد قامت أمريكا بإغراء كريموف اقتصادياً وأمنياً، ما دفعه إلى التقارب معها بشكل متزايد والابتعاد عن روسيا بشكل ملحوظ. وبناءً على ذلك، كان على روسيا أن تضع حداً لتقارب كريموف مع أمريكا. فإذا ما عبر اللاجئون الأوزبيك من قرغيزستان إلى أوزبيكستان نتيجة هذا النزاع، فسيُتخذ ذلك ذريعة للتدخل عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي بحجة حل الأزمة. وبما أن المشكلة كانت خطيرة، فستُجبر أوزبيكستان على العودة إلى هذه المنظمة. إلا أن أوزبيكستان، رفضت ذلك بتدخل من الإدارة الأمريكية، بل وأغلقت حدودها أمام اللاجئين. وفي النهاية، لم تتمكن روسيا من تحقيق هدفها بالكامل.

 

وكما أسلفنا، فإن حالة عدم الاستقرار في البلاد تفتح المجال لدخول النفوذ الغربي، وقد حدث ذلك بالفعل. ففي عام 2010، استغلت أوتونباييفا الوضع وتولت قيادة السلطة، واعتُمد دستور جديد بمبادرة من تيكيباييف. ووفقاً للدستور الجديد، تحولت البلاد إلى نظام برلماني، وتقلصت صلاحيات الرئيس. ونتيجة لذلك، أصبحت قرغيزستان أول (جمهورية) برلمانية في آسيا الوسطى. ولم ترض روسيا عن ذلك، لأنها تعارض وصول القوى الموالية للغرب إلى الحكم عبر النظام البرلماني، وتفضّل أن تكون السلطة مركّزة بيد شخص واحد تابع لها.

 

غير أنه بعد أوتونباييفا، انتهج أتامباييف سياسة موالية لروسيا. وبأوامر من روسيا ألغت قرغيزستان من جانب واحد في عام 2014 الاتفاق المتعلق بالقاعدة الجوية الأمريكية في مطار ماناس، كما ألغت عام 2015 اتفاقية التعاون مع أمريكا، وكذلك انضمت للاتحاد الجمركي الذي عزز نفوذ روسيا الاقتصادي في البلاد.

 

سعى أتامباييف أيضاً إلى الحكم الأبدي، فقام بتوسيع صلاحيات رئيس الوزراء. وبعبارة أخرى، خطط لإدارة البلاد من وراء الستار بعد مغادرته منصب الرئاسة. ولتعزيز هذا المخطط، أوصل إلى السلطة بعده صديقه سورونباي جينبيكوف. غير أن خطتهما لم تنجح، وانهار تحالفهما. وقد اتسم عهد جينبيكوف بملاحقة أتامباييف وأنصاره، بينما تعززت التبعية لروسيا أكثر في السياسة الخارجية.

 

ومن الجدير بالذكر هنا أن الساحة السياسية في قرغيزستان، منذ نيل (الاستقلال)، تشكلت من مجموعة من الأشخاص المتورطين في الفساد. ولذلك، فإن الصراع على السلطة يتحول سريعاً إلى صراع على نهب الثروات. وللحفاظ على ما جمعوه من ثروات، يبدأون فوراً بالتفكير في الحكم الأبدي، ولذلك فهم يسعون إلى إجراء تعديلات دستورية مختلفة لتمديد بقائهم في السلطة. ويُعد هذا أيضاً من أبرز العوامل التي تقف وراء تكرار الثورات في البلاد.

 

وقد واصل جينبيكوف، باعتباره من هذا الوسط، هذا النهج. ووفقاً للدستور، كانت مدة ولايته الرئاسية محددة بست سنوات. وبعد انتهاء ولايته، احتاج إلى برلمان جديد لتهيئة الظروف لإعادة ترشحه. وهكذا، في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2020، أُعلن فوز الأحزاب القريبة منه. غير أن قمع الحقوق السياسية للأحزاب الأخرى وملاحقتها أثناء الانتخابات أدى إلى تصاعد غضب الشعب. فتدفق أنصار الأحزاب الرافضة لنتائج الانتخابات إلى العاصمة، وسيطروا على مبنى الحكومة. كما اقتحم بعض الأشخاص السجون وأطلقوا سراح شخصيات معروفة كانت معتقلة. ونتيجة لذلك، أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات إلغاء نتائج الانتخابات.

 

ورغم أن من يقف وراء هذه الثورة كان في مقدمتهم الرئيس السابق أتامباييف وسياسيون موالون للغرب، فإن رعاة الغرب لم يتمكنوا من تقييم الوضع بشكل صحيح. ونتيجة لذلك، وفي اجتماع النواب بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر، أُعلن صدر جباروف، الذي أُطلق سراحه من السجن، رئيساً للوزراء. واضطرت روسيا في ذلك الوقت إلى التعامل مع شخصية محايدة تحظى بدعم شعبي. وفي 14 تشرين الأول/أكتوبر، أقر الرئيس آنذاك سورونباي جينبيكوف ترشيح جباروف رسمياً. وخلال هذه الأيام الأربعة، بذل رعاة الغرب جهوداً مكثفة لمنع جينبيكوف من تسليم السلطة ومحاولة استقطابه إلى جانبهم. ومنذ 15 تشرين الأول/أكتوبر، بدأ جباروف أيضاً بممارسة مهام الرئيس المؤقت. وفي الانتخابات الرئاسية التي جرت في كانون الثاني/يناير 2021، انتُخب جباروف رئيساً. وكما جرت عادة الرؤساء السابقين، أجرى في عام 2021 استفتاءً لتعديل الدستور، ونتيجة لذلك انتقلت البلاد إلى نظام رئاسي، وتم إقرار حق الرئيس في الترشح لولايتين مدة كل منهما خمس سنوات.

 

كان لكامشيبيك تاشييف، الذي ساهم بشكل كبير في وصول جباروف إلى السلطة، دور بارز، إذ تم تعيينه عام 2020 رئيساً للجنة الدولة للأمن القومي، ليصبح الشخصية الثانية الأكثر نفوذاً في البلاد. وخلال فترة تاشييف، وُسعت صلاحيات هذه اللجنة بشكل كبير جداً، حتى تحولت إلى جهاز ينظر في الجرائم بدءاً من قضايا الفساد وصولاً إلى المسائل العائلية الخاصة. كما انخرطت في قمع المعارضة وملاحقة كل من يعارض السلطة، بل حتى من يعبّر عن رأيه فقط. ولعبت اللجنة دوراً رئيسياً في تنفيذ المشاريع التي قد تثير استياء السكان. كما استُخدم مشروع "استرداد الأموال" تحت شعار مكافحة الفساد كأداة لنهب رجال الأعمال، واعتقال المسؤولين السابقين والحاليين، وإخضاع الشخصيات المؤثرة المعارضة للسلطة. وقد ساهم ذلك في ترسيخ الحكم الرئاسي المطلق في البلاد، كما أتاح تركز سلطة هائلة بيد رئيس اللجنة تاشييف. وأدى تركز النفوذ والموارد المادية الكبيرة حوله إلى دفعه نحو طموحات أكبر، إذ قام بتعيين أشخاص موالين له في المناصب الحكومية، ووصل معظم المرشحين الذين دعمهم إلى البرلمان. ووفقاً للدستور الجديد، مُنح البرلمان الحالي الحق في عزل الرئيس.

 

ولم يتأخر ظهور طموحات تاشييف، إذ بدأ نواب البرلمان الجدد يعارضون بعض مبادرات الرئيس، كما بدأ رئيس البرلمان نفسه بمخالفته. بل إن مجموعة من المسؤولين السابقين، الذين عُرفوا باسم "مجموعة الـ75"، قدّموا طعناً بشأن شرعية مدة الرئاسة، ورفعوا مقترحاً إلى البرلمان، لأن الرئيس كان قد انتُخب وفق الدستور القديم، ما أثار تساؤلات قانونية حول إمكانية ترشحه للانتخابات القادمة. ووفقاً لقانون البلاد، فإنه في حال عزل الرئيس لأي سبب، يتولى رئيس البرلمان مهامه بشكل مؤقت. وكان معروفاً أن رئيس البرلمان حصل على مقعده بدعم من تاشييف. وقد أظهرت تطورات الأحداث أن تاشييف، في خضم هذه الاضطرابات، بدأ يطمح إلى الرئاسة. وهكذا، أصبح تاشييف، الذي وصل إلى السلطة مع جباروف، يشكل الخطر الرئيسي على حكمه.

 

ونتيجة لذلك، استغل جباروف سفر تاشييف إلى ألمانيا لتلقي العلاج، وأصدر قراراً بعزله من منصبه. وتبع ذلك عزل أتباعه في السلطة، واعتقال بعضهم، كما أُجبر النواب الذين وصلوا إلى البرلمان بدعمه على التخلي عن مقاعدهم. وفي النهاية، نشرت مقاطع فيديو تتعلق بقضايا فساد خلال فترة توليه السلطة، وفتح قضايا جنائية ضد مقربين منه، كما أدلى هو نفسه بإفادته في وزارة الداخلية.

 

وهكذا، يعمل جباروف على منع ظهور منافس قوي في الانتخابات القادمة، ويمهّد الطريق لتمديد ولايته الرئاسية. وعلى وجه الخصوص، فإن سيطرته على موارد تاشييف تعزز من فرص فوزه في الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

 

أما فيما يتعلق بالعامل الخارجي في صراع النفوذ بين "الصديقين" على السلطة، فإن روسيا، التي تمتلك النفوذ الرئيسي في البلاد، لم تُبدِ رد فعل يُذكر على عزل تاشييف. بل على العكس، قامت بعض وسائل إعلامها بنشر تقارير ترحّب بإبعاده عن السلطة. وهذا يدل على أنها قد دعمت جباروف بشكل غير مباشر في عزل تاشييف. إضافة إلى ذلك، يُعتبر تاشييف شخصية غير مريحة لروسيا. أولاً، تخشى روسيا من حدوث فوضى في البلاد قد تستغلها القوى الغربية، ولذلك فهي معنية بوضع حد لازدواجية السلطة وضمان إجراء الانتخابات الرئاسية بشكل هادئ.

 

ثانياً، قامت لجنة الأمن القومي، تحت قيادة تاشييف، باعتقال أشخاص شاركوا في حرب أوكرانيا، وأوقفت بشكل حازم الدعوات للمشاركة في هذه الحرب، واتخذت إجراءات صارمة ضد استخدام رموز الأطراف المتحاربة. بل إن اللجنة، في عام 2025، قامت باعتقال موظف في "البيت الروسي" في أوش، إلى جانب عدد من الأشخاص الآخرين، بتهمة الارتزاق. إضافة إلى ذلك، كانت قضية الحدود إحدى الأدوات التي مكّنت روسيا من التدخل في شؤون البلاد وممارسة الضغط والتأثير. وقد أزال تاشييف جميع العوائق التي كانت تعرقل حل هذه القضية، وتمت تسوية النزاعات الحدودية مع طاجيكستان وأوزبيكستان. وبعبارة أخرى، تم (ولو بشكل مؤقت) إلغاء إحدى أدوات نفوذ روسيا التي كانت تتيح لها التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد.

 

وعليه، لا يمكن استبعاد أن جباروف قد اعتمد أيضاً على دعم خارجي في إقصاء نفوذ تاشييف. ولذلك، سيستمر النفوذ العسكري والسياسي الروسي في البلاد. غير أن أزمة أوكرانيا حرمت روسيا من إمكانية الانخراط في المشاريع الاقتصادية في آسيا الوسطى، بما في ذلك قرغيزستان. ونتيجة لذلك، بدأت قيادة البلاد بتنفيذ المشاريع الاقتصادية الرئيسية بالاعتماد على الصين. وبذلك، تقوم الصين بتفعيل "قوتها الناعمة" وتوسيع نفوذها الاقتصادي بشكل متزايد. فعلى سبيل المثال، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وقرغيزستان 22.7 مليار دولار عام 2024، وارتفع إلى 27.2 مليار دولار عام 2025. كما شهدت استثمارات الصين المباشرة في قرغيزستان نمواً متسارعاً خلال السنوات الخمس الأخيرة، ما جعل الصين أكبر مستثمر في البلاد. إضافة إلى ذلك، بدأ تنفيذ مشروع سكة حديد الصين-قرغيزستان-أوزبيكستان ضمن مبادرة الحزام والطريق، وهو مشروع يمنح الصين فرصاً كبيرة. كما أن تمويل المشاريع الكبرى يؤدي إلى تقييد قرغيزستان بديون كبيرة، إذ إن الجزء الأكبر من ديونها، التي تقارب 9 مليارات دولار، يعود إلى الصين. وبالتالي، يُتوقع زيادة النفوذ الاقتصادي الصيني، يتبعه نفوذ ثقافي وعسكري.

 

أما علاقة جباروف مع الغرب، فهي تُدار مع الحفاظ على مسافة معينة. ومع ذلك، تسعى أمريكا إلى توسيع نفوذها مستفيدة من الوضع الجيوسياسي. وفي هذا الإطار، أبرمت اتفاقيات بمليارات الدولارات مع دول المنطقة عقب اجتماعات صيغة C5+1 بينها وبين دول آسيا الوسطى. تهتم أمريكا وأوروبا بالمعادن الثمينة والعناصر النادرة في المنطقة. كما تشير الأحوال إلى أن قضايا حقوق الإنسان، التي كانت تُرفع كشعار من الغرب، قد تراجعت إلى المرتبة الثانية. ومع ذلك، يحرص جباروف على الحفاظ على بعض القيم الديمقراطية لاحتواء سخط الشعب وتخفيف التوتر. كما يواصل الاعتماد بشكل محدود على الغرب كقوة موازنة، كي لا يقع تحت تبعية كاملة لروسيا والصين.

 

خلاصة القول، لم يعد هناك حتى الآن عائق جدي يمنع إعادة انتخاب جباروف رئيساً في انتخابات عام 2027. ومع ذلك، وبالنظر إلى سرعة تطور الأحداث السياسية في قرغيزستان، فمن المحتمل أن يتغير الوضع قبيل الانتخابات. وعلى وجه الخصوص، إن المواد التي قد تكون بحوزة تاشييف، الذي عزل قريبا، قد تفتح المجال أمام السياسيين المعارضين للنهوض واستغلال الوضع.

 

إضافة إلى ذلك، فإن طبيعة النظام الرأسمالي المعمول به في البلاد تزيد من صعوبة معيشة الناس. فارتفاع الضرائب، واستحداث أنواع جديدة منها، وزيادة تعريفات الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه الساخنة والباردة، وكذا ارتفاع أسعار السلع الأساسية، كلها عوامل رئيسية في تصاعد سخط الناس. أما الثروات الطبيعية التي كان ينبغي أن تخدم رفاهية الشعب، فهي تتعرض لنهب الأجانب تحت مسمى المستثمرين. ولا شك أن هذا الوضع يؤدي إلى ازدياد ثراء الرأسماليين مقابل تزايد فقر عامة الناس. ويؤكد ذلك أن الناتج المحلي الإجمالي تجاوز 20 مليار دولار عام 2025 وبلغ مستوى قياسياً، ومع ذلك لم تتحسن ظروف معيشة الشعب بل ازدادت صعوبة!

 

وعليه، فإن الوضع الحالي لقرغيزستان، بل ولآسيا الوسطى وللأمة الإسلامية عموماً، يرتبط بشكل مباشر بتحول بلادنا إلى ساحة صراع بين القوى الاستعمارية. فهدف هذه القوى هو بسط نفوذها ونهب ثرواتنا ومواردنا. ولذلك، فإن تغيير قادة البلاد لا يغير الواقع، إذ إن القوى الاستعمارية تستبدل تابعاً بآخر وتواصل تحقيق أهدافها الأساسية. ونحن المسلمين، لا يمكننا القضاء على هذا الظلم ونفوذ المستعمرين من جذوره إلا بالاتحاد على أساس الإسلام. أما سائر الحلول المطروحة، فهي إما مؤقتة وإما جزء من مناورات تلك القوى.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

هارون عبد الحق

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

هدوء فوق صفيح ساخن

كيف تتحول الهدنة إلى تأجيل للصدام؟

 

 

في السياسة الدولية لا يقاس الهدوء بغياب الضجيج، بل بعمق التوتر الكامن تحته؛ فعندما تعلن أمريكا وإيران هدنة، لا يعني ذلك أن الصراع انتهى، بل ربما دخل مرحلة أكثر تعقيداً، وهدوءاً في الظاهر فقط. فالتاريخ، يخبرنا أن الهدن بين الخصوم الكبار ليست سوى فواصل زمنية بين جولات أطول، تُستخدم لإعادة الحسابات لا لتغيير المسارات.

 

ففي خضم التوتر المحتدم بين واشنطن وطهران، برزت هدنة هشة، أشبه بغيوم صيف عابرة، أخرجت رئيس أمريكا من وعيد أطلقه تجاه إيران ومحو حضارتها. ويختلف المراقبون في تفسير هذه الهدنة؛ فمنهم من يرى أنها فرصة حقيقية لنزع فتيل حرب إقليمية شاملة، بينما اعتبرها آخرون مجرد مناورة تكتيكية من الطرفين لكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق.

 

هذه اللحظات الرمادية، حيث لا حرب ولا سلم، هي الأخطر؛ لأنها تمنح انطباعاً زائفاً بالاستقرار، بينما تُدار تحت السطح معارك من نوع آخر: سياسية، واقتصادية، واستخباراتية، وسيبرانية. وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة هذه الهدنة خارج سياقها الأوسع، ولا بعيداً عن حسابات القوى والمصلحة؛ فهي تبدو أكثر هدوءاً، لكنها في الحقيقة أكثر هشاشة، وقابلية الاشتعال فيها عالية، وذلك لما يلي:

 

أولاً: دوافع كسب الوقت

 

فمن منظور إدارة الصراع، يبدو أن كلاً من إيران وأمريكا بحاجة ماسة إلى استراحة محارب.

 

أما إيران، فرغم الأداء العسكري الذي أظهر قدرة على اختراق دفاعات كيان يهود الجوية، فإن إيران تدرك ثقل التكلفة الاقتصادية لاستمرار التصعيد، في ظل عقوبات خانقة وعزل مالي. وهي بأمسّ الحاجة لاستقطاب استثمارات أجنبية تعينها في الحرب، خاصة من روسيا والصين. فهي ترى أن الانزلاق نحو حرب شاملة مجازفة وجودية؛ لذلك، تمنحها الهدنة فرصة لتحقيق بعض المكاسب والخروج من فكرة الحرب الشاملة.

 

أما أمريكا، فقد جاءت الهدنة كمخرج لخطابات ترامب التهديدية. فمحاولة أمريكا الوصول إلى اليورانيوم المخصب عسكرياً فشلت، بل أصبحت لديها قناعة أنها لن تصل إليه عسكرياً، وهي لا تريد الانغماس في حرب طويلة؛ حيث إن حرباً أطول من شهرين، وتخرج عن فكرة أنها عملية خاطفة، تحتاج إلى موافقة من الكونغرس، وهذا ما لا يريده ترامب أن يحدث. فالهدنة بالنسبة لأمريكا هي وسيلة للحصول على ما لم تستطع تحقيقه عسكرياً عبر المفاوضات، بالاستناد إلى فكرة أن إيران لا تحبذ حرباً شاملة.

 

وفي الوقت نفسه، فإن واشنطن تكسب وقتاً استخباراتياً للوصول إلى القيادات الحالية واغتيالها، كما حدث في كل هدنة في غزة على سبيل المثال، ثم تعود إلى هدنة أخرى ولكن بتحقيق مكاسب أعلى.

 

إذاً، أمريكا تريد تجنب حرب مشتعلة مستمرة، خاصة أنها في عام الانتخابات، وفي ظل وضع داخلي أمريكي يطالب بوقف الحرب، أو على أقل تقدير يرى أن هذه الحرب ليست حرباً تهم أمريكا في هذه الظروف الاقتصادية. فالهدنة وسيلة لاحتواء التصعيد في إيران وفي داخل أمريكا.

 

وقد تسعى أمريكا إلى إبقاء حالة التفاوض ضمن إدارة الأزمة لاستنزاف إيران، وإجبارها على الخضوع لمصالحها عبر الخونة، أو عبر استمالات جديدة، أو محاولة انقلاب داخلي يسهل عليها تحقيق ما لم تستطع تحقيقه عسكرياً، ما يؤدي إلى تقسيم في النسيج الإيراني، مع أن هذا الاحتمال أضعفها، ولكنه وارد.

 

ولكن هناك لاعباً لا يريد هذه الهدنة، وهو كيان يهود، مع أنه ليس طرفاً مذكوراً فيها، لكنه يملك حق النقض العملي عليها؛ فهو يرى أن أي اتفاق مع إيران، ولو مؤقت، هو تهديد وجودي له لأسباب عدة:

 

1- الملف النووي: أيُّ سماح بمواصلة التخصيب بنسبة 60% وما فوق يُعتبر فشلاً استراتيجياً لكيان يهود. ودائماً نسمع رئيس وزراء الكيان ووزير جيشه يصرحون: "لن نسمح لإيران بأن تصبح دولة نووية، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة أحادية مع واشنطن".

 

2- الوكالة الإقليمية: إن كيان يهود له مطالب من حرب إيران؛ فحتى تتحقق السيطرة الكلية على منطقة الشرق الأوسط، يجب أن تكون القوة الجوية بيده، وأن تُمنع الصواريخ بعيدة المدى، أي لا يُسمح إلا بمدى 300 كيلومتر، وبذلك تكون صواريخ دفاعية. فيفصل الملفات بحيث يتفرد بكل ملف على حدة؛ فيفاوض إيران، ثم يذهب للقضاء على ما يسميه بمحور الممانعة، أي حزب إيران في لبنان، ثم الحوثيين في اليمن، ثم المليشيات في العراق.

 

3- رسالة لأمريكا: إن أي تفاوض مع إيران دون النظر لرغبته لا قيمة له على الأرض بالنسبة لكيان يهود، وأي اتفاق طويل الأمد مع إيران يفضي إلى الاستقرار هو مرفوض لديه، وسوف يشعل الجبهات حتى يحقق الهدفين السابقين.

 

إن أمريكا قد تستثمر الهدوء لتركيز جهودها في ساحات أخرى، وترى إيران في ذلك فرصة لتعزيز موقعها الداخلي والإقليمي. وفي الحالتين، لا يبدو أن هناك نية حقيقية للتنازل عن الملفات الكبرى، بل فقط تأجيل لحظة المواجهة.

 

غير أن أخطر ما في هذه الهدنة هو قدرتها على خلق وَهْمِ الاستقرار؛ فالمشهد الهادئ قد يخفي تحته توترات تتراكم بصمت، بانتظار شرارة تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، أو ربما إلى ما هو أسوأ. وهنا تكمن المفارقة: كلما طالت الهدنة دون حل جذري، ازداد احتمال الانفجار المفاجئ.

 

فالتاريخ السياسي لهذه الدول يُظهر أن ما يُخفى في الكواليس غالباً ما يكون إعلانُه لا بديل عنه، وتبقى هذه تفاهمات محكومة بسقف المصالح التي يمكن تحقيقها، لا برغبة في إنهاء الصراع جذرياً. وهكذا تبقى الهدنة، بكل ما تحمله من ظاهر هادئ وباطن متوتر، مجرد فصل مؤقت في صراع طويل، تُدار فيه الأزمة لتحقيق ما يمكن تحقيقه مما يتطلعون إليه في منطقة الشرق الأوسط.

 

ويمكن تصعيد صراعات أخرى، بحيث يبقى الصراع الإيراني في مستوى منخفض؛ لأننا نلاحظ اليوم أن العالم لا يُدار بصراع واحد، بل بشبكة صراعات تُضبط حرارتها باستمرار، ترتفع في مكان وتنخفض في مكان آخر دون أن تنطفئ بالكامل، حيث إننا نعيش لحظات انهيار نظام عالمي، فإن هذه التوترات طبيعية في مثل هذه الحالات.

 

إن الحل الحقيقي لمنطقة الشرق الأوسط وللعالم هو بانتهاء دور المبدأ الرأسمالي، وأن يتطلع العالم إلى مبدأ جديد يعيد العدالة والإنسانية لهذا الكوكب. ولا وجود لمبدأ آخر سوى مبدأ الإسلام، متمثلاً بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهو وحده القادر على تغيير وجه العدالة في هذا الكوكب ونشر نوره.

 

ولكنه بحاجة إلى الخطوة الأولى، وهي إيجاده على الساحة الدولية متمثلاً بدولة الخلافة، وهذا يقع على عاتقنا نحن المسلمين. ويجب أن يكون هناك حزب لديه مشروع لهذه الدولة، وقادر على قيادة سفينتها إلى بر الأمان، ومقارعة بقايا المبدأ الرأسمالي وإنهائه بالكلية. والحمد لله أن حزب التحرير موجود اليوم، ولديه كل ما هو مطلوب، ولم يبقَ لنا إلا أن تتحرك الجيوش لنصرة هذا الحزب وتمكينه لتطبيق مشروعه، ألا وهو استئناف الحياة الإسلامية على منهاج النبوة.

 

وإننا نرجو من الله أن نكون من المستخلفين، وأن لا نكون من المستبدلين. اللهم استعملنا فيما تحب.

 

قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

دلالات صمود إيران

أمام عدوان أمريكا الوحشي وتوقيفها

 

 

شن الطاغية ترامب ولصيقه نتنياهو في 28/2/2026م حربا وحشية على إيران لإخراجها من دائرة الدوران في فلك أمريكا إلى دائرة التبعية والعمالة لكي تهيمن أمريكا على قراراتها وتتحكم في ثرواتها ونفطها وغازها وتسيطر على مضيق هرمز الذي يعد من أهم الممرات المائية في العالم، فقد أشارت وكالة الطاقة الدولية أنه مر عبر مضيق هرمز عام 2024م نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، وهو ما يعادل خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، وفي عام 2025م مر عبره من الغاز المسال نحو 110 مليار متر مكعب أي ما يقارب 20% من تجارة الغاز المسال في العالم.

 

لقد تحكمت في تصرفات الطاغية ترامب العنجهية والكبر والغرور فحدد أربعة أيام لإسقاط النظام في إيران منسقا مع بعض قيادات النظام لتتولى زمام الحكم فور الصدمة الأولى، أي بعد قتل القيادات العليا الممانعة للسير في دائرة التبعية، إلا أن آمال ترامب باءت بالفشل فقد امتصت إيران الصدمة الأولى واستطاع الحرس الثوري ضبط الأمور حتى ذهل ترامب وكيان يهود من تماسك إيران وإطلاقها الصواريخ والطائرات المسيرة بعنف غير معهود وبجرأة لافتة للنظر حيث ركزت الضربات على كيان يهود وقواعد أمريكا في الخليج والمنطقة، وقال ترامب إن بعض الرجال الذين كان يأمل أن يتولوا الحكم في إيران قد قتلوا بدون قصد.

 

وتبين لكل عاقل أن حسابات ترامب وكيان يهود كانت خاطئة، فإن الهجوم الكبير الخاطف الذي استهدف قيادات الصف الأول في إيران وكذلك منشآتها النووية ومراكز مصانع وإطلاق الصواريخ لم يؤد إلى استسلام الصف الثاني لشروط أمريكا كما حصل في فنزويلا، فعندما قامت القوات الأمريكية بخطف رئيسها نيكولاس مادورو استسلمت نائبته ومن معها لأمريكا، أما في إيران فإن قتل أمريكا للقيادات العليا فيها وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي الحاكم الفعلي لإيران لم يؤد إلى استسلام النظام لشروط أمريكا. حتى قال وزير حربها هيغسيث يوم 3/10/2026 "لا أستطيع القول إننا توقعنا بالضرورة أن يكون هذا بالضبط رد فعلهم".

 

ولذا أوعزت أمريكا للنظام الباكستاني أن يسعى لتوقيف الحرب ويقود المفاوضات بين الطرفين. وقد وضع ترامب خطة تتضمن الشروط التالية لإيقاف الحرب على إيران:

 

1- التفكيك الكامل للقدرات النووية المتراكمة

2- التعهد بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية

3- وقف تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية

4- تسليم كافة المواد المخصبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن جدول زمني قريب

5- تعطيل وتدمير منشآت نطنز وأصفهان وفوردو

6- إتاحة كافة المعلومات داخل إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية

7- تخلي إيران عن عقيدة القوى الوكيلة

8- وقف الدعم المالي والتسليحي لحلفائها في المنطقة

9- إبقاء مضيق هرمز ممرا بحريا مفتوحا وحرا للجميع

10- معالجة مسألة الصواريخ لاحقا بحيث تفرض قيود على العدد والمدى ويحصر استخدامها في الدفاع المشروع فقط. (العربي الجديد، 25/3/2026م)

 

إلا أن الصحافة الدولية كتبت عن هذه الخطة أنها شروط استسلام؛ فقد كتب معهد الدوحة في 26/3/2026م ما نصه (إلا أن الخطة التي طرحتها إدارة ترامب عبر باكستان هي في الواقع بمثابة وثيقة استسلام). إلا أن إيران رفضت هذه الخطة في التلفزيون الرسمي وهذا معناه رفضها التحول إلى دولة تابعة، وقدمت في المقابل خطتها التي تتضمن خمسة بنود هي:

 

1- وقف الاغتيالات التي تستهدف المسؤولين الإيرانيين

2- إعطاء ضمانات بعدم شن حرب جديدة على البلاد

3- دفع تعويضات الحرب

4- إنهاء الأعمال العدائية

5- الاعتراف بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز

 

وهذه البنود تتعارض مع بنود خطة ترامب رغم أنها لم تتطرق لذكر السلاح النووي والصاروخي.

 

ورغم توقيف الحرب لمدة أسبوعين وانطلاق المفاوضات في باكستان في يوم الجمعة 10/4/2026م إلا أن كل طرف يروج لشروطه إعلاميا وأن استمرار المفاوضات مرهون بقبول الطرف الآخر لشروطه، غير أن الأيام القادمة ستكشف الحقائق فالشمس لا تغطى.

 

إن فشل أمريكا في تحقيق مرادها بالحرب وسيرها في المفاوضات وصمود إيران أمام عنجهيتها وجبروتها له دلالات منها:

 

أولا: أمريكا نمر من ورق

 

إن أمريكا لا شك هي الدولة الأولى في العالم والمتفردة بالموقف الدولي والتي بلغ بها الكبر والغرور أن تتفرد في حل مشاكل الدول حسب رغباتها ومصالحها؛ فقد أوقفت الحرب التي اشتعلت العام الماضي بين الهند وباكستان، وكذلك حلت المشكلة بين أرمينيا وأذربيجان والتي تعود جذورها إلى أكثر من 30 عاما، بل وأوجدت مجلس السلام في غزة ليكون بديلا لهيئة الأمم المتحدة لتكون هي المتفردة في اتخاذ القرارات التي تريد فلا تصطدم بحق النقض.

 

فهي تمثل شرطي العالم وتقول كما قال قوم عاد "من أشد منا قوة"، وها هي تطيح بالحكام الذين لا ترغب ببقائهم في الحكم وتغيرهم عبر انقلابات عسكرية؛ حتى في دول أمريكا اللاتينية، فقد دعمت انقلابات عسكرية خلال عقود من الزمن في البرازيل والأرجنتين وبنما وتشيلي وهندوراس، وآخرها اختطاف مادورو رئيس فنزويلا. كما تدعم الجماعات المسلحة في أمريكا اللاتينية منذ عقود ذهب ضحيتها مئات الآلاف من البشر. ثم قال ترامب بعنجهية وغرور إنه سيطيح بنظام الحكم في إيران في أربعة أيام ولم يستطع في أربعين يوما! ولحفظ ماء الوجه وحتى لا تسقط هيبة أمريكا ذهب إلى المفاوضات بكذبة الانتصار على إيران وأنه لم يبق فيها شيء غير مستهدف.

إن أمريكا نمر من ورق لن تستطيع الصمود أمام جيوش الخلافة القادمة التي ستطردها إلى عقر دارها بإذن الله.

 

ثانيا: الأمة الإسلامية تملك قوة لا تقهر

 

إن الأمة الإسلامية تملك سلاح الإيمان الذي تفردت به عن جميع الأمم، وهو السلاح الذي جعلها أقوى الأمم كلها، كما أنها تمتلك المساحة الكبيرة المترامية الأطراف والكثافة السكانية الهائلة والموقع الجغرافي المتميز والمضائق الهامة والخلجان، وترقد على ثروة كبيرة من النفط والغاز والمعادن النادرة، ولديها جيوش جرارة تستطيع هزيمة أمريكا وحلفائها لو كانت لها قيادة واحدة مخلصة. وبنظرة سريعة إلى جيوش المسلمين يتبين لنا أنها ستكون القوة الأولى في العالم؛ فلديها من المشاة أكثر من 4 ملايين فرد ومن الاحتياطي أكثر من ثلاثة ملايين، ولديها أكثر من 23 ألف دبابة وأكثر من 76 ألف مدرعة وأكثر من 12600 منصة صواريخ وأكثر من 2000 سفينة وأكثر من 75 غواصة وأكثر من 8700 طائرة... كل هذه المؤهلات تبين أن أمريكا ومن وقف معها لن يصمدوا أياماً أمام أعظم أمة تقودها دولة الخلافة.

 

ثالثا: إيران أوقفت عدوان أمريكا بصمودها لكنها لن تستطيع دحرها من المنطقة

 

إن إيران قد صمدت أمام أمريكا أربعين يوما وهذا يدل على قوة الأمة الإسلامية وأن إيران لا تستطيع دحر أمريكا من المنطقة إلا إذا تبنت الإسلام كمنهاج حياة وألغت النظام الجمهوري العلماني الذي تحكم به.

 

رابعا: إيران تستطيع تحرير فلسطين إذا خاضت مع اليهود معركة برية

 

إن المعركة التي تحرر فلسطين هي المعركة البرية فإذا تحرك جيش إيران براً فإنه قادر على هزيمة كيان يهود ولكنه لم يفعل ذلك، ولما كانت حربها مع أمريكا حربا وجودية صمدت أمامها حتى أجبرتها على المفاوضات.

 

خامسا: الصف الغربي متصدع وقابل للانهيار

 

إن المبدأ الرأسمالي الفاسد وسياسة أمريكا النفعية قد أوجدت تصدعا في الصف الغربي، فعندما اشتعلت الحرب الروسية الأوكرانية قامت أمريكا وأوروبا كصف واحد تدعم أوكرانيا، ولكن لما وجدت الخلافات التي يوجدها مقياس النفعية ويعمقها بينهم ظهر الانقسام والتصدع، وقد ظهر ذلك جليا في حرب أمريكا على إيران.

 

سادسا: الخلافة القادمة هي التي ستهزم أمريكا وحلفاءها وتحرر البلدان المحتلة

 

إن الخلافة التي تنصر الله بتطبيق شرعه في بلاد المسلمين سوف ينصرها الله على جميع أعدائها وستقوم بتحريك الجيوش الكبيرة فتدحر أمريكا وحلفاءها وتحرر فلسطين وأخواتها وتعيد نهضة المسلمين وتطرد أمريكا وحلفاءها إلى عقر دارهم إن بقي لهم عقر دار، وتتسلم قيادة العالم وتحمل الإسلام رسالة نور وهدى إلى العالم بالدعوة والجهاد.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

شائف صالح – ولاية اليمن

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مرايا الحرب: كيف تكشف تناقضات ترامب

غياب الاستراتيجية؟

 

في سياقات الحروب، لا تُعدّ التناقضات مجرد زلات خطابية عابرة، بل تتحول إلى مؤشرات تتجاوز حد المناورة والتعمية عن الخطط العسكرية لتصبح كاشفة عن اختلال البوصلة الاستراتيجية. وهذا ما تعكسه بوضوح مواقف دونالد ترامب في تعاطيه مع الحرب ضد إيران؛ إذ تبدو أقرب إلى سلسلة من التحولات الحادة التي يفتقر تتابعها إلى خيط ناظم ورابط استراتيجي جامع، وتحكمها بدل ذلك اعتبارات اللحظة، وضغوط الواقع الآني، وردود الفعل السياسية أكثر مما يحكمها تخطيط طويل المدى أو رؤية متماسكة. وهذه صور ونماذج لأهم هذه التناقضات:

 

أولاً: من "التدمير الشامل" إلى "التأجيل المؤقت"

 

في لحظة تصعيد تزامنت مع دخول الأسبوع الرابع من الحرب، أطلق ترامب إنذاراً نهائياً: فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة أو مواجهة تدمير منشآت الطاقة الإيرانية. (الجزيرة في 22/03/2026)

 

لكن قبل انقضاء المهلة، تراجع وبدأ يتحدث عن تأجيل وضغوط تفاوضية. (مصراوي في 23/03/2026).

 

هذا التحول ليس مناورة محسوبة بقدر ما هو ارتداد سريع تحت ضغط الواقع ونزول من فوق الشجرة؛ إذ تشير التقارير إلى أنه لم ينفذ تهديداته رغم تكرارها، بدعوى أنه يقود مسارا تفاوضيا مع القادة الجدد في إيران، الأمر الذي نفته إيران. (نون بوست في 24/03/2026)

 

هنا يتبدى أول تصدع: قرار بالحرب، ثم تراجع قبل لحظة التنفيذ.

 

ثانياً: من خطاب الإبادة إلى لغة "المحادثات البنّاءة"

 

في خطاب متلفز، توعّد ترامب بإعادة إيران إلى العصور الحجرية حيث قال: "سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه. وفي الوقت نفسه، المناقشات مستمرة". (الجزيرة في 02/04/2026)

 

لكن في الخطاب نفسه، تحدث عن مفاوضات جارية وقرب التوصل إلى اتفاق، وعن أشخاص مختلفين تماماً ومحترفين جداً وعن نظام أكثر عقلانية في إيران. (إيران انترناشيونال في 02/04/2026).

 

والسؤال هنا: كيف يمكن الجمع بين خطاب الإبادة وخطاب التفاوض، إلا إذا كان الخطاب نفسه أداة ضغط آنية، لا تعبيراً عن استراتيجية متماسكة؟

 

ثالثاً: من تدويل الأزمة إلى الانسحاب منها

 

في مرحلة أولى، طالب ترامب الحلفاء - من أوروبا إلى آسيا - بالمشاركة في تأمين مضيق هرمز (سكاي نيوز في 17/03/2026). كما توقع أن ترسل دول كثيرة سفنا حربية للسماح بمرور السفن عبر مضيق هرمز وخاصة من حلفائه داخل الناتو. (رويترز في 15/03/2026)

 

لكنه في تصريحات أخرى قال بوضوح: على الدول الأخرى أن تتولى حماية المضيق، الولايات المتحدة لا تحتاج لذلك وأن بإمكانه "ترك الدول التي تستخدمه" تجد حلا. (العربي الجديد في 15/03/2026)

 

ثم عاد لاحقاً ليحثهم مجدداً على التدخل ضمن دعوات متكررة. (العربي الجديد في 03/04/2026)

 

هذا التذبذب يعكس غياب تصور ثابت: هل هي حرب أمريكية؟ أم عبء يجب نقله للآخرين؟

 

في هذا السياق، يبرز مقال بيير هاسكي في لونوفيل أوبس، حيث يقدّم نقدا مباشرا ليس فقط للولايات المتحدة، بل للموقف الأوروبي نفسه. ويرى هاسكي أن المشكلة لا تكمن فقط في سلوك ترامب، بل في الاستجابة الأوروبية المترددة والقبول الضمني بسياسات منحرفة، قائلا: "حذرنا الدبلوماسي.. يجعلنا في النهاية ضحايا طوعيين". (الجزيرة في 01/04/2026)

 

رابعاً: من الضغط الأقصى إلى تخفيفه اقتصادياً

 

بينما يهدد ترامب بتدمير الاقتصاد الإيراني، تتحدث التقارير عن محاولات لتهدئة الأسواق وخفض أسعار النفط عبر سياسات مرنة، بل إن الأسواق نفسها أصبحت رهينة تصريحاته؛ فكل تصعيد يرفع الأسعار مثلما حصل عند التهديد بالسيطرة على جزيرة خرج (دويتشه فيله في 30/03/2026)، وكل تهدئة تخفضها، مثلما حصل عند تأكيده على أن الحرب ستنتهي قريبا جدا. (وكالة الأناضول في 01/03/2026)

 

هنا يظهر تناقض جوهري: سياسة حرب من جهة، وسياسة استقرار اقتصادي من جهة أخرى، دون قدرة على التوفيق بينهما.

 

خامساً: من "النصر القريب" إلى حرب بلا نهاية

 

يؤكد ترامب أن الحرب قريبة من الاكتمال، وأنها ستنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة. لكنه في الوقت ذاته، يهدد بتصعيد إضافي (قد يصل إلى الغزو البري) ويقر باستمرار العمليات العسكرية دون سقف زمني واضح، ما جعل موقع يورونيوز مثلا، يطرح السؤال التالي: ما وراء التصريحات المتناقضة.. هل يمهّد ترامب لعملية برية ضد إيران يوم "الجمعة العظيمة"؟

 

بل إن محللين يرون أن خطابه يفتقر لأي تعريف للنصر أو خطة للخروج. هنا يتحول النصر من هدف استراتيجي له أهداف ثابتة إلى شعار متحرك. وفي هذا السياق، قدم الجنرال ميشيل ياكوفليف، نائب رئيس أركان Shape السابق، وهو مركز القيادة العسكرية العليا لحلف شمال الأطلسي المسؤول عن تنسيق عمليات التحالف في أوروبا، قدم تحليلاً لاذعاً للاستراتيجية الأمريكية، حيث أكد خلال مقابلته مع صحيفة لوفيغارو أن "ترامب خسر الحرب بالفعل".

 

سادساً: من رفض الحروب الطويلة إلى الانزلاق فيها

 

ترامب الذي بنى خطابه السياسي على رفض "الحروب الغبية"، يجد نفسه اليوم في حرب مفتوحة مع تصعيد مستمر وتكلفة متزايدة، والمفارقة أن هذه الحرب نفسها بدأت باعتبارها حملة سريعة، لكنها تحولت إلى صراع ممتد، كما تحذر تقارير عديدة. (صحيفة لوموند الفرنسية في 02/04/2026).

 

المفارقة هنا، أنه كلما طال أمد الحرب، تبينت صحة الاتهامات الإيرانية باستخدام الحديث عن التفاوض كغطاء للمناورة العسكرية، حيث لا يكون التفاوض بديلاً للحرب، بل امتداداً لها أو غطاءً لها.

 

الخلاصة: سياسة بلا مركز

 

لقد بُنيت الحرب على فرضية انهيار النظام الإيراني سريعاً عند استهداف قيادات الصف الأول والمرشد الأعلى، لكن مع فشل ذلك، بدأ الخطاب يتغير، فصار الحديث عن "نظام جديد" وعن "قيادة بديلة"، كما تحول هدف الحرب من القضاء على البرنامج النووي وعلى الترسانة الصاروخية، إلى القضاء على الجسور ومنشآت الطاقة، ومن السيطرة على مضيق هرمز، إلى السيطرة على النفط، أي أن الهدف نفسه يُعاد تعريفه بعد فشل تحقيقه. وهذا ما يفسر الانتقال من وضوح الهدف إلى فوضى الرسائل، فلم نعد نستغرب أن يصرح ترامب في خطاب واحد، أن الحرب انتهت، وأن المعركة مستمرة، وأن النصر تحقق وأن التصعيد قادم! وقد وُصف هذا المشهد بأنه أشبه بـ"قاعة مرايا" تعكس صوراً متناقضة بلا اتجاه واضح. (واشنطن بوست في 02/04/2026)

 

ما تكشفه هذه التناقضات لا يمكن اختزاله في كونه ارتباكاً عابراً، بل يعكس نمطاً متكرراً في صناعة القرار يقوم على الاستجابة لضغوط اللحظة بدل الانطلاق من تخطيط مسبق، وعلى تعديل الأهداف بدل مراجعة الأدوات، وعلى توظيف الخطاب بوصفه أداة تكتيكية ظرفية لا إطاراً استراتيجياً ناظماً لأعمال سياسية وعسكرية تسير وفق خطة.

 

وبعبارة أدق، لا تبدو هناك استراتيجية تُختبر عبر الوقائع، بقدر ما تبدو الوقائع نفسها عاملاً ضاغطاً يعيد تشكيل القرارات بصورة مستمرة مع كل اختبار. ولا يقف أثر هذا النمط عند حدود الارتباك الداخلي وإقالة كبار العسكريين وتراجع شعبية الرئيس، بل يمتد ليقوّض ثقة الحلفاء ويثير شكوكهم في موثوقية الالتزامات الأمريكية، بما يفتح المجال أمام تآكل الشبكات التحالفية التي شكّلت ركيزة النفوذ الدولي لواشنطن لعقود. وفي الوقت ذاته، ينعكس هذا التذبذب على صورة الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى عالمياً، إذ تتآكل هيبتها تدريجياً كلما بدت قراراتها أقرب إلى ردود فعل ظرفية منها إلى تعبير عن قيادة استراتيجية مستقرة، وهي فجوة تتسع مع مرور الوقت.

 

هذا الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه تراجع قدرة الدولة الأولى على قيادة العالم، سيمنح المجال بإذن الله وعونه لمن يمتلكون البديل الحضاري الإسلامي، لصناعة تاريخ جديد للأمة وإعادة تشكيل المشهد الدولي على أساس الإسلام. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم 

الرجل الذي أوشك على الوحدة

ترامب في مواجهة كابوسه الأكبر

 

 

في صيف عام 2026 يعيش ترامب كابوساً لا يشبه أي شيء عرفه في مسيرته السياسية؛ ليس كابوساً من الخارج، ولا من حرب إيران التي أشعل فتيلها، ولا حتى من الاقتصاد الذي يتهاوى تحت وطأة قراراته، بل كابوسه الأكبر يأتي من الداخل، من داخل واشنطن.

 

ترامب الذي اعتاد أن يكون صياداً أصبح اليوم فريسة؛ ففي الوقت الذي يراهن فيه على خطاب التحدي والاستقطاب تنهار شعبيته كرملٍ متحرك تحت قدميه، ومع كل استطلاع رأي جديد، ومع كل انتخابات خاصة، يتضح أن الجمهوريين وحدهم لا يقررون مصيره، بل الناخب المستقل.

 

لقد وصف ترامب في 22 آذار/مارس 2026 الحزب الديمقراطي بأنه أكبر عدو لأمريكا، متجاوزاً بذلك إيران التي يخوض معها حرباً، وقد جاء في تدوينته على منصة تروث سوشيال: "مع موت إيران أصبح أكبر عدو لأمريكا هو الحزب الديمقراطي اليساري الراديكالي غير الكفؤ". (الجزيرة، 22/3/2026).

 

ورغم هذه التصريحات لتعبئة قاعدته الانتخابية، يجد نفسه اليوم أمام كابوس أكبر يتمثل في انهيار شعبيته وتهديد حزبه الجمهوري بخسارة فادحة في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشيوخ.

 

إن شعبية ترامب تتراجع بشكل كبير، حتى إن أرقامه تحكي قصة انهيار قريب. فوفقاً لأحدث استطلاعات الرأي في نيسان/أبريل 2026، وصلت نسبة تأييد ترامب إلى ما بين 35% و41% فقط، وهذا المستوى يضع ترامب في مرتبة متأخرة تاريخياً مقارنة بجميع الرؤساء منذ هاري ترومان.

 

ومن بيانات استطلاع أجرتها شبكة سي إن إن، فإن 65% من الأمريكيين يعتقدون أن سياسات ترامب أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية، وهي أعلى نسبة تُسجل طوال فترة رئاسته. (العربية، 1/4/2026).

 

لكن أخطر ما في الأرقام ليس فقط اتساع رقعة المعارضة، بل تشقق القاعدة الجمهورية نفسها؛ فوفقاً لاستطلاع فوكس نيوز آذار/مارس 2026، حيث ذكرت أن نسبة معارضة ترامب داخل صفوف الجمهوريين وصلت إلى 16%، وهو مستوى غير مسبوق، بينما انخفض تأييد أنصار الحزب للرئيس من 92% في آذار/مارس 2025 إلى 84% حالياً. (الجزيرة، 27/3/2026).

 

ولعل التراجع الأكثر إيلاماً لترامب يتمثل في انهيار ثقة الشباب الجمهوريين؛ فالجمهوريون الذين تقل أعمارهم عن 45 عاماً بلغت نسبة الانخفاض في التأييد 23 نقطة. (العربية، 1/4/2026).

 

والسؤال اليوم: لماذا ينهار ترامب؟

 

هناك ثلاثة ملفات رئيسية تحولت من أوراق قوة لترامب إلى كوابيس تطارده وتسقط شعبيته.

 

أولاً: الاقتصاد.. وعدٌ قطعه ترامب ونقضته الأسعار

 

وعد ترامب أن يكون عام 2026 عاماً للازدهار الاقتصادي، لكن الواقع كان مختلفاً تماماً؛ فقد ارتفع معدل البطالة إلى 4.7%، وقفزت أسعار البنزين بنسبة 19% إلى متوسط وطني قدره 3.45 دولار للغالون، واليوم ارتفعت إلى 3.98، وذلك بسبب الحرب على إيران. (نيوزويك، 02/04/2026).

 

وأيضاً، فشل ترامب في التعامل مع التضخم الذي يجتاح البلاد، حيث بلغ أدنى مستوى للثقة على الإطلاق عند 27%، وانهيار ثقة الأمريكيين بالمعالجات الاقتصادية إلى 31%. (العربية 1/4/2026).

 

ثانياً: الحرب على إيران.. استنزاف الشعبية والمال

 

فإن حرب إيران تكلف الخزينة الأمريكية أكثر من 12 مليار دولار، وأسفرت عن سقوط 8 جنود. (الشرق، 20/3/2026). ما جعلها تتحول إلى عبء انتخابي ثقيل، حيث إن 64% من الناخبين يعارضون طريقة تعامل ترامب مع الملف الإيراني، ويعتقد 59% أن الحرب تجاوزت الحدود المقبولة. (الجزيرة 27/3/2026). وقد عمق هذا الاستياء التشاؤم بشأن آفاق الصراع، حيث توقع 13% فقط من الناخبين انتهاء الحرب في غضون أسابيع، بينما رجح 35% استمرارها لأكثر من عام.

 

ثالثاً: الهجرة.. من قضية محورية إلى تراجع

 

كان ملف الهجرة من أهم القضايا التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض، لكنها أصبحت اليوم مصدر ضعف، فبعد أن كانت نسبة التأييد الإيجابية كبيرة في بداية ولايته، بدأت من حزيران/يونيو 2025 في التراجع بعد توسيع عمليات الترحيل في المدن الكبرى.

 

واليوم لا تتجاوز نسبة التأييد لسياسة ترامب في الهجرة 45%، مع 51.6% معارضة، والأخطر إعلان الناخبين المستقلين أن ثقتهم بوكالة الهجرة والجمارك أصبحت ضعيفة جداً.

 

وفي السياسة الأمريكية هناك قاعدة ذهبية لا تكاد تخطئ: (الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض يخسر مقاعد في الانتخابات التجديد النصفي). لكن هذه المرة قد لا تكون الخسائر قاصرة على مجلس النواب، بل تمتد إلى مجلس الشيوخ، وهو سيناريو كان يُعتبر مستبعداً قبل أشهر قليلة. (نيوزويك، 2/4/2026).

 

ولو ألقينا نظرة على خريطة المقاعد المهددة نجد التالي:

 

كارولاينا الشمالية: مع تقاعد السيناتور الجمهوري توم تيليس، يخوض الحاكم الديمقراطي السابق روي كوبر السباق، ويتقدم في جميع استطلاعات الرأي.

 

ولاية مين: السيناتورة سوزان كولينز تواجه منافسة شرسة، وحسب استطلاعات الرأي هناك تقدم منافسها الديمقراطي غراهام بلاتز بنسبة 44% إلى 40%.

 

وولايات أوهايو وألاسكا، والمفاجأة الكبرى هي دخول ولايات مثل تكساس وأيوا وفلوريدا والميسيسيبي إلى دائرة المنافسة، وكما قالت رئيسة حملة الديمقراطيين لمجلس الشيوخ كيرستن جيليبراند: "إن الحزب لديه فرصة لقلب المقاعد في 11 ولاية حالياً". (نيويورك بوست، 15/03/2026).

 

لم تأتِ المخاوف الجمهورية من فراغ، ففي كانون الثاني/يناير 2026 فاز المرشح الديمقراطي تايلور ريهميت بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس في دائرة انتخابية كانت رمزاً، حيث فاز بها بفارق 17 نقطة قبل عامين.

 

ومع كل هذه الأرقام، قد لا يتحقق كابوس ترامب بالكامل، لأن الطريق أمام الديمقراطيين لا يزال طويلاً لقلب مجلس الشيوخ، فإن شعبيتهم أيضاً تعاني من تدنٍ حاد، حيث وصف كبير محللي بيانات سي إن إن، هاري إنتن، هذه الأرقام: "حيث يعتقد 74% من الأمريكيين أن الولايات الديمقراطية في الكونغرس خاطئة، بما في ذلك 55% من الديمقراطيين أنفسهم". وأن السيناتورة سوزان كولينز تتمتع بشعبية شخصية كبيرة بعيداً عن ترامب في ولايتها مين.

 

لكن الخطر الأكبر الذي يواجهه ترامب والجمهوريون يتلخص في كلمات المحلل السياسي الجمهوري المخضرم مايك مدريد: "لم أرَ في حياتي وصولاً لانتخابات سيئة للحزب الحاكم مثل ما أرى اليوم". ويضيف: "وإذا استمرت الرياح العكسية بالقوة نفسها، فقد يتحول حلم ترامب من العصر الذهبي لأمريكا إلى كابوس انتخابي يغير وجه السياسة الأمريكية من ولايته".(نيوزويك).

 

الأيام المقبلة وحدها كفيلة بإثبات ما إذا كان هذا الكابوس سيتحقق، ولكن المؤكد أن الرياح اليوم لا تهب في صالحه.

 

إن ما نراه اليوم من خلل داخلي في أعظم دولة تفردت بزعامة العالم ما هو إلا انهيارها عن مركز القيادة الأوحد إلى دولة قوية تعاني انشقاقات داخلية قد تعزلها لفترة أو تقسمها إلى دول، والأهم أن هناك عصراً جديداً قادماً، ألا وهو عصر الخلافة التي سوف تولد إن شاء الله من رحم العاصفة لتعيد لنفسها مكانتها وعظمتها وعزها بأيدي العاملين على استئناف الحياة الإسلامية، وكل يوم يمضي تزداد ثقتنا بأن فجر الخلافة أقرب من اليوم الذي مضى، وهي أقرب مما نتصور، فما علينا إلا أن نغذ السير مع حزب التحرير الذي يحمل قضايا الأمة ويتبنى مفهوم الأمة الذي يجعل من دولة الخلافة دولة كبيرة يوم منشئها إن شاء الله، ويتحقق وعد الله سبحانه وبشرى رسوله الكريم ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ».

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نبيل عبد الكريم

Link to comment
Share on other sites

بسم الله الرحمن الرحيم

 

البوصلة والانتماء والهوية:

بين إيران وأمريكا وسواها نموذجاً

 

(الجزء الأول)

 

منذ استهداف علي خامنئي والصف الأول من قيادات إيران واغتيالهم على يد أمريكا وكيان يهود، يتجدد السؤال حول ماهية المجتمع الذي نعيش فيه، أي عن البوصلة والهوية والانتماء. أي السؤال عن كل ما تعلق بفكر ومشاعر وأنظمة المجتمع أو الكتل البشرية، والمنهجية التي ينبغي اعتمادها لبناء الأفكار المتعلقة بالمجتمع فضلا عن المتعلقة بالفرد. فقد يوجد فارق بين تلك الأفكار السائدة في المجتمع وبين ما ينبغي أن تكون عليه. أما الأحداث التي تحصل في أي مجتمع فهي ترجمة عملية لسنة التدافع بين البشر، وبالتالي هي قد تعبر عن قناعات فئة من المجتمع مارست إرادتها. وهذا يعني أنها قد لا تعبر عن قناعات فئة أخرى. وفي بعض الأحوال قد تكون انعكاسا لما تحمله دول أخرى من قناعات إن استطاعت تلك الدول إقناع الناس أو جزء منهم بمبدئها ولو خارج حدودها المعهودة. وقد تكون الحروب إحدى تلك الوسائل التي تعتمدها الدول الخارجية لدفع فئات في مجتمع ما بالتنازل عن جزء من مبدئها إن لم نقل كله.

 

وهذا البحث يدفعنا إلى أن نذهب إلى أسس الخلاف وجوهره لا إلى تفاصيله المتشابكة، وإن كانت تتفرع عنه. فالبحث عن الهوية والبوصلة والانتماء يدفع المرء إلى أسئلة أساسية مفادها من أنا ومن نحن؟ لكن يظل هذا الطرح سطحيا ما لم يجب على أسئلة من أين جئت وإلى أين أسير في نهاية الطريق؟ فالاختلاف في النظرة إلى ما قبل الكون والإنسان والحياة وما بعدها هو الذي يدفع إلى نظرات مختلفة حول المجتمع، وفي الإجابة حول النظام الذي يصلح لمعالجة مشاكل أي مجتمع. أما الاكتفاء بالنظر إلى الحياة الدنيا دون الإجابة الصريحة على ما قبلها وما بعدها فلا يدل فقط على تفكير سطحي عند صاحبه بل على أنه ينطلق من الواقع الموجود لا لمعالجته بل للتكيف معه مهما مال وتغير ومهما ادعى غير ذلك. لأن الحكم على أي واقع من حيث وصفه بالحسن أو القبح لا بد أن يكون من مصدر غير الواقع. فالحكم على واقع معين في حياة المجتمع، أي العلاقات البشرية التي تسير، إن لم تكن توصف بالحسن أو القبح فلا تعدو إلا أن تكون وصفا لما يجري فيه، أي شرح الواقع ذاته سواء بسطحية أو عمق، أي بالتفصيل وبربطه بغيره من الوقائع. ومصطلح المجتمع لا يمكن فصله عن الأفكار والمشاعر والأنظمة؛ فهذه العناصر الثلاثة هي التي تربط الأفراد فيه وتجعله مجتمعا، ولو سادت فئة في المجتمع على غيرها في تحويل أفكارها ومشاعرها إلى أنظمة يحتكم إليها الجميع. ولا يشترط أن تبقى هذه الفئة على حالها فكل مجتمع تقع فيه سنة التدافع وفيه قابلية تحويل الأفكار والمشاعر والأنظمة لوضع مغاير ولو ببطء أو بسرعة.

 

وعند الحديث عن الأفكار يراعى أن ذلك لا يعني كل الأفكار بل تلك التي تتعلق بتكوين المجتمع، أي ربط الأفراد بعضهم ببعض، أي العلاقات البشرية والأسس التي تتكون على أساسها، ومنها تكوين الجماعات أو الروابط أو أي علاقة تنشأ جراء تلك العلاقة. والفكر على عمومه هو حكم على واقع.

 

والعلاقات بين الدول لا تخرج عن هذه القاعدة. فالموضوع لا ينحصر في دراسة ماهية مجتمع محدد بل كل المجتمعات وكيفية نشوء العلاقات بينها ومن ضمن ذلك الحروب. فالعلاقات وإن كانت تنشأ ابتداء لبناء مصالح بين الدول إلا أن الخلاف بين الدول لا يتكون نتيجة فقط لخلاف في المصالح بل في تعريف ما هو مصلحة؟ وهل المصلحة يمكن أن يصل إليها العقل بتجرد من غير مصدر آخر؟

 

وهذا يعود بنا إلى المربع الأول والسؤال عن "من أنا ومن نحن؟" لكن بنظرة مستنيرة أي إدراك ما علاقة ذلك بما كان قبل الإنسان والكون والحياة، لا علاقة أجوبة افتراضية بل علاقة إدراك ما يمكن الجزم به من حقائق باستخدام العقل: أي باستخدام المعلومات السابقة والبناء عليها بمعلومات إضافية وذلك باستخدام الإنسان حواسه بشكل صحيح لدراسة أي معلومة جديدة وانطباقها على واقعها (أو عدم انطباقها والعودة عنها وإهمالها) أي بوجود دماغ يصلح لربط المعلومات بعضها ببعض.

 

فالإجابة عن جواب سؤال "من أنا أو من نحن؟" بناء على ما أحمله اليوم من أوراق سفر لا تعدو عن أن تكون نظرة سطحية إلى واقع المجتمع. فالمجتمع الواحد عادة تتباين فيها الأفكار والمشاعر وإن كانت فيه الأنظمة واحدة نتيجة لسيادة فئة منه على سير المجتمع أو فئة خارجة عنه إن صح التعبير. والإجابة عليها بناء على النظام السائد هو خطأ كذلك لأن النظام السائد سواء تمثل بفكر أو بأشخاص الحكام قابلون للتغير. فكيف لهوية وانتماء وبوصلة أن تتغير؟ إلا في حالة واحدة وهي فصل الأجوبة عما قبل الحياة وما بعدها والاكتفاء بالواقع كيفما مال، ما يعد رضا بالمبدأ النفعي أو المصلحي، يميل حيث مالت الرياح. وهذا ما كانت عليه العرب قبل الإسلام؛ يصنعون إلهاً في النهار ويأكلونه ليلا! واليوم يتمثل هؤلاء بأصحاب المبدأ الرأسمالي في عالم إبستين، حيث يتحدثون ويتشدقون عن وجود الحريات في مبدئهم وخلوها في مبدأ الإسلام. وما حريتهم إلا حرية آلهتهم المزعومة بالقيام بالجرائم بحق البشرية التي لا يختلف أحد في تعريفها كجرائم. ناهيك عن أن حريتهم لا مكان فيها لشريعة الإسلام.

 

أما الإسلام فلم يزعم أنه مبدأ يدعو يوما إلى حريات، بل عبودية لله يتحرر فيها الإنسان من عبوديته لغيره من البشر والأهواء وتقر بعبوديته لخالقه.

 

أما مفاهيم "الصديق والعدو" فهي في الحقيقة مفاهيم خارجة عن الواقع ولا يمكن للواقع أن يطلق مثل تلك الأحكام لأن الواقع السياسي اليوم هو عبارة عن تاريخ يكتب غدا في العلاقات البشرية. وحتى الدساتير الوضعية فهي عندما تصف جهة ما بأنها عدوة فمرد ذلك ليس للواقع بل لنظرة خارجة عنه. فوصف كيان يهود مثلا بأنه عدو أو صديق لا يمكن أن يكون مصدره الواقع بل شيء خارجه، وهو النظرة إلى الواقع من زاوية محددة. فالذي يعيش داخل كيان يهود ويخدم في جيشه يغلب عليه أنه ينظر للكيان بوصفه صديقا بينما ابن الضفة الغربية يراه سرطانا للاجتثاث.

 

فأولئك الذين يدينون بالرابطة الوطنية وأنها تصلح للربط بين البشر عادة لا يجيبون عن سؤال ما قبل الحياة الدنيا وما بعدها، وأحيانا يتفادونها بل أحيانا يضعون هذا السؤال في معرض "الفتن التي يجب اجتنابها!" لأن التفكير السطحي دفعهم لاعتبار القناعات أو التعمق بالمعلومات باباً للتخاصم بين البشر، وهم بالمقابل يريدون تفادي غضب أو سخط غيرهم. ولكن أليس المجتمع أصلا مكوناً من القناعات التي يؤمن بها ذلك المجتمع أو الفرد؟ أليست كل قناعة قابلة للخصومة؟ ولماذا لم يعتبر ذلك الفريق أن مخالفتهم لأصحاب الفكر الإسلامي باباً للتخاصم والخلاف؟ لماذا لم يتنازلوا عن فكرتهم لأصحاب الفكر الإسلامي؟ فكيف يتنازل شخص أو تتنازل فئة عن فكرتها لإرضاء آخرين في حين لم يقبلوا بأن يتنازلوا هم عما لديهم لصالح أصحاب الفكر الإسلامي؟

 

ومن ناحية أخرى ألم ينتبه أغلب من يحمل فكرة الرابطة الوطنية أنها لا تحمل في طياتها أية معالجات للمجتمع من حيث سير العلاقات داخليا أي في علاقات الأفراد داخل ذلك المجتمع، بل مصدر القوانين فيه مرده مصادر أخرى سواء بشر معينين ومحددين جعلوا التشريع لأنفسهم بدل أن يكون للخالق، فيما يسمى اليوم مجالس النواب، أو في حالات معينة مرده إلى الإسلام كما في النظام الاجتماعي أي القوانين التي تضبط العلاقات بين الرجال والنساء وما تفرع عن ذلك نتيجة النكاح والنسل. فلم يكن للرابطة الوطنية دور في تشكيل الأنظمة داخليا سواء تعلقت بطبيعة نظام الحكم أو النظام الاجتماعي أو النظام الاقتصادي... حتى المشرعون في مجلس النواب لا دور للرابطة الوطنية في تكوينه لأن طبيعة نظام الحكم لم يكن للتراب. وما قررته الرابطة الوطنية هو مجرد اعتبار واقع العداوة على أساس المس بالحدود السياسية للدولة التي يعيش فيها المرء أو تعديلها، بالإضافة إلى إضافة بُعد عنصري، وهو أحيانا اعتبار كل من خارج حدود الدولة "عدواً" أو "ليس منا" على أقل تقدير، وليس مجرد اعتبار من يعتدي على الحدود السياسية من خارج البلاد بغزو البلاد عسكريا من خارجها. فماذا يقول أصحاب هذه الرابطة عن الدول التي تكونت حديثا مثل جنوب السودان؟ كيف يكون ابن جنوب السودان اليوم عدواً وهو كان بالأمس جزءاً من دولة السودان؟! فهل فعلا ابن الجزيرة العربية والسوري أو الإيراني عدو للبناني أو الإيراني؟ وهل هذه المصطلحات تعبر عن هويات حقيقية يبنى عليها ولاء وانتماء وهوية وبوصلة؟ فهل حقا مثلا تشكل سوريا أو لبنان هوية وانتماء وبوصلة سواء افترقتا أم توحدتا؟ أم أن هذا يعتمد على أمر آخر كالتدقيق في أسس التوحد أو الافتراق الفكرية؟ وهل من ينتقل ليعيش في دولة مختلفة كل أربع سنين لديه هوية وانتماء وبوصلة مختلفة لمجرد الانتقال بينها؟ وهل هذه هي الأسس التي جعلت من كيان يهود عدوا، أم أمر آخر؟

 

وهذا ما يعود بنا إلى السؤال الأول عما قبل الحياة الدنيا وما بعدها بشكل أو آخر لأنه يتمخض عنه سؤال هل فعلا أنتمي إلى تراب معين دون غيره أو إلى كيان سياسي أو آخر؟ هل أنتمي إليه بمجرد ولادتي في بلاد تسودها أفكار ومشاعر وأنظمة معينة؟ ما يجعل السؤال عما قبل الحياة وما بعدها يستحق الإجابة لأنه سيحدد مفاهيم الانتماء والهوية والبوصلة ويتفرع عنه مفاهيم الولاء والبراء أو الصديق والعدو وكل ما تعلق بهذه الحياة الدنيا بشرط أن يكون الجواب صحيحا متجردا من مفاهيم سابقة ومكتفيا بالحقائق التي يتوصل إليها بالعقل.

 

أما التجرد الخالص فلا يمكنني أن أزعم بأني أملكه، ولكنني بمحاولتي هذه أقول إن الإسلام قد أجاب على كل ما تعلق بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها، جوابا مقنعا وجوابا مرتبطا بهذه الحياة الدنيا ارتباطا مباشرا من خلال ربط أجوبته بأفعال الإنسان. فوضع المعالجات وأطلق الأحكام على أفعال الإنسان بالقبح والحسن وغير ذلك، فأضاف بعدا آخر إلى معارف الإنسان المكتسبة.

 

قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ * أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

 

فالإنسان بدون الوحي عاجز عن إطلاق أي حكم على الواقع سوى شرح ما يحصل فيه دون الخوض في التحسين والتقبيح وتحديد العقوبة الدنيوية والأخروية المترتبة على ذلك. ولو ترك هذا الأمر للإنسان لتنازع الناس واقتتلوا ولما اتفقوا عليه لأنه لا يوجد أساس ثابت لوضع تفاصيله من الإنسان وحده. وهذا حالهم في الدنيا؛ اقتتال على أن يكون التشريع لله أو أن بيد فئة من البشر تتحكم به لصالح أهوائها! فالقائلون بأن يكون التشريع للبشر لم يتفقوا على تفاصيل عقوبة واحدة وتعريف واضح لمعنى جريمة معينة، فهؤلاء طغوا بظنهم أنهم أغنياء عن الله تعالى. قال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ

 

أما علاقة الانتماء والبوصلة والهوية بموضوع إيران وأمريكا وسواهما كنموذج، فهو بحث عن علاقات بين دول وحكم الإسلام فيها. نعم إن إيران لا تطبق نظام الإسلام اليوم لكن هذا لا يعني أن الإسلام لا يحث على ما تقوم به من قتال لأمريكا وكيان يهود بل العكس، كما يحث كل قوة عائدة للأمة بفعل مماثل لطرد نفوذ دول الكفر السياسي والعسكري من بلاد المسلمين. فما تقوم به إيران من محاولات لطرد نفوذ أمريكا هو إظهار قوة المسلمين المهولة  وهذا فقط في دولة واحدة من بلاد المسلمين وإثبات أن من يحمي كيان يهود ليس أمريكا وبريطانيا فقط بل حكام العرب الخونة المحيطون بها سواء في الشام أو الأردن أو مصر. هذا بالرغم من سير إيران في فلك أمريكا سابقا في احتلالها العراق وأفغانستان وخوضها في دماء المسلمين في الشام. ولن يشفع لها استمرارها في تبني منهج طائفي مع الأمة الإسلامية وسيرها في "حلف الأقليات" بل لن يحميها شيء من الأمة الإسلامية إلا اذا تراجعت عن انتهاج المنحى الطائفي وتبنت الحكم الشرعي في كل قوانينها وسلوكياتها بدءا بتبني نظام الخلافة بدل النظام الجمهوري وانتهاء برميها لاصطفافات الشيعي مقابل السني في القمامة ومعاقبتها كل من شارك في الولوغ بدماء المسلمين في الشام وغيرها عقوبة شفافة يحصل بها الاقتصاص من الظالمين لأولياء الدم، وإخراج المظلومين من المسلمين وغيرهم من السجون ممن تم تلفيق تهم باطلة وظالمة لهم لأسباب طائفية بحتة لا تمت للشرع بصلة. ولا يعني ذلك ترك تبني مذهب معين في الأحكام الشرعية بل يعني الاندماج الحقيقي بالأمة الإسلامية، لا شكليا باحتفالات سنوية بل بجعل الإسلام هو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية ومنه وحدة الدولة الإسلامية. وعدم حصر الإسلام في مذهب معين بل ترك معتنقيه يتبنون المذهب الذي يقلدونه إلا ما تبناه الخليفة لكل المسلمين في الدنيا من أحكام ليسير عليها الجميع في الأحكام العامة المتعلقة بعلاقات البشر بعضهم ببعض. وعلى إيران وغيرها من الدول التفريق الواضح بين الإسلام والمكونات البشرية حيث إن مصطلحات الشيعي والسني اليوم لا تدل على الحكم الشرعي ولا طريقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا سنة محمد رسول الله ﷺ أي أفعاله وأقواله وتقريره، بل على قطيع من البشر يعيشون في أماكن جغرافية معينة. وشتان بين الأمرين!

 

أما واجب المسلمين جميعا فهو السير بخطا حثيثة لإيجاد نظام الإسلام في البلاد الإسلامية ونبذ الطائفية والوطنية كذلك وإيجاد دولة الخلافة بعد غيابها قرنا من الزمان عن المشهد السياسي وتوحيد البلاد الإسلامية تحت لوائها وحمل الدعوة الإسلامية عبرها إلى العالم أجمع. والعمل على أن تكون الدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيل الله هي أول أعمال هذه الدولة الفتية والثابتة بدل أن تكون هذه الأعمال فردية، وللتمكن من طرد أو سحق كل القوات المحتلة لبلاد  المسلمين سواء في الأرض المباركة أو أطراف الصين أو كشمير أو الصومال أو القواعد العسكرية الأجنبية في بلاد المسلمين. قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.

 

فالإجابة الصحيحة عن الحياة الدنيا وما قبلها وما بعدها قد تقرر بها أن هناك خالقاً خلق الكون وأرسل رسالة الإسلام للبشرية جمعاء عن طريق النبي محمد ﷺ. وهذه الرسالة أمانة في عنق الأمة الإسلامية، وهي تشمل معالجات كاملة

 

ومفصلة لكل المشاكل التي تنشأ في علاقات البشر بخالقهم وبأنفسهم وبعلاقاتهم بغيرهم من البشر. ما يعني أن الإجابة قد قررت أن "نحن" التي تعود إلى الهوية والبوصلة والانتماء هي في الحقيقة أننا أمة إسلامية واحدة بالمعنى الحقيقي لا المعنى الشعوري فقط، ما يعني أنه يجب أن يكون للمسلمين دولة واحدة يحكمها خليفة واحد في كل المعمورة. أما "نحن" في الأمة الإسلامية فهي ليست رابطة عنصرية لأنها دعوة لدخول البشرية كلها فيها لا دعوة منغلقة على أتباعها. فالرابطة التي يدعو الإسلام الناس لاعتناقها هي الرابطة المبدئية التي ينبثق عنها نظام وليس الرابطة الوطنية. وهي رابطة مبنية على العقل البشري الذي يشترك فيه كل إنسان عاقل وسوي، كما تتفق مع فطرة الإنسان وغرائزه لأنها لا تكبتها بل تنظمها. إذن المقصود بالمبدأ هنا ليس ما يتعارف عليه الناس عادة من المواقف أو الموقف الذي تنازل عنه، وإن كان الموقف الحازم هو من سمات من يحمل الرابطة المبدئية ولا يتنازل عنها، أي لا يتنازل عن عقيدة الإسلام مقرونا بنظامه المتكامل لحكم البشرية أي شريعته من ألفها إلى يائها. فالمبدأ هو العقيدة الإسلامية مع كل الأنظمة التشريعية التي انبثقت عنه لحمايته وتنفيذه وحمله رسالة إلى العالم. وأما العدو في نظر هذه الرابطة فهو وإن كان الكفر عموما فيعود ذلك إلى وصف واقع الكفر العقدي وليس لهدر دم صاحبه. إلا ما استثناه الإسلام بسبب اعتدائه على المسلمين ومقدساتهم بالفعل وخاصة دول الكفر التي لا تفتأ تقتل بالمسلمين وتنال من نظامهم وتضيق عليهم حتى في حرياتهم الشخصية المزعومة أو تفتح قواعد عسكرية في بلادهم لاحتلالهم مباشرة. أما الغالبية العظمى من البشر ولو كانوا غير مسلمين فهم وعاء الدعوة الإسلامية أي علاقتنا بهم هي علاقة داعٍ بمدعوّ، أي علاقتنا هي حملنا للدعوة إليهم حتى يعتنقوها ويحملوها معنا لنخرج الناس من الظلمات إلى النور لا بوصفهم الفردي فقط بل كجماعات وكأمة ومستقبلا كدولة تحمل الدعوة إلى الناس والدول أفواجا.

 

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نزار جمال

Link to comment
Share on other sites

Join the conversation

You can post now and register later. If you have an account, sign in now to post with your account.

Guest
Reply to this topic...

×   Pasted as rich text.   Paste as plain text instead

  Only 75 emoji are allowed.

×   Your link has been automatically embedded.   Display as a link instead

×   Your previous content has been restored.   Clear editor

×   You cannot paste images directly. Upload or insert images from URL.

Loading...
 Share


×
×
  • Create New...